← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

[وفيها توفِّي] (١) عمر بن عبد الكريم بن سَعدويه (٢) أبو الفِتْيان الدِّهِستاني (٣)، الحافظ، محدِّثٌ مشهور، سافر إلى البلاد، وكتب [وذكره أبو الحسن عبد الغافر، وأثنى عليه، وقال] (٤): قَدِمَ نَيسَابُور مرارًا، وخرج إلى طُوس، فأنزله أبو حامد الغَزَالي وأكرمه، وصَحَّحَ عليه "الصَّحيحين". واستقدمه أبو بكر محمَّد بن منصور السَّمْعاني إلى خُرَاسان، فأدركَه أجَلُه بَسرْخَس قبل وصوله إليه. سمع خَلقًا كثيرًا [ذكرناهم في التراجم، منهم مشايخ بغداد، وسمع بدمشق أَبا محمَّد بن الأكفاني، وأبا الحسن بن أبي الحديد وغيرهما، وروى عنه أبو بكر الخَطيب؛ سمع منه بصور، ونَصر المَقدِسي وغيرهما] (٥)، واتَّفقوا على صِدْقه، وثقَتِهِ، ودِينِهِ. [وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: سَمِعَ فأوسَعَ، وكَتَبَ فأكثَرَ، وقدِمَ دمشق، فَسَمِعَ بها عبدَ الدَّائم بنَ الحسن، وأبا محمَّد الكَتَّاني، وذكر ابن أبي الحديد، قال: وسَمِعَ ببغداد أَبا الغنائم بن المأمون، وبمَرْو أَبا نَصر محمَّد بن بكر بن الخلال، وبهَرَاة أَبا الفضل زياد بن محمَّد بن زياد، وبنيسابور أَبا عثمان الصَّابوني وغيرهم. وروى عنه الخَطيب بصور، وأبو محمَّد الكتَّاني، ونَصر بن إبراهيم المَقْدِسي، وهم من شيوخه] (٤). وروى عنه الحافظ ابنُ عساكر أنّه قال: سَمِعتُ أَبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خُزَيمة يقول: مَن لم يُقِرَّ بأنَّ الله على عَرْشِهِ قد استوى فوق سبع سماواتِهِ فهو كافر يُسْتتاب، فإنْ تابَ وإلا ضُرِبَتْ عُنُقُه، لأنَّ الله تعالى أخْبَرَ عن ذلك في سبعِ مواضِعَ مِنْ كتابه (٦).

стр. 9487

[وذكَرَ ابنُ عساكر أنَّه أنشد أبياتًا لغيره (١): [من البسيط] إنِّي لِمَا أنا فيه من مُنَافَستي … فيما شُغِفتُ به من هذه الكُتُبِ لقد عَلِمتُ بأنَّ الموتَ يُدْرِكُنْي … مِنْ قَبْلِ أنْ يَنقَضِي مِنْ جَمْعِها أَرَبي وليس يَنْفَعُني مِمَّا حَوتْه يدي … شيءٌ من الفِضَّة البيضاء والذَّهَب ولا أُوَمِّلُ زادًا للمَعَاد سوى … عِلْم عَملْتُ به أو رَأفتي بأَبي وذكره أبو الفضل محمَّد بن طاهر المقدسيّ، وأثنى عليه، وقال: طاف الدنيا شرقًا وغربًا، وكان على سيرة السلف، وذكر أنَّه خرج من نَيسَابُور إلى طُوس، وأن الغَزالي قرأ عليه "الصحيحين"، ثم شرحهما، فخرج إلى مرو، فتوفي بسَرْخَس في ربيع الأول]. وجيه بن عبد الله بن نَصر (٢) أبو المِقْدام، التَّنوخي، شاعر فصيح، [ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٣) لمَّا فَعَلَتِ الفرنجُ بالمَعَرَّة ما فَعَلَتْ دَخلَها يبكي، وقال: [من الخفيف] هذه بَلْدَةٌ قَضَى الله يَا صا … حِ عليها كما تَرَى بالخَرَابِ فَقِفِ العِيسَ وقفَةً وابْكِ مَنْ كا … نَ بها مِنْ شُيُوخها والشَّباب واعْتَبِر إن دَخَلْتَ يومًا إليها … فَهْيَ كانتْ مَنازِلَ الأحبَابِ (٤) وقال أَيضًا: [من الوافر] أُراني والبقاءُ لهُ نَفَادُ … على سَفَرٍ وليس لديَّ زَادُ وقد بان الشَّباب الغَضُّ منِّي … وجاءَ الشَّيبُ ليس له ارتِدادُ

стр. 9488

إذا ما الزَّرعُ أسْبَلَ واسْتَبانَتْ … سنابِلُهُ فقد قَرُبَ الحَصَادُ (١) وتوفي بدمشق، وقد جاوز السبعين. هبةُ الله بنُ محمدِ بنِ علي (٢) أبو المَعَالي بن المُطَّلب، الكِرْماني، وزير المُستَظْهر. ولد سنة أربعين وأربع مئة، ووزَرَ للخليفة مُدَّةً يسيرة، واعتَقَلَه فَهَرَب إلى دار المملكة، فتوفِّي في شَوَّال، ودُفِنَ بباب أبرز. سَمِعَ أَبا الحسين بن المهتدي، وغيره. السنة الرابعة وخمس مئة فيها قدمت خاتون بنت مَلِك شاه زوجة [الخليفة] (٣) المستظهر [أخت السلطان محمَّد شاه] (٣)، فنزلت بدار المملكة في رجب عند أخيها السُّلْطان محمَّد شاه، ثم نُقِلَ جَهازُها في رمضان على مئةٍ واثنين وثلاثين جملًا وسبعة وعشرين بغلًا، وبين يديه الجنائب، والجواري المُزَيَّنات بين يدي المِحَفَّة، وزُيِّنَتِ الأسواق، ونُصبتِ القِباب، ودَخَلَ بها في عاشر رمضان (٤). وفيها دَرَّسَ أبو بكر الشَّافعي الشَّاشي بالنِّظامية، وحَضَرَ عنده وزيرُ السُّلْطان وأربابُ الدَّوْلة (٥). وفيها قَدِمَ تُجَّارٌ من الشَّام إلى بغداد، وكسروا المِنْبر، ومَنَعُوا الخطيبَ من الخُطْبة يوم الجُمُعة بجامع السُّلْطان، واستغاثوا، فقال السُّلْطان: ما لهم؟ فقالوا: قد استولى الفرنج على الشّام، وقتلوا وأسروا وسَبَوْا. فقال السُّلْطان: نُسَيِّر العساكر إليهم (٦).

стр. 9489

وفيها قَصَدَ بغدوين عَسْقلان، وكان واليها [يقال له] (١) شمس الخلافة، فراسل بغدوين، واتَّفقا على مالٍ، وقرَّرَ على صُور سبعة آلاف دينار، [وكان شمس الخلافة أرغب في التجارة من الحرب] (١)، وبلغ الأفضل ذلك، [فلم يرض] (١) وأسَرَّه (٢) في نفسه، وبَعَثَ جيشًا إلى عَسْقلان [عوض شمس الخلافة] (١)، فعصى واليها عليه (٣)، وأخَرَجَ من كان معه في البلد من العَسْكر خوفًا منهم، وراسَلَ بغدوين يستمدُّه، ووعده إن غُلِبَ سَلَّم إليه عسقلان، ويعوِّضه عنها، وعَلِمَ الأفضل، [فخاف على البلد] (١) فكاتبه وطيَّبَ قَلْبه، وأقطعه عَسقلان، وأقر عليه إقطاعه بمصر، فاستدعى [شمسُ الخلافة] (١) جماعةً من الأَرْمن، فأَسْكَنَهم البَلَد، فأنكر أهلُ البلد ذلك، ووثبوا عليه، فقتلوه، ونهبوا دارَهُ، وبعثوا برأسِهِ إلى مِصر (٤). وفيها هَبَّتْ ريحٌ سوداء بمِصر، وطَلَعَ سحابٌ أسودُ أخَذَ بالأنفاس، وأظلمتِ الدُّنيا، وظَهَرَتِ الكواكبُ نهارًا، وسَفَتِ الرِّيحُ الرَّمْلَ على النَّاس، [وظنُّوا أن القيامة قد قامت، وخَرَجَ النَّاس] (٥) من منازلهم، وكان ذلك من صلاة العصر إلى المغرب، ثم لطف الله، وزالتِ الظُّلْمة (٦). وفيها غَدَرَ بغدوين [صاحب القدس] (١) ونزل على طبرية، وخرج طُغْتِكِين، فنزل رأسَ الماء (٧)، ثم استقرَّ [على] (١) أن يكون ما كان من البلاد مُثَالثة، ومُنَاصفة (٨). وفيها جَهَّزَ محمَّد شاه العساكِرَ إلى الشَّام لقتال الفرنج، منهم شَرَف الدِّين مودود صاحب المَوْصِل، [وأحمديل] (١)، وقطب الدين سُكْمان صاحب ديار بكر، واجتمعوا

стр. 9490

في حَرَّان، وكَتَبَ إليهم سُلْطان [بن عليّ] (١) بن منقذ صاحب شَيزَر يعرِّفُهم أنَّ طنكري [قد] (١) نزل أرض شَيزَر، وشرع في بناء تل مُبَشِّر حِصنًا بمقابلة شَيزَر. فقطعوا الفرات، ونزلوا على تل باشر ينتظرون البُرْسُقي صاحب هَمَذَان، فوصل وهو مريضٌ، واختلفت آراؤهم، ومَرِضَ سُكْمان صاحب أرْمينية وخِلاط وديار بكر، وطَمِعَ أحمديل في بلاده، وراسله صاحِبُ الحِصن وهاداه، فَقَصَّر، فعادوا إلى حلب، وعاثوا في أعمالها، وفعلوا أقبحَ مِنْ فِعْلِ الفِرنج، وتوقعوا خروجَ رِضْوان إليهم وخدمتهم، فما التفت، وأغلق أبواب حلب، وأخذَ رهائن أهلِها إلى القلعة، واستعد للقتال. وقد كانوا لمَّا قطعوا الفُرَات كاتبوا [أتابك] (١) طُغْتِكِين [في دمشق] (١) بالوصول إليهم [ليدبروا الأمورَ] (١)، وكَتَبَ إليه السُّلْطان بمثل ذلك، فجمع [وحشد] (١) رجاله، ورجال حمص [وحماة] (١) وَرَفنِيَّة، وسار في جَمع كثيف طالبًا للجهاد. فوصل إليهم على حلب، فَسُرُّوا بوصوله، وقويت نفوسهم، فلم يَرَ منهم عزيمةً صادقة في جهادٍ، ولا حماية بلاد. وأما سُكْمان القُطْبي، فإنَّه عاد إلى بلاده، وقد أشفى، ومات [في طريقه] (١) قبل وصوله إلى الفُرات. وأما البُرْسُقي فكان به نِقْرِسٌ، ويحمل في مِحَفَّة، ولا قول له ولا فِعْل. [وأما أحمديل فإنَّ عزمه] قوي (٢) على العَوْد [لأجل بلاد سُكْمان، وطمعه في إقطاعها من السُّلْطان] (٣). فقال [أتابك] (١) طُغْتِكِين: ارحلوا إلى المَعَرَّة. فرحلوا على كُرْهٍ، فقال: انزلوا طَرابُلُس. فتوقفوا، ثم تسلَّلوا وتفرقوا أيدي سبأ، ولم يبقَ منهم سوى [شرف الدين] (١) مودود، وكان مصافيًا لأتابك؛ صديق صِدق، ونزلا طي العاصي، وكان الفرنج قد تفرقوا إلى مواضعهم، فلما تفرَّق المسلمون ورجعوا اتفق الإفرنج، وصاروا يدًا واحدة على الإِسلام، ونَزَلَ سُلطانُ بن عليّ بن مُنقِذ من شَيزَر إلى [أتابك] (١) طُغتِكين، ومودود، وخدمهما، وحمل إليهما.

