← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

محمد بن محمد بن علي (١) أبو الفَتْح، الخُزَيْمي (٢) الواعظ. كان مليحَ الإيراد، قَدِمَ بغداد سنةَ تسعٍ وخمس مئة، حدَّث على المِنْبر عن القُشَيْري، قال: تزوَّج النبيُّ ﷺ امرأة، فرأى بكَشْحِها (٣) بياضًا، فردَّها، وقال: "الحقي بأهلك". وزاد في الحديث: فنَزَلَ جبريل، فقال: العَليُّ الأعلى يقرئك السَّلام، ويقول [لك] (٤): بنقطةٍ واحدة من العَيْب رددت عَقْدَ النِّكاح، ونحن بعيوبٍ كثيرة لا نفسخ عَقْدَ الإيمان مع أُمَّتك، لك نسوةٌ نمسكُهُنَّ لأجلك، أَمْسِكْ هذه لأجلي. [قال جدي ﵀: وهذا كَذِبٌ فاحش على الله تعالى وعلى جبريل، فإنَّه لم يُوحَ إليه بشيءٍ من ذلك، ولا عُوتب في فراقها، قال: والعجب من نَفَاقِ هذا الكذاب في بغداد، ولكن على الفُسَّاق والجُهَّال، وكذلك مجالس أبي الفتوح الغزالي ومجالس ابن العَبَّادي فيها العجائب المتخرَّصة، والمعاني التي لا توافق الشريعة، وسببه بُعدهم وبُعد أبناءِ جِنْسهم عن معرفة الصَّحيح، واختيارُهُمْ ما يَنْفُقُ على العوام] (٥). توفي الخُزَيْمي بالرَّي، واشتدَّ جَزَعُه عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: القدومُ على الله شديد. ودُفِنَ إلى جانب إبراهيم الخوَّاص. حدَّث عن أبي القاسم القشيري ونظائره، [وقد تكلموا فيه] (٤). السنة الخامسة عشرة وخمس مئة فيها عَزَمَ السُّلْطان على الخروج من بغداد، فأرسل إليه الخليفة يقول: تقيمُ عندنا هذه الصَّيفية - خوفًا من دُبَيْس - فقال: معي من العساكر ما قد [علمتَ] (٦)، وأحتاجُ إلى

стр. 9592

نفقاتٍ كثيرة، فقال الخليفة: عليَّ ما تحتاجون إليه، فأقام أربعة أشهر، ففَرَغَتِ الخزائن، فأخذوا من دور الحريم، وجبوا ثلاثة أيام، فكَثُرَتِ الشِّكايات، فَرُفِعَ ذلك عنهم، وأدَّى الأمر إلى القَرض من أصحاب الأموال (١). وفيها عُزِلَ عليُّ بن طِراد من النِّقابة، وكانت ابنتُه مُتَّصلة بالأَمير أبي عبد الله بن المستظهر وهو المُقتفي، وكان ابنُ صَدَقة يكرهه ولا يوفيه حقَّه في دار الخلافة، فلما عُزِلَ في ربيع الأول عَبَرَ إلى دار الوزير السُّمَيرمي، وكان يتعصب له، فخاطب في حَقِّه، فَرُضِي عنه، وأُعيد إلى النِّقابة (٢). وفيه خلع السُّلْطان على القاضي أبي سَعد الهَرَوي، وولاه القضاء إلا في العراق مراعاةً لقاضي القضاة أبي القاسم الزَّيْنَبي لما يعلمُ من مَيلِ الخليفة إليه. وخَرَجَ الهرويُّ إلى سنجر برسالةٍ من الخليفة ومن السُّلْطان محمود، ومعه خِلْعةُ الخليفة وهدايا، وسار في تجمُّلٍ عظيم (٣). وفي جُمادى الآخرة وقع حريق في دار السُّلْطان، فاحترقت الدَّار التي استجدها بِهْرُوز الخادم. وكان سببُ حريقها أنَّ جارية كانت تَختضِبُ بالحِنَّاء في اللَّيْل، وقد أسندت الشَّمعةَ إلى خَيْشٍ (٤)، فعَلِقَتْ به النَّار، فما تجاسرت أن تنطق، فاحترقتِ الدَّار، وهرب السُّلْطان إلى سفينة، فوقفَ في وسطها في دِجلة، واحترق من الفُرُش والآلات والأواني والبُسُط والجواهر واللؤلؤ وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، ولم يَسلَم من الدار [ولا] (٥) خشبةً واحدة. وقال السلطان: لا حاجة لنا إلى بناء هذه الدار التي لم يُمتَّع بها أبي، ولا طال بقاؤه، وذهبت أموالُنا وأرزاقنا فيها، وتكفينا دار المملكة العتيقة (٦).

стр. 9593

[قلتُ: وهذه الدار بناها بِهروز الخادم من أنقاض النَّاس، واستعمل في عِمارتها أهلَ بغداد حتى القُضَاة والأشراف والأعيان، وكانوا ينقلون الأنقاض في طيالستهم (١)، ولما كَمَلَت أمرهم بِهروز أنْ يحملوا إليها الفُرُش والبُسُط والآنية وغيرِها، فَحَمَل النَّاس إليه أنواعَ الفُرُش والأواني والثِّياب، لا جرَمَ أنَّ مآلها كان إلى الحريق والخراب، وقد رأينا في الشَّاهد أَنَّ كلَّ دارٍ بُنِيَتْ على وَجْهِ الاغتصاب سيكون مآلُها إلى الاندراس والتَّباب] (٢). والعجبُ أَنَّ الخبر وصل بعد يومين من حريقها أَنَّ جامع أصبهان احترق [في هذا الأوان] (٢). وذهب منه من الأخشاب ما ثمنه ألف ألف دينار، واحترق فيه خمس مئة مُصحف، عليها صفائحُ الذَّهب والفِضَّة، ومن جُملتها مُصحَفٌ بخطِّ أُبَيّ بن كَعب، ويقال: إنَّه كان بين الحريقين ثمانية أيام (٣). [وقدم من أصبهان القاضي أبو القاسم إسماعيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد البخاري الحنفي، ويعرف بابن الدَّانْشَمنْد مدرِّسُ الحنفية، وجَلَسَ في دار السُّلْطان، ووعَظَ، وحَضَرَ السُّلْطان وجميعُ أصحابه] (٤). وفيها خلع الخليفةُ على السُّلْطان بعد أن بعث إليه قاضي القضاة الزَّينبي وابنَ الأنباري وإقبال ونَظَرَ والأماثل، فاستحلفوه على الطَّاعة والمناصحة (٥). فلما كان يوم الاثنين رابع شعبان جلس المسترشد في مجلس الخلافة [على عادته] (٢)، وبينه وبين النَّاس ستارةٌ على الشُّبَّاك، والخليفة على السُّدَّة، وجاء وزير السُّلْطان [أبو طالب] (٢) السُّمَيرمي، فوقف عن يمينِ السُّدَّة، ووزير الخليفة ابن صدَقَة عن يسارها، والأعيانُ وقوفٌ بين يديها، واستُدعي السُّلْطان [محمود] (٢) من داره، فجاء، ودخل إلى صحن السَّلام، ويده في يد أخيه مسعود، ورُفِعَتِ السِّتارة، وخَدَمَ [السُّلْطان] (٢) محمود وأخوه مرارًا، وقبَّلا الأَرْضَ، وحُمِلَ محمود إلى مكانٍ تفاضُ فيه

стр. 9594

الخِلَع، وتولَّى ذلك إقبال ونَظَر، وخُلِعَ عليه الخِلْعةُ الكاملة والتَّاج والطَّوق والسِّواران، وقرئَ صَدرٌ من عهده، وخَرَجَ وقد قُدِّمَتْ له أربعةُ أفراسٍ بمراكب الذَّهب. وخُلع على أخيه مسعود (١). وفيها سقط ببغداد ثلجٌ عظيم لم يقع مثله، أقام خمسة عشر يومًا فقال الشاعر (٢): [من الخفيف] يا صدورَ الزَّمانِ ليس بوَفْرٍ (٣) … ما رأيناه في نواحي العراقِ إنما عَمَّ ظُلْمُكُمْ سائِرَ الخَلْـ … ـــــقِ فشابَتْ ذوائبُ الآفاقِ (٤) وفيها كتب الخليفةُ والسُّلْطان إلى إيلغازي يأمرانه لإبعاد دُبَيْس، وفَسْخِ النِّكاح الذي عَقْدَه له على ابنته، وقد كان [لها] (٥) زوجٌ قبل دُبَيْس ورَدَ بغداد شاكِيًا على إيلغازي، وادَّعى أنَّ نكاحه ثابت، فتوقف الحال، وادَّعى إيلغازي أنَّ النِّكاح صحيح، ثم حَلَفَ للخليفة والسُّلْطان. [وفيها] (٦) عاد دُبَيْس إلى الحِلَّة، فندبَ السُّلْطان إليه العساكر، فهرب إلى الأزيز، وهو نهر سِنداد الذي يقول فيه الأسودُ بنُ يَعفُر (٧):

стр. 9595

والقَصر ذي الشُّرُفاتِ من سِنْداد وكان مقدَّم عسكر السُّلْطان يرنقش الجندار، فراسل دُبَيْسًا، وأَشار عليه بطاعة السُّلْطان، فبعث دُبَيْس ابنه منصور إليه، فدخل به يرنقش إلى بغداد، وأحضره بين يدي السُّلْطان، فبعث به إلى خدمة الخليفة. ومنها دخلتِ العربُ فَيْد (١)، وكسروا أبوابها ونهبوها، فأرسل موفق الخادم لها الأبوابَ الحديد، ونُصبتْ على الحِصن، وعَزَّلَ (٢) مَصنعَها وعَينَها، فيقال: إنَّ الأبوابَ باقيةٌ على حالها إلى الآن. وفيها كسر أتابك طُغْتِكِين الفرنج على رحو (٣) العَقَبة، فقتل، وسبى وغَنِمَ، وكانت كسرة عظيمة. وحجَّ بالنَّاس نَظَر الخادم، وأقام على فَيْد أيامًا حتى رُكِّبَتْ أبوابُها، وقال: هذه مَعْقِلُ أزواد الحُجَّاج، إن لم نَعْمُرْها وإلَّا بَطَلَ الحج. وفيها توفي الحسن بن أحمد (٤) ابن الحسن، الحدَّاد الأصبهاني بأصبهان، في ذي الحِجَّة، سمع أبا نُعَيم الأصبهاني، وانتهى إلى الحديث. وكان ثِقَة.

стр. 9596

خاتون السَّفرية حَظيَّة ملك شاه (١) ولدت له محمدًا وسنجر، [وهي جدَّة محمود ومسعود ابني محمد شاه] (٢)، وكانت صالحةً، كثيرةَ الصَّدقات، تبعثُ الأموالَ إلى الحرمين، والجِمالَ إلى طريق مَكَّة، وتُعين الحاجَّ، ولما حَصَلَت عند ملك شاه، بعثت إلى التُّرك مَن يبحث عن أهلها، حتى عَرَفَت مكان أمها وأخواتها، فبذلتِ الأموالَ في شرائهن، فلما وصلت أمها إليها وقد كانت فارقتها منذ أربعين سنة، فجلست خاتون بين جوارٍ يقاربنها في الشبه، حتى تنظر هل تعرفها أم لا، فلما سمعت الأم كلام ابنتها عَرَفَتها، فجاءت إليها فقبَّلَتها، فقامت خاتون واعتنقا وتباكيا، وأسلمت الأم. ولا تُعرف امرأةٌ ولدت ملكين إلَّا هذه، ولدت محمدًا، وسنجر من ملك شاه، وكلاهما ولي السَّلْطنة، [فأما امرأة ولدت خليفتين فولادة بنت العَبَّاس ولدت لعبد الملك بن مروان الوليد وسليمان، وشاهفريد ولدت للوليد بن عبد الملك: يزيد وإبراهيم وليا الخلافة، والخَيزُران ولدت الهادي والرَّشيد، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم] (٢) ولما جاء خبرُها إلى بغداد جلس السُّلْطان في دار المملكة للعَزَاء، وأربابُ الدَّوْلة، ووزير الخليفة [ابن صَدَقة] (٢) ثلاثة أيام، ووعظ أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي، وأبو سَعد إسماعيل بن أحمد [الطوسيَّان] (٢)، وجاء توقيع الخليفة في اليوم الثَّالث، فأقام السُّلْطان من العزاء، وخَلَع عليه. عبد الرزاق بن عبد الله (٣) ابن علي بن إسحاق الطُّوسي، ابن أخي نظام المُلْك، [كان قد] (٢) تفقَّه على أبي المعالي الجُوَيني وأفتى وناظر، ثم وزر للسُّلطان سنجر، فترك ذلك، واشتغل بالجندية وتدبير المماليك، ومات بنيسابور.

