← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

ذكر وفاته: مَرِضَ بعِلَّة التَّراقي، وهي دُمَّلٌ تَطلُع في الحَلْق، فأقام مريضًا ثلاثة عَشَر يومًا، وتوفي ليلة الخميس سادس عشرين ربيع الآخر، وقيل: ليلة الأحد سابع عشرين منه، وعمره إحدى وأربعون سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأيامًا، ولم تَصفُ له الخلافة، فكانت أيامه مضطربة، وغَسَّله عليُّ بنُ عقيل الحَنْبلي، وصَلَّى عليه المُستَرشد، ودُفِنَ في دار الخلافة، ثم أُخرج تابوته في رمضان إلى الرُّصافة، وسبب [ذلك ما حكاه جدي في "المنتظم" عن شيخه أبي الحسن بن الزَّاغوني، قال: إنما عجَّل المسترشد لإخراجه لأنه] (١) رآه في منامه، وهو يقول: أخرجني من عندك، وإلا أخذتك إلى عندي، فأخرجه (٢). وكان له من الولد: أبو منصور الفَضْل المسترشد بالله، وأبو عبد الله محمد المقتفي - وليا الخلافة - وأبو الحسن علي، وأبو طالب، وإبراهيم، وعيسى، وإسماعيل. أُرجوان جاريةُ الذَّخيرة أم المقتدي (٣) وتُدعى قرة العين، [وكانت] (٤) أم ولد، أرمنية، [و] (٤) كانت صالحةً كثيرةَ الصَّدقات، حَجَّتْ ثلاثَ حجج، وعَمَّرَتْ طويلًا؛ أدركتْ خلافةَ ابنِها المُقْتدي وخلافة ابنه المستظهر، وخلافة ابنه المسترشد، ورأت للمسترشد ولدًا، ودُفنت بالرُّصافة. بكر بن محمد بن علي (٥) ابن الفَضْل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن جابر بن عبد الله، أبو الفَضْل، الأنصاري الزَّرَنْجَري، وزَرَنْجر (٦): قريةٌ على خمسةِ فراسخ من بُخارى.

стр. 9557

[ذكره جدي في "المنتظم"، وأثنى عليه، وقال] (١): سَمِعَ الحديثَ الكثير من جماعةٍ يكثُر عددهم، وتَفرَّدَ بالرِّواية عن جماعةٍ منهم لم يحدِّث عنهم غيرُه، [وتفقَّه على أبي محمد عبد العزيز بن أحمد الحَلْوائي] (١)، وبَرَعَ في الفِقْه، فكان يُضْرب به المَثَل، [وحفظ مذهب أبي حنيفة، وكانوا] (١) يقولون: هو أبو حنيفة الصَّغير، وكان إذا طَلَبَ منه أحدٌ من المتفقِّهة الدَّرسَ ألقى عليه من أيِّ موضعٍ أراد من غير مطالعةٍ، ولا نَظَرٍ في كتاب، وإذا أشكَلَ على الفقهاء شيءٌ رَجَعوا إلى قوله ونَقْله. وسُئِلَ يومًا عن مسألةٍ، فقال: كَرَّرْتُ عليَّ هذه المسألة في ليلةٍ في بُرج [من] (١) حِصن بخارى أربع مئة مرة، وكانت وفاته ببخارى في شعبان (٢). الحسين بن محمد بن علي بن الحسن (٣) أبو طالب، الزَّيْنبي، الحَنَفي. ولد سنة عشرين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وبَرَعَ في الفِقه، وأفتى، ودَرَّس، وانتهت إليه رياسة أبي حنيفة ببغداد، ولقِّب بنور الهدى، وترسَّلَ إلى ملوك الأطراف من قِبَلِ الخليفة، وولي نقابة الطَّالبيين والعباسيين. وكان شريفَ النَّفس، كثير العِلْم، عزيز الدِّين، ثم استعفى من النَّقابة، وسببه: أنَّه حُمِلَ إليه شابٌّ هاشمي قد جنى جنايةً تقتضي معاقبته، فقال: ما يحملني قلبي أنْ أسمعَ صوته ولا أراه، فأعفاه [الخليفة، واستحضر أخاه طِرادًا من الكوفة، وكان نقيبها، فولي] (٤) النَّقابة على العَبَّاسيين. توفي الحسين يوم الاثنين حادي عشر صَفَر، وصلَّى عليه ابنُه القاسم عليّ، وحضره الأعيان، وأربابُ الدَّوْلة والعلماء، وحُمِلَ إلى قُبَّة أبي حنيفة، فَدُفِن داخل القُبَّة،

стр. 9558

وماتَ عن اثنتين وتسعين سنة، سمع ابنَ غَيْلان (١) وغيره، وانفرد ببغداد برواية "صحيح البخاري" عن كريمة بنت أحمد. رابعة بنت [أبي حكيم الخَبرْي] (٢) عبد الله (٣) بن إبراهيم (٤) ووالدة أبي الفَضْل ابن ناصر (٥). كانت صالحة زاهدة، تسمَّى رابعة بغداد، سَمِعَتِ الحديثَ وَرَوَتْه، وتوفّيت يوم الأحد حادي عشر ذي القَعدة، ودفنت بباب أبرز [وسمعت الجوهري، وابن النَّقور وابن المسلمة وغيرهم] (٢)، وروى عنها ولدُها محمد بن ناصر، وغيره. محمد بن الحسين بن محمد البخاري [الحنفي] (٢) (٦) تفقَّه [على أصحاب أبي زيد] (٧)، وبَرَعَ في النظر، وولي القضاء، وكان متواضعًا جَوَادًا، حَسَنَ الأخلاق، وتوفي ببخارى، وكتب على قبره، [من الكامل] مَنْ كان مُعْتبرًا ففينا مُعْتَبَرْ … أو شامتًا فالشَّامتون على الأثَرْ [قَدِمَ بغداد، فروى عن أبي محمد التَّميْمي وغيره] (٢)، وكان فيه تساهلٌ، يقول: مَن صنف شيئًا فقد أجازَ لكلِّ مَنْ يروي عنه ذلك.

стр. 9559

محمد بن عتيق بن محمد التَّميمي (١) القيرواني [ويعرف بابن أبي كُدَيَّة. قرأ الأصول بالقيروان، و] (٢) قدم الشَّام مجتازًا إلى العراق، [وكان يذكر أنه سمع القُضَاعي بمصر، وقرأ عليه نصر الله بن محمد بصور، وقدم بغداد] (٣)، وكان يقرئ علم الكلام بالنِّظامية، ويحفظ كتاب سيبويه، [وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٢) سمع يومًا قائلًا ينشد أبيات أبي العلاء المَعَرِّي [من الطويل] ضحِكنا وكان الضِّحكُ مِنْا سفاهةً … وحُقَّ لسكَّانِ البسيطةِ أنْ يبكوا وتَحطِمُنا الأيَّامُ حتى كأنّنا … زجاجٌ ولكنْ لا يُعادلنا سَبْكُ فقال: [من الطويل] كَذَبْتَ وبيتِ الله حِلْفَةَ صادِقٍ … سَيَسْكُبُنا بعد الثَّويْ (٤) مَنْ له المُلْك ونرجعُ أجسامًا صِحاحًا سليمةً … تَعَارَفُ في الفِرْدَوْسِ ما عندنا شَكُّ (٥) وتوفي ببغداد، ودفن عند قبر الأشعري، وكان يزعم أنَّه على مذهبه وقال: [من الطويل] كلامُ إلهي ثابتٌ لا نفارِقُهْ … وما دونَ رَبِّ العَرْشِ فاللَّه خالِقُهْ ومَنْ لم يَقُلْ هذا فقد صار مُلْحدًا … وصارَ إلى قَوْلِ النَّصارى يوافِقُهْ قوله: كلام إلهي ثابتٌ لا نفارقه: مذهب الأشعري، وقوله: وما دون رب العرش فالله خالقه: مذهب المعتزلة.

стр. 9560

مُحَسِّن بن سليمان بن محمد بن الحسن (١) أبو البركات [الفارسي المؤدّب البعلبكي، ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال:] (٢): قدم دمشق سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وسمع بها [سهل بن بشر الإسفراييني، وأجاز لأبي محمد بن صابر، ولابنه أبي المعالي. وقال ابن عساكر: [أنشدنا أبو الكرم وهب بن المُحَسِّن بدمشق] (٣) أنشدني أبي لنفسه] (٢)، وقد عوتب على انتقاله من بَعْلَبك: [من البسيط] رحِّلْ قَلُوصَك (٤) عن أرضٍ تُهانُ (٥) بها … وجانبِ الذُّلَّ إنَّ الذُّلَّ يُجْتنَبُ وارْحَلْ وإنْ كانتِ الأوطانُ شاسعةً … فالمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أوطانِهِ حَطَبُ وقال أيضًا: [من البسيط] وبي من الشَّوق (٦) ما لو أَنَّ أَيْسَرَه … يُلْقى على الصَّخْر كان الشَّوق يُقْلِقُهُ فإنْ تَزُرْ تُطْفِ نارًا في جوانحِهِ … وإن بَعُدتَ فَحَرُّ الشَّوق يَحْرِقُهُ (٧) يحيى بنُ عبد الوهَّاب (٨) ابن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم مَنْدَه (٩)، أبو زكريا.

стр. 9561

ولد سنة أربعٍ وثلاثين وأربع مئة (١)، وهو محدِّث ابنُ محدِّث ابن محدِّث ابن محدِّث ابن محدِّث، سَمِعَ الكثيرَ، وصنف وجَمَعَ، وتوفي في ذي الحِجَّة، ولم يخلِّفْ في بيتِ ابنِ مَنْدَه مِثْلَه عِلْمًا وزُهدًا، وصِدْقًا وورعًا. أبو الفَضل بن الخازن (٢) كان أديبًا شاعرًا ظريفًا، [سافر إلى أصفهان في سنة ستٍّ وخمس مئة، أنبأنا غير واحد عن أحد مشايخنا، عن أبي عبد الله محمد بن علي الحَرَّاني، قال: حكى لي] (٣) أبو الفتح بن زهمونه (٤) [قال] (٥): سافرتُ إلى أصبهان [في السنة المذكورة] (٥) ومعي أبو الفَضْل بن الخازن، فقصدنا يومًا دار شمسِ الحكماء أبي القاسم الطبيب الأَهْوازي لزيارته، وكان بيننا مودةٌ، ولم يكن حاضرًا، فقال الغِلْمان: ادخلوا. فدخلنا إلى حَمَّامٍ في الدَّار، وخرجنا إلى بُسْتانٍ، فجلسنا فيه، فارتجل ابنُ الخازن بديهًا، وقال: [من الكامل] وافيتُ مَنزِلَه فلمْ أرَ صاحِبًا (٦) … إلا تلقَّاني بوَجْهٍ ضاحِكِ والبِشْرُ في وَجْهِ الغُلام نتيجةٌ … لمُقدِّماتِ ضياءِ وَجهِ المالكِ ودَخَلْتُ جَنَّتَه وزُرْتُ جحيمهُ … فشكرتُ رِضْوانًا ورأفَةَ مالكِ (٧)

