← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

وغيرِها من البلاد، وأمر لهم أتابك بإطلاق ما يستدعونه لسفرهم، واستصحبوا معهم أمواله وجواريَه، وأسبابه، ولم يزل مدفونًا حتَّى بعثتْ زوجتُه وولدُه من المَوْصِل في شهر رمضان مَنْ حَمَلَه في تابوتٍ إلى المَوْصِل، وشيَّعه أتابك إلى الثَّنِيَّة (١). وكان سأله أتابك يوم جُرِحَ أَنْ يُفْطر وكان صائمًا، فلم يفعل، وقال: والله لا لَقِيتُ الله إلَّا صائمًا. وكتَبَ بغدوين ملك الفرنج إلى طُغْتِكِين: إنَّ أمةً قتلَتْ عميدَها في يوم عيدها في بيتِ معبودها لحقيقٌ على الله أن يبيدَها (٢). وقيل: إنَّ هذه الواقعة كانت سنة خمسٍ وخمس مئة، وذكر بعضُهم أَنَّ أتابك خافَ منه فوضَعَ عليه مَنْ قَتَلَه، وليس بصحيحٍ، فإنَّه كان أحَبَّ النَّاس له، وحَزِنَ عليه حُزْنًا عظيمًا، وشَقَّ ثوبه عليه، وجَلَسَ في عَزَائه سبعةَ أيام، وتصدَّق عنه بمالٍ جزيل. وبلغ السُّلْطان [محمد شاه] (٣) ما جرى، فأقطع المَوْصل والجزيرة لآق سُنْقُر البُرْسُقي، وأمره بتقديم عمادِ الدِّين زَنْكي [والد نور الدين محمود رحمة الله عليه] (٣) والرجوع إلى إشارته لما ظَهَرَ منه من النَّهْضة والكفاية ويُمْنِ النَّقيبة (٤). السَّنة الثَّامنة وخمس مئة فيها كانت زلزلة عظيمة بالجزيرة، هَدَمَتْ مُعْظَمَ أسوار الرُّها وحَرَّان، ووقعتْ دورٌ كثيرة، وحرقتِ الفرات، فهدمت في بالس مئة دار، وقلبت بنصف القلعة، وخَسْف بسُمَيساط وغيرها (٥).

стр. 9522

وفيها واطأ لؤلؤ خادم [الملك] (١) رضوان [بن تاج الدولة] (١) على قَتْلِ ألب أرسلان [ابن رضوان] (١) جماعةً، ففتكوا به في قلعة حلب، واضطربتِ الأمورُ بعده، وكان سيِّئ السّيرة مع عسكره ورعيته، [فلم يتأسفوا عليه، ولم] (١) يحزنوا لفقده (٢). وفيها نزل نجمُ الدِّين إيل غازي بن أُرْتُق على حِمْص، وفيها خيرخان بن قراجا، وكان عادةُ نجمِ الدِّين إذا شَرِبَ الخمر وتمكَّن منه أقام أيامًا مخمورًا، لا يُفيق لتدبيرٍ ولا يُستأمر في أمر، وعَرَفَ منه خيرخان هذه العادة، فتركه حتَّى سَكِرَ، وهَجَمَ عليه برجاله وهو في خيمته، وقبَضَ عليه، وحَمَلَه إلى قلعة حِمص، وعَرَفَ طُغْتِكِين، فشَقَّ عليه، وكاتَبَ خيرخان يوبِّخُه ويلومه ويأمره بإطلاقِهِ، وأقام أيامًا ثم أطلقه (٣). وفيها ماتَ بغدوين صاحبُ القُدْس بجرحٍ أصابه في الوقعة المتقدمة على طبرية، فأقاموا مَنِ اختاروه مِنْ أصحابه (٤). وفيها كانت وقعةٌ عظيمة بالجزيرة والشَّام؛ لَمَّا ولَّى السُّلْطانُ البُرْسُقيَّ إمرةَ المَوْصِل والجزيرة (٥) أمره بجَمْعِ العساكر لجهاد الفرنج، فكتَبَ إلى أمراءِ الأطراف، فمنهم مَنْ جاء بنفسه، ومنهم من بَعَثَ عسكره، فبعث إيل غازي ابن أُرْتُق ولدَه بعسكرٍ ضعيفٍ، فلم يرضَ به البُرْسُقي، ونهب العَسْكر، وقبَضَ على ولده. وكان مسعود بن السُّلْطان محمَّد مع البُرْسُقي، وبلغ إيل غازي، فنزل من مارِدِين، والتقى البُرْسُقيَّ على الخابور، وكان البُرْسُقي أرجل ومعه خَلْقٌ كثير، ومع إيل غازي نَفَرٌ يسير إلَّا أنَّه كان شجاعًا، فحمل بنفسه فكَسَر البُرْسُقي، وقتَلَ مِنْ رجاله جماعة، وبلغ محمَّد شاه فَغَضِبَ، وجهَّزَ عسكرًا لقتال إيل غازي، وعَلِمَ إيل غازي، فسار إلى دمشق مستنجدًا بطُغْتِكين، وكانا قد اتَّفقا؛ لأَنَّ طُغْتِكين خافَ مِنْ مجيء مسعود إلى الشَّام فتؤخذ دمشق منه، فاتَّفقا

стр. 9523

وتحالفا، وعاد إيل غازي إلى مارِدين، ونزل في طريقه الرَّسْتن (١)، وقعد يشرب، وباتَ على حاله، وبلغ ابن قراجا، فسار إليه في اللَّيل، وكَبَسَه وقتَ السَّحَر وهو نائمٌ سكران، فأطلعه إلى قلعة حمص هو وولدَه، وكتَبَ إلى السُّلْطان محمَّد يخبره، وأرسل مسعود بن السُّلْطان من الرَّقَّة يَطْلُبه. وكان البُرْسُقي ومسعود قد نزلا الرَّقَّة ينتظران العساكر [فقال ابن قراجا: قد كاتبتُ فيه السُّلْطان] (٢) وأنا منتظرٌ جوابَهُ. وأبطأ الجوابُ عليه، فأرسل طُغْتِكين يتوعَّده، فأطلقه، وأخذَ ابنه رهينةً، وعاد إيل غازي إلى مارِدِين، وعَبَرَ البُرْسُقي الفُرَات، ونزل على حلب، فنزل إليه لؤلؤ، وساروا بالعساكر إلى أنطاكية، فخرج إليهم طنكري في عددٍ يسير، فتأخروا إلى سَرْمِين، فتبعهم طنكري، والتقوا، وكان ابن قراجا قد أعطى ولد إيل غازي للبُرْسُقي، فَوَكَلَ به جماعةً، واشتغل بالقتال مع الفرنج، فكسره طنكري وهزمه، وقتَلَ طنكري ابنَ إيل غازي، وبلغ السُّلْطان، فقال: قد علمتُ أنَّ مصافًّا فيه البُرْسُقي لا يُفْلح. ورَدَّه إلى هَمَذَان. وقيل: إنَّ السُّلْطان جَهَّز البُرْسُقي وابنَه منكلي صاحب همذان وأخاه زَنْكي، ودَفَعَ ولدَه مسعود إلى البُرْسُقي، وقال له: اقْصِدْ صاحبَ مارِدِين، ثُمَّ طُغْتِكِين. وجَهَّزَ معه أعيانَ الأمراءِ، فسارَ في عشرة آلاف، فعيَّدوا عيد الأضحى على الرَّقَّة، وعبروا الفرات، وخلَّفوا إيل غازي وراءهم، وقالوا: إذا فَرَغنا من الشَّام رَجَعْنا إليه. فنزلوا الناعورة على فرسخين مِنْ حلب، وراسلوا لؤلؤًا، وطلبوا منه تسليم حلب، فقال: أمهلوني أيامًا. ولمَّا قَطَعوا الفرات من بالِس، جاء إيل غازي فَقَطعها من النهر، ووصل دمشق، واتَّفق مع طُغْتِكِين، وساروا في ألفي فارس للقاء البُرْسُقي، فراسل منكلي بنُ البُرْسُقي طُغْتِكِين، وقبَّحَ عليه مخالفةَ السُّلْطان، وأشار عليه أن يكون مع الجماعة، فوعدهم بذلك، وساروا عن حلب إلى حماة، وبها ثَقَلُ طُغْتِكِين، فنهبوه. وكان السُّلْطان قد وصَّاهم كما فتحوا بلدًا سلَّموه خيرخان بن قراجا، وكان بقلعة حماة نصر ولودان شاه ابنا علي الكُرْدي في طاعة طُغْتِكِين، فلم ينزلا إليهم، واستأذنهم

стр. 9524

خيرخان في المضي إلى حِمْص ليقيم لهم الضِّيافة، وسلَّم إليهم [ابن] (١) إيل غازي، وكان إيل غازي قد اتفق مع طنكري ومع طُغْتِكين ومع صاحب طرابُلُس وملوكِ الفرنج على قتال أصحابِ السُّلْطان، واجتمع الكُلُّ على فامية، ونَزَلَ طُغْتِكين وإيل غازي في جبالها، والفرنج ناحية عنهم، فأقاموا شهرين وبينهم وبين عسكر السُّلْطان ثلاثة فراسخ، فضجروا، وعاد طُغْتِكين إلى دمشق خوفًا عليها، وعاد إيل غازي إلى مارِدِين، وعاد عسكر حلب إلى حلب. وضَجِرَ عسكر السلطان، فرحلوا إلى كَفْرطاب، وكانت الفرنج [فيها] (٢)، فقتلوا فيها ثلاثة آلاف، ثم وقع التخاذل، وقالوا: أيّ فائدة لنا كوننا كلَّما فتحنا بلدًا سلَّمناه إلى خيرخان فتفرَّقوا، ورحل بعضُهم إلى بُزاعة، وبعضهم قطع الفرات، وسار مُعْظَمُهم إلى حلب، وطنكري مقيمٌ بجبال فامية لا يخطر للمسلمين ببال، فسار في خمس مئة فارس وألفي راجل طول الليل، وكَمَنَ في النَّهار، ثم [صبَّحهم] (٣) في اليوم الثاني، فركب البُرْسُقي والعسكر، وقاتلوا ساعةً، ثُمَّ اندفعوا على حَمِيَّةٍ، فوقعتِ الفرنجُ في السُّوقة، ومَنْ تَخَلَّف من العسكر، فقتلوا ثلاثة آلاف، وقالوا: هؤلاء عِوَض مَن قُتِلَ بكفر طاب. ونهبوا أموال التُّجَّار وسَبَوْا الحريم، وكان أياز بن إيل غازي، قد وَكَلَ به البُرْسُقي، فقتلَه الموكل به وهرب. وأضْرَمَ الفرنج في الصَّناديق والخيام النَّار، وأحرقوا (٤) ثلاثة آلاف أسير ما بين شاب، وشيخ وامرأة، وبعثوا بالأسارى إلى دمشق [وماردين وحلب. وبلغ أتابك بدمشق، فعزَّ عليه ما جرى] (٢)، وسار إلى رَفَنِيَّة بغتةً وهي للفرنج، فقتل أهلَها، وغَنِمَ أموالها، وأَسَرَ، وعاد إلى دمشق، فبعث برؤوسهم وخَيلهم وأسلحتهم، وهدايا وألطافًا إلى الخليفة والسُّلْطان، واعتذر، فلم يُقبل عُذره، وكان بباب السُّلْطان من يَحْسُدُه، فكثَّروا عليه، فرأى أن يمضي بنفسه إلى بغداد، فسار، فأمر الخليفة

