← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

لا أبتغي الشِّيحَ بالرَّيحان مغتَنمًا … ولا أحاول حَوْذانًا بنسرينِ (١) ولا ألَذُّ برؤياهُ ويعجِبني … شَمُّ الخُزامى ولي نشْرُ الرَّياحينِ ولا أهيمُ بربعٍ غابَ ساكِنُهُ … عنهُ وأصبحَ قفْرًا غيرَ مسكونِ حسبي ببغدادَ دارًا والحريمِ حِمًى … من طارقاتِ صروفِ الدَّهرِ يكلوني فالعيشُ غضٌّ به والأمنُ متصلٌ … بالعدلِ من شَرَفٍ الدُّنيا مع الدِّينِ مُجرَّبُ الرأي يقظانُ البصيرةِ هجَّـ … ـامُ العزيمةِ قوَّامُ البراهينِ يُريكَ في الدَّستِ إطراقًا وهيبتُهُ … من الصعيدِ إلى أقطار جَيحونِ للحمدِ سوقٌ لديهِ غيرُ كاسدةٍ … وللمدائحِ أجرٌ غيرُ ممنونِ فلو رآه ابنُ يحيى وابنُ ذي يَزَنٍ … لَعوَّذاه بآياتِ الطَّواسينِ ثم آل أمرُه إلى أن حبسه الخليفة في داره، وأُخرج ميتًا في شوال، فحُمِلَ إلى داره، فغُسِّل فيها، ودُفن بالربة التي استجدَّها في قراح بن رزين، ومع ما رأى من الأموال والجواهر التي لم يرَها غيرُه مات مديونًا، فمنع أصحابُ الديون من دفنه في تربته، وقالوا: هذه ملكه، ولم يصحَّ وقفُها. ثم عجزوا عن إبطال الوقف، فسكتوا. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في سنة أربع وتسعين تقدَّم المستظهر بالقبض على عميد الدولة وعلى نوَّابه ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه، ومنكراتٍ عُزِيَتْ إليه. يحيى بن عيسى بن جَزلة (٢) أبو علي، المتطبِّب، صاحب "المنهاج"، كان نصرانيًّا، يقرأ على أبي علي بن الوليد المعتزلي، فلم يزَلْ يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل الواضحة حتَّى أسلم، واستخدمه أبو الحسن قاضي القضاة في كَتْبِ السجِلَّات، وكان يَطُبُّ أهل محلَّته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عِوَض، ويتفقَّد الفقراء ويُحسِن إليهم، ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة ﵁ وأرضاه.

стр. 9417

السنة الرابعة والتسعون وأربع مئة فيها قتل السلطان بركياروق خلقًا من الباطنية تحقَّق مذهبهم، وكانوا ثلاث مئة ونيِّفًا، وكتب إلى الخليفة بالقبض على من يُتَّهم أنَّه منهم، فصار مَنْ في نفسه شيء من أحد نسبه إليهم فيُنهب، حتَّى حُسِمَ هذا الأمر. وأول ما عُرِفَ من أحوال الباطنية في أيام ملك شاه أنهم اجتمعوا فصلُّوا العيد في ساوة، ففطن بهم الشِّحْنة، فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم، ثم سألوا مؤذنًا من أهل ساوة أن يدخل في مذهبهم، فامتنع، فخافوا أن يَنِمَّ عليهم فاغتالوه وقتلوه، ورُفِعَ ذلك إلى نظام الملك [وأخذ المتَّهم بقتل المؤذن -وكان نجارًا- فقتله، فقتلوا نظام الملك عِوَضَه، وهو أول مَنْ قتلوا، وكانوا يقولون: قتلتُم منَّا نجَّارًا، فقتلنا به نظام الملك] (١). ثم استفحل أمرهم بأصبهان لمَّا مات ملك شاه، فكانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويُلقونهم في الآبار، فكان الإنسان إذا دنا المساء ولم يعُدْ إلى منزله يئسوا منه. وأجلسوا امرأة على حصير لا تبرح منه، فدخلوا الدار وأزالوها، فوجدوا تحت الحصير بئرًا فيها أربعون قتيلًا، فقتلوا المرأة، وهدموا الدار والمحلَّة. وكانوا يُجلِسون رجلًا ضريرًا على باب الزُّقاق الَّذي فيه هذه الدار، فإذا مرَّ به إنسانٌ سأله أن يقوده خطواتٍ إلى الزُّقاق، فإذا فعل جذَبه مَنْ في الدار وأخذوه قهرًا فقتلوه، فجَدَّ أهلُ أصبهان فيهم، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا. وأول قلعة ملكها الباطنية قلعة في ناحية أصبهان يُقال لها: الرُّوذبار من نواحي الدَّيلم، وكانت هذه القلعة لقماج صاحب ملك شاه، وكان متهمًا بمذهبهم، فلمَّا مات ملك شاه أعطوه ألفًا ومئتي دينار فسلَّمها إليهم سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة. وقيل: لم يكن ملك شاه مات، وكان مُقدِّمها يقال له: الحسن بن الصبَّاح، وأصلُه من مرو، وكان كاتبًا للرئيس عبد الرزاق بن بَهْرام إذ كان صبيًّا، ثم سار إلى مصر وتلقَّى من

стр. 9418

دعاتهم (١)، وعاد داعيةً (٢) للقوم ورأسًا فيهم، فحصلت له هذه القلعة، وكانت سيرتُه في دعائه أنَّه لا يدعو إلَّا غبيًّا، لا يفرِّق بين يمينه وشماله، ولا يعرف من أمور الدنيا شيئًا، ويطعمه الجوز والعسل والشونيز حتَّى ينشط دماغه، ثم يذكر له حينئذٍ ما تمَّ على أهل البيت ﵈ من العدوان والظلم، حتَّى يستقرَّ ذلك في نفسه، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقةُ والخوارجُ سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أمية، فما سببُ تخلُّفِكَ بنفسك عن نُصرة إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طعمةً للسِّباع. وكان ملك شاه قد أنفذ إلى ابن الصبَّاح يدعوه إلى الطاعة، ويتهدَّده ويأمره بكفِّ أصحابه عن قتل العلماء والأمراء، فقال الرسول: الجواب ما تراه، ثم قال لجماعةٍ وقوفٍ بين يديه: أريد أن أُنفذكم إلى مولاكم في حاجة، فمن ينهض لها؟ فاشرأبَّ كلُّ واحدٍ منهم لذلك، فظنَّ الرسولُ أنها رسالة يُحَمِّلها إياهم، فأومأ إلى شابٍّ منهم وقال: اقتُلْ نفسَك. فجذب سِكِّينه، وضرب بها غَلْصَمته فخرَّ ميتًا، وقال لآخر: ارمِ بنفسك من القلعة. فألقى نفسه فتقطَّع، ثم التفت إلى الرسول وقال: لهم عندي من هؤلاء عشرون ألفًا هذا حدُّ طاعتهم. فعاد الرسولُ وأخبر ملك شاه، فعجب وأعرض عن كلامهم. وصار بأيديهم قلاعٌ كثيرةٌ منها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، وكان حافظُها تركيًّا، فصادفه نجَّارٌ باطني، وأهدى له جاريةً وفرشًا ومركبًا، فوثِقَ به، وكان يستنيبه في حفظ القلعة، فاستدعى النجارُ ثلاثين رجلًا من أصحاب ابن عطاش، وعمل دعوةً، ودعا التركيَّ وأصحابَه، وسقاهم الخمر، فلمَّا سكروا رفع الثلاثين رجل بالحبال إليه، وسلَّم القلعة إليهم، فقتلوا أصحاب التركي، وسَلِمَ التركيُّ وحدَه وهرب، وصارت القلعةُ في يدي عطاش، وتمكَّنوا وقطعوا الطرقات ما بين فارس وخوزستان، وانصرف جماعةٌ من أصحاب جاولي إليهم، وصاروا معهم، وحسَّنوا لهم اتباعَ جاولي والاستيلاء على ماله، فقصَدَه ثلاثُ مئة من صناديدهم، وعلم بهم، فلمَّا توسَّطوا الشعب عاد عليهم وأصحابُه فقتلوهم، ولم يُفلِتْ منهم أحد، وكان جماعة منهم في

стр. 9419

عسكر بركياروق، فاستغووا خلقًا منهم، فوافقوهم، فاستشعر أصحابُ السلطان منهم، ولبسوا السلاح، ثم قتلوا منهم نحو مئة رجل. وكان بالصَّيمر -وهو بلد من أعمال المشان- رجلٌ منهم يقال له: ابن الشيباش، ويتزهَّد ويدَّعي الكرامات، فمِنْ ذلك أنَّه أحضر يومًا جَدْيًا مشويًّا، وكان عنده جماعة، فلمَّا أكلوا أمر بَردِّ عظامه إلى التَّنُّور، فرُدَّت، وجعل على التَّنُّور طبقًا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدوا جَدْيًا يرعى حشيشًا، ولم يروا للنار أثرًا، ولا للرماد خبرًا، فتلطَّف بعضُ أصحابه حتَّى عرف القصة، وأن ذلك التَّنُّور كان يُفضي إلى سرداب وبينهم طبق من حديد يدور بلَولَب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه، ثم يُنزِلُ مكانَه طبقًا آخر مثله. وقال الغزالي: قد شاهدتُ قصة الحسن بن الصبَّاح لمَّا تزهَّد تحت حصن الموت، وكان أهل الحصن يتمنَّون صعوده إليهم، فامتنع، وكان مدة مُقامه تحت الحصن يقول: أما ترون المنكر كيف قد فشا؟ وفسد الناس، فصبا (١) إليه خلق كثير، فخرج الأمير صاحب الحصن إلى الصيد، وكان أكثرُ تلامذته في الحصن، فأصعدوه إليهم، وملَّكوه الحصن، وبعث الأمير مَنْ قتله، ولمَّا كثُرت قلاعُهم واشتغل أولادُ ملك شاه عنهم باختلافهم اغتالوا جماعةً من الأمراء والأعيان فقتلوهم. وفيها التقى محمد شاه وبركياروق، وكان بركياروق قد قصد خوزستان وانضمَّ إليه أولاد بُرْسُق وإياز، وسار يطلب أخاه محمد شاه وهو بأصبهان وقد جمع خلقًا من التركمان في خمسة عشر ألفًا، وكان بركياروق في خمسة وعشرين ألفًا، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتِلَ من الفريقين عددٌ كثير، فانهزم محمد شاه، وهرب وزيرُه مؤيد الملك بن النظام، فتبعه غلمان بركياروق، فأخذوه (٢) وجاؤوا به إلى بركياروق، فقام إليه وضرب عنقه بيده، وقال: هذا بوالدتي، فكانت وزارتُه سنةً وأحد عشر شهرًا وعمره خمسون سنة، ومضى محمد شاه إلى أخيه سنجر شاه، وكان له في خراسان، فاستجار به لينجده على بركياروق، فأرسل سنجر إلى بركياروق يسأله في محمد، فقال: لابُدَّ أن يطأ بساطي. فامتنع عليه محمد، واستفزَّ عليه طوائف الترك، وكان محمد شاه لمَّا كتب إلى