стр. 9562

السنة الثَّالثة عشر وخمس مئة فيها انفصل الأَمير أبو الحسن بن المستظهر عن الحِلَّة في صَفَر، ومضى إلى واسط، ودعا إلى نفسه، واجتمع معه جماعةٌ، وملك واسطًا، وهرب العُمَّال، وجبى السَّواد، فَشَقَّ ذلك على الخليفة، وبعث ابنَ الأنباري كاتبَ الإنشاء إلى دُبَيْس، وقال: أنا مُعَوِّل في هذا الأمر عليك. فقال: سَمْعًا وطاعة. وأنفذ صاحب جيشه عنان في جَمْعٍ كثير، فلما بلغَ أبا الحسن، رحَلَ مِنْ واسط منهزمًا في عسكره في الليل، فَضَلُّوا عن الطَّريق، وساروا ليلَهُمْ أجمع، ثُمَّ أَصبحوا عند واسط، فلاحَ لهم عسكرُ دُبَيْس، فانحرفَ أبو الحسن عن الطَّريق، وتاه في البَرِيَّة في عددٍ من خواصِّه، وكان في تموز، ولم يكن معهم ماء، وبينهم وبينه فراسخ، فأَشْرَفَ على الهلاك، فأدركه نَصر بن سَعد الكُردي، فسقاه ماءً، ونَهَبَ ما كان معه، وحَمَلَه إلى دُبَيْس، وكان نازلًا بالنُّعْمانية (١)، فأصعد به إلى بغداد، وخَيَّم بالرَّقَّة، وبعث به إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار إلى دُبَيْس، فكانت مُدَّةَ خروجه إلى أن أعيد أحدَ عَشَرَ شهرًا، وكان مُدَبِّرُه ابنَ زهمونه، فَشُهِرَ ببغداد على جَمَلٍ، وعليه قميصٌ أحمر، وفي رقبته مخانق فيها خَرَزٌ وَوَدَعٌ، ووراءَه إنسانٌ يَضْرِبُه بالدِّرَّة، ثُمَّ حُبِسَ، وقتِلَ في الحَبْس (٢). ولما دخل أبو الحسن على أخيه المُسْترشد قَبَّل قَدَمه وبكى، فبكى المسترشدُ وَرَقَّ له، وقال: يا أخي، ما حملك على ما صنعتَ، فضحت نَفْسَك وبيتك، وباعوك بَيْعَ العبيد، ثم أَسْكَنَه في الدَّار التي كان فيها المسترشد وهو ولي العهد، ووسَّعَ عليه، وبعث إليه ثيابًا جميلة، وطَيَّب قلبه (٣)، ثم بلغه أَنَّه يريدُ الهرب، فَضَيَّق عليه، وسَدَّ الأبواب إلا موضعًا يدخل إليه ما يأكله منه (٤).

стр. 9563

وفيها استوزر الخليفةُ جلالَ الدين الحَسَنَ بنَ صَدَقَة، وكان سَيِّدًا جَوادًا فاضلًا، وولده شَرَفُ الدِّين أبو الحسن عليّ صاحبُ الخَطِّ المليح، وصرفَ الخليفةُ ابنَ أبي منصور. وفي ربيع الأول خَطَبَ الخليفةُ لولده أبي جعفر منصور الرَّاشد بالله، فكان يقال على المنابر بعد الدُّعاء للخليفة: اللهم، وأَنِلْه من الأمل أبعده، وأَنْجِزْ له مَوْعده في سلالته الطَّاهرة، مولانا عُدَّةِ الدُّنيا والدِّين، المخصوص بولاية العَهْد في العالمين أبي [جعفر] (١) منصور بن أمير المؤمنين (٢). وفيها قَدِمَ السُّلْطان سنجر الرَّيَّ، فملكها، وكانت بينه وبين ابن أخيه محمود بن محمد شاه وقعةٌ عظيمة بصحراء ساوة، وكان مع سنجر خمسة ملوك على خمسة أَسِرَّة، منهم: ملك غَزْنة، ومعه أربعون فيلًا، عليها المقاتلة وألوف من الباطنيَّة وألوف من الكُفَّار، فيقال: إنه كان في مئة ألف، وكان محمود في ثلاثين ألفًا، فاستظهر محمودٌ عليه، لأَنَّه سَبَقَه إلى الماء، فملكه، والتقى الجمعان، وَهَبَتْ ريحٌ سوداء، وأظلمتِ الدُّنيا، وظهر في السَّماء حُمْرةٌ وآثارٌ مُزْعجة، فاشتغل الفريقان عن القتال بذلك، واشتدَّتِ الأهوالُ إلى أن زالتِ الشَّمس، وانكشفتِ الظُّلْمة، فاقتتلوا، فانكسرت ميمنةُ سنجر وميسرتُه، وثَبَتَ في القلب والفِيَلة معه، وتفرَّق معظمُ أصحابِ محمود في النَّهْب، وبقي [محمود] (٣) في القلب بإزاء سنجر، فزحف سنجر بالفِيلة، وعليها البركسطوانات (٤)، وفيها المرايا اللامعة، وعليها المقاتلة، فلما رأتْها الخيولُ وَلَّت هاربةً، وحَمَلَ سنجر، فكَسَرَ محمودًا، وقتَلَ جماعةً من أمرائه، فتأخَّر [محمود] (٣) على حَمِيَّةٍ لا تأَخُّرَ هزيمةٍ، فلم يتبَعْه سنجر، وأقام مكانه، ونظر [سنجر] (٣) فإذا ميمنتُه وميسرتُه قد انهزموا وأبعدوا، وأثقاله نُهبت، ووزيره شهاب الدِّين عبد الرزاق قد أُسر، وسأل عن مُعْظم أمرائه، فقيل: قُتِلوا، فخاف، وما كان يظنُّ أنَّ محمودًا يقف بين يديه

стр. 9564

[لأن عسكره كان أضعاف عسكر محمود، وإنما الله نصر محمودًا لضعفه] (١)، فأرسل إلى محمود يقول: أنت ابنُ أخي وولدي، وما أواخذك لأنَّك محمولٌ على ما صنعتَ، ولا أواخذ أحدًا من أصحابك، لأنهم لم يطَّلِعُوا على حُسْن نيَّتي فيهم، وجميلِ مقاصدي. فقابل محمودٌ رسالتَه بالسَّمع والطَّاعة، وسأله أن يجعله مثل بعض مماليكه أو أولاده، وجاء [محمود إلى سنجر] (١) بنفسه، وسنجر جالسٌ على سريره، فقبَّل الأرض [بين يديه] (١)، ووقف إلى جانب السَّرير، فقام إليه سنجر وأعتَنَقَه، وقبَّل ما بين عينٍه، وأَجْلَسه إلى جانبه، وخَلَع عليه خِلَعَ السَّلْطنة. وكان على سرج الفَرَس الذي أعطاه جواهر قيمتها عشرون ألف دينار، وناوله سنجر بيده من الطَّعام أُكْلَةً (٢)، وهي عادةُ التُّرْك في صفاء المودَّة وإزالة الوَحْشة، وخَلَعَ على أصحابه، وأَحْسَنَ إليهم، وأفردَ لمحمود أصبهان يكون شِحْنةً فيها، وخَيَّره بين بلاد فارس وخوزستان، وجعله وليَّ عهده، وأقام سنجر أيامًا، وعاد إلى خُراسان، وشَيَّعه محمود فراسخ، ثم رجع إلى أصبهان (٣). [فصل: وفيها عُزِلَ القاضي أبو علي الحسن بن إبراهيم الفارقي عن قضاء واسط، وولي أبو المكارم علي بن أحمد البخاري] (٤). وفي شوَّال وصل القاضي الهَرَوِيّ رسولًا من سنجر، وتلقَّاه الوزير وأربابُ الدَّوْلة، وحَضَرَ في الدِّيوان، ومعه للخليفة تخوتٌ من الثِّياب ومماليك وهدايا (٥). وفيها بَعَثَ دُبَيْس إلى الخليفة يقول: إنَّه كان مِنْ شرطي أنَّني متى شِئْتُ أن أرى الأَمير أبا الحسن أُعيد إليَّ لأراه، وقد بلغني أنه في ضائقة. فقال الخليفة: إنْ أحببتَ أَنْ تراه فادْخُلْ إليه، أو ابعث مَنْ تثقُ به ليراه، أما أن يخرجَ إليك فلا.

стр. 9565

وكان دُبَيْس قد نَدِمَ على تسليمه، لأنَّه أراد أن يَشْغَبَ به، فلما مُنِعَ مضى إلى مشهد الحسين ﵇، فكسر المِنْبر، وفَعَلَ ذلك بمشهد أَمير المؤمنين عليٍّ ﵇، وقال: لا يقام هاهنا خُطبة لأحدٍ. وقطَعَ الخُطْبة. وفيها أحضر المسترشد أخاه أبا الحسن، وقال له: أنت قد عزمتَ على الهرب، وتريد أن تشعث علينا. فحلف أنه لم يفعل، فأُعيد إلى مكانه، وضُيِّق عليه (١). وقال ابنُ القلانسي: وفيها وردت الأخبار من العراق بأن السلطان محمود بن محمد توجَّه إلى عمه سنجر إلى خراسان، ووطئ بساطه بعدما جرى بينهما من الحروب [والوقائع ما جرى] (٢) فأكرمه وخدمه وزوَّجه ابنتَه، وأقَرَّه على ملكه، وعاد [سالمًا] (٢) ظافرًا بما أراد إلى أصفهان (٣). وفيها اجتمع طُغْتِكين وإيلغازي على حلب للموعد الذي كان بينهما، ومعهما من التُّرْكمان خَلْقٌ كثير، وخرج صاحبُ أنطاكية في عشرين ألفًا، والتقوا في ربيع الأول، فهزم الله الكُفَّار، وتبعهم المسلمون قَتْلًا وأَسْرًا بحيث أَتَوا على مُعْظمهم، ولم يبق بأنطاكية من يحميها، فوقع التغافل عنها. وقيل إنَّ طُغْتِكين لم يحضُرْ هذه الوقعة، لأنَّ التركمان تسارعوا إلى القتال قبل مجيئه، وقيل: بل أدركها في آخر الأمر (٤). وعاد إلى دمشق، فصادف خاتون صفوة [الملك] (٢)، أُمّ دُقاق مريضة، فأوصَتْ إليه، [فقبل وصيتَها] (٢)، وتوفيت يوم الأحد سَلْخ جُمادى الأولى، ودُفِنَتْ عند ولدها دُقاق في القُبَّة التي بَنتها على القلعة المُطِلَّة على المَيدان الأخضر، وكانت كثيرةَ الصَّدقات، غزيرةَ الخيرات، وحَزِنَ طُغْتِكين عليها، وأنفذ وَصِيّتَها (٥).

