← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

السَّنة الخمس مئة فيها قُتِلَ فخرُ المُلْك بن نظام الملك بنَيسابور. وقتِلَ سَعد الملك وزير السُّلْطان محمَّد. وقتِلَ ابنُ عَطَّاش مقدَّمُ الباطنية. وغَرِقَ قَليج رسلان بن سُليمان بن قُتُلْمِش. وصُرف الوزير أبو القاسم علي ابن جَهِير من وزارة الخليفة (١) في رابع عشرة صَفَر بينا هو جالِسٌ في الدِّيوان جاءه أبو الفرج بن رئيس الرُّؤساء، فشافَهَه بالعَزْلِ، فانْصَرف. وكان سَيفُ الدولة (٢) قد قَرَّر أمره مع الخليفة أنه متى تَغَيَّر رأيُه فيه يُعْزَلُ مَصُونًا، فَقَصَد دارَ سَيفِ الدَّوْلة -وكانت حِمىً- وهو يقول في طريقه: أَمَّنكَ الله يا سَيفَ الدَّوْلة يوم الفَزَعِ الأكبر كما أَمَّنتني. وأقام بدار سيف الدولة إلى أن أنفذَ إليه من الحِلَّة قومًا؛ فخرجوا به وبأهله وولده وأصحا به، فكانت [مدةُ] (٣) وزارتهِ ثلاثَ سنين وخمسةَ أشهرٍ وأيامًا. وكان قد استفسد في وزارته [هذه] (٣) قلوبَ جماعةٍ، منهم أبو الحسن قاضي القُضَاة الدَّامَغَاني (٤)، وصاحب المخزن أبو القاسم بن الفقيه.

стр. 9452

وأمر الخليفة بنَقْضِ داره التي بباب العامَّة (١)، وكان [أبو نصر] فخر الدولة بن جَهير (٢) بناها بأنقاضِ دور الناس [من الجانب الغربي على يدي صاحب الشرطة أبي الغنائم بن إسماعيل، وكان هذا الشرطي يأخذ أكثر الأنقاض لنفسه ويحتج بعمارة هذه الدار، ولا يقدر أحد من الضعفاء أرباب الأنقاض على الكلام] (٣)، فكانت عاقبةُ الظُّلْمِ والغَصْبِ الخرابَ (٤) [وذهابَ الأموال، والعَزْلَ بعد العِزِّ، وتغيُّرَ الأحوال] (٥). قال المصنف ﵀ (٦) -: كذا جرى في دار السَّلْطنة ببغداد [في سنة خمس عشرة وخمس مئة] (٧)، وكذا جرى في زماننا، فإنَّ سامةَ الجِيلي (٨) بنى دارًا بدمشق على هذا الوجه، فأخْربها الله تعالى على يدي أيوب بن الكامل (٩) سنةَ سبع وأربعين وستِّ مئة، وكان سامةُ قد غَرِمَ عليها أموالًا عظيمة، وأخذ أراضيَ النَّاس والآلات (١٠) بدون الطفيف (١١) وصَحَّ فيه قولُ القائل: الحَجَرُ المغصوبُ في البناءِ أساسُ الخراب.

стр. 9453

[ليت الحلال سَلِمَ، فكيف الحرام؟ وكانت هذه الدار سببَ هلاكِ سامة، فإن المُعَظَّم عيسى ﵀ اعتقل سامةَ وأخذ قلاعَه وأمواله وضياعه وأنشابَهُ (١)، ومن جُمْلتها قلعتان: كوكب وعَجْلُون، ومات في حَبْسه بالكَرك، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢). ولما عُزِلَ ابنُ جَهِير عن الوزَارة، استناب الخليفةُ أبا الحسن بن الدَّامَغَاني [قاضي القضاة في الديوان] (٣) ومعه أبو الحسين بن رِضْوان، ثم استوزَرَ هبةَ الله بنَ محمَّد بن المُطَّلب، وقيل: نابَ في الوزَارة (٤). وفيها ولَّى الخليفةُ أبا جعفر عبد الله بن الدَّامَغَاني أخا قاضي القُضَاة حِجْبةَ الباب، وخَلَعَ عليه، فرمى الطَّيلَسان (٥)، فَشَقَّ على أخيه، وقد كان ينوبُ عنه في القضاء (٦). [وأما ما يتعلقُ بأخبارِ الشَّام، فإن في هذه السنةَ كثُرَ فسادُ الفرنج] (٧) في أعمال السَّواد، وحوران وجبل عَوْف، فجمعَ طُغْتِكين العساكر من التُّرْكمان وغيرِهم، وخَيَّمَ بالسَّواد، وكان الأَمير عِزُّ المُلْك والي صور قد نَهَضَ إلى حِصن تِبْنين [من عمل الفرنج] (٢)، فهجم رَبَضَه، وقتَلَ مَنْ فيه، ونَهَبَ [وغَنِم] (٢)، وبلغَ بغدوين (٨) ملكَ الفرنج، فرحَلَ من طبرية قاصدًا صور، وعاد طُغْتِكين إلى دمشق (٩).

стр. 9454

وفيها (١) بَعَثَ السُّلْطان محمَّد شاه برأسِ أحمد بن عبد الملك بن عَطَّاش مقدَّمِ الباطنية ورأسِ ولدِهِ، وكان ابنُ عَطَّاش بقلعةٍ عظيمة بأصبهان، بناها السُّلْطان مَلِك شاه جلالُ الدَّوْلة؛ وسببُ بنائها أنَّ بعضَ رُسُلِ الرُّوم وَرَدَ عليه في رسالة وأظهَرَ الإِسلام، فخَرَجَ معه ذاتَ يومٍ للصَّيد، فهربَ منه كلبٌ صَيُود [شديدُ العَدْو] (٢)، فصَعِد الجبل، وصَعِد السُّلْطان وراءه ومعه الرُّومي، فقال له [الرومي] (٣): يا سُلْطان، لو كان هذا الجبلُ عندنا لبنينا عليه قلعةً ننتفعُ بها، ويبقى ذِكرُها. فثَبَتَ هذا الكلام في قلب السُّلْطان، فبناها، وأَنْفَقَ عليها [أموالًا عظيمة] (٤)؛ ألفي ألف دينار ومئتي ألفِ دينار، فاحتال عليها ابنُ عَطَّاش حتى مَلَكَها، فكان أهلُ أصبهان يقولون: انظروا إلى هذه القَلْعة؛ كان الدَّليلُ على مَوْضعها كلبٌ، والمُشير ببنائها كافر، وخاتِمةُ أمرِها هذا المُلْحد. وكان الرُّومي لما عادَ إلى بلده يقول: إنِّي نَظَرتُ إلى أصبهان، وهو بلدٌ عظيم والإِسلامُ به ظاهر، فلم أجد شيئًا أُشَتِّتُ به جموعَهم، وأُنْفِدُ به أموالهم غيرَ بناءِ هذه القَلْعة. ولما ماتَ مَلِك شاه تحيَّل عليها ابنُ عطاش ومَلَكَها (٥)، وأقام بها اثنتي عَشْرَةَ سنةً، ولما آلَ الأمرُ إلى محمَّد شاه، اهتمَّ بها (٦)، ونَزَلَ عليها، وأقام على حِصارها سنةً، ثُمَّ فتَحَها عَنْوةً وهَدَمها، وقتَلَ ابنَ عَطَّاش وَوَلَدَه في ذي القَعدة، وسَلَخ ابنَ عَطَّاشٍ، ومَثَّلَ بأصحابه، وألقتْ زوجتُه نَفسَها من أعلى القلعة، ومعها جوهرٌ نفيس، فهلكت وما معها.

стр. 9455

وكان [أبو] (١) ابنِ عطاش في أول أمره طبيبًا، فأخذه السُّلْطان طُغْرلْبَك، وأراد قتله لأَجْلِ مذهبه، فأظهر التَّوبة، ومضى إلى الرَّي، وصاحَبَ أبا عليٍّ النَّيسابوري، وكان مقدَّمهم بالرَّي، وصاهَرَه، وجمَعَ رِسالةً في الدُّعاء إلى هذا المذهب سمَّاها العقيقة، وماتَ ببعضِ بلاد الرَّي، وجاء ابنُه أحمد فمَلكَ القلعة، واسْمُها شاه دِزْ. [قلتُ: وهذا الذي ذكره أربابُ السِّيَر بالعراق من حديثِ هذه القلعة وابنِ عطاش، حكاه (٢) جدّي في "المنتظم" (٣). ووقعتْ في تاريخ أبي يعلى حمزة بن القلانسي، فذكَرَها (٤)، وقال: وفي سنةِ خمس مئة ورَدَتِ الأخبارُ متواترةً باهتمام السُّلْطان غياثِ الدُّنيا والدِّين محمَّد بن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية وهَدْمِها، وأراحَ العالم منها، ومن الشَّرِّ المُتَّصِلِ بها] (٥)، وأنشأَ كتابَ الفَتْح (٦) بوَصفِ الحال، وهو كتابٌ طويل (٧)، منه: وفتَحْنا قلعةَ شاه دِز الذي شَمَخَ بها الباطلُ وبَذَخَ (٨)، وباضَ الشَّيطانُ فيها وأفرخَ، وكانت قذًى في عيون الممالك، وسببًا (٩) إلى التَّورُّطِ بالمُسْلمين في المهاوي والمهالك، وكان بها ابنُ عَطَّاش الذي طار عَقْلُه في مَدْرجِ الضَّلال وطاش، فكان يستبيحُ دماءَ المُسلمين ويراها هَدَرًا، ويستحِلُّ أموالهم غَرَرًا، فكم من دماءٍ سُفِكَت، وحُرَمٍ انتُهِكتْ، وأموالٍ استُهْلِكت، وشَرَقاتٍ (١٠) تَجرَعُها النُّفوسُ فما اسْتُدرِكَتْ.

стр. 9456

وكانت هذه القَلْعةُ من أُمَّهات القِلاع التي تمتنعُ على مَن رامها أشَدَّ امتناعٍ، وكانت تُبَثُّ الحبائِل (١) منها إلى سائر الجهات والأقطار، وترجعُ إليها نتائجُ الفسادِ رجوعَ الطَّيرِ إلى الأوكار، وهي في العِزَّة والمَنَعَة مثل مناطِ الشَّمسِ، التي تنالُ منها حاسَّةُ البَصر دون حاسَّةِ اللَّمسِ، وكأنها وهي في أعلى شاهقٍ، نَزَلَتْ على الجبل من حالقٍ، فنَسَفناها نَسفًا، وخَسَفْناها خَسفًا، وصَيَّرْنا سُفْلَها عُلْوًا، وعُلْوَها خِلْوًا، إذ لم يُفْلِتْ منها صاحِبٌ ولا مصحوب، إنَّ الشَّقاء على الأشْقَيَينِ مَصبوبٌ، وأمرنا بهَدْمها وتَعفيةِ أثرِها ورَدْمها، وأُسر ابنُ عَطَّاش رأسُ الجالوت، ووليُّ الطَّاغوت الذي كان من قومٍ قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] فجعلناه وولدَه عِبرةً للنُّظَّار، ولأُولي الأبصار ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] على هذا الفَتْح المُبين، الذي هو غُزَةُ الدَّهْر على دوام السِّنين (٢). جعفر بن أحمد ابن الحسين بن أحمد، أبو (٣) محمَّد السَّرَّاج القارئ البغدادي (٤). ولد سنةَ ستّ عشرة وأربع مئة (٥)، وقرأ القرآن بالرِّوايات، وأقرأ سنين، وسافر إلى الشَّام ومِصر، وسَمِعَ الحديث الكثير، وصنف المصنفات الحِسان، منها: [كتاب] (٦) "مصارع العُشَّاق" (٧)، وغيره. [وسمع بدمشق وطرابُلُس، وأخرج له الخطيب فوائد في خمسة أجزاء، وتكلَّم على الأحاديث] (٦).