стр. 9420

أخيه سنجر يطلب منه مالًا قسَّط عليه أهل نيسابور، حتَّى أُخِذ من الحمامات والخانات، والكبير والصغير، والقوي والضعيف، وسار إلى محمد ليقصد بغداد، وكان بركياروق قد تفَرَّق عنه عسكره، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس، وخرج الموكب لتلقِّيه، فنزل بدار المملكة، ولمَّا وصل لم يرد سيفُ الدولة صدقة إلى خدمته، فراسله السلطان، فقال: إن أردتَ أن أكون في خدمتك فسلِّمْ إليَّ الوزير أبا المحاسن الدِّهِسْتاني، وكان الوزير قد نفذ إلى سيف الدولة قبل ذلك يقول: قد اجتمع عليك للخزانة ألفُ ألف دينار، فإن حملتَها وإلا قصدناك. وكان رسولُ العميد، فأنزله في خيمة، ولمَّا قرأ كتاب الوزير أمر أن تُقطع أطنابُ الخيمة، فقُطعت فوقعت عليه، فخرج وركب فرسه وقصد بغداد، وكتب إلى صدقة من الطريق: [من الرجز] لا ضُرِبَتْ لي بالعراقِ خيمةٌ … ولا عَلَتْ أناملي على قَلَمْ إن لم أقُدْها من بلاد فارسٍ … شعثَ النواصي فوقَها سودُ اللِّمَمْ حتَّى تُرى لي في الفرات وقعةٌ … يُشربُ منها الماءُ ممزوجًا بدمْ وقطع صدقة خطبة بركياروق، وخطب لمحمد. وفيها وصل محمد وسنجر إلى النَّهروان، وكان بركياروق مريضًا، فنقلوه إلى الجانب الغربي، ودخل محمد وسنجر بغداد في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وسار بركياروق إلى واسط، ثم إلى الجبل، وقُطعت خطبتُه ببغداد، وخُطب لمحمد شاه، ونزل بدار المملكة، ونزل سنجر بدار سعد الدولة. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في ربيع الأول جمع سُكْمان بن أُرْتُق خلقًا كثيرًا من التركمان، وزحف بهم إلى سَرُوج فملكها، وحشد الفرنج من الرُّها وغيرها وساروا إليه، فهرب التركمان، فضعُفَتْ نفسُه وانهزم، وجاء الفرنج إلى سَرُوج فقتلوا أهلها وسَبَوْهم، ولم يُفْلِتْ إلا من انهزم. وفيها وصل كُنْدُفري صاحبُ القدس إلى عكَّا وأغار عليها، فأصابه سهمٌ فقتله، وكان قد عمَّر يافا وسلَّمها إلى طُنْكري، فلما قُتِلَ كُنْدُفري سار أخوه بَرْدَويل القُومَص صاحب الرُّها إلى القدس في خمس مئة فارس وراجل، فجمع شمسُ الملوك دُقاق العسكرَ، وجاءه جناحُ الدولة صاحبُ حمص، وكان في خمس مئة فارس، وكان

стр. 9421

القُومَص قد عبر في بلاده وجاء إلى الساحل، فالتقوه بالقرب من بيروت، فسارع إليه جناح الدولة فأسره، وقتل بعض أصحابه، وانهزم الباقون. وقيل: إن بَرْدَويل أفلَتَ وحدَه ودخل القدس، فملَّكوه عليهم. وفيها افتتح الفرنج جملةً من بلاد الساحل منها حيفا وأرسوف وقيسارية بالسيف، وقتلوا أهلها. وفيها أرسل القاضي ابنُ صُليحة المتغلِّب على ثغر جبلة إلى أتابك طُغْتِكين يلتمس منه إنفاذ مَنْ يراه من ثقاته إليه ليُسلِّم إليه جبلة، فندب إليه ولدَ تاج الملوك يوري، وكان دُقاق بدياربكر، فعاد إلى دمشق بأمواله وأسبابه وخيله وكراعه، فأكرم طُغْتِكين مثواه وأحسن إليه، وطلب أن يُسيِّر معه طُغْتِكين من يوصله إلى بغداد، فبعث معه جيشًا، ووصل، فأُنزِل وأُكرِم، ووشى به واشٍ إلى السلطان وقال: معه أموال كثيرة. فنُهِبَ وأُخِذَ جميعُ ما كان معه، وأمَّا يوري فإنه أساء السيرة في جبلة، وآذى أهلَها وصادرهم، وما ألِفوا إلا الإحسان والعدل، فكاتبوا القاضي جلال الملك بن عمار صاحب طرابلس، فأرسل إليهم عساكرَ، فغلبوا أصحاب يوري وأخرجوهم من جبلة، وقبضوا يوري، وبعثوا به إلى ابن عمار، فأكرمه وأحسن إليه، وبعث به إلى دمشق، وكتب إلى والده يعرِّفه صورةَ الحال، ويخبره بما جرى، ويعتذر إليه، وحصَّن ابنُ عمار جبلة وأقامَتْ في يده. وفيها صادر دُقاق أبا علي بن محمد بن علي بن الصوفي رئيس دمشق على عشرين ألف دينار واعتقله، ثم أعاده إلى رياسته. وفيها تُوفِّي عبد الرحمن بن أحمد بن محمد (١) النُّوَيزي، نزيل مرو، ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير وأملاه، ورحل إليه الأئمة والعلماء، ورأى رجل النبيَّ ﷺ في منامه، فقال له: قُل لعبد الرحمن: أبشِرْ فقد قَرُبَ وصولُكَ إليَّ وأنا مُنتَظِركَ.

стр. 9422

وكان ورعًا زاهدًا عابدًا، يحتاط في مطعمه. عبيد الله (١) أبو بكر، مؤيد الملك (٢) بن نظام الملك، قتله بركياروق، وكان فاضلًا جوادًا سمحًا، وله شعر، فمنه: [من البسيط] قالوا أتى العيدُ مفتَرُّ الثغورِ فخُذْ … حظَّ السرورِ فهذا موسِمُ الطَّربِ فقلتُ والقلبُ في أيدي الفراق لعا (٣) … ومقلةُ العينِ تبكي من دمٍ سَرِبِ كيفَ السرورُ لنائي الدارِ مُكْتئبٍ … صبٍّ بعيدٍ عنِ الأوطانِ مغتَربِ عزيزي بن عبد الملك بن منصور (٤) أبو المعالي، الجِيلي، ويلقب بشَيذَلة، وَلِيَ القضاء بباب الأزج، وسمع الحديث، وكان شافعيًّا، لكنه كان أشعريًّا يتظاهر بمذهب الأشعري، وكان فيه حِدَّةٌ وبذاذةُ لسان، توفِّي في صفر، ودفن بباب أَبْرز. وسُرَّ أهلُ باب الأزج بموته، فإنه سمع يومًا رجلًا يقول: مَنْ وجد لنا حمارًا؟ فقال: ادخُلْ باب الأزج وخُذْ من شئت. وقال يومًا بحضرة نقيب النقباء طِراد: لو حلف حالفٌ أنَّه لا يرى إنسانًا، فرأى واحدًا من أهل باب الأزج، لم يحنث. فقال [له (٥)] النقيب: من عاشر قومًا أربعين صباحًا فهو منهم. صنَّف عزيزي الكُتب الحِسان، منها "لوامع أنوار القلوب في جوامع أسرار المحب والمحبوب" ومنها "نسيم الأُنس وقسيم القدس" وذكر في خطبة كتاب "لوامع أنوار القلوب": الحمد لله الَّذي اصطفى من خلقه أحِبَّاء وأصفياء، واجتبى منهم أتقياء وأولياء، وزيَّن في قلوبهم حدائقَ حقائق معرفته، وزرع فيها حِياض رياض محبته،

стр. 9423

وأزهر أنوارها بنور مكاشفته، ونسم عليها نسيمَ مشاهدته، حتَّى تلألأت بأزهارِ أنوارِ أسرارِ الحقائق (١)، وتشعشعت بلوامع جوامع الدقائق، فاخضرَّت بها أوراق أفنان أُنس الغُيوب، وأينعت بها مشاهدة المحبوب، وحلُّوا من منازل القرب بأمرع جناب، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم وحسن مآب، أحمدُه على الهداية، وأشكره على العناية، وأسأله سلوكَ سبل الهدى إلى منازل التوفيق، وتبَوُّأَ مجالس الرضا على مناصب التحقيق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مُحِبٍّ مُذْعِنٍ مُقِرٍّ مفتقر، يسكن قائلها في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الَّذي نزَّهه عن بوائق الدنيا، وشرح صدره بالوصول إلى الأخرى، واختاره لمحبته وارتضاه، وألقى إليه مقاليد شرعه وحباه، فصلَّى الله عليه ما أورق عود، ورسا عمود. وبعد، فإنَّ أرقَّ الخطاب وقعًا، وأدقَّ الكلام وضعًا، ما صدر عن صحيح صفاء القلوب، وظهر عن صدر أوصافِ المُحِبُّ والمحبوب؛ لأن الأشجان تُملي على البنان بيانَه، والدموعُ تُمِدُّ المِدادَ ألوانَه، فتُهيِّج في عيون القلوب أرواح العشاق، ويهيم في بيداء الهوى ارتياح المشتاق، كما حُكي أن بعض المشايخ نزل في سفينة في دجلة ليعبر إلى الجانب الشرقي، وهو يشكو إلى أصحابه عجزه عن أوقات أوراده وأسفاره، ويبكي شوقًا إلى ما مضى من طيب أوقاته وأوطاره، فمرت به السفينة تحت قصر من بعض القصور، فسمع منه منشدًا يقول: [من المتقارب] حَمامَ الأراكِ ألا خبِّرينا … لمن تهتِفينَ ومن تندُبينا فقد هِجْتِ وَيْحَكِ هذي القلوب … وأذرفتِ عينيَ ماءً مَعينا تعالي نُقِمْ مأتمًا للفراق … ونندُبُ أحبابَنا الظاعنينا ونُسعِدْك بالنَّوحِ كي تُسعدينا … كذاك الحزينُ يواسي الحزينا فقام الشيخ يبكي ويكرر الأبيات، ثم شهق شهقةً ومات، فلهذه الإشارات نظمت الواسطات لجماعة المُحِبِّين، وأوضحت فيها منازل المتيَّمين، كما قال إبراهيم الخوَّاص: إن هذا العلم لا يصلح إلا لمن يُعبِّر عن وَجْدِه، ويُخبر عن نَعْتِه، وينطق عن فِعْلِهِ، ويتكلَّم عن صفاء سِرِّه، وقد اشتمل كتابي هذا على أوصاف العارفين،

стр. 9424

وحكايات الأوائل منهم والمتأخرين، وقد رُوي عن الجنيد رحمة الله عليه أنَّه قال: حكايات الصالحين جندٌ (١) من جنود الله، تعيش بها أرواح المريدين، وتجري بها دموع المشتاقين، وأنشد: [من البسيط] إنَّ الحكاياتِ أصلٌ في الإراداتِ … فيها مَعانٍ وإظهارٌ لآياتِ فقيل له: من أين هذا؟ فقال: من قوله تعالى ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. والبيت من أبيات وهي: فيا لها عجبًا إذ صار عارفُهُم … يمشي على الماء من بين البريَّاتِ هذا بديعٌ من الأشياءِ ظاهرُهُ … وليس ذا بعجيبٍ في الإشاراتِ (٢) ورتب الكتاب في عشرة فصول. محمد بن الحسن (٣) أبو عبد الله، الراذاني، نزل أوانا قرية من قرى بغداد، وكان زاهدًا، منقطعًا، ورعًا، قنوعًا من الدنيا، صاحبَ كرامات وآيات، طلب منه ولدٌ صغيرٌ له غزالًا، فقال: يا بُنيَّ، ومِنْ أين لي غزال؟ فألحَّ عليه، فقال: الساعةَ يأتيك، فجاء غزال، فجعل يضرب الباب بقرنيه، فقال: يا بُنيَّ، قُمْ فخُذِ الغزال. وكانت وفاته بأوانا في جمادى الآخرة. محمد بن علي (٣) ابن عبيد الله (٤) بن أحمد بن صالح بن سليمان بن وَدْعان، أبو نصر، القاضي، الموصلي، وإليه تُنسب الأحاديث الودعانية.