стр. 9491

وجاء الفرنج، فنزلوا على تل مُبَشِّر مقابل شَيزَر ليبنوا عليه حِصنًا، فنازلهم طُغْتِكين ومودود، وطَمِعَ بهم التُّرك، وتَخَطَّفوهم، ومنعوا أحدًا منهم أن يخرج من خيمته، وقتلوا وأسروا، فلما رأوا أحوالهم ناقصة انكفؤوا راجعين إلى أنطاكية وطرابُلُس، والتُّركُ في آثارهم قَتْلًا وأَسْرًا، واستحكمتِ المَوَدَّةُ بين [أتابك] (١) طغتكين [وشرف الدين] (١) مودود (٢). [فصل] (١) وفيها تُوفِّي [الأمير] (١) سُكْمان بن أُرْتُق (٣) صاحب خِلاط، وديار بكر. قد ذكرنا أنَّه جاء إلى الرُّها، ومَرِضَ، فَحُمِلَ في مِحَفَّة، فمات بميَّافارِقين، وحُمِلَ تابوته إلى خِلاط، فَدُفِنَ بها، وكان عادلًا مجاهدًا. وأبوه أُرتُق ماتَ بالقُدْس، وكان قد دخل الرَّمْل خوفًا من مَلِك شاه، ولمَّا عاد ملك شاه عن الشَّام، رَجَعَ أُرْتُق إلى القُدْس، ومات به. ونجم الدِّين إيل غازي بن أُرْتُق، أخو سُكْمان مَضى إلى السُّلْطان محمَّد شاه، فولاه شِحْنِكِيَّة العراق، ثم أَخَذَ مارِدِين في سنة ثمانٍ وخمس مئة، وميافارقين في سنة اثنتي

стр. 9492

عشرة [وخمس مئة] (١)، ثم أخذ حلب، وله وقائعُ مع الفرنج، وسنذكرها إنْ شاء الله تعالى فيما بَعد. [فصل: وفيها تُوفِّي عبد الوهَّاب بن هبة الله بن السِّيبي (٢) أبو الفَرَج، مؤدِّبُ ولد الخليفة المقتفي (٣). حَجَّ في هذه السنة، ومضى إلى المدينة، فمات في الطريق، فَحُمِلَ إلى البقيع، فدُفِنَ به. روى عنه المقتفي (٤)، وأشياخ أشياخنا، وكان ثِقَةً] (١). [فصل: وفيها تُوفِّي] (٥) علي بن محمَّد بن عليّ (٦) أبو الحسن، الطَّبري، عرف بإِلْكِيَا (٧) الهَرَّاسي.

стр. 9493

ولد سنة خمسين وأربع مئة، وتفقَّه على أبي المعالي الجُوَيني، فكان يعيد الدَّرسَ بمدرسةِ نَيسَابُور على كل مَرْقاة سبعين مَرَّة، وكانت المَرَاقي سبعين مَرْقَاة. قَدِمَ بغداد، ودَرَّسَ بالنّظامية، ووَعَظ، وذكر مذهب الأَشْعريّ فَرُجِمَ، وثارتِ الفِتَن، واتُّهم بمذهب الباطنية، فأراد السُّلْطان قَتْلَه، فمنعه المُسْتظهر، وشَهِدَ له بالبراءة منه جماعة، وتوفي يوم الخميس غُرَّة المُحَرَّم، ودُفِنَ عند أبي إسحاق الشِّيرازي. السنة الخامسة وخمس مئة فيها عَزَلَ السُّلْطان محمَّد وزيرَه أَحْمد بن نِظام المُلْك في رمضان، فكانت وزارتُه أربعَ سنين وأحَدَ عَشَرَ شهرًا (١). وولد للخليفة ولدٌ من بنت السُّلْطان محمَّد، فجلس النَّاس للهَنَاء ببابِ الفِردَوس، وتوفِّي أخٌ للخليفة، فجَلَس في عَزَائه بباب الفِرْدوس (١). وفيها جمع بغدوين وحَشَدَ لقَصد صور، فكتب واليها [وأهلها] (٢) إلى طُغْتِكين [يستنجدوا به و] (٣) يسألونه أَن يسلموها إليه قَبْلَ مجيء الفرنج، لأنَّهم يئسوا من نُصرة مِصر، فبعث إليهم [أتابك] (٣) الفُرسان والرَّجَّالة، وجاءهم من جبل عاملة، وسار إليها بغدوين في الخامس والعشرين من جُمادى الأولى فَقَطعَ أشجارها، وقاتلها أيامًا، ويعود خاسرًا. وخرج طُغْتِكين من دمشق، وخَيَّم ببانياس، وجَهَّز الخَيَّالة والرِّجال إلى صور نجدةً، فلم يقدروا على الدُّخول، فسار إلى السَّواد، فنزل على الحبيس (٤)، وهو حِصن عظيم، وحاصره، ففتحه عَنوَةً، وقتَلَ كلَّ مَن فيه، وشَرَعَ بغدوين في عَمَلِ الأبراج والزَّحفِ على صور، وزَحَفَ إليهم (٥) أتابك ليَشْغَلَهم [عن صور] (٣) فخندقوا عليهم، وهَجَمَ الشِّتاء، ولم يبال الفرنج لأنَّهم كانوا في أَرضٍ رَمْلَةٍ، [والمسلمون في أرضٍ وعْرة]

стр. 9494

وكانت المادة تصل إلى الفرنج] (١) من صيدًا في المراكب، فسار إليها أتابك طُغْتِكِين، وقتَلَ جماعة من البحرية وغَرَّقَ المراكب، وواصل المكاتبة إلى أهل صور يُقوي قلوبهم. وعَمِلَ الفرنج بُرْجين عظيمين، [وزحفوا بهما إلى السُّور، وكان] (٢) طول الكبير منهما زيادة على خمسين ذراعًا، وطول الصّغير نيفًا وأربعين ذِراعًا، وزحفوا بهما أول يوم من شهر رمضان، وخرج أهل صور بالنِّفط والقَطِران، [لحريق البرجين] (٢)، ورموا النَّار، فهبَّت الرِّيحُ، فأحرقتِ البُرجَ الصَّغير بعد المحاربة العظيمة، ونُهِبَ منه زَرَدِيَّات وطوارق (٣) وغير ذلك، ولَعِبَتِ النّارُ في البُرج الكبير، فأطفأها الفرنج، وطَمُّوا الخندق، وواتروا الزَّحف طول شهر رمضان، وأشرف أهلُ البلد على الهلاك، فتحيَّل واحدٌ من المسلمين له خِبرَةٌ بالحرب، فعمل كباشًا في أخشاب تدفع البُرْج الذي يلصقونه بالسُّور، ثم تحيَّل في حريق البُرْج الكبير، فاحترق، وخَرَجَ المسلمون، فأخذوا منه آلاتٍ وأسلحة [لا توصف] (٤)، فحينئذ يَئِسَ الفرنج، ورحلوا، وأحرقوا جميعَ ما كان لهم من المراكب على السَّاحل، والأخشاب والعمائر والعلوفات وغيرها. وجاءهم طُغْتِكِين، فما سَلَّموا إليه البلد [ولا وفوا له] (٥)، فقال: أنا ما فعلتُ ما فعلتُ إلا لله تعالى لا لرغبةٍ في حِصن ولا مال، ومتى دَهِمَكُمْ عدوٌّ جِئْتكم بنفسي ورجالي. ورحل عنهم (٦). [وكان مِنْ سعادته أنَّهم لم يُسَلِّموه إليه، لأنه كان عاجزًا عن حِفظِ صور ودمشق، وصور ما كان لهم بُدٌّ مِنْ أخْذِها] (٧). وفيها نزل [شرف الدولة] مودود [صاحب المَوْصِل] (٥) على الرُّها ورَعَى زَرْعَها، ورَحَلَ إلى سَرُوج، ففَعَلَ بها كذلك (٨).

стр. 9495

وفيها (١) تُوفِّي الحسن بن أَحْمد (٢) أبو محمَّد بن حِكِّينا (٣)، كان فصيحًا ظريفًا، ومن شِعْره في قاضٍ: [من السريع] وبارِدِ التَّنْمِيسِ (٤) بين الورى … يَفعَلُ ما لا يَفعَلُ اللِّصُّ يَصيدُ أموال الورى كلَّها … بطَرحةٍ (٥) من تحتِها شِصُّ (٦) وقال: [من الطَّويل] أتاني بنو الحاجاتِ من كلِّ وجهةٍ … يقولونَ لي أين الموفَّقُ قاعدُ فقلتُ لهم فوق المَجَرَّةِ دارُهُ … ولكنَّني فارَقتُهُ وهْوَ صاعدُ فإن شِئتُمُ ألا تَضِلُّوا فيمِّمُوا … إلى حيث (٧) سارَتْ بالثَّناءِ القصائِدُ (٨) وقال: [من المنسرح] ومُظْهِرٍ وُدَّهُ لقاصدِهِ … يكُفُّ عنه الأطْمَاعَ بالياسِ

стр. 9496

يقومُ للنَّاس مُكْرِمًا فإذا … راموا نَدَاه يقومُ للناسِ (١) عليُّ بنُ جعفر بن الحسن المَعَرّي (٢) كتب إلى الأفضل ابنِ أَمير الجيوش يقول: [من الطَّويل] وَهَبْني أساءَتْ فِكْرتي أو تَعذَّرَتْ … عليَّ القوافي أو جَفَتْني المقاصِدُ أَما كان في حُكْمِ التَّناصُفِ بيننا … تراضٍ ولي مِنْ حُسْنِ رأيكَ عاضِدُ (٣) محمَّد بن محمَّد بن محمَّد أبو حامد الغَزَّالي الطُّوسي (٤) [ذكره الأئمة وأربابُ السِّير، منهم جدِّي، وعبد الغافر في "ذيل نيسابور"، وابن السَّمْعاني، والحافظ ابن عساكر. فأما جدِّي، فإنَّه قال:] (٥) ولد سنة خمسين وأربع مئة، وتفقَّه على أبي المعالي الجويني، وبَرَعَ في النَّظر في مُدَّةٍ قريبة، وقاوم الأقران، وتوحَّد، وصنف الكُتُبَ الحِسان في الأصول والفروع، التي تَفَرَّد بحُسْنِ وَضْعها وترتيبها، وتحقيق الكلام فيها، حتَّى إنه صنف في حياة أُستاذه ابن الجُوَيني، فنَظَرَ في كتابه المسمَّى بـ"المنخول"، فقال: دَفَنْتني وأنا حيٌّ، هلَّا صَبرْتَ حتَّى أموت. وأراد أن كتابك قد غَطَّى على كتابي. ووقع له القَبُول من نظام المُلْك، فَرَسَمَ له بالتدريس بمدرسته ببغداد، فدخل بغداد سنة أربعٍ وثمانين وأربع مئة، ودرَّس بها، وحَضَرَه الأئمة الكبار كابن عَقِيل، وأبي الخطاب (٦)، وتعجبوا من كلامه، واعتقدوه فائدة، ونقلوه في مُصنفاتهم، ثم إنه تَرَك