стр. 9525

والسُّلْطان الموكبيين وأرباب الدولتين بلقائه، فلم يتخلَّف عنه أحد، وأكرمه الخليفة والسلطان، وأقام ببغداد أيامًا، واعتذر بالفرنج، فَخَلَعَ عليه الخليفةُ والسُّلْطان، وكتبا له منشورًا بالشَّام، فعاد إلى دمشق، وقد تبدَّلَتْ تلك الوَحْشة أُنسًا. وقيل: إنما دَخَلَ بغداد سنة تسعٍ وخمس مئة (١). وفيها تُوفِّي الأَمير أحمديل (٢) صاحبُ مَرَاغة، كان في خِدْمته خمسةُ آلاف فارس، وإقطاعه أربع مئة أَلْف دينار، وكان شجاعًا جَوَادًا، ولما قَدِمَ طُغْتِكين بغداد كان يحضُر كلَّ يومٍ إلى دار السُّلْطان مع الأمراء إلى الخِدْمة، فبينا هو جالسٌ ذاتَ يوم في الدار، وإلى جانبه أحمديل الرَّوَّادي (٣) تقدَّم رجلٌ ومعه قِصَّة، فسأل أحمديل إيصالها إلى السُّلْطان، فمدَّ يده ليأخذها، فضربه بسِكِّين، فأخذه أحمديل وتركه تحته، وجاء آخر فَضَرَبَ أحمديل، وقال: شاباش (٤). كأنَّه استحسن فِعْل الأَوَّل، وجاء ثالث وصاح: شاباش، وضَرَبَه، وقتِلُوا، وظَنَّ الحاضرون أَنَّ المُراد طُغْتِكِين، وكان أحمديل قد أنكى في الباطنية [فَقُتِلَ] (٥) وتفرَّق النّاس، وهذا إقدامٌ من الباطنية لم يُقدموا [على] (٥) مِثله في دار السُّلْطان،

стр. 9526

وعاد طغتكين إلى الرَّمْلة (١) غربي بغداد، فنزل في مخيَّمه، وبكى النَّاس على أحمديل، وأحرق غِلْمانُه رَحله وخيامه. وطلب طُغْتِكين دُسْتورًا إلى دمشق، فأُعطي، فسار بالخِلَع ومراكب الذَّهب والفِضة، ووعده السُّلْطان أن يُنْفِذَ إليه عسكرًا، وكتَبَ السُّلْطان إلى البُرْسُقي إلى هَمَذَان ليحضر، فحضر في عساكره، وسار إلى الشَّام، فتلقَّاه طُغْتِكين وأكرمه. وكان ابنُ صنجيل صاحب طرابُلُس قد خَرَجَ، فنزل عين الجَر (٢)، وأخرب البِقاع، فخرجا إليه، فبيَّتاه ليلًا، وقتَلا من أصحابه ثلاثة آلاف، وأسرا مِثْلَهم، وعاد إلى دمشق، وانهزم ابنُ صنجيل في نَفَرٍ يسير، وعاد البُرْسُقي إلى العراق بعد أن خدمه أتابك وأكرمه، وتأكدت الصَّداقة بينهما والمودَّة. [وذكر أبو يعلى] ابن القَلانسي أن هذه الوقعة كانت سنةَ عشرٍ وخمس مئة، [وأنَّ البُرْسُقي كانت له المَوْصِل، وسنذكره هناك] (٣). [فصل: وفيها تُوفِّي [ابن] قيراط الدِّمَشقْي (٤) واسمه سُبَيع بن المُسَلَّم بن عليّ، أبو الوَحْش (٥)، الضّرير المقرئ. ولد سنة تسعَ عشرة وأربع مئة، وقرأ القرآن بحرف ابن عامر على رشأ بن نظيف، وأبي علي الأَهْوازي، وسَمِعَ الحديث منهما ومن غيرِهما، وروى عن الخَطيب أَيضًا، ولم يَزَلْ ملازمًا للجامع إلى أن تُوفِّي، ودُفِنَ بالباب الصَّغير.

стр. 9527

وفيها تُوفِّي الشريف بن أبي الجِنّ (١) واسمه علي بن إبراهيم بن العَبَّاس بن الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين، والحسين هو أبو الجن -وقد تقدَّم نسبه- وكنية عليٍّ أبو القاسم، العَلَوي الحُسَيني (٢)] (٣) ويعرف بالنَّسيب. ولد يوم الجمعة لأربع بقين من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وأربع مئة، وقرأ القرآن بحرف أبي عمرو بن العلاء، وكان خطيبَ دمشق في أيام المِصريين، وكان سُنِّيًا حَسَنَ السيرة، مرضيَّ الأمر، ممدوحًا بكل لسان. قال ابن عساكر: لما ولدتُ سأل الشَّريفُ أبي، فقال: ما سَمَّيتَه؟ فقال: عليًّا، قال: وما كنّيْتَه؟ قال: أَبا القاسم، فقال: أَخَذْتَ اسْمِي وكُنْيتي، قال: وما رأينا أحدًا تسمَّى بهذا الاسم، وتكنَّى بهذه الكُنْية إلَّا وكان طويل العُمُر. [قال]: وصلى على جِنازةٍ بجامع دمشق، وكبَّر أربعًا، فكتبَ صاحِبُ مِصر إلى أَبيه يعاتبه، فقال [له]: لا تصل [بعدها] (٤) على جنازة (٥). ولما قَدِمَ بغداد جاء إلى دار النَّقيب بالكَرْخ فدخل، وجلس معه في الدَّسْت، فأنكروا عليه، وسأله النقيبُ عن نَسَبه، فانْتَسَبَ له، فقال: مَوْضِعَك قَعدتَ. وأكرمه غاية الإكرام. وسمع من أَبيه (٦) [وجده أبي البركات، وأبي الحسين بن أبي نصر، وأبي عبد الله بن سلوان، وأبي علي الأَهوازيُّ، ورشأ بن نظيف، والقاضي محمَّد بن سلامة القُضَاعي، وأبي بكر الخَطيب وغيرهم، وكريمة بنت أَحْمد.

стр. 9528

وأخرج له الخَطيب فوائد عن شيوخه في عشرين جزءًا، وروى عنه شيخه أبو محمَّد عبد العزيز الكَتَّاني، وأبو محمَّد بن صابر، وأبو الحسن السُّلَمي، وأبو محمَّد بن طاوس، والحافظ ابنُ عساكر. وذكره أبو سَعد السَّمْعاني في "الذيل"، وأثنى عليه، وقال: كان حَسَنَ السِّيرة، ممدوحًا بكل لسان، سَمِعَ من الخَطيب الكثير]، وخَطُّه وسماعاتُهُ على أكثر مصنفات الخَطيب. وتوفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر بدمشق، وأوصى أن يصلِّي عليه أبو الحسن السُّلَمي، وأنْ يُسَنَّمَ قبره، وكانت له جنازةٌ عظيمة، ودُفِنَ بالباب الصَّغير، رحمة الله عليه (١). عليُّ بنُ محمدِ بنِ مُحَمَّد بن جَهِيرْ (٢) أبو القاسم، زعيمُ الدِّين، الوزير ابن الوزير ابن الوزير. كان في أيام القائم، وبعض أيام المقتدي يتولى كتابة ديوان الزِّمام، ووزر للمستظهر مَرَّتين: ففي الأُولى أقام ثلاث سنين وخمسة أشهر وأيامًا، ثم عُزِلَ [وولي بعده ابنُ المُطَّلب، ثم عُزِلَ] (٣)، وأُعيدَ ابنُ جَهِير، فأقام خمس سنين وخمسة أشهر، وتوفي في سابع عشرين ربيع الأول، ولم [يزل] (٤) يتدرَّج في المراتب والولايات خمسين سنة. وكان عاقلًا حليمًا، سديدَ الرَّأي، حسنَ التَّدْبير والثَّبات (٥). السنة التَّاسعة وخمس مئة [وفي هذه السنة على رأي أبي يعلى القلانسي] (٤) دخل طُغْتِكين بغداد؛ لأنه قال، وفي سنةِ تسعٍ وخمس مئة قويت شوكةُ الفرنج في رَفَنِيَّة، وبالغوا في تحصينها، وشَحَنُوها بالرِّجال، وشَرَعوا في الفساد، فأظهر طُغْتِكين أَنَّه قاصدٌ إلى بعض الجهات، وسار إليها مُغِذًّا، فَبَغَتَهُمْ، وأحاط بهم، وقتَلَ وأَسَرَ، وغَنِمَ أصحابُه منه ما امتلأتْ به الأيدي، وذلك في جُمادى الآخرة، ثُمَّ عاد إلى دمشق ومعه الأسرى، ورؤوس القَتْلى.

стр. 9529

ولما شاع [عنه] (١) ما رزقه الله من الجهاد والعدل والإحسان إلى الرَّعية، حَسَدَه أقوامٌ على باب السُّلْطان وطعنوا عليه، وراموا فسادَ حالة، وكَتَبَ إليه بذلك [مِنْ أصدقائه] (١) مَنْ يُؤْثِرُ إصلاحَ حالة، فاقتضتِ الحالُ أنْ سار بنفسه إلى بغداد، ومعه من الهدايا والتُّحَف ما يليق بالخليفة والسُّلْطان، فَبُولغ في إكرامه واحترامه، [وفُعِلَ في حقِّه ما قدَّمناه] (٢)، وشُرِّف بالخِلَعِ الخليفية، والسُّلْطانية، وكُتِبَ له المنشور السُّلْطاني بولاية الشَّام حَرْبًا وخَراجًا، وإطلاق يده في ارتفاعه (٣) على حَسَبِ اختياره، من إنشاء أبي إسماعيل الأصفَهاني الطُّغْرائي، فكان منه بعد البسملة: هذا منشور أَمَرَ بإنشائِهِ السُّلْطان المُعَظَّم غياثُ الدُّنيا والدِّين أطال الله [بقاءه] (٤) وأعزَّ أولياءه، ونَصَر لواءه، وخَذَلَ أعداءه، وحمى حَوْباءه (٥)، الأَمير الأَجَل الإسْفِهْسِلَّار (٦) الكبير ظهير الدين أتابك، أدام الله تأييده، لمّا بأن تمسُّكُه من الطَّاعة بأحكمِ علائِقها، واعتصامه من الخِدْمة بأوكدِ وثائِقها، ولما أجْلَتِ التَّجاربُ منه عينَ النَّاصح الأريب، والمهذَّب اللَّبيب، المندرج في مراقي الرُّتَب السَّنِيَّة بالمساعي الرَّضِيَّة، والذَّبِّ عن حَوْزة الإِسلام، ومواقفه المشهودة العِظام، ومقارعته الأعداء، والاستقلال بعظيم الأعباء، فرأيناه أَحقَّ بملابس الإنعام، وبما حُبيَ به من الكرامة بأَوْفر الأقسام، ففوَّضْنا إليه أمورَ الشَّام. وذكر ما جَرَتْ به العادة في العُهود (٧). وفيها صالح بردويل صاحبُ القُدْس الأفضلَ بنَ أَمير الجيوش، وكان قد أخذ في السَّبْخة المعروفة اليوم به (٨) قافلةً عظيمة جاءت من مِصر، فرأى الأفضلُ مهادنته، وأَمِنَ النَّاس.