стр. 9566

[وذكر غيرُ ابنِ القلانسي من أهل الشَّام أنَّ] (١) في هذه السنة مات بردويل صاحبُ القدس، فضبط برشان الرُّهاوي الأمر إلى أن وصَلَ الملك كندهري من قبل الباب خليفة الفرنج [في القدس] (٢)، فأغار على أذرعات وأطراف الشَّام. وكان طُغْتِكين بالبَثَنِيَّة (٣)، فبعث بولده بوري مع عَسكرٍ، وأقام هو موضعه رِدءًا لهم، والتقوا، فظهر الفرنج على بوري، فعاد إلى أبيه ودخلا دمشق، ومضى طُغْتِكين إلى حلب مستصرخًا بإيلغازي - وكان أول ما ملكها - فأقام أتابك عنده، وشَرَعَ بجمع العساكر، واغتنمت الفرنج غيبته، فقصدوا الشَّام، ووصلوا إلى حوران، فالتجأ أهله إلى اللَّجاة. وكان بين أهل قرية شَقراء وأهل قرية بُسر عداوةٌ، فحمل أهلُ شقراء ذلك على أن دَلُّوا الفرنج على طريق سهلةٍ، فجاؤوا، وقتلوا أهل بُسر، ودخلوا اللَّجاة، فقتلوا وأسروا، وعادوا إلى القُدس. ولما بلغ أصحاب أنطاكية [هذا] (٤) جمعوا [وحشدوا] (٤)، وقصدوا بلد حلب، ونزلوا على [مكان يقال له] (٤) أرتاح (٥) في خمسةِ آلاف فارس، وثمانية آلاف راجل، وأشاع إيلغازي أنَّ طُغْتِكين واصِلٌ من دمشق، وما كان إلا جريدةً عنده، فخرج إيلغازي وعَمِلَ كمينًا، فلما التقى الفريقان ظهر الكمين، وضربوا البوقات والطُّبول، فظنُّوه طُغْتِكين، فانهزموا، وعَمِلَ فيهم السيف قَتْلًا وأسْرًا، وأُفلت برجار بن طنكري (٦) ملك الفرنج مجروحًا، فقال الحَصكفي يخاطبُ طُغْتِكين: [من الخفيف] باتَ بُرْجارُ مِنْ أعَزِّ الموالي … فاغتدى وَهْو مِنْ أذَلِّ العبيدِ

стр. 9567

ثم أفضى إلى الجحيمِ وقد أحـ … ـــرَزْتَ في إِثْره جِنانَ الخُلُودِ بك هُزَّتْ دعائمُ الشِّرْكِ فانْهَدَّ … (م) تْ وشِيْدَتْ قواعد التَّوْحيدِ وفيها وقعتِ المباينةُ بين الأفضل ابن أَمير الجيوش والآمر صاحب مِصر، واحتجبَ الآمِرُ عنه وتعلَّل بمرضٍ، واجتهد الأفضل أن يغتاله فلم يقدر، ودَسَّ إليه السُّمَّ مِرارًا فلم يصلْ إليه، وكان للآمر قهرمانة كاتبة فاضلة [قد] (١) عرفت أنواع العلوم والطُّبِّ والنجوم والموسيقى حتى كانت تعمل التحويلات وتحكم على الحوادث، فاحْتَرَزَتْ على الآمر، ولم تزل تدَبِّر على أَمير الجيوش حتى قُتِلَ، [وسنذكره] (٢). وقال ابن القلانسي: وفيها ظهرت قبور (٣) الأنبياء ﵈: الخليل وولديه إسحاق ويعقوب ﵈، وهم مجتمعون في مغارةٍ بأرضِ بيت المقدس وكأَنَّهم أحياء لم يَبْلَ لهم جَسَدٌ، ولا رَمَّ لهم عَظْمٌ، وعليهم قناديلُ من ذهب وفِضَّةٍ مُعَلَّقة، فَسَدُّوا بابَ المغارة، وأبقوهم على حالهم (٤). وفيها توفي عليُّ بنُ محمد بن علي (٥) ابن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حَمُّويه، أبو الحسن الدَّامَغَاني، قاضي القُضَاة. ولد في رجب سنةَ تسع وأربعين وأربع مئة، [وشهد عند أبيه [أبي] عبد الله في سنة ستٍّ وستين وأربع مئة] (٦)، وفُوِّض إليه القضاء بباب الطاق، وما كان إلى جَدِّه لأُمه

стр. 9568

القاضي أبي الحسين (١) [أحمد بن أبي جعفر] (٢) السِّمْناني من القضاء، وكان يوم عُدِّلَ وتَقَلَّد القضاء ابن ست عشرة سنة، ولم يُرَ قاضيًا [تولى] (٢) أصغر من هذا. وولي القضاء لأربعة خُلَفاء: القائم، والمقتدي إلى أن مات أبوه، ثم ولي الشَّامي (٣) فَعَزَلَ نفسه، فبعث إليه الشَّاميُّ يقول: أنتَ على عدالتك وقضائك. فأرسل إليه: أما الشَّهادةُ فإنَّها استُشهدت، وأما القضاءُ فقُضي عليه. وانقطع عن الولاية، واشتغل بالعِلم، فقلَّده المستظهر قضاء القضاة [وهو معزول] (٤)، ثم ولي المسترشد، فأقَرَّه على قضاء القضاء، ولا يعرف قاضيًا تولى لأربعة خلفاء غيره، وغير شُرَيح إلا أبا طاهر محمد بن أحمد الكَرْخي (٥)، فإنه ولي لخمسة خلفاء - وإن كان مستنابًا فيه - المستظهر والمسترشد والرَّاشد والمُقتفي [والمستنجد] (٢). وناب الدَّامَغَاني عن الوِزارة [في أيام المستظهر والمسترشد] (٢) مراتٍ بمشاركة غيره، وتفرَّد بأخذ البيعة للمسترشد. وكان ففيهًا متدينًا عفيفًا، ذا مروءةٍ وصدقاتٍ وإحسان، ومعرفةٍ بالقضاء والشُّروط. وكان المستظهر قد تقدمَ إليه بسماعِ قولِ بعض النّاس، [فلم يره أهلًا لذلك] (٢) فلم يسمع قوله، فحَضَرَ الموكبُ بباب الحُجْرة، فخرج الخادم، فقال: انصرفوا إلا قاضي القضاة. فلما انصرفوا، قال الخادم: إنَّ أَمير المؤمنين بحيث يسمع كلامك، ويقول لك: أنحن بحكمك أم أنت بحكمنا؟ فقال: بل أنا بحكم أَمير المؤمنين، قال: أليس قد تقدَّم إليك بسماعِ قول فلان، فلم تسمع؟ فبكى، ثم قال: قل لأَمير المؤمنين: إذا

стр. 9569

كان يوم القيامة جيء بديوانٍ ديوان، فتُسْأل عنه، فإذا جيء بديوان القضاء [لتسأل عنه] (١) فتقول: وَلَّيْته لذاك المُدْبر ابن الدَّامَغَاني - فتَسْلَمُ أنتَ وأقع أنا. فبكى الخليفة، وقال: افعل ما تريد. وفي روايةٍ: [أنَّ ابن الدَّامَغَاني] (٢) قال للخادم: قُلْ لأَمير المؤمنين، إذا قيل لي غدًا: [لمَ] (٢) قَبِلْتَ قولَ فلان، وقد عَلِمْتَ منه ما لا يجوزُ قَبُولَ قَوْلِهِ معه، أقول: قال لي أَمير المؤمنين. فقال الخليفة: لا لا، وبكى. وقال ابنُ السَّمْعاني: ودَخَلَ الشَّاشيُّ (٣) عليه زائرًا له، فما قام له، فَرَجَعَ ولم يقعد، وكان ذلك سنة نيف وثمانين، فما اجتمعا إلا بعد سنة خمس مئة في عزاء، فسبق الشَّاشي فجلس، فلما دخل الدَّامَغَاني قام الكُلُّ إلا الشَّاشي فإنَّه ما تزحزح، فكتَبَ إلى المستظهر يشكوه، ويقول: إنه ما احترم نائبَ الشَّرع. فكتب المستظهر: ماذا أقول، الشَّاشي أكبر سِنًّا منك، وأفضل وأورع، ولو قمتَ له قامَ لك. وكَتَبَ الشَّاشي إلى الخليفة يشكو الدَّامَغَاني، ويقول: [من الطويل] حجاب وإعجابٌ وفَرْطُ تَصَلُّفٍ … ومدُّيَدٍ نحو العُلا بتكلُّفِ فلو كان هذا مِنْ وراءِ كفايةٍ … لهانَ ولكنْ مِنْ وراء تَكَلُّفِ فكتب الخليفةُ إلى الشَّاشي: تمشي إلى الدَّامَغَاني، وتعتذر إليه. فقام، ومشى إليه امتثالًا لأمر الخليفة، فقام له الدَّامَغَاني وعانقه، واعتذر إليه وجلسا يتحادثان، فقال القاضي: تكلم والدي في المسألة الفلانية واعترض عليه فلانٌ، وتكلَّم فلان في مسألة كذا، واعترض عليه والدي، وذكر مسائل عدة، فقال له الشَّاشي: ما أحسنَ ما قد حفظت أسماء المسائل (٤).

стр. 9570

وجرى له [مع] (١) ابن عقيل من جِنْس هذا، فكتب إليه فصولًا يُعتبه فيها، وذكرها في كتابه المسمى بالفنون، فمنها أنه قال: هذه مكاتبة إلى أبي الحسن بن الدَّامَغَاني تتضمَّنُ تنبيهًا له على خِلالٍ قد سَوَّلَتْ له نَفْسُه استعمالها، فهدمَتْ من مَجدِ منصبه ما لا يتلافاه على طول الوقت في مستقبل عمره، عَذِيْري (٢) ممن نشأ في ظلِّ والدٍ مُشْفِقٍ عليه، قد حَلَبَ الدَّهْرَ شَطْرَيْه (٣)، وأتلف في طلب العِلْم أَطْيَبَيْه (٤)، أجمعَ أهلُ عَصرهِ على كمالِ عقله - يعني: أبا عبد الله - كما أجمع الفقهاء والعلماء على غَزَارة عِلْمه، تقَدَّم في الدولة التركية المعظمة لمذهبه، وفي عَصره مَنْ هو أفضل منه بفنون العلوم، كأبي الطَّيِّب الطَّبري، والماوَرْدِي، وأبي إسحاق الشِّيرازي، وابن الصباغ ونحوهم، فقدَّمه الزَّمانُ على أمثاله، فكان أشكرَ النَّاس لِنعَمِ الله، فاصطنع مَنْ دونَه من العلماء، وأكرم مَنْ فوقه من الفقهاء حين أراه اللهُ في نفسه فوق ما تمنَّاه مِنْ ربه، وعساه رأى من السَّعادة ما لم يخطر بباله؛ حيث رأى أبا الطَّيِّب الطَّبري نظير أُستاذه الصَّيْمري شاهدًا بين يديه، وتعجرف عليه أبو محمد التَّميْمي، فكان يغشاه في مجالسه ويستميله بجهده، ولما عَرَضَ عليه القائم الوِزارة أبى أن يتعدَّى رُتبة القضاء. فلما ولي ولده أبو الحسن سلك طريقةً عجيبة خَرَجَ بها عن سَمتِ أبيه، فقدَّم أولادَ السُّوقة وحَرَمَ أولاد العلماء حقوقهم، وقبِلَ شهادةَ أرباب المِهَن، وانتصب قائمًا للفُسَّاق الذين شهد بفِسقهم في لُبسِ الحرير، والتختُّمِ بالذهب، وصاح في المجلس بأعلى صوته: إنه لم يبق في الأرض مجتهد، وهو لا يعلم ما تحت هذا الكلام من الفساد، وهو إبطال الإجماع الذي هو آكَدُ أدِلَّةِ الشَّرْع، وليس لنا دليلٌ معصوم سواه، وذكَرَ كلامًا طويلًا، وقال في آخره: أصلحه الله لنفسه، فما أغنانا عنه.