стр. 9497

التدريس، والرِّياسة، ولَبِسَ الخامَ الغليظ، ولازم الصَّوْم، وكان لا يأكل إلَّا من أُجْرة النَّسخ،، وحَجَّ وعاد. ثم رحل إلى الشَّام، وأقام ببيتِ المقدس ودمشق مُدَّةً يطوفُ المشاهد، وأخَذَ في تصنيف كتاب "الإحياء" في القُدْس، ثم تَمَّمه بدمشق، إلَّا أنَّه وضَعَه على مذهب الصُّوفية وترك فيه قانون الفِقْه، مثل أنَّه ذَكَرَ في مَحْو الجاه ومجاهدةِ النَّفس: أنَّ رجلًا أراد مَحْوَ جاهِهِ، فدخل الحَمَّام، فلبس ثيابَ غيره، ثم لَبسَ ثيابَهُ فوقها، وخَرَجَ يمشي على مَهَلٍ حتَّى لَحِقُوه، فأخذوها منه، فسمّي سارِقَ الحَمَّام (١). وذِكرُ مِثْلِ هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيحٌ (٢)؛ لأنَّه متى كان للحمّام حافِظٌ وسَرَقَ منه سارق قُطِعَ، ثم لا يَحِلُّ لمسلمٍ أَنْ يتعرَّضَ لأمرٍ يأثَمُ النَّاس به في حَقِّه. وذكر فيه أنَّ رجلًا اشترى لحمًا، فرأى فينفسه أنَّه يستحي من حَمْلِهِ إلى بيته، فعلَّقه في عُنُقه ومشى، وهذا في غاية القُبْح، ومِثلُه كثير (٣). قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي، ﵀: وقد جمعت أغلاط الكتاب "إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء" وأشرتُ إلى بعض ذلك في كتابي المسمَّى بـ"تلبيس إبليس"، وذَكَرَ في كتاب "النكاح": أنَّ عائشة ﵂ قالت لرسولِ الله ﷺ أنتَ الذي تزعم أنَّك رسولُ الله (٤)؟ وهذا محال (٥). وإنما كان سبب إعراضه فيما وضعه عن مقتضى الفِقْه أنَّه صَحِبَ الصُّوفية، فرأى حالاتِهم الغاية. وقال: إنِّي أخَذتُ الطَّريقة من أبي علي الفارْمَذِي (٦)، وامتَثَلْتُ ما كان

стр. 9498

يشيرُ به من وظائف العبادات، واستدامةِ الذِّكْر إلى أن جُزْتُ تلك العِقاب، وتكلَّفْتُ تلك المَشَاقَّ، وما حَصَّلتُ على ما كنتُ أَطلُبُه. ثُمَّ إنَّه نظر في كتاب أبي طالب المكيّ، يعني "القُوت" وكلام المتصوفة القُدماء، فاجْتَذَبه ذلك بمرَّةٍ عن الفقه. وذكر في كتاب "الإحياء" من الأحاديث الموضوعة وما لا يَصِحُّ غيرُ قليل، وسَبَبُه قِلَّةُ معرفته بالنَّقل، فليَتَه عَرَضَ تلك الأحاديث على من يَعرف، وإنما نَقَلْ نَقْلَ حاطبِ ليل (١). وذكر في آخر "مواعظ الخلفاء" فقال: روي أنَّ سُلَيمَان بنَ عبد الملك بَعَثَ إلى أبي حازم: ابعث إليَّ من إفطارك. فبعثَ إليه نُخالة مَقْلُوَّة، فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يفطر، ثم أفْطَرَ عليها، وجامع زوجته، فجاءت بعبد العزيز فلما بلغ، وُلدَ له عمر بن عبد العزيز. وهذا من أقبح الأشياء، لأنَّ عمر ابنُ عَمِّ سليمان، وهو الذي ولاه الخلافة، فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديثُ من يعرف [من] النقلِ [شيئًا] (٢) أصلًا (٣). وكان بعضُ النَّاس قد شُغِفَ بكتاب "الإحياء"، فأَعْلمتُه بعيوبه، ثم كتبتُه [له] (٢)، وأسقطتُ ما يَصلُح إسقاطُه، وزِدْتُ ما يصلح أن يُزَاد (٣). وأُحرِقَ كتابُ "الإحياء" في المَغرب مَرَّتين. ثم إنَّ أَبا حامد عاد إلى وطنه مشغولًا بتعبُّده، فلما صارتِ الوزارة إلى فخر المُلْك أحضره وسَمِعَ كلامه، وأخرجه إلى نَيْسابور، فخرج، ودرَّس، وعاد إلى وطنه، واتخذ في جواره مدرسةً، ورِباطًا للصُّوفية، وبنى دارًا حَسَنة، وغَرَسَ فيها بُستانًا، وتشاغَلَ بحفظِ القرآن، وسَمَاعِ الحديث. وحُكِيَ عن أبي منصور الرَّزَّاز الفقيه، قال: دخل أبو حامد بغداد، فقدَّمنا ملبوسَه ومركوبه بخمس مئة دينار، فلما تزهَّد وسافر عاد إلى بغداد، فقدَّمنا ملبوسه بخمسة عَشَرَ قيراطًا (٣).

стр. 9499

وحدّث بعضُ الفقهاء عن أنوشروان الوزير أنَّهَ زار أَبا حامد، فقال له: زمانُك محسوبٌ، وأنت كالمُسْتأجر، فتوفُّرُك على ذلك أَوْلى من زيارتي. فخَرَجَ أنوشروان وهو يقول: لا إله إلَّا الله، هذا الذي كان في أول عُمُره يستزيدني فَضْل لقبٍ في ألقابه، وكان يَلبَس الحرير والذهب آل أمرُه إلى هذا الحال! وتوفي [أبو حامد] (١) يوم الاثنين رابع عشرة جُمادى الآخرة بطُوس (٢)، ودفن بها، وسأله بعضُ أصحابه قُبيل الموت، فقال [له] (١): أوْصني. فقال له: عليك بالإخلاص. ولم يزل يكرِّرُها حتَّى مات [هذا صورةُ ما ذكر جدِّي في "المنتظم" (٣) في ترجمة الغزَّالي. وذكر جَدِّي في كتاب "الثَّبات عند الممات" عن أَحْمد بن محمَّد أخي أبي حامد الغزَّالي، قال:] (١) لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد وصَلَّى، وقال: عليَّ بأكفاني. فأخذها وقبَّلها، وتركها على عينيه، وقال: سَمعًا وطاعة للدُّخول على المَلِك، ثم مَدَّ رِجليه، واستقبل القِبلة، ومات قبل الإسفار (٤). والغَزَّالي هو القائل: ويكره الاستجمار بورق المُصحف (٥). هذا خلاصة ما ذكر أبو الفرج بن الجوزي، ﵀. وقال عبدُ الغافر بن إسماعيل في كتاب "ذيل نَيسَابُور": أبو حامد الغَزَّالي حُجَّة الإِسلام، لم تَرَ العيونُ مِثلَه لسانًا وبيانًا، ونُطقًا وخاطرًا، وطَبْعًا وذكاءً، قَدِمَ نَيسَابُور مختلفًا إلى درس إمام الحَرْمين، واجتهد، وبذَّ (٦) الأقران، وكان الطَّلبة في أيام إمامِ

стр. 9500

الحرمين يستفيدون منه، وصنف الكُتُب، فكان إمام الحرمين لا يؤثر ذلك لما لا يخفى من طباع البشر، وإنما كان يُظْهر خلافَ ذلك. ثم خرج أبو حامد من نيسابور، وقدِمَ على نظام المُلْك، فأقبل عليه أحسن قَبُول، وأمره بالتدْريس بالنّظامية ببغداد، فدرَّس بها -وذكر تصانيفه- ثم تزهَّد، وسَلَكَ طريق التألُّه (١)، وتَرَكَ الحُشمة (٢)، وحَجَّ، ووَرَدَ الشَّام، وسكن المنارة الغربية من جامع دمشق، وتمَّم فيها "الإحياء"، ثم عاد إلى وطنه بعد أن أقام بالشَّام عَشر سنين (٣). [وأما الحافظ ابن عساكر فقال] (٤): قَدِمَ الشَّام سنةَ تسعٍ وثمانين [وأربع مئة] (٥)، وكان إمامًا في عِلْم الفِقه مذهبًا وخلافًا، وسَمِعَ "صحيح البُخَارِيّ" [من أبي سهل محمَّد بن عبد الله الحَفْصي (٦) -وذكر بمعنى ما ذكرنا-، قال:] (٧)، وكانت وفاته في جُمادى الأولى بطُوس (٨). وله [من] (٩) المصنفات: "البسيط"، و"الوسيط" و"الوجيز"، و"تهافت الفلاسفة" و" [بداية] (١٠) الهداية"، و"شرح أحوال الباطنية" و"المستصفى" في أصول الفِقه، ويقال: إنَّه صنف ثلاثين كتابًا (١١). وذكره ابنُ السَّمْعاني في "الذَّيل"، وقال: ومن شِعْره: [من الكامل]

стр. 9501

حَلَّتْ عقاربُ صُدْغِهِ في خَدِّه … قمرًا يجِلُّ بها عن التَّشبيهِ ولقد عَهِدْناه يحُلُّ ببُرجها … ومن العجائبِ كيفَ حلَّتْ فيهِ محمود بن عليّ (١) بن المهنَّا (٢) أبو سلامة المَعَرِّيّ، القائل لما هَجَمَ [الفرنجُ] (٣) المعرَّة: [من الخفيف] أنا من بَلدةٍ قَضَى الله يَا صا … حِ عليها كما تَرَى بالخرابِ قتلوا أهلَها فبادُوا جميعًا … من شيوخٍ وصِبيَةٍ وشبابِ (٤) وجدُّه أبو المكارم الفَضْل بن عبد القاهر المَعَرِّي (٥) هو القائل: [من البسيط] ليلي وليلى نفى نومي اختلافُهما … حتّى لقد صَيَّراني في الهوى مَثَلا يجودُ بالطُّول ليلي كلَّما بَخِلتْ … بالطَّوْلِ (٦) ليلى وإنْ جادَتْ به بَخِلا مُقَاتل بن عَطيَّة بن مقاتل (٧) أبو الهَيْجاء، شِبْلُ الدَّوْلة، الأَمير البَكْري؛ من ولد الصِّدِّيق ﵁، كان شُجاعًا شاعرًا [فصيحًا] (٣)، ويقال: إنَّه كان خَتَنَ (٨) نظامِ المُلْك، وهو الذي رثى نظامَ المُلْك، فقال: [من البسيط] كان الوزيرُ نظامُ المُلْك لؤلؤةً … نفيسة صاغَها الرحمنُ من شَرَفِ أضْحَت ولا تعرفُ الأيامُ قيمتَها … فَرَدَّها غَيرَةً منه إلى الصَّدَفِ (٩)