стр. 9530

وفيها تكاملت عمارة دار السُّلْطان ببغداد التي تولَّى عِمارتها بِهْروز الخادم، وحَمَلَ إليها أعيانُ الدَّوْلة أنواعَ الفُرُش والبُسُط والأواني، وأمَر السُّلْطان أن يحضرها القُضَاة والأشراف والصُّوفية والقُرَّاء، فحضروا، وقرؤوا القرآن فيها ثلاثةَ أيامٍ متوالية (١). وفيها تُوفِّي (٢) علي بن جعفر بن القَطَّاع (٣) أبو القاسم السَّعدي، الصِّقِلِّي، مِنْ كبار علماء صِقِلِّية، صنفَ كتابًا سَمَّاه: "الدُّرَّة الخطيرة في ذكر شُعراء الجزيرة" (٤)، يعني جزيرة صِقِلِّية، قَدِمَ مِصر، ومَدَحَ الأفضل [ابن أَمير الجيوش] (٥)، ومِنْ شِعْره في الزُّهْد: [من الوافر] تَنَبَّهْ أيُّها الرَّجُلُ النَّؤوْمُ … فقد نَجَمَتْ بعارضِكَ النُّجومُ وقد أبدى ضِياءُ الصُّبحِ عَمَّا … أَجَنَّ ظلامَهُ اللَّيلُ البهيمُ فلا تَغْرُرْكَ يَا مغرورُ دنيا … غَرورٌ لا يدومُ لها نعيمُ وقيل: إنَّه مات سنةَ ثمانٍ وخمس مئة، وقيل: عاش إلى آخر زمانِ الأفضل. وذكر في كتاب: "الدُّرَّة الخطيرة"، جماعةً من الفُضَلاء، منهم أبو الحسن عليُّ بنُ عبد الرَّحْمَن بن أبي البِشْر الكاتب الأَنْصَارِيّ، له بيتان جَمَعَ فيهما حروفَ المعجم، وهما: [من البسيط]

стр. 9531

مُزَرْفَنُ (١) الصُّدْغِ يَسْطُو لَحْظُهُ عَبَثًا … بالخَلْقِ جَذْلان إنْ تشكو الهوى ضَحِكا لا تَعْرِضَنَّ لِوَردٍ فوق وَجْنتِهِ … فإنَّما نَصَبتْهُ عَينُهُ شَرَكا وقال أَيضًا: [من الطَّويل] ألا فَليُوَطِّن نَفسَهُ كلُّ عاشقٍ … على سَبْعةٍ محفوفةٍ بغَرَامِ رقيبٍ ووَاشٍ كاشِحٍ ومُفَنِّدٍ … مُلِحٍّ ودَمْعٍ واكِفٍ وسَقَامِ ومنهم: محمَّد بن عيسى، ومن شِعْره: [من المجتث] مولايَ يَا نورَ قَلْبي … ونورَ كلِّ القُلُوبِ أما تَرَى ما بِجِسْمي … من رِقَّةٍ وشُحُوبِ فلِمْ بَخِلْتَ بوَصلٍ … وليسَ لي مِنْ ذُنُوبِ فإنْ يكنْ ليَ ذَنْبٌ … فأنتَ فيه حسيبي ومحِنَتي فيكَ جَلَّتْ … عن فَهْم كلِّ طبيب [وما لدائي دواءٌ … إلَّا وصَالُ الحبيبِ] (٢) بَرِّدْ غليلَ فؤادي … بزَوْرةٍ عن قريب ومنهم: أبو حفص عمر بن خَلَف (٣) بن مكّيّ، [كان] من كبار الفُضَلاء، وله خُطَبٌ [من جنس خطب ابنِ نُباتة، وهو شاعرٌ فصيح، وله الشِّعْر المليح] (٤)، ومن شِعْره: [من الخفيف] لا تُبادِرْ بالرَّأي مِنْ قَبْلِ أنْ تُسْـ … ـألَ عنه وإنْ رأيتَ عَوَارا أحْمَقُ النَّاس مَنْ أشارَ على النَّا … س برأي مِنْ قَبْلِ أنْ يُسْتَشارا (٥)

стр. 9532

ومنهم: [أبو علي] الحسن بن عبد الله (١) [وهو القائل] (٢) في الشَّيب: [من الطَّويل] وزائرةٍ للشَّيبِ حَلَّتْ بعارضي … فعاجَلْتُها (٣) بالنَّتْفِ خَوفًا من الحَتْفِ فقالتْ على ضَعْفي اسْتَطَلْتَ ووَحْدتي … رُوَيدَك للجيش الذي جاء مِنْ خَلْفي (٤) ومنهم: السُّوسي (٥) [من مدينة سوسة] (٦) قال يمدح جبارة العلوي معارضًا مهيار في قوله (٧): [من الرَّملِ] بَكَّرَ العارِضُ (٨) تحدوه النُّعامى (٩) … وسَقَاكِ الرِّيَّ يَا دارَ أُماما (١٠) طَلَعَتْ رايتُهُ خافقةً … خفقانَ القَلْبِ أمسى مُسْتَهاما باتَ بالأبْرَقِ بَرْقٌ يتسامى … فجفا الجَفْنُ لمرآهُ المَنَاما أيُّها البارِقُ قد هِجْتَ إلى … ساكنِ الأَبْرَقِ شَوقًا وغَرَاما وأَذَعْتَ السِّرَّ بالدَّمْعِ الذي … لم أُطِقْ إذْ فاضَ للحبِّ اكْتِتاما بذمام الحبِّ يَا بَرْقُ عسى … لك عِلْمٌ حَيُّهم أينَ أقاما استمالوني بوَصلٍ في الهوى … فكما ملتُ رأوا وَصلِي حَرَاما وإذا هَبَّتْ صَبًا قلتُ لها … بَلِّغي يا ريحُ مَنْ نهوى السَّلاما ومنها في المديح:

стр. 9533

خَلِّ أوْصافَ التَّصابي والصِّبا … والمغاني والغَواني والنَّدامى وانْقُلِ الهَزْلَ إلى الجِدِّ ولا … تَلْهُ عن أوصافِ مَنْ سادَ الأناما وإذا اسْتَصرخْتَهُ في حادِثٍ … فعلى الحادِثِ جَرَّدْتَ حُساما مُقْبِلُ القَلْبِ على سُبْلِ الهُدَى … مُعْرِضٌ عن كلّ ما جَرَّ أثاما ليس يدري ما المزامير ولا … يسمعُ الصَّنْجَ ولا ذَاقَ المُدَاما لا ولا تَحْمِلُهُ الأطماعُ أَنْ … ينقضَ العَهْدَ إذا أَعطى الذِّماما بَيتُهُ كَعبَةُ جُوْدٍ نُصبتْ … أغْنَتِ المِسكينَ حقًّا واليتامى رُكْنُها إحدى يَدَيهِ فاجْعَلُوا … بَدَلَ الرُّكْنِ بيمناه اسْتِلاما لذوي الحاجِ زِحامٌ حَوْلها … زَحْمَةَ الحُجَّاجِ قد زاروا المقاما كلُّ ورْدٍ هكذا مُسْتَعْذَبٌ … يُكْثِرُ النَّاس حواليهِ الزِّحاما من أبيات (١). قال المصنف ﵀: لم أقف على تاريخ وفاة هؤلاء المذكورين سوى [صاحب هذه الترجمة وهو] (٢) علي السَّعْدي، والله أعلم. غَيثُ بنُ عليِّ بنِ عبد السَّلام (٣) أبو الفرج، الكاتب الأَرْمَنَازِي، خطيبُ صُور. ولد سنةَ ثلاثٍ وأربعين وأربع مئة، وسَمِعَ الكثير، وجَمَعَ تاريخ صور، ولم يتمَّه، وكان فاضلًا، ثِقَةً، صدوقًا، ثَبْتًا، عارِفًا بالحديث، توفِّي في صفر بدمشق، ودفن بالباب الصَّغير -وأرمناز: قريةٌ من قرى أنطاكية- وكَتَبَ الكثير، وخَطُّه مليح. [فصل: وفيها تُوفِّي ابن الهَبَّارية البغدادي، واسمه] (٢):

стр. 9534

محمد بن علي، وقيل: محمد بن محمد بن صالح (١) أبو يعلى، العَبَّاسي، ابن الهَبَّارية، الشَّاعر البغدادي، كان فيه إقدامٌ بالهَجْو على أرباب المناصب، [فحكى أبو المعالي الكتبي في كتاب "زينة الدهر في فضلاء أهل العصر" أنَّ ابنَ الهبارية] (٢)، خَرَجَ مِنْ بغداد، وقدِمَ أصبهان، وبها السُّلْطان مَلِك شاه [ابن ألب رسلان] (٢)، ووزيره نظامُ المُلْك، فدَخَلَ على النِّظام، ومعه رُقْعتان رُقْعة فيها هَجْوه، والأُخرى مَدْحُه، فأعطاه التي فيها هجوه، [فقرأها النِّظام، فإذا فيها هذه الأبيات] (٣): [من مجزوء الكامل] لا غَرْوَ إنْ مَلَكَ ابن إسـ … ـحاقٍ وساعده القَدَرْ وصفَا لدَوْلَتِهِ وخَصَّ (م) … أبا المحاسنِ بالكَدَرْ فالدَّهْرُ كالدُّولابِ ليـ … ـس يدورُ إلَّا بالبَقَرْ يعني بَقَرطُوس. فكتَبَ النِّظامُ على رأسها: يطلق لدى القواد رسمه مضاعفًا. وأبو المحاسن صِهْرُ نظام المُلْك، ويقال له: أبو الغنائم، وكان بينه وبين النظام منافرة، وكان ابنُ الهَبَّارية يميلُ إلى أبي المحاسن، فَنَقَمَ عليه النِّظامُ بهذا السبب. [وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وقال، (٤): إنَّ أبا الغنائم يلقَّب بتاج المُلْك وهو ابن دارست، قال لابنِ الهَبَّارية: اهجُ النِّظام. فقال: كيف أهجوه، وهو مُنعِمٌ عليَّ؟ -فَحمَلَه على أن سأله شيئًا يَصعُبُ إجابته [إليه] (٥)، فسأله فمنعه، فَعَمِلَ هذه الأبيات، فلما وَصَلَتْ إلى النّظام، قال: جَعَلَني من بقرطوس. ثم استدعاه، وخَلَعَ عليه، وأعطاه خمس مئة دينار. فقال [ابن الهبَّارية] (٢) لتاجِ المُلْك: ألم أقل لك إني ما أهجوه، وهذا فِعْلُه في حَقِّي؟ (٦).