стр. 9597

[(١) وفيها توفي علي بن يلدَرك (٢) أبو الثناء، الكاتب التركي، كان شاعرًا ظريفًا، مترسِّلًا، وكانت وفاته في صفر، ودفن بباب حرب، وهو الذي حكى ابنُ عقيل عنه في "الفنون" أنه رأى صاحب القفص الزُّجاج قد زَلِقَ فانكسر، وأنه بكى، وقال: دخلت زمزم ونسيت الدُّمْلُج، وقد ذكرنا الحكاية في ترجمة عقيل (٣). فصل: وفيها توفي محمد بن صلاح بن جعفر (٤) ويعرف بابن ميسرة القاضي الرَّازي، ولد سنة أربع وثلاثين وأربع مئة، وسمع الحديث ورواه، وأسند إلى ابنِ مسعود في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] قال: هو بَلْعام بن أَبَر] (٥). محمد بن محمد بن عبد العزيز (٦) أبو (٧) علي ابن المهتدي (٨)، الخطيب.

стр. 9598

ولد في جمادى الأُولى سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وشهد عند أبي عبد الله بن الدَّامَغَاني، وهو آخرُ من بقي من شهود القائم، وكان ظريفًا، صالحًا، دَيِّنًا. توفي في شوال، ودفن بباب حَرْب، وحضر جنازَتَهُ النَّقيبان والأعيان، واتفقوا على عدالته وفَضله. السَّنة السَّادسة عشر وخمس مئة فيها في خامس المحرَّم، استدعى الخليفة السُّميرمي وزير السُّلْطان، وخاطبه في معنى دُبَيْس، وقُرْبه من بغداد، وأنها على خطر، وأُوثر إذا راح السُّلْطان أن يكون البُرْسُقي مقيمًا حوالي بغداد، فأجاب السُّلْطان واستدعى البُرْسقي. وفي المحرَّم قصد يرنقش دار الخلافة ومعه منصور أخو دُبَيْس، فنزل عند بابِ النُّوبي، وطولع بأَنَّ السُّلْطان يسأَلُ الرِّضى عنه، فخرج الجوابُ عنه: ما دام منصور تحت الرَّايات المغيثية (١)، فهو مشمولٌ بالرِّعاية. وفي صفر تقَدَّم السُّلْطان بالاستظهار على منصور، ونَقْلِهِ إلى مكان ضيِّق يوثق عليه فيه. وفي غُرَّة ربيع الأول خرج السُّلْطان من بغداد، وكان مقامه بها سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يومًا بعد أن أزال المكوس والضَّرائب والمظالم. واسْتُدْعي البُرْسُقي إلى باب الحجرة، وخُلِعَ عليه وفُوِّض إليه أمرُ دُبَيْس، فخرج بالعساكر إلى صَرْصَر (٢)، ومعه سديد الدَّوْلة محمد بن عبد الكريم الأَنْباري، وجاء دُبَيْس في جموعه، والتقوا يوم الخميس سَلْخ ربيع الأول، فانجلتِ الوقعة عن هزيمة البُرْسُقي. وكان في خمسة آلاف فارس، بعضهم لابس (٣)، ودُبَيْس في أربعة آلاف ورخالةٍ كثيرة.

стр. 9599

وكان سبُ الهزيمة، أنَّ البُرْسُقي رأى في ميسرته خللًا، فأمر بحطِ خيمته وأنْ تُحمل فتنصب في الميسرة؛ يشجعهم بذلك، وكان من سوءِ الرأي، لأَنَّ أصحابه لما رأوا الخيمة قد حُطَّت، انهزموا، وكان الحَرُّ شديدًا، فهلكت الخيل من العَطَش. ثم إنَّ دُبيسًا كاتَبَ الخليفة يسأله الصُّلْح، فأجابه، وتقرَّرَتْ قواعد الصُّلْح، ونَدَبَ قاضي القضاة الزَّيْنبيَّ للخروج إلى دُبَيْس، فعَلِمَ بُعد الصُّلْح (١)، فاستعفى فأُعفيَ، ونصَّ على ابنِ الرُّطَبي، فخرج مع ناصح الدولة ابن جَهِير، وتبعهما إقبال الخادم، وعادوا من الحِلَّة، فقصدوا دار الوزير ابن صَدَقَة ليوهموه خلافَ ما هم عليه من تقرُّرِ الأحوال على عَزْله، فلم يَخْفَ عليه، وعلم أَنَّ التَّدبير استقرَّ على عزله، وكان دُبَيْس وابنُ صَدَقة عدوَّيْن مُعْلِنَيْنِ بالعداوة، وأصبح ابنُ صدقة فجلس في الدِّيوان على عادته، فأُقيم إلى مكانٍ، ووكّلَ به، ونُهبت دارُه بباب العامَّة، ودُور أصحا به وحواشيه، واستناب الخليفةُ في الدِّيوان عليَّ بن طِراد الزَّينبي، وخَلَعَ عليه من ملابس الخاص، وكان في توقيعه: محلُّكَ يا نقيبَ النُّقباء من شريف الآراء، وموضعك الحال بالاختصاص والاختيار ما يقتضيه التعويلُ عليك في تنفيذ المهام، والمرجوع إلى استقرارك في النّيابة التي تُحْسِنُ بها القيام، وجماعةُ الأولياءِ مأمورون بمتابعتك، وامتثال ما تصرفهم فيه من الخِدَم في إبدائك وإعادتك، فاحفظْ نظامَ الدّيوان، وتقدَّمْ إلى من جَرَتْ عادتُه بملازمة الخِدَم من سائر الأعوان، وتوفَّر على مراعاة الأحوال بانشراحِ صَدْرٍ وفراغ بال، فإنَّ الإنعام لك شامل، وبَنيْلِ آمالك كافِلٌ، إنْ شاء الله تعالى. ثم تقدَّم الخليفة بعد مُدَّة من عَزلِ ابنِ صدقة لإطلاقه إلى دار يُمْن الخادم، وجَمَعَ بينه وبين أهله [وولده] (٢). وفيها قَدِمَ أبو سَعد الهروي من عند سنجر بهدايا ومال، وأخبر أنَّ السُّلْطان محمودًا قد استوزر عثمان بن نظام المُلْك، وسأل الخليفةَ أن يستوزر أخاه أحمد بن نظام

стр. 9600

المُلْك، وأنه لا تستقيم له وزارة وابن صدقة بدار الخليفة، فقال للخليفة (١): يتخَيَّر أيَّ مكانٍ شاء (٢). فاختار (٣) حديثة عانة (٤) عند سليمان بن مُهارِش. فَحُمِلَ إلى الحديثة محقَّرًا، واجتهد دُبَيْس في أَخْذه، وكَتَبَ إلى ابن مهارش يبذل له مالًا في تسليمه إليه، فلم يجبه. واستوزر الخليفةُ أحمدَ بنَ نظام المُلْك، وخَلَعَ عليه. وفيها عاث دُبَيْس في نواحي بغداد، ووصل إلى نهر الملك، فأرسل الخليفةُ إليه عفيفًا الخادم يقبِّحُ له ما فَعَل، فلما أدَّى الرّسالة أظهر دُبَيْس ما كان في نفسه، وقال: أنتم ضَمِنْتُم لي هلاكَ ابنِ صدقة عدوِّي وما وفيتم، بل أخرجتموه من الضِّيق إلى السَّعَة، واستوزرتم ابنَ نظام الملك ولم تشاوروني، وسألتكم في إبعاد البُرْسُقي عن بغداد وإطلاق أخي منصور، وما أجبتموني، وقد أجَّلْتكم خمسةَ أيام، فإنْ أجبتم وإلّا جئتكم محاربًا. وتوعد وتهدَّد، وأبرق وأرعد. ففارقه عفيفٌ، فأرسل رجَّالته فنهبوا نهر الملك، وافترشوا النِّساء في نهار رمضان، وشربوا الخمور، وعاد عفيف، فحكى للخليفة ما سمع ورأى. وفي ذي الحجة أمر الخليفةُ لإخراجِ سُرَادقه إلى الجانب الغربي، ونودي: الجهادَ الجهادَ، النَّفيرَ النفير. وعَبَرَ الخليفةُ يوم الجمعة، الرابع والعشرين من ذي الحِجَّة إلى الجانب الغربي، والنَّاس بين يديه، وعليه البُردة، والقضيب، وعليه القَباء والعِمامة، وبين يديه وزيرُه ابنُ نظامِ المُلْك، والنَّقيبان وقاضي القضاة وبنو هاشم وبنو علي، فنزل في سُرَادقه عند رَقَّة ابن دحروج (٥) مقابل داره، فأقام فيه حتى انقضت هذه السنة، وبعث [إليه الخليفة مع القاضي أبي بكر الشَّهْرُزوري] (٦) ينذره ويحذِّرُه إراقة الدِّماء. فما ازداد إلا طُغْيانًا [وخلافًا] (٧)

стр. 9601

وفيها كانت وقعة عظيمة بين إيلغازي والكُفَّار على تَفْلِيْس، وسببها أنَّه كان قومٌ من أهل تفليس، يقال لهم بنو جعفر، وقد ملكوها، فأقاموا مئتي سنة، ثم انقرض كبارهم وبقي شُبَّانُهم، فوليها الشُّبَّان كلُّ واحدٍ شهرًا، فأقاموا على ذلك أربعين سنة. وكان داود ملك الأبخاز والكُرْج قد ضايقها [مضايقة شديدة] (١)، فأرسلوا إلى طغريل بن محمد شاه، وهو صاحب أرَّان، فبعث إليهم شحنةً فما نفع، فكتبوا إلى إيلغازي، فسار إليهم في عسكره ومعه دُبَيْس. كذا وقعت هذه الرِّواية، فيحتمل أنَّ الواقعة كانت في أول هذه السَّنة (٢)، قبل عَوْدِ دُبَيْس إلى بغداد - قالوا: وسار إيلغازي [إلى بغداد ومعه دُبَيْس بن صدقة ملك العرب] (٣)، وكان صهره على ابنته كهارخاتون [بنت نجم الدين إيل غازي] (١) وكاتَبَ إيلغازي الأطراف: شمس الدولة طُغان صاحب أرْزن، وبَدْليس والسُّلْطان طغريل وغيرهما، وكان الموعد بابَ تَفْليس، فتخلَّف بعضُهم عن الميعاد، ووصل إيلغازي قريبًا من تفليس، فنزل على أقل من نصف يوم، ولم يكن وصل أحد من عساكر الأطراف، فتحدَّر عليهم الملك داود من الجبل في عساكر عظيمة، فهزمهم، وغَنِمَ أموالهم، وأخذ شيئًا عظيمًا، وهرب إيلغازي ودُبَيْس، ثم نازل داود تفليس وفتحها بالسَّيْف عَنْوَة، وأحرقها، ونهبها، ثم طيَّبَ قلوبَ أهلها، وسألوه أشياء فأبقاها عليهم، وهي جاريةٌ إلى هلمَّ جرَّا؛ [منها أن لا يتعرض لدين الإسلام بمكروه و] (٤) منها أنه لا يذبح فيها خنزير، وأن يضرب على الدَّراهم والدَّنانير اسم الله ورسوله والخليفة، وأن تقام الجماعاتُ بالأذان، والخُطْبة يوم الجمعة، وأن لا يدخل الكُرْج الحمَّام مع المسلمين، وأن لا يؤذي كافِرٌ مسلمًا، فالتزم لهم جميعَ ذلك.