стр. 9502

وقال العماد الكاتب: كان شِبْلُ الدَّوْلة من أولاد العَرَب، وقعَ بينه وبين إخوته خشونة، ففارقهم، وصار إلى خُراسان وغَزْنة، ومَدَحَ أعيانها، واختصَّ بنظامِ المُلْك، ودخل كَرْمان، وقصد كريمها مُكرَم بن العلاء، ومدَحه فأجازه، وعادَ إلى خُرَاسان، ونزل هَرَاة، وشبَّبَ بامرأةٍ، وعاد إلى مَرْو، فأقام بها، وغَلَبَتْ عليه السَّوداءُ إلى آخر عُمُره، وحُمِلَ إلى مارَسْتانها، فتوفِّي به في حدود سنة خمسٍ وخمس مئة؛ إما بعدها وإما قبلها. وقال ابنُ السَّمْعاني: قال يمدح البُرْهان عبد العزيز بن مازه (١): [من الكامل] أمَّا الدِّيارُ فقد نَأَتْ سُكَّانُها … فعلَامَ يَنْعَبُ للنَّوى غِرْبانُها! سارتْ حُدُوجُ (٢) المالكيَّةِ غُدْوَةً … بالأمسِ تُعرفُ بالقبابِ قِيانُها وغَدَتْ ديارُ الظَّاعنين مَحَلَّةً … ترْعى خلال فروجِها صنوانُها أهدى نسيمُ الرَّوضِ أنفاسَ الصَّبا … وغَدَتْ تُخالُ نَوافجًا (٣) كُثبانُها تدعو أئمةَ شَرعِ دينِ محمدٍ … حتَّى أجابَ دعاءَها بُرْهانُها برهانُها المذكور بل إنسانُها … بل سَيفُها القِرضابُ (٤) بل سُلطانُها نَسَخَتْ إمامتُك الأئمةَ مِثْلَما … نُسِخَتْ بدينِ محمدٍ أديانُها وأنا ابنُ صدِّيق النبيِّ محمدٍ … شَهِدَتْ بأنسابي لكم عَدنانُها وكتَبَ إلى نظامِ المُلْك، وقد سار إلى العراق: [من البسيط] إنْ كنتُ مُرْتحلًا عنكمْ فَدَيتُكُمُ … نَحْو العِراقِ فَقَلْبي عندكُمْ باقِ وإنْ رأيتُمْ سنا بَرْقٍ يلوحُ دُجًى … فإنَّه شُعْلَةٌ من نارِ أشواقي وإن تلاطمَ جيحونٌ بمَزْجِ دَمٍ … فإنَّه قَطرةٌ من ماءِ آماقي

стр. 9503

وإن سَقَتْكُمْ غوادي المُزنِ رائحةً … فإنَّ دمعي الذي يهمي بكُمْ ساقي وإنْ كَتَبْتُ كتابًا نحو سَيِّدكُمْ … فإنَّه في جَنَابِ ابنِ إسحاقِ شمسِ الكُفَاة نِظامِ المُلْك أكرمِ مَنْ … ساسَ البسيطةَ مِنْ ماضٍ ومن باقِ أقلامُهُ أبدًا في كَفِّ دَولَته … للنّاسِ تجري بآجال وأرْزاقِ هذي سحائِبُ كفَّيهِ ندًى وردًى … على الورى ذاتُ إرْعادٍ وإبراقِ السَّنة السادسة وخمس مئة فيها قَدِمَ يوسفُ بنُ أَيُّوب الهَمَذَاني الواعظ بغداد (١)، وكان قدمها بعد الستين وأربع مئة، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، وبَرَعَ في الفِقْه، وعاد إلى مَرْو، وجَلَسَ في رباطٍ يتعبَّدُ، واجتمع إليه جماعةٌ من المنقطعين إلى الله تعالى، ثمَّ عاد إلى بغداد في هذه السنة، ووَعَظَ بها، ولم يتعرَّض لمذهب الأَشْعريّ، فوقع له القَبُول، فقام إليه ابنا أبي بكر الشَّاشي، فقالا له: إن كنتَ تتكلَّم على مذهب الأَشْعريّ، وإلا فلا تتكلم. فقال: اجلسا، لا متعكما الله بشبابكما. فماتا شابَّين. وقام إليه [رجل يقال له] (٢) ابن السَّقَّاء، فآذاه في مسألة في الأُصول، فقال له: اجلس، فإنِّي أجِدُ مِنْ كلامك ريحَ الكُفْرِ، ولعلك تموتُ على غير دين الإِسلام. فاتَّفق بعد مُدَّة أنَّ ابنَ السَّقَّاء خَرَجَ إلى بلادِ الرُّوم، وتنصَّر (٣)، ومات كافرًا (٤). وكان يوسف الهَمَذاني من الأبدال، قال: دخلتُ جَبَلَ زز لزيارة عبد الله الجوني، فوجدتُ ذلك الجبل كثيرَ المياه والأشجار، معمورًا بالأولياء، على رأس كلِّ عينٍ واحدٌ من الرِّجال مشغولٌ بالعبادة، فَطُفْتُ عليهم، ولا أعْلَمُ حَجَرًا في ذلك الجبل لم تُصبه دمعتي (٥).

стр. 9504

وفيها اشتدَّ خوفُ أهلِ صور من نزولِ الفرنج [عليها مرَّة ثانية] (١)، فاتفقوا مع واليها عِزِّ الملك أنوشتِكِين الأفضلي على تسليمها إلى ظهير الدِّين طُغْتِكِين، بحُكْمِ ما سَبَقَ من نُصرته لهم، وما عانى من الشِّدَّة في دَفْعِ العدوِّ عنهم، فراسلوا طُغْتِكين في هذا المعنى، فجاء الرَّسولُ إلى بانياس، وواليها سيف الدولة مسعود، فأخبره، فسار مسعود معه إلى دمشق، فوجد أتابك قد مضى إلى ناحية حماة ليتَّفق مع رِضوان صاحب حلب على أمرٍ، فخافَ مسعود أن يتأخر الأمر إلى حينِ عَودِ أتابك من حماة، فيسبق بغدوين فينزل على صور، فَيَفُوتُ الغَرَض، فتحدَّث مع تاجِ الملوك بُوري بالمسير معه إلى بانياس [وانتهاز الفُرصة في تسليم صور] (٢)، فأجابه، وسار معه إلى بانياس، وتَمَّ مسعود إلى صور، ومعه من يُعتمد عليه من العَسْكر، وبلغ أتابك فبعث قطعةً من الأتراك إلى تقوية صور، فساروا إليها ودخلوها، وأنفق فيهم أتابك، وطابَتْ أنفوسُ أهلِ صور] (٣)، وأُجروا في الرَّسم على الخُطْبة والسِّكَّة لصاحب مِصر، [ولم يغير عليهم شيئًا] (٤) وكتَبَ أتابك إلى الأفضل: إنَّ الفرنج نزلوا على صور وشارفوا أخْذَها، وبَعَثَ أهلُها إليَّ يستنجدوا بي، وإنني أنجدتهم بنفسي ومالي ورجالي، وسألوني بعد ذلك إنفاذَ عسكرٍ إليهم، فبعثْتُ [إليهم] (٤) رجالي، ومتى وصل إليها من مِصر من يَذُبُّ عنها سلَّمتُها إليه، فلا تهمل حال الأُسطول، وإنفاذ الغَلَّة والقُوة (٥). وجاء بغدوين إلى عكا، فبلغه الخبر، فتوقف، وفاتَ غرضه، ولما فاتَ غرضُه شَرَعَ في الغارات على حوران، والسَّواد، وكَثُرَ فسادُه، فكتَبَ أتابك إلى مودود [صاحب المَوْصِل] (٤) يخبره ويطلُبُ نجدتَه، وكانا قد اتفقا وتصادقا، [وتحاببا محبّةً عظيمة] (٤)، فسار مودود بعساكره، فقَطَعَ الفرات، وخَرَجَ إليه أتابك، فالتقيا على سَلَمْية، واتَّفق رأيُهما على قَصدِ بغدوين، وساروا من حِمْص بعساكر الشَّرق وحمص،

стр. 9505

وحماة ودمشق وأعمالها، وجازوا على البِقاع، فنزلوا الغَوْر على [القحاوين] (١)، وجمَعَ بغدوين، ونَزَلَ على جسر الصَّنِّبْرَة (٢)، فتقَدَّم بعضُ الغِلْمان، وقطَعَ الجسر للعلوفة، فالتقوا الفرنج، ونَشَبَ القتال، وجاء أتابك، وقطع الجِسْر، واقتتلوا، فانهزم الفرنج، وقتِلَ منهم نحو ألفي فارس من الشُّجعان والأبطال، وغَنِموا أثقالهم، وأُفلت بغدوين بعدما قُبِضَ وأُخذ سلاحه، وغَرِقَ أكثرهم في البحيرة بحيث صارت دمًا، وامتنع النَّاس من الشُّرب منها أيامًا [حتى صفت] (٣). وبعث أتابك ومودود إلى السُّلْطان محمَّد يخبرانه بهذا الفتح، وبعثا بالأسارى والهدايَا، ورؤوس الفرنج وخيولهم وسلاحهم (٤). ثم أغار المسلمون على الضِّياع التي بين القُدْس وعكا، وأخربوا ونهبوا وقتلوا، وعادوا إلى دمشق، فنزل مودود في حُجْرة الميدان الأخضر، وبذل أتابك المجهود في خدمته [وكل ما يقدر عليه] (٥)، وخدمه بنفسه، وواصلا الصَّلاة في جامع دمشق، والتبرُّك بنظر المُصحَف. قال [أبو يعلى] (٥) ابن القلانسي: وهذا المُصحف حمله عثمان بن عفان ﵁ من المدينة إلى طبرية، وحمله أتابك طُغْتِكين من طبرية إلى دمشق (٦). [فصل وفيها تُوفِّي أَحْمد بن الفرج بن عمر (٧) أبو نصر الدِّينوري، والدُ شُهْدة بنت أَحْمد الكاتبة، شيخة شيوخنا.