стр. 9571

ذِكْرُ وفاته: توفي ليلة الأحد رابع عشر مُحَرَّم، وحَضَرَ أربابُ الدَّوْلة والخواص والأشراف على طبقاتهم، [وصلى عليه ولده أبو عبد الله محمد، ووراءه النقيبان والأكابر، ودفن في داره بنهر القلائين في الموضع الذي كان دفن فيه أبوه] (١) ثم نقل (٢) إلى مشهد أبي حنيفة، وعاش ثلاثًا وستين سنة وستة أشهر، ولي القضاء منها تسعًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وأيامًا. سمع الحديث من القاضي أبي يعلى ابن الفَرَّاء والخطيب وغيرهما، وكان صدوقًا ثِقَةً. عليُّ بنُ عَقِيْل بنِ محمد بن عقيل (٣) أبو الوفاء الحَنبَلي. ولد في جُمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وحَفِظَ القرآن، وقرأه بالقراءات [على أبي الفتح بن شيطا وغيره] (١)، وكان يفتخر ويقول: شيخي في القراءات ابنُ شِيْطا، وفي الآداب والنَّحْو أبو القاسم ابن بَرْهان، وفي الزُّهْد أبو بكر الدِّينوري وأبو الحسن ابن القَزْويني، وفي الحديث ابن بِشْران، والعُشَاري، والجَوْهَري وغيرهم، وفي الشِّعْر والتَّرَسُل: ابن شِبل وابن الفَضْل، وفي الفرائض أبو الفَضْل الهَمَذاني، وفي الوعظ أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمْعُون، وفي الفِقْه القاضي أبو يعلى، وفي الأصول ابن الوليد. [قلت: وهذا ابن الوليد هو الذي قرأ عليه ابن عقيل المنطق والفلسفة والاعتزال، وثارت الحنابلة عليه بسببه، وأرادوا قتله حتى حضر ابن عقيل في الديوان، وتاب وتبرأ منه، وقد ذكرناه] (١). وكان جَدِّي لأُمي الزُّهْري رئيس أصحاب بني حنيفة. [قال] (١): ومن مشايخي: أبو إسحاق الشِّيْرَازي إمامُ الدُّنيا وزاهِدُها وفارسُ المناظرة وواحدها، وأبو نَصر بن الصباغ، وأبو عبد الله الدَّامَغَاني، وقاضي القُضَاة

стр. 9572

الشَّامي، وأبو الفَضْل الهَمَذاني، وأبو الطَّيِّب الطَّبري، وأبو محمد التميمي حسنةُ العالم وماشطة بغداد، وأبو بكر الخطيب حافِظُ وقته (١). وكان أصحابُنا الحنابلة يريدون مني هِجْران جماعةٍ من العلماء، وكان ذلك يحرمني عِلْمًا نافعًا. [قلت: ما منعوه إلا مِنْ صُحْبة الفلاسفة والمعتزلة مثل ابن الوليد وغيره. قال، (٢): وعانيتُ من الفَقْر والنَّسْخ بالأُجْرة شِدَّة شديدة، وآذاني أصحابي حتى طَلَبوا إراقةَ دمي. [وذكر كلامًا طويلًا] (٢). [وقال جدِّي في "المنتظم": وكان] (٣) فريدَ دَهرِهِ وإمامَ عَصرهِ، أفتى ودرَّس وناظر، وجَمَعَ الكُتُبَ في الأُصول والفروع، ووَعَظَ، فجرتْ فتنةُ بين الحنابلة والأشاعرة فترك الوعظ. وصنف كتاب: "كفاية المفتي" على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكتاب "الفنون" (٤)، وهو مئتا مجلَّد جَمَعَه طول عمره [قلت: واختصر منه جدِّي عشر مجلدات فَرَّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمورية نحوًا من سبعين مجلدًا] (٢) فيه حكايات ومناظرات، وغرائِبُ وعجائب وأشعار، فمنها أنه قال: اجتازَ رجلٌ بالمأمونية وعلى رأسه قفصٌ فيه زُجاج، وكان يومًا مطيرًا، فَزَلِقَ، فوقع القفص، فتكَسَّرَ كلُّ ما كان فيه، فقعد يبكي، ويقول: يا مسلمين، هذا القفص والله جميع بضاعتي، وما أقلَّ بختي، ولقد جرى عليَّ بمكة ما هو أعظم من هذا، فقال له بعضُ المجتازين: وما الذي جرى لك؟ فقال: دخلتُ زَمزْمَ لأَغْتَسِلَ، وخلعتُ ثيابي،

стр. 9573

وكان في كَنَفي (١) دُمْلُجٌ (٢) فيه ثمانون دينارًا، فنزعته من عَضُدي، وتركته إلى جانب ثيابي، ولما اغتسلت لَبِسْتُ ثيابي، وخرجتُ وأُنسِيتُه، فذكرتُه، فرجعت أَطْلُبُه فما وجدته، فقال له السَّائل: وما علامته؟ قال: كذا وكذا، قال: في أيِّ سنةٍ كان هذا؟ قال: في سنة كذا وكذا، فأخرج الرجل الدُّملُج من كَنَفِهِ، وناوله إياه، وقال: حَجَجْتُ تلك السنة، ودخلتُ زَمَزَمَ لأغتسل، فوجدتُه هناك، ولي مُدَّة أطلبُ صاحبه ولم أجده، والحمد لله على وصوله إليك. فتعجَّبَ النَّاس من جَبْرِ مصيبة الرجل (٣). ومنها أَنَّ رجلًا بنهر مُعَلَّى لقيَ خِرْقةً زرقاء، فَحَلَّها، فوجَدَ فيها ستين دينارًا، فجعلَها في كُمِّه، وإذا بصبيٍّ يبكي ويقول: والله ما هي لي، وضَيَاعُها سببُ هلاكي. فقال له الرجل: ما الذي بك؟ فقال: أنا مملوك لرجلٍ [قد] أعطاني صُرةً فيها ستون دينارًا لأحملها إلى داره، فوقعتْ مني. فقال الرجل في نفسه: أرُدُّها عليه أم لا؟ وتردَّدَ في خاطره، ثم تَرَجَّح رَدُّها عليه، وقال: يعوِّضني الله خيرًا منها، فأنا واثِقٌ به، فقال: ما علامَتُها؟ فوصفَها له، فأعطاه إياها، فَحَلَّها وأخرج منها دينارًا، وقال: هذا لي، والباقي لسيدي، [خُذِ الدينار. فأخذتُه، وأخذ الصَّبيُّ الدَّنانيرَ ومضى] (٤). ومَرَّ الرَّجُلُ بالسُّوق، وإذا برجل ينادي على سَيْف ويقول: دينار دينار. فاشترى السَّيْفَ بالدِّينار، وكان صَدِئًا، فجاء به إلى صَيْقَل. وقال: امْسَحْه. فَمَسَحَه، فظهر له جوهرٌ عظيم، فَبُهِتَ الصَّيْقَل، وقال للرجل: أتبيعه؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: بستين دينارًا. فقال: قُمْ معي. وأتى به إلى دارٍ، فَطَرَقَ بابها، فأُذِنَ له، فدَخَلَ والرَّجلُ معه، وإذا بصاحبِ الدَّارِ جالسٌ وعليه هيبة وله حشمة، فقال له: هذا السَّيفُ الذي كنت تطلبه منذ زمان وقد وَجَدْتُه مع هذا الرجل. فأخذَه وسَلَّه، فأعجبه، فقال: بكم هو؟ قال: لا أنقصه عن ستين دينارًا [شيئًا] (٥). فقال: بخمسين. فقال: لا أبيعه إلا بستين. فصاح الرجل: يا غلام،

стр. 9574

هاتِ تلك الصُّرَّة. فخرج الغلام، وبيده الخِرْقة التي لقيها الرَّجل مع المملوك، فلما رآه المملوك بكى، فقال له سَيِّدُه: ما يبكيك؟ فَقَصَّ عليه القِصَّة، فبكى سيده، وقال: صَدَقَ رسولُ الله ﷺ "مَنْ ترك شيئًا [لله] (١) عَوَّضه الله خَيْرًا منه" (٢). ومنها ما حكاه ابنُ عَقيل عن نَفْسِهِ، قال: حججتُ في بعض السّنين، فبينا أنا بالحَرَمِ، إذا بشيءٍ يلوحُ وله شُعاع، فأخذته، وإذا بعِقْد لؤلؤ له قيمة، وهو منظومٌ في خيطٍ من حريرٍ أحمر، فبينا أنا أُقلّبه وإذا بشيخٍ أعمى يقول: مَنْ رأى لنا عِقْدًا من لؤلؤ ورَدَّه فله مئةُ دينار، قال: فقلتُ له: فما علامته؟ فقال: هو في خيطٍ أحمر. فقلتُ: خُذْ عِقْدَك. فقال: خُذِ الدَّنانير، فقلتُ: لا والله. واتَّفق أنني خرجت إلى الشَّام، وزرت البيتَ المقَدَّس، ونزلت إلى دمشق، وقصدتُ بغداد، وكانت أمي باقية، فاجتَزْتُ بحلب، فدخلتها آخر النهار، فأويت إلى مسجدٍ، وأنا جائع بَرْدان، فقال لي زبون المسجد: تَقَدَّمْ فَصَلّ بنا. فصلَّيْتُ بهم، فعَشُّوني، وكانت ليلة رمضان، فقالوا: إمامنا قد توفي منذ أيام، وكان شيخًا صالحًا مكفوفًا، ونسألك أن تقيم عندنا هذا الشهر. فأقمتُ أُصلِّي بهم، فقالوا: للشيخ الذي كان إمامنا بنتٌ نزوِّجُك إياها. فَزَوَّجُوني، فأقمتُ عندها سنة، وأوْلَدْتُها ولدًا ذكرًا، ثم مَرِضَتْ في نِفاسها، فتأمَّلتُها ذاتَ يوم، وإذا بخيطٍ أحمر في عُنُقها، وإذا به العِقْد الذي لَقِيْتُه بعينه، فقلتُ لها: يا هذه، إنَّ هذا العِقْدَ قضيته كذا وكذا. فبكَتْ، وقالت: أنتَ هو؟ والله لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهم ارْزُقْ ابنتي مثل الذي رَدَّ عليَّ العِقد، وقد استجابَ اللهُ منه لأنه كان صالحًا. ثم ماتت، فأخذتُ العِقْد والميراث، وعدتُ إلى بغداد. ومنها ما حكاه [أيضًا عن نفسه] (٣) قال: كان عندنا في دَرب الشَّيخ بالظَّفَرِيَّة (٤) دارٌ كلَّما سكنها ناسٌ أصبحوا موتى، فجاء في بعض الأيام رجلٌ مقرئ، فقال: أكروني إياها، فقالوا: قد عَرفْتَ حالها. قال: [قد] (١) رضيت، فأخذ المِفْتاح، ودخل فباتَ