стр. 9602

وكان داود يدخل يوم الجمعة الجامع، ومعه ولده دنكري، ويسمع الخُطْبة، والقراءة، ويعطي الخطيبَ والمؤذِّنين الذَّهب الكثير، وعَمَرَ الرُّبُط للضيوف (١)، والمنازل للوعَّاظ والصُّوفية والشعراء، وأقام لهم الضِّيافات، وكانوا إذا أرادوا الانفصال عن تفليس أجازهم وزوَّدهم بالمال الكثير، وكان يحترمُ المسلمين أكثر ممَّا يحترهم ملوكُ الإسلام. وفيها بلغ الخليفةُ أنَّ دُبَيْسًا يسُبُّ الصَّحابة، ويتركُ الصَّلوات، وليس في بلاده مُؤذِّن ولا جُمُعة، وأنه يشرب الخمر في نهار رمضان، ويسفكُ الدِّماء، فاستفتى الفقهاءَ، فأفتوا بقتاله، وبَطَلَ الحجُّ في هذه السَّنة بسببه، وكَتَب الخليفةُ إليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فما أجاب بشيء (٢). [وقال جدي ﵀ في "مشيخته" (٣): أول ما سمعت الحديث في سنة ست عشرة وخمس مئة على أبي عبد الله بن خُسْرُو البَلْخي، وسنذكره] (٤). وفيما تزلزلت مدينة جَنْزة - ويقال كنجة (٥) - وانخسف طرفٌ منها، وانهدمَ سورُها، فسار إليها ملكُ الأبخاز والكُرْج بعساكره، فدخلها، وساقَ أهلها سبايا إلى تفليس بحيث حملوهم على العَجَل، وسِيْقَ المسلمون مثل قطعان الغَنَم، فاشترى أهلُ تفليس منهم خَلْقًا عظيمًا، وأعتقوهم، فكان أهل تفليس يقولون: ما افقرنا غير تلك السنة.

стр. 9603

وفيها توفي إيل غازي بن أُرْتُق نجم الدين (١) صاحبُ مارِدِين وديار بكر وحلب. كان شجاعًا، جَوَادًا، له غزوات عديدة [وقد ذكرناها مفرقة في السنين] (٢) وكانت وفاته عند عَوْبٍ من تفليس بظاهر مَيَّافارِقِين [في شهر رمضان، وكان عنده ولده شمس الدولة، فاستولى على مَيَّافارقين، واستولى ولده حسام الدين تمرتاش على ماردين. وقيل: إنما مات إيلغازي في سنة خمس عشرة وخمس مئة، نزل بظاهر ميَّافارقين] (٢) ومعه زوجته الخاتون بنت طُغْتِكين صاحبِ دمشق، فمرض وتوفي يوم الخميس سابع عَشَر رمضان في قرية تعرف بالفحول، فَحُمِلَ ليلًا إلى مَيَّافارقين، وطرقوا باب البلد، ومعه ولده شمسُ الدولة، فَفُتحَ لهم، وقالوا: السُّلْطان مريض، وغُسِّل وكُفِّن، وصُلِّي عليه، ودُفِنَ بالسندلي (٣)، ثم نقل إلى قُبَّة السُّلْطان، فدفن بها. واستقرَّ ولده شمسُ الدولة سليمان بميَّافارقين، واستوزر عبد الملك بن ثابت [وفوض الأمور إليه، وخطب سليمان] (٤) ابنة السلطان قَليج رسلان بن سليمان بن قُتُلمِش، ومضى القاضي تاج الدِّين أبو سالم (٥) بن نباتة، فأحضرها من مَلطية. وكان حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بماردين، فملكها، وكان معه شمس الحُجَّاب محمد أكديس (٦)، وكان زوجَ أُمِّ تمرتاش، قد زَوَّجه بها إيلغازي، فأحْسَنَ التَّدبير، وماتَ شمسُ الدولة [سليمان في] سنة ثماني عشرة وخمس مئة، فاستولى تمرتاش على ديار بكر.

стр. 9604

توفيق بن محمد بن الحسين (١) ابن عبد الله (٢) بن محمد بن زُرَيْق، أبو محمد النَّحْوي الطَّرابُلُسي كان جَدُّه محمد بن زُرَيق يتولَّى أمورَ الثُّغور من قبل الطَّائع، وانتقل ابنُه عبد الله إلى الشَّام، ولد توفيق بطرابلس، ونشأ بدمشق، وقرأ الأدب، [وبَرَع فيه، وقال الشِّعْر الحسن، قال الحافظ ابنُ عساكر، أنشدني لنفسه] (٣): [من البسيط] وجُلَّنارٍ كأعرافِ الدُّيوكِ … خُضرٍ تميسُ (٤) كأذناب الطَّواويسِ مِثل العروسِ تَجَلَّت يوم زينتها … حُمر الحُلِيِّ على خُضر الملابيسِ في مجلسٍ لَعِبَتْ أيدي السُّرورِ به … لدى عَرِيشٍ (٥) يحاكي عَرشَ بِلقِيس سقى الحيا أرْبُعًا تحيا النُّفوسُ بها … ما بين مَقرَى إلى بابِ الفراديس (٦) وتوفي بدمشق في صفر، ودفن بباب الفراديس. الحسَن بن محمد بن إسحاق (٧) ابن إبراهيم بن مَخْلد، أبو علي، الباقَرْحي (٨)

стр. 9605

ولد سنة سبع وثلاثين وأربع مئة، وهو محدّثٌ ابن محدث ابن محدث، [ابن محدث ابن محدث] (١) خمس مرات، توفي ببغداد في رجب، ودُفِنَ بباب حَرْب، [سمع أبا القاسم التنوخي، وأبا الحسن القَزويني والبَرمكي والجوهري، وغيرهم] (١). وكان ثِقَةً، صدوقًا. الحسين بن أبي عاصم (٢) أبو عبد الله القُرَشي كان فاضلًا، أنشد لكُشَاجم (٣): [من المنسرح] ما الذُّلُ إلا تَحَمُّلُ المِنَنِ … فكنْ عزيزًا إن شِئتَ أوفَهُنِ إذا اقتصرنا على اليسير فما … العِلَّةُ في عَتبنا على الزَّمَنِ مَنْ صَغُرَتْ نَفسُه فَهِمَّتُهُ … أبلغُ في قَدرِهِ من المِحَنِ ما كلُّ مُستَحسِنٍ تقابلك الـ … ـجيرَةُ منهُ خبرٍ حَسَنِ وليس كلُّ امرئٍ تُقَلِّدهُ … أمرًا على حِفظِهِ بمُؤتَمَنِ كم بعتُ شكري على نفاستِهِ … من الأيادي بأبخسِ الثَّمنِ (٤) شاهنشاه بن بَدر الأرْمني (٥) أَمير الجيوش، الأفضل. كان قد استولى على مِصر، ودبَّر على قَتل الآمر مرارًا، فلم يُطق، وحَفِظَته منه القَهْرمانة، وأقامت له اثنين بين القَصرين، ووعدتْهما مالًا وإقطاعًا، وكانا فاتكَينِ من

стр. 9606

السُّودان، فاجتاز ليلةَ عيد الفطر بين القصرين، فوثبا عليه، وأمسك أحدهما بعِنان فرسه، وضربه الآخر في رأس فؤاده ثلاثَ ضَرَبات بسكينٍ مسمومة، فَحُمِلَ إلى داره وبه رَمَقٌ، فاوصى ومات، وقتِلَ الرجلان في الحال، فكانت وِزَارتُه ثمانيًا وعشرين سنة، وستة أشهر وأيامًا، واستوزر الآمر أبا عبد الله محمد بن فاتك، ويعرف بابن البطائحي. وقيل: إنَّه هو الذي دَبَّر في قَتْل الأفضل، وإن اللذين قتلاه كانا من الباطنية، وأحسن إليه الآمر، ولقَّبه المأمون، فتجبَّر وطغى، وعَزَمَ على قَتلِ الآمر، فقتله الآمر في رمضان سنة تسع عشرة [وخمس مئة] (١) وقتل معه خمسة أخوة، فكانت وزارته أربعَ سنين. وقال أبو يعلى بنُ القلانسي: كان قتل الأفضل ثاني عيد الفطر سنة خمس عشرة [وخمس مئة] (١)، بأمرٍ رُتِّبَ له [ودُبِّر عليه إلى أن أمكنتِ الفُرصة منه] (١)، وقد كان على غايةٍ من الاحتراز، والتحفُّظِ بأنواع السِّلاح والغِلْمان والخدم والعبيد، بأيديهم الأسلحة التَّامة، فوثَبَ عليه رجلان، فضرباه ضرباتٍ سَقَطَ منها عن جواده إلى الأرض، وحُمِلَ إلى داره وبه رَمَقٌ، فماتَ من يومه. وادَّعوا أنَّ الباطنية قتلته، وليس بصحيحٍ، والسببُ فسادُ ما كان بينه وبين الآمر، وتضييقه عليه. وكان الآمر قد عَزَمَ على اغتياله إذا دخل إلى قصره أيام الأعياد وغيرها، فخاف من الشَّناعة، وقال له الأمير أبو (٢) الميمون عبد المجيد: هذا قبيحٌ، وفيه سوءُ سمعة، وهذا الرَّجل له في خدمتنا منذ خمسين سنة (٣)، فما عُذرُنا عند النَّاس وهم لا يعلمون ما في نفوسنا له، وما ننقم عليه بسببه، وإنَّما الصَّواب أن نستميل أبا عبد الله بن البطائحي الغالبَ على أمره، فَنُطمِعُه ونُمَنِّيه، ونَعِده بمنصبه، فإنَّه يجيبُ إلى ذلك لأمرين: أحدهما لأن مذهبه مذهبنا، والثَّاني: حب الدُّنيا، ويُدَبِّر هو في قتله، وإذا قُتِلَ أظهرنا كراهةَ ذلك، وقتلنا قاتله، وأظهرنا التأسُّفَ عليه، فَيَعذِرُنا الكافَّة.