стр. 9506

كان زاهدًا عابدًا، حسَنَ السِّيرة، وكانت وفاتُهُ في جُمادى الأولى، ودفن بباب أبرز. سَمِعَ القاضي أَبا يعلى، وابن المأمون، وابن المهتدي، وابن النَّقُّور، وابن المُسْلمة، والخطيب، وغيرهم. وروى عنه جماعةٌ، منهم ابنته شُهدة، وكان صدوقًا ثِقَةٌ. وفيها تُوفِّي محمَّد بن محمَّد بن أَيُّوب (١) أبو محمَّد القَطَوانِيّ السَّمَرْقَنْدي، وقَطَوان على خمسة فراسخ من سمرقند. سافر الكثير، ولقي الشيوخ، وكان يعظ، وله القَبُول التَّام بين الخواص والعوام، وكان يلقى الملوك بالأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر من غير محاباة، سَقَطَ من الفرس، فتوفِّي في رجب، سَمِعَ أصحاب الأصم وغيرهم، وكان ثِقَةً. وفيها تُوفِّي اللَّامشِي الحَنَفيّ (٢) أبو عبد الله، واسمه] (٣) محمَّد بن موسى بن عبد الله اللَّامِشِي التركي، مصنف أصول الفِقه على مذهب أبي حنيفة، كان إمامًا فاضلًا عارفًا بفنون القضاء والعلوم، [وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٣) وَلِيَ القضاءَ بالبيت المُقَدَّس مدَّةً، فَشُكيَ إلى واليها سُكْمان بن أُرْتُق، فعزله، فنَزَلَ دمشق، فولاه تاجُ الدَّوْلة القضاء بها، وكان غاليًا

стр. 9507

في مذهب أبي حنيفة، وأراد أن ينقل محرابَ الشَّافعية من [جامع] (١) دمشق إلى الحنفية، فثار العوام، وصَلُّوا بدار الخيل، موضع المدرسة الأمينية اليوم، فلم يلتفت، وجعل الإمامة للحنفية، [وهو أول من فعل ذلك] (٢)، ورتَّبَ الإقامة مثنى مثنى (٣). وبقي الأمر على حالة إلى سنة سبعين وخمس مئة، فلما ملك صلاحُ الدين يوسف بنُ أَيُّوب ﵀ أعاد المحراب إلى الشَّافعية. [وقال ابن عساكر:] (٢) وكان اللامشي يقول: لو كان إليَّ أمرٌ لأخذتُ [الجِزْية] (٢) من الشَّافعية. [قلت: إنْ ثَبَتْ عنه هذا فقد أخطأ، ولعلَّهم شنَّعُوا عليه] (٢). وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة ثالث عشرة جُمادى الآخرة [قال ابن عساكر: شهدتُ جِنازَتَه وأنا صغير، قال:] (٢) ولم تكن سيرته في القضاء محمودة، [سمع ببغداد القاضي أَبا عبد الله بن الدَّامغَاني -وعليه تفقَّه- وأبا الفَضْل بن خَيرون وغيرهما، وروى عنه أبو محمَّد بن صابر، وأبو البركات بن عبد شيخُ ابنِ عساكر] (٤). [قلتُ: وفي الفُقَهاء آخر يقال له اللامشي اسمه الحسن بن عليّ، نذكره في سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة (٥)] (٦). المُعَمَّر بنُ علي بنِ المُعَمَّر (٧) أبو سَعد بن أبي عِمامة، البغدادي.

стр. 9508

ولد سنة تسعٍ وعشرين وأربع مئة. وسَمِعَ الحديث وَوَعظَ، وجُمهورُ وَعْظِهِ حكاياتُ السَّلَف، وكان له خاطرٌ حاد وذِهن حاضر، ومجونٌ سائر، وكان يحاضر المستظهر. ولما دخل السُّلْطان ملك شاه بغداد ومعه نِظامُ المُلْك، قام ابنُ أبي عِمامة في الجامع بحيثُ يسمع النِّظام، وقال: الحمد لله وليِّ الإنْعام، وصلى الله على مَنْ هو للأنبياء خِتام، وعلى آله سُرُجِ الظَّلام، وعلى [أصحابه] (١) الغُرِّ الكِرام، والسَّلام على صَدْرِ الإِسلام، ورَضِيِّ الإِمام، زَيَّنه الله بالتَّقوى، وخَتَمَ عملَه بالحُسنى. وجَمَعَ له بين خَيري الآخرة والدُّنيا. يَا صدرَ الإِسلام، معلومٌ أنَّ مَن هو أَمير فهو في الحقيقة أجير، قد باع زمنه [و] (٢) أَخَذَ ثمنه، فلم يبقَ له من نهاره ما يتصرف فيه على حسب إيثاره واختياره، وليس له أن يُصَلِّيَ نافلة، ولا يَدخُل مُعتكَفًا دون التَّبَتُّلِ لتدبيرهم، والنَّظَرِ في أمورهم، لأنَّ ذلك فَضلٌ، وهذا فَرضٌ. يَا صدرَ الإِسلام، استأجرك جلالُ الدَّوْلة بالأُجرة [الوافرة] (٣)، لتنوبَ عنه في الدُّنيا والآخرة، فأما في الدُّنيا ففي مصالح المُسْلمين، وأما في الآخرة فلتجيب عنه رَبَّ العالمين، فإنَّه [سيوقفه] (٤) بين يديه، ويقول له: ملَّكتُك البلادَ والعِباد، فما صنعتَ في إقامة البَذلِ وإفاضة العدل؟ فلعلَّه يقول: يَا ربّ اخترتُ رجلًا عاقلًا، حازمًا فاضلًا، وسمَّيتُه نظامَ المُلْك، وبَسَطتُ يدَه في السَّيفِ والقلم، ومكَّنْتُه من الدِّينار والدِّرهم، فسَلْه يَا رب ماذا صنعَ في عبادِك وبلادك؟ أفتُحْسِنُ أنْ تقول في الجواب: نَعَمْ، تَقَلَّدْتُ أمورَ البلاد، ومَلَكْتُ أزِمَّةَ العِباد، فبثَثْتُ النَّوال، وأعْطيتُ الإفضال، حتَّى إذا قَرُبْتُ من لقائك ودَنَوتُ من تلقائك اتخذتُ الأبوابَ والحُجَّاب، ليصدُّوا عني المقاصد، ويردُّوا عني الوافد.

стр. 9509

فاعْمُرْ قبرَك كما قد عَمَرْتَ قَصرك، وانتهزِ الفُرصَةَ ما دام الدهْرُ يقبلُ (١) أمرك، ولا تعتذر فما ثَمَّ مَنْ يَقْبَلُ عُذرَك. هذا ملكُ الهِند وهو عابدُ صنمٍ، ذَهَبَ سَمعُه، فدخل عليه أهلُ مملكته يعزُّونه في سَمعِهِ، فقال: والله ما حُزْني لذهابِ هذه الجارحة، ولكن لصوتِ المظلوم كيف لا أسمَعُه فأغيثُه. ثُمَّ قال: إنْ كان ذهب سَمعي فما ذهَبَ بَصري. ثم نادى في مملكته: لا يَلبَسُ ثوبًا أحمر إلَّا متظلِّم. ولما دخل رسولُ ملك الرُّوم على كِسرى أنوشروان، قال له: قد أقْدَرْتَ عدوَّك عليكَ بتسهيل الوصولِ إليك. فقال: إنَّما أجلس هذا المجلس لأكشف ظُلامةً وأقضي حاجة. وأنتَ يَا صَدرَ الإِسلامِ أحَقُّ بهذه المأثَرَة، وأَولى بهذه المَعدَلة، وأحرى من أعدَّ جوابًا لتلك المسألة، فإنَّ الله الذي تكاد السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ منه في موقفٍ ما فيه إلَّا خاشعٌ أو خاضع أو مُقنِع (٢)، ينخلعُ فيه القَلْبُ، ويحكم فيه الرَّبّ، ويَعظُمُ فيه الكَرْبُ، ويَشِيبُ الصَّغير، [ويعزل] (٣) الملكُ والوزير، يومَ ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] فقد مَحَضتُ لك النَّصيحة مع براءتي من التُّهَمة، فليس لي في الأرض ضَيعة، ولا بيني وبين أحدٍ حُكُومة، ولا بي -بحمد الله- فَقْرٌ ولا فاقة. فلما سَمِعَ نظامُ الملك الموعظة بكى بكاءً طويلًا، وأمَرَ له بمئة دينار، فأبى أن يأخذها. وقال: أنا في ضيافةِ أَمير المُؤْمنين، ومَنْ كان في ضيافته يَقْبُحُ به أن يأخذَ عطاءَ غيرِه. فقال له: فُضَّها على الفقراء. فقال: الفقراءُ ببابك أكثر منهم على بابي. ولم يأخذ شيئًا.

стр. 9510

وكانت وفاتُه في ربيع الأول، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان ثِقَةً (١). السنة السابعة وخمس مئة فيها استوزر المستظهر أَبا منصور الحسين بن الوزير أبي شجاع، وخَلَعَ عليه خِلَع الوزارة وأوصله إليه. وولَّى محمدُ شاه بِهْرُوزَ الخادم شِحنكية بغداد، فقامتِ الهيبة (٢). [وفيها استشهد الأَمير مودود بجامع دمشق، وسنذكره] (٣). وفيها عاد جواب الأفضل إلى طُغْتِكين يتضمَّنُ الشكر له في حديثِ صور، ويقول: إنَّ هذا الأمر وقعَ مِنا أجملَ موقع وأحسنَ مَوْضع. وبعَثَ الأسطول فيه المِيرَةُ، ومالُ النَّفقة للعساكر والغَلَّات، وكان مقدَّمُهُ شرفَ الدَّوْلة بدرَ بنَ أبي الطَّيِّب الدِّمشقي الوالي -كان- بطرابُلُس عند تَملُّك الفرنج لها، فَرَخُصَتِ الأسعارُ، واستقامتِ الأمور، [وزال طمع الفرنج عن صور] (٣)، وكان معه خِلَعٌ فاخرة من صاحب مِصر لطُغْتِكِين، وولدِهِ تاج الملوك بُوري، ولخواصِّه، ولمسعود والي صور (٤). وراسل بغدوين مسعودَ يسأله الموادعة [والمسالمة ليحسم أسباب الأذى من الجانبين] (٣) فأجابه [إلى ذلك] (٣)، وانعقد الأمر بينهما على السَّداد، [وصُلْح الفئتين] (٣)، واستقامتِ الأمور، وأمِنَتِ السُّبُل، ودَبَّ التُّجَّار من جميع الأقطار. وكان ابنُ السُّلْطان تُكُش بن ألب أرسلان قد هَرَبَ من محمَّد شاه إلى الشَّام، فلم يقبله رِضوان [صاحب حلب] (٣) ولا [أتابك] (٣) طُغْتِكِين، فتوجَّه إلى مِصر، فلقي من الأفضل ما أَحَبَّ من الإحسان والإكرام، فأَقامَ عنده (٥).

