وتزوَّج الخليفة ابنةَ السُّلْطان سنجر، [وتقدَّم في رجب إلى نظر الخادم بالمضيِّ إلى سنجر] (١) لإحضار الجهة (٢)، وكان المتولي للعقد القاضي الهروي.
[ورأيتُ في "تاريخ" أبي يعلى بن القلانسي لدمشق أن الهرويَّ قُتِلَ في هذه السنة، فقال: وفي سنة ثمان عشرة وخمس مئة ورد الخبر من العراق بأن قاضي القضاة زين الإسلام أبا سَعد محمد بن نَصر بن منصور الهروي (٣)]، كان قافلًا من ناحية خراسان بجَواب السُّلْطان سنجر عما صَدَر على يده إليه، فدخل جامع هَمَذَان، فوثَبَ عليه قومٌ من الباطنية رُتِّبوا له، فَضَربوه بسكاكينهم حتى قتلوه وهربوا، فلم يُوقَفْ لهم على خبر [ولا بان لهم أثر] (٤) وسنذكره إنْ شاء الله تعالى، [ويقال له بِشْكان] (١).
وفي جمادى الأولى تكاملتِ المثمَّنة التي تحت التَّاج، وهي قائمة إلى هلمَّ جَرَّا، وكان الخليفة [قد] (١) بناها لبنت [السُّلْطان] (١) سنجر ليبني بها فيها، وأخذ الدُّور المشرفة على دِجْلَة إلى مقابل مشرعة الرِّباط، ليبني ذلك كله مسناة واحدة.
وفي شعبان وصلتِ الأخبار إلى بغداد، بأنَّ قافلةً واصلةً من خراسان - وقيل من دمشق - فيها باطنية قد نُدبوا لقتل أعيان الدولة، مثل الوزير، ونَظَر، وغيرهما، وغُمز عليهم، فَصُلِبَ البعض، وغُرِّق البعض، وغُمِزُ على [ابن أيوبّ] (١) قاضي عُكْبَرَا، فَنُهِبَتْ داره، فَوجِدَ فيها أجوبة منهم، ووصل الخبر [بأنهم وثبوا] (٥) في آمد ليملكوها، فظهر عليهم أهلُ البلد، فقتلوا من الباطنية سبع مئة رجل.
وفيها كاتَبَ أهلُ حلب آق سُنْقُر البُرْسُقي إلى المَوْصِل، فسار إلى حلب، فَسَلَّمها إليه أهلُها، وهَرَب سُكْمان بن أُرْتُق، فلحقه البُرْسُقي بمنبج فقتله.
стр. 9627
وفيها استولتِ الفرنجُ على صور بالأمان، وقال ابن القلانسي: في سنة تسع عشرة وخمس مئة (١) ملك الفرنج صور بالأمان، وسببه خروج سيف الدولة مسعود منها، وكان قد حُمِلَ إلى مصر، وأقام الوالي الذي بها في البلد، وعَرَفَ الفرنج، فتأهَّبوا للنُّزول عليها، وعَرَفَ الوالي أنه لا قِبَلَ له بهم لقِلَّة الجُنْد والميرة بها، فكتَبَ إلى صاحب مِصر يخبره، فكتب إليه: قد رَدَدْتُ أمرها إلى ظهير الدِّين ليتولى حمايتها، وَالذَّبَّ عنها. وبَعَثَ منشورًا له بها. ونزل الفرنج عليها، وضايقوها بالحصار والقتال، حتى خَفَّتِ الأقوات، وجاء طُغْتِكين فَنَزَل بانياس، وتواترتِ المكاتباتُ إلى مِصر باستدعاء المُؤَن، فتمادت الأيامُ إلى أَنْ أَشْرَفَ أهلُها على الهلاك، ولم يكن لأتابك قدرةٌ على دَفْعِ الفرنج، ويئس من مِصر، فراسل أهلُها الفرنج، وطلبوا الأمان على نفوسهم وأهاليهم وأموالهم، ومن أراد الخروج خَرَجَ، ومن أراد الإقامة أقام. وجاء أتابك في عسكره فوقف بإزاء الفرنج، وركبت الفرنج، ووقفوا بإزائه، وصاروا صَفَّين، وخرج أهلُ البلد يمرُّون بين الصَّفَّيْن، ولم يعرض لهم أحد، وحملوا ما أطاقوا، ومن ضَعُفَ منهم أقام، ومضى بعضهم إلى دمشق، وتفرَّقوا في البلاد، وعاد أتابك إلى دمشق، وكان دخول الفرنج [إلى صور في الثالث والعشرين من جمادى الأولى.