стр. 9457

وكان أديبًا شاعرًا، فاضلًا، لطيفًا، صدوقًا، ثِقَةً، ونَظَمَ [كُتُبًا كثيرة] (١): "المبتدأ"، و"مناسك الحج"، وكتاب "التَّنْبيه"، وغير ذلك، ولم يمرض في عُمُره غيرَ مَرَضِ المَوْت، وتوفي في صَفَر، ودفن بالمقبرة المعروفة بالأجمة من باب أبرز، [سمع أبا الحسين بن القَزْويني وغيره] (٢). وله "ديوان شعر"، فمنه (٣): [من مجزوء الكامل] بانَ الخليطُ (٤) فأدْمُعي … وَجْدًا عليهم تَستَهِلُّ وحدا بهمْ حادي الفِرا … قِ عنِ المنازلِ فاستَقَلُّوا (٥) قُلْ للذينَ ترحَّلوا … عن ناظري والقَلْبَ حلُّوا وَدَمي بلا جُرْمٍ أتَيـ … ـــتُ غَدَاةَ بَينِهِمُ اسْتَحَلُّوا ما ضَرَّهم لو أنْهلوا … من ماءِ وَصلِهِمُ وعَلُّوا (٦) وقال يمدحُ أصحابَ الحديث: [من مجزوء الكامل] قُلْ للذين بجَهْلِهِمْ … أضحوا يَعِيبُونَ المحابِرْ والحاملينَ لها من الـ … أيدي بمُجتمع الأساورْ لولا المحابِرُ والمقا … لم والصَّحائِفُ والدَّفاتِرْ والحافظون شَريعة الـ … ـــمبعوثِ من خَير العشائِرْ والناقلونَ حديثَهُ … عن كابرٍ ثَبْتٍ لكابرْ لرأيت مِنْ شِيَعِ الضَّلا … لِ عساكرًا تتلو عساكرْ كلٌّ يقولُ بجهلِهِ … واللهُ للمظلومِ ناصرْ سَمَّيتُمُ أهلَ الحديـ … ــــثِ أُولي النُّهى وأُولي البصائِرْ

стр. 9458

حَشَوِيَّةً (١) فعليكُمُ … لَعْنٌ يُزيركُمُ المقابِرْ هُمْ حَشْو جنَّات النَّعْيـ … ــــمِ على الأَسِرَّةِ والمنابِرْ رُفَقاءُ أحمدَ كلُّهم … عن حَوضِهِ ريَّان صَادِرْ (٢) وقال في أصحاب الحديث أيضًا: [من المتقارب] إذا كنتمُ تكتبونَ الحديـ … ـــثَ ليلًا وفي صُبْحِكُمْ تُسْمِعُونا وأفْنَيتُمُ فيه أعمارَكُمْ … فأيُّ زمانٍ به تَعمَلُونا (٣) وقال: [من السريع] يا ساكني الدَّيرَ حُلُولًا به … تُطْرِبُهُمْ فيه النَّواقِيسُ قِيسُوا لنا القُرْبَ وكم بَينَهُ … وبينَ أيَّامِ النَّوى قِيسُوا (٤) وقال: [من البسيط] يا هندُ قد عَنَّ لي عن داركُمْ سَفَرٌ … كما اشتهى البَيْنُ مهما شِئْتِ وصِّيني فإنني لأَرَى فَرْضًا حَوائجَكُمْ … حَتْمًا عليَّ ولو بالهِنْدِ والصِّينِ [وله: [من المتقارب] إذا كان يؤذيك حَرُّ المَصِيفِ … ويُبْس الخريفِ وبَرْدُ الشِّتا ويُلْهِيكَ طِيبُ زمانِ الرَّبيعِ … فأخْذُك للعِلْم قُلْ لي متى؟ ﵀] (٥).

стр. 9459

سَعد بن محمَّد أبو المحاسن (١) وزير السُّلْطان محمَّد شاه، بلغه عنه أنه قد دَبَّرَ عليه هو وجماعة [من الكتَّاب] (٢)، وكاتبوا أخاه سنجر، فصَلَبَ وزيره، وصلبهم على باب أَصبهان، واستوْزَرَ أبا نَصر أحمد بن نظام المُلْك. عليُّ بنُ نظام المُلْك (٣) أبو المُظَفَّر، فخر الملك. كان أكبر ولد النِّظام، استوزره بَرْكْيارُوق، ثم توجَّه إلى نيسابور، فوزر للسُّلْطان سنجر [شاه بن ملك شاه] (٤)، وكان قد رأى ليلةَ عاشوراء [في المنام في هذه السنة] (٢) الحسين بن علي ﵉ في المنام وهو يقول له: عَجِّلْ إلينا وأَفْطِرْ الليلة عندنا. فانتبه مُشْفِقًا من ذلك، فشَجَّعه أصحابُهُ، وقالوا له: لا تخرج [الليلة ولا] (٥) اليوم من دارك. وأصبح صائمًا، فلما كان وقتُ العَصر خَرَجَ من حُجْرةٍ كان فيها إلى دُورِ بعض نسائه، فَسَمِعَ صوتَ مُتَظَلِّمٍ يقول: مات المسلمون، ما بقي أحدٌ يكشف ظُلامةَ أحدٍ، ولا مَنْ يأخذُ بيدِ أحد، ولا مَن يُغيث ملهوفًا. فوقفَ، وقال: أبصروا مَنْ هذا، فقد عَمِلَ (٦) كلامُه في قلبي. فأدنوه منه (٧)، وإذا رجل في زِيِّ الصُّوفية، فقال: ما الذي بك؟ فقال: حاجتي في هذه الورقة، فأخذها منه، ووقف يقرؤها، فضربه بسكين في مقتله، فقضى عليه، وحُمِلَ القاتل إلى سنجر فقرَّره، فأقَرَّ على جماعةٍ من أصحاب سنجر، وكَذَبَ، وإنما بعثه مقدَّم الباطنية [على عادتهم في

стр. 9460

السعي بالرؤوساء ليفنوا النَّاس] (١)، فَفُصِلَ الباطنيُّ عضوًا عضوًا على [قبر ابن نظام الملك] (٢)، وكان له يوم قتل سِتٌّ وستون [سنة] (١)، ﵀ (٣). ويقال: [إنَّ الباطنية لما قتلوا فخر المُلْك] (٤) كتب سنجر إلى أخيه محمَّد: إنَّ هؤلاء لا يبقون عليَّ ولا عليك، والواجبُ قَلْعُهم من الأرض وإبادتهم. فسار إلى قلعة ابنِ عَطَّاش، وفَعَلَ ما فعل. قَلِيج رسلان بن قُتُلْمِش (٥) قال أبو يعلى بن القَلانسي: في سنةِ خمس مئة تتابعتِ المكاتباتُ إلى السُّلْطان محمَّد شاه من أتابك طُغتِكين، وفخر الملك بن عَمَّار صاحب طَرَابُلُس بعظيم ما ارتكبه الفرنج من الفساد في البلاد، وتَمَلُّكِ الحُصُون والقِلاع بالشَّام والسَّاحل، فَنَدَبَ السُّلْطان الأَمير جاولي سقاوة وأميرًا من مُقَدَّمي عسكره في عَسْكرٍ كثيف من الأتراك، وكَتَبَ إلى صَدَقة، وإلى جكرمش صاحب المَوْصِل بتقويته بالمال والرجال، وأقطعه الرَّحْبة، وما على الفُرَات، فَثَقُلَ ذلك على المُكاتَبين، ودافعَهُ صدقة، فسار إلى المَوْصِل، وبعث إلى جكرمش يطلبُ منه ما أَمَرَ به السُّلْطان، فتوقف، فنزل جاولي قلعة السن (٦)، ونهبها، وخَرَجَ إلى جكرمش، فقاتله، فَظَفِر به جاولي، واستباحَ عسكره، وهرب ولده إلى المَوْصِل، وقتَلَ جاولي جكرمش، وبَعَثَ برأسه إلى المَوْصِل، فكتبَ ابنُه إلى قَليج رسلان يستمدُّه، ويبذلُ له تسليمَ المَوْصِل. وكان جكرمش قد جَمَعَ مالًا عظيمًا من الجزيرة والمَوْصِل، وكان جميلَ السِّيرة، عادلًا في الرَّعية، مشهورًا بالإنصاف، فسار قليج رسلان في عَسكره، فنَزَلَ نَصِيبين

стр. 9461

ودخَلَها؛ لأنَّه كان في قُلٍّ (١) من عسكره، وباقيه في بلاد الرُّوم لإنجاد صاحبِ القُسْطَنطينِيَّة على الفرنج. وجاء جاولي إلى نَصِيبين، والتقتِ الطَّلائعُ، فَظَفِرَ قومٌ من أصحاب [قليج بقوم من أصحاب] (٢) جاولي، فقتلوا بعضًا، وأسروا بعضًا، فسار جاولي إلى الخابور، وقد عَلِمَ أنَّ قليج رسلان قد بَعَثَ يَطْلُبُ عسكرَه، فجاء إلى الرَّحْبة، ونَزَلَ عليها، وبها نائِبُ دُقاق، وعنده أرتاش (٣) الهارب من طُغْتِكِين، وَوَصَلَ إيل غازي بن أُرْتُق في جماعةٍ من التُّرْكمان، وجاءه رِضوان صاحبُ حلب، فأقام جاولي على الرَّحْبة من أوَّلِ رجب إلى الثَّاني والعشرين من شهر رمضان، فافتتحها عَنْوَةً بمواطأةٍ مِنْ بعضِ أهلها، ونهبوا البَلَد، واستخرجوا الذَّخائر، فأمَّنَ جاولي النَّاسَ، وتسلَّمَ القلعةَ وأرتاش في قبضته. وكان محمَّد والي الرَّحْبة قد بَعَثَ يستصرخ بقليج رسلان، فجاء لينجده وقد فُتحت، فنَزَلَ على الشَّمْسَانية (٤)، وقبَضَ جاولي على محمدٍ وحَبَسَه، ورَحَلَ، فنزل ماكِسِين (٥) يريد المَوْصِل ومعه إيل غازي ورِضْوان، وقصدوا عسكرَ قليج، والتقى الفريقان يوم الخميس تاسع شَوَّال، وكان الزَّمانُ صَيفًا، فاشتدَّ الحَرُّ، وماتَ أكثرُ خَيلِ الفريقين عَطَشًا، فحمل عسكرُ قليج على عسكر جاولي، وقصَدَ جاولي قليج رسلان، وضربه بالسَّيف عدة ضربات، فلم تؤثِّر فيه، وانهزم عسكر قليج، وفَصَلَ عنه وقت الحرب صاحِبُ آمِد وصاحب مَيَّافارِقِين، ووقعَ السَّيفُ في أصحابه، فانهزمَ قليج، فَسَقَطَ في الخابور، فَغَرِقَ، ووُجِدَ بعد أيَّامٍ ميتًا. وعاد جاولي إلى المَوْصِل ورِضْوان إلى حلب خوفًا من جاولي، وأما أصحابُ قليج الذين سَيَّرهم لإنجاد صاحب القُسطنطينية، فَنُصروا على الفرنج ونهبوهم، ووصلوا إلى أماكنهم بعد أن خَلَعَ عليهم ملكُ الرُّوم، وأحسَنَ إليهم.