стр. 9425

قدم بغداد سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وروى أحاديث مناكير وموضوعات. وكانت وفاته في ربيع الأول بالموصل. محمد بن منصور (١) أبو سعد، شرف الملك، المستوفي، الخُوارَزمي، كان جليلَ القدر، نبيلًا متعصِّبًا لأصحاب أبي حنيفة ﵁، وهو الَّذي بنى على أبي حنيفة القبة والمدرسة الكبيرة بباب الطاف، ومدرسةً بمرو، ووقف فيها كتبًا نفيسة، وبنى الرباطات في المفاوز، وعمل خيرات كثيرة، ثم انقطع في آخر عمره، وترك الاستيفاء، وبذل لملك شاه مئة ألف دينار حتَّى أعفاه من الخدمة. وكان الملوك يصدرون عن رأيه، وكان متنعمًا، فكان يُحمل إليه ماءُ خُوارَزم وهو بأصبهان؛ لأنه عليه نشأ، وتُحمل إليه حنطةُ مرو ببغداد، ويقول: هي أجود الحنطة. وكانت خاتون الجلالية قد قسطت على أهل أصفهان مالًا على قدر أحوالهم، فقسطت عليه جملة وافرة، فأرسل إليها يقول: هذا الَّذي أخذتيه مني لم يؤثِّرْ عندي، فإنَّ لي ذخائر كثيرة اكتسبتُها في أيامكم، وإن لم يعلم الناس أنَّ ما أُخِذَ مني لم يؤثِّرْ عندي استوكسوني وأنا الخادم الَّذي لم يُغيِّره حال، وهذا مالي بين يديها. فاستحسنت خاتون ذلك منه، ولم تتعرَّض له بعد ذلك. وكانت وفاته بأصبهان في جمادى الآخرة. محمد بن منصور (٢) النَّسَوي، عميد (٣) خراسان، ورد بغداد زمن طُغْرُلبكَ، وبنى مدرسةً ووقفها على أبي بكر بن أبي المظفر السمعاني وأولاده (٤) فيها إلى هلُمَّ جرَّا، وبنى مدرسة بنيسابور

стр. 9426

وفيها تربتُه، وكان كثير الخيرات والصدقات، محسنًا إلى الرعية. نصر بن أحمد بن عبد الله (١) أبو الخطاب، ويُعرَفُ بابن البَطِر، البزَّاز، ولد سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مئة، وسمع الحديث الكثير، وعُمِّر حتَّى صارت الرحلة إليه من الأطراف. وتوفِّي في ربيع الأول، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا، ثقةً، صدوقًا، سليمَ الصدر، جعله المستظهر على الدواليب، مشرفًا على علوفات البقر. وكان يكاتب الخليفة كلَّ وقت، فكتب إليه رقعة على رأسها: العبدُ ابن البَقِر المشرفُ على البَطِر، فضحك الخليفة. أبو المحاسن (٢) وزير بركياروق، كان قد نقم (٣) على أبي سعيد الحداد شيئًا، فقتله، فركب الوزير يومًا على باب أصبهان، فوثب عليه غلام أبي سعيد الحداد فقتله، وأخذ بثأر سيِّده، فأمر بركياروق بسلخ الغلام، فسُلخ [حيًّا، وعُذِّب حتَّى تَلف، ﵀، فقد قام بواجب حقِّ سيده (٤)]. السنة الخامسة والتسعون وأربع مئة فيها جلس الخليفة لمحمد وسنجر جلوسًا عامًّا، ودخلا عليه، وقبَّلا الأرض له، فأدناهما، وأفاض عليهما الخِلَع على جاري العادة، وتوَّجهما وطوَّقهما وسوَّرهما، وقرأ الخليفة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وخرجا إلى بركياروق، [ومضى سنجر إلى خراسان، والتقى محمد بركياروق على رُوذراور] فاقتتلا

стр. 9427

ثم اتفقا على أن السلطنة لبركياروق، ولمحمد هَمَذان وقزوين والجزيرة ودياربكر، ثم نقض محمد العهد، وسافر إلى قزوين، وتبعه بركياروق فكسره، فمضى [إلى (١)] أصبهان وبركياروق خلفه، فحصره في أصبهان ثمانية أشهر، وجرى على محمد كلُّ مكروه، ولقي منه أهلُ البلد مصادراتٍ كثيرة، وأفسد عسكرُه في البلد، ثم هرب محمد في الليل، وخرج من بعض الأبواب سرًّا، فلم يصبح إلا على فراسخ، [فندب بركياروق إياز في طلبه، فلحقه وقد نزل الضعفُ خيلَهُ، فبعث إلى إياز يقول: لي في عنقك أيمان ومواثيق. فقال: اذهَبْ في دَعة الله. فقال: فخَيلي ضعفاءُ. فأعطاه خيلًا، فركبها محمد ومضى، ولم يُعجب بركياروق سلامةُ أخيه. وفيها عمر صدقةُ الحِلَّة وانتقل إليها، وكان ينزل هو في بيت الشعر]. وفيها قبض بركياروق على إلكيا الهراسي، بلغه عنه أنَّه باطني، فكتب الخليفة إليه ببراءة ساحة إلكيا، وحسن [سيرته و] عقيدته ودينه، فأطلقه. ولما اجتاز الشام فنزل ابنُ صَنْجيل الفرنجي على طرابلس، فكتب ابنُ عمار إلى دمشق يستنجدهم، فسار عسكرها مع جناح الدولة صاحب حمص إلى أنطرطوس، والتقوا، فانهزم جناح الدولة إلى حمص، وعاد فَلُّ المسلمين إلى دمشق في جمادى الآخرة، ومات المستعلي صاحب مصر، وقام ولدُه أبو علي مقامَه، وجهَّز الأفضلُ العساكرَ المصرية إلى الساحل، ووصلوا إلى عسقلان في رجب مع نصير الدولة يُمْن، وخرج بَرْدَويل من القدس في سبع مئة راجل وفارس، وكبس العسكرَ المصريَّ، فثبتوا، وقتلوا معظم من كان معه، وانهزم في ثلاثة نفر إلى الرملة، واختبأ في أجَمَة قصب فأحاط المسلمون به، وأحرقوا القصب، فوصلت النار إليه، فاحترق بعضُ جسده، وأفلت إلى يافا، وأُسِرَ رجالُه، وحُملوا إلى مصر في رجب، وعاد الفرنج إلى طرابلس، فعاد ابنُ عمار وكتب إلى دمشق وحمص، فجاؤوا ودفعوا الفرنج عنه.

стр. 9428

وفيها تُوفي أحمد بن مَعَد (١) أبو القاسم، المستعلي، ولد بالقاهرة في المُحرَّم سنة سبع وستين وأربع مئة، وولي يوم الغدير ثامن عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع صفر، وله سبع وعشرون سنة، وكانت خلافته سبعَ سنين وشهورًا، والمتصرف في دولته الأفضل ابن أمير الجيوش، وكان هرب أخوه نزار بن المستنصر إلى الإسكندرية، وبها أفتكين، [فولَّى ابنَه، وزعم أن أباه عهد إليه، فقام له بالأمر أفتكين]، ولقَّبه ناصرَ الدولة، وأخذ له البيعة على أهل البلد، وساعده ابنُ عمار قاضي الإسكندرية، وأقاموا على ذلك سنة، فخرج الأفضل من القاهرة بالعساكر سنة ثمان وثمانين، فحصر الإسكندريةَ وضايقَها، فخرج إليه أفتكين فهزمه، فعاد إلى القاهرة، فجمع وحشد ونازلها، ففتحها عنوةً، وقتلَ أعيانَ أهلِها، واعتقل أفتَكين وابن عمار، فكتب ابنُ عمار إلى الأفضل ورقةً من الحبس يقول: [من البسيط] هل أنتَ منقذُ شلوي من يَدي زمنٍ … أضحى يقدُّ أديمي قدَّ مُنْتَهِسِ دعوتُكَ الدعوة الأولى وبي رمَقٌ … وهذه دعوةٌ والدهرُ مفترسي فلم تصِلْ إليه. فلما قُتِل وقف عليها، فقال: واللهِ لو وقفتُ عليها قبل قتْلِه ما قتلْتُه. وكان ابنُ عمار من حسنات الدهر، وقدم الأفضل بأفتكين ونزار إلى القاهرة، وكان أفتكين يلعن المستعلي وابنَ أمير الجيوش على المنابر، فقتله المستعلي بيده، وبنى على أخيه نزار حائطًا، فهو تحته إلى الآن، وكان للمستعلي أخٌ اسمه عبد الله، فظفر به الأفضل، وكان للمستعلي ولدان أبو علي منصور وجعفر، فولي منصور وبُويع له يومَ مات أبوه وعمره خمس سنين؛ لأنه ولد سنة تسعين وأربع مئة، ولُقِّب الآمر بأحكام الله، وقام بأمره الأفضل، فانتظمت الأحوالُ بتدبيره، وكان المستعلي حسنَ الطريقة، جميلَ السيرة في كافة الأجناد والرعية، لازمًا قصره كعادة أبيه، مكتفيًا بالأفضل سيف الإسلام فيما يُدبِّره (٢).