стр. 9607

فراسل ابنَ البطائحي، وأطمعه في منصبه، فدَبَّر الأمر في قتله، فَقُتِلَ في رأس السُّيوفيين (١) يوم الأحد سَلْخ رمضان سنة خمس عشرة [وخمس مئة] (٢)، وعمره [إذ ذاك] (٢) سبعٌ وخمسون سنة، لأنَّ مولده بعكا سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة، وكان حَسَنَ الاعتقاد، سُنِّيًّا، جميلَ السِّيرة، مُؤثرًا للعدل، كريمَ الأخلاق، صادِقَ الحديث، ولم يأتِ الزمانُ بمثله، ولا حُمِدَ التَّدبير عند فَقدِهِ، واستولى الآمر على خزائنه، وأمواله، وذخائره وجميعَ أسبابه، وولَّى ابنَ البطائحي على ما ذكرناه (٣). [قلتُ] (٢): وكان الأفضل جوادًا مُمدَّحًا، مدحه خَلْقٌ كثيرٌ، منهم القاضي الرَّشيد أحمدُ بنُ قاسم الصِّقِلِّي (٤) قاضي قُضاةِ مِصر؛ دخل عليه [يومًا] (٢) وبين يديه دواة مُحَلّاة بمَرْجانٍ، فقال بديهًا: [من الكامل] أُلِيْنَ لداودَ الحديدُ بقُدْرَةٍ … يُقَدِّرُهُ في السَّرْدِ كيفَ يُريْدُ ولانَ لك المَرْجانُ وهو حِجارةٌ … على أَنَّه صَعْبُ المَرَام شَديدُ (٥) وكان [الأفضل] (٢) قد أجرى الماء من النِّيل إلى قَرَافة مِصر، وكان للقاضي الرَّشيد بها دارٌ، فكتب إليه [يسأله إجراء الماء إلى داره، فقال] (٢): [من الوافر] أيا موْلى الأنامِ بلا احتِشامٍ … وسَيِّدَهُمْ على رَغْمِ الحَسُودِ لِعَبْدِكَ بالقَرَافَةِ دارُ نُزْلٍ … لموجودِ الحياةِ أو الفقيدِ وفي أرجائِها شَجَرٌ ظِماءٌ … عَدِمَنْ الحُسْنَ من وَرَقِ وعُوْدِ فَمُذْ غَدَتِ المصانعُ مُمْتِعاتٍ … عَدِمْنَ الرَّيَّ في زَمَنِ الوجودِ يَقُلْنَ إذا سَمِعْنَ شجا السَّواقي … مقالةَ هائمٍ صَبٍّ عميدِ (٦)

стр. 9608

[أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ] (١) … [ولكنْ لا سبيلَ إلى الورود] (٢) فأجرى له الماء إلى داره. وقال: [من البسيط] إنْ لم أَزُرْكِ ولم أَقْنَعْ برُؤياكِ … فللفؤادِ طَوافٌ حَوْل مَغْنَاكِ يا ظَبْيَةً ظَلْتُ في أَشْراكِها عَلِقًا … يوم الوَداعِ ولم تَعْلَقْ بأشراكي رَعِيتِ قلبي وما راعَيْتِ حُرمَتَهُ … يا هذه كيفَ ما راعَيْتِ مَرْعاكِ أَتَحْرِقيْنَ فؤادًا قد حَلَلْتِ بِهِ … بنار حُبِّكِ عَمْدًا وَهْوَ مأواكِ واللهِ واللهِ أَيْمانًا مُغَلَّظَةً … ما للمُحِبِّ حياةٌ غير ذِكْراكِ (٣) وللرَّشيد "ديوان شعر"، وكان قد قَدِمَ من صِقِلِّية، فأقام بِمصر، ومات بَعد الأفضل. عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث (٤) أبو محمد، السَّمَرْقَنْدِي. ولد بدمشق في صَفَر سنةَ أربعٍ وأربعين وأربع مئة، ونشأ ببغداد، وسافر إلى الدُّنيا في طَلَبِ الحديث، وسَمِعَ بنَيْسابور، وسَرْخَس وبَلْخ، ومرو، وإسفرايين، والعراق، والبَصرة، والكُوفة، والشَّام وبيت المَقْدِس، ومِصر، والحجاز، وأَلَّفَ وجَمَعَ، ودَخَلَ بيتَ المقدس، فأتى إلى أبي عثمان بن ورقاء، فطَلَب منه جُزءًا، فوعده مرارًا، ومَطَلَه فقال ابن السَّمَرْقَنْدِي: أيُّها الشيخ، لا تنظر إليَّ بعين الصَّبْوة، فإنَّ الله قد رَزَقَني من هذا الفَنِّ ما لم يَرْزُقْ أبا زُرْعةَ الرَّازي. فقال: الحمد لله. ثم عاد فَطَلَبَ منه الجُزْء، فقال له ابنُ ورقاء: إني فَتَّشْتُ البارحة الأجزاء فلم أجد فيها جُزْءًا يَصلُح لأبي زُرعة الرَّازي. فَخَجِلَ السَّمَرْقَنْدِي، وقام، ولم يَعُدْ إليه.

стр. 9609

وتوفِّي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان صحيحَ السَّماع، كثير الضَّبْط، والفَهْمِ، والمعرفة، حسنَ الاعتقاد، وأَجْمعوا على عدالته. عبدُ الله بنُ محمد بن عبد الله (١) ابن محمد بن عبد الله بن سليمان، أبو محمد - والد أبي اليُسْرِ شاكر [بن عبد الله] (٢) - التنوخي المَعَرّي. ولد بالمَعَرَّة سنةَ تسعٍ وسبعينَ وأربع مئة (٣)، وقرأ الأدب [وَبَرعَ فيه، وقال الشعر، قال الحافظ ابن عساكر: أنشدني ابنه شاكر وكنيته أبو اليُسْر قال: أنشدني أبي لنفسه هذين البيتين] (٤): [من الكامل] يا مَنْ تَنَكَّبَ قَوْسَهُ وَسِهَامه … وله مِنَ اللَّحْظِ السَّقِيمِ سُيوفُ تُغْنِيْكَ عن حَمْلِ السِّلاح إلى العدى … أجفانُكَ المَرْضى فَهُنَّ حُتُوفُ (٥) وكتب إلى ولده من مِصر: [من السريع] يا غائبًا مَسْكَنُهُ مُهْجَتي … وحاضرًا وليس بالحاضِرِ صَوَّرَهُ شَوقي إليهِ فِما … يريمُ عن قَلْبي وعَنْ ناظِرِي وقال من شِعْره: [من الرمل] قِفْ على الرَّبْوَةِ يا حادي الرِّكاب … وَقْفَةً تُذْهِبُ عني بعضَ ما بي وارْجِعِ العِيْسَ إلى أَكنافِها … نَقْضِ حَقَّ الوُدِّ مِنْ دار الرَّبابِ كيف لا أَصبُو إلى أرْضِكُمُ … وبها صاحَبْتُ أيَّامَ الشَّبابٍ لَجَّ مِنْ فَرْطِ غَرامي بكُمُ … دَمْعُ عَيْني وحنيني وانْتحابي

стр. 9610

يا نسيمَ الرَّوْضِ من تلك الرُّبا … وَمَدِيْدَ الظِّلِّ من تلك القِباب ما نَسِيْناكَ وإنْ شَطَّ بنا … خَبَبُ الجُرْدِ وإيجافُ الرِّكابِ (١) لا ولا غَيَّرَنا مِن عَهْدِنا … لك تبديلُ بِعادٍ باقْترابِ [قال الحافظ ابن عساكر] (٢): قدم دمشق سنة أربع عشرة [وخمس مئة] (٢)، ثم توجَّه إلى مِصر، فتوفي بها يوم الجمعة منتصف ربيع الآخر، ودفن بقرب الشَّافعي - رحمة الله عليه - وشاكر ولده كان مُنْشِئًا لنور الدين محمود بن زَنْكي، رحمة الله عليه. عبد الله بن يحيى بن البهلول (٣) الأندلسي من مدينة سَرَقُسْطة، ومن شِعْره: [من الطويل] ولستُ بمن يبغي على الشِّعْرِ رِشْوَةً … أبى ذاك لي جَدُّ كريمٌ ووالِدُ وإني مِنْ قومٍ كِرامٍ وَمَجْدُنا (٤) … تُباعُ عليهمْ بالألوفِ القصائِدُ نزل مرو الرُّوذ، وبها توفِّي، وكان قافلًا. علي بن [حرب] (٥) أبو طالب السُّمَيْرَمي (٦) وزير السُّلْطان محمود، وسُمَيْرَم: قريةُ بأَصبهان. كان ظالمًا، مجاهرًا بالظُّلْم والفِسْق، وأعاد المكُوس إلى بغداد لما دَخَلَها محمود، وكان يقول: [لقد] (٢) سَنَنْتُ على أهل بغداد السُّنَن الجائرة، وكل ظالمٍ يتبع فعالي وما

стр. 9611

أَسْلَمُ في الدُّنيا، وقد فَرَشْتُ حصيرًا في جهنَّم، وقد استحييتُ من كثرة التعدي على النَّاس، وظُلْمي مَنْ لا ناصر له إلا الله. وكان هذا القول منه في اللَّيلة التي قُتِلَ في صَبَاحِها، إلا أَنَّه كان جَوَادًا مُمَدَّحًا، مَدَحه ألفُ شاعرٍ، وكان يجيزهم جوائز كثيرة، وكان قد عَزَمَ على السَّفر إلى أَصبهان، وسُرَادِقُه مَضْروب ظاهِرَ بغداد، وهو يمتنع من المسير ليأخذ له المنجِّمون طالعَ الوقت، فقال: أَدْخُلُ الحَمَّامَ وأخرجُ وقد استوى الطَّالع. فركب وبين يديه من الغِلْمان بالسُّيوف والأسلحة خَلْقٌ عظيمٌ، فاجتاز بالحضائر عند سوق المدرسة (١) قريبًا من النِّظامية، ودخل في زُقاق ضَيِّق، فوثَبَ عليه ثلاثة، فجذبوه من البغلة، فَسَقَط، وانهزَمَ أصحابُه، وبَرَكَ على صدره شيخٌ من الثلاثة، وقال: الله أكبر، أنا مسلمٌ موحِّد، وهذا كافر ظالم. والوزير يصيح: أنا مسلم، ورَجَعَ أصحابُ الوزير على الشيخ، فضربوه بسيوفهم وهو على صدره، فما استرخَتْ يداه حتى ذَبَحَ الوزير كما تذبح الشَّاة، وقتلوا الشَّيخَ وأصحابَه، وأخذوا بارِّيَة (٢) من جانب الطَّريق، فحملوا عليها الوزير. وكانت زوجته قد خرجت بُكْرةَ ذلك اليوم على بغلةٍ تساوي ثلاث مئة دينار، وفي عُنُقها طوق فيه ألفُ دينار، وبين يديها الجنائب بمراكب الذهب، ومعها مئة وصيفة بمراكب الذَّهب المُرَصَّعة بالجواهر، وبين يديها الخَدَمُ والغِلْمان والحواشي، وجاءت إلى سُرَادقه، فرأته مملوءًا بأنواع الفُرُش، والصَّناديق مملوءة بالدَّنانير، ورأت في الخِيَم شيئًا عظيمًا، فبينا هي كذلك إذ جاءها نعيُه، فخرجت مع جواريها حاسرةً، وهنَّ ناشرات شعورهُنَّ يَلْطِمْنَ ويَصرُخْنَ، فَكُنَّ كما قال أبو العتاهية: [من مجزوء الرمل] رُحْنَ في الوَشْي وأَصبَحـ … ـنَ عليهنَّ المُسوحُ [كلُّ نطَّاحٍ من الدَّهـ … ـرِ له يومٌ نَطُوحُ وقد ذكرنا الأبيات في ترجمة المهدي] (٣)

стр. 9612

[قلت] (١): وهذا هو المشهور في قتله. [وقد رأيتُ في "تاريخ السلجوقية" في مقتلة وجهًا آخر، وذلك أنَّ السُّمَيْرَمي] (٢) لما قَتَلَ الطُّغْرائي تجرَّدَ له غلامٌ أسود من غِلْمان الطُّغْرائي، ورَصدَه مُدَّة طويلة، حتى دخل الحَمَّام وغَفَلَ عنه أصحابه، فوثَبَ عليه، فضربه عِدَّة سكاكين، فَحُمِلَ إلى داره وهو مُثْخَنٌ بالجراح، فخِيْطت وعُوفي، ثم احتال ذلك الأسود حتى تسوَّرَ عليه الحائط ليلة، ولم يكن عنده أحدٌ فقضى عليه، [والأول أشهر] (١). وكان قتله يوم الثلاثاء سَلْخ صَفَر، ومدّةُ وزارته ثلاثَ سنين وعشرةَ أشهر وأيامًا. القاسم بن علي بن محمد بن عثمان (٣) أبو محمد، الحريري، البَصري، صاحب "المقامات"، كان يسكن مَحَلَّة بني حَرَام بالبَصرة. ولد في حدود سنة ستٍّ وأربعين وأربع مئة، وسمع الحديث، وقرأ الأدبَ واللغة، وفاق أهلَ زمانه بالذَّكاء، والفِطْنة، والفصاحة وحُسْنِ العبارة، وله ديوان شعر ومراسلات [ومكاتبات] (١)، وكانت وفاته بالبصرة، [وروى عنه شيوخ شيوخنا مثل ابن النَّقور وغيره، وكان أوحد أهل زمانه] (١). نُبْذة من كلامه: كتب إلى بعضِ أصدقائه: الخادِمُ على نأي خِطَّتِهِ (٤)، وتقاصُرِ خُطْوَتِهِ، ممن يُخْلِصُ في الولاء، ويعتكفُ على إقامةِ وظائف الدُّعاء، ويهدي الثَّناء الذي يَنْبلجُ مُحَيَّاه، وتَتَأرَّج رَيَّاه.