стр. 9462

ولما وصل جاولي إلى المَوْصِل وَجَدَ ولدَ قليج رسلان قد دَخَلَها، فحاصرها، فسَلَّموها إليه بالأمان، فقَبَضَ على ولد قليج، وسَيَّره إلى السُّلْطان محمَّد، فلم يَزَلْ مقيمًا عنده إلى سنة ثلاثٍ وخمس مئة، فهرب وعاد إلى مملكة أبيه ببلاد الرُّوم. وقيل: إنَّه لما وَصَلَ إليها عَمِلَ على ابنِ عمه، فقتله، واستقام له أمرُ المملكة (١). وقال صاحبُ "تاريخ مَيَّافارِقين" (٢): إنَّ السُّلْطان محمَّد بَعَثَ جاولي لحرب الفرنج، وكَتَبَ إلى أمراء البلاد بطاعته، فلما وَصَلَ المَوْصِل أَنِفَ جكرمش أنْ يتأمَّرَ عليه جاولي، فحاربه، فهزمه جاولي، فدخل المَوْصِل مجروحًا، فأقام يومين، ومات، واستنجد ولده بقليج رسلان -وقيل: اسمه إبراهيم بن سُكْمان-[و] (٣) صاحبِ آمِد، وسار جاولي إلى حلب لينجد رِضوان على الفرنج، وجاء قليج فدخل إلى المَوْصِل، واستولى عليها، وخَطَبَ لنفسه بعد الخليفة، وأسقط خُطبة السُّلْطان محمَّد شاه، وبلغَ جاولي وهو على حلب، فعادَ إلى المَوْصِل، فخرج إليه قليج، فاقتتلا قتالًا شديدًا، وأُحيط بقليج وباصحابه، فألقى نَفسَه في الماء، فَغَرِقَ، ودَخَلَ جاولي المَوْصِل، وكان بها مسعود بن قليج رسلان، وهو صبيٌّ صغير، فَقَبَضَ عليه، وبَعَثَ به إلى السُّلْطان، فاعتقله مُدَّة، ثم أُفلت، فأتى مَلَطْية وبها بعضُ مماليكِ أبيه، فأطاعه، وتقرَّرَتْ له المملكة ببلاد الرُّوم، فمسعود هذا جَدُّ ملوك الرُّوم. وقيل: إنَّ قليج رسلان اسمه إبراهيم بن سُكْمان بن سُلَيمان بن قُتُلْمِش، وقيل: إنَّهم من أولاد الدَّانْشَمَنْد، والأول أصح (٤).

стр. 9463

محمَّد بن إبراهيم أبو عبد الله الأسَدِي (١) ولد بمكة سنة إحدى وأربع مئة (٢)، وسافر إلى البلاد، ولقي العلماء، وخَدَمَ الوزير أبا القاسم بن المَغْرِبي (٣)، وأقام بغَزْنة، فتوفي يوم عاشوراء. من بديع شِعْره: [من الخفيف] قلتُ: ثَقَّلْتُ إذْ أتيتُ مِرارًا … قال: ثَقَّلْتَ كاهلي بالأيادي قلتُ: طَوَّلْتُ، قال: لا بل تَطَوَّلْـ … ــــتَ، وأبْرَمْتُ، قال: حَبْلَ الودادِ (٤) محمَّد بن الحسن بن خُداداد، أبو غالب (٥) ولد سنة إحدى وأربع مئة، وكان رجلًا صالحًا، ثِقَةً، كثير البكاء من خشية الله تعالى، توفِّي في ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب حَرْب.

стр. 9464

المبارك بن عبد الجبار (١) ابن أحمد بن القاسم، أبو الحسين بن الطُّيوري الصَّيرفي، ويعرف بابنِ الحَمَامي. ولد في ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة وأربع مئة، وسَمِعَ الكثير، ومتَّعه الله بذلك، حتى انتشرت عنه الرِّواية، وكان حسَنَ السَّمْتِ، وَرِعًا، صالحًا، أمينًا، صَدُوقًا مُكْثرًا، كثيرَ العِبادة، كَتَبَ بخَطِّه شيئًا كثيرًا، وتوفِّي في ذي القَعدة، ودُفِنَ ببابِ حَرْب. يوسف بن تاشفين (٢) والي الأندلس، وقد ذكرناه (٣)، وقام مقامه ولده عليُّ بنُ يوسف (٤). وفي أيام على ظَهَرَ محمَّد بن عبد الله بن تُوْمَرْت المَصمُودي، ويلقَّب بالمهدي، وكان يَزعُمُ أنَّه من سُلالة الحسنِ بنِ علي ﵄، وقبيلته في المصَامدة تعرف بهَرْغة في جبال السُّوس من بلد المَغْرب، فأظَهَرَ الأمْرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنقَّلَ في البلاد، فلما صار إلى قرية ملَّالة بقُرب بِجَاية لقي عبد المؤمن بن عليِّ، فَصَحِبَه، وأشهَرَ أمْرَه في سنة خمس عشرة وخمس مئة (٥)، وسمَّى أصحابه الموحِّدين، وبايعوه على أنَّه المهديُّ الذي بَشَّر به النَّبيُّ ﷺ ، وبلَغَ خبرُه عليَّ بنَ يوسف بنِ تاشفين، فجهَّزَ إليه جيشًا بعد جيشٍ، وابن تُومَرْت يُنْصَرُ عليهم إلى سنة أربع وعشرين، فسار إلى مَرَّاكُش، ومعه عبد المؤمن في أربعٍ وعشرين ألفًا، فخَرَجَ إليه عليُّ بنُ يوسف، فَظَهَرَ على ابن تُومَرْت [وقتِلَ من أصحابه ثلاثة عشرة ألفًا، وانهزم ابن تومرت] (٦)، وقال لأصحابه: عبد المؤمن في

стр. 9465

عافية؟ قالوا: نَعْمْ، فقال: ما ماتَ أحد. فَعَقَدَ له الولاية بعده، وسمَّاه أَمير المؤمنين في سنة ثمانٍ وعشرين، وقال: به يَفتَحُ الله البلادَ ويُصلِحُ العباد، فأطيعوه. ثم ماتَ ابنُ تُومَرْت سنةَ ثمانٍ وعشرين (١). وفتح عبدُ المؤمن أماكن في الجبال، فَجَهَّزَ إليه عليُّ بنُ يوسف ولدَه تاشفين، وكان وليَّ عهده، فصار يمشي بجيشه في السَّهْل، وعبد المؤمن مقابله في الجبل، ثم ماتَ عليُّ بنُ يوسف سنةَ خمسٍ وثلاثين (٢) بمرَّاكُش، ومات ابنُه تاشفين بظاهر وَهران سنة تسعٍ وثلاثين، ولم ينزل عبد المؤمن إلى الوطَاء (٣) حتى ماتَ تاشفين. ثم افتتح عبدُ المؤمن البلاد، ومات في سنة ثمانٍ وخمسين، وسنذكر [تفصيل هذا الإجمال،] إن شاء الله تعالى (٤). يوسف بن علي أبو القاسم الزَّنْجاني (٥) تفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، وبَرَعَ في الفِقْه والمناظرة، وسَمِعَ الحديث [من أبي إسحاق وغيره] (٦)، وكان دَيِّنًا وَرِعًا، صَدُوقًا، وتوفي في صفر، ودفن عند أبي حامد الإسْفَرَاييني (٧). [وكان أبو إسحاق يثني عليه] (٨).

стр. 9466

[حكاية عجيبة رواها الزَّنجاني عن أبي إسحاق الشِّيرازي] حكى لي القاضي (١) أبو الطَّيِّب الطبري، قال: كنا في حلقة النظر يوم الجمعة بجامع المنصور، فجاء شابٌّ خُرَاسانيٌّ، فسأل مسألةَ المُصَرَّاة وطلب الدَّليل، فاحتجَّ المُستَدِلُّ بحديثِ أبي هريرة، فقال الشَّابُّ وكان حنفيًّا: أبو هريرة غيرُ مقبولِ الحديث، قال: فما اسْتَتَمَّ كلامه حتى سَقَطَتْ عليه حيةٌ عظيمة من سَقفِ الجامع، فوثَبَ النَّاس من أجلها، وهَرَبَ الشَّابُّ منها وهي تَتْبَعُهُ، فقيل له: تُبْ، تُبْ. فقال: تُبْتُ. فغابتِ الحيَّةُ، فلم يُرَ لها أثر! [قلت: ولا بد من ذكر مسألة المُصَرَّاة، فأقول: إذا صُرَّ ضَرْعُ شاةٍ حتى اجتمَعَ لَبَنُها، فظنَّها المشتري غزيرةَ اللَّبَن، ثم ظَهَرَت بخلافه لا يستحقُّ ردَّها عند أبي حنيفة، وعند الشافعي وأحمد يردُّها وَيرُدُّ معها صاعًا من تمر، ويمسك لَبَنَها، واحتجَّ الشافعي بما روى أبو هريرة] (٢): أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنِ اشتَرَى مُصَرَّاة فهو بخير النَّظَرَينِ بعد أن يَحْلُبَها، إنْ رَضِيَها أمسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا من تَمْر" متفق عليه (٣) [وقياسًا على سائر العيوب، ولأبي حنيفة: إنَّ فَسْخَ العَقدِ [فيه] (٤) تفويتُ حَقّ البائعِ من غيرِ رِضاه، والنُّصوص والأصول تأباه. وأما حديثُ أبي هريرة، فأبو هريرة لم يكن من فُقهاء الصَّحابة، وقد أنكر عليه عمرُ بنُ الخطَّاب كَثرَةَ الرِّواية، ونهاه عن الحديث، وقال: لئن عُدْتَ فَعَلتُ وفَعَلتُ، وكذا أنكر عليه ابنُ عباس وعائشة أشياء] (٥). السَّنة الحادية والخمس مئة فيها في المُحَرَّم جَدَّد الخليفةُ الخِلَع على وزيره أبي المعالي هبة الله بن محمَّد بن المُطَّلب، وشافهه بالوزَارة (٦).