стр. 9535

ويقال: إنَّ سبَبَ غَضَبِ نظامِ الملك على ابن الهَبَّارِيَّة قولُه، وكتب بها إليه: [من الوافر] أَيَجمُلُ يا نظامَ المُلْك أنِّي … أُعاودُ مِنْ حِماكَ كما قَدِمْتُ وأصدُرُ عن حِياضِك وَهْيَ نَهْبٌ … بأفواهِ السّقاةِ وما وَرَدتُ يدلُّ على فِعالِكَ سوءُ حالي … ويَنْطِقُ عن مقالي إنْ كَتَمتُ إذا اسْتُخْبِرْتُ ماذا نِلتَ منه … وقد عَمَّ الوفودَ ندًى سَكَتّ وما في الوافدينَ عليكَ شَخصٌ … يَمُتّ من الولاء كما أَمُتُّ هُمُ دُوْني إذا اخْتُبِروا جميعًا … فلمْ بالدّونِ دُونَهُم خُصِصتُ ولي أَصل وفَضْلٌ غيرُخافٍ … ولكنْ ما لفَضْلٍ منكَ بَخْتُ إذا ما ضُعْتُ عند بني جَهِيرٍ … وعندك مَعْ سَمَاحِكَ وامتُهِنْتُ فأينَ الفَرْقُ بَينَكُمُ وماذا … ببُعدي عن ديارِهُم اسْتَفَدْتُ وها أنا ساكِتٌ فإنِ اصطلَحْنا … وإلَّا خانَني صبري وقلْتُ وبلغ النِّظام، فأَهْدَرَ دَمَه. [وقال عُبيد الله بن علي المعروف بابن المارَسْتانية في "ذيل تاريخ بغداد": لما أهْدَرَ نظامُ الملك دَمَ ابن الهبارية] (١) استجار بصَدْر الدِّين محمد الخُجَنْدي، وكان يمضي في كل يوم [اثنين] (٢) إلى دار النِّظام بأَصبهان ومعه الفقهاء للمناظرة. فقال لابنِ الهبارية: ادخلْ معنا في جُمْلة الفقهاء متنكّرًا، فإذا فَرَغَتِ المناظرة، فَقُمْ في المجلس مستغفرًا. فَفَعلَ، فقال الخُجَنْدي: قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] وقال: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠]، والخادمُ يسأل العفو عن الشَّريف بقَبُول شفاعتِه خاصَّة وشفاعة الفقهاءِ عامَّة، فقال النِّظام ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثم أذِنَ له في الإنشاد، فقام، وقال: [من المتقارب] لعِزَّة أَمْرِكَ دارَ الفَلَكْ … حَنَانَيكَ فالأَمْرُ والنَّهيُ لكْ فقال النِّظامُ: كَذَبْتَ، ذاك اللهُ تعالى: فقال:

стр. 9536

رَفَعْتَ الشَّريعةَ بعد الخمولِ … فلو تستطيغ لباسَتْ يَدَكْ ولو كنتَ في زَمَنِ المُصطفَى … لنَصَّ عليكَ وما أَهْمَلَكْ ولو رَدَّ موسى إليكَ الأمورَ … رَدَدْتَ على السامِرِي ما أَفَكْ فلمْ يختَلِفْ قَوْمهُ بعده … ولا قِيلَ إذ جاء: ما أَعْجَلَكْ وكم نعمةٍ لك عند الجلا … لِ (١) ليس بكافرِها إنْ نَسَكْ ألم تكُ رَبيتَهُ مُرْضَعا … وقدْتَ له الجيشَ حتَّى مَلَكْ ورَبُّك ولَّاكَ لا غيرُهُ … فَمَنْ ذا يحاول أنْ يَعْزِلَكْ وقال العماد الكاتب: كان ابنُ الهَبَّارِيَّة من شُعَراء نظام الملك، غَلَبَ على شِعْره الهجاءُ والهَزْلُ والسُّخْف، وسَبَك في قالب ابنِ الحَجَّاج (٢)، وفاقه في الخلاعة والمجون، والنَّظيف من شِعْره [في] (٣) غايةِ الحُسْن. ومن شِعْره: [من الكامل] وإذا البياذِقُ في الدُّسُوتِ تَفَرْزَنَتْ … فالرأيُ أنْ تَتبيذَقَ الفِرْزانُ (٤) وإذا النُفوسُ مع الدنوِّ تباعدتْ … فالحَزْمُ أن تتباعد الأبدانُ خُذْ جملةَ البَلْوى ودَعْ تَفْصِيلَها … ما في البَرِيَّةِ كلِّها إنسانُ (٥) وقال في نظام الملك: [من الكامل] وإذا سَخِطْتُ على القوافي صُغْتُها … في غيرِه لأُذِلَّها وأُهينَها وإذا رضيتُ نَظَمْتُها لجلالِهِ … كيما أشَرِّفَها به وأَزِينَها (٦)

стр. 9537

وقال [في] (١) ابن جَهِير لما اسْتُوزِرَ ثانيًا بسبب مصاهرتِهِ لنظام الملك [على] (١) ابنته: [من البسيط] قُلْ للوزيرِ ولا تُفْزِعْكَ هَيبتُهُ … وإنْ تَعَاظَمَ واسْتولى لِمَنْصبهِ لولا ابنةُ الشيخِ ما استُوزِرْتَ ثانيةً … فاشكُرْ حِرًا صرتَ مولانا الوزيرَ بِهِ (٢) وقال: [من مجزوء الكامل] قد قلتُ للشيخ الرَّئِيـ … ـس أخي السَّماح أبي المُظَفَّرْ ذكِّرْ مُعين المُلْك بي … قال المؤنَّثُ ما يُذَكَّرْ (٣) وقال [في ابن جَهِير هذه الأبيات] (٤): [من الطويل] ولو أنَّني استمدَدْتُ من ماءِ مُقْلتي … لجاءَتْك كُتْبي وهي حُمْرٌ سطُورُها وكيف تلامُ العَينُ إن قَطَرَتْ دمًا … وقد غابَ عنها نورُها وسُرورُها (٥) وقال: [من الكامل] أهدى لنا نَفَسُ الصَّبا أنفاسَكُمْ … سَحَرًا فقلتُ عسى الصَّبا عَطَّارُ وتمايلتْ للسُّكْرِ باناتُ الحِمى … حتَّى كَأنَّ نسيمَهُ خَمَّارُ (٦) [قلتُ] (٧): وكان ابنُ الهَبَّارية من الفُضَلاء، وله كتابٌ سَمَّاه: "فلك المعاني" جمع فيه [أخبارًا و] (٧) طُرَفًا، فمنه لبعضهم: [من المنسرح] أعْتَقَني سوءُ ما صَنعْتَ من الرِّ … قِّ فيا بَرْدَها على كَبِدِي فصرتُ عبدًا للسُّوءِ منكَ وما … أحسنَ قَبْلي سُوءٌ إلى أَحَدِ قال: وقال رجلٌ لابنِ عباس: سَلِ الله أن يغنيني عنِ النَّاس، فقال: إنَّ الله لا يغني [الناس] (٧) عن الناس، ولكن ادعُ الله أَنْ يُغنيك عن لئام النَّاس.

стр. 9538

قال: وقال الشَّريف بن البَيَّاضي: [من الكامل] ليس الشَّريف من الشِّرافُ جُدُودُه … مَنْ نَفْسُهُ شَرُفَتْ فذاكَ شريفُ وقال [آخر] (١): [من البسيط] قالوا حَبِيبُك مِمْراضٌ فقلتُ لهم … نفسي الفداءُ له مِنْ كلِّ محذورِ يا ليتَ عِلَّتَه بي غَيرَ أَنَّ له … أجرَ المريضِ وأني غيرُ مأجورِ وقال جَحْظة: [من الكامل] يا مَنْ بَعُدتُ عن الكرى لِبعادِهِ … والصبرُ مُذْ غُيِّبْتَ عنيَ غائبُ أصبحتُ أجْحَدُ أنَّني لكَ عاشِقٌ … والعَينُ مُخْبِرَةٌ بأنِّيَ كاذِبُ وقال: حَجَّ الكافي أبو الفَضْل زيدُ بنُ الحسين، فلما عاد، قال: [من الكامل] يا رَبِّ أيُّ فضيلة في مكَّةٍ … حتى فَرَضتَ على عبادِك بِرها ألِخصبها أحَببْتَها ألِطيبها … اخْتَرْتَها أَمْ ليسَ تَعْرِفُ حَرَّها (٢) قال: وقال الرشيد لجعفر: اعزلْ أخاكَ الفَضْل عن الخاتم عَزلًا لطيفًا. فكتب إلى الفَضْل: إنَّ أَمير المؤمنين قد رأى أن ينقلَ خاتمَ الخلافة من يمينك إلى يسارك. فكتبَ إليه الفَضْلُ: ما انتقلت عني نعمة صارتْ إليك. قال: وقال أبو العلاء المَعَرِّي: [من الوافر] أرى جِيلَ التَّصوفِ شَرَّ جِيلٍ … لقد جِئْتُمْ بشيءٍ مُسْتحيلِ أقال اللهُ حينَ عَشِقْتُموه … كُلُوا أَكْلَ البهائمِ وارْقُصوا لي! قال: وقال المُبَرِّد: حاجِبُ المَلكِ نِصفُه، وكاتِبُه كله. قال: وقال عليٌّ ﵇ لبعض الحَرورِيَّة: نومٌ على يقين خيرٌ من صلاةٍ على شَك. قال: وكان المنصور يتعرف أخبار العُمَّال وظُلمهم من السَّواد، فيسأل عن البيض والدجاج، ويستدل بكثرته على العدل، وبقِلَّته على الظُّلْم.

стр. 9539

وقال: كان الأمينُ يُعَيِّر المأمونَ بأمِّه مراجل، وأنها أَمَةٌ، ويفتخر بأمُّه زُبيدة، فكتَبَ إليه المأمون: [من البسيط] النَّاس من جهةِ الأمثالِ (١) أكْفاءُ … أبوهُمُ آدمٌ والأُمُّ حواءُ فإنْ يكنْ لهُمُ مِنْ أصلِهِمْ نَسَبٌ … يفاخرون به فالطِّينُ والماءُ ورُبَّ مُعْرِبةٍ (٢) ليست بمنجبةٍ … وربَّما أنجبتْ للفَحْلِ عَجماءُ وإنَّما أمهاتُ النَّاس أوعيةٌ … مُسْتَودَعاتٌ وللأحسابِ آباءُ وقال: قال سعيد بنُ العاص لبنيه: يا بَنِيَّ، لم أَظْلِمْكُم في أُمهاتكم فلا تظلموا أبناءكم في أُمهاتهم، فيعيرونهن، فإنَّ فسادَ مَن فَسَدَ لعِرْقِ سوءٍ من أُمِّ سوءٍ، وما أنجبت دَنِيَّةٌ، ولا أخلفت سُرِّيَّة، وكلّ وعاءٍ يَرُدّ إليك ما أوَدَعْتَه إلا الأرحام، فإنَّها تحيل المياه. وقال [عبد الله بن المبارك] (٣): [من مجزوء الرمل] قد أَرَحْنا واسْتَرَحنا … مِنْ غُدُو ورواحِ واتِّصالٍ بأميرٍ … ووزيرٍ ذي سَمَاحِ بعَفافٍ وكَفَافٍ … وقنُوعٍ وصلاحِ وجَعَلْنا اليأسَ مِفْتا … حًا لأبوابِ النَّجاحِ وقال ابنُ المعتز: [من المتقارب] وإنْ فُرْصةٌ أمكَنَتْ في العدوّ … فلا تبد فِعْلَك إلَّا بها فإنْ أنتَ لم تَأتِها مُسْرعًا … أتاك عدوُّك مِنْ بابها وقال آخر: [من الطويل] وماذا عسى الواشون أن يتحدَّثُوا … سوى أَنْ يقولوا: إنَّني لك عاشِقُ نَعْم صدق الواشون أنتِ حبيبةٌ … إليّ وإن لم تصفُ منك خلائقُ وقال أبو نواس: [من السريع]

стр. 9540

ما حَطَّك الواشونَ عن رُتْبةٍ … عندي ولا ضَرَّكَ مُغْتابُ كأنَّما أثنوا ولم يعلموا … عليك عندي بالذي عابوا وكانت وفاة ابنِ الهَبارية بكَرْمان في هذه السنة، [وقال العماد الكاتب: في] (١) سنة أربعٍ وخمس مئة (٢)، والأَوَّل أصح. [وابن الهباربة هو الذي رثى الحسين ﵇] (٣). هبة الله (٤) بنُ المبارك بن موسى بن علي (٥) أبو البركات السَّقَطي. سافر إلى الأمصار في طلب الحديث، وجَمَع وأرَّخَ، وكان له معرفةٌ باللغة، وتَعِبَ في جَمْع الحديث، لكنَّه أفسدَ ذلك بأن ادعى سماعًا ممن لم يره، منهم أبو محمد الجوهري، فإنَّه لا يحمل سِنُّه السماعَ منه، وسُئل ابنُ ناصر عنه، فقيل له: أثقة هو؟ [فقال] (٦): لا والله، حدث بواسط عن شيوخ لم يرهم، فظهر كَذِبُهُ عندهم. توفي في ربيع الأول، وصلى عليه أبو الخَطَّاب الكَلْوذَاني، ودُفِنَ عند قبر منصور بن عمار بباب حَرْب. قال المصنف ﵀: وهذا السقطي احتجَّ به الخطيب في مواضع في مثالب العلماء، ولم يبينْ ضعفَه.