стр. 9613

وكتب: وَرَدَ كتابُ فلان لا زالتْ متلألئةً لياليه، حاليةً معاليه، مهتزَّةً عواليه (١)، فتلَقَّاه كما يتلقَّى الإنسان، صُحُفَ الإحسان الحِسان، لا بل كما يتلقَّى بأناملِ الرَّاح (٢)، كاسات الراح (٣) من أيدي الصِّباح، عند نسماتِ الصَّباح، وهو يأمل من الشِّيَم الحُسْنى، والمكارم التي تُرْوي وتُرْوى أنْ يُنزِلَ هذه الخدمة حين تُقْرا، منزلةَ الضَّيْفِ الذي يستوجب أنْ يُقْرى. وقال: فلان يعتزي [إلى] (٤) الجناب العزيز، ويَمُتُّ بالإخلاص (٥) المُوْفي على خُلاصة الإبريز. وقال يمدحُ الوزيرَ نصر الدين (٦): [من البسيط] طَيْفٌ ألمَّ به وَهْنًا فحَيَّاهُ (٧) … لمَّا حَبَاه بُرؤْياه وَرَيَّاهُ سَرَى إليه فَسَرَّى الهَمَّ عنه فما … أَبَرَّهُ (٨) عند مَسْرَاه وأَسْراهُ أَعْجِبْ به كيف وافى غيرَ مُحْتَشِمٍ … ومَنْ هَدَاه وأَهْداهُ وهدَّاهُ أزورُهُ وَهْوَ مُزْوَرٌّ وأَنْصَحُهُ … ويستريبُ وأَغْشَاه فأَخْشاهُ يَرْعى القلوبَ ولا يَرْعَى لعاشِقهِ … وَلَوْ أَلَبَّ بمغناه لأَغْناهُ وعُذَّلي فيه لي لو أَنَّهم نَظَرُوا … كيف زانَ اللَّمى فاه لما فاهوا وعَيْشِهِ وَهْوَ في شَرع الهوى قَسَمٌ … إنِّي على بُعدِ مَهْواه لأَهْواهُ وكَمْ تعرَّضَ للقَلْبِ المُعَذَّبِ مِنْ … مُسْتَعْذَبِ الدَّلِّ لولاه لَوَالاهُ

стр. 9614

يا صاحبيَّ انْهدا بي نحو مَعْهَدِهِ … فالقَلْبُ صَبٌّ بمرآه ومَرْعاه واسْتَعْطِفاه لِمَتْبُولِ الفُؤادِ لقىً … عساهُ يُنْعِشُ مُلْقاه بمَلْقاهُ فإنْ سَخَتْ لي يداه فاشْكُرا يدَهُ … وإنْ سَطَتْ بي كَفَّاه فكُفَّاهُ واسْتَصرِخا بنصير الدِّين تَعْتَلِقا … من الذِّمامِ بأَوْفاه وَأَوْفاهُ هو المجيبُ دُعا الدَّاعي فكمْ أَمَلٍ … نادى نَدَاه فأمضاه وأنضاه وكم إليه لجا مِنْ دَهْرِهِ رَجُلٌ … فعمَّه الدَّهْرُ (١) إذْ ألجاه والجاهُ طَوْدٌ أَشمُّ فأمّا حين تَسْأَلُهُ … فما أَرَقَّ محيَّاه وأَحْياهُ وسائِلٍ عن معاليه فقلتُ له … قولًا تَحَقَّقَ معناه ومغناه هو النُّضارُ المُصَفَّى سِرُّ جَوْهَرِهِ … والنَّاسُ مِنْ بَعدُ أشباهٌ وأَشْباهُ توطَّدَ المُلْكُ إذْ عانَتْهُ هِمَّتُهُ … واسْتَبْشَرَتْ حين راعاه رعاياه فالدِّينُ والعِلْمُ والأقوامُ قاطبة … راضونَ عن سَعْيهٍ واللهِ، واللهُ فاسمعْ مديحًا فصيحًا قد أتِيْتَ به … مِنْ خادمٍ لك أَنشْاه وَوَشَّاهُ هذي أياديك عندي، والكريمُ إذا … ما أَوْدَعَ العُرْفَ مَنْ والاه والاه من أبيات (٢) السنة السَّابعة عشر وخمس مئة فيها في المحرَّم رحل المسترشد من بغداد، وقرأ عليه في مسيره أبو الفرج محمد بن عمر الأَهْوَازي جُزْء ابن عَرَفة (٣)، وحمل أعلامَهُ خَدَمُه الخواصّ وكذا الشمسة، وسببه أَنَّه بلغه أنَّ جماعة من الباطنية [قد] (٤) قدموا بغداد في زِيِّ الأتراك، فاحْتَرَزَ، وقال: لا يَدْنُ مني غير الخدم الخواصّ. وسار إلى النِّيل (٥)، ورتَّبَ سُنْقُر البُرْسُقي العساكرَ

стр. 9615

صفوفًا، بين كلِّ صَفَّيْن مجالٌ للخيل، وأقبل دُبَيْس وقد رَتَّب عسكره صَفًّا واحدًا، وقد مَنَّاهم ووعَدَهم نَهْبَ بغداد ودار الخليفة، وبين يديه البغايا والمخانيث بالدفوف والملاهي والزمور والخمور، وعسكر الخليفة يعجُّ بقراءة القرآن والتسبيح والدُّعاء. وفي هذه الليلة اجتمعَ أهلُ بغداد إلى المساجد، وقرؤوا الختمات، وابتهلوا إلى الله تعالى بالأدعية. ولما تراءى الجمعان، وكان البُرْسُقي في الميمنة، وزَنْكي بن آق سُنْقُر في الميسرة، ومقدَّم رَجَّالة دُبَيْس عنتر بن أبي العَسْكر الكردي فحمل، فتتعتعَ الصفُّ الأول، وكان الخليفة، ووزيره أحمد بن نظام المُلْك في آخر الصُّفوف، فقال له الخليفة: ما ترى؟ فقال: يا أمير المؤمنين اصعدِ العتيق، فصَعِدَ والأعلام على رأسه، والشمسة والمَهْدُ بين يديه، وشَهَرَ الخليفةُ سيفه، وكبَّر، وتأخَّر عنتر، ويقال: إنه خامَرَ على دُبَيْس، وحمل زَنْكي بن آق سُنْقُر، فأَسَرَ عنترًا، وحَمَلَ البُرْسُقيُّ والعساكر والخليفة، فانهزمَ دُبَيْس، وقُتِلَ مُعْظم أصحابه، واسروا ونُهبوا، وغَنِمَهُمُ الخليفة وعسكره، وفاتَهم دُبَيْس، فجاء إلى الفرات، ومعه نَفَرٌ يسير، فرمى سلاحه، وألقى نفسه في الفرات، وأَدْركته الخيلُ، وهناك امرأةٌ عجوز تغسلُ الثِّياب، فعرفتْ دُبَيْسًا، فقالت: هاه، دُبَيْرُ جِئْتَ. فقال: دُبَيْر مَنْ لم يجيء. وأتى القتلُ على مُعْظم أصحابه؛ وكان أحدهم إذا قُدِّم ليقتل يقول: فِداك يا دُبَيْس. وقُتِلَ جميعُ الرَّجَّالة والمخانثة والبغايا، وأسروا ثلاثة آلاف، ولم يُقتل من عسكر الخليفة سوى عشرين فارسًا، وعاد الخليفةُ إلى بغداد يوم عاشوراء، فكانت غيبته ستة عشر يومًا (١). ولما عاد ثار العوام ونهبوا مقابر موسى بن جعفر (٢)، وقلعوا شبابيكه، وما كان فيه من الودائع والذخائر، وبلغَ الخليفة، فأنكر ذلك، وبعث نظر الخادم إلى المشهد يَتَّبَّعُ المُفْسدين، ورَدَّوا بعضَ ما أخذوا (٣).

стр. 9616

وكان عليُّ بنُ أفلح قد قدم على الخليفة فأكرمه، ولقبه جمال الملوك، فظهر أَنَّه عَيْنٌ لدُبيس، فنَقَضَ دارَه، فهرب (١). وفي صفر أُشير على الخليفة بعمل السُّورِ على بغداد، وجبوا العقار وأملاك النَّاس، فضَجُّوا، فكتب القاضي أبو العَبَّاس بن الرُّطَبي إلى الخليفة رُقعة يقول فيها: الخادم - أدام الله ظلَّ المواقف المقدَّسة - يطالع بما يعتقد أَنَّ أداءه حَقُّ النِّعْمة عليه، وإنْ كَتَمَه كان مقصِّرًا في تأدية ما يجب عليه، وعالمًا أنَّ الله يسأله عنه. فلو قيل لي: يا أحمد بن سلامة، قد خدمتَ العِلْم منذ الصِّبا حتى انتهيتَ إلى سنِّ الشيخوخة، وقد علمتَ أَنَّ النَّاصح قليل، والمُشْفقَ نادر، وقد خدمتَ إمام العَصر خدمةً زال معها الارتياب عنده فيما تنهيه، وهو - أدام الله علوَّه - لا تنهى إليه حقائقُ الأحوال إلا من جانبٍ مخصوص، فما عُذْرُك يا أحمد عند الله في كِتْمانِك، وليس يراد من مثلك إلا قول الحق، وإيراد الصِّدْق؟ وهذه أوقاتٌ الأَوْلى فيها استمالةُ القلوب، وإذاعةُ الصَّدقات والأعمال الصالحات، وحَقِّ الله يا مولانا إنَّ الذي يتحدَّث به العوام فيما بينهم [من] (٢) أَنَّ أحدهم كان يعودُ في معيشته ويأوي إلى منزله، فيدعو بالنَّصر والحِفْظ للدَّوْلة، وقد صاروا (٣) يجتمعون في المساجد والأماكن شاكين مما قد التُمِسَ منهم، ويقولون: كُنَّا نسمع أَنَّ في البلد الفلاني مصادرة فنعجب، ونحن الآن في كَنَفِ الإمامة المُعَظَّمة نشاهد ونرى. وقد أصبَح النَّاسُ بين محسنٍ للظَّنِّ ومسيء؛ فالمحسن يقول: ما عند الإمام خبرٌ مما يجري، ولو عَلِمَ لما أَقَرَّهم عليه. والمسيء يقول: الفاعل لهذا أقل من أن يُقْدِمَ عليه إلا عن عِلْمه ورضًى، وفي هذا اليوم حَضَرَ عند الخادم رجلٌ صالح يُعرف بالأُرْمَوِي، فبكى وأنشد: [من الطويل] ليَبْكِ على الإسلامِ مَنْ كان باكيا وقال لي: دويراتٌ بالجعفرية أُجْرَتُها في كلِّ شهرٍ دينار وقد طُولبت بسبعةِ دنانير! فيا مولانا، اللهَ اللهَ في الدِّين والدَّوْلة من هذا الفِعْل الذي قد شاع ولا مساغ له في