стр. 9467

و [فيها] (١) في ربيع الآخر، دَخَلَ السُّلْطان محمَّد شاه بغداد، واصطاد في طريقه صَيدًا كثيرًا، وبَعَثَ إلى الخليفة أربعين ظَبْيًا على أربع جمَّازات (٢)، وكان [على] (٣) الظِّباء وَسْمُ السُّلْطان مَلِك شاه، فإنَّه كان يَصِيدُ الغِزلان، فَيَسِمُها ويُطْلِقُها (٤). وبعَثَ الخليفةُ وزيرَه أبا المعالي إلى محمَّد شاه يهنِّئُه بقدومه، وحمَلَ معه شيئًا من ملابس الخليفة، ومجلدًا بخطِّ الخليفة يشتمل على أدعيةٍ عن جدِّه العَبَّاس، فقام السُّلْطان، ودعا للخليفة وشكره. وخَرَجَ السُّلْطان من داره، ومضى إلى مشهد أبي حنيفة، واجتمع الفقهاء والعلماء على باب المَشهد، فقال للحاجب: قل لهم: هذا يوم قد عَزَمتُ فيه على الانفراد مع الله تعالى، فخلُّوا بيني وبينه. وأمر بغَلْقِ الأبواب ومَنْعِ الأمراء وغيرِهم من الدُّخول، وأقام يصلِّي ويدعو ويخشع، وأعطاهم خمس مئة دينار، وقال: اصرفُوها في مصَالحكم. وسَلَك الطَّريق [السليم، والصِّراط] (٥) المستقيم؛ فمن ذلك أنه مَرِضَ عشرةٌ من غِلْمانه الصِّغار، فَبَعَثَ بهم المتولِّي لأُمورهم إلى المارَسْتان العَضُدي، فلمَّا عَلِمَ أنكر ذلك، وبعث بمئة دينار، وقال: تُصرف في مصالح المارَسْتان (٦). ومنها أنه خَرَجَ يومًا فرأى على بابه أربع مئة من الفُقَراء، فأمر بكِسْوَتهم جميعًا. ومنها أنَّه أمر مناديه، فنادى: لا يَظْلِمَنَّ أحدٌ أحدًا، ولا ينزِلَنَّ أحدٌ في دار أحد. ولقد جاء بعضُ غِلْمان الأتراك إلى بَيدَرٍ لبعضِ الضِّياع فيه تِبْنٌ، فقال: بيعوني عِلاقة تِبْنٍ. فقالوا: التِّبْنُ ما يباع، هو مبذولٌ للصَّادر والوارد، فَخُذ منه ما أحْبَبْتَ. فأبى، وقال: ما كنتُ لأبيعَ رأسي بمِخْلاة تِبْن، فإن أخذتم ثمنه، وإلا انصرفت. فباعوه بما طَلَبَ (٧).

стр. 9468

[فصل: وفيها قتل صدقة ابن مزيد صاحب الحلَّة، وسنذكره] (١) وفيها ولّى الخليفة القاضي أبا العَبَّاس بن الرُّطَبي (٢) حِسْبة بغداد، وعَزَلَ عنها أبا سَعد بنَ الحُلْواني (٣). وفي رمضان عُزِلَ الوزير ابن المُطَّلب، ثم أعيد. وعُزِلَ أبو جعفر بنُ الدَّامَغاني عن حِجْبة الباب، واستُنيب أبو العِزّ المُؤَيَّدي (٤). وفيها ظَهَرَتْ ببغداد صبيَّةٌ عمياء تتكلَّمُ على أسرار النَّاس، فكانت تُسأل عن نقوش الخواتيم وما عليها، وألوان الفُصوص، وصفاتِ الأشخاص إلى غير ذلك. [فأشكل هذا على العلماء والفُقَهاء والخواصِّ والعَوَام حتى قال عليُّ بنُ عَقِيل (٥) الحَنبلي: ليس في هذا إلا أنه خصيصة من الله سبحانه كخواص النَّبات والأحجار، فَخُصَّتْ هذه بإجراء ما يَجرِي على لسانها من غيرِ اطِّلاع على البَوَاطن (٦). قلت: وأينَ ما يدَّعيه ابنُ عقِيل من الغَوْصِ على الدَّقائق، والوقوفِ على الحقائق، فإنَّا قد رأينا مثل هذا كثيرًا، يَقِفُ إنسانٌ من بعيد، ويوقف صبيًّا بعيدًا عنه، فإذا جاء إنسانٌ إلى الرَّجل، فَيُسِرُّ إليه بِسِرٍّ، فيصيح الرجل بالصَّبي: يا بيان، فيقول: نعم، فيقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فتارةً يصيبُ، وتارة يخطئ، وإنما يدرك الصَّبيُّ ما يدرك بمطابقةٍ بينه وبين الرَّجل بإشاراتٍ وحروف معروفة، والدَّليلُ عليه أنَّهم لما ذَكَرُوا هذه الصَّبيَّة قالوا في أثناء قِصَّتها: قد ثَبَتَ بالتَّواتر أنَّ جميعَ ما تتكلَّم به لابُدَّ من مشاركةِ

стр. 9469

أبيها في ذلك، فيقول: ما تقولين في يد فلان؟ وما الذي قد جاءه فلان، أو هذا الرجل؟ فتجيبُ على مِقدار ما اتَّفقا عليه من التَّراجم، أو يكون من باب السِّحْر، وليس من باب الكرامات، لأنَّ شرائِطَ الكرامات مَعْروفةٌ] (١). وفيها (٢) سار بغدوين إلى ظاهر صور، ونزل قريبًا منها، وشَرَعَ في بناء حِصن على تلِّ المعشوقة، وأقام شهرًا، فقاطَعَه والي صور على سبعة آلاف دينار، فأخذَها ورَحَل (٣). وفي شعبان اشتدَّ الأمرُ بفخر المُلْك صاحِبِ طَرَابُلُس من مجيء الفرنج وتمادي العساكر إليه (٤)، فخَرَجَ من طَرَابُلُس في خمس مئة فارس وراجل، ومعه هدايا وتُحَف أعدَّها للخليفة والسُّلْطان، فجاء إلى دمشق، ونزل بظاهرها، والتقاه طُغْتِكِين، وأكرمه وخَدَمَه، وحَمَلَ إليه الهدايا والألطاف، وكذا جميع الأمراء، وكان لمَّا خَرَجَ من طَرابُلُس استناب ابنَ عَمِّه أبا المناقب ووجوه أصحابه في حِفْظها، وأطَلَقَ لهم واجبَ سِتَّةِ أشهر، واستَحْلَفَهم وتوثَّق منهم، فعصاه ابنُ عمه، وأظهر شِعار الأفضل (٥)، وعَلِمَ فخرُ المُلْك، فكتَبَ إلى أصحابه يأمرهم بالقَبْضِ عليه، وحَمْلِهِ إلى حِصن الخوابي، ففعلوا به ذلك. وسار فَخرُ المُلْك إلى بغداد ومعه تاجُ الملوك بُوري بن طُغْتِكِين، وكان جماعةٌ ممن يَحسُدُ طُغْتِكين قد سَعَوا به إلى السُّلْطان ليُفْسِدُوا حاله عنده، فأصَحَبَ ولدَه من الهدايا والتُّحَف والخيول والثِّياب وغير ذلك مما يحسن إنفاذه، واسْتَوزَرَ له أبا النَّجم هبة الله بن محمَّد بن بديع الذي كان مستوفيًا لتاج الدَّوْلة (٦)، وجَعَله مُدَبِّرًا لأمره، وسفيرًا بينه وبين مَنْ أُنفذ إليه، وتوجَّها في رمضان، فلما وصلا بغداد لقي فخر المُلْك من السُّلْطان من الإكرام والاحترام ما زاد على أمله، وتقدَّم إلى جماعةٍ من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته وإنجاده، وأمَرَهُمْ بالإلمام بالمَوْصِل، وانتزاعِها من يد جاولي سقاوة، ثُمَّ

стр. 9470

المسير إلى طَرَابُلُس، وطال مقام فخر المُلْك طولًا ضَجِرَ معه، وعاد إلى دمشق في المحرّم سنة اثنتين وخمس مئة. وأما تاج الملوك بُوري، فإنَّه لقي من السُّلْطان كل ما يَسُرُّه، وخَلَعَ الخليفةُ والسُّلْطان عليه، وعاد إلى دمشق [في آخر ذي الحجة. ولما عاد ابنُ عمار إلى دمشق] (١)، وأقام بها أيامًا سار إلى جَبَلَة، فدَخَلها وأطاعه أهلُها، وأنفذ أهلُ طرابُلُس إلى الأفضل بمِصر يلتمسون إنفاذَ والٍ يَصِلُ إليهم في البحر ومعه الغَلَّة والميرة ويتسلَّم البلد، فبعث إليهم شَرَفَ الدَّوْلة بن أبي الطَّيِّب، فلما حَصَلَ بها؛ قبضَ على جماعةِ فخر الملك ابن عَمَّار وأصحابه وذخائره وأمواله، وبَعَثَ بها إلى مِصر (٢). وفيها خَرَجَ بغدوين من القُدْس، فنَزَل على صَيدا وضايقها، وجاء الأُسطول من مِصر، فَدَفَعَه عنها، فعاد إلى القُدس (٣). وفيها أغار طُغْتِكين على طبرية، وكان بها جرفاس مقَدَّم الفرنجية، وكان من أكبر الملوك، فخرج من طبرية، والتقوا، فَقَتَلَ أتابكُ منهم مَقتَلَةً عظيمة، وأسر جرفاس وخواصَّه، فَبَذَل في نفسه أموالًا عظيمة، فلم يَقْبَل منه، وبَعَثَ به وبأصحابه هديةً إلى السُّلْطان (٤). وفيها توفي الحسين بن أحمد بن النَّقَّار، أبو الطَّاهر (٥) ولد بالكوفة، ونشأ ببغداد، وقرأ الأدب، ثُمَّ انتقلَ إلى دمشق، ومات بها، وكان فاضلًا شاعرًا، ومن شِعْره: [من السريع]