قال ابن القلانسي: وفيها اجتمعت الفرنج] (٢)، ونزلوا على حلب وضايقوها، فقلّتِ الأقوات عندهم، وأشرفوا على الهلاك، فأَرْسلُوا إلى الأمير سيف الدين البُرْسُقي، صاحب المَوْصِل، يستنجدون به، [ويشرحون حالهم] (٢)، فسار إليهم في ذي الحِجَّة بعسكره، وعَلِمَ الفرنج؛ فولَّوْا منهزمين، وتبعهم سَرَعانُ الخيل (٣) يقتلون ويأسرون إلى أنطاكية. وكانوا قد بنوا على حلب منازل [ومساكن] (٢) وحانات، وعَزَموا على الإقامة صيفًا وشتاءً، فجاء أهلَ حلب من الله ما لم يكن في الحساب، وفتحوا له الأبواب، وسُرُّوا بقدومه، فَعَدَل فيهم، وجَلَبَ إليهم الأقوات، فَرَخُصَتِ الأسعار، وطابتِ القلوب، [ولم يذكر ابن القلانسي سُكْمان بن أُرْتُق] (٤).
стр. 9628
وفيها توفي
أحمد بن علي بن بَرْهان (١)
أبو الفتح بن الحَمَّامي الفقيه الحَنْبلي. صَحِبَ أبا الوفاء عَقِيل، وبَرَعَ في الأُصول، والفِقْه، والذكاء، فَنَقَمَ عليه الحنابلةُ أشياءَ لم تحتملْها أخلاقهم، فانتقل، فوجد أصحابَ الشَّافعيِّ على أوفى ما يريده من الإكرام، ثُمَّ (٢) ترقى حتى جعلوه مدرس النِّظامية، وشَهِدَ عند الزَّينبي، فَقَبِلَ شهادَتَه، وتوفي في جُمادى الأولى، ودفن بباب أبرز.
عبد الله بن محمد (٣)
ابن علي بن محمد، أبو جعفر الدَّامَغَاني.
شهد عند أبيه، وجعل قاضيًا على ربع الكَرْخ من قبل أخيه، ثم ترك ذلك ورمى الطَّيْلَسان (٤)، وولي حِجْبةَ باب النُّوبي، ثم عُزِلَ، وتوفي في جُمادى الأولى، ودُفِنَ بالشُّونِيزِيَّة، وكان كريمَ الأخلاق، حَسَنَ العِشْرة، خليقًا بالرِّياسة.
[فصل: وفيها توفي
أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم (٥)
أبو العباس بن أبي الفتوح، الخَرَاساني الأصبهاني. ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة، سافَرَ وطلب الحديث، وحجَّ حجَّات، وجاور بمكة سنين، وكان يعظ على مذهب الصُّوفية، ووعظ ببغداد، وحَصَلَ له بها القَبُول التَّام، وعاد إلى أصبهان، وتوفي بها في ربيع
стр. 9629
الآخر. سمع بأصبهان من أبي عثمان سعيد بن سعيد العَيَّار (١) الصُّوفي، وعبد الوهَّاب بن أبي عبد الله بن منده، وغيرهما، وبمكة من سَعد الزَّنْجاني وغيره، وكان صالحًا ثقة.
وفيها توفي المبارك بن جعفر بن مسلم (٢)
أبو الكرم، الهاشمي، القارئ، قرأ القرآن، وخَتَمَ عليه خَلْقٌ كثير.
قال جدي: وهو أوَّلُ من لقنني القرآن وأنا طفلٌ صغير، وتوفي في ذي الحِجَّة عن أربعين سنة، ودفن بباب حرب (٣).
سمع أبا محمد التَّميمي، وطِراد بن محمد الزَّينَبي وغيرهما، وكان صدوقًا ثِقَةً] (٤).