стр. 9429

الحسن بن الحسين بن محمد (١) الصوفي، أبو محمد، الكلابي، رئيس دمشق، وأصله من حلب، وسُمِّي الصوفي لأنه كان يُقصِّر ثيابه. وكان جوادًا، شجاعًا، مقدامًا، جليلًا، نبيلًا، سمع الحديث، وقرأ الأدب، ومات بدمشق وروى عنه محمد بن صابر وغيرُه. حسين بن ملاعب جناح الدولة، صاحب حمص، كان مجاهدًا، شجاعًا، يباشر الحروب بنفسه، دخل جامع حمص يوم الجمعة، فصلَّى، فقفز عليه ثلاثة من الباطنية فقتلوه، وقتِلوا، وجاء صاحب أنطاكية فحصر حمص، فصالحه أهلُها على مال، فرحل، وجاء دُقاق فتسلَّمها. وقيل: إنه قتل سنة ست وتسعين. وقال ابن القلانسي: في سنة ست وتسعين نزل جناح الدولة من قلعة حمص لصلاة الجمعة، وحوله غلمان بالسلاح، فلمَّا حصل بموضع مُصلَّاه وثب عليه ثلاثة من الباطنية العجم ومعهم شيخ، فجعلوا يدعون له يستحثونه وهم في زيِّ الزُّهَّاد، فضربوه بسكاكينهم، فقتلوه وقتلوا معه جماعةً من أصحابه، وكان في الجامع عشرة من متصوفة العجم وغيرهم، فقُتلوا مظلومين عن آخرهم، واضطرب أهل حمص، وراسلوا (٢) طُغتِكين ودُقاق يلتمسون إنفاذ نائب يتسلم القلعة قبل مجيء الفرنج، فسار شمس الملوك دُقاق وأتابك طُغتِكين بالعساكر إلى حمص، وصَعِدا القلعة، وجاء الفرنج إلى الرستن، فحين عرفوا ذلك تفرقوا، ثم رحلوا طالبين بلادهم، وعاد أتابك ودُقاق إلى دمشق. وسبب قتل جناح الدولة أنَّه كان عند رضوانَ ملكِ حلب منجِّمٌ باطني، وهو أول من أظهر مذهب الباطنية بالشام، فندب لقتل جناح الدولة أولئك النفر، وقُتِلَ المنجِّم بحلب، فكان بينه وبين قتل جناح الدولة أربعة عشر يومًا. وقيل: إنه مات فجأة.

стр. 9430

السنة السادسة والتسعون وأربع مئة فيها أُعيدت الخطبة لبركياروق ببغداد، والتقى محمد شاه بأخيه بركياروق، فانهزم محمد إلى إرمينية وخلاط، ثم عاد إلى توريز في جمادى الآخرة، ومضى بركياروق إلى زنجان، ووقع بينهما اتفاق (١). وفيها استوزر الخليفةُ زعيمَ الرؤساء أبا القاسم علي بن محمد بن محمد بن جَهير على كُرهٍ منه، وعزل وزيرَه سديدَ الملك أبا الفضل [بن (٢)] عبد الرزاق، فكانت وزازته عشرة أشهر. وفيها قصد أتابك طُغْتِكين ودُقاق الرحبة وحصروها، فسلَّمها أهلُها بالأمان، فقرَّر طُغْتِكين أمرَها وعاد إلى دمشق. وفي رمضان خرجت العساكرُ المصرية في البر، والأسطولُ في البحر، مع شرف الدولة ولد الأفضل، وكتب إلى دمشق وغيرها باستدعاء العساكر للجهاد، فجاءت العساكر، ونزلت على يافا وتفرقت في السواحل. وفيها خرج قليج أرسلان بن سليمان بن قُتُلْمِش من بلاد الروم طالبًا أنطاكية، فوصل مرعش، وكان الأمير الدانشمند بملطية، فاختلفا، فرجع قليج إلى ملطية، وأوقع بالدانشمند، وقتل رجاله، وانكفأ عن ملطية، وكتب إلى حلب يلتمس الإقامة والميرة لعساكره، وأنه قاصدٌ أنطاكية، فتباشر الناس. وفيها تُوفِّي أردشير بن منصور (٣) أبو الحسين، العبَّادي، الواعظ، من أهل مرو، وكان يخاطَب بالأمير قطب الدين، قدم بغداد سنة ست -وقيل: سنة خمسة وثمانين- وجلس في النِّظامية، وحضر أبو حامد الغزالي مجلسه، وكان يحاضره ويذاكره، فامتلأ صحنُ المدرسة وأروقتُها وغرفُها وسطوحُها بالناس، وخرج إلى مراح طَغْر فجلس به، وكان يحضر مجلسه من

стр. 9431

الرجال والنساء ثلاثون ألفًا، وكان صمتُه أكثرَ من نطقه، وإذا تكلَّم هام الناسُ على وجوههم، وترك الناسُ المعاش، وحلق أكثرُ الصبيان رؤوسهم، ولزموا المساجد والجماعات، وبدَّدوا الخمور، وكسروا الملاهي. وكانت عليه آثار الزهد ظاهرة. وقال إسماعيل بن أبي سعد الصوفي: كان العبَّادي ينزل في رباطنا، وكان في الرباط بركة كبيرة، وكان يتوضأ منها، فكان الناس ينقلون منها الماء بالقوارير والكيزان تبركًا، حتَّى كان يظهر فيها النقصان، وظهرت له الكرامات؛ قام إليه رجل ليتوب، فقال: قِفْ مكانك ليطهرك ماءُ المطر -ولم يكن في السماء قزعة من سحاب- فارتفع سحابٌ في الوقت وأُمطِرَ الرجلُ. وقال أبو منصور الأمين: قال لي العبادي يومًا: يا أبا منصور، أشتهي توتًا شاميًّا وثلجًا، فإنَّ حلقي قد تغيَّر. فعبرتُ إلى الجانب الغربي ولي فيه بساتين، فطفتُ واجتهدتُ فلم أرَ شيئًا، فرجعتُ قُبيل الظهر إلى داري، وكان نازلًا في بيت منها منفرد، فقلت لأصحابه: من جاء اليوم؟ قالوا: امرأة. وقالت: قد غزلتُ غزلًا، وأُحِبُّ أن تقبل ثمنه مني. فأخبرناه فقال: ليس لي عادة بذلك. فجلست تبكي، فرحمها وقال: قولوا لها: اذهبي فاشتري لنا به شيئًا. فقالت: ما الَّذي أشتري؟ فقال: ما يقع في نفسها. فخرجَتْ فاشترَتْ توتًا شاميًّا وثلجًا وجاءت به. وقال أبو منصور: دخلتُ يومًا عليه فقال لي: يا أبا منصور، قد أحببتُ أن تعمل لي اليوم دعوة. قال: فاشتريتُ الدجاج، وعقدتُ الحلواء، وغرمتُ أكثر من أربعين دينارًا، فجلس يفرِّقه ويقول: احمل إلى الرباط الفلاني كذا وكذا، وإلى المكان الفلاني، ولم يتناول منه شيئًا، ورأى فيَّ انقباضًا، فغمس أصبعه الصغرى في الحلواء وقال: يكفي هذا. وكان معه طعام قد حمله من مرو، فكان يأكل منه، ولم يأكل من خبز بغداد. قال: وكنت أرصده، فكان يصلي العشاء الآخرة ويَتَقلَّب على فراشه طول الليل، ثم يقوم فيصلي الفجر بذلك الوضوء. وقال عبد الوهاب بن أبي منصور: دخلتُ على العبَّادي وهو يشرب مرقة، فقلت في قلبي: ليتَه أعطاني فضلَتَه فأشربَها، لعلِّي أحفظ القرآن. فأعطاني فضلتَه وقال: اشرَبْها على تلك النية. فشربتُها، فحفظتُ القرآن.

стр. 9432

ولمَّا قدم بغداد ونفق كلامُه وكان البرهان الغزنوي يعظ بها، فانكسر سوقُه، فقال الدهَّان (١): [من السريع] للهِ قطبُ الدينِ من عالمٍ … منفردٍ بالعلمِ والباسِ قد ظهرت حُجَّتُهُ للورى … قام بها البرهانُ للناسِ والبرهان عيسى بن عبد الله الغزنوي كان يُظهر مذهب الأشعري على المنبر، فيُرجم من كلِّ ناحية، ويُكلِّم العباديَّ في الربا وبيع القراضة بالصحيح، وأنكر ذلك، فمُنع من الجلوس، وأُمر بالخروج من البلد، فخرج إلى مرو وأقام بها إلى هذه السنة، فتوفِّي غرَّة جمادى. وقيل: مات سنة سبع وتسعين. نبذة من كلامه: ذكر في تأويل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] قال: [هو] (٢) رقيب العين، وقريب القلب. وقال: قد تأخَّر الغيثُ، وقحط الناس، وصارت المعاصي عمامًا يمنع قطرات الغيث، فانزعوا عن العيث. وطلب يومًا لفقير شيئًا، فأعطاه رجلٌ دينارين، فقال: [يا صاحب الدينارين، كفاك اللهُ همَّ الدارين]. وقال: السَّحَرة نزلوا تحت الشجرة فنالوا الثمرة. وقال في قصة موسى ﵇ حين شمَّ التفاحة فمات: كان شمُّ نفَسِه سُمَّ نَفْسِه. وسُئِلَ: لِمَ (٣) لم يؤدَّبْ آدمُ في الجنَّة؟ فقال: كيف يُقامُ حدُّ الأدب في دار [الأنس و (٤)] الطرب. وقال: السعيد في الجنَّة الرحيق، والبعيد في النار الحريق.

стр. 9433

ولا خفاء أن الرجل كانت له معاملات ورياضات دلَّ عليها كثرةُ صلاته وصيامه، ولهذا كان ينتفع الناس بسكوته أكثرَ ممَّا ينتفعون بكلامه. محمد بن عبيد الله (١) ابن محمد بن أحمد بن كادِش، أبو ياسر، العُكْبَري، الحنبلي، كان مفيدَ بغداد، سمع الكثير، وكتب وحفظ، وخرَّج وصنَّف، ومات في صفر، ودُفن بباب حرب، وكان ثقةً ثبتًا فاضلًا. أبو المظفر الخُجَندي (٢) المدرس بأصبهان، الشافعي، جد بَيت الخُجَنْدي، وينسب إلى المُهلَّب بن أبي صُفْرة، وقعت فتنة بالري، فخرج ليصلح بين الفريقين، فرماه علويٌّ بسهم فقتله، وقُتِلَ العلوي. أبو المعالي (٣) الزاهد، البغدادي، كان مقيمًا بمسجد بباب الطاق، حضر مجلس ابن أبي عمامة، فوقع كلامه في قلبه فتزهَّد، وكان لا ينام إلا جالسًا، ولا يلبس إلا ثوبًا واحدًا شتاءً وصيفًا، وكان منقطعًا إلى العبادة. جاءه سعد الدولة الكوهراني شِحنةُ بغداد زائرًا فقال: أغلقوا الباب. فجاء سعد الدولة، فنزل من فرسه وطرق الباب، وقال: واللهِ ما أبرحُ حتَّى يفتح لي. ففتحَ له، فدخل فجلس بين يدَي الشحنة يُوبِّخه ويزجره، وسعد الدولة يبكي بكاء كثيرًا. وقال أبو المعالي: أضقتُ إضاقةً شديدة في رمضان، فعزمتُ على المضيِّ إلى رجل من أقاربي أطلب منه شيئًا، فنزل طائر فجلس على منكبي وقال: أنا الملَك الفلانيُّ، لا تمضِ إليه، نحن نأتيكَ به. فلما طلع الفجر إذا بقريبي قد جاء ومعه دنانير، فوضعها بين يديَّ. ومات في هذه السنة، ودفن بباب حرب.