стр. 9471

وزائرٍ زارَ على غَفْلَةٍ … وقد أماطَ الصُّبحُ ثوبَ الظَّلامْ راحَ وقد سَهَّلَتِ الرَّاحُ مِنْ … أخلاقِه ما كان صَعْبَ المَرَامْ حَيدَرة بنُ أبي الغَنَائم (١) المُعَمّر (٢)، أبو الفُتوح العَلَوي نقيبُ الطَّالبيين ببغداد، كان عفيفًا، دَيِّنًا، غَزِيرَ الأدب، حَسَنَ الصُّورة، أقام نقيبًا اثنتي عشرة سنة، وعاش نيفًا وثلاثين سنة، وقام بعده أخوه أبو الحسن عليُّ بن أبي الغنائم. صَدَقَةُ (٣) بنُ منصور بن دُبَيْس ابن مَزْيَد، أبو الحسن، سَيفُ الدَّوْلة، الأمير (٤)، صاحبُ الحِلَّة (٥). كان كريمًا، عفيفًا عن الفواحش، كأن عليه رقيبًا من الصِّيانة؛ لم يتزوَّج على زوجتِه قَطُّ، ولا تَسَرَّى، ولم يشرب مُسْكرًا قط، ولا سَمِعَ غناءً، ولا قَصَدَ التَّنَوُّق (٦) في طعامٍ، ولا صادرَ أحدًا، وكان تاريخَ العَرَبِ والأماجد، وكانت دارُهُ ببغداد حَرَمًا للخائفين، وملجأ للائذين. ذِكْرُ مَقْتَلِه: كان سُرْخاب الدَّيلَمي الحاجب قد خاف من السُّلْطان [فاستجارَ به، فطلبه السُّلْطان] (٧)، فامتنع من تسليمه، فحاربه، وكان مع صَدَقَة عشرون ألفًا، وسار إليه عَسْكَرُ السُّلْطان، والتقوا

стр. 9472

بعد صلاة الجمعة سادس رجب، فجعل صدقة ابنه دُبَيْس في الميمنة، ومعه سعيد بن حُميد في بني خَفَاجة وجماعةٌ من الأكراد، وفي مقابلهم من عسكر السلطان البُرْسُقي والسَّعدية، وفي مَبْسرة صَدَقة ابنُه بَدْران، ومعه عُبادة بأَسْرها، وفي مقابلتهم [من عسكر السُّلْطان] (١) أحمديل وجماعةٌ من الأمراء، ووقفَ [سيفُ الدَّوْلة] (١) صدقةُ في القَلْب، ومعه سرخاب الدَّيلَمي، فَحَمَلَ البُرْسُقي، وثَبَتَتْ مَيمَنتُه ومَيسرتُه في أماكنها، وأما صَدَقةُ فوقعت خيله في الوَحَل [والماء والطين] (١) وكان [قد] (١) بَثَقَ (٢) البثوق [في موضع يقال له ريفانيا] (١) وتقاعد جماعةٌ من العَرَب عنه، فكشَفَ [صدقة] (١) رأسه وصاح: يا آل خُزَيمة، يا آل ناشِرة، يا آل عَوْف، أنا حاج (٣) الملوك، أنا ملكُ العرب، النار ولا العار، وقاتَلَ قتالًا شديدًا، فَرَشَقَتْه العَجَمُ رشقةً واحدة، فَخَرَجَ منهم عشرةُ آلاف نُشَّابة، فجاءه سَهْمٌ فوقع في ظَهْرِهِ، وسقط إلى الأرض، فنزل غلامٌ من السَّعدية، فَحَزَّ رأسه ولم يَعرِفه، وانهزمَ أصحابُهُ وأُسر ابنُه دُبَيس وسُرخاب الدَّيلَمي [الذي كان سببَ الفتنة] (١) وكانتِ القتلى من الفريقين ثلاثةَ الافٍ وزيادة، وأُخذ من خيمة صدقة خمس مئة ألف دينار، وجواهر لها قيمة، وكان عمره سِتًّا وخمسين سنة، وإمارته اثنتي عشرة سنة، وحُمِلَ، فَدُفِنَ في مشهد الحسين ﵇ (٤). وقال ابنُ القَلانسي في سنة إحدى وخمس مئة: ورَدَتِ الأخبارُ بوصول عسكر السُّلْطان محمَّد إلى بغداد في آخر شهر ربيع الآخر، وأعلَنَ صَدَقَةُ بالعِصيان خوفًا منه لِمَا بَلَغَه من إفساد شِحْنةِ بغداد وعميدِها حالهُ معه، ولم يَزَلِ السُّلْطان مقيمًا ببغداد إلى العشرين من شهر رجب، فاجتمع تقدير ثلاثين ألف فارس، واجتمع مع صدقة مِقْدار

стр. 9473

عشرين ألفًا في الحِلَّة، وبينهما أنهارٌ ومواحل (١)، فآثَرَ السُّلْطان مصالحته، والصَّفحَ عنه، وإيقاع موادعته، فأبى ذلك كافَّةُ الأمراء والمُقَدَّمين، ونهضُوا إليه، فلما عَرَفَ ذلك قَطَعَ الأنهار، ووَصَلَ في جَمْعِهِ حتى صار بإزائهم، وكان منزله كثيرَ الوَحَلِ، عَسِرَ المجالِ، فَتَرَجَّل الأتراكُ عن خيولهم، وجَثَوا على رُكَبِهِمْ، وأطلقوا السِّهام، فانهزمَ أصحابُ صَدَقة، وركب التُّرك أكتافهم، وقتلوا منهم خَلقًا كثيرًا، وقتِلَ صدقة في الجُملة، ووجوه رجاله، ولم يُفْلت منهم إلا اليسير، وكان السُّلْطان قد اعتمد في ترتيب الجيش على الأَمير مودود المستشهد بيد الباطنية بجامع دمشق، ووصل السُّلْطان من غَدِ يوم الوقعة، ونَزَلَ الحِلَّة. ولم يكن في العرب مِثْل صَدَقة في البيت والتَّقدُّمِ والإحسان، وحُسْنِ السِّيرة، والإنصاف والكَرَمِ، وجزيلِ العطاء، وشِدَّةِ الوفاء، والصَّفح عن الكبائر، والتَّعَفُّفِ عن أموال الرَّعية، إلا أنه كان مع هذه المآثر مُطَّرِحًا لفرائض الشّريعة، متغافلًا عن ارتكاب المحارم الشنيعة، مُسْتحسنًا لِسَبِّ الصَّحابة ﵃، فكان ما نَزَلَ به عاقبةَ ذلك (٢). ثم إنَّ السُّلْطان أطْلَقَ ولدَه دُبَيسًا، واستَحْلَفَه على الإخلاص والطّاعة. السنة الثَّانية وخمس مئة [و] (٣) فيها فَوَّضَ السُّلْطان محمَّد إلى بِهْرُوز الخادم عِمارةَ العراق، فشَرَعَ في تتمَّةِ جامعِ السُّلْطان، وحَفْرِ الأنهار، وكِرَاءِ (٤) السَّواقي، فَعَمَّ الرُّخْصُ [العراق] (٥)، وبنى [بهروز الخادم] (٥) رِباطًا للصُّوفية قريبًا من النِّظامية، وهو قائِمٌ إلى الآن (٦). وبعَثَ الخليفةُ إلى أَصبهان، فاستدعى أبا القاسم عليَّ بنَ جَهِير، وولَّاه الوزَارة، وعَزَلَ ابنَ المُطَّلب في شعبان (٧).

стр. 9474

وتزوَّجَ الخليفةُ ببنتِ السُّلْطان مَلِك شاه أُخْتِ محمَّد شاه، وتولَّى العَقْد من ناحيةِ محمَّد [شاه]، (١) وزيره سعيد بن نظام المُلْك (٢)، ومن ناحية الخليفة الوزير نظام الدِّين أحمد بن نظام المُلْك، وخَطَبَ أبو العلاء صاعد بن محمَّد الفقيه الحَنَفي. وفيها أخذتِ الفرنجُ طَرابُلُس -وقيل في السَّنة الآتية (٣) - اجتمع عليها ملوكهم ريمند بن صنجيل في ستين مركبًا في البحر مشحونة بالمقاتلة، وطنكري صاحب أنطاكية، وبغدوين صاحب القُدْس، وشرعوا في قتالها، وضايقوها منذ أول شعبان إلى حادي عشر ذي الحِجَّة، وأسندوا أبراجهم إلى السُّور، فلما رأى مَنْ بها من العَسْكر وأهلِ البلد ذلك سُقِطَ في أيديهم، وأيقنوا بالهلاك مع تأخُّرِ أُسطول مِصر عنهم، وكان كلما سار الأُسْطول نحوهم رَدَّتْه الرِّيح إلى مِصر، فلما كان يوم الاثنين هَجَمها الفرنج ونهبوها، وأسروا رجالها، وسَبَوْا نساءها، وأخذوا أموالها وذخائرها مما لا يُحصى ولا يُحصر، واقتسموها بينهم، وساروا إلى جَبَلَة (٤)، وبها فخرُ المُلْك بن عَمَّار، فتَسَلَّموها بالأمان في ثاني عشري ذي الحِجَّة، وخَرَجَ منها ابنُ عَمَّار سالمًا، ووصل حينئذٍ الأُسطول المِصري، ولم يخرج فيما تقَدَّم من مِصر مِثْلُه، فوجدوا البلد قد أُخذ، فعادوا إلى مِصر، وجاء ابنُ عمار إلى شَيزَر، فيكرمه صاحِبُها سُلْطان بن علي بن مُنْقِذ

стр. 9475

واحترمه، وعَرَضَ عليه المُقَام عنده، فأبى، وتوجَّه إلى دمشق، فأكرمه طُغْتكِين، وأنزله في دارٍ، وأقطعه الزَّبَداني (١) وأعماله (٢). ووقعتْ مهادنة [بين] (٣) بغدوين صاحب القُدْس، وبين طُغْتِكين [صاحب دمشق] (٣) على أن يكون السَّواد وجبَل عوف مثالثة، الثُّلُث للفرنج، والباقي للمُسلمين (٤). وفيها توفي إسماعيل بن إبراهيم بن العَبَّاس (٥) ابن الحسن، أبو الفَضْل الحُسَيني، ابن أبي الجِنّ، ولي القضاء بدمشق، وكان فاضلًا صَدُوقًا. تميم بن المُعِزّ بن باديس (٦) أبو يحيى، صاحبُ إفْريقية، وينتهي نَسَبُهُ إلى يَعْرُب بن قَحْطان (٧). ولد سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وعاش ثمانين سنة، وأقام واليًا ستًّا وأربعين سنة، وخلَّف مئة وستين ولدًا لصُلْبه لأنه كان مُغْرًى بالجواري مع اهتمامه بالملك، وقيل: مات له خمسون ولدًا، وكان مقامه بالمَهْدِيَّة، وكان عظيمَ القَدرِ، شاعرًا، فصيحًا، [وله ديوان بالمغرب، وكان جَوَادًا مُمَدَّحًا (٨)، مدحه خَلْقٌ كثير، منهم حُميد

стр. 9476

ابن سعيد (١)، وهو الذي جمع شعر تميم وبيَّنَه وشرحه ودوَّنه، وقد وصل من شعره إلى الشام، فمنه]: [من الوافر] أتَسْقِيني وتُسْكِرُني بِلَحْظٍ … فلي سُكْران مِنْ هذا وهذا فإنْ كان المُرَادُ بذاكَ قَتْلي … على حُبِّيكِ صبرًا كان ماذا وقد فَنِيَتْ دُموعي مِنْ جُفُوني … فأمسى وَبْلُ أجْفاني رَذَاذا (٢) وقال حُميد بن سعيد: جلستُ بين يديه يومًا، فقال: قد عملت أبياتًا، وأنشد: [من البسيط] عاهَدْتَني عَهْدَ مَنْ للعَهْد (٣) ينكُثُهُ … فَصِرْتَ تَأْخُذُ في طُرْقِ المناكيثِ (٤) حدَّثْتَني بأحاديثٍ مُنَمْنَمةٍ (٥) … فما حَصَلْتُ على غير الأحاديثِ فالوَعد يَنشُرُني والخُلْفُ يَقتُلُني … فَصِرْت ما بينَ مَقتُولٍ ومَبْعُوثِ (٦) [ثم قال آخر، فقال حُميد: فقلتُ] (٧): [من البسيط] يا مَن حُرِمْتُ وصالًا منه يُنْعِشُني … وصرتُ أقْنَعُ منه بالأحاديثِ إنِّي تَشَبَّثتُ لمَّا أنْ هُجِرتُ فما … بغيرِ طُولِ الأسى والهَجْرِ تَشْبِيثي (٨) اللهَ في هَجْرِ مقتولٍ أَضَرَّ به (٩) … وَجْدٌ عليكَ ومَيتٍ غيرِ مبعوثِ (١٠) وقيل: إنه مات سنة إحدى وخمس مئة، وقام مقامه ولده يحيى.