стр. 9511

[وفيها تُوفِّي رضوان صاحب حلب، وسنذكره] (١). وفيها عامَلَ جماعةٌ من الباطنية من أهل فامية ومعرَّة النُّعمان، ومَعَرَّة مَصرين على حِصن شَيزَر في فِصحِ النَّصارى، فَوَثَبَ فيه مئة راجل على حين غَفْلةٍ من أهله، فملكوا الحِصن وأخرجوهم منه، وأغلقوا أبوابه. وكان بنو مُنْقِذ قد خَرَجوا لمشاهدة عيد النَّصارى، وبلغهم الأمر، فجاؤوا -[وكانوا قد أحسنوا إلى هؤلاء الذين وثبوا، وإنما رتَّبوا ذلك في المدة الطويلة] (١) - ودلَّى الحُرَمُ الحبال من القَلْعة، واستقوا الرِّجال، وفتحوا [الأبواب] (٢)، وصَعِد الأُمراء بنو مُنقِذ فقاتلوهم فذلُّوا، فقتلوهم عن آخرهم، وقتَلُوا كلَّ مَنْ كان على رأيهم في البَلَدِ من الباطنية، ووقع الاحتراز في مِثْل ذلك. وقيل: إنَّ بني منقذ كانوا يخرجون إلى الصَّيد، فقالت الباطنية: الصَّوابُ أن يتخاصَمَ مِنا اثنان، ونَصعد إلى القلعة ولنا بها جماعة، فلما صَعدا فَطِنَ النّاس، فَغَلَّقوا الأبواب وقتلوهم، ثم احترزَ بنو منقذ فما كان يغيب واحدٌ إلَّا ويحضُر آخر (٣). وحجَّ بالنَّاس زَنْكي أخو البُرْسُقي (٤). وفي ذي الحِجة جَهَّزَ السُّلْطان محمَّد شاه ولده مسعود إلى الشَّام لقتال الفرنج، وكَتَبَ إلى ملوك الأطراف، ثم عَرَضَ أمرٌ مَنَعَ من ذلك. وفيها تُوفِّي إسماعيل بن أَحْمد بن الحسين (٥) ابن عليّ بن موسى، أبو علي البيهقي، ووالده (٦) الإِمام أبو بكر أَحْمد صاحب التَّصانيف.

стр. 9512

ولد إسماعيل سنة ثمانٍ وعشرين وأربع مئة، وسافر الكثير، ولقي الشُّيوخ، وسكن خُوارَزْم قريبًا من عشرين سنة، ودرَّس بها، ثم مضى إلى بَلْخ، فأقام بها مُدَّة، وَوَرَدَ بغداد، وورد نَيسَابُور في هذه السنة، ثُمَّ خرج إلى بيهق فتوفِّي بها، وكان إمامًا فاضلًا حَسَنَ الطِّريقة، صدوقًا، ثِقَةً (١). [فصل وفيها تُوفِّي] (٢) رِضوان بنُ تاج الدَّوْلة تُتُش صاحب حلب، ويلقب بفخر الملك [وقد ذكرنا سيرته في السنين] (٢)، وكان ملكه بحلب سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة بعد قتل أَبيه، وكان المستولي على أمره جناح الدولة حسين، ففارقه، وكان رضوان غير محمود السِّيرة، وهو أول من بني بحلب دار الدعوة وقتل أخَوَيه: أَبا طالب، وبَهْرام [ابني تاج الدولة تُتُش] (٣)، وقتل خواصَّ أَبيه واحدًا بعد واحدٍ. وكان ظالمًا، بخيلًا شحيحًا، قبيح السيرة، ليس في قلبه رحمة ولا شفقة على المسلمين، وكانتِ الفرنجُ تغار (٤) وتسبي، وتأحذ من باب حلب ولا يخرج إليهم، ومَرِضَ أمراضًا مُزْمنة، ورأى العِبَرَ في نفسه، وتوفي في الثامن والعشرين من جُمادى الآخرة. وترك [ولدًا صغيرًا اسمه] (٥) ألب أرسلان وعمره ست عَشَرَة سنة، وكان أخرسَ في كفالةِ لؤلؤ الخادم، [والغالبُ على ملك حلب مِثْل هذا؛ أن يموتَ صاحِبُها ويتولَّى أمرَ

стр. 9513

ولدِهِ الصغير بعضُ مماليكه من زمنِ سيف الدولة إلى هلم جرا. وكان رضوان قد بنى دار الدَّعوة، وأطمعهم في حلب، فلما ماتَ أشار البديعُ رئيسُ حلب على لؤلؤ والصبي بقتلِ كل مَنْ في حلب منهم، وأغلق] (١) باب دار الدَّعوة، فخاف لؤلؤ والصبي، وجَسَرَ عليهم البديع، فَقَتَلَ منهم خَلقًا كثيرًا، فخافَ الصبيُّ، فسارَ في خواصِّه [وغِلْمانه] (٢) إلى دمشق، فأكرمه طُغْتِكِين، وأجلسه على تَخْتِ عمِّه دُقاق بقلعة دمشق، وأقام عنده مُدَّة، فأحسنَ ضيافته، وقدَّم له ألطافًا كثيرة، وسأل طُغْتِكين أن يمضي معه إلى حلب [ليدبِّر] (٣) أموره. فمضى معه، ودبَّر أموره، وعاد إلى دمشق، فكثُرَ فسادُ الصَّبيِّ، ودَسَّ إلى أخويه مَن قَتَلَهما بعدما حَبَسَهما، وأساء السِّيرة، [وأفسد] (٢) واغتال النَّاس يقتلهم (٤)، فاستوحشَ منه لؤلؤ، وخاف أن يقتلَه، فامتنع من الاجتماع معه (٥). [وقد ذكره أبو يعلى بن القلانسي، فقال: وفي سنة سبع وخمس مئة في جمادى الآخرة وردت الأخبار بمرضٍ عَرَضَ لرضوان صاحبها] (٦) ومات في التاريخ المذكور، [وقال:] (٢) وخلَّف في خزانته من العين والعَرُوض والأواني ما تقديره ست مئة أَلْف دينار، وتقرَّر الأمرُ بعده لولده ألب أرسلان [وعمره ست عشرة سنة] (٧) وفي كلامه حُبْسة وتمتمة، وأمه بنت الأَمير يغي سغان، صاحب أنطاكية، فقبض على جماعةٍ من خواصِّ أَبيه، فَقَتَلَ بعضًا، وأخذ مال بعض، ودبر الأمرَ معه خادمُ أَبيه لؤلؤ، فأساء كلّ واحدٍ منهما التَّدبير، وقبَضَ على أخويه مَلِك شاه من أُمّه وأبيه، ومبارك من جاريةٍ، وقتَلَهما.

стр. 9514

[وقد كان أبوه رضوان في مبدأ أمره فَعَلَ مِثْلَ فِعْله؛ قَتَلَ إخوته من تاج الدولة أَبا طالب وبَهْرام شاه، وكانا على غاية من حُسْنِ الصُّورة، قال: فَفَعَلَ ولدُه بولديه مكافأةً عما فعل في إخوته] (١). وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب، [واشتدَّت شوكته، وخاف البديع رئيس الأحداث بحلب، وأعيان البلد منهم] (١)، وكان الحكيم المنجم [و] (١) أبو طاهر الصَّائغ أوَّل مَنْ أظهر هذا المذهب بالشَّام في أيام رضوان، فمال إليهم خَلْق كثير، من جبلِ السمَّاق وسَرْمِين (٢) والمَعَرَّة وتلك النَواحي، فقرر البديعُ رئيسًا لأحداث بحلب مع ألب أرسلان الإيقاع بهم، فَقَبَضَ على أبي طاهر الصَّائغ، ومَنْ دَخَلَ معه، وهم زُهاءُ مئتي نفس، وقتَلَ في الحال أَبا طاهر [الصائغ] (١) وإسماعيل الداعي، وأخا الحكيم المنجم وأعيانهم، وحَبَسَ بعضهم، واستصفيتْ أموالُهم، ومنهم من رُمي من أعلى القلعة، ومنهم من خُنِقَ وقتل، وهرب بعضُهم إلى الفرنج، وتفرَّقوا في البلاد، وَدَعَتْ ألب أرسلان الحاجةُ إلى من يدبره، فراسل طُغْتِكين فلم يُجِبْه، فَخَرَجَ بنفسه إلى دمشق في رمضان، فخدمه أتابك، [وقام في خدمته على ما ذكرنا] (١)، وسار معه إلى حلب، فأقام يُدَبِّر أموره، فحبس الصَّبيُّ جماعةً من أصحابه منهم وزيرُ أَبيه الفَضْل بن الموصول -وكان محمود السِّيرة مشهورًا بفعل الخير- وقبض أعيانَ عسكر أَبيه، فحين رأى أتابك أموره على غير السَّداد، [وبان له اختلال التدبير وفسَاد الحال] (١)، عاد إلى دمشق ومعه والدة [الملك رضوان بسؤالها ورغبتها في ذلك] (٣).

стр. 9515

شُجاع بنُ أبي شجاع فارس بن الحسين (١) أبو غالب الذُّهْلي. ولد في رمضان سنةَ ثلاثين، وسَمِعَ الحديث الكثير، وكان مفيدَ أهلِ بغداد والمرجوع إليه في سماع الشيوخ، وتوفي في جمادى الأولى، ودُفِنَ ببابِ حَرْب، وكان ثِقَةً، مأمونًا، ثَبْتًا، عارفًا بالحديث، ويورِّق للنَّاس. قال عبد الوهَّاب الأنَمْاطي: دخلتُ عليه، فقال: توِّبني. فقلتُ: من أيِّ شيء؟ قال: كتبتُ شِعْرَ ابنِ الحَجَّاج (٢) سبعَ مرَّاتٍ. محمَّد بن أَحْمد بن الحسين (٣) أبو بكر الشَّاشي، الفقيه الشَّافعي. ولد سنةَ سبعٍ وعشرين (٤)، وأربع مئة، وتفقَّه على جماعةٍ، وقرأ على ابن الصَّباغ كتابه "الشَّامل"، ودَرَّس بالنِّظامية، وتوفي في شوال، ودُفِنَ عند أبي إسحاق الشّيرازي. وكان ينشد: [من الوافر] تَعَلَّمْ يَا فتى والعُوْدُ رَطْبٌ … وَطينُكَ لَيِّنٌ والطَّبْعُ قابِلْ فَحَسْبُك يَا فتى شَرَفًا وفَخْرًا … سكُوتُ الحاضرينَ وأنتَ قائِلْ

стр. 9516

محمَّد بن أَحْمد بن محمَّد (١) أبو المُظَفَر الأَبِيوَرْدِي، [من] (٢) ولد معاوية بن محمَّد بن عثمان ابن عُتْبة بن عَنْبَسَة ابن أبي سُفْيان صَخر بنِ حرب (٣). كان عالمًا بالأنساب وفنون اللغة والآداب، وسَمِعَ الحديث، ورواه، وصنف "تاريخ أبِيوَرْد" و"المختلف والمؤتلف في أنساب العرب"، وغير ذلك. وكان له الشِّعْر الرَّائق، [غير أنَّه] (٤) كان فيه كِبْرٌ وتيه [عظيمان] (٤) بحيث إنه كان إذا صلَّى يقول: اللهم مَلِّكْني مشارقَ الأرضِ ومغارِبَها. وكتب [مرَّةً] (٤) قصَّةً إلى الخليفة، وعلى رأسها: الخادمُ المعاوي؛ يريد معاوية بن محمَّد بن عثمان، [فكره الخليفةُ النسبةَ إلى معاوية، وأمرَ بقشط] (٥) الميم ورَدَّ القِصَّة، فبقيت: الخادم العاوي. وتوفي بأصبهان، وكان ثِقَةً، ومن شِعْره: [من الطَّويل] تنكرَ لي دَهْرِي ولم يَدْرِ أنَّني … أَعِزُّ وأحداثُ الزمانِ تَهُونُ وظَلَّ يُريني الخَطْبَ كيفَ اعتداؤه … وبِتُ أُريهِ الصَّبر كيفَ يكُونُ (٦)