стр. 9541

السنة العاشرة وخمس مئة [وفيها ولد جَدِّي ﵀ على وجه الاستنباط لا على وجه التحقيق. و] (١) فيها احترقت بغداد من الجانب الشرقي حريقًا لم يُرَ مِثلُه بحيث أكلتِ النار جذوعَ النَّخل، ودور الخليفة والنِّظامية، وسَلِمَتِ الكتب. واحترقت الدور الشاطئية ورباط بِهْروز وغيره، وكان في ذلك عبرةٌ وموعظة (٢). وأقام السلْطان محمد ببغداد هذه الصَّيفية، وكان من عادته أن يصيّف بهَمَذان، ثم رحل إلى هَمَذَان، وبعثَ للخليفة من النَّهروان خَيلًا وطِيبًا، وطلب من [الخليفة شيئًا من] ملبوسه ومصحفًا ولواء، فَبَعَث بذلك إليه (٣). قال ابنُ القلانسي: وفيها وَرَدَ الخبر بأنَّ بدران بن صنجيل (٤) صاحب طرابُلُس قد جمع [وحشد] (١) ونهض إلى ناحية البِقاع، وكان سيف الدِّين [آق] (٥) سُنْقُر البُرْسُقي صاحب المَوْصِل قد وَصَلَ دمشق في بعض عسكره لمعونة طغتِكِين [فالتقاه وسُرَّ به] (١)، واتفقا على تَبييت الفرنج ليلًا، فأغذَّا السير [ليلًا ونهارًا] (١) حتى هجموا على خيامهم وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيف قَتْلًا وأسرًا، وهَرَب بدران، وغَنِمَ المسلمون خيولهم، وسلاحهم وأموالهم، وعادا إلى دمشق، وتوجَّه البُرْسُقي إلى بلده بعد استحكامِ المودة بينه وبينَ أتابك (٦).

стр. 9542

وفيها قُتِلَ لؤلؤ الذي قتَلَ ألب أرسلان بن رِضوان بحلب، كان قد استولى [على الحاشية] (١)، وشرع في قتل غِلْمان أُستاذه، فاتفقوا [على قتله، فقتلوه، وهذا قول ابن القلانسي] (٢) والصحيح أنه قُتِلَ في السنة الآتية. وحج بالنَّاس أَمير الجيوش الحَبَشي المُسْتَظْهري، ودَخَل مكَةَ وعلى رأسه الأعلامُ، وخلفه الكُوسات والبُوقات، والسيوفُ في رِكابه، وإنما قَصَدَ إذلال أَمير مكَّة والسُّودان. [قلتُ: وقد أنكرَ عليه ابنُ عقيل هذا الحال، فقال: حكى لي أَمير الجيوش أنَّه دخل إلى مكَّة على الوجه المذكور ليَذِلَّ أَمير مكَّة والسودان، قال ابن عقيل: حكاه لي متبجِّحًا بذلك، ذاهلًا عن حُرْمة المكان، فقلتُ في نفسي: أَمَا كان مع هذا الحَبَشي من ينبِّهه على حرمة المكان؟ فإنَّ ناقة رسولِ الله ﷺ لما خَلأَتْ، قال رسولُ الله ﷺ : "حَبَسَها حابِسُ الفِيل" (٣)، فلما أعطاهم ما أرادوا أُطْلقت، وقد صِينَ المسجدُ عن إنشاد الضَّالَّة حتى قيل لطالبها: لا وَجَدْتَ (٤)، فكيف يجيء هذا الحبشيُّ بدبادبه، فيدخلها معظمًا لنفسه! قلتُ: لا وَجه لإنكار ابنِ عقيل، لأنَّ النَّهي إنَّما هو عن دخولها محاربًا، هاتكًا لحرمة البيت والحَرَم، وهذا الحبشيُّ إنما دَخَلَها معظِّمًا، لأنَّ أميرها والسودان كانوا عصاةً على بني العَبَّاس، لا يَرَون إمامتهم، ويخطبون لغيرهم، فَقَصد بذلك الطَّاعة، والإذعان لا الهوان والعصيان، وليس في الحكاية أنَّه دَخَلَ المسجد الحرام الذي فيه كعبةُ الإجلال والإعظام، وإنما دَخَلَ البلد على ذلك الوَصف الذي فيه إرهابُ الخاصّ والعام.

стр. 9543

فصل وفيها: توفي إبراهيم بن أحمد، أبو الفَضْل المُخَرَّمي (١) سمع الحديث ورواه، وكان رجلًا صالحًا، نَزَلَ إلى دِجْلة ليتوضَّأ، فَزَلَّتْ قَدَمُه، فَغَرِقَ، فَحُمِلَ إلى بيته فماتَ، ودُفِنَ بباب حَرْب في ربيع الآخر. سمع أبا محمد الصريفيني وغيره، وروى عنه أشياخ أشياخنا. وقال أبو الفَضْل بن ناصر: كان شيخا مستورًا، كثير تلاوةِ القرآن، محافظًا على الجماعات، وحَضَرْتُ غسله، فرأيت النورَ على وجهه، فقبَّلتُ بين عينيه] (٢). وفيها توفي عَقِيل بنُ علي [بن عقيل] (٣) بن محمد بن عقيل (٤) أبو الحسن [بن أبي الوفاء] (٣) الحنبلي. ولد في رمضان سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، [وتفقَّه] (٣)، وقرأ القرآن وسَمِعَ الحديث، وشَهِدَ عند قاضي القُضَاة أبي عبد الله الدَّامَغَاني، وتوفي في منتصف مُحَرَّم عن تسعٍ وعشرين سنة، ودُفِنَ بالظفرية في دار أبيه، فلما مات أبوه نُقِلَ فدفن في دِكَّة الإمام أحمد رحمة الله عليه. وظهر من أبيه صبرٌ جميل؛ دَخَلَ عليه بعضُ أصحابه وهو مسجًى، وعلي والِدُهُ يروِّحه [بمروحةٍ] (٣) بعد موته، فكأنَّه أحَسَّ من الدَّاخل بإنكارِ ذلك، فقال [له] (٥): يا هذا، إنها جُثةٌ عليَّ كريمة، فما دامتْ بين يديَّ لم تَطِبْ نفسي إلا بتعاهدها، فإذا غابتْ عَنِّي فهي في استرعاءِ مَنْ هو خيرٌ لها مني. [قلتُ: وهذا يحملُ على غَلَبَةِ الحُزن والشَّفقة، وإلا فأيُّ فائدةٍ في ترويح الميت] (٢).

стр. 9544

ولما أرادوا غَسْله خَرَجَ أبوه إلى المسجد، فجلَسَ وعنده النّاس، فقرأ قارئ: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨] فَضَج النَّاس بالبكاء، فقال له ابنُ عَقِيل: إنْ كان قَصدُك بهذا تهييج الأحزانِ فهو نياحة، والقرآن ما نَزَل للنياحة، وإنما نزل لتسكين الأحزان. فسكت القارئ، [وإنما قصد ترقيق القلوب، فيبكي كل من حضر، لأن كل واحدٍ لا يخلو من شَجَن، فإذا وقع التَّساوي في البكاء حَسُنَ التأسي. وفيه أيضًا تخجيل للقارئ وتبكيته، وليس ذلك من مكارم الأخلاق، ولا من باب التودُّد، وفي الجملة فالجَزَعُ أحسنُ من هذا التَّجلُّد، وقد بكى النبي ﷺ عند موت ولده إبراهيم .. الحديث] (١) (٢). وكان لابن عقيل ولد آخر كُنْيتُه أبو منصور، مات سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وحَزِنَ عليه. قال: فتعزَّيتُ عنه بقِصَّة عمرو بن عبد وَدّ [العامريّ] (١) الذي قتله عليّ ﵇ يوم الخندق، فقالت أخته [ترثيه] (١) [من البسيط] لو كان قاتِلُ عمرو غَيرَ قاتلِهِ … لطَال حُزني عليه آخِرَ الأبَدِ لكنَّ قاتِلَه مَن لا يُقادُ به … مَنْ كان يُدْعى أبوه بيضَةَ البَلَدِ (٣) قال: فقلتُ سبحان الله! [من الطويل] كَذَبْتُ وبَيتِ الله لو كنتُ صادقًا … لما سَبَقَتْني بالبكاءِ الحمائِمُ وذلك لأن أُخت عمرو سَلَّاها وعَزَّاها جلالةُ القاتل، والافتخار بأَنَّ أخاها مقتولُه، فهلَّا نَظَرْتُ إلى قاتِلِ ولدي، وهو الأبَديُّ القديم، فهانَ عليَّ الأمر (٤).

стр. 9545

محمدُ بنُ عليٍّ بن ميمون (١) أبو الغنائم، ابنُ النَّرْسي، الكوفي. محدِّث مشهورٌ، ويعرف بأُبيّ؛ لأنَّه كان جَيدَ القراءة [في أول زمانه، فلقبوه أُبيًّا] (٢). ولد سنة أربع وعشرين وأربع مئة في شَوَّال، وسَمِعَ الحديث الكثير، وسافَرَ إلى الشَّام والسَّواحل، وخُتِمَ به عِلْمُ الحديث بالكوفة، وكان يقول: توفي بالكوفة ثلاث مئة وثلاثةَ عشرة من الصَّحابة لا يُعرْف قَبْرُ أحدٍ منهم إلا قبر علي ﵇. وقال محمد بن ناصر: ما رأيتُ مثل أبي الغنائم ابن النَّرْسي في ثِقَتِهِ وحِفْظه، ما كان أحد يقدر أن يُدْخِلَ في حديثه ما ليس منه، [وكان] (٣) من قُوَّام اللَّيل، مَرِضَ ببغداد، فانحدر إلى الكوفة، فمات بحِلَّة ابنِ مَزْيَد يوم السَّبت سادس عشرة شعبان، فحمل إلى الكُوفة [فدفن بها. وقال محمد بن عبد الباقي البزَّاز: ما كان بالكوفة] (٣) من أهل السنَّة والحديث سواه [سمع ببغداد أبا محمد الجَوْهَرِي، والتَّنوخي والعُشَاري وغيرهم، وقرأ القرآن بالرِّوايات فبرع فيه، ورحل إلى الشام والقدس، فروى عنه الفقيه نَصر وهو من شيوخه] (٢)، وكان فاضلًا ثِقَةً، عاش سِتًّا وثمانين سنة مُمَتَّعًا بجوارحه. محفوظ بن أحمد بن الحسن (٤) أبو الخَطَّاب الكَلْوَذَاني (٥)، الحَنْبلي.