стр. 9617

الشَّرْع، ولا يخلو أعداءُ الدَّوْلة من أن تكون لهم عيونٌ ترفعُ إليهم مثلَ هذه الأخبار، فما بَلَغَ الأعداءُ في القَدْح في الدولة بمثلِ هذا، وماذا يراد من المال إلا إنجاد الأولياء والأنصار، وليس إلا عزمة من العزمات الشرَّيفة تُصلَحُ بها ضمائر الرَّعية، ويؤمر النُّوَّاب لإعادة ما أُخِذَ من الفقراء، وإنْ كان ما أُخذ من الأغنياء باقيًا يعاد إليهم، وإن مَسَّتِ الحاجة يُسْتَقْرضُ منهم، ويكون دَيْنًا على الخزائن، والخادِمُ وإن كان قد أطال فهو معذور لما في قلبه من هذه الشَّناعات، والرأي أعلى. فلما وقفَ الخليفةُ على الرُّقْعة رَدَّ على النَّاس ما أُخذ منهم، وأَمَرَ بعِمارة السُّور من ماله، وكان ابتداءُ عمارته في نصف صفر، وكان أَهلُ كل مَحلَّةٍ يَخْرُجُون بالطُّبول والزُّمور يعملون يومًا. وعَزَمَ الخليفة على خِتان أولاده، وأولاد إخوته وكانوا اثني عشر، فَزُيِّنت بغداد، وعُملت القِباب، وعَمَلَت خاتون قُبَّةً على باب النوبي، وعَلَّقتْ عليها من السُّتور الدِّيباج والحُلِيِّ والجواهر ما أَذْهَلَ النَّاس (١). وأما دُبَيْس فإنَّه نجح في البرية، ونزل على غَزِيَّة (٢). وسألهم أن يحالفوه، فقالوا: نحن بطريق مكة، وما يمكنا معاداة الملوك، وأنت بعيد النَّسب منا، وبنو المنتفق أقرب نسبًا إليك. فمضى إليهم، فحالفوه، وقصد البَصرة في ربيع الأول، ونهب ما في مشهد طلحة والزُّبير ﵄، وقَتَلَ خَلْقًا كثيرًا، وعَزَمَ على قَطْعِ النَّخيل، فصانعه أهلُها على مالٍ، فأخذه وَرَحَل (٣). وفيها قبضَ محمود على وزيره عثمانَ بن نِظام الملك، وقَتَلَه، وبعث إلى الخليفة بعزل أخيه أحمد، فبلغه ذلك، فانقطع في داره، وبعث إلى الخليفة يسأله أن يُعْفى من الحضور في الديوان، فأجابه، ولم يُؤْذَ بشيء. وناب أبو القاسم بن طِراد في الوِزارة، ثم بعث الخليفة إلى عميد الدولة بن صدقة، فأحضره من الحديثة، فجاء، ونزل بالحريم الطَّاهري، فأقام أيامًا، وبعث له الخليفة

стр. 9618

الزَّبْزَبَ (١) وجميعَ أربابِ الدَّوْلة، ومع سديد الدَّوْلة خَطُّ الخليفة وهو: أَجِبْ يا جلال الدِّين داعي التوفيق مع مَنْ حَضَرَ من الأصحاب لتعودَ إلى مستقرِّ عِزِّك مُكَرَّمًا. فأقبلَ معهم، وجَلَسَ للوِزارة في الدِّيوان سادس ربيع الآخر. [وفي جمادى الآخرة] (٢) ورد ابنُ الباقَرْحي بكُتُبِ سنجر ومحمود بتسليم النِّظامية إليه، فلم يرضَ به الفقهاء، فألزمهم الخليفة. ثم ورَدَ في آخر شعبان أسعد المِيْهَني، فأَخَذَ المدرسة والنَّظَر فيها وفي نواحيها، وقَلَّل جامكيات الفقهاء، فامتنعوا من الحضور عنده، فخرج إلى السُّلْطان ليعرِّفه، واستناب خواجا أبا الفتح بن برهان، فذكر الدَّرْسَ يومًا، فأحضره الوزير ابن صَدَقة، وأَسمعه ما يكره، وتقدَّم إلى القاضي بردِّ شهادته، وأُلْزِمَ بيتَه، وأَمَرَ ابنُ صَدَقَة أبا منصور بن الرَّزَّاز بالنِّيابة في المدرسة (٣). وفيها توفي وزيرُ رِضْوان صاحب حلب، وهو أبو الفَضْل بن الموصول، وكان حَسَنَ السِّيرة، عادلًا، يفعل الخير، ويسكت عن الشَّرِّ (٤). وفيها وَصَلَ الأُسطول المِصري إلى صُور، وهو مشحن بالمال والرِّجال البحرية والعَسْكرية، وكان في نَفْس الوالي بصور من قِبَلِ المِصريين أن يعمل على سيف الدولة مسعود الوالي من قِبَل طُغْتِكِين، فلما خَرَجَ للسلام على والي الأسْطول سألوه النُّزول، فَنَزَل في المركب، فاعتقلوه، وبعثوا به إلى مِصر، فأُكرم، وأُنزل في دارٍ، وأُطلق له ما يحتاج إليه. وكان السبب في اعتقاله أنَّ الشكاوى من أهل صور كَثُرَتْ إلى صاحب مِصر منه، وأنه يكلِّفُهم ما لم تجرِ به العادة، وكان قد أَضَرَّ بهم، فاقتضى التدبيرُ اعتقالَه، لكن كان في ضمن خروجه منها أَخْذُ الفرنج لها (٥).

стр. 9619

وفيها سار الأمير نورُ الدَّوْلة بَلك بن أُرْتُق إلى الرُّها في رجب، فخرج إليه منها جيشٌ كثيف فيه جوسلين وابن خالته كليان، والتقوا على سَرُوج، فَهَزَمَهُمْ، وأَخَذَ جوسلين وابنَ خالته وأعيان الفرنج أسارى، وقتل منهم مقتلةً عظيمة (١). وفيها توفي الحاجب فيروز شحنة دمشق، وكان صالحًا، وله آثار (٢). وفيها سَلَّم صاحبُ حلب الأثاربَ إلى الفرنج، وجَرَتْ موادعة (٣). وفيها سار بغدوين [ملك الإفرنج إلى نور الدولة] (٤) بَلك [بن أرتق] (٤) وهو على قلعة المُنَيْطرة (٥)، فكسره [بلك] (٤) وأسره واعتقله مع جوسلين [وكان قد أسر جوسلين في هذه السنة، ونزل بلك بن أرتق] (٤) على حِمْص، فأخذها عَنْوَة، وسار إلى حصن البارة، فملكه، وقَتَلَ أُسْقُفَّه. وفيها أعمل الحيلة بغدوين وجوسلين وأصحابه، وهربوا من حبس بلك [وكانوا في قلعة خَرْتَبِرْت، فوصلوا إلى الرها، وكان بلك بن أرتق مشغولًا بالشام، وكانوا قد] (٤) غلبوا على خرتبرت، فعاد بلك، فاستنقذها منهم، وعاد بلك إلى حلب، وبها بدر الدَّولة بن إيلغاري (٦)، وهو ابنُ عَمِّه، فحصره، وأخذها بالأمان، وكان حَسَّان صاحب منبج بحلب، فاعتقله، وأخوه عيسى بمنبج، فطلب بلك من حسَّان منبج، فلم يُعطه إياها، فسار، وحاصرها، وقاتل، فجاءه سَهْمٌ من الحِصن [فقتله، وقيل: جاءه في نحرهِ] (٤) فذبحه، فحُمِلَ إلى حلب في تابوت، وكان معه سُكْمان بن أرْتُق، فَعَقَد له العسكرُ الإمارة، وأطلق حَسَّانًا، فعاد إلى منبج، وأقام سُكْمان بحلب.

стр. 9620

وفيها توفي أحمد بن محمد بن علي (١) أبو عبد الله، ابن الخَيَّاط التَّغْلبي، الدِّمَشْقي، الكاتب الشَّاعر، المجيد الفصيح. ولد سنة خمسين وأربع مئة، وسافر إلى الشَّرق، ووصل إلى الرّي، ثم عاد إلى دمشق، ومدح الأعيان والأمراء مثل بني مُنْقذ وبني عَمَّار، وحَسَّان بن مِسْمار صاحب صَرْخد، وغيرهم. ودخل حلب في حداثة سِنّه، فقصد دارَ أبي الفِتيان بن حَيُّوس الشَّاعر وقد أَسَنَّ، قال: فدخلتُ عليه، فقال: مِنْ أين أنت؟ فقلتُ: من دمشق، قال: ما صناعَتُك؟ قلت: الشِّعْر، قال: فأنشِدْني من شِعْرك. فقلتُ: [من الكامل] لم يبقَ عِنْدِي ما يُباعُ بِحَبَّةٍ … وكَفَاك شاهِدُ مَنْظري عن مَخْبري إلا صُبابةُ ماءِ وَجْهٍ صُنْتُها … من أَنْ تُباعَ وأينَ أينَ المُشْتري (٢) فقال: نَعَيْتَ إليَّ نَفْسي، قلتُ: ولمَ؟ قال: لأَنَّ الشَّام لا يخلو من شاعرٍ مجيد، ولا يجتمع فيه شاعران، [وأنتَ] (٣) وارثي في هذه الصِّناعة. ثُمَّ أعطاني دنانير وكسوة، فخرجت إلى بني عَمّار، ومدحتهم فأجازوني، وأحسنوا إليَّ، وألجأُوني إلى إجادة شِعْري. ولابن الخياط ديوان شِعْر مشهور، فمنه القصيدُة المشهورة التي مدح بها عَضْبَ الدَّوْلة [أبق] بن عبد الرَّزَّاق (٤)، من أُمراء دمشق، قال: أقمت في صنعها أربعين سنة، وأولها: [من الطويل]

стр. 9621

خُذا مِنْ صَبَا نَجْدٍ أمانًا لقلبه … فقد كادَ رَيَّاها يطيرُ بلُبِّهِ وإياكما ذاكَ النَّسيمَ فإنَّه … إذا هَبَّ كان الوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ خليليَّ لو أَحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما … مَحَلَّ الهوى من مُغْرَمِ القَلْبِ صَبِّهِ تذكَّرَ والذكرى تَشوقُ وذو الهوى … يتوقُ ومَنْ يَعْلَقْ به الحبُّ يُصبِهِ غرامٌ على يأسِ الهوى ورَجائِهِ … وشَوقٌ على بُعدِ المَزَارِ وقُرْبِهِ وفي الرَّكْبِ مَطْوِيُّ الضُّلُوعِ على جَوًى … متى يَدْعُهُ داعي الغَرَامِ يُلبِّهِ إذا خَطَرَتْ من جانب الغَوْرِ (١) نفحةٌ … تضمَّنَ منها داءَهُ دونَ صَحْبِهِ ومُحْتَجِبٍ بينَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍ … وفي القَلْبِ من إعْراضِهِ مِثْلُ حُجْبِهِ أغار إذا آنسْتُ في الحي أنَّةً … حِذارًا وخَوْفًا أن تكون لِحُبِّهِ أَهِيْمُ إلى ماءٍ بُبْرَقةِ عاقِلٍ … ظَمِئْتُ على طُوْلِ الوُرُودِ بشُرْبِهِ وأستافُ حُرَّ الرَّمْلِ شَوقًا إلى الحِمى (٢) … وقد أَوْدَعَتْني السُّقْم قُضْبانُ كُثْبِهِ فيالَسَقامي من هَوى مُتَجنِّبٍ … بكى عاذلاه رحمة لمُحبِّهِ ومن ساعةٍ للبَيْنِ غير حميدةٍ … سَمَحْتُ بطَلِّ الدَّمْعِ فيها وَسَكْبِهِ ولستُ على وَجْدي بأوَّل عِاشقٍ .. . أصابَتْ سهامُ الحُبِّ حَبَّةَ قَلْبِهِ وقد طالما هَوَّمْتُ في سِنَةِ الكَرَى … ولابُدَّ لي من يَقْظَةِ المتُنَبِّهِ سألقى بعَضْبِ الدَّوْلةِ الدَّهْرَ واثقًا … بأمضى شَبًا من باتِرِ الحدِّ عَضْبِهِ وأسْمُو عن الآمالِ هَمًا وهِمَّةً … سُمُوَّ جمالِ المُلْك عن كل مُشْبهِ هو المَلْكُ يَدْعو المُرْمِلِينَ سماحةً … إلى واسعٍ باعَ المكارمِ رَحْبِهِ (٣) كأنِّي إذا حيَّيْتُهُ بصفاتِهِ … أمُتُّ إلى بَدْرِ السَّماءِ بشُهْبِهِ أغرُّ غياثٌ للأنامِ وعِصمَةٌ … يُعاشُ بنُعماه ويُحيا (٤) بذَبِّهِ ولم يُرَ يومًا راجيًا غيرَ سَيْفِهِ … ولم يُرَ وقتًا خائفًا غيرَ ربِّهِ وتَفْخَرُ دارٌ حلَّها بمُقامِهِ … وتَشْرُفُ أرْضٌ مَرَّ فيها برَكْبِهِ