стр. 9575

بها، وأصبح سالمًا، فعجِبَ الجيرانُ من ذلك، فأقام مدة، [فلما كان في بعض الأيام رَدَّ المِفْتاح على أصحابها] (١) ومضى. فَسُئِلَ عن ذلك، فقال: لما دَخَلْتُ إليها أوَّلَ ليلة صَلَّيْتُ العِشاء الآخرة، وقرأتُ جزوي من القُرآن، وإذا بشابٍّ قد صَعِد من البئر، فَسَلَّم عليَّ، فَبُهِتُّ، فقال: لا بأسَ عليك. وجَلَسَ بين يديّ، وقال: عَلِّمني شيئًا من القرآن. فشرعت أُعَلِّمُه، فلما فَرَغْت، قلتُ له: هذه الدار، كيف حديثها؟ فقال: نحن قوم من الجِنِّ مسلمون، نقرأ القرآن، ونصلي، ونحبُّ الصَّالحين، وهذه الدَّار ما يكتريها إلا الفُسَّاق وشُرَّاب الخمور، ويجتمعون على الشرب والفَسَاد، فنخنُقُهم، [وأما أنت فجئت قرأت القرآن] (٢)، وصلَّيتَ أحببناك. قال: فقلتُ: ففي اللَّيل أخافُ منك، فاجعل مجيئَك إليَّ في النَّهار، فقال: نَعَمْ. فكان يصعد من البئر في النهار، فأُلقِّنُه القرآن، فأقام على ذلك مُدَّة إلى هذه الأيام، بينا هو قاعد عندي يتلقَّن وإذا بمُعَزِّمٍ يقول في الدَّرْب: المُعَزِّم المُرقي من الدَّبيب ومن العَيْن ومن الجِن. فقال لي: أيش هذا؟ قلتُ: هذا مُعَزِّم يعرفُ أسامي الله تعالى، يفعل ما قد سَمِعْتَ. فقال: قُمْ واستدعيه ولا تَخَفْ. فقمت، وصحتُ به ودخلت، وإذا بالجنيِّ قد صار ثعبانًا في السَّقْف كأنه النخلة [قال] (٣): فَضَرَبَ المُعَزِّم المَنْدَل، وقرأ وذَكَرَ أسامي الله تعالى، فما زال الثعبان يتدلَّى حتى سَقَطَ في وسط المندل، فقام ليأخذَه، ويدعه في الزَّنْبيل (٤)، فَمَنَعْتُه، فقال: هذا صيدي تمنعني منه! فأعطيتُه دينارًا وأخرجته، فانتفضَ الثُّعبان وخَرَجَ الجنيّ، وقد ضَعُفَ واصفَرَّ وذاب، قلتُ: ما لك؟ قال: قتلني هذا الرجل بهذه الأسامي، وما أظنني افلح، فاجعلْ بالك الليلة وقتَ المغرب، متى سمعت من البئر صُراخًا فاخْرُجْ، ولا تقعد فتهلك. ثم وَدَّعني، ونزلَ البئر، فلما كان وقتُ المغرب سمعتُ من البئر صراخًا وامرأة تقول: وَيْه، وَيْه. فانهزمتُ إلى باب الدَّار. قال ابنُ عقيل: وامتنع أحد أنْ يسكن تلك الدار. وكان ابن عقيل يتقرَّب إلى أهل مذهبه ولا يقبلونه، ويتلطَّفُ بهم ويؤذونه لصحبته الفلاسفة

стр. 9576

والمعتزلة مثل ابن الوليد وغيره، [فحكى لي أبو عبد الله بن الحبارى من أهل البصرة، عن أبيه عن جده قال: اجتاز ابن عقيل] (١) بباب البصرة وهي مَحَلَّة السُّنَّة، فوجد إنسانًا من أهل المحلة يبول قائمًا، والبَولُ يجري [على] (٢) ساقيه، فقال له: اقعد قاعدًا فقد أتلفت ثيابك ورجليك، وقد نهى النبيُّ ﷺ أن يبول الرجل قائمًا (٣). [قال: فعرفه] (٤)، فنظر الرجل إليه طويلًا، وقال: امشِ امشِ، المقدَّم أبو بكر. [يعني أنَّهم] (٥) كانوا يتهمونه بالتَّشيع. ذِكْرُ وفاته: لما احْتُضِرَ بكى عنده النِّساء، فقال: لا تبكين عندي، قد وقَّعْتُ عنه خمسين سنة، فدعوني أتهنَّا بلقائه. وكان يقول: قد رأينا في أول أعمارنا أُناسًا طابَ العيشُ معهم كالدِّينوري، والقَزوْيني، والطَّبَري، والشِّيرازي -[وذكر مَنْ سبق اسمه] (٤) - وقد دخلتُ في عَشْر التِّسْعين، وفقدت مَنْ رأيتُ من السَّادات ولم يبق إلا أقوامٌ كأنهم المسوخ صُوَرًا، فحمدتُ ربي إذ لم يخرجني من دارٍ جامعةٍ المسارَّ، وإنَّما أخرجني، ولم يبق مرغوب فيه، فكفاني محنةَ التأسُّف على ما يفوت، لأنَّ التخلُّفَ مع غير الأمثال عَذَابٌ. [قلت: فلو رأى هذا الزمان لترحَّم على ابن المَرْزُبان الذي فَضَّل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب] (٦). وكانت وفاته يوم الجمعة ثاني عشر جُمادى الأولى، وصُلِّي عليه بجامع القصر والمنصور، وقال ابنُ ناصر: حَزَرْتُ الجَمْعَ الذين صَلُّوا عليه، فكانوا نحو ثلاث مئة ألف، ودُفِنَ في دكَّة الإمام أحمد ابن حنبل، رحمة الله عليه.

стр. 9577

[فصل: وفيها توفي المبارك بن علي بن الحسين بن يوسف (١) المُخَرِّمي (٢) ولد في رجب سنةَ ستٍّ وأربعين وأربع مئة، وسمع الكثير، وتفقَّه على القاضي أبي يعلى وغيره، وصنف وجَمَعَ ودرَّس، وتوفي في المُحَرَّم، ودُفِن إلى جانب أبي بكر الخَلَّال عند رِجْلَيْ أحمد بن حنبل. سمع أبا الحسين بن المهتدي، وابن المُسْلمة وغيرهم، وناب في القضاء عن ابن السِّيْبي وغيره، وكان حَسَنَ الطريقة، وبنى مدرسة بباب الأَزَج (٣)، وكان ثِقةً صدوقًا] (٤). السنة الرَّابعة عشر وخمس مئة فيها خُطِبَ ببغداد لسنجر بن مَلِك شاه وابنِ أخيه محمود بن محمد شاه جميعًا في المحرَّم، ولُقِّب سنجر بعَضُد الدَّوْلة، ومحمود بجلالِ الدَّوْلة، وكان دُبَيْس بن صَدَقَة قد بعث [القاضي] (٤) أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثَّقفي، قاضي الحِلَّة والكوفة إلى نجم الدين إيلغازي بن ارْتُق يَخْطُبُ ابنته، فزوَّجه بها، وحَمَلَها إليه في هذه السنة مع القاضي المذكور إلى الحِلَّة. وفي ربيع الأوَّل قامتِ الحربُ بين محمود وأخيه مسعود، وكان مسعود هو الباغي [عليه] (٤)، فتلطَّفَه محمود فلم يلتفت، والتقيا بباب هَمَذَان، وكان البُرْسُقي مع مسعود، فانحازَ إلى محمود، وانهزم مسعود وعسكره، واستولى محمود على أموالهم، وأخفى مسعود نفسه في جبل بينه وبين مكان الوقعة اثنا عشر فرسخًا، وبعث بركابيٍّ إلى أخيه [محمود] (٤)

стр. 9578

يطلب منه الأَمان، فجاء إلى محمود وقال له: يا سُلْطانَ العالم، إنَّ من السَّعادة أنَّ أخاك لم يجد مهربًا عنك، وقد بعث يطلبُ الأمان، وعاطِفَتُك أجَلُّ متوسَّلٍ به إليك. فقال: أين هو؟ قال: في المكان الفلاني. فقال: ما نويت غير العفو والإحسان، فقال للبُرسُقي: امضِ إليه، وَأْتِ به، وله الأمان. واتفق أن بعد انفصال الركابي عن مسعود أَنَّ يونس بن داود البَلْخي ظَفِرَ بمسعود، فقيل له: إنْ حملتَه إلى أخيه، فربما أعطاك ألف دينار أو أَقَلَّ، وإنْ حملته إلى دُبَيْس أو إلى المَوْصِل وصلتَ إلى ما شِئْتَ. فَعَوَّل على ذلك. وجاء البُرْسُقي، فلم يَرَه، فسار خلفه ثلاثين فرسخًا، وعَرَّفَه أمان أخيه. وأخذه، [ورجع إلى عسكر محمود] (١)، فأمر محمود باستقباله، وأَخْرَجَ إليه الأعيان، ونزل عند أُمِّه، ثم جلس [السلطان] (٢) محمود، فدخل إليه، وقبَّل الأرض [بين يديه] (٢)، فضمه إليه، وقبَّل [ما] (٢) بين عينيه، وبكى كلُّ واحدٍ منهما، [وكان هذا من محاسن أفعال محمود] (٢). وقيل: إنَّ محمودًا جَلَس على سريره، فلمَّا دخل عليه مسعود قام ونَزَل منه، وعانقه، وبكيا، وأجلسه إلى جانبه، وكتب إلى عَمِّه سنجر يخبره بما فعل. فوقع ذلك من سنجر أحسنَ موقع، وأكرمَ رسولَه. وكان سنجر قد فَوَّض إلى محمود ولاية أَصبهان وهَمَذَان وأَذْرَبيجان والعِراق وديار بكر، والشَّام إلى العريش، وكان الطُّغْرائي وزيرُ مسعود قد هرب يوم الوقعة، فأخذه غِلْمان الوزير أبي طالب السُّمَيْرَمي (٣)، فبادر السُّمَيرمي، وضَرَبَ عُنُقَه، وسنذكره إن شاء الله تعالى (٤). وفيها عاث دُبَيْس بن صَدَقَة في البلاد، وكان يؤثر عِصيان مسعود على أخيه محمود ليتمكن من نَهبِ أعمال بغداد، فلما وقعت الحرب [بينهما] (٢) شَرَعَ دُبَيْس في الفساد،

стр. 9579

فنهب نهر عيسى ونهر الملك والمدائن وأعمال بغداد، ووَصَلَ عسكَرُه إلى بَعقُوبا (١)، وسبى الذَّراري، ونهبَ الأموال، وهَتَكَ الحريم، وافتَرَشَ النِّساء، وكان يعتقد ما دام الخلاف قائمًا بين السُّلْطانين أنه يتمكن من غَرَضِهِ، ويستقيم أمرُه كما استقامَ أمرُ أبيه صَدَقة عند اختلاف الملوك، فلما بلغه كسرةُ مسعود خاف مجيء محمود إلى البلاد، فأحرقَ الغِلال والأتبان، وبعث إليه الخليفة أبا الحسن علي بن المُعَمَّر نقيب الطَّالبيين يخوِّفُه ويُنذره، فلم يلتفت، وجاء إلى بغداد في جُمادى الآخرة، وضَرَبَ سُرادقَه بالجانب الغربي لإزاء دار الخلافة، وباتَ أهلُ بغداد على وَجَلٍ، وبعث يتهدَّدُ الخليفة، ويقول: أنتَ بعثتَ إلى السُّلْطان ليقدَمَ بغداد، فإن صرفتَه وإلا فعلتُ وفعلتُ. فقال الخليفة: إنَّ السُّلْطان لا يمكن رَدُّه، بل نسعى لك معه في الصُّلح. فرحَلَ. ودخل السُّلْطان محمود بغداد في رجب، وتلقَّاه الوزير ابنُ صَدَقَة والموكب، ونثَر أهلُ باب الأزَج عليه الدَّنانير، وولَّى شحنكية بغداد يرنقش الزَّكوي (٢). وفي شعبان جاءت زوجة دُبَيْس [بن صَدَقَة] (٣)، وهي شرف خاتون بنت عميد الدولة ابن جَهِير إلى السُّلْطان، ومعها عشرون ألف دينار وثلاثة عشر رأسًا من الخيل، فلم يقعِ الرِّضى عن دُبيس، ورَدَّ الجميع، فبعثَ يطلب من السُّلْطان الأمان، فبعث إليه بخاتمه، فدخل البَرِيَّة، فقصده السُّلْطان، ونَزَلَ الحِلَّة، فبات بها ليلة، فنهبها، وقتل رجّالة دُبَيْس وشَرَّدَهم، ولجَّجَ (٤) دُبَيْس في البَرِيَّة. [وذكر أبو يعلى بن القلانسي في "تاريخ دمشق"، أن السلطان لما نزل الحِلَّة نهبها وانهزم دُبَيْس إلى] (٥) قلعة جَعْبَر مستجيرًا بصاحبها شهاب الدين مالك بن سالم، فأجاره وأكرمه. وقيل: وقع بينهما مصاهرة (٦).