محمَّد بن نَصر (٥)
ابن منصور بن سَعد، القاضي الهَرَوي، [ويقال له بِشْكان (٦)، صاحب الأبيات التي ذكرناها عند أخذ الفرنج للقدس.
وكيف تنام العين وهي قريرة
وذكرناها في سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة في غير هذه النسخة. وذكره العماد في "الخريدة".
стр. 9630
و] (١) كان في بداية أمره ورَّاقًا فقيرًا في بعض المدارس، فسار إلى بغداد، وتقلَّب به الزَّمان، واتَّصل بالخليفة، وصار سفيرًا بينه وبين الملوك، واستشهد هو وولد بهَمَذَان في شعبان، وكانت له [اليد] (١) الباسطة في النَّثر والنَّظْم، [حديد الخاطر، سريع الفهم، سافر إلى خراسان فمرَّ] (١) بقرية، فاختفى منه رئيسُها، فكتب بديهًا: [من الطويل]
أقولُ لركبٍ عائدين إلى الحِمى … إذا ما أَنَخْتُمْ في جِوار قِبَابِنا
فأَهْدُوا لِفتْيان النَّدِيّ سلامَنَا … وقُصُّوا عليهم حالَنا في ذهابنا
لنا جارةٌ قالتْ لنا كيف حالكم … وقد ساءها مَسُّ الضَّنى في جنابنا
رأتْ حولنا غَرْثى (٢) يرومُون عندها … فضالةَ زادٍ من بقايا جِرابنا
فقلتُ لها أما الجوابُ فإنَّنا … أناسٌ غَلِطْنا مَرَّة في حِسابنا
فَعُدْنا وقُلْنا عَلَّ ثَمَّ ضرورةً … ولُمْنا وأمسكنا عِنانَ عِتابنا
شَفَيْنا قلوبًا ضَلَّةً عند ظَنِّنا … بكلِّ تَداوَيْنا فلم يَشْفِ ما بنا
وقال: [من الوافر]
أوَدِّعكم وأُودعِكم جَنَاني … وأَنْثُرُ دَمْعتي نَثْرَ الجُمانِ
وإنِّي لا أُريدُ لكمْ فِراقًا … ولكنْ هكذا حُكْمُ الزَّمانِ
السَّنة التاسعة عشر وخمس مئة
فيها جَسَّرَ دُبَيْس بن صدقة طغريل بن محمد بن مَلِك شاه على قَصدِ بغداد، وأن يَطْلُبَ السَّلْطنة، فَسَارَ، واستعدَّ له الخليفة، وأمر بفتح بابٍ من داره في المَيْدان مقابل الحلبة، وسمَّاه باب النَّصر - وهو باقٍ إلى هلم جرا - وجَعَلَ عليه أبوابًا من الحديد، وبَرَزَ يوم الجمعة خامس صفر، وخرَجَ سُحْرةَ يوم الاثنين ثامنه من باب النَّصر، وعليه أُبهةُ الخلافة، وبين يديه وزيره ابنُ صدقة والنَّقيبان، والقُضاة وأربابُ الدَّوْلة والخدمُ مُشَاةً إلى باب الحلبة، ثم ركبوا إلى الشَّمَّاسية، فلما عاينوا السُّرادِق ترجَّلُوا، وهو في
стр. 9631
أبهةٍ عظيمة، والشمسة على رأسه، والأعلام والكوسات والمهد بين يديه، والأمراء كلهم مشاة، فنزل السُّرادِق، ورحل في تاسع صفر، فنزل الخالص، ونزل طغريل ودُبَيْس الزادان، ولما علما بخروجِ الخليفة عدلا عن طريق خُرَاسان، ونزلا رباط جَلُولاء، ونزل الخليفة الدَّسْكَرَة، وتوجَّه طغريل ودُبَيْس إلى الهارونية ليكبسا بغداد ليلًا، ويقطعا جسر النّهروان، فَعَبَر دُبَيْس دَيَالى على أن يتبعه طغريل، فَمَرِضَ طغريل في تلك الليلة، وتوالى مجيء المَطَر، والخليفة لا يعلم ما دبَّراه، وقَصَدَ دُبَيْس مشرعةً هناك في مئتي فارس جريدة، فَنَزَل عندها وقد تعب، وجاء المطر عليهم طول الليل، وليس معهم خيمة، ولا زاد، ولا عليق، ووصلت جِمالُ الخليفة من بغداد وعليها الزَّادُ والثِّياب، فأخذها دُبَيْس، ففرَّقها في