стр. 9546

ولد في شوال سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وتفقَّه على القاضي أبي يعلى بن الفراء، وسَمِعَ الحديث وحدَّث، وأفتى ودَرَّسَ، وصنف "الهداية" وغيرها، وشَهِدَ عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدَّامَغَاني، وكان [عاقلًا] (١) فاضلًا شاعرًا، وله قصيد من جِنْسِ العقيدة، أوَّلُها: [من الكامل] دَعْ عنك تَذْكارَ الخليطِ المُنْجِدِ … والشوقَ نحو الآنساتِ الخُرَّدِ (٢) والنَّوْحَ في أطلال سُعدى إنما … تَذْكارُ سُعدى شُغْلُ مَنْ لم يُسْعَدِ واسْمَعْ مقالي إنْ أردتَ تخلُّصًا … يومَ الحسابِ وخُذْ بهديي تَهْتَدِي قالوا بِمَ عَرَف المكلَّفُ رَبَّهُ؟ … فأجبتُ بالنَّظر الصحِيحِ المُرْشِدِ قالوا فهل رَبُّ الخلائقِ واحد؟ … قلتُ الكمالُ لربنا المُتَفَرِّدِ قالوا فهل لله عندك مُشْبِهٌ؟ … قلتُ المُشَبِّهُ في الجحيمِ المُوْصَدِ قالوا فهل تَصِفُ الإلهَ، أَبِنْ لنا؟ … قلت الصفاتُ لذي الجلالِ السرْمدي قالوا فهل تلك الصِّفاتُ قديمة … كالذَّاتِ؟ قلتُ كذاكَ لم تتجدَّدِ قالوا فأنتَ تراه جِسْمًا، قُلْ لنا؟ … قلتُ المُجَسمُ عندنا كالمُلْحِدِ قالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ … فأجبت بل في العُلْو مذهبُ أحمدِ (٣) قالوا أتزعُمُ أنْ على العَرْشِ اسْتوى؟ … قلتُ الصَّوابُ كذاك خَبَّرَ (٤) سيدي قالوا فما معنى اسْتِوَاه، أبِنْ لنا؟ … فأجَبْتُهُمْ هذا سؤالُ المُعْتدي قالوا النُّزولُ؟ فقلتُ ناقِلُهُ لنا (٥) … قَوم تَمَسُّكُهُمْ بشَرْعِ محمَّدِ قالوا فكيفَ نزولُهُ؟ فأجَبْتُهُمْ … لم يُنْقَلِ التكييفُ لي في مُسْنَدِ قالوا فَيُنْظَرُ بالعيونِ، أَبِنْ لنا … فأجَبْتُ رُؤيَتُهُ لمنْ هو مُهْتَدِي قالوا فهل لله عِلْمٌ؟ قلتُ ما … مِنْ عالِمٍ إلا بعِلْم مُرْتدي قالوا فيوصَفُ بالكلامِ، أبِنْ لنا … قلتُ السكوتُ نقيصةُ المتوحِّدِ

стр. 9547

قالوا فما القرآنُ؟ قلتُ كلامُهُ … مِنْ غَيْرِ ما حَدَثٍ وغَيْرِ تجدُّدِ قالوا الذي نتلوه؟ قلتُ كلامُهُ … لا رَيْبَ فيهِ عند كلِّ مُسَدَّدِ قالوا فأفعالُ العبادِ؟ فقلتُ ما … من خالقٍ غيرُ الإله الأمجدِ قالوا فهل فِعْلُ القبيح مُرَادُهُ … قلتُ الإرادة كلُّها للسيِّدِ من أبيات طويلة (١). [ومما يعزى إلى أبي الخطَّاب أنه] (٢) بات ليلةً بجامعِ المنصور، فسمع بومًا تصيح طول الليل [فقال]: [من البسيط] يا بومةَ القُبَّةِ الخَضراءِ قد أَنِسَتْ … رُوحي بروحك إذْ تُسْتَبْشَعُ البُومُ زهِدْتِ في زُخْرُفِ الدُّنْيا فأسْكَنَكِ [الزُّ … هدُ] (٢) الخرابَ فمنْ يَذْمُمْك مَذْمومُ (٣) ويا مثيرةَ أَحْزاني بأنَّتِها … حاشاك ما بكِ تشويهٌ ولا شُومُ وقد هَوَيتُك من بين الطُّيورِ فَمَنْ … يَلُومني بَعد هذا لَومُهُ لُوْمُ (٤) وكُتِبَ إليه فتوى: [من البسيط] قُلْ للإمام أبي الخَطَّابِ مسألةً … جاءتْ إليكَ وما شخصٌ سواكَ لها ماذا على رجلٍ رامَ الصَّلاةَ فإذْ … لاحَتْ لناظرِهِ ذاتُ الجمالِ لَها (٥) (٦) فكَتَبَ في الجواب: [من البسيط] قُلْ للأديبِ الذي وافى بمسألةٍ … سَرَّتْ فؤادي لَمَّا أنْ أصَخْتُ لها إنَّ الذي فَتَنَتْهُ عن عبادتِهِ … خريدةٌ ذاتُ حُسْنٍ فانثنى وَلها (٧) إن تابَ ثُمَّ قَضى عنهُ عِبادتَهُ … فرحمةُ الله تغشى مَنْ عصى وَلَها (٨) (٩)

стр. 9548

[وأنشد السَّمْعاني لأبي الخَطَّاب] (١): [من الوافر] لئنْ جارَ الزَّمانُ عليَّ حتَّى … رماني منه في ضَنْكِ وضِيْقِ فإنِّي قد خَبَرْتُ له صروفًا … عَرَفْتُ بها عدوِّي مِنْ صديقي (٢) [وكانت وفاة أبي الخطاب في جُمادى الآخرة، وصلَّى عليه ابنُ الفاعوس بجامع القصر، وصلى عليه أيضًا بجامع المنصور] (٣)، ودُفن في دكة الإمام أحمد - رحمة الله عليه - إلى جانب أبي محمد التميمي. سمع [شيخه القاضي أبا يعلى بن الفَرَّاء، وأبا محمد الجوهري والعُشاري] (٤)، وابن المسلمة وغيرهم، وكان فاضلًا وَرِعًا صَدُوقًا ثِقَةً. السَّنة الحادية عشر وخمس مئة فيها زُلْزِلَتْ بغداد يوم عرفة زَلْزَلَةً ارتجَّتْ لها الدُّنْيا، فكانتِ الحيطان تذهب وتجيء، ووقعت الدُّور على أهلها، فماتَ خَلْقٌ كثير، ثم كان عَقِبها موتُ السُّلْطان محمد، ثُمَّ الخليفة المستظهر في السنة الآتية، ولؤلؤ صاحب حلب. وحارَبَ دُبَيْس بنُ مَزْيَد المُسْتَرشِدَ، وغلتِ الأسعار حتى بَلَغ الكُرُّ (٥) ثلاثَ مئة دينار، وفُقِدَ أصلًا، وماتَ النَّاس جوعًا، وأكلوا الكلاب والسَّنانير [وجرى بالعراق ما لم يأت تفاصيله] (٦)، وجاء سَيْلٌ عظيم فأخْرَبَ سِنْجار (٧). وفيها خرج آق سُنْقُر البُرْسُقي من الرَّحْبة، فأتى حلب، وبها يارقتاش الخادم بعد لؤلؤ، فنزل [البُرْسُقي] (٦) عليها فلم يظفر بطائل، وعاد إلى المَوْصِل (٨).

стр. 9549

وفيها هجمتِ الفرنجُ على رَبَضِ حماة في ليلة خُسُوف القمر، وقتلوا مِنْ أَهْلها نحوًا من مئة وعشرين رجلًا (١). وفيها وصل [الأَمير نجم الدين] (٢) إيل غاري بن أرتق إلى حلب في عَسْكره، وتولَّى تدبير أمرها مُدَّة شهر، وفَسَدَ عليه ما أراده، فَخَرَجَ منها، وبقي ولده تمرتاش حسام الدين فيها، وكان أمرها مردودٌ إلى أبي المعالي بن المِلْحي الدِّمَشْقي (٣). وفيها توفي بختيار السَّلَّار شِحْنة دمشق ونائب طُغْتِكِين، كان نَزِهًا عفيفًا، وَرِعًا عادلًا، سائسًا مُدَبرًا، صاحب عَزْمٍ وهيبة، يَنصر الضَّعيف على القويِّ، ويأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر، توفِّي في ليلةِ نصف شعبان بأمراض مختلفة، فَحَزِنَ عليه طُغْتِكين وأهلُ البلد لإحسانه إليهم، وأُقيم ولده السَّلَّار عمر في منصبه، فاقتفى آثاره (٤). [لؤلؤ] (٥) الخادم متولي قلعة حلب، مملوك رضوان، قتله مماليك سَيِّده رضوان حسدًا [له] (٥)، وكان قد خرج نحو قلعة حَعْبَر ليجتمع بالأَمير سالم بن مالك، فلمَّا وَصَلَ قُليعة نادر، قال له بعضُ غِلْمانه: أرى جماعة المماليك قد تَشَوَّشوا وأنا خائِفٌ عليك، فاحْتَرِزْ، فلم يلتفت، فصاحوا: أرنب، أرنب. وأوهموا الباقين ورموا بالنُّشَّاب، وقصَدَه واحِدٌ بسهم، فَقَتَلَه، ونهبوا خزانته وهربوا، وكان أرقطاش الأرمني نائبه بقلعة حلب، فكاتَبَ الفرنج، وأعطاهم حِصن القُبَّة (٦)، فكره الأمراءُ ذلك، وكاتبوا إيل غازي بن أرتُق، فجاء من مارِدِين، ففتحوا له بابَ البلد، واختلفوا فيه، قال قوم: لم يستقمْ له حالٌ، وقال آخرون: أعطى أرقطاش إقطاعًا، وأنزله من القلعة، وملكها (٧).