стр. 9517

[سمع إسماعيل بن مسعدة، وأبا بكر بن خلف، وأبا محمَّد السَّمَرْقندي، وأبا الفَضْل بن خيرون، وغيرهم] (١). محمَّد بن طاهر بن عليّ بن أَحْمد (٢) أبو الفَضْل المَقدِسي، الحافظ، [وذكره جدي في "المنتظم" وابن السمعاني في "الذيل"، والحافظ ابن عساكر. فأما جدي، فقال:] ولد سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة. وأول ما سَمِعَ وكَتَبَ سنة سِتِّين، وسافَرَ، وسمع الكثير، وكان يحفظ الحديث، وله به مَعرِفة، وصنف فيه وفي غيره، إلَّا أنَّه كثير الوَهَم، وصنف كتابًا سمَّاه: "صفوة التصوف"، يضحك منه من [يراه] (٣)، ويعجب من [استشهاده على مذاهب الصوفية بالأحاديث التي لا تناسب ما يحتج لمن نَصَره] (٤)، وكان داوودي المذهب، فمن أثنى عليه فلحفظه الحديث، وإلا فالجرح أَوْلى به. وقال محمَّد بن ناصر: لا يحتجُّ به، كان يذهب مَذاهبَ أهل الإباحة. وذكره الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الواحد الدَّقَّاق، فأساء الثَّناء عليه جدًّا، ونَسَبَه إلى أشياء، وكذلك أساء الثَّناء عليه الحافظُ إسماعيل بن أَحْمد الطَّلْحي، وكان سيئ الرَّأي فيه. وقال أبو معمر بن أَحْمد الأَنْصَارِيّ: أنشدنا لنفسه: [من البسيط] دَعِ التَّصَوُّفَ والزُّهْد الذي اشْتغلتْ … به جوارحُ أقوامٍ مِنَ النَّاسِ

стр. 9518

وَعُجْ على دَيْرِ (١) داريَّا فإنَّ به … الرُّهبانَ ما بَينَ قِسِّيسٍ وشَمَّاسِ واشْرَبْ مُعَتَّقةً مِنْ كَفِّ كافِرَةٍ … تسقيك خَمْرَينِ من لَحْظٍ ومن كاسِ ثُمَّ اسْتَمِعْ رَنَّةَ الأَوْتارِ مِنْ رشأٍ … مُهَفْهَفٍ طَرْفُهُ أمضى من الماسِ غَنَّى بشِعْرِ امْرئٍ في النَّاس مُشْتَهرٍ … مُدَوَّنٍ عندهم في صَدْرِ قِرْطاسِ لولا نسيمٌ بذِكراكُمْ يُرَوِّحُني … لكنتُ مُحتَرِقًا مِنْ حَرِّ أنفاسي [وكانت (٢) وفاته في ربيع الأول، ودفن بمقبرة العقبة (٣) بالجانب الغربي عند رباط البِسْطامي، ولما احتضر جعل يردد هذا البيت: [من المتقارب] وما كنتُمُ تعرفون (٤) الجَفَا … فممن ترى قد تعلمتُمُ هذا صورة ما ذكره جدي في "المنتظم" (٥) عن محمَّد بن طاهر. وذكره الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"، فقال: كان ابنُ طاهر يُعْرَفُ بابنِ القَيسَراني، طافَ الدُّنيا في طلب الحديث، وسمِعَ بالعراق والشَّام ومِصر وخُرَاسان والجبل، وقدِمَ دمشق في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة، فسَمِعَ أَبا القاسم بن أبي العلاء، وبمصر إبراهيم بن سعيد الحَبَّال، وأبا الحسن الخِلعي وغيرهم، وله مصنفاتٌ كثيرة إلَّا أنَّه كثير الوَهَم، وله شِعرٌ حسن مع أنَّه ما كان يُحْسِنُ النحو.

стр. 9519

قال: وأنشدني أبو جعفر حَنْبل بن عليّ البُخَارِيّ الصُّوفي، قال: أنشدنا أبو الفَضْل محمَّد بن طاهر لنفسه]: [من الطَّويل] إلى كم أمَنِّي النَّفْسَ بالقُرْبِ واللِّقا … بيومٍ إلى يومٍ وشَهْرٍ إلى شَهْرِ وحتَّامَ لا أحظى بِوَصلِ أَحِبَّتي … وأشكو إليهمْ ما لَقِيتُ مِن الهَجْرِ فلو كان قلبي مِنْ حديدٍ أذَابَهُ … فِراقُكُمُ أو كان مِنْ أصلَبِ الصَّخْرِ ولما رأيتُ البَينَ يزدادُ والنَّوى … تَمَثَّلْتُ بيتًا قِيلَ في سالِفِ الدَّهْرِ متى يستريحُ القَلْبُ والقلبُ مُتْعَبٌ … ببَينٍ على بَينٍ وهَجْرٍ على هَجْرٍ [قال الحافظ: وأنشدنا أَيضًا لابن طاهر] (١): [من المتقارب] خَلَعْتُ العِذار بلا مِنَّةٍ … على مَنْ خَلَعتُ عليه العِذارا وأصبحتُ حيرانَ لا أَرْتَجي … جِنانًا ولا أتَّقي فيه نارًا وقال [الحافظ] (٢) ابنُ عساكر: سمِعْتُ أَبا العلاء الحسن بن أَحْمد الهَمَذاني يقول: ابْتُلي محمدُ بنُ طاهر بهوى امرأةٍ من أهل الرسداق، وكانت تسكن قريةً على ستَّةِ فراسخَ مِنْ هَمَذَان، فكان كلُّ يوم يذهب إلى قريتها فيراها تَغْزِلُ في ضَوْء السِّراج، ثم يرجع إلى همذان، فكان يمشي في كلّ يومٍ وليلة اثني عَشَرَ فرسخًا (٣). المُؤْتَمن بن أَحْمد بن عليّ (٤) بنِ الحسن (٥) أبو نَصر السَّاجي، المَقْدِسي.

стр. 9520

ولد سنة خمس وأربعين وأربع مئة. وسَمِعَ الحديث، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، ورحل إلى أَصبهان والشَّام وخُراسان والجبال، وما زال يسمع ويستفيد إلى أن مات ببغداد في صَفَر، ودُفِنَ بباب حَرْب. وكان حافظًا، ثِقَة، صدوقًا، عارفًا بالحديث معرفةً جيدة (١)، حَسَنَ القراءة، صحيح النقل مع شَرَفِ نَفْسٍ، وقناعةٍ، وصبرٍ على الفقر (٢). وكان الإِمام أبو عبد الله الأَنْصَارِيّ إذا رآه يقول: لا يمكن أحد أَنْ يكذبَ على رسولِ الله ﷺ وهذا حيٌّ (٣). [فصل: وفيها تُوفِّي الأَمير مودود] (٤) صاحب المَوْصِل قد ذكرنا أنَّه جاء إلى الشَّام لمساعدة أتابك طُغْتِكِين، وكَسَرَ الفرنج، وعاد مع أتابك إلى دمشق، ونَزَلَ في المَيدان الأخضر، وكان يدخُل كل جُمُعةٍ إلى دمشق، فيصلِّي بالجامع، ويتبرَّك بمُصحَف عثمان رضوان الله عليه، فدخل الجامع على عادتِهِ، ومعه أتابك، والغِلْمان حوله بالسُّيوف المُسَلَّلة، وأنواع السِّلاح، وأتابك بين يديه خدمةً له، فلما حَصَلا في صَحْنِ الجامع وَثَبَ رجل من بين النَّاس لا يُؤبه له، ولا يُحْفَلُ به، فَقَرُبَ من مودود كأنَّه يدعو له ويتصدَّق منه، فلزم بَنْدَ قَبائه، وضَرَبَه بخنجر أسفلَ سُرَّته ضربتين إحداهما نَفَذَتْ إلى خاصرته، والأخرى إلى فَخِذه، والسّيوف تأخذه من كلِّ ناحية، وقطِعَ رأسُه ليعرف شخصه، فما عُرِفَ وأُحرق، وعدا أتابك خطُوات وقتَ الكائنة، وأحاطَ به أصحابه، ورَجَعَ إلى مودود وهو يمشي، فتماسك ووقعَ عند الباب الشّمالي من الجامع، وحُمِلَ إلى دار أتابك، وخِيط جُرْحُه، فعاشَ ساعاتٍ يسيرةً، ومات من يومه، فَقَلِقَ أتابك لوفاته على هذا الوَجْه، وحَزِنَ حُزْنًا شديدًا، وكذا سائر النّاس، ودُفِن بمشهدٍ داخل باب الفراديس، وشَرَعَ أصحابُه في العَوْدِ إلى المَوْصِل

стр. 9521

وغيرِها من البلاد، وأمر لهم أتابك بإطلاق ما يستدعونه لسفرهم، واستصحبوا معهم أمواله وجواريَه، وأسبابه، ولم يزل مدفونًا حتَّى بعثتْ زوجتُه وولدُه من المَوْصِل في شهر رمضان مَنْ حَمَلَه في تابوتٍ إلى المَوْصِل، وشيَّعه أتابك إلى الثَّنِيَّة (١). وكان سأله أتابك يوم جُرِحَ أَنْ يُفْطر وكان صائمًا، فلم يفعل، وقال: والله لا لَقِيتُ الله إلَّا صائمًا. وكتَبَ بغدوين ملك الفرنج إلى طُغْتِكِين: إنَّ أمةً قتلَتْ عميدَها في يوم عيدها في بيتِ معبودها لحقيقٌ على الله أن يبيدَها (٢). وقيل: إنَّ هذه الواقعة كانت سنة خمسٍ وخمس مئة، وذكر بعضُهم أَنَّ أتابك خافَ منه فوضَعَ عليه مَنْ قَتَلَه، وليس بصحيحٍ، فإنَّه كان أحَبَّ النَّاس له، وحَزِنَ عليه حُزْنًا عظيمًا، وشَقَّ ثوبه عليه، وجَلَسَ في عَزَائه سبعةَ أيام، وتصدَّق عنه بمالٍ جزيل. وبلغ السُّلْطان [محمد شاه] (٣) ما جرى، فأقطع المَوْصل والجزيرة لآق سُنْقُر البُرْسُقي، وأمره بتقديم عمادِ الدِّين زَنْكي [والد نور الدين محمود رحمة الله عليه] (٣) والرجوع إلى إشارته لما ظَهَرَ منه من النَّهْضة والكفاية ويُمْنِ النَّقيبة (٤). السَّنة الثَّامنة وخمس مئة فيها كانت زلزلة عظيمة بالجزيرة، هَدَمَتْ مُعْظَمَ أسوار الرُّها وحَرَّان، ووقعتْ دورٌ كثيرة، وحرقتِ الفرات، فهدمت في بالس مئة دار، وقلبت بنصف القلعة، وخَسْف بسُمَيساط وغيرها (٥).