عسكره، فاكتسوا وشبعوا، وبلغ الخبر إلى بغداد بمجيء دُبَيْس، فانزعج النَّاس، وباتوا تحت السِّلاح، ولازم النِّساءُ والصبيان والمشايخ المساجد يدعون ويتضرَّعون، ووصل الخبر إلى الخليفة بأنَّ دُبَيْسًا قد دَخَلَ بغداد، فرحل منحدرًا إلى النهروان، فلم يشعر دُبَيْس إلَّا براياتِ الخليفة قد طلعت، فلما رآها بُهِتَ وقَبَّل الأرض في مكانه، وقال: أنا العبد المطرود ما إن يعفى عن المذنب. فلم يجبه أحد، فأعاد القول، فَرَقَّ له الخليفة وهَمَّ بالعفو عنه ومصالحته، فصرفه وزيره ابنُ صدقة عن ذلك، وكان بينهما النهر، ولما علم دبيس أن السُّخْط بحاله عاد إلى طغريل، وقال: المصلحة نقصد السلطان سنجر نستجير به؛ أنت من أخيك محمود، وأنا من الخليفة. فساروا، وأما الخليفة فإنه عاد إلى بغداد، فكانت غيبته عنها خمسةً وعشرين يومًا، ووصل طغريل إلى سنجر، فأجارهما، فلبَّس عليه. وقال: قد طَرَدَنا الخليفة، وقال: هذه البلادُ بلادي. فقبض سنجر على دُبَيْس، وحَبَسه في قلعة ليتقرَّب به إلى الخليفة. وخرج يرنقش الزَّكوي في رجب إلى محمود، وكثَّر على الخليفة، وقال: قد طمع في المُلْك، وخَرَجَ من داره مَرَّتين، وكَسَرَ مَنْ قصده، وإن لم تَدَّبَّرِ الأمرَ في حَسْمِ ذلك، وإلا اتَّسع الخَرْق، والذي يحمله على ذلك وزيره ابنُ صدقة؛ قد كاتَبَ العربَ، وأمراء الأطراف والأكراد. فبقي في نفس محمود من ذلك ما دعاه إلى دخول بغداد (١).
стр. 9632
وفيها قبضَ الأميرُ صاحبُ مِصر على وزيره المأمون أبي عبد الله، وأحمد (١) المؤتمن ابني البطائحي، واستولى على أموالهما وذخائرهما، وقتلهما، وكانا قد دَبَّرا في القَبْض عليه (٢).
وفيها جَمَعَ بغدوين صاحبُ القُدْس [وحشد] (٣) وقصَدَ حوران [من أعمال دمشق] (٣)، وشرع في الغارات على الأماكن القريبة من دمشق، فجمع طُغْتِكِين التُّرْكمان، وكاتَبَ الأطراف، ووصل إليه من التُّرْكْمان نحو ألفي فارس طالبين الجهاد، وخرج من دمشق في خَلْقٍ كثير، فوصل مرج الصُّفَّر [وذلك] (٣) في السَّابع والعشرين من ذي الحِجَّة، وخرج من دمشق أَحْداثُها ورجالُ الغوطة والمرج وقصر حَجَّاج والعُقَيْبة وغيرها بالسِّلاح التَّام، وقالوا: نلحق المصافّ. ولم يشكَّ أحد أَنَّ النَّصر في ذلك اليوم للمسلمين. وجاء الفرنج إلى مرج الصُّفَّر، والتقت الطَّلائع، فلما شاهد الفرنج ذلك [الجَمْعَ العظيم] (١) علموا أنَّهم لا طاقةَ لهم بهم، فعادوا إلى خيامهم [ومنزلهم] (٣)، فتبعهم طائفةٌ من التركمان والأحداث، وتفرَّق العسكر في نَهْبِ خيم الفرنج، فلما [رأى الفرنج] (٤) ذلك عادوا فحملوا على المسلمين، فكسروهم من أواخر مرج الصُّفَّر، وهزموهم إلى عَقَبة شحورا، فقتلوا جميع الرَّجَّالة والتركمان إلَّا من نجا بفرسه، وانهزم أتابك إلى دمشق، فوصلها آخر النهار، وقد قُتِلَ رجاله، وأُسِرَ أبطاله، وغَنِمَ الفرنُج غنيمةً لم يغنموا مِثْلَها، وباتوا بعقبة شحورا عازمين على مباكرة البلد، واستعد أتابك للحصار، فأصبحوا وقد رَحَلَ الفرنج إلى منزلهم (٥).