стр. 9580

وعاد السُّلْطان إلى بغداد، وشَفَعَ إلى الخليفة في أخيه أبي الحسن، فقال: في إخراجه فَتْحُ بابِ الفِتَن، وبعث للسُّلْطان ثلاث مئة ألف دينار على أن يسكت، فسكت. وفيها أعاد أبو طالب وزير محمود المكوس والضَّرائب، وكان محمد قد أبطلها سنةَ إحدى وخمس مئة. وفيها رفع [نجم الدين] (١) إيلغازي عن أهل حلب المكوس [والمؤن والمظالم] (١)، وما جدَّده الظَّلَمة، ووادَعَ الفرنج، [وسالمهم] (١). وفيها توفي أحمد بن عبد الوهّاب بن هبة الله (٢) أبو البركات، ابن السِّيْبي. كان يعلِّمُ أولاد المستظهر، فأنِسَ به المسترشد، فلمَّا وليَ الخِلافة، ولَّاه المخزن بعد هلاك ابن الخَرَزي، وكان كثير الصَّدَقة، واسِعَ المعروف، معتقدًا في أهل العِلم. أقام على المخزن سنة وثمانية أشهر، وتوفي عن ست وخمسين سنة، وصلَّى عليه الوزير ابنُ صدقة وأربابُ الدَّوْلة في مقصورة جامع القَصر، ودُفِنَ [عنده جدِّه أبي الحسن القاضي] (١) بباب حَرْب، وخلَّف مئة ألف دينار، وأوصى بثُلُثها صَدقَة على أهل الحرمين، وأوقف وقوفًا كثيرة. [وسمع أبا الحسن بن النَّقور، وأبا محمد الصريفيني، وأبا القاسم بن البُسْري وغيرهم، (٣)، وروى عنه الخليفة المقتفي، وكان سَيِّدًا فاضلًا، نبيلًا، صدوقًا ثِقَة.

стр. 9581

الحسين بن علي بن محمد (١) أبو إسماعيل، مُؤَيَّد الدِّين، الطُّغْرائي (٢). الكاتب الوزير، ويقال: هو من ولد أبي الأسود الدِّيْلي، [والطُّغْرائي من أجداد محمد بن الحسين الملقب بالنظام وزير الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب ﵀، لأنَّ نظام الدِّين وزير الظاهر اسمه محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد، والحسين بن علي هو المقتول] (٣)، وكان السُّلْطان محمود قد نَسَبَ خروجَ أخيه مسعود عليه إلى الطُّغْرائي. [وحكى ابن السَّمعاني أبو سَعد في "الذيل" أنَّ السُّلْطان محمود بن محمد شاه جَلسَ] (٤) يومًا في بَهوٍ فيه عصافير فقال: آذتنا هذه العصافير، فقال له بعضُ خواصِّه: يأمر السُّلْطان بعضَ الفَرَّاشين يصعد إليها بسُلَّم، فيرمي أعشاشَها، أو يأمر بعضَ الغِلْمان بأن يرميها بالبُنْدُق، فقال: ما أستحِلُّ ذلك، فقيل له: فكيف استحللتَ قَتْلَ مُؤَيَّد الدين الطُّغْرائي مع شيخوخته وفَضْله؟ فقال: ما مع الفَضْل فُضُولٌ. يعني أنه أوقع بينه وبين أخيه. [قلت: ما أحسنَ هذا الجوابَ الذي يهدي العقلاءَ إلى طريق الصَّواب، وقد ذكرنا أنَّ الطُّغرائي كان في عسكر مسعود، وأن الوزير أبا طالب السُّمَيرمي وزير محمود عاجله بالقَتْل، وكان قد] (٥) أقام أقوامًا، فشهدوا عند السُّلْطان محمود أنَّ الطُّغْرائي زِنديق، وأنه لا يدين بدين الإسلام، وكان الطُّغْرائي يحتقر السُّمَيرمي ويستصغره.

стр. 9582

وقيل: إنَّ السُّمَيرمي قَتَلَه بعضُ غِلْمان الطُّغرائي وسنذكره [في سنة ست عشرة وخمس مئة] (١)، إن شاء الله تعالى. [قلت، (٢): وكان الطُّغْرائي من أفْصَحِ الفُصحاء، وأَفْضَل الفُضَلاء، وأَمْثَلِ العُلماء. [وله منظوم ومنثور] (٢)، وديوانه مشهور (٣) [وقد اخترتُ منه هاهنا ما يبهج القلوب ويشرح الصُّدور] وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وجعله من أعيان الجريدة؛ فمن شعره] (٤) يمدح الوزير نظام الملك على قافيتين (٥): [من مجزوء الكامل] يا أيها المولى الذي اصـ … ـــطنَعَ الورى، شَرقًا وغَرْبا والمستعانُ على الزَّما … نِ إذا اعترى، وأجَدَّ حَرْبا وتركتَ دينَ الله مَشْـ … دودَ العُرى، بُعدًا وقربا وضَمِنْتَ للدُّنيا ومَنْ … فيها القِرى، وكَشَفْتَ جَدْبا مَنْ قال غَيرُك للعُلا … فقد افترى، مَيْنًا وكِذْبا (٦) وقال في مقابلة القمر للشمس المنيرة: [من الكامل] وكأنَّما الشَّمسُ المنيرةُ إذْ بَدَت … والبَدرُ يجنحُ للمغيبِ وما غَرَبْ متحاربانِ لذا مِجَنٌّ صاغَهُ … من فِضَّةٍ ولذا مِجَنٌّ مِنْ ذهَبْ (٧) وقال يمدح السُّلْطان محمود في أيام أبيه: [من الطويل] أيا جِيْرَة شَطَّتْ بهم غُرْبةُ النَّوى … فلا عَهْدُهُمْ يُنسْى ولا الوُدُّ يُفْسَخُ

стр. 9583

لكم في جنوبِ الأَرْضِ مَسْرًى ومَسْرَحٌ (١) … وللحُبِّ في جَنْبيَّ مَرْسىً ومَرْسَخُ وحَظِّي من الأيام مُلكٌ بعِزِّه (٢) … تُقامُ مُواقيتُ العُلا وتُؤرَّخُ سلالةُ ظلِّ الله في الأرض إنْ جَرَتْ … له ذُكْرَةٌ عند السَّلاطينِ بَخْبخوا (٣) يتوق إليه المُلْك وَهْوَ له ابنُمٌ (٤) … ويَصبو إليه التَّاجُ وَهْوَ له أخُ (٥) وقال أيضًا: [من الكامل] إني لأذكُرُكُمْ وقد بَلَغَ الظَّما … مني فأشرَقُ بالزُّلال البارِدِ وأقول ليتَ أحِبَّتي عايَنْتُهُمْ … قبل المماتِ ولو بيومٍ واحد (٦) ما زلتُ أزْهَدُ في مودَّةِ راغبٍ … حتى ابْتُلِيْتُ برغبةٍ في زاهِدِ ولربَّما نالَ المرادَ مُرَفَّهٌ … لم يسعَ فيه وخاب سَعْي الجاهِدِ هذا هو الدَّاءُ الذي ضاقَتْ به … حِيَلُ الطَّبيب وطالَ يأسُ العائِدِ (٧) وقال أيضًا: [من الطويل] أيا حاديَ الأظْعانِ غرِّدْ فقد بدا … لنا حَضَنٌ (٨) واستقبَلْتنا صَبا نَجْدِ لقد طال عَهْدي بالحِمى وأهَيْلِه … ولولا شَقائي (٩) لم يَطُلْ بهمُ عَهدِي أسائِلُ عنهُ مَنْ لَقِيْتُ وعنهُمُ … متى جادهُمْ غَيثٌ وما فعلوا بعدي هل اخضَرَّ وادِيْهمْ فعاشوا بغِبْطةٍ … أمِ استبدلوا الصَّمَّانَ بالأجْرَعِ الفَرْدِ أقولُ لأصحابي غَدَاةَ تزافروا (١٠) … رُوَيْدَكُمُ إِنَّ الهوى داؤه يُعدي

стр. 9584

إذا ما قَدَحْتُمْ نارَ وَجْدٍ فإنَّما … شرارتُها فيكم وجَمْرتُها عندي (١) وقال وقد جاءَه ولد [ذكَرٌ] (٢) على كِبَرٍ: [من البسيط] هذا الصَّغيرُ الذي وافى على كِبرَي … أقَرَّ عيني ولكنْ زادَ في فِكَري وافى وقد أبْقَتِ الأيَّامُ في جسدي … ثَلْمًا كثَلْمِ اللَّيالي دارةَ القَمَر سَبْعٌ وخمسون لو مرَّتْ على حَجَرٍ … لبانَ تأثيرُها في صَفْحةِ الحَجَرِ (٣) وقال (٤): [من الوافر] إذا [ما] (٥) لم تكنْ مَلِكًا مُطاعًا … فكُنْ عَبْدًا لخالقِهِ مطيعا وإنْ لم تمْلُكِ الدُّنيا جميعًا … كما تَهْواه فاتْرُكْها جميعا هُما سببان (٦) مِنْ مُلك ونُسْكٍ … يُنيلانِ الفتى الشَّرَفَ الرَّفيعا ومَنْ يَقنَعْ من الدُّنيا بشيءٍ … سوى هذين عاشَ بها وضِيْعا فَدَعْ عنك التَّوسُّطَ (٧) فالمَعَالي … يفوزُ بهنَّ مَنْ طَلَبَ المَنِيْعا وهَمَّك في التَّزهُّدِ فَهْوَ خيرٌ … من المُلْك الذي يفنى سريعا (٨) وقال أيضًا: [من الكامل] مِنْ أينَ أطمعُ في السَّلامةِ بعدما … يَئِسَ الطَّبيبُ وقال هل مِنْ راقِ أمَ كيفَ آنَسُ بالصِّحابِ وقد رأتْ … عينايَ منهمْ قِلَّةَ الإشْفاقِ إنَّ الأُلى نازعْتُهُمْ كأسَ الهوى … وصَحَوْا على عَجَلٍ وسُكْريَ باقِ قالوا وفي رأسي بقايا نَشْوَةٍ … ماذا دَهَاك؟ فقلتُ: جَوْرُ السَّاقي (٩)