стр. 9434

[السيدة بنت القائم بأمر الله (١) التي كانت زوجة طُغْرُلْبَك، كانت كثيرة الصدقات، صلَّى عليها المستظهر، وهي عمَّة أبيه المقتدي، وجلس الوزير في العزاء ثلاثة أيام في الديوان، وحُملت إلى الرُصافة]. السنة السابعة والتسعون وأربع مئة فيها وقع الصلح بين الأخوة بركياروق [ومحمد وسنجر، على أن يكون اسمُ السلطنة لبركياروق] (٢)، وضَرْبُ النُّوبة في الصلوات الخمس على بابه، وأن يكون لمحمد أرمينية وأذربيجان ودياربكر والجزيرة والموصل، وأن يكون سنجر على خراسان بحاله، وأن يكون لبركياروق الجبل وهَمَذان وأصبهان والري وبغداد وأعمالها، والخطبة ببغداد لبركياروق، وسنجر ومحمد يخطبان لنفوسهما، وسبب هذا أنَّ الفتن لمَّا طالت بعث بركياروق القاضي أبا المظفر (٣) الجرجاني إلى محمد شاه في رسالة (٤)، فصَعِد المنبر، ومحمد حاضر، فذكر ما أمر الله به من إصلاح ذات البَين، والنهي عن قطيعة الرحم، فأجاب محمد إلى الصلح، وتحالفا، ووصل الخبر إلى بغداد [فقطعت خطبة محمد، وأُعيدت خطبة بركياروق. وفيها أخرج الواعظ الغزنوي من بغداد] (٥) بسبب الفتن، فتوفي بإسفرايين. [وفي رجب وردت مواكب الفرنج إلى اللاذقية مشحونة بالمقاتلة والتجار وغيرهم، ونزلوا على طرابلس مع صَنجيل، وأقاموا أيامًا، وأمنوا أهلها، ودخلوها، ثم غدروا بأهلها فقتلوهم] (٦).

стр. 9435

وفيها نزل الأمير سُكْمان بن أُرتُق صاحب ماردين والأمير جكرمش صاحب الموصل على رأس العين في شعبان عازمين على لقاء الفرنج وقتالهم، ونهض بيمند وطغْتِكري من أنطاكية إلى الرُّها بالعساكر لينجدا صاحبها، وعرف المسلمون، فساروا إلى قريب الرُّها، فصادفوهم والتقوا، فنصر الله المسلمين عليهم، فقتلوا منهم عشرة آلاف ما بين راجل وفارس، وانهزم بيمند وطُغْتِكري في نفر يسير، فقَويَت قلوب المسلمين. وفيها نزل بَغْدَوين صاحبُ القدس على عكَّا في البر والبحر في نيف وتسعين مركبًا، فحصروها من جميع الجهات، وقاتل أهلها حتى ضعفوا، وكان واليها زهر الدولة الجُيوشي، فعجَز عنهم، فطلب الأمان له وللمسلمين فلم يُعطوه، وأخذوها بالسيف في رمضان -وقيل: في شعبان- وجاء زهر الدولة منهزمًا إلى دمشق، فأحسن إليه طُغْتِكين، ثم مضى إلى مصر، وكان صَنجيل صاحب أنطاكية قد بنى على طرابلس حصنًا ليأخذها به، وشحنَه بالرجال والأموال والسلاح، فخرج القاضي ابنُ عمار في عسكره في ذي الحجة وهجم هذا الحصين على غرة، فقتل مَنْ فيه ونهبه، وأخذ من المال والسلاح والمتاع شيئًا كثيرًا وهدمه، وعاد إلى طرابلس سالمًا غانمًا. وفيها خرجت الفرنج من الرُّها، وانقسموا قسمين، قسم قصدوا حرَّان، والآخر الرقة، فنزل سُكْمان من ماردين، وكان سالم بن بدر العقيلي في بني عقيل نازلًا على عين العروس، فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وأُسِرَ سالم، وكانت الدَّبَرة على الفرنج، فانهزموا وقُتِلَ منهم خلقٌ كثير. وفيها تُوفِّي أحمد بن الحسين بن حَيدرة أبو الحسين، ويُعرَف بابن خُراسان، الطرابلسي، الشاعر، هجا فخر الملك بن عمار وأخاه، فأُمِرَ به فضرب حتى مات، ودفن بطرابلس، ومن شعره: [من الطويل] [سقا اللهُ أرضًا نهرُها البحر طافيًا … وأرجاؤها من مناحيةٍ خُضْرُ

стр. 9436

جداولُها خمرٌ ومِسْكٌ تُرابُها … وأشجارُها البيضُ الرَّعابيبُ (١) والسُّمْرُ أُرَجِّي اصطبارًا عن هواها وطيبِها … وأرجو ولكِنْ ما يُطاوعني الصَّبرُ وقال: [من البسيط] أحبابنا غيرُ زُهدٍ في محبَّتكُمْ … كَوْني بِحمْصَ وأنتمْ في طرابُلسِ إنْ زُرْتُكُمْ فالمنايا في زيارتِكُمْ … وإن هجرتُكُمُ فالهَجرُ مُفترِسي ولستُ أرجو نجاحًا في زيارتكمْ … إلَّا إذا خاض بحرًا من دمي فرسي وأنثني ورماحُ الخطِّ قد حكمَتْ … في كلِّ أرْوَعَ لا وانٍ ولا وَلسِ (٢) وقال: [من الطويل] جزى اللهُ عنَّا النَّيربَ الفردَ صالحًا … لقد جمع المعنى الذي يُذهبُ الفِكرا] (٣) خرَجْنا على أنَّا نقيمُ ثلاثةً … فطابَ لنا حتى أقمنا بها عشرا إسماعيل بن علي (٤) ابن الحسن بن علي، أبو علي الجاجَرْمي، الأصم، النيسابوري، ولد سنة ست وأربع مئة، وطاف البلاد، وعاد إلى نيسابور فتوف فيها في المحرَّم. وكان واعظًا، زاهدًا، ورعًا، صدوقًا، حسن الطريقة، ثقةً. دُقاق بن تُتُش (٥) أبو نصر، شمس الملوك، صاحب دمشق، وليها بعد قتل أبيه تاج الدولة تُتُش سنة سبع وثمانين وأربع مئة، وقام بأمره ظهير الدين أتابك، وتزوَّج والدته. وقال ابن القلانسي: في هذه السنة عرض لدُقاق مرضٌ تطاول به، ووقع معه تخليط في الغذاء، فأوجب انتقاله إلى علة الدق، فلمَّا وقع اليأس منه نقدمت إليه والدتُه الخاتون صفوة

стр. 9437

الملك بأن يوصي، فنصَّ على طُغْتِكين في حضانة ولده الصغير تُتُش إلى حين يكبر، وتوفي في الثاني والعشرين من رمضان، ودُفِنَ على الشرف الشمالي بدمشق بقبة الطواويس، فشرع طُغْتِكين في الإحسان إلى العساكر والرعية، وأطلق الأموال، وأكثر الصدقات، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وقمع المفسدين، فاستقامت له الأمور، وأجمع على طاعته الجمهور، وكان دُقاق قبل وفاته قد سيَّر أخاه أرتاش إلى بعلبك، وأمر أن يُعتقل في الحصين عند وإليه فخر [الدولة كمُشْتِكين التاجي، فرأى طُغْتِكين في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة أن يراسل كُمُشْتِكين في إطلاق أرتاش] (١) وإنفاذه إلى دمشق، فأطلقه الخادم، فتلقَّاه طُغْتِكين وأكرمه، وأقام في منصب أخيه دُقاق، وتقدم إلى الأمراء بطاعته، وأجلسه في دَسْت المملكة لخمسٍ بقين من ذي الحجة، ولُقِّب أرتاش مجير الدين، ثم استوحش أرتاش من طُغُتِكين ومن والده دُقاق، وأوقعت أمُّه في نفسه الخوف منهما، وأشارت عليه بالعود إلى بعلبك، فخرج من دمشق في صفر وقد قرَّر مع أيتكين الحلبي صاحب بصرى الفسادَ، وجَمْعَ العساكر، وقتال طُغْتِكين، واجتمعا بحوران، وراسلا بَغْدوين صاحب القدس، وتوجَّها إليها، وأقاما عنده مدة بين الفرنج يُحرِّضانه على المسير إلى دمشق، ويبعثانه على إفساد أعمالها، فلم يحصلا منه على طائل، فتوجَّها إلى ناحية الرحبة في البرية، وقضى الله بوفاة تُتُش بن دُقاق، وبسط طُغْتِكين العدلَ، وأفاض الإحسانَ، ورخصت الأسعار، وكثرت الأدعية لطُغْتِكين. وقيل: إنَّ أم دُقاق سمَّته في عنقود من عنب، أدخلت فيه إبرًا مسمومة، وبعثت به مع جارية إليه، ثم ندمت، وأرسلت إلى الجارية: لا تفعلي، وقد مات. علي بن عبد الرحمن بن هارون (٢) أبو الخطاب بن الجراح، ولد سنة عشر وأربع مئة، وكان فاضلًا، أديبًا، من أهل بيت الفضل والرياسة، وصنَّف قصيدتين في القراءات، سمَّى إحداهما بـ "المكملة" والأخرى بـ "المستجدة".

стр. 9438

وكانت وفاته في ذي الحجة، ودفن بباب أبْرز عند أبي إسحاق الشيرازي، وكان صدوقًا ثقة. العلاء بن الحسن (١) ابن وهب بن مُوصَلايا، أبو سعد، الكاتب، الفاضل، خدم في كتابة الإنشاء للخلفاء خمسًا وستين سنة. وكان نصرانيًّا، فأسلم في سنة أربع وثمانين على يد المقتدي، وناب في الوزارة في أيامه وأيام المستظهر نوبًا كثيرة، وكان كريمَ الأخلاق، طاهرَ اللسان، قال بعض أصحابه: شتمتُ يومًا غلامًا لي فوبَّخني وقال: أنتَ قادر على تأديب الغلام أو صَرْفه، فأما الفواحش والخنا والقذف فإياك والمعاودةَ إليه، فإنَّ الطبع يسرق من الطبع، والصاحب يُستدَلُّ به على المصحوب. وكانت وفاته فجأة، وكان قد أضرَّ قبل موته، فكان يُملي على ابن أخيه أبي نصر إلى أن مات، وكان عميد الدولة ابن جَهير يثني عليهما ويقول: هما يمينا الدولة وأميناها، ولا يُبرم أمرًا دونهما، ومن شعر العلاء: [من الخفيف] [يا خليليَّ خلِّياني ووَجْدي … فمُلامُ العَذولِ ما ليسى يُجْدي ودعاني فقد دعاني إلى الحُكـ … ـم غريمُ الغرام للدَّين عندي فعَساه يرقُّ إذْ ملَكَ القَلْـ … بَ بنقدٍ من وصلِهِ أو بوعدِ ثمَّ من ذا يُجيرُ منهُ إذا جا … ر ومَنْ ذا على تعديهِ يُعدي وقال:] [من الطويل] أحِنُّ إلى روضِ التَّصابي وأرتاحُ … وأمتحُ (٢) في حوض التَّصافي وأمتاحُ وأشتاقُ ريمًا كلَّما رُمْتُ صَيدَهُ … تصُدُّ يدي عنهُ سيوفٌ وأرماحُ