стр. 9550

محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نَبْهان (١) أبو علي الكاتب، سِبْطُ هلال بن المُحَسِّن الصَّابئ. ولد سنة إحدى عشرة وأربع مئة، وتوفي في شَوَّال، ودُفِنَ بداره بالكرخ، وكان فاضلًا فصيحًا، شاعرًا، يتشيَّع، وتغيَّر في آخر عُمُره. ومن شِعْره: [من السريع] لي أَجَلٌ قدَّرَهُ خالقي … نَعَمْ ورِزْقي أَتَوَفَّاهُ حتى إذا استوفيتُ منه الذي … قُدِّرَ لي لم أتعدَّاهُ وقال مَنْ قد كنتُ ألقاه … في مجلسٍ قد كنتُ أغشاهُ صار ابنُ نَبْهانَ إلى رَبِّه … يَرْحَمُني اللهُ وإيَّاهُ (٢) [وفيها توفي السُّلطْان] (٣) محمد شاه بن ملك شاه (٤) ابن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سَلْجوق. قد ذكرنا سيرتَه وعدله وهيبته في السِّنين، وأنه خَرَجَ في السنة الماضية إلى أصبهان، فَمَرِض مرضًا طالَ به، وتوفِّي في الحادي عشر من ذي الحِجَّة، وعمره سبعٌ وثلاثون سنة، ومُدَّةُ ملكه بعد وفاةِ أخيه بَرْكْيارُوق اثنتا عشرة سنة، وكان له خمسة أولاد: مسعود، ومحمود، وطُغْريل، وسليمان، وسَلْجوق، وكلُّهم خُوطب بالسَّلْطنة سوى سَلْجوق، وقام بالأمر بعده ولده محمود، وكان محمد قد خلَّف من المال [عشرة آلاف] (٥) ألف دينار وأكثر، ففرَّقها محمود في العساكر سوى العَروض (٦) والخيل والأمتعة ونحوِها.

стр. 9551

[فصل: وفيها توفي] (١) يُمْنُ بنُ عبد الله (٢) الخادم، أبو الخير الحَبَشي الجيوشي [المُسْتَظْهري] (١). خادم المستظهر الخاص، كان مهيبًا، جَوَادًا، حَسَنَ التَّدْبير، ذا رأي وفِطْنة، تقلَّبتْ به الأمور حتى صار سفيرًا بين الخليفة والسُّلْطان، وبُعِثَ أَمير الحاجِّ في السَّنة الماضية [ودخل مكة وبين يديه الطُّبول والبوقات، وقد ذكرنا ذلك وإنكار ابنِ عقيل عليه] (٣)، وتوفي بأصبهان؛ قَدِمَها رسولًا، أسمع أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النِّعالي، وحدَّث عنه بأصبهان] (١)، وكان أمينًا ثِقَةً، صدوقًا. السَّنة الثَّانية عشر وخمس مئة فيها في يوم الجمعة ثالث عشرين مُحَرَّم، خُطِبَ ببغداد لمحمود بن محمد شاه على المنابر. وفي ربيع الآخر احترقت بغدادُ من الجانب الشَّرْفي حريقًا أتى على مُعْظم أسواقها، ودُورها [وخاناتها] (١) وحمَّاماتها، ولم يبق منها إلا شيءٌ يسير. ومات المستظهر في هذا الشَّهر.

стр. 9552

الباب التَّاسع والعشرون في خلافة المسترشد بالله الفَضْل بن أحمد المستظهر، وكُنْيتُه أبو منصور، وُلد ليلة الأربعاء رابع ربيع الأول سنة أربعٍ وثمانين وأربع مئة، وقيل: سنة خمس - أو سِتٍّ - وثمانين، وأُمُّه لُبابة - ويقال لها طُرْفة - أُم وَلَد، وبويع بالخلافة يوم الخميس الرَّابع والعشرين من ربيعِ الآخر، فبايعه إخوته، وعُمومته، والقُضَاة والفقهاء، وأربابُ الدولة، وتولَّى أخذ البيعة له قاضي القُضَاة أبو الحسن عليُّ بن محمد الدَّامَغَاني، وكان ينوبُ في الوِزَارة. ويقال: إنَّ سبعةً من أولاد الخلفاء سَلَّموا عليه بالخلافة، وكان أبوه قد نَصَّ عليه. وسِنُّه يوم بُويع ثلاثون سنة على الاختلافِ في مَوْلده. وطلب المُسترشد عليَّ بنَ عَقيل ليبايعه، فجاء، فقال: أبايعُ سَيِّدَنا ومولانا أَمير المؤمنين على كتابِ الله وسُنَّةِ نبيه [محمد] (١) ﷺ ، وسُنَّةِ الخلفاء الرَّاشدين ما أطاق واستطاع، وعلى الطَّاعة مني، فقال [المسترشد] (١): نَعمْ، وبَسَطَ يده، فقبَّلها وتركها على عينه، وقال [ابن عقيل: و] (٢) هذه زيادة على ما فعلتُ في بيعة المستظهر تعظيمًا له وحدَه من دون سائر الخلفاء لما نَشَأ عليه من الخَيْر والصَّلاح، وتَرْكِه اللَّهْوَ، وسلوكِهِ طريقَ جَدِّه القادر. وكان [المسترشد] (٢) قد قرأ القرآن، وسمع الحديث. ثم أُبرز تابوتُ المستظهر يوم البيعة بين الصَّلاتين، فَصَلَّى عليه المسترشد، وكَبَّر أربعًا، وجَلَس قاضي القُضاة بباب الفِرْدوس للعَزَاء ثلاثة أيام. وفي أيام العَزَاء نَزَلَ الأَمير أبو الحسن بن المستظهر في الليل من التَّاج، وأخَذَ معه رجلًا هاشميًا من الحُماة الذين يبيتون تحت التَّاج، ومضى إلى حِلَّة دُبَيْس بن صَدَقة، فالتقاه، وقبَّلَ الأرضَ بين يديه، وأنزله في دار الذَّهب، وخدَمه، وأكرمه، وكان كل يوم يدخل عليه، فيقبِّلُ الأرضَ بين يديه، ويستعرض حوائجه. وبعث المسترشد نقيب النُّقباء أبا القاسم علي بن طِرَاد ليأخذ البيعة على دُبَيْس، ويستعيد أخاه، فأعطى البيعة، وامتنعَ مِنْ تسليم أبي الحسن، وقال: هذا عندي

стр. 9553

ضيفٌ، ولا يمكن إكراهُه على الخروج. فدخل النَّقيبُ على أبي الحسن، وأدَّى رسالة الخليفة ومعها خَطُّ الخليفة بالأيمان على ما يجب وخاتمه ليعود، فلم يُجِبْ، فرَجَعَ. وفيها استوزَرَ الخليفةُ أبا شجاع محمد بن أبي منصور بن أبي شجاع، وكان عمره عشرين سنة، وإنما فَعَلَ ذلك لأجل أبيه وزيرِ السُّلْطان محمود، واسْتُنيب له عليُّ بن طِرَاد، فكَتَبَ الحريريُّ صاحبُ المقامات إليه: [من المتقارب] هنيئًا لك الفَخرُ فافْخَرْ هنيَّا … كما قد رُزِقْتَ مكانًا عليَّا خُلِقْتَ كآبائك الأكرمينَ … لدَسْتِ الوِزَارة كُفْوًا رَضِيَّا فَقُلِّدْتَ أعباءَها يافعًا … كما أُوتيَ الحُكمُ يحيى صبيَّا وكتب جماعةٌ إلى أبي الحسن إلى الحِلَّة بأنْ لا يُطيع، منهم صاحبُ المَخْزَن ابن الخَرَزي (١)، والقاضي ابن غَيلان (٢) وابن كَمُونة (٣)، فاستأصلهم الخليفة، وقيل: إنَّ ابن الخَرزي كان يُهين المسترشد في أيام أبيه، ولا يلتفتُ عليه، فأخذ من داره أربع مئة ألف دينار، ثم أمر الخليفةُ بقتله، فَقُتِلَ. وفيها أخذ المسترشد دارَ دُبَيْس، وأضافها إلى جامع القَصر، فكتَبَ دُبيس فتوى: ما تقول السَّادة الفُقهاء في رجلٍ اشترى دارًا، فَغَصَبها منه رجلٌ وجعلَها مسجدًا، فهل يجوز ذلك؟ وهل يلزمُ الغاصب إعادتُها إلى صاحبِها؟ فكتبَ قاضي القضاة والفقهاء: لا يجوز ذلك، ويجب رَدُّها، ولا يصح وقفُها. وبعث الفتوى، وكُتُبَ الدَّار إلى الخليفة، وأَنَّ أباه صدقة اشتراها من وكيلِ المستظهر بخمسة عشر ألف دينار، وأنْفَقَ عليها عشرة آلاف دينار، فلم يَرُدَّها عليه المسترشد. وفي رجب بَعَثَ الخليفة إلى دُبَيْس جُبَّة وفَرَجية وعِمامة وطوقًا وفرسًا بمركب ذهب، وسَيْفًا، ومنطقة، ولواء مع نقيب النُّقباء وابن السِّيْبي ونجاح. وفي ذي القعدة خَلَعَ المسترشِدُ على نَظَر (٤)، ولقَّبه أَمير الجيوش والحَرَمين، وأُعطي الأعلام والكوسات، وسار إلى الحج.

стр. 9554

وفيها خرجت والدةُ السُّلْطان محمود شاه من أصبهان إلى السُّلْطان سنجر، فلقيها ببَلْخ، وأكرمها، فقالت له: أَدْرِكْ ابنَ أخيك وإلا تَلِفَ، فإنَّ الأموالَ قد تمزَّقت، والبلادَ قد أشْرَفَتْ على الأخذ، وهو صبيٌّ وحوله من يلعب بالمُلْك. فقال لها: سَمْعًا وطاعة. وكان وزيرُ محمود ومدَبِّرُ دولته أبو القاسم (١) سيِّئ التَّدبير، ظالمًا، وكان خائفًا من مجيء سنجر إلى البلاد، فأنفق ما كان في خزائن محمد في أربعة أشهر، وباع الجواهر والأثاث [وأنفقه] (٢) في العساكر فلم يُفِدْه، وشَرَعَ سنجر في التجهيز إلى العراق، وبلغ الوزير [أبا القاسم] (٣) فكتَبَ عن لسان الأُمراء إلى سنجر: إنَّ محمودًا ابنُ أخيك وولدُك وتحت كفالتك. وبعث هدايا وألطافًا وخمسين ألف دينار، وكان ذلك خديعةً منه، فقابل سنجر الخداع بمثله، وقال: الجواب عند وصولنا إلى هَمَذَان. وكان من سوء تدبير الوزير أنه أشار على محمود بولاية دُبَيْس واسطًا والبَصرة مضافًا إلى الحِلَّة، وكان سنجر لمَّا بلغه موتُ أخيه محمد كَتَبَ إلى الخليفة، وبعث بالهدايا مع رجلٍ عاقل، فَقَرَّر أمره، وبَعَثَ الخليفةُ إليه بخِلَع السَّلْطنة الكاملة، وجَعَلَ غَزْنة وسَمَرْقَند وما وراءَ النهر مضافًا إليه. وفيها كَثُرَ فساد الفرنج في بلاد المسلمين، فجاء [الأَميرِ نجم الدين] (٣) إيل غازي إلى دمشق، فاتَّفَقَ مع طُغْتِكين على جهادهم، وتحالفا [وتعاقدا] (٣) وأنَّ إيل غازي يمضي إلى ماردين ويجمع التُّرْكمان، ويكون اللِّقاءُ في صفر سنة ثلاث عشرة [وخمس مئة] (٣) على حلب (٤).