стр. 9585

وقال [في سنة خمس وخمس مئة] (١): [من البسيط] أصالةُ الرَّأي صانَتْني عن الخَطَلِ … وحِلْيةُ الفَضْل زانَتْني لدى العَطَلِ مجدي أخيرًا ومجدي أولًا شَرَعٌ … والشمس رأْدَ الضُّحى كالشَّمسِ في الطَّفَلِ فيمَ الإقامةُ بالزَّوْراء لا سَكني … بها ولا ناقتي فيها ولا جَمَلي فلا صديقٌ إليه مُشْتكى حَزَني … ولا أنيسٌ إليه منتهى جَذَلي وضجَّ مِنْ لَغَبٍ نِضْوي وَعَجَّ لِمَا … يَلْقَى ركابي ولَجَّ الركبُ في عَذَلي أربد بَسْطَةَ كَفٍّ أستعينُ بها … على قضاءِ حقوق للعُلا قِبلَي والدَّهرُ يَعْكِسُ آمالي ويُقنِعُني … من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ أُعَلِّلُ النَّفْسَ بالآمالِ أَرقُبُها … ما أضيقَ العَيْشَ لولا فُسْحةُ الأمَلِ (٢) حُبُّ السَّلامةِ يُثْني هَمَّ صاحبه … عن المعالي ويُغْري المرءَ بالكَسَلِ فإنْ جَنَحْتَ إليها فاتَّخِذْ نَفقًا … في الأرضِ أو مِصعَدًا (٣) في الجو فاعتَزِلِ إن العُلا حَدَّثتني وهي صادِقةٌ … فيما تحدِّثُ أَنَّ العِزَّ في النُّقَلِ لو أنَّ في شَرَفِ المأوى بُلوغَ مُنًى … لم تبرَحِ الشَّمْسُ يومًا دارةَ الحَمَلِ ما كنتُ أوْثرُ أنْ يمتدَّ بي زَمَني … حتى أرى دوْلة الأوغادِ والسّفَلِ تقدَّمَتْني رجالٌ كان شَوطُهُمْ … وراء خَطْويَ إذْ أمشي على مَهَلِ هذا جزاءُ امرئٍ أقرانُهُ دَرَجوا … مِنْ قَبْلِهِ فتمنَّى فُسْحة الأجَلِ وإنْ عَلانيَ مَنْ دُوني فلا عَجَبٌ … لي أُسوةٌ في انحطاطِ الشَّمْسِ عن زُحَلِ فاصبرْ لها غير مُحتالٍ ولا ضَجِرٍ … في حادِثِ الدَّهر ما يغني عن الحِيَلِ أعدى عدوِّك أدنى مَنْ وَثِقتَ به … فحاذِرِ النَّاس واصحَبهُمْ على دَخَلِ وإنَّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها … من لا يُعوِّل في الدُّنيا على رَجُلِ من أبيات (٤).

стр. 9586

ويقال إنَّ السُّمَيرمي إنَّما قتله لهذه الأبيات لأنه عرّض به، وقال: [من الطويل] ذكرتكُمُ عند الزُّلالِ على الظَّما … فلم أنتفعْ من وِرْدِهِ ببلال وحدَّثْتُ نَفْسي بالأمانيَ عنكُمُ (١) … وليسَ حديثُ النَّفْسِ غيرَ مِحال (٢) أواعدها قُرْبَ اللِّقاء ودُونَه … مواعِيدُ دَهْرٍ مُوْعَد (٣) بمِطال يَقَرُّ بعيني الرَّكْبُ مِنْ نحو أَرضِكِم … يُزَجُّونَ (٤) عِيْسًا قُيِّدَتْ بكَلالِ (٥) أطارحُهُمْ جِدَّ الحديثِ وهَزْلَه … لأَحْبِسَهُمْ عن سَيْرِهِمْ بمقالِ أسائِلُ عمَّنْ لا أريدُ وإنَّما … أريدكُمُ مِنْ بينهم بسؤالِ وَيعْثِرُ ما بين السُّؤَال ورَجْعِهِ … لساني بكُمْ حتَّى يَنُمَّ بحالي وأطوي على ما تعلمونَ جوانحي … وأُظْهِرُ للعُذَّالِ أَنِّيَ سالي فلا والذي عافاكُمُ وابتلى بكمْ … فؤاديَ ما مَرَّ السُّلُوُّ ببالي وقد كنتُ أَوْلى النَّاس بالدَّمعِ مُقْلَةً … ولكنَّ دَمْعي في الحوادثِ غالي (٦) وقال أيضًا: [من الطويل] فيا جيرتي بالجِزْعِ جسميَ بَعدكُمْ … نحيلٌ وطَرْفي بالسُّهادِ كحيلُ عَهِدْتُ بكم عَصرَ (٧) الشَّبيبةِ ناعمًا … فخانَ وخُنْتُمْ والوفاءُ قليلُ وأَوْدَعْتُكُمْ قلبي فلمَّا طَلَبْتُهُ … مَطَلْتُمْ وشَرُّ الغارمين مَطُولُ فإنْ عُدتُمُ يومًا تريدون مُهْجتي … تمنَعْتُ إلا أنْ يُقامَ كفيلُ (٨) وقال يمدح نظامَ المُلْك: [من الكامل] إنَّ البرامكةَ الألى بثوا النَّدى … بينَ الأنامِ فَمُحْسِنٌ أو مُنْعِمُ

стр. 9587

يشكون (١) أنّك قد نَسَخْتَ فِعَالهم … حتى تُنوسِيَ ما تقدَّمَ منهمُ فَتَكَ الرَّشيدُ بهمْ فَخَلَّدَ ذِكْرَهُمْ … ومَحَوْتَه مَحْوًا فهمْ لكَ أَلْوَمُ فارْفِقْ بهمْ واسْتَبْقِ بعضَ ثنائهمْ … كَرَمًا فقد دانوا بأنَّك أَكْرَمُ (٢) وقال: [من الطويل] أجيرتَنا بالجِزْع كيف خَلصتُمُ … نَجِيًّا وأَخْفَيْتُمْ مسيرَكُمُ عنِّي لقد سمعتْ أُذنْايَ نجوى فِراقِكُمْ … فلا أَبْصرتْ عينايَ ما سَمِعَتْ أُذْني (٣) وقال: [من الطويل] هَنَاك الكَرَى يا راقدَ اللَّيلِ إنَّني … أَلِفْتُ سُهادًا لذَّ لي وهَناني طَرَدْتُ سَوامَ النَّومِ عنِّي تَشَوُّقًا … لخَفْقَةِ بَرْقٍ بالعُذَيْبِ يماني ضَمِنْتُ لصَّحْبي الصبرَ عنهمْ وقد أَبَتْ … ضمانةُ قلبي أَنْ تفي بضماني فيا صاحبي سِرِّي وجَهرِيَ أَسْعِدا (٤) … فلمْ يبقَ منِّي غيرَ ما تَرَيانِ خُذا خَبَرِي عن نار قلبيَ واسألا … تَحَلُّبَ شاني (٥) عن تقلُّبِ شاني فإنْ قُلْتما والقَولُ ما تريانِهِ … تداوَ بصبرٍ فاذْهَبا ودَعَاني هو النُّصحُ إلا أنَّه غيرُ نافعٍ … إذا لم يكن لي بالسُّلُوِّ يدانِ (٦) وقال يتشوق إلى جَيٍّ؛ مكان بأصبهان: [من البسيط] يا حاديَ الظَّعْنِ (٧) رِفْقًا إنَّك الجاني … قَتْلي إذا زِلْتَ عن جَيٍّ بأَظْعانِ بالله رِفْقًا بقلبي لا يَمُتْ كَمَدًا … وبالهوى لا يَبُحْ ما بينَ خِلَّاني ويا نسيمَ الصَّبا في الطِّيْب مُنْغمسًا … أنفاسُهُ ونسيْمُ المِسكِ والبانِ

стр. 9588

امررْ على الرَّوْضة الغنَّاءِ مُرْتكضًا … فيها على الطِّيْبِ من رَوْحٍ ورَيْحانِ والْثُمْ ثرى جَيْ إنْ وافَيْتَها سَحَرًا … واقْرِ السَّلام على أهلي وجِيْراني وقلْ لهمْ إنَّ طِيْبَ العَيْشِ بعدكُمُ … بَذَلْتُ منهُ جَوَى هَمٍّ وأحزانِ أبيتُ مُسْتنجدًا عَوْني (١) على زَمَني … وليس إلا دموع العَيْنِ أعواني أشتاقُ مِنْ شِعْب بوَّانٍ إلى وَطَني … وأين مِنْ شِعْب جَيٍّ شِعْبُ بَوَّانِ (٢) وقال أيضًا: [من الطويل] هوًى ليس يُسلي القُربُ عنه ولا النَّوى … وشجوٌ قديمٌ ليس يُشبِهُهُ شَجو فأسْرٌ ولا فَكٌّ ووَجْدٌ ولا أسى … وسُقْمٌ ولا بُرْءٌ وسُكْرٌ ولا صَحْو ولولا الهوى ما شاقني لَمْعُ بارقٍ … ولا هدَّني شَجْو ولا هَزَّني شَدْو (٣) الحسين بن محمد بن فِيْرُّه (٤) ابن حَيُّون بن سُكَّرة، أبو علي الصَّدفي سكن مُرْسِيَة، وسمع الحديث الكثير، وسافر إلى الشام والمشرق، ولقي شيوخ الدُّنيا، ورَحَلَ إليه النَّاس من الأمصار لسماع الحديث، وكان عارفًا به. وأكرهه عليُّ بنُ يوسف بن تاشفين على قضاء مُرْسِية، فامتنع لزُهده ووَرَعه. وخرج في غَزَاة (٥)، فانهزمَ المسلمون وثَبَت، فاستشهد يوم الخميس لثلاثٍ بقين من رجب (٦) - وقيل: كان في سنة ثلاث عشرة - وعمره ستون سنة، واتفقوا على فَضله ودِينه، وصِدقه وثقَته.

стр. 9589

عبيد الله (١) بن نَصر بن السَّرِي أبو محمد الزَّاغُوني (٢). قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتوفي يوم الاثنين عاشر صفر، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان من أهل السِّتْر والصِّيانة، والصَّلاح والأمانة. عبد الله بن عبد الكريم بن الحسين (٣) أبو المعالي الدِّمَشْقي الجَوْهَري، ويعرف بابن الطَّويل. كان صالحًا دَيِّنًا، وقف كُتُبَه بجامع دمشق في الزَّاوية الغربية، ومات بدمشق، [سمع الفقيه نَصر وغيره، وروى عنه الحافظ ابن عساكر] (٤)، وكان ثقةً. عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هَوازن (٥) أبو نَصر القُشَيْري قرأ على أبيه وغيره، وسَمِعَ الحديث، وكان فصحيًا ذكيًا، شاعرًا، واعظًا، قدم بغداد في أيَّام نظامِ المُلْك، ونَصَر مذهب الأشعري، فأُخرج منها لإطفاء الفِتْنة (٦)، فَرَجَعَ إلى وطنه، فأقام بنَيْسابور حتى توفِّي في جُمادى الآخرة.