стр. 9477

الحسن العلوي (١) أبو هاشم، رئيس هَمَذَان، كان جَوَادًا، مموَّلًا، شجاعًا، صاحب صدقات وصِلات، نُقِلَ إلى محمَّد شاه عنه شيءٌ، فصادَرَه على تسع مئة ألف دينار أدَّاها في نيِّفٍ وعشرين يومًا، ولم يَبعْ فيها عَقارًا ولا مِلْكًا. صاعد بن محمَّد بن عبد الرحمن، أبو العلاء (٢) القاضي الحَنَفي، مِنْ أهل أصبهان، وقيل: من بُخارى، ولد سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة، وسَمِعَ الحديث [بأصبهان وبغداد ومكة] (٣)، وَبَرعَ في الفِقْه [على مذهب أبي حنيفة حتى صار مفتي أهل أصبهان] (٣)، وكان صالحًا متدينًا [وهو الذي خطب في عَقد الخليفة على أخت (٤) محمَّد شاه] (٣). قتلته الباطنية يوم الفِطْر بجامع أصبهان. عبد الواحد بن إسماعيل (٥) ابن أحمد بن محمَّد (٦)، أبو المحاسن [الرُّوياني] (٧)، من أهلِ طَبَرِسْتان. ولد سنة خمس عشرة وأربع مئة، ورحل إلى الأمصار، وعَبَرَ النَّهر، وسَمِعَ الحديث، وتفقَّه على مذهب الشَّافعي، وكان يقول: لو احترقَتْ كُتُبُ الشَّافعي لأمْلَيتُها من حِفْظي. وله الكُتُب الحِسان [المشهورة] (٣)، قُتِلَ يوم عاشوراء بآمُل (٨) شهيدًا.

стр. 9478

علي بن الحسين بن عبد الله [بن عُرَيْبَة] (١)، أبو القاسم الرَّبَعي (٢) [البغدادي، الفقيه، الشَّاعر] (٣). ولد سنة أربع عشرة وأربع مئة، وتفقَّه [على أقضى القُضَاة أبي الحسن علي بن محمَّد بن حبيب الماوردي، وأبي الطَّيب الطبري على مذهب الشَّافعي، وصَحِبَ ابن الوليد وغيره من شيوخ المعتزلة، فَنُسِبَ إليهم، وكان شاعرًا فصيحًا، وتوفي في رجَب. وأنشد أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي البزَّاز، قال: أنشدنا الرَّبَعي لنفسه هذه الأبيات] (٤): [من الكامل] إنْ كُنتَ نِلْتَ من الحياة وطِيْبها … مع حُسْنِ وَجْهِكَ عِفَّةً وشبابا فاحْذَرْ لِنَفْسِك أن تُرَى مُتمنِّيًا … يومَ القيامة أن تكون (٥) تُرَابا (٦) [وقد ذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وأبو سَعد بن السَّمْعاني في "الذيل"، والحمد لله وحده] (٧). هبةُ الله بنُ محمَّد بنُ البديع الهَمَذَاني (٨) وزير رضوان صاحب حلب، ثم استوزره طُغْتِكِين، ثم اتَّهمه، وكان في قلبه منه من أيام تاج الدولة؛ لأنه كان مستوفيًا على البلاد، ونُقِلَ إلى طُغْتِكين أنَّه [كان] (٣) يكاتب

стр. 9479

رضوان، فقَبَضَ عليه واستأْصله، وأقام أيامًا في الاعتقال، ثُمَّ أمَرَ بخَنْقِهِ [فَخُنِقَ] (١) وأُرْمِيَ في جُبٍّ، ثم أُخرج، فَدُفِنَ بالمقابر. يحيى بنُ عليٍّ بنِ محمَّد بن الحسن بن بِسْطام (٢) أبو زكريا الشَّيباني، الخطيب (٣) التِّبْريزي، أحد أئمة اللغة، وله التَّصانيفُ الحِسان، شَرَحَ "الحماسة" في عدة نُسَخٍ: بسيط ووسيط ومختصر، وشَرَحَ المتنبي وغيره (٤)، وكان عارفًا بالنَّحْو واللُّغة، والأنساب، وأيام العَرَب، وكان نِظامُ المُلْك يعَظِّمُه، وشَغَّل أولادَه بالأدب عليه، ورَتَّبَ له الجامكية (٥) بالنِّظامية يدرِّس بها العربية، وسَمِع الحديثَ زمانًا، وتوفِّيَ لليلتين بقيتا من جُمادى الآخرة فجأة ببغداد، وصلَّى عليه أبو طالب الزَّينبي، ودُفِنَ إلى جانبِ أبي إسحاق الشِّيرازي بباب أبرز. ورآه ابنُ الجَوَاليقي في المنام، فقال: ما فَعَلَ الله بك؟ فقال: غَفَرَ لي بتصنيف "كتاب إعراب القرآن". وقال ابنُ ناصر: كان ثِقَةً فيما يرويه. وقال ابنُ خَيرون: ما كان بِمَرْضيِّ الطَّريقة (٦). وقال أبو زكريا: كتب إليَّ العميد بنُ الفَيَّاض: [من مجزوء الرَّمل] قُلْ ليحيى بن عليٍّ … والأقاويلُ فنونُ غير أنِّي لَسْتُ مَنْ يَكـ … ــــذِبُ فيهما ويخونُ أنتَ عَينُ الفَضْل إن مُدَّ … تْ إلى الفَضْل عيونُ أنتَ مَنْ عَزَّ بِهِ الفَضْـ … ـــلُ وقد كاد يَهُونُ

стр. 9480

فُقْتَ مَنْ كان وأتعبـ … ـــتَ لعَمْرِي مَنْ يكونُ وإذا قِيسَ بكَ الكُلُّ … فَصَحْوٌ ودُجُونُ (١) وإذا فُتِّشَ عنهمْ … فالأحاديثُ شُجُونُ قد سَمِعْنا ورأينا … فَسُهُولٌ وحُزُونُ إنَّك الأصلُ ومَنْ دو … نكَ في العِلْمِ غُصُونُ إنكَ البَحْرُ وَأعْيا … نُ ذوي الفَضْل عُيونُ ليس كالسَّيفِ وإنْ حُلِّـ … ــــيَ في الحكم الجفونُ ليس كالقَدِّ المُعَلَّى … ليس كالبَيتِ الحجون ليس كالجدِّ وإن آ … نَسَ هَزْلٌ ومجونُ ليس في الحُسْنِ سواءٌ … أبدًا بِيضٌ وجُونُ (٢) ليس كالأبكارِ في اللُّطْـ … ـــفِ وإن راقَتْكَ عُونُ (٣) إنَّ ودِّي لك عمَّا … يَصِمُ الودَّ مَصُونُ ليس لي منه ظهورٌ … تتنافي وبطونُ غَلِقَ الرَّهْنُ (٤) وقد تَغْـ … ــــلَقُ في الحُبِّ الرُّهُونُ ومن النَّاس أمينٌ … في هواه وخَؤُونُ (٥) [فكتب إليه] (٦): [من الكامل] قُلْ للعميد أخي العُلا الفَيّاضِ … أنا قَطْرةٌ من بحركَ الفَيَّاضِ شَرَّفتني ورفعتَ ذكري بالذي … ألبَستَنيه من الثَّنا الفَضفَاضِ إني أتيتُك بالحَصَى عن لُؤلؤ … أبرَزْتَهُ عن خاطرٍ مُرْتَاضِ

стр. 9481

أيعارِضُ البَحرَ الغُطَامِطَ (١) جَدْولٌ … أم دُرُّه يَقْتَاسُ بالرَّضْراضِ (٢) يا فارسَ النَّظْمِ المُرَصَّعِ جوهرًا … والنَّثْرُ يكشفُ غُمَّةَ الأمراضِ لا تلزمَنِّي من ثنائِك موجبًا … حقًّا فلستُ لحقِّهِ بالقاضي ولقد عَجَزتُ عن القريضِ وربما … أعْرَضتُ عنهُ أيّما إعراضِ أنعمْ عليَّ ببسطِ عُذْري إنني … أقررتُ عند نَدَاك بالإنفاضِ (٣) (٤) السَّنة الثالثة وخمس مئة فيها هرب الوزير أبو المعالي ابن لمُطَّلب من دار الخليفة إلى دار المملكة هو وولده، تَزَيَّا بزِيّ النِّساء، واستجارَ بدار السُّلْطان (٥). وفي ربيع الآخر دخل السُّلْطان محمَّد بغداد، ووثَبَ [باطنيٌّ]، (٦) على وزيره نظام الدين أحمد بن نظام المُلْك، وهو في سمارية (٧)، فضَربه في عُنُقه بسكِّين، فَجَرَحَه، وأُخذ الباطني وسُقي الخمر، فلمَّا سَكِرَ أقَرَّ على جماعةٍ بمسجدٍ في المأمونية مِن الباطنية، فأُخذوا، وقتلوا، وقتِلَ معهم، وأقام ابنُ نظام المُلْك مُدَّة وبَرِئ (٨). وفيها نزل الأَمير سُكْمان صاحب خِلاط على مَيَّافارِقِين، فأقام عليها سبعة أشهر، وبها أتابك خُمَرْتاش، فسلَّمها إليه، فدخلَها، وأحْسَنَ إلى أهلِها، وأسْقَط عنهم المكوس والضَّرائب، وعَمَرَها، وولَّى بها مملوكه قُزُغلي (٩)، وجعل معه خواجا أثير الدَّوْلة أبا الفتوح، ثم عاد سُكْمان إلى خِلاط، وماتَ سنةَ أربعٍ وخمس مئة (١٠).