стр. 9622

وإنَّ مَحَلًّا (١) أُوْطِئَتْهُ جيادُهُ … يَحقُّ على الأفواه تقبيلُ تُرْبِهِ وإنَّ زمانًا أنتَ من حَسنَاتِهِ … حقيقٌ بأنْ يختالَ مِنْ فَرْطِ عُجْبِهِ (٢) وقال يمدح أبا النَّجْم هبة الله الأَصفَهاني وزيرَ تاجِ الدولة تُتُش (٣): [من الطويل]. أيا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلا على ظُلْمي … ويا حُبُّ ما أبقيتَ منِّي سوى الهَمِّ فِراقٌ أتى لي إثر هَجْرٍ وما أذًى … بأوقعَ مِنْ كَلْمٍ أصابَ على كَلْمِ لو كان لي في الوَجْدِ ما يُقْنِعُ الضَّنى … وفي الهَجْرِ ما يَغْنَى به البَيْنُ عن غَشْمي أَحِنُّ إلى سُقْمي لعلّك عائدي … ومِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إلى السُّقمِ وخَيْلٍ تَمَطَّتْ بي وليلٍ كأنَّه … ترادُفُ وَفْدِ الهَمّ أو زاخِرُ اليَمِّ شَقَقْتُ دُجاه والنُّجومُ كأنّها … قلائدُ نَظْمي أو مساعي أبي النَّجْمِ متى جِئْتَهُ والمُعْتَفُونَ ببابِهِ … شَهِدْتَ بنُعْمى كَفِّه مَصرَعَ العُدْمِ وَجُودٌ على العافي وذَبٌّ عن العُلى … وصَدٌّ عن الواشي وصَفْحٌ عن الجُرْمِ ويكبُرُ قَدْرًا أنْ يُرى متكبِّرًا … ويَعْظُمُ مَجْدًا أَنْ يتيهَ مع العُظْمِ ويكرُمُ عَدْلًا أَنْ يميلَ به الهوى … وَيشْرُفُ نَفْسًا أَنْ يَلَذَّ مع الإثْمِ ويُوْرِدُ عن فَضْلٍ ويُصدِرُ عن نُهًى … ويَصمُتُ عن عِلْم ويَنْطِقُ عن فَهْمِ بديهةُ رأي في رَوِيَّةِ سُؤْدَدٍ … وإقدامُ عَزْمٍ في تأيُّدِ ذي حَزْمِ أضاءَتْ به الأوقاتُ والشمس لم تُنِرْ … ورُوِّضَتِ السَّاحات والغيث لم يَهْمِ وشُدَّتْ أواخي المُلْكِ منه بأَوْحَدٍ … مَدَدْتَ به الآراءَ بالرَّأي والعَزْمِ (٤) هَجَرْتُ إليكَ العالمينَ مَحَبَّةً … ومِثْلُك من يُبْتاعُ بالعُرْبِ والعُجْمِ (٥) وقال يمدح فخر الملك أبا علي عمَّار بن محمد بن عَمَّار: [من الطويل] هَبُوا طَيْفَكُمْ أعدى على النَّأْي مَسْراه … فَمَنْ لمَشُوقٍ أنْ يُهَوِّم جَفْناهُ وهل يهتدي طَيْفُ الخيالِ لناحلٍ … إذا السُّقْمُ عن لَحْظِ الفوائِدِ أَخْفاهُ

стр. 9623

هوًى كلَّما عادَتْ من الشَّرْقِ نفحةٌ … أعادَ ليَ الشَّوقَ الذي كان أَبْداهُ وما شَغَفي بالرِّيح إلا لأنَّها … تمُرُّ بحيٍّ دونَ رامةَ مَثْواهُ أُحِبُّ ثرى الوادي الذي بانَ أَهْلُهُ … وأَصبُو إلى الرَّبْع الذي مَحَّ مَغْناهُ فما وَجَدَ النِّضْو الطَّليحُ بمنزِلٍ … رأى وِرْدَهُ في ساحَتَيْه ومَرْعاهُ كَوَجْدِي بأطلالِ الدِّيارِ وإن مضى … على رَسْمِها كَرُّ العُصُورِ فأَبْلاهُ دوارِسَ عَفَّاها النُّحولُ كَأنَّما … وَجَدْنَ بكُمْ بعدَ النَّوى ما وَجَدْناهُ ألا حَبَّذا عَهْدُ الكثيبِ وناعمٌ … من العَيْشِ مَجْرورُ الذُّيولِ لَبِسْناهُ لياليَ عاطَتْنا الصَّبابة دَرَّها … فلم يَبْقَ فيها مَنْهَلٌ ما وَرَدْناهُ ولله وادٍ دونَ رَمْلَة عالجٍ (١) … يصحُّ إذا اعْتَلَّ النَّسيمُ خُزاماهُ أناشِدُ أرواحَ العَشِيَّاتِ كلَّما … نَسَبْنَ إلى رَيَّا الأَحِبَّة رَيَّاهُ وأكْمَدُ مَحْزُونٍ وأَوْجَعُ مُمْرَضٍ … من الوَجْدِ شاكٍ ليس تُسْمَعُ دَعْواهُ وبالجِزْعِ حيٌّ كلَّما عَنَّ ذِكْرُهُمْ … أماتَ الهوى منِّي فؤادًا وَأَحْياهُ تَمَنّيْتُهُمْ بالرَّقْمتينِ ودارُهُمْ … بوادي الغَضَا يا بُعدَ ما أَتَمَنَّاهُ سقَى الوابِلُ الهَطَّالُ ما حِلَ رَبْعِكُمْ … ويُرْوحُهُ ما شاء يومًا وغاداهُ (٢) وجَرَّ عليه ذَيْلَهُ كلُّ خاطرٍ (٣) … إذا ما مشى في عاطل التُّرْبِ حَلَّاهُ وما كنتُ لولا أَنَّ دَمْعي من دَمٍ … لأَحْمِلَ مَنًّا للسَّحَابِ بَسُقْياهُ على أَنَّ فخرَ المُلْكِ للأرضِ كافِلٌ … بفيض ندًى لا يَبْلُغُ القَطْرُ مَسْرَاهُ (٤) أخو الحَزْمِ ما فاجاه خَطْبٌ فكادَهُ … وذُو العَزْمِ ما عاناه أَمْرٌ فعَنَّاهُ تحامَتْنِيَ الأَيَّامُ عند لقائِهِ … كأنِّيَ فيها بَأْسُهُ وهْيَ أَعداهُ إلى المَلِك الجَعدِ الجزيلِ عطاؤه … إلى القَمَر السَّعدِ الجميلِ مُحَيَّاهُ (٥)

стр. 9624

من القوم يا ما أَمْنَعَ الجارَ بَيْنَهُمْ … وأحلى مذاقَ العَيْشِ فيهم وأمْراهُ لأنتَ الذي أَغْنَيْتَني وحملتني (١) … لياليَ لا مالٌ لديَّ ولا جاهُ وسَرْبَلْتَني بالعِزِّ حتى تَركْتَني … بحيثُ يراني الدَّهْرُ كُفْؤًا وإيَّاهُ فدونَكَ ذا الحَمْدَ الذي جَلَّ لَفْظُهُ … ودَلَّ (٢) على الأفهامِ في الفَضْلِ معناهُ فلا طُلَّ إلا من حِبائك رَوْضُهُ … ولا باتَ إلا في فِنائِك مَأْواهُ (٣) وقال في جوابِ كتابٍ: [من البسيط] وافى كتابُك أسْنَى ما يعودُ بِهِ … وَفْدُ المَسَرَّةِ منِّي إذْ يوافيني فَظَلْتُ أَطْويهِ مِنْ شَوقٍ وأَنْشُرهُ … والشَّوقُ يَنْشُرني فيه ويَطْويني (٤) عبد المنعم بن حِفَاظ (٥) ابن أحمد بن خلف، أبو البركات الأَنْصاري الدِّمَشْقي، ويعرف بابنِ البَقْلي. كان جَوَادًا مُمَدَّحًا، فاضلًا، سمع الكثير، واستوزره خيرخان بن قراجا صاحبُ حمص، ثُمَّ عَثَرَ عليه أَنَّه يكاتِبُ طُغْتِكِين، فَقَبَضَ عليه، وكَحَلَه، ورجع إلى دمشق أعمى. توفي بها في جُمادى الأولى، وكان ثِقَةً، وفيه يقول أحمد بن عبد العزيز المقدسي: [من الكامل] لم يجتمعْ شَرَفُ الأصولِ وطِيْبُها … ومحاسنُ الأفعالِ والأَلْفاظِ والجُود كلُّ الجودِ أجمعُ والتُّقَى … إلا لعبدِ المُنْعِم بنِ حِفاظِ

стр. 9625

عثمان بن نظام المُلْك (١) شمس الملك. استوزره السُّلْطان محمود، فطلبه سنجر، فقال أبو نصر المُسْتوفي لمحمود: متى بَعَثْتَ به حَيًّا إلى سنجر لم تأمنه، اقتله وابعث إليه برأسه. فبعث عنبر الخادم، فعرف فقال: أَمْهلني حتى أُصلي ركعتين. فقام وصَلَّى، واستسلم لقضاء الله، وقال لعنبر: أرني سَيْفك. فأراه إياه، فقال: سيفي أمضى منه، فلا تقتلني إلا به. فقتله بسيفه، وبعث برأسه إلى محمود، فلما كان بعد قليل بعث السُّلْطان محمود إلى أبي نَصر المستوفي مَنْ فَعَلَ به ذلك، وذَبَحه ذَبْحَ شاة. محمد بن أحمد (٢) ابن محمد المهتدي، أبو الغنائم، الخطيب المُعَدَّل. كان محترمًا عند الخلفاء، لقَّبه المستظهر شيخ الأسرة، توفي في ربيع الأَوَّل، ودُفِنَ بباب حَرْب، قريبًا من بِشْر الحافي، عن بضعٍ وثمانين سنة (٣)، ممتَّعًا بجوارحه، وكان ذا هيئة جميلةٍ، وصلاحٍ وصِدْق وعَفافٍ، رحمة الله عليه. السنة الثامنة عشر وخمس مئة وفيها عَزَمَ دُبَيْس على قَصدِ بغداد، وكان قد التجأ إلى طُغْريل بن محمد بن ملك شاه، فتأهَّب الخليفةُ للقائهما، وجَمَعَ الجيوش من كلِّ جانب، وتقدَّم إلى يرنقش الزّكوي بالاستعداد، فامتَنعَ دُبَيْس من ذلك. وفي هذه السنة وردت شحنكية بغداد إلى سَعد الدولة يرنقش الزَّكوي، وتقدَّم إلى البُرْسُقي بالعَوْدِ إلى المَوْصِل، وسُلِّم منصور بن صَدَقَة أخو دُبَيْس إلى الخليفة؛ سَلَّمه يرنقش، فاعتقل في دار الخليفة.