стр. 9590

ومن شِعْره في ولده فضل الله بن عبد الرحيم: [من مجزوء الرجز] كم حسرةٍ لي في الحَشَا … من وَلَدِي وقد نَشَا كنتُ أشاءُ رُشْدَهُ … فما نَشَا كما أشَا (١) ومن شعره: [من المتقارب] ولم أنسَ مَوقفَنا للوداعِ … أدورُ حواليهمُ كالفَرَاشِ أُمَرِّغُ خَدِّيَ فوق التُّرابِ … فمنهُ لحافي ومنه فِرَاشي وظنِّي أنِّي لهم صاحِبٌ … أسايرهُمْ مثل بعض المواشي فلما استقلَّتْ بهم عِيْسُهُمْ … تَنادَوْا ألا لا يجيئَنَّ ماشي وقدم البكري بغداد [عوضه] (٢)، وكان من لا خلاق له، فأخذ يَسُبُّ الحنابلة، فأخذه الله تعالى (٣). عبد العزيز بن علي بن عمر (٤) أبو حامد الدِّينوري، كان كثيرَ الخيراتِ، غزيرَ الصَّدقات، له جاه عظيم عند الخليفة و [عند] (٥) الناس، [وتوفي بهَمَذَان] (٥)، وكان تاجرًا له مالٌ عظيم، [سمع أبا محمد الجَوْهَرِي وغيرَه] [و] (٥) روى عنه أبو المُعَمَّر (٦) [الأنصارِي] (٥) وغيره، وكان ثِقَةً.

стр. 9591

محمد بن محمد بن علي (١) أبو الفَتْح، الخُزَيْمي (٢) الواعظ. كان مليحَ الإيراد، قَدِمَ بغداد سنةَ تسعٍ وخمس مئة، حدَّث على المِنْبر عن القُشَيْري، قال: تزوَّج النبيُّ ﷺ امرأة، فرأى بكَشْحِها (٣) بياضًا، فردَّها، وقال: "الحقي بأهلك". وزاد في الحديث: فنَزَلَ جبريل، فقال: العَليُّ الأعلى يقرئك السَّلام، ويقول [لك] (٤): بنقطةٍ واحدة من العَيْب رددت عَقْدَ النِّكاح، ونحن بعيوبٍ كثيرة لا نفسخ عَقْدَ الإيمان مع أُمَّتك، لك نسوةٌ نمسكُهُنَّ لأجلك، أَمْسِكْ هذه لأجلي. [قال جدي ﵀: وهذا كَذِبٌ فاحش على الله تعالى وعلى جبريل، فإنَّه لم يُوحَ إليه بشيءٍ من ذلك، ولا عُوتب في فراقها، قال: والعجب من نَفَاقِ هذا الكذاب في بغداد، ولكن على الفُسَّاق والجُهَّال، وكذلك مجالس أبي الفتوح الغزالي ومجالس ابن العَبَّادي فيها العجائب المتخرَّصة، والمعاني التي لا توافق الشريعة، وسببه بُعدهم وبُعد أبناءِ جِنْسهم عن معرفة الصَّحيح، واختيارُهُمْ ما يَنْفُقُ على العوام] (٥). توفي الخُزَيْمي بالرَّي، واشتدَّ جَزَعُه عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: القدومُ على الله شديد. ودُفِنَ إلى جانب إبراهيم الخوَّاص. حدَّث عن أبي القاسم القشيري ونظائره، [وقد تكلموا فيه] (٤). السنة الخامسة عشرة وخمس مئة فيها عَزَمَ السُّلْطان على الخروج من بغداد، فأرسل إليه الخليفة يقول: تقيمُ عندنا هذه الصَّيفية - خوفًا من دُبَيْس - فقال: معي من العساكر ما قد [علمتَ] (٦)، وأحتاجُ إلى

стр. 9592

نفقاتٍ كثيرة، فقال الخليفة: عليَّ ما تحتاجون إليه، فأقام أربعة أشهر، ففَرَغَتِ الخزائن، فأخذوا من دور الحريم، وجبوا ثلاثة أيام، فكَثُرَتِ الشِّكايات، فَرُفِعَ ذلك عنهم، وأدَّى الأمر إلى القَرض من أصحاب الأموال (١). وفيها عُزِلَ عليُّ بن طِراد من النِّقابة، وكانت ابنتُه مُتَّصلة بالأَمير أبي عبد الله بن المستظهر وهو المُقتفي، وكان ابنُ صَدَقة يكرهه ولا يوفيه حقَّه في دار الخلافة، فلما عُزِلَ في ربيع الأول عَبَرَ إلى دار الوزير السُّمَيرمي، وكان يتعصب له، فخاطب في حَقِّه، فَرُضِي عنه، وأُعيد إلى النِّقابة (٢). وفيه خلع السُّلْطان على القاضي أبي سَعد الهَرَوي، وولاه القضاء إلا في العراق مراعاةً لقاضي القضاة أبي القاسم الزَّيْنَبي لما يعلمُ من مَيلِ الخليفة إليه. وخَرَجَ الهرويُّ إلى سنجر برسالةٍ من الخليفة ومن السُّلْطان محمود، ومعه خِلْعةُ الخليفة وهدايا، وسار في تجمُّلٍ عظيم (٣). وفي جُمادى الآخرة وقع حريق في دار السُّلْطان، فاحترقت الدَّار التي استجدها بِهْرُوز الخادم. وكان سببُ حريقها أنَّ جارية كانت تَختضِبُ بالحِنَّاء في اللَّيْل، وقد أسندت الشَّمعةَ إلى خَيْشٍ (٤)، فعَلِقَتْ به النَّار، فما تجاسرت أن تنطق، فاحترقتِ الدَّار، وهرب السُّلْطان إلى سفينة، فوقفَ في وسطها في دِجلة، واحترق من الفُرُش والآلات والأواني والبُسُط والجواهر واللؤلؤ وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، ولم يَسلَم من الدار [ولا] (٥) خشبةً واحدة. وقال السلطان: لا حاجة لنا إلى بناء هذه الدار التي لم يُمتَّع بها أبي، ولا طال بقاؤه، وذهبت أموالُنا وأرزاقنا فيها، وتكفينا دار المملكة العتيقة (٦).

стр. 9593

[قلتُ: وهذه الدار بناها بِهروز الخادم من أنقاض النَّاس، واستعمل في عِمارتها أهلَ بغداد حتى القُضَاة والأشراف والأعيان، وكانوا ينقلون الأنقاض في طيالستهم (١)، ولما كَمَلَت أمرهم بِهروز أنْ يحملوا إليها الفُرُش والبُسُط والآنية وغيرِها، فَحَمَل النَّاس إليه أنواعَ الفُرُش والأواني والثِّياب، لا جرَمَ أنَّ مآلها كان إلى الحريق والخراب، وقد رأينا في الشَّاهد أَنَّ كلَّ دارٍ بُنِيَتْ على وَجْهِ الاغتصاب سيكون مآلُها إلى الاندراس والتَّباب] (٢). والعجبُ أَنَّ الخبر وصل بعد يومين من حريقها أَنَّ جامع أصبهان احترق [في هذا الأوان] (٢). وذهب منه من الأخشاب ما ثمنه ألف ألف دينار، واحترق فيه خمس مئة مُصحف، عليها صفائحُ الذَّهب والفِضَّة، ومن جُملتها مُصحَفٌ بخطِّ أُبَيّ بن كَعب، ويقال: إنَّه كان بين الحريقين ثمانية أيام (٣). [وقدم من أصبهان القاضي أبو القاسم إسماعيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد البخاري الحنفي، ويعرف بابن الدَّانْشَمنْد مدرِّسُ الحنفية، وجَلَسَ في دار السُّلْطان، ووعَظَ، وحَضَرَ السُّلْطان وجميعُ أصحابه] (٤). وفيها خلع الخليفةُ على السُّلْطان بعد أن بعث إليه قاضي القضاة الزَّينبي وابنَ الأنباري وإقبال ونَظَرَ والأماثل، فاستحلفوه على الطَّاعة والمناصحة (٥). فلما كان يوم الاثنين رابع شعبان جلس المسترشد في مجلس الخلافة [على عادته] (٢)، وبينه وبين النَّاس ستارةٌ على الشُّبَّاك، والخليفة على السُّدَّة، وجاء وزير السُّلْطان [أبو طالب] (٢) السُّمَيرمي، فوقف عن يمينِ السُّدَّة، ووزير الخليفة ابن صدَقَة عن يسارها، والأعيانُ وقوفٌ بين يديها، واستُدعي السُّلْطان [محمود] (٢) من داره، فجاء، ودخل إلى صحن السَّلام، ويده في يد أخيه مسعود، ورُفِعَتِ السِّتارة، وخَدَمَ [السُّلْطان] (٢) محمود وأخوه مرارًا، وقبَّلا الأَرْضَ، وحُمِلَ محمود إلى مكانٍ تفاضُ فيه

стр. 9594

الخِلَع، وتولَّى ذلك إقبال ونَظَر، وخُلِعَ عليه الخِلْعةُ الكاملة والتَّاج والطَّوق والسِّواران، وقرئَ صَدرٌ من عهده، وخَرَجَ وقد قُدِّمَتْ له أربعةُ أفراسٍ بمراكب الذَّهب. وخُلع على أخيه مسعود (١). وفيها سقط ببغداد ثلجٌ عظيم لم يقع مثله، أقام خمسة عشر يومًا فقال الشاعر (٢): [من الخفيف] يا صدورَ الزَّمانِ ليس بوَفْرٍ (٣) … ما رأيناه في نواحي العراقِ إنما عَمَّ ظُلْمُكُمْ سائِرَ الخَلْـ … ـــــقِ فشابَتْ ذوائبُ الآفاقِ (٤) وفيها كتب الخليفةُ والسُّلْطان إلى إيلغازي يأمرانه لإبعاد دُبَيْس، وفَسْخِ النِّكاح الذي عَقْدَه له على ابنته، وقد كان [لها] (٥) زوجٌ قبل دُبَيْس ورَدَ بغداد شاكِيًا على إيلغازي، وادَّعى أنَّ نكاحه ثابت، فتوقف الحال، وادَّعى إيلغازي أنَّ النِّكاح صحيح، ثم حَلَفَ للخليفة والسُّلْطان. [وفيها] (٦) عاد دُبَيْس إلى الحِلَّة، فندبَ السُّلْطان إليه العساكر، فهرب إلى الأزيز، وهو نهر سِنداد الذي يقول فيه الأسودُ بنُ يَعفُر (٧):

стр. 9595

والقَصر ذي الشُّرُفاتِ من سِنْداد وكان مقدَّم عسكر السُّلْطان يرنقش الجندار، فراسل دُبَيْسًا، وأَشار عليه بطاعة السُّلْطان، فبعث دُبَيْس ابنه منصور إليه، فدخل به يرنقش إلى بغداد، وأحضره بين يدي السُّلْطان، فبعث به إلى خدمة الخليفة. ومنها دخلتِ العربُ فَيْد (١)، وكسروا أبوابها ونهبوها، فأرسل موفق الخادم لها الأبوابَ الحديد، ونُصبتْ على الحِصن، وعَزَّلَ (٢) مَصنعَها وعَينَها، فيقال: إنَّ الأبوابَ باقيةٌ على حالها إلى الآن. وفيها كسر أتابك طُغْتِكِين الفرنج على رحو (٣) العَقَبة، فقتل، وسبى وغَنِمَ، وكانت كسرة عظيمة. وحجَّ بالنَّاس نَظَر الخادم، وأقام على فَيْد أيامًا حتى رُكِّبَتْ أبوابُها، وقال: هذه مَعْقِلُ أزواد الحُجَّاج، إن لم نَعْمُرْها وإلَّا بَطَلَ الحج. وفيها توفي الحسن بن أحمد (٤) ابن الحسن، الحدَّاد الأصبهاني بأصبهان، في ذي الحِجَّة، سمع أبا نُعَيم الأصبهاني، وانتهى إلى الحديث. وكان ثِقَة.
следующие страницы →