стр. 9522

وفيها واطأ لؤلؤ خادم [الملك] (١) رضوان [بن تاج الدولة] (١) على قَتْلِ ألب أرسلان [ابن رضوان] (١) جماعةً، ففتكوا به في قلعة حلب، واضطربتِ الأمورُ بعده، وكان سيِّئ السّيرة مع عسكره ورعيته، [فلم يتأسفوا عليه، ولم] (١) يحزنوا لفقده (٢). وفيها نزل نجمُ الدِّين إيل غازي بن أُرْتُق على حِمْص، وفيها خيرخان بن قراجا، وكان عادةُ نجمِ الدِّين إذا شَرِبَ الخمر وتمكَّن منه أقام أيامًا مخمورًا، لا يُفيق لتدبيرٍ ولا يُستأمر في أمر، وعَرَفَ منه خيرخان هذه العادة، فتركه حتَّى سَكِرَ، وهَجَمَ عليه برجاله وهو في خيمته، وقبَضَ عليه، وحَمَلَه إلى قلعة حِمص، وعَرَفَ طُغْتِكِين، فشَقَّ عليه، وكاتَبَ خيرخان يوبِّخُه ويلومه ويأمره بإطلاقِهِ، وأقام أيامًا ثم أطلقه (٣). وفيها ماتَ بغدوين صاحبُ القُدْس بجرحٍ أصابه في الوقعة المتقدمة على طبرية، فأقاموا مَنِ اختاروه مِنْ أصحابه (٤). وفيها كانت وقعةٌ عظيمة بالجزيرة والشَّام؛ لَمَّا ولَّى السُّلْطانُ البُرْسُقيَّ إمرةَ المَوْصِل والجزيرة (٥) أمره بجَمْعِ العساكر لجهاد الفرنج، فكتَبَ إلى أمراءِ الأطراف، فمنهم مَنْ جاء بنفسه، ومنهم من بَعَثَ عسكره، فبعث إيل غازي ابن أُرْتُق ولدَه بعسكرٍ ضعيفٍ، فلم يرضَ به البُرْسُقي، ونهب العَسْكر، وقبَضَ على ولده. وكان مسعود بن السُّلْطان محمَّد مع البُرْسُقي، وبلغ إيل غازي، فنزل من مارِدِين، والتقى البُرْسُقيَّ على الخابور، وكان البُرْسُقي أرجل ومعه خَلْقٌ كثير، ومع إيل غازي نَفَرٌ يسير إلَّا أنَّه كان شجاعًا، فحمل بنفسه فكَسَر البُرْسُقي، وقتَلَ مِنْ رجاله جماعة، وبلغ محمَّد شاه فَغَضِبَ، وجهَّزَ عسكرًا لقتال إيل غازي، وعَلِمَ إيل غازي، فسار إلى دمشق مستنجدًا بطُغْتِكين، وكانا قد اتَّفقا؛ لأَنَّ طُغْتِكين خافَ مِنْ مجيء مسعود إلى الشَّام فتؤخذ دمشق منه، فاتَّفقا

стр. 9523

وتحالفا، وعاد إيل غازي إلى مارِدين، ونزل في طريقه الرَّسْتن (١)، وقعد يشرب، وباتَ على حاله، وبلغ ابن قراجا، فسار إليه في اللَّيل، وكَبَسَه وقتَ السَّحَر وهو نائمٌ سكران، فأطلعه إلى قلعة حمص هو وولدَه، وكتَبَ إلى السُّلْطان محمَّد يخبره، وأرسل مسعود بن السُّلْطان من الرَّقَّة يَطْلُبه. وكان البُرْسُقي ومسعود قد نزلا الرَّقَّة ينتظران العساكر [فقال ابن قراجا: قد كاتبتُ فيه السُّلْطان] (٢) وأنا منتظرٌ جوابَهُ. وأبطأ الجوابُ عليه، فأرسل طُغْتِكين يتوعَّده، فأطلقه، وأخذَ ابنه رهينةً، وعاد إيل غازي إلى مارِدِين، وعَبَرَ البُرْسُقي الفُرَات، ونزل على حلب، فنزل إليه لؤلؤ، وساروا بالعساكر إلى أنطاكية، فخرج إليهم طنكري في عددٍ يسير، فتأخروا إلى سَرْمِين، فتبعهم طنكري، والتقوا، وكان ابن قراجا قد أعطى ولد إيل غازي للبُرْسُقي، فَوَكَلَ به جماعةً، واشتغل بالقتال مع الفرنج، فكسره طنكري وهزمه، وقتَلَ طنكري ابنَ إيل غازي، وبلغ السُّلْطان، فقال: قد علمتُ أنَّ مصافًّا فيه البُرْسُقي لا يُفْلح. ورَدَّه إلى هَمَذَان. وقيل: إنَّ السُّلْطان جَهَّز البُرْسُقي وابنَه منكلي صاحب همذان وأخاه زَنْكي، ودَفَعَ ولدَه مسعود إلى البُرْسُقي، وقال له: اقْصِدْ صاحبَ مارِدِين، ثُمَّ طُغْتِكِين. وجَهَّزَ معه أعيانَ الأمراءِ، فسارَ في عشرة آلاف، فعيَّدوا عيد الأضحى على الرَّقَّة، وعبروا الفرات، وخلَّفوا إيل غازي وراءهم، وقالوا: إذا فَرَغنا من الشَّام رَجَعْنا إليه. فنزلوا الناعورة على فرسخين مِنْ حلب، وراسلوا لؤلؤًا، وطلبوا منه تسليم حلب، فقال: أمهلوني أيامًا. ولمَّا قَطَعوا الفرات من بالِس، جاء إيل غازي فَقَطعها من النهر، ووصل دمشق، واتَّفق مع طُغْتِكِين، وساروا في ألفي فارس للقاء البُرْسُقي، فراسل منكلي بنُ البُرْسُقي طُغْتِكِين، وقبَّحَ عليه مخالفةَ السُّلْطان، وأشار عليه أن يكون مع الجماعة، فوعدهم بذلك، وساروا عن حلب إلى حماة، وبها ثَقَلُ طُغْتِكِين، فنهبوه. وكان السُّلْطان قد وصَّاهم كما فتحوا بلدًا سلَّموه خيرخان بن قراجا، وكان بقلعة حماة نصر ولودان شاه ابنا علي الكُرْدي في طاعة طُغْتِكِين، فلم ينزلا إليهم، واستأذنهم

стр. 9524

خيرخان في المضي إلى حِمْص ليقيم لهم الضِّيافة، وسلَّم إليهم [ابن] (١) إيل غازي، وكان إيل غازي قد اتفق مع طنكري ومع طُغْتِكين ومع صاحب طرابُلُس وملوكِ الفرنج على قتال أصحابِ السُّلْطان، واجتمع الكُلُّ على فامية، ونَزَلَ طُغْتِكين وإيل غازي في جبالها، والفرنج ناحية عنهم، فأقاموا شهرين وبينهم وبين عسكر السُّلْطان ثلاثة فراسخ، فضجروا، وعاد طُغْتِكين إلى دمشق خوفًا عليها، وعاد إيل غازي إلى مارِدِين، وعاد عسكر حلب إلى حلب. وضَجِرَ عسكر السلطان، فرحلوا إلى كَفْرطاب، وكانت الفرنج [فيها] (٢)، فقتلوا فيها ثلاثة آلاف، ثم وقع التخاذل، وقالوا: أيّ فائدة لنا كوننا كلَّما فتحنا بلدًا سلَّمناه إلى خيرخان فتفرَّقوا، ورحل بعضُهم إلى بُزاعة، وبعضهم قطع الفرات، وسار مُعْظَمُهم إلى حلب، وطنكري مقيمٌ بجبال فامية لا يخطر للمسلمين ببال، فسار في خمس مئة فارس وألفي راجل طول الليل، وكَمَنَ في النَّهار، ثم [صبَّحهم] (٣) في اليوم الثاني، فركب البُرْسُقي والعسكر، وقاتلوا ساعةً، ثُمَّ اندفعوا على حَمِيَّةٍ، فوقعتِ الفرنجُ في السُّوقة، ومَنْ تَخَلَّف من العسكر، فقتلوا ثلاثة آلاف، وقالوا: هؤلاء عِوَض مَن قُتِلَ بكفر طاب. ونهبوا أموال التُّجَّار وسَبَوْا الحريم، وكان أياز بن إيل غازي، قد وَكَلَ به البُرْسُقي، فقتلَه الموكل به وهرب. وأضْرَمَ الفرنج في الصَّناديق والخيام النَّار، وأحرقوا (٤) ثلاثة آلاف أسير ما بين شاب، وشيخ وامرأة، وبعثوا بالأسارى إلى دمشق [وماردين وحلب. وبلغ أتابك بدمشق، فعزَّ عليه ما جرى] (٢)، وسار إلى رَفَنِيَّة بغتةً وهي للفرنج، فقتل أهلَها، وغَنِمَ أموالها، وأَسَرَ، وعاد إلى دمشق، فبعث برؤوسهم وخَيلهم وأسلحتهم، وهدايا وألطافًا إلى الخليفة والسُّلْطان، واعتذر، فلم يُقبل عُذره، وكان بباب السُّلْطان من يَحْسُدُه، فكثَّروا عليه، فرأى أن يمضي بنفسه إلى بغداد، فسار، فأمر الخليفة

стр. 9525

والسُّلْطان الموكبيين وأرباب الدولتين بلقائه، فلم يتخلَّف عنه أحد، وأكرمه الخليفة والسلطان، وأقام ببغداد أيامًا، واعتذر بالفرنج، فَخَلَعَ عليه الخليفةُ والسُّلْطان، وكتبا له منشورًا بالشَّام، فعاد إلى دمشق، وقد تبدَّلَتْ تلك الوَحْشة أُنسًا. وقيل: إنما دَخَلَ بغداد سنة تسعٍ وخمس مئة (١). وفيها تُوفِّي الأَمير أحمديل (٢) صاحبُ مَرَاغة، كان في خِدْمته خمسةُ آلاف فارس، وإقطاعه أربع مئة أَلْف دينار، وكان شجاعًا جَوَادًا، ولما قَدِمَ طُغْتِكين بغداد كان يحضُر كلَّ يومٍ إلى دار السُّلْطان مع الأمراء إلى الخِدْمة، فبينا هو جالسٌ ذاتَ يوم في الدار، وإلى جانبه أحمديل الرَّوَّادي (٣) تقدَّم رجلٌ ومعه قِصَّة، فسأل أحمديل إيصالها إلى السُّلْطان، فمدَّ يده ليأخذها، فضربه بسِكِّين، فأخذه أحمديل وتركه تحته، وجاء آخر فَضَرَبَ أحمديل، وقال: شاباش (٤). كأنَّه استحسن فِعْل الأَوَّل، وجاء ثالث وصاح: شاباش، وضَرَبَه، وقتِلُوا، وظَنَّ الحاضرون أَنَّ المُراد طُغْتِكِين، وكان أحمديل قد أنكى في الباطنية [فَقُتِلَ] (٥) وتفرَّق النّاس، وهذا إقدامٌ من الباطنية لم يُقدموا [على] (٥) مِثله في دار السُّلْطان،
следующие страницы →