стр. 9626

وتزوَّج الخليفة ابنةَ السُّلْطان سنجر، [وتقدَّم في رجب إلى نظر الخادم بالمضيِّ إلى سنجر] (١) لإحضار الجهة (٢)، وكان المتولي للعقد القاضي الهروي. [ورأيتُ في "تاريخ" أبي يعلى بن القلانسي لدمشق أن الهرويَّ قُتِلَ في هذه السنة، فقال: وفي سنة ثمان عشرة وخمس مئة ورد الخبر من العراق بأن قاضي القضاة زين الإسلام أبا سَعد محمد بن نَصر بن منصور الهروي (٣)]، كان قافلًا من ناحية خراسان بجَواب السُّلْطان سنجر عما صَدَر على يده إليه، فدخل جامع هَمَذَان، فوثَبَ عليه قومٌ من الباطنية رُتِّبوا له، فَضَربوه بسكاكينهم حتى قتلوه وهربوا، فلم يُوقَفْ لهم على خبر [ولا بان لهم أثر] (٤) وسنذكره إنْ شاء الله تعالى، [ويقال له بِشْكان] (١). وفي جمادى الأولى تكاملتِ المثمَّنة التي تحت التَّاج، وهي قائمة إلى هلمَّ جَرَّا، وكان الخليفة [قد] (١) بناها لبنت [السُّلْطان] (١) سنجر ليبني بها فيها، وأخذ الدُّور المشرفة على دِجْلَة إلى مقابل مشرعة الرِّباط، ليبني ذلك كله مسناة واحدة. وفي شعبان وصلتِ الأخبار إلى بغداد، بأنَّ قافلةً واصلةً من خراسان - وقيل من دمشق - فيها باطنية قد نُدبوا لقتل أعيان الدولة، مثل الوزير، ونَظَر، وغيرهما، وغُمز عليهم، فَصُلِبَ البعض، وغُرِّق البعض، وغُمِزُ على [ابن أيوبّ] (١) قاضي عُكْبَرَا، فَنُهِبَتْ داره، فَوجِدَ فيها أجوبة منهم، ووصل الخبر [بأنهم وثبوا] (٥) في آمد ليملكوها، فظهر عليهم أهلُ البلد، فقتلوا من الباطنية سبع مئة رجل. وفيها كاتَبَ أهلُ حلب آق سُنْقُر البُرْسُقي إلى المَوْصِل، فسار إلى حلب، فَسَلَّمها إليه أهلُها، وهَرَب سُكْمان بن أُرْتُق، فلحقه البُرْسُقي بمنبج فقتله.

стр. 9627

وفيها استولتِ الفرنجُ على صور بالأمان، وقال ابن القلانسي: في سنة تسع عشرة وخمس مئة (١) ملك الفرنج صور بالأمان، وسببه خروج سيف الدولة مسعود منها، وكان قد حُمِلَ إلى مصر، وأقام الوالي الذي بها في البلد، وعَرَفَ الفرنج، فتأهَّبوا للنُّزول عليها، وعَرَفَ الوالي أنه لا قِبَلَ له بهم لقِلَّة الجُنْد والميرة بها، فكتَبَ إلى صاحب مِصر يخبره، فكتب إليه: قد رَدَدْتُ أمرها إلى ظهير الدِّين ليتولى حمايتها، وَالذَّبَّ عنها. وبَعَثَ منشورًا له بها. ونزل الفرنج عليها، وضايقوها بالحصار والقتال، حتى خَفَّتِ الأقوات، وجاء طُغْتِكين فَنَزَل بانياس، وتواترتِ المكاتباتُ إلى مِصر باستدعاء المُؤَن، فتمادت الأيامُ إلى أَنْ أَشْرَفَ أهلُها على الهلاك، ولم يكن لأتابك قدرةٌ على دَفْعِ الفرنج، ويئس من مِصر، فراسل أهلُها الفرنج، وطلبوا الأمان على نفوسهم وأهاليهم وأموالهم، ومن أراد الخروج خَرَجَ، ومن أراد الإقامة أقام. وجاء أتابك في عسكره فوقف بإزاء الفرنج، وركبت الفرنج، ووقفوا بإزائه، وصاروا صَفَّين، وخرج أهلُ البلد يمرُّون بين الصَّفَّيْن، ولم يعرض لهم أحد، وحملوا ما أطاقوا، ومن ضَعُفَ منهم أقام، ومضى بعضهم إلى دمشق، وتفرَّقوا في البلاد، وعاد أتابك إلى دمشق، وكان دخول الفرنج [إلى صور في الثالث والعشرين من جمادى الأولى. قال ابن القلانسي: وفيها اجتمعت الفرنج] (٢)، ونزلوا على حلب وضايقوها، فقلّتِ الأقوات عندهم، وأشرفوا على الهلاك، فأَرْسلُوا إلى الأمير سيف الدين البُرْسُقي، صاحب المَوْصِل، يستنجدون به، [ويشرحون حالهم] (٢)، فسار إليهم في ذي الحِجَّة بعسكره، وعَلِمَ الفرنج؛ فولَّوْا منهزمين، وتبعهم سَرَعانُ الخيل (٣) يقتلون ويأسرون إلى أنطاكية. وكانوا قد بنوا على حلب منازل [ومساكن] (٢) وحانات، وعَزَموا على الإقامة صيفًا وشتاءً، فجاء أهلَ حلب من الله ما لم يكن في الحساب، وفتحوا له الأبواب، وسُرُّوا بقدومه، فَعَدَل فيهم، وجَلَبَ إليهم الأقوات، فَرَخُصَتِ الأسعار، وطابتِ القلوب، [ولم يذكر ابن القلانسي سُكْمان بن أُرْتُق] (٤).

стр. 9628

وفيها توفي أحمد بن علي بن بَرْهان (١) أبو الفتح بن الحَمَّامي الفقيه الحَنْبلي. صَحِبَ أبا الوفاء عَقِيل، وبَرَعَ في الأُصول، والفِقْه، والذكاء، فَنَقَمَ عليه الحنابلةُ أشياءَ لم تحتملْها أخلاقهم، فانتقل، فوجد أصحابَ الشَّافعيِّ على أوفى ما يريده من الإكرام، ثُمَّ (٢) ترقى حتى جعلوه مدرس النِّظامية، وشَهِدَ عند الزَّينبي، فَقَبِلَ شهادَتَه، وتوفي في جُمادى الأولى، ودفن بباب أبرز. عبد الله بن محمد (٣) ابن علي بن محمد، أبو جعفر الدَّامَغَاني. شهد عند أبيه، وجعل قاضيًا على ربع الكَرْخ من قبل أخيه، ثم ترك ذلك ورمى الطَّيْلَسان (٤)، وولي حِجْبةَ باب النُّوبي، ثم عُزِلَ، وتوفي في جُمادى الأولى، ودُفِنَ بالشُّونِيزِيَّة، وكان كريمَ الأخلاق، حَسَنَ العِشْرة، خليقًا بالرِّياسة. [فصل: وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم (٥) أبو العباس بن أبي الفتوح، الخَرَاساني الأصبهاني. ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة، سافَرَ وطلب الحديث، وحجَّ حجَّات، وجاور بمكة سنين، وكان يعظ على مذهب الصُّوفية، ووعظ ببغداد، وحَصَلَ له بها القَبُول التَّام، وعاد إلى أصبهان، وتوفي بها في ربيع

стр. 9629

الآخر. سمع بأصبهان من أبي عثمان سعيد بن سعيد العَيَّار (١) الصُّوفي، وعبد الوهَّاب بن أبي عبد الله بن منده، وغيرهما، وبمكة من سَعد الزَّنْجاني وغيره، وكان صالحًا ثقة. وفيها توفي المبارك بن جعفر بن مسلم (٢) أبو الكرم، الهاشمي، القارئ، قرأ القرآن، وخَتَمَ عليه خَلْقٌ كثير. قال جدي: وهو أوَّلُ من لقنني القرآن وأنا طفلٌ صغير، وتوفي في ذي الحِجَّة عن أربعين سنة، ودفن بباب حرب (٣). سمع أبا محمد التَّميمي، وطِراد بن محمد الزَّينَبي وغيرهما، وكان صدوقًا ثِقَةً] (٤). محمَّد بن نَصر (٥) ابن منصور بن سَعد، القاضي الهَرَوي، [ويقال له بِشْكان (٦)، صاحب الأبيات التي ذكرناها عند أخذ الفرنج للقدس. وكيف تنام العين وهي قريرة وذكرناها في سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة في غير هذه النسخة. وذكره العماد في "الخريدة".

стр. 9630

و] (١) كان في بداية أمره ورَّاقًا فقيرًا في بعض المدارس، فسار إلى بغداد، وتقلَّب به الزَّمان، واتَّصل بالخليفة، وصار سفيرًا بينه وبين الملوك، واستشهد هو وولد بهَمَذَان في شعبان، وكانت له [اليد] (١) الباسطة في النَّثر والنَّظْم، [حديد الخاطر، سريع الفهم، سافر إلى خراسان فمرَّ] (١) بقرية، فاختفى منه رئيسُها، فكتب بديهًا: [من الطويل] أقولُ لركبٍ عائدين إلى الحِمى … إذا ما أَنَخْتُمْ في جِوار قِبَابِنا فأَهْدُوا لِفتْيان النَّدِيّ سلامَنَا … وقُصُّوا عليهم حالَنا في ذهابنا لنا جارةٌ قالتْ لنا كيف حالكم … وقد ساءها مَسُّ الضَّنى في جنابنا رأتْ حولنا غَرْثى (٢) يرومُون عندها … فضالةَ زادٍ من بقايا جِرابنا فقلتُ لها أما الجوابُ فإنَّنا … أناسٌ غَلِطْنا مَرَّة في حِسابنا فَعُدْنا وقُلْنا عَلَّ ثَمَّ ضرورةً … ولُمْنا وأمسكنا عِنانَ عِتابنا شَفَيْنا قلوبًا ضَلَّةً عند ظَنِّنا … بكلِّ تَداوَيْنا فلم يَشْفِ ما بنا وقال: [من الوافر] أوَدِّعكم وأُودعِكم جَنَاني … وأَنْثُرُ دَمْعتي نَثْرَ الجُمانِ وإنِّي لا أُريدُ لكمْ فِراقًا … ولكنْ هكذا حُكْمُ الزَّمانِ السَّنة التاسعة عشر وخمس مئة فيها جَسَّرَ دُبَيْس بن صدقة طغريل بن محمد بن مَلِك شاه على قَصدِ بغداد، وأن يَطْلُبَ السَّلْطنة، فَسَارَ، واستعدَّ له الخليفة، وأمر بفتح بابٍ من داره في المَيْدان مقابل الحلبة، وسمَّاه باب النَّصر - وهو باقٍ إلى هلم جرا - وجَعَلَ عليه أبوابًا من الحديد، وبَرَزَ يوم الجمعة خامس صفر، وخرَجَ سُحْرةَ يوم الاثنين ثامنه من باب النَّصر، وعليه أُبهةُ الخلافة، وبين يديه وزيره ابنُ صدقة والنَّقيبان، والقُضاة وأربابُ الدَّوْلة والخدمُ مُشَاةً إلى باب الحلبة، ثم ركبوا إلى الشَّمَّاسية، فلما عاينوا السُّرادِق ترجَّلُوا، وهو في
следующие страницы →