стр. 9555

وفيها توفي أحمد بن عبد الله أبو العباس المستظهر بالله (١) كان كريمَ الأخلاق، لَيِّنَ الجانب، جَوَادًا، سَمْحًا، حافظًا للقرآن، مُحبًّا للعلماء والصَّالحين، مُنْكرًا للظُّلْم، فصيحَ اللِّسان، وله شِعْرٌ، فمنه قولُه: [من البسيط] أذابَ حَرُّ الهوى في القَلْب ما جَمَدا … يومًا (٢) مَدَدْتُ إلى رَسْمِ الوَدَاعِ يدا وكيف أَسْلُكُ نَهْجَ الإصطبارِ وقد … أرى طرائِقَ في مهوى الهوى قِدَدا إن كنتُ أنْقُضُ عَهْدَ الحُبِّ يا سَكَني … مِنْ بعد حُبِّي فلا عاينتكُمْ أبدا (٣) وكان شِبْل الدولة مقاتل بن عَطِيَّة البَكري (٤) من كبار الأُمراء، مُقَدَّمًا في العرب، فاضلًا، عَزَمَ على الرِّحْلة من بغداد إلى كَرْمان منتجعًا مُكَرْم ابن العلاء، فكتَبَ قِصَّةً بخطه: يا أبا الهيجاء، أَبعدتَ النُّجْعة، أَسَرَعَ اللهُ بك الرُّجعة، وفي ابنِ العلاء مَقْنَع، وطريقه في الخير مَهْيع، وما يسديه إليك تستحلي ثمرةَ شُكْره، وتَستَعذِبُ مشارب بِرِّه. فلما وَصَلَ إلى مُكْرم عَرَضَ عليه الرُّقْعة، فقامَ من دَسْتِهِ إجلالًا وتعظيمًا لخط الخليفة، واستدعى في الحال بدست من ثيابه، وألف دينار وفرسٍ من مراكبه، فدفعه إليه، ثم عاد إلى مكانه، فأنشده: [من المتقارب] دعَ العِيْسَ تَذْرَعُ عُرْضَ الفَلا … إلى ابنِ العلاءِ وإلا فلا فأعطاه ألفًا أخرى، وألفًا أخرى، وثيابًا وخيلًا وتُحَفًا وطُرَفًا، وأغناه غَناء الأبد، وقال له: دُعاءُ أَمير المؤمنين مستجاب متقبَّلٌ، وقد دعا لك بسرعة الرُّجْعة، فارْجعْ، ولولا ذلك لأقمتَ عندي سنةً، فرجع، وكان ذلك في سنة خمسٍ وخمس مئة (٥).

стр. 9556

ذكر وفاته: مَرِضَ بعِلَّة التَّراقي، وهي دُمَّلٌ تَطلُع في الحَلْق، فأقام مريضًا ثلاثة عَشَر يومًا، وتوفي ليلة الخميس سادس عشرين ربيع الآخر، وقيل: ليلة الأحد سابع عشرين منه، وعمره إحدى وأربعون سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأيامًا، ولم تَصفُ له الخلافة، فكانت أيامه مضطربة، وغَسَّله عليُّ بنُ عقيل الحَنْبلي، وصَلَّى عليه المُستَرشد، ودُفِنَ في دار الخلافة، ثم أُخرج تابوته في رمضان إلى الرُّصافة، وسبب [ذلك ما حكاه جدي في "المنتظم" عن شيخه أبي الحسن بن الزَّاغوني، قال: إنما عجَّل المسترشد لإخراجه لأنه] (١) رآه في منامه، وهو يقول: أخرجني من عندك، وإلا أخذتك إلى عندي، فأخرجه (٢). وكان له من الولد: أبو منصور الفَضْل المسترشد بالله، وأبو عبد الله محمد المقتفي - وليا الخلافة - وأبو الحسن علي، وأبو طالب، وإبراهيم، وعيسى، وإسماعيل. أُرجوان جاريةُ الذَّخيرة أم المقتدي (٣) وتُدعى قرة العين، [وكانت] (٤) أم ولد، أرمنية، [و] (٤) كانت صالحةً كثيرةَ الصَّدقات، حَجَّتْ ثلاثَ حجج، وعَمَّرَتْ طويلًا؛ أدركتْ خلافةَ ابنِها المُقْتدي وخلافة ابنه المستظهر، وخلافة ابنه المسترشد، ورأت للمسترشد ولدًا، ودُفنت بالرُّصافة. بكر بن محمد بن علي (٥) ابن الفَضْل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن جابر بن عبد الله، أبو الفَضْل، الأنصاري الزَّرَنْجَري، وزَرَنْجر (٦): قريةٌ على خمسةِ فراسخ من بُخارى.

стр. 9557

[ذكره جدي في "المنتظم"، وأثنى عليه، وقال] (١): سَمِعَ الحديثَ الكثير من جماعةٍ يكثُر عددهم، وتَفرَّدَ بالرِّواية عن جماعةٍ منهم لم يحدِّث عنهم غيرُه، [وتفقَّه على أبي محمد عبد العزيز بن أحمد الحَلْوائي] (١)، وبَرَعَ في الفِقْه، فكان يُضْرب به المَثَل، [وحفظ مذهب أبي حنيفة، وكانوا] (١) يقولون: هو أبو حنيفة الصَّغير، وكان إذا طَلَبَ منه أحدٌ من المتفقِّهة الدَّرسَ ألقى عليه من أيِّ موضعٍ أراد من غير مطالعةٍ، ولا نَظَرٍ في كتاب، وإذا أشكَلَ على الفقهاء شيءٌ رَجَعوا إلى قوله ونَقْله. وسُئِلَ يومًا عن مسألةٍ، فقال: كَرَّرْتُ عليَّ هذه المسألة في ليلةٍ في بُرج [من] (١) حِصن بخارى أربع مئة مرة، وكانت وفاته ببخارى في شعبان (٢). الحسين بن محمد بن علي بن الحسن (٣) أبو طالب، الزَّيْنبي، الحَنَفي. ولد سنة عشرين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وبَرَعَ في الفِقه، وأفتى، ودَرَّس، وانتهت إليه رياسة أبي حنيفة ببغداد، ولقِّب بنور الهدى، وترسَّلَ إلى ملوك الأطراف من قِبَلِ الخليفة، وولي نقابة الطَّالبيين والعباسيين. وكان شريفَ النَّفس، كثير العِلْم، عزيز الدِّين، ثم استعفى من النَّقابة، وسببه: أنَّه حُمِلَ إليه شابٌّ هاشمي قد جنى جنايةً تقتضي معاقبته، فقال: ما يحملني قلبي أنْ أسمعَ صوته ولا أراه، فأعفاه [الخليفة، واستحضر أخاه طِرادًا من الكوفة، وكان نقيبها، فولي] (٤) النَّقابة على العَبَّاسيين. توفي الحسين يوم الاثنين حادي عشر صَفَر، وصلَّى عليه ابنُه القاسم عليّ، وحضره الأعيان، وأربابُ الدَّوْلة والعلماء، وحُمِلَ إلى قُبَّة أبي حنيفة، فَدُفِن داخل القُبَّة،

стр. 9558

وماتَ عن اثنتين وتسعين سنة، سمع ابنَ غَيْلان (١) وغيره، وانفرد ببغداد برواية "صحيح البخاري" عن كريمة بنت أحمد. رابعة بنت [أبي حكيم الخَبرْي] (٢) عبد الله (٣) بن إبراهيم (٤) ووالدة أبي الفَضْل ابن ناصر (٥). كانت صالحة زاهدة، تسمَّى رابعة بغداد، سَمِعَتِ الحديثَ وَرَوَتْه، وتوفّيت يوم الأحد حادي عشر ذي القَعدة، ودفنت بباب أبرز [وسمعت الجوهري، وابن النَّقور وابن المسلمة وغيرهم] (٢)، وروى عنها ولدُها محمد بن ناصر، وغيره. محمد بن الحسين بن محمد البخاري [الحنفي] (٢) (٦) تفقَّه [على أصحاب أبي زيد] (٧)، وبَرَعَ في النظر، وولي القضاء، وكان متواضعًا جَوَادًا، حَسَنَ الأخلاق، وتوفي ببخارى، وكتب على قبره، [من الكامل] مَنْ كان مُعْتبرًا ففينا مُعْتَبَرْ … أو شامتًا فالشَّامتون على الأثَرْ [قَدِمَ بغداد، فروى عن أبي محمد التَّميْمي وغيره] (٢)، وكان فيه تساهلٌ، يقول: مَن صنف شيئًا فقد أجازَ لكلِّ مَنْ يروي عنه ذلك.

стр. 9559

محمد بن عتيق بن محمد التَّميمي (١) القيرواني [ويعرف بابن أبي كُدَيَّة. قرأ الأصول بالقيروان، و] (٢) قدم الشَّام مجتازًا إلى العراق، [وكان يذكر أنه سمع القُضَاعي بمصر، وقرأ عليه نصر الله بن محمد بصور، وقدم بغداد] (٣)، وكان يقرئ علم الكلام بالنِّظامية، ويحفظ كتاب سيبويه، [وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٢) سمع يومًا قائلًا ينشد أبيات أبي العلاء المَعَرِّي [من الطويل] ضحِكنا وكان الضِّحكُ مِنْا سفاهةً … وحُقَّ لسكَّانِ البسيطةِ أنْ يبكوا وتَحطِمُنا الأيَّامُ حتى كأنّنا … زجاجٌ ولكنْ لا يُعادلنا سَبْكُ فقال: [من الطويل] كَذَبْتَ وبيتِ الله حِلْفَةَ صادِقٍ … سَيَسْكُبُنا بعد الثَّويْ (٤) مَنْ له المُلْك ونرجعُ أجسامًا صِحاحًا سليمةً … تَعَارَفُ في الفِرْدَوْسِ ما عندنا شَكُّ (٥) وتوفي ببغداد، ودفن عند قبر الأشعري، وكان يزعم أنَّه على مذهبه وقال: [من الطويل] كلامُ إلهي ثابتٌ لا نفارِقُهْ … وما دونَ رَبِّ العَرْشِ فاللَّه خالِقُهْ ومَنْ لم يَقُلْ هذا فقد صار مُلْحدًا … وصارَ إلى قَوْلِ النَّصارى يوافِقُهْ قوله: كلام إلهي ثابتٌ لا نفارقه: مذهب الأشعري، وقوله: وما دون رب العرش فالله خالقه: مذهب المعتزلة.

стр. 9560

مُحَسِّن بن سليمان بن محمد بن الحسن (١) أبو البركات [الفارسي المؤدّب البعلبكي، ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٢): قدم دمشق سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وسمع بها [سهل بن بشر الإسفراييني، وأجاز لأبي محمد بن صابر، ولابنه أبي المعالي. وقال ابن عساكر: [أنشدنا أبو الكرم وهب بن المُحَسِّن بدمشق] (٣) أنشدني أبي لنفسه] (٢)، وقد عوتب على انتقاله من بَعْلَبك: [من البسيط] رحِّلْ قَلُوصَك (٤) عن أرضٍ تُهانُ (٥) بها … وجانبِ الذُّلَّ إنَّ الذُّلَّ يُجْتنَبُ وارْحَلْ وإنْ كانتِ الأوطانُ شاسعةً … فالمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أوطانِهِ حَطَبُ وقال أيضًا: [من البسيط] وبي من الشَّوق (٦) ما لو أَنَّ أَيْسَرَه … يُلْقى على الصَّخْر كان الشَّوق يُقْلِقُهُ فإنْ تَزُرْ تُطْفِ نارًا في جوانحِهِ … وإن بَعُدتَ فَحَرُّ الشَّوق يَحْرِقُهُ (٧) يحيى بنُ عبد الوهَّاب (٨) ابن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم مَنْدَه (٩)، أبو زكريا.
следующие страницы →