стр. 9482

وفيها نهضتِ الفرنجُ على رَفَنِيَّة (١)، وعَرَفَ طُغْتِكِين، فسار [بالعسكر] (٢)، وخيَّمَ بإزائهم بحِمْص، فلم يَقْدِروا على منازلة رَفَنِيَّة، وترددتْ بينهم مُراسلاتٌ أفضَتْ إلى تقريرِ الموادعة، على أن يكون للفرنج ثُلُث مُغَلِّ البِقاع، ويُسَلِّمُ إليهم حِصن المُنَيطِرة (٣) وحِصن عَكَّار (٤)، وأن لا يتعرَّضوا لِحصن مصياث (٥)، وحِصن الأكراد (٦)، وأن يَحمِلَ إليهم عنهما وعن حِصن الطُّوفان (٧) مالًا، فأقاموا مُدَّة يسيرة، ثم عاد الفرنج إلى الفساد [في البلاد] (٨). وفيها عَزَمَ السُّلْطان محمَّد شاه على غَزْو الفرنج، وكَتَبَ في جُمادى الأولى إلى الأطراف يُخْبرهم بعزمه [والاستعداد للجهاد، وكتبَ إلى أتابك] (٩) طُغْتِكين أن يقيمَ مكانه بالعساكر حتى يأتيه الإمداد [ويدبر أمور العساكر] (٩)، فَعَرَضَت موانعُ [وعوائِقُ عاقَتْه] (٩) عن ذلك. فلمَّا رأى طُغْتِكين تأخُّر العساكر سار إلى ناحية بغداد على طريق السَّماوة، ومعه فخر المُلْك بنُ عَمَّار، ومعه من الهدايا والتُّحَف ما يَصلُح للخليفة والسُّلْطان، وكان قَصدُه أن يُنْهي إليهما ما يجري بالشَّام من الفرنج، ويحرَّضَ السُّلْطان على الجهاد، فلما وَصَلَ وادي المياه بلغه أنَّ السُّلْطان قلَّدَ الشَّام غيرَه، فعَزَمَ على العَوْدِ إلى دمشق، وسلَّم الهدايا إلى ابنِ عمار، وقال: توجَّه إلى بغداد، وأخبِرْهم بما أنا فيه، وما قد بلغني. فسار إلى بغداد، فالتقاه الخواصُّ، وسُرُّوا بقدومه، وظَهَرَ بُطْلان ما قيل (١٠).

стр. 9483

وبلغ طُغْتِكين أنَّ كُمُشْتِكِين الخادم الوالي ببَعْلَبَكَّ قد صافى الفرنج، وأمرهم بالغارات على أطراف المُسلمين، فكتَبَ أتابك من الطَّريق إلى ولده تاج الملوك بإنفاذ العساكر إلى بَعلَبك. فسار من وقته، ونَزَلَ عليها على حين غَفْلَةٍ من أهلها، ثم راسل الخادمَ المذكور بالدُّخول في الطَّاعة وتسليم البلد، فلم يلتفت. وجاء أتابك ومعه الرَّجَّالة، فنصب عليها المجانيق، وزَحَفَ، فاستسلم أهلُ البلد والخادم، واقترح أشياء، فأجابه أتابك، وخَرَجَ إلى خِدْمته، فأحْسَنَ إليه، وخَلَعَ عليه، وعَوَّضه حِصن صَرْخَد (١)، وأعاد إليه ما كان قَبَضَ عليه من ضياعه وإقطاعه بدمشق، وتَسَلَّم طُغْتِكين بَعْلَبك، وسَلَّمها إلى ولده تاج الملوك بوري، وكان ذلك في رمضان، وأمَرَ أتابك طُغْتِكين برَفْعِ المظالم عنها، وحَطِّ بعضِ الخَرَاج، ورَدَّ أملاكًا كانت غُصِبتْ، فارتفعتْ له الأدعية، وكَثُرَت عليه الأثْنِيَة (٢). وفيها خرج طنكري من أنطاكية، فأخذ طَرَسُوس، وقرر على شَيزَر عشرة آلاف دينار وتسلَّم حِصن الأكراد، وعاد إلى أنطاكية (٣). ونزل بغدوين صاحب القُدْس، وابن صنجيل على بيروت، وسار إليهم جوسلين صاحب تل باشر لمعاونتهم، واستنجدهم على [الأمير] (٤) مودود، وكان [مودود] (٤) قد طَرَدَ جاولي عن المَوْصِل، ومَلَكَ الجزيرةَ بأمر السُّلْطان، وجاء فنزل على الرُّها، وجاء الأُسطول المِصري وفيه الرِّجال والمِيرة، فدخلوا بيروت، فقويتْ نفوسُ أهلِها، فبَعثَ بغدوين إلى الجَنَويَّة، فجاؤوا في أربعين مركبًا، فزحفوا إلى بيروت برًّا وبحرًا، فدخلوها قَهْرًا بالسَّيفِ، فقتلُوا ونَهَبُوا وسَبَوْا، وفعلوا كما فعلوا بطرابُلُس، واسْتَصفُوا الأموال والذَّخائر (٥). ثم رحل بغدوين، فنزل على صيدا، وراسل أهلها بتسليم البلد، فاستمهلوه مُدَّة عَيَّنوها، فأجابهم، وأخذ منهم مالًا، وعاد إلى القُدْس بسبب الحَجّ (٦).

стр. 9484

وفيها ظهر قَومٌ من كافر تُرْك، ووصلوا إلى جيحون، فقتلوا وسَبَوا وأفسدوا، فبعث إليهم السُّلْطان [أبو الحارث سنجرشاه بن ملك شاه] (١) العساكر، فقتلوا منهم مَقْتَلةً عظيمة، وعادوا مفلولين (٢). وفيها ظهر كوكب الذنب، فأقام من ذي القَعدة إلى آخر ذي الحِجَّة وغاب، وكانت ذُؤابته من المشرق إلى القِبْلة (٢). وفيها كاتب محمدُ شاه سُكْمان صاحِبَ أرْمينية وخِلاط ومَيَّافارِقِين، وشَرَفَ الدِّين مودود صاحب المَوْصِل، ونجم الدِّين إيل غازي صاحب مارِدِين بالاجتماع على جهاد الفرنج، فاجتمعوا في خَلْقٍ كثير، وقالوا: نبدأ بالرُّها، فهذا فرَغْنا منها سِرْنا إلى الشَّام، فنزلوا عليها في شَوَّال، وضيَّقوا على أهلها، ومنعوهم المِيرَة، وبلغ الفرنج، فاجتمع طنكري صاحب أنطاكية وابن صنجيل صاحب طرابلس وبغدوين صاحب القُدْس، وتحالفوا على المسير إلى الرُّها، والذَّبِّ عنها، والصبرِ على الحرب، ورَحَلُوا بأسْرهم إلى ناحية الرُّها، وعَلِمَ طُغْتِكِين، فسار في العَسْكر إلى ناحية الرَّقَّة وقلعة جَعْبَر، فوَجَدَ الفرنج على الفُرَات قد أحجموا عن عُبورها خوفًا من المسلمين. وبلغَ المسلمين [خبرهم] (٣) فرحلوا عن الرُّها طالبين الفرات يريدون الفرنج، فوجدوا سرَعانَ الخيلِ (٤) قد قطعوا الفرات، ومعهم بعضُ أثقالهم، فمالوا عليهم قتلًا [وأسرًا] (٥) وتغريقًا في الفرات، وامتلأتِ الأيدي من الغنائم والسَّبْي والدَّوابِّ، وعاد الفرنجُ إلى مراكزهم. وكان طُغْتِكين على عَزْمِ أن يلقاهم مع المسلمين، فلمَّا رجعوا عاد إلى دمشق خوفًا عليها، وعاد المسلمون إلى الرُّها، فطال عليهم منازلَتُها، فتفرَّقوا إلى بلادهم. ولما عاد بغدوين جعل طريقه على البقاع، فأسَرَ وقتل، ثم عاد إلى صَيدا، ونازلَها، ونَصب عليها الأبراج، فأيقنوا بأخذِها، فأخرجوا إليه قاضيها وجماعةً من شهودها،

стр. 9485

فطلبوا منه الأمان، فأمَّنهم، وخرج الوالي والعسكر وأهلُ البلد إلى دمشق، ولم يتعرَّض (١) لأحدٍ منهم، وعاد إلى القُدْس. وقيل: إنما فُتحت صَيدا سنةَ أربعٍ وخمس مئة (٢). وفيها تُوفِّي أَحْمد بن عليّ بن أَحْمد (٣) أبو بكر، العُلْبي (٤)، البغدادي، الزَّاهد، قرأ القرآن، وتفقَّه على [القاضي] (٥) أبي يعلى بن الفَرَّاء، وكان يُقرئُ النَّاس [القرآن] (٥)، ويؤمُّ بهم، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا (٦)، ويعملُ بيده، ويأكل ويذهب كلَّ ليلةٍ إلى دِجْلة، فيأخدْ ماءً في كُوزٍ، فيُفطِرُ عليه، ويمشي في قضاء حوائج النّاسِ، ويؤثِرُ بما في يده. وكان إذا حَجَّ خَرَجَ، فزار المَعْلى، ووقف عند قَبرِ الفُضَيل بن عِياض، وَيخُطُّ بعصاه، ويقول: يَا ربّ ها هنا، يَا رب ها هنا، فَحَجَّ في هذه السَّنة، فَشَهِدَ عَرَفة، وسَقَطَ من الجَمَلِ آخر النَّهار، فَحُمِلَ وَطِيفَ به بالبيت، ودُفِنَ يوم النَّحر إلى جانب الفُضَيل [بن عياض. سمع القاضي أَبا يعلى وغيره] (٥)، وكان صالحًا ثقَةً.