стр. 9633
وفيها توفي أحمد بن محمد بن الفَضْل (١)
أبو الفضل بن الخازن، الكاتب الفاضل.
قال العماد الكاتب: مات سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وله سَبْعٌ وأربعون سنة، وغيره يقول: مات في هذه السنة (٢).
ومن شعره: [من الطويل]
سُقِيْتَ لمعنىً حَلَّ فيك أُحِبُّه … ولولاه لم أسْمح لتُرْبك بالقَطْرِ
فإنك أرضٌ ما وَجَدْتُ بها رضى … وضَيْعَةُ حُرٍّ ما يضيعُ سوى الحُرِّ
قد اعتلَّ فيها كلُّ شيء سوى الصَّبا … وَرَقَّ سوى الأخلاقِ والماءِ والخَمْرِ
فلو شَربُوها بالدِّنانِ لما سَخَتْ … عليهم حُمَيَّاها بِتَعْتَعَةِ السُّكْرِ
وقَلَّ بها الإحسانُ حتى رياضها … تشحُّ بريَّاها على الرِّيح أَنْ تجري
يجوزُ على الأشعار منها معاشرٌ … أحقُّ بغَزْلِ الشَّعْر من غَزَلِ الشِّعْرِ
آق سُنْقُر البُرْسُقي (٣)
صاحب المَوصِل كان شُجاعًا جَوَادًا، عادلًا في الرَّعية [وهو الذي رَحَّل الفرنج عن حلب] (٤)، وكان الخلفاء والملوك يحترمونه، [وكان بين يدي الخليفة لما كسر دُبَيْسًا] (٢)، وكان قد احترز من الباطنية بالرِّجال والسِّلاح والجاندارية (٥) وغيرهم، فدخل
стр. 9634
يوم الجمعة جامع المَوْصِل ليصلِّي، فجاء إلى المقصورة، وفيها جماعة من الصُّوفية لهم عادةٌ يصلُّون فيها، فما استراب بهم، فدخل في الصَّلاة، وتأخَّر عنه أصحابُه، فوثَبَ عليه ثلاثة في زِيِّ الصُّوفية، فضَربُوه بالسَّكاكين، فلم تعمل في جسده للدِّرْع الذي كان عليه، فصاحوا: رأسَهُ وَوَجْهَه. فضربوه حتى قتلوه، وحَزِنَ النَّاسُ عليه، [لأنه كان محسنًا إليهم] (١)، وأقاموا ابنه مسعودًا مقامه.
الحَسن بن هَبة الله (٢)
ابن عبد الله، والد الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر [صاحب التاريخ] (١).
ولد سنة ستين وأربع مئة، [وسمع البخاري من الفقية نصر، وسمع مشايخ الشَّام] (١) وتوفي في رمضان، ودُفن بالبابِ الصِّغير، [وروى عنه ولده الحافظ وغيره] (١)، وكان صالحًا فاضلًا.
سليمان بن إيلغازي بن أُرْتُق (٣)
صاحِبُ مَيَّافارِقِين، [قد ذكرنا أنه استولى على ميافارقين عند موت أبيه] (٤)، كان عادلًا شجاعًا، توفى في رمضان، ودفن عند أبيه، وجاء أخوه تمرتاش من مارِدِين، فدخلها، وأحسن إلى أهلها، فأَحَبُّوه.
عثمان بن علي (٥)
ابن المُعَمَّر بن أبي عِمامة، أبو المعالي، أخو أبي سَعد الواعظ (٦).