стр. 9439

غزالٌ إذا ما لاحَ أو فاحَ نشرُهُ … تُعذَّبُ أرواحٌ وتَعْذُبُ أرواحُ وكرخيَّةٍ (١) عذراءَ يُعْذَرُ حِبُّها … ومِنْ زَنْدِها في الدَّهرِ تُقْدَحُ أقداحُ إذا جُلِيَتْ في الكاسِ والليلُ ما انجلى … تقابَلَ إصباحٌ لديكَ ومصباحُ يطوفُ بها ساقٍ يسوقُ جِمالهُ … نَفَاقٌ لإفسادِ الهوى فيه إصلاحُ به عُجْمةٌ في اللَّفظِ تُغْري بوَصْلِهِ … وإن كانَ منهُ بالقطيعةِ إفصاحُ وغُرَّتُهُ صبحٌ وطُرَّتُه دُجًى … ومَبْسِمُهُ دُرٌّ وريقتُهُ راحُ (٢) أباح دمي مُذْ بُحْتُ في الحبِّ باسمِهِ … وبالشَّجْو من قبلي المُحِبُّونَ قد باحوا ومن نثره: أمطاه اللهُ غوارِبَ (٣) العلا وصهواتها، وأعطاه مطالبَ المنى وشهواتِها. ومنه: كتابنا وملابس السلامة علينا ضافية سابغة، وموارد السعادة صافية سائغة. السنة الثامنة والتسعون والأربع مئة فيها تُوفِّي بركياروق، ودخل السلطان محمَّد شاه بغداد وخطب له بالسلطنة، ثم خرج منها في شعبان إلى الجبل. وفيها مرض أتابك طُغْتِكين مرضًا خاف منه على نفسه، فكاتب الأميرَ سُكمان بن أُرْتُق صاحب ماردين يستدعيه إلى دمشق في عسكره ليوصي إليه في حماية دمشق وأهله وولده، فجاء سُكْمان فنزل القريتين، فلام طُغْتِكينَ أصحابُه، وقالوا: تُعطي ابنَ أُرْتق دمشق وتُخرِجُها عن ولدك وولد مولاك، وكيف يكون حالنا؟ أوليس قد عرفت أتْسِز لمَّا استُدعي تاج الدولة لنصرته كيف قتله واستولى على الشام، فانتبه طُغْتِكين من غفلته وندم، فأرسل إليه: تثبَّتْ مكانك، فأنا خارجٌ إلى خدمتك. فاتَّفق أنَّ سُكْمان مرض تلك الليلة مرضًا شديدًا، وأصبح ميتًا، فأخذه أصحابُه في تابوت، ورحلوا إلى ماردين، فسُرَّ طُغْتِكين.

стр. 9440

وفيها هلك صَنجيل صاحبُ أنطاكية، وكان قد صالح ابنَ عمار بطرابلس وهادنه؛ أن يكون لصَنجيل ظاهر طرابلس ولا يقطع الميرة والمسافرين عنها. وفي شعبان توجَّه طُغْتِكين إلى بعلبك منكرًا على كُمُشْتِكين الخادم أسبابًا ظهرت منه، وحصرها وضايقها، فبعث يتنصل ويحلف على بطلان ما نقل إليه، فصفح عنه، ورحل إلى حمص، فنزل رفنية، وكان الفرنج قد أحدثوا بها حصنًا، فهدمه وقتل مَنْ كان فيه، وأخرب الحصين وأبراج رفنية (١)، وسار إلى حمص. وفي رجب خرج فخر الملك (٢) رضوان من حلب في خلقٍ عظيم قاصدًا طرابلس ينجدها على الفرنج النازلين عليها، وكان الأرمن الذين في حصن أَرْتاح قد سلَّموه إلى رضوان لمَّا شمله جَوْرُ الفرنج، وخرج طُغْتِكري من أنطاكية ليخلص حصن أَرْتاح، فالتقى رضوانَ، واقتتل الفريقان، فانهزم فرسان المسلمين، وثبت الرجَّالةُ وأحداثُ حلب، فحصدهم الفرنج، وفُقِدَ من الفرسان والرجَّالة ثلاثةُ آلاف، ورجع رضوان إلى حلب، وهرب المسلمون من حصن أَرْتاح، وتسلَّمه الفرنج. وفيها عاد أرياش وأيتكين الحلبي إلى بصرى من الرحبة، فخرج طُغْتكين بالعساكر، ونازل بصرى وحصرهما فيها، واتفق خروج العسكر المصري في عشرة آلاف مع الأمير شمس المعالي ولد الأفضل، وكوتِبَ طُغْتِكين بالمسير معه إلى قتال الفرنج وكان نازلًا على بصرى، فامتنع، ثم رأى تقديمَ الجهاد، فسار إلى العسكر المصري، والتقى المسلمون والفرنج، فانهزم عسكر المصريين إلى عسقلان، وعسكر طُغْتِكين إلى بصرى، [وقُتِل من الفريقين عددٌ كثير، ولمَّا وصل طُغْتكين إلى بصرى (٣)] وجد أرياش وأيتكين قد خرجا منها إِلى الرحبة، فأمن أهل بصرى وسلَّموها إليه، فلم يتعرَّض لهم، وطيَّب قلوبهم. وفيها بعث ضياء الدين [محمد] وزير ميَّافارقين إلى قُليج أرسلان بن سلمان بن قُتُلْمِش وهو بملطيةَ يستدعيه إلى ميَّافارقين.

стр. 9441

ذكر بداية قُليج (١) أرسلان: كان قد قصد باب السلطان ملك شاه جلال الدولة، وأقام في خدمته، فأمره بقصد الروم، فسار في جيش من النازكية (٢)، ففتح ملطية وقيسارية وأقصرى وقُونية وسيواس وجميع ولاية الروم وأقام بها، فلمَّا كاتبه وزير ميَّافارقين قدم إليها وملكها، واستوزر ضياء الدين محمَّد، وجمع أمراء دياربكر؛ إبراهيم صاحب آمِد، والسبع الأحمر صاحب أسعرد، وجماعة، وولي ميَّافارقين مملوك أبيه خمرتاش السليماني، وكان أتابكه، وخرج من ميَّافارقين، وأخذ معه ضياء الدين، وأقطعه أبُلُستين (٣) وجاء إلى الموصل فالتقاه جاولي مملوك السلطان محمَّد، فكسره، فانهزم قُليج أرسلان، فلما رأى الهزيمة ألقى نفسه في الخابور، فغرق، وحُمِلَ تابوته إلى ميَّافارقين وقام خمرتاش السليماني في الملك. وقيل: إن الذي فتح الروم هو سليمان بن قُتُلْمِش وبعده قُليج أرسلان. قال المصنف ﵀: كذا رأيت في "تاريخ ميَّافارقين"، ورأيت في "تاريخ دمشق" لابن القلانسي أنَّ قُليج أرسلان غرق سنة خمس مئة، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى. وفيها بعث يوسف بن تاشفين أميرُ الغرب إلى المستظهر يخبره أنه خُطب له بالمغرب، ويطلب الخِلَعَ والتقليد، فبعث إليه ما طلب. وابن تاشفين أول أمراء الملثَّمين، ومات سنة خمس مئة، وقام بعده ولده علي بن يوسف، وفي أيامه ظهر محمَّد بن عبد الله بن تومرت، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها تُوفي بركياروق [بن] ملك شاه (٤) أبو المظفر، السلطان، قدم العراق ثلاث مرات، وخُطِبَ له ببغداد ست دفعات، وكان بأصبهان، فاشتدَّ مرضُه، وكان به سِلٌّ وبواسير، فخرج من أصبهان في المُحرَّم

стр. 9442

يقصد بغداد، فاشتدَّ مرضُه، فأقام بِبَرُوجِرْد أربعين يومًا مريضًا، وتُوفِّي في ربيع الأول وهو ابن أربع وعشرين سنة [وشهر (١)]، وكانت ولايته اثنتي عشر سنة. ولمَّا احتُضر أوصى بولده ملك شاه إلى الأمير إياز فدخل بغداد، ونزل بالصبي في دار المملكة وعمره أربع سنين وعشرة أشهر، وأجلسه على التخت مكان أبيه، وخُطب له ببغداد في جمادى الأولى بالسلطنة، ولُقِّب بجلال الدولة، ونُثِرتْ الدراهم والدنانير، وكان سيف الدولة ابن مَزْيَد قد جمع خلقًا عظيمًا، وكان مباينًا لإياز وعسكر بركياروق، وكان محمَّد شاه [بإرمينية، فسار يريد بغداد، فخيَّم إياز بالزاهر، وجاء محمَّد فنزل بالرملة فركب إياز، وشارف عسكر محمَّد شاه، (٢) وشاور وزيره الصفي، وقال: ما ترى؟ قال: المصلحة مصالحة محمَّد شاه. فقال له: اعبُرْ إليه واستوثِقْ منه، وقُلْ له: إني نظرتُ في المصلحة، فرأيتُ أن أغمد سيوف الإِسلام، وأحقن دماءهم. فعبر الوزيرُ إلى محمَّد شاه فأجابه، وعبر ابنُ جَهير وزيرُ الخليفة وإلكيا الهراسي والقُضاة والأشرافُ، وأخذوا اليمين على محمَّد شاه، واستوثقوا منه، وعبر إليه إياز وخدمه فأكرمه، وعبر محمَّد شاه إلى دار المملكة، وكان إياز نازلًا في دار سعد الدولة الكوهراني، فعمل السلطان محمَّد دعوة عظيمة، وقدَّم له الغلمان الترك، والخيل العتاق، والأسلحة، والجواهر النفيسة، وفيها الحبل الياقوت الذي في كان لمؤيد الملك ابن نظام الملك، واتفق أنَّ الأتراك مازحوا رجلًا فألبسوه سلاحًا وفوقه قميصًا، وتناولوه بأيديهم، فدنا من السلطان، فرأى السلاح تحت ثيابه، فاستشعر، ونهض من مكانه إلى داره، واستدعى إياز وسيف الدولة صدقة والوزير ابن سعد الملك إلى داره، وأجلسهم في مكان، وخرج الحاجب، وطلب واحدًا واحدًا ليستشيره في أمر، فأول ما قام إياز وقد أوقف له في الدهليز غلمانًا فقتلوه، ثم جمع بين رأسه وجسده، وكفَّنوه في خرقة خام، ودفنوه بمقابر الخيزران، وذلك في جمادى الآخرة، ثم خرج محمَّد شاه من بغداد يريد الجبل، وفوَّض الأمر إلى الرَّشيقي، وجعله شِحْنة العراق، وردَّ أمرَ واسط إلى صدقة بن مَزْيَد.