стр. 9486

[وفيها توفِّي] (١) عمر بن عبد الكريم بن سَعدويه (٢) أبو الفِتْيان الدِّهِستاني (٣)، الحافظ، محدِّثٌ مشهور، سافر إلى البلاد، وكتب [وذكره أبو الحسن عبد الغافر، وأثنى عليه، وقال] (٤): قَدِمَ نَيسَابُور مرارًا، وخرج إلى طُوس، فأنزله أبو حامد الغَزَالي وأكرمه، وصَحَّحَ عليه "الصَّحيحين". واستقدمه أبو بكر محمَّد بن منصور السَّمْعاني إلى خُرَاسان، فأدركَه أجَلُه بَسرْخَس قبل وصوله إليه. سمع خَلقًا كثيرًا [ذكرناهم في التراجم، منهم مشايخ بغداد، وسمع بدمشق أَبا محمَّد بن الأكفاني، وأبا الحسن بن أبي الحديد وغيرهما، وروى عنه أبو بكر الخَطيب؛ سمع منه بصور، ونَصر المَقدِسي وغيرهما] (٥)، واتَّفقوا على صِدْقه، وثقَتِهِ، ودِينِهِ. [وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: سَمِعَ فأوسَعَ، وكَتَبَ فأكثَرَ، وقدِمَ دمشق، فَسَمِعَ بها عبدَ الدَّائم بنَ الحسن، وأبا محمَّد الكَتَّاني، وذكر ابن أبي الحديد، قال: وسَمِعَ ببغداد أَبا الغنائم بن المأمون، وبمَرْو أَبا نَصر محمَّد بن بكر بن الخلال، وبهَرَاة أَبا الفضل زياد بن محمَّد بن زياد، وبنيسابور أَبا عثمان الصَّابوني وغيرهم. وروى عنه الخَطيب بصور، وأبو محمَّد الكتَّاني، ونَصر بن إبراهيم المَقْدِسي، وهم من شيوخه] (٤). وروى عنه الحافظ ابنُ عساكر أنّه قال: سَمِعتُ أَبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خُزَيمة يقول: مَن لم يُقِرَّ بأنَّ الله على عَرْشِهِ قد استوى فوق سبع سماواتِهِ فهو كافر يُسْتتاب، فإنْ تابَ وإلا ضُرِبَتْ عُنُقُه، لأنَّ الله تعالى أخْبَرَ عن ذلك في سبعِ مواضِعَ مِنْ كتابه (٦).

стр. 9487

[وذكَرَ ابنُ عساكر أنَّه أنشد أبياتًا لغيره (١): [من البسيط] إنِّي لِمَا أنا فيه من مُنَافَستي … فيما شُغِفتُ به من هذه الكُتُبِ لقد عَلِمتُ بأنَّ الموتَ يُدْرِكُنْي … مِنْ قَبْلِ أنْ يَنقَضِي مِنْ جَمْعِها أَرَبي وليس يَنْفَعُني مِمَّا حَوتْه يدي … شيءٌ من الفِضَّة البيضاء والذَّهَب ولا أُوَمِّلُ زادًا للمَعَاد سوى … عِلْم عَملْتُ به أو رَأفتي بأَبي وذكره أبو الفضل محمَّد بن طاهر المقدسيّ، وأثنى عليه، وقال: طاف الدنيا شرقًا وغربًا، وكان على سيرة السلف، وذكر أنَّه خرج من نَيسَابُور إلى طُوس، وأن الغَزالي قرأ عليه "الصحيحين"، ثم شرحهما، فخرج إلى مرو، فتوفي بسَرْخَس في ربيع الأول]. وجيه بن عبد الله بن نَصر (٢) أبو المِقْدام، التَّنوخي، شاعر فصيح، [ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٣) لمَّا فَعَلَتِ الفرنجُ بالمَعَرَّة ما فَعَلَتْ دَخلَها يبكي، وقال: [من الخفيف] هذه بَلْدَةٌ قَضَى الله يَا صا … حِ عليها كما تَرَى بالخَرَابِ فَقِفِ العِيسَ وقفَةً وابْكِ مَنْ كا … نَ بها مِنْ شُيُوخها والشَّباب واعْتَبِر إن دَخَلْتَ يومًا إليها … فَهْيَ كانتْ مَنازِلَ الأحبَابِ (٤) وقال أَيضًا: [من الوافر] أُراني والبقاءُ لهُ نَفَادُ … على سَفَرٍ وليس لديَّ زَادُ وقد بان الشَّباب الغَضُّ منِّي … وجاءَ الشَّيبُ ليس له ارتِدادُ

стр. 9488

إذا ما الزَّرعُ أسْبَلَ واسْتَبانَتْ … سنابِلُهُ فقد قَرُبَ الحَصَادُ (١) وتوفي بدمشق، وقد جاوز السبعين. هبةُ الله بنُ محمدِ بنِ علي (٢) أبو المَعَالي بن المُطَّلب، الكِرْماني، وزير المُستَظْهر. ولد سنة أربعين وأربع مئة، ووزَرَ للخليفة مُدَّةً يسيرة، واعتَقَلَه فَهَرَب إلى دار المملكة، فتوفِّي في شَوَّال، ودُفِنَ بباب أبرز. سَمِعَ أَبا الحسين بن المهتدي، وغيره. السنة الرابعة وخمس مئة فيها قدمت خاتون بنت مَلِك شاه زوجة [الخليفة] (٣) المستظهر [أخت السلطان محمَّد شاه] (٣)، فنزلت بدار المملكة في رجب عند أخيها السُّلْطان محمَّد شاه، ثم نُقِلَ جَهازُها في رمضان على مئةٍ واثنين وثلاثين جملًا وسبعة وعشرين بغلًا، وبين يديه الجنائب، والجواري المُزَيَّنات بين يدي المِحَفَّة، وزُيِّنَتِ الأسواق، ونُصبتِ القِباب، ودَخَلَ بها في عاشر رمضان (٤). وفيها دَرَّسَ أبو بكر الشَّافعي الشَّاشي بالنِّظامية، وحَضَرَ عنده وزيرُ السُّلْطان وأربابُ الدَّوْلة (٥). وفيها قَدِمَ تُجَّارٌ من الشَّام إلى بغداد، وكسروا المِنْبر، ومَنَعُوا الخطيبَ من الخُطْبة يوم الجُمُعة بجامع السُّلْطان، واستغاثوا، فقال السُّلْطان: ما لهم؟ فقالوا: قد استولى الفرنج على الشّام، وقتلوا وأسروا وسَبَوْا. فقال السُّلْطان: نُسَيِّر العساكر إليهم (٦).

стр. 9489

وفيها قَصَدَ بغدوين عَسْقلان، وكان واليها [يقال له] (١) شمس الخلافة، فراسل بغدوين، واتَّفقا على مالٍ، وقرَّرَ على صُور سبعة آلاف دينار، [وكان شمس الخلافة أرغب في التجارة من الحرب] (١)، وبلغ الأفضل ذلك، [فلم يرض] (١) وأسَرَّه (٢) في نفسه، وبَعَثَ جيشًا إلى عَسْقلان [عوض شمس الخلافة] (١)، فعصى واليها عليه (٣)، وأخَرَجَ من كان معه في البلد من العَسْكر خوفًا منهم، وراسَلَ بغدوين يستمدُّه، ووعده إن غُلِبَ سَلَّم إليه عسقلان، ويعوِّضه عنها، وعَلِمَ الأفضل، [فخاف على البلد] (١) فكاتبه وطيَّبَ قَلْبه، وأقطعه عَسقلان، وأقر عليه إقطاعه بمصر، فاستدعى [شمسُ الخلافة] (١) جماعةً من الأَرْمن، فأَسْكَنَهم البَلَد، فأنكر أهلُ البلد ذلك، ووثبوا عليه، فقتلوه، ونهبوا دارَهُ، وبعثوا برأسِهِ إلى مِصر (٤). وفيها هَبَّتْ ريحٌ سوداء بمِصر، وطَلَعَ سحابٌ أسودُ أخَذَ بالأنفاس، وأظلمتِ الدُّنيا، وظَهَرَتِ الكواكبُ نهارًا، وسَفَتِ الرِّيحُ الرَّمْلَ على النَّاس، [وظنُّوا أن القيامة قد قامت، وخَرَجَ النَّاس] (٥) من منازلهم، وكان ذلك من صلاة العصر إلى المغرب، ثم لطف الله، وزالتِ الظُّلْمة (٦). وفيها غَدَرَ بغدوين [صاحب القدس] (١) ونزل على طبرية، وخرج طُغْتِكِين، فنزل رأسَ الماء (٧)، ثم استقرَّ [على] (١) أن يكون ما كان من البلاد مُثَالثة، ومُنَاصفة (٨). وفيها جَهَّزَ محمَّد شاه العساكِرَ إلى الشَّام لقتال الفرنج، منهم شَرَف الدِّين مودود صاحب المَوْصِل، [وأحمديل] (١)، وقطب الدين سُكْمان صاحب ديار بكر، واجتمعوا

стр. 9490

في حَرَّان، وكَتَبَ إليهم سُلْطان [بن عليّ] (١) بن منقذ صاحب شَيزَر يعرِّفُهم أنَّ طنكري [قد] (١) نزل أرض شَيزَر، وشرع في بناء تل مُبَشِّر حِصنًا بمقابلة شَيزَر. فقطعوا الفرات، ونزلوا على تل باشر ينتظرون البُرْسُقي صاحب هَمَذَان، فوصل وهو مريضٌ، واختلفت آراؤهم، ومَرِضَ سُكْمان صاحب أرْمينية وخِلاط وديار بكر، وطَمِعَ أحمديل في بلاده، وراسله صاحِبُ الحِصن وهاداه، فَقَصَّر، فعادوا إلى حلب، وعاثوا في أعمالها، وفعلوا أقبحَ مِنْ فِعْلِ الفِرنج، وتوقعوا خروجَ رِضْوان إليهم وخدمتهم، فما التفت، وأغلق أبواب حلب، وأخذَ رهائن أهلِها إلى القلعة، واستعد للقتال. وقد كانوا لمَّا قطعوا الفُرَات كاتبوا [أتابك] (١) طُغْتِكِين [في دمشق] (١) بالوصول إليهم [ليدبروا الأمورَ] (١)، وكَتَبَ إليه السُّلْطان بمثل ذلك، فجمع [وحشد] (١) رجاله، ورجال حمص [وحماة] (١) وَرَفنِيَّة، وسار في جَمع كثيف طالبًا للجهاد. فوصل إليهم على حلب، فَسُرُّوا بوصوله، وقويت نفوسهم، فلم يَرَ منهم عزيمةً صادقة في جهادٍ، ولا حماية بلاد. وأما سُكْمان القُطْبي، فإنَّه عاد إلى بلاده، وقد أشفى، ومات [في طريقه] (١) قبل وصوله إلى الفُرات. وأما البُرْسُقي فكان به نِقْرِسٌ، ويحمل في مِحَفَّة، ولا قول له ولا فِعْل. [وأما أحمديل فإنَّ عزمه] قوي (٢) على العَوْد [لأجل بلاد سُكْمان، وطمعه في إقطاعها من السُّلْطان] (٣). فقال [أتابك] (١) طُغْتِكِين: ارحلوا إلى المَعَرَّة. فرحلوا على كُرْهٍ، فقال: انزلوا طَرابُلُس. فتوقفوا، ثم تسلَّلوا وتفرقوا أيدي سبأ، ولم يبقَ منهم سوى [شرف الدين] (١) مودود، وكان مصافيًا لأتابك؛ صديق صِدق، ونزلا طي العاصي، وكان الفرنج قد تفرقوا إلى مواضعهم، فلما تفرَّق المسلمون ورجعوا اتفق الإفرنج، وصاروا يدًا واحدة على الإِسلام، ونَزَلَ سُلطانُ بن عليّ بن مُنقِذ من شَيزَر إلى [أتابك] (١) طُغتِكين، ومودود، وخدمهما، وحمل إليهما.
следующие страницы →