كان ظريفًا، وكان أخوه أبو سَعد يلقَّب بالدِّيك، وكان عفيف الخادم يتعصَّب له دون عثمان، فما كان عثمان يُلِمُّ بعفيف، فكتب إليه عثمان: [من السريع]
стр. 9635
أيا جمالَ الدَّوْلةِ المُرْتجى … لكلِّ خيرٍ كَمْ أُناديكا
أجلس في الحَمَّام مِنْ شقوتي … أغسلُ ثوبيَّ المُراديكا
والدِّيْكُ في دارِك ذو بَسْطَةٍ … يروحُ عنها ويُغادِيكا
فكلِّم البوَّابَ في الإذْنِ لي … مُقَرِّبًا أو كَشكِشِ الدِّيكا
وعشْ كما تُؤْثِرُ في نِعْمَةٍ … تَكْبُتُ بالذُّلِّ أعاديكا
فضحك عفيفٌ وقَرَّبه.
هلال بن عبد الرحمن (١)
ابن شُرَيْح بن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن بلال بن رباح، مؤذِّن النَّبي ﷺ .
كان حَسَنَ الصَّوْتِ بالأذان، وطافَ الدُّنيا، وتوفي بسَمَرْقَنْد، وكنيته أبو سعيد.
السَّنة العُشرون وخَمْسُ مئة
فيها كَتَبَ السُّلْطان محمود إلى الخليفة يشكره على قتال طغريل، ويهنئه بالفَتْح، ويقول: قد عَلِمْتُ أَنَّك إنّما فعلتَ هذا لأجلي، وأنا خادِمُك، وقد مضى طغريل ودُبَيْس إلى سنجر ليتفقون (٢) عليَّ وعليك، وأسأل أن أكون خادمك، إن قصدونا كُنَّا عليهم. فأجابه الخليفة، وتعاهدوا، وعلم سنجر، فبعثَ إلى محمود يقول: أنتَ صبيٌّ، والخليفة يمكر بي وبك، فإذا اتفقتما عليَّ وفرغتما مني عاد إليك، وأنت تعلم أن ليس لي ولدٌ ذكر، وأَنَّني لما التقيتُك كَسَرْتُك وعَفَوْتُ عنك، وجعلتُك وليَّ عهدي، وزوّجْتُك ابنتي، ورأيي فيك رأي الوالد، فالله اللهَ أن تعوِّل على ما قد تقرَّر بينك وبين الخليفة، والواجب أن تمضي إلى بغداد، وتقبضَ على وزير الخليفة ابنِ صَدَقَة، وتقبل الأكراد الذين قد رديتهم (٢)، وتأخذ السِّلاح الذي في دار الخليفة وآلة السفر، وتقول أنا خادِمُك وسَيْفك، فترجع إلى عادتك الأُولى، وتقعد في دارك. فإن قَبِلَ وإلَّا أَخَذْتُه بالعنف، وإن لم يتولى (٢) فلا لك معه حكم. فلما سَمِعَ هذه الرسالة انثنى عزمه، وسَمِعَ قولَ سنجر.
стр. 9636
وكتَبَ أصحابُ الأخبار إلى الخليفة بذلك، فبعث إليه سديدَ الدَّوْلة يقول: تتأخر عن بغداد هذه السنة لقِلَّة الميرة، والنَّاس في عقيب غلاء. فقال محمود: لابُدَّ له من المجيء.
وخرج إليه يرنقش الزَّكوي يشكو من استيلاء الخليفة على بغداد، فأَوْغَر صَدْره، وحَثَّه على المجيء، وحقَّقَ في نفسه أَنَّ الخليفة يحاربه، ويمنعه من الدُّخول، فتوجَّه إلى بغداد، وبعث الخليفةُ إليه ثانيًا ينهاه، فأَسْمَعَ الرَّسولَ كلامًا ثَقُلَ على الخليفة، فَشَرَعَ الخليفةُ في إعداد المضارب، وجَمَعَ العساكر، ونودي ببغداد يوم السبت عاشر ذي القَعدة بعبور النَّاس إلى الجانب الغَرْبي، وتُقدِّمَ بإخراج سُرادِقِه إلى الخليفة، وانزعج النَّاس، ولقوا شِدَّةً، ثم بدا للخليفة، فنادوا في النَّاس