стр. 9443

وقال ابن القلانسي: وفي سنة ثمان وتسعين وأربع مئة وردت الأخبار بوفاة بركياروق بنهاوند بعد أن تقرَّرت الأحوال بينَه وبين إخوته، بحيث تكون مملكة خراسان لسنجر وأصبهان وهَمَذان وبغداد وما والاها، والسلطنة لبركياروق، وإرمينية وأذربيجان ودياربكر والجزيرة والشام وما يليه لمحمد شاه، وتوجَّهت عساكر بركياروق بعد وفاته إلى بغداد، ومُقدَّمها إياز، وتوجَّه السلطان إلى بغداد، فلمَّا عرف إياز خاف منه على نفسه، فهرب ومعه ملك شاه بن بركياروق، ودخل السلطان محمَّد بغداد، وجاءه صدقة بن مَزْيَد، واستقرَّ أمرُه معه، وعرف إياز أنَّ أمره لا يستقِلُّ إلَّا بالعود إلى طاعة السلطان محمَّد وخدمته، فراسله، وطلب منه الأمان، واستحلفه على الوفاء، وجاء ومعه بركياروق طفل صغير، فلمّا كان بعدَ أيام غدر به محمَّد شاه، وأخلف وعده، ونقض عهده، وقبض عليه وهو آمن مطمئن فقتله، وجعل سبب هذا القتل أمورًا أوردها، واحتجَّ بها ليُعذر في فعله، وما هو بمعذور. عيسى بن عبد الله بن القاسم (١) أبو المؤيَّد، الغَزْنَوي، الواعظ. قدم بغداد، ووعظ بها، ونصر مذهب الأشعري، وقامت الفتنة، فأُخرِجَ منها، وقصد غَزْنة، فمات بإسفرايين. وقال ابن الهَمَذاني: كان الغَزْنَوي ببلده كاتبًا بين يدي عبد الحميد وزير صاحب غَزْنة، فترك دنيا واسعة، وأقبل على العلم، وجلس في دار (٢) عميد الدولة ابن جَهير، وكان الوزيرُ سديدُ الملك حاضرًا، فقال الغزنوي في كلامه: من شرب مرقة السلطان [احترقت (٣)] شفتاه ولو بعد زمن. ثم قرأ: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وأنشد: [من الوافر] سديدَ المُلكِ سُدْتَ وخُضْتَ بحرًا … عميقَ اللُّجِّ فاحفظْ فيه رُوحَكْ وأحْيِ معالمَ الخيراتِ واجْعَلْ … لسانَ الصِّدْقِ في الدنيا فتوحَكْ وفي الماضينَ مُعتبرٌ فأسرِجْ … مَروحَكَ في السلامةِ أو جَموحَكْ

стр. 9444

فقُبضَ على الوزير بعد أيام، فعجِبَ الناسُ من هذا الاتفاق. محمَّد بن أحمد (١) ابن إبراهيم بن سِلَفة، أبو أحمد، الأصفهاني، كان زاهدًا صالحًا عابدًا ثقةً، سمع من الطيوري وغيره. محمد بن علي (٢) ابن الحسن بن أبي الصقر، أبو الحسن، الواسطي، تفقَّه على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث الكثير، ومن شعره -وكانت ولادتُه سنة تسع وأربع مئة، ومات بواسط- فمنه: [من السريع] مَنْ قال لي جاهٌ ولي حشمةٌ … ولي قبولٌ عند مولانا ولم يعُدْ ذلك نفعٌ على … صديقِهِ [لا (٣)] كان مَنْ كانا وقال: [من البسيط] وحرمةُ الودِّ مالي عنكمُ عِوَضٌ … وليس لي في سواكُمْ بعدكم غرَضُ أشتاقُكُمْ وبودِّي لَوْ يُواصِلُني … منكُمْ خيالٌ ولكن لستُ أغتَمِضُ وقَدْ شرطْتُ على قومٍ صحبتُهُمُ … بأنَّ قلبي لكُمْ مِنْ دونِهمْ فَرَضُوا ومِنْ حديثي بكُمْ قالوا به مَرَضٌ … فقلتُ لا زال عنِّي ذلكَ المرضُ وقال مما يُكتب على فصِّ عقيق: [من البسيط] ما كانَ قبْلَ بُكائي يومَ بينكُمُ … فَصِّي عقيقًا ولا دمعي استحال دمًا وإنَّما مِنْ دموعي الآنَ حُمْرتُهُ … فانظُرْ إلى لونه والدمعِ كيف هما وجاء يومًا إلى باب نظام الملك، فمنعه البواب، فكتب إلى نظام الملك: [من الكامل]

стр. 9445

للهِ درُّكَ إنَّ دارَكَ جنَّةٌ … لكِنَّ خلْفَ البابِ منها مالكا أنعِمْ بتيسير الحجاب فإنَّني (١) … لاقَيتُ أنواعَ النَّكالِ هُنالِكا فاستدعاه وقال له: إذا كنتَ غنيًّا عن مالنا فانكفِئْ عنَّا. فقال: كلانا شافعيُّ المذهب، وإنما أتيتُكَ لمذهبك لا لذهبك. كان (٢) ابن أبي الصقر قد أسنَّ، فقال يعتذر إلى أصدقائه حيثُ لم يقدِرْ على القيام لهم: [من الخفيف] عِلَّةٌ سُمِّيتْ ثمانينَ عامًا … منعَتْني للأصدقاءِ القياما فإذا عُمِّروا تمهَّدَ عُذْري … عندهُمْ بالذي ذكرتُ قياما وقال: [من الوافر] إذا ما مرَّ يومٌ بعدَ يومٍ … ووجهي ماؤهُ فيه مصونُ وقُوتي قُرْصتانِ (٣) إلى ثلاثٍ … بها مِلْحٌ يكونُ ولا يكونُ وسِربى (٤) آمنٌ وأنا مُعافى … وليسَ عليَّ في الدنيا ديونُ (٥) فما أشكو الزمانَ فإنْ شكَوْتُ … الزَّمانَ فإنَّهُ مِنِّي جُنونُ يعقوب بن سليمان أبو يوسف، القاضي الإسفراييني، الشافعي، خازن دار الكتب بالنظامية، كان أديبًا، فاضلا، مفتيًا، توفي في رمضان وقد جاوز الثمانين، ومن شعره يمدح بهاء الدولة منصور بن دبيس الأسدي:

стр. 9446

أيا شجراتِ النيلِ مَنْ يضمَنُ القِرى … إذا لم يكُن جارُ الفراتِ ابنَ مزيَدِ إذا غابَ منصورٌ فلا النورُ ساطعٌ … ولا الفجرُ بسَّامٌ ولا النجمُ مهتدي (١) السنة التاسعة والتسعون وأربع مئة فيها ظهر رجل بنواحي نهاوند فادَّعى النبوة، وكان يمخرق بالنجوم والسحر، وتبِعَه خلقٌ كثيرٌ، وحملوا إليه أموالهم، فكان يعطي جميع ما عنده لمن يقصده، وسمَّى أصحابه بأسماء الصحابة؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين. وخرج في هذا الوقت بنواحي نهاوند أيضًا رجلٌ من ولد ألب أرسلان يطلب الملك، فطُلِبا وأُخِذا وقُتِلا في يوم واحد، فكانت مدَّتهما شهرين (٢). وفيها خرج الفرنج إلى سواد طبرية، وشرعوا في عمارة حصن بين السواد والثنية يُقال له: عال، وكان منيعًا، وبلغ طُغْتِكين، فسار في عسكره فبيَّتهم ليلًا، فقتلهم وأسرهم، وأخذ الحصين بما فيه من آلةٍ وغيرها، وعاد إلى دمشق بالأسارى [والغنائم (٣)] في جمادى الآخرة. وفي هذا الشهر ظهرَ كوكبٌ له ذؤابة كقوس قُزَح من الغرب إلى نصف السماء، فأقام ليالي ثم غاب (٤). وفيها ملكت الإسماعيلية حصن أفامية، وقتلوا خلف بن ملاعب صاحبه بأمر أبي طاهر العجمي الصانع المقيم بحلب مقام المنجم، وكان بفامية رجلٌ من دُعاتهم يقال له: أبو الفتح السرميني، فقرَّر ذلك مع أهلها، فثقبوا السور، وهجموا على ابن ملاعب فطعنوه بحربة فمات، ونادوا بشعار رضوان صاحب حلب، وكان رضوان قد بنى لهم بحلب دار دعوة، وهو أول من عملها، وبقي الحصين في أيديهم حتى أخذه الفرنج منهم سنة خمس مئة.

стр. 9447

وقال ابن القلانسي: وفيها وصل فتح قُليج بن أرسلان إلى الرُّها، وكان بحرَّان أصحاب جكرمش، فراسلوه، فجاء، فسلَّموها إليه، ومرض، فعاد إلى ملطية، وأقام أصحابُه بِحَرَّان، فإذا يدلُّ على أنَّ قليج بن أرسلان تأخَّرت وفاته. وفيها تُوفِّي عمر بن المبارك بن عمر (١) أبو الفوارس، البغدادي، ولد سنة ثلاث عشرة وأربع مئة، وقرأ القرآن، وبرع في علمه، وأقرأ الناس سنينَ كثيرة، وختم عليه ألوف من الناس، وسمع الحديث الكثير، وكان من كبار الصالحين الزُّهاد المتعبِّدين، وكان له ورْدٌ بين العشاءين يقرأ فيه سبعًا من القرآن قائمًا لم يقطَعْه مع علوِّ السنِّ، وبلغ سبعًا وتسعين سنة ممتَّعًا بسمعه وبصره وعقله، وكانت وفاتُه في المحرَّم، وحضر جنازته خلقٌ كثير، وغلقت أسواقُ بغداد من الجانبين، فلم يفتح الناس دكاكينهم إلا بعد أسبوع، ودُفِنَ بباب حرب، سمع من القزويني وغيره. مُهارش البدوي بن مجلِّي (٢) أبو الحارث، صاحب الحديثة، الذي خدم القائم بأمر الله لمَّا حصل عنده في الحديثة، وفعل معه ما ذكرناه، وكان كثيرَ الصلاة والصوم والصدقة، صالحًا، محبًّا لأهل الخير، وعاش ثمانين سنة.

стр. 9448

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء العشرون [٥٠٠ - ٥٥٣ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه إبراهيم الزيبق

стр. 9449

مرآة الزمان من كتب التاريخ التي كان يتطلع كثير من الباحثين لتحقيقه ونشره، لوفرة مادته العلمية، وشهرة مؤلفه سبط ابن الجوزي، وخاصة أنه لم يكن متاحًا منه بين أيديهم إلا تلك الشذرات التي نشرت مخطوطة في شيكاغو سنة ١٩٠٧ م. ولذلك حين طُلب مني المشاركة في تحقيقه قبلت على الفور، واخترت منه العصر الذي أمضيت عمرًا من سنين حياتي في تحقيق أخباره ودراستها، وأعني بذلك تلك السنين التي تمتد ما بين سنة (٥٠٠ هـ) وحتى سنة (٦٥٤ هـ)، وهي آخر سنين هذا الكتاب. واعتمدت في تحقيقها على النسخ الآتية: ١ - نسخة خزائنية كانت برسم خزانة محب الدين أحمد بن أحمد بن ينال العلائي الداوداري الحنفي، وهي برقم (٢١٣٣)، وقد رمزت لها بالحرف (ع)، ورمز لها بسائر الكتاب بـ (خ)، وهي تنتهي عندي في آخر حوادث سنة (٥٦٠ هـ). ٢ - نسخة أحمد الثالث برقم (٢٩٠٧)، ورمزت لها بالحرف (خ)، وتبدأ من حوادث سنة (٥٢١ هـ)، وتنتهي بخرم في أثناء حوادث سنة (٦٣٦ هـ). ٣ - نسخة باريس، ومنها نسخة مصورة في مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق، ورمزت لها بالحرف (ب)، فيها خَرْمٌ يبدأ من حوادث سنة (٥١٧ هـ)، ويأتي على بقية الكتاب. ٤ - وثمة قطعة تعبدًا من سنة (٦٢٠ هـ)، وتنتهي مع آخر الكتاب، رقمها (٢١٣٨)، ورمزت لها بالحرف (ت). هذه النسخ الأربع هي النسخ التامة للكتاب باختصار المؤرخ قطب الدين اليونيني. وثمة نسختان مختصرتان اختصارًا موجزًا عن أصل المؤلف، لم نقع على اسم المختصر، وهما

стр. 9450

- نسخة شيكاغو، وقد صورت في شيكاغو سنة ١٩٠٧ م، ورمزت لها بالحرف (ش). - نسخة إبراهيم بن عبد العزيز الناسخ، وكان فرغ من نسخها سنة (٧٣٥ هـ)، ورمزت لها بالحرف (م). فما كان من نسختي (ش) و (م)، أو من إحداهما وضعته بين حاصرتين في متن الكتاب، رغبة مني في إخراج نص من "المرآة" أقرب ما يكون إلى الأصل الذي تركه مؤلفه سبط ابن الجوزي، ولذلك آثرت تسميته "مرآة الزمان" لأنه لا يمكن نسبة هذا النص إلى قطب الدين اليونيني، للزيادة التي أضفتها من غيره … والحمد لله رب العالمين. دمشق في ١٠ رجب ١٤٣٢ هـ ١١ حزيران ٢٠١١ م إبراهيم الزبيق

стр. 9451

السَّنة الخمس مئة فيها قُتِلَ فخرُ المُلْك بن نظام الملك بنَيسابور. وقتِلَ سَعد الملك وزير السُّلْطان محمَّد. وقتِلَ ابنُ عَطَّاش مقدَّمُ الباطنية. وغَرِقَ قَليج رسلان بن سُليمان بن قُتُلْمِش. وصُرف الوزير أبو القاسم علي ابن جَهِير من وزارة الخليفة (١) في رابع عشرة صَفَر بينا هو جالِسٌ في الدِّيوان جاءه أبو الفرج بن رئيس الرُّؤساء، فشافَهَه بالعَزْلِ، فانْصَرف. وكان سَيفُ الدولة (٢) قد قَرَّر أمره مع الخليفة أنه متى تَغَيَّر رأيُه فيه يُعْزَلُ مَصُونًا، فَقَصَد دارَ سَيفِ الدَّوْلة -وكانت حِمىً- وهو يقول في طريقه: أَمَّنكَ الله يا سَيفَ الدَّوْلة يوم الفَزَعِ الأكبر كما أَمَّنتني. وأقام بدار سيف الدولة إلى أن أنفذَ إليه من الحِلَّة قومًا؛ فخرجوا به وبأهله وولده وأصحا به، فكانت [مدةُ] (٣) وزارتهِ ثلاثَ سنين وخمسةَ أشهرٍ وأيامًا. وكان قد استفسد في وزارته [هذه] (٣) قلوبَ جماعةٍ، منهم أبو الحسن قاضي القُضَاة الدَّامَغَاني (٤)، وصاحب المخزن أبو القاسم بن الفقيه.

стр. 9452

وأمر الخليفة بنَقْضِ داره التي بباب العامَّة (١)، وكان [أبو نصر] فخر الدولة بن جَهير (٢) بناها بأنقاضِ دور الناس [من الجانب الغربي على يدي صاحب الشرطة أبي الغنائم بن إسماعيل، وكان هذا الشرطي يأخذ أكثر الأنقاض لنفسه ويحتج بعمارة هذه الدار، ولا يقدر أحد من الضعفاء أرباب الأنقاض على الكلام] (٣)، فكانت عاقبةُ الظُّلْمِ والغَصْبِ الخرابَ (٤) [وذهابَ الأموال، والعَزْلَ بعد العِزِّ، وتغيُّرَ الأحوال] (٥). قال المصنف ﵀ (٦) -: كذا جرى في دار السَّلْطنة ببغداد [في سنة خمس عشرة وخمس مئة] (٧)، وكذا جرى في زماننا، فإنَّ سامةَ الجِيلي (٨) بنى دارًا بدمشق على هذا الوجه، فأخْربها الله تعالى على يدي أيوب بن الكامل (٩) سنةَ سبع وأربعين وستِّ مئة، وكان سامةُ قد غَرِمَ عليها أموالًا عظيمة، وأخذ أراضيَ النَّاس والآلات (١٠) بدون الطفيف (١١) وصَحَّ فيه قولُ القائل: الحَجَرُ المغصوبُ في البناءِ أساسُ الخراب.

стр. 9453

[ليت الحلال سَلِمَ، فكيف الحرام؟ وكانت هذه الدار سببَ هلاكِ سامة، فإن المُعَظَّم عيسى ﵀ اعتقل سامةَ وأخذ قلاعَه وأمواله وضياعه وأنشابَهُ (١)، ومن جُمْلتها قلعتان: كوكب وعَجْلُون، ومات في حَبْسه بالكَرك، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢). ولما عُزِلَ ابنُ جَهِير عن الوزَارة، استناب الخليفةُ أبا الحسن بن الدَّامَغَاني [قاضي القضاة في الديوان] (٣) ومعه أبو الحسين بن رِضْوان، ثم استوزَرَ هبةَ الله بنَ محمَّد بن المُطَّلب، وقيل: نابَ في الوزَارة (٤). وفيها ولَّى الخليفةُ أبا جعفر عبد الله بن الدَّامَغَاني أخا قاضي القُضَاة حِجْبةَ الباب، وخَلَعَ عليه، فرمى الطَّيلَسان (٥)، فَشَقَّ على أخيه، وقد كان ينوبُ عنه في القضاء (٦). [وأما ما يتعلقُ بأخبارِ الشَّام، فإن في هذه السنةَ كثُرَ فسادُ الفرنج] (٧) في أعمال السَّواد، وحوران وجبل عَوْف، فجمعَ طُغْتِكين العساكر من التُّرْكمان وغيرِهم، وخَيَّمَ بالسَّواد، وكان الأَمير عِزُّ المُلْك والي صور قد نَهَضَ إلى حِصن تِبْنين [من عمل الفرنج] (٢)، فهجم رَبَضَه، وقتَلَ مَنْ فيه، ونَهَبَ [وغَنِم] (٢)، وبلغَ بغدوين (٨) ملكَ الفرنج، فرحَلَ من طبرية قاصدًا صور، وعاد طُغْتِكين إلى دمشق (٩).

стр. 9454

وفيها (١) بَعَثَ السُّلْطان محمَّد شاه برأسِ أحمد بن عبد الملك بن عَطَّاش مقدَّمِ الباطنية ورأسِ ولدِهِ، وكان ابنُ عَطَّاش بقلعةٍ عظيمة بأصبهان، بناها السُّلْطان مَلِك شاه جلالُ الدَّوْلة؛ وسببُ بنائها أنَّ بعضَ رُسُلِ الرُّوم وَرَدَ عليه في رسالة وأظهَرَ الإِسلام، فخَرَجَ معه ذاتَ يومٍ للصَّيد، فهربَ منه كلبٌ صَيُود [شديدُ العَدْو] (٢)، فصَعِد الجبل، وصَعِد السُّلْطان وراءه ومعه الرُّومي، فقال له [الرومي] (٣): يا سُلْطان، لو كان هذا الجبلُ عندنا لبنينا عليه قلعةً ننتفعُ بها، ويبقى ذِكرُها. فثَبَتَ هذا الكلام في قلب السُّلْطان، فبناها، وأَنْفَقَ عليها [أموالًا عظيمة] (٤)؛ ألفي ألف دينار ومئتي ألفِ دينار، فاحتال عليها ابنُ عَطَّاش حتى مَلَكَها، فكان أهلُ أصبهان يقولون: انظروا إلى هذه القَلْعة؛ كان الدَّليلُ على مَوْضعها كلبٌ، والمُشير ببنائها كافر، وخاتِمةُ أمرِها هذا المُلْحد. وكان الرُّومي لما عادَ إلى بلده يقول: إنِّي نَظَرتُ إلى أصبهان، وهو بلدٌ عظيم والإِسلامُ به ظاهر، فلم أجد شيئًا أُشَتِّتُ به جموعَهم، وأُنْفِدُ به أموالهم غيرَ بناءِ هذه القَلْعة. ولما ماتَ مَلِك شاه تحيَّل عليها ابنُ عطاش ومَلَكَها (٥)، وأقام بها اثنتي عَشْرَةَ سنةً، ولما آلَ الأمرُ إلى محمَّد شاه، اهتمَّ بها (٦)، ونَزَلَ عليها، وأقام على حِصارها سنةً، ثُمَّ فتَحَها عَنْوةً وهَدَمها، وقتَلَ ابنَ عَطَّاش وَوَلَدَه في ذي القَعدة، وسَلَخ ابنَ عَطَّاشٍ، ومَثَّلَ بأصحابه، وألقتْ زوجتُه نَفسَها من أعلى القلعة، ومعها جوهرٌ نفيس، فهلكت وما معها.

стр. 9455

وكان [أبو] (١) ابنِ عطاش في أول أمره طبيبًا، فأخذه السُّلْطان طُغْرلْبَك، وأراد قتله لأَجْلِ مذهبه، فأظهر التَّوبة، ومضى إلى الرَّي، وصاحَبَ أبا عليٍّ النَّيسابوري، وكان مقدَّمهم بالرَّي، وصاهَرَه، وجمَعَ رِسالةً في الدُّعاء إلى هذا المذهب سمَّاها العقيقة، وماتَ ببعضِ بلاد الرَّي، وجاء ابنُه أحمد فمَلكَ القلعة، واسْمُها شاه دِزْ. [قلتُ: وهذا الذي ذكره أربابُ السِّيَر بالعراق من حديثِ هذه القلعة وابنِ عطاش، حكاه (٢) جدّي في "المنتظم" (٣). ووقعتْ في تاريخ أبي يعلى حمزة بن القلانسي، فذكَرَها (٤)، وقال: وفي سنةِ خمس مئة ورَدَتِ الأخبارُ متواترةً باهتمام السُّلْطان غياثِ الدُّنيا والدِّين محمَّد بن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية وهَدْمِها، وأراحَ العالم منها، ومن الشَّرِّ المُتَّصِلِ بها] (٥)، وأنشأَ كتابَ الفَتْح (٦) بوَصفِ الحال، وهو كتابٌ طويل (٧)، منه: وفتَحْنا قلعةَ شاه دِز الذي شَمَخَ بها الباطلُ وبَذَخَ (٨)، وباضَ الشَّيطانُ فيها وأفرخَ، وكانت قذًى في عيون الممالك، وسببًا (٩) إلى التَّورُّطِ بالمُسْلمين في المهاوي والمهالك، وكان بها ابنُ عَطَّاش الذي طار عَقْلُه في مَدْرجِ الضَّلال وطاش، فكان يستبيحُ دماءَ المُسلمين ويراها هَدَرًا، ويستحِلُّ أموالهم غَرَرًا، فكم من دماءٍ سُفِكَت، وحُرَمٍ انتُهِكتْ، وأموالٍ استُهْلِكت، وشَرَقاتٍ (١٠) تَجرَعُها النُّفوسُ فما اسْتُدرِكَتْ.
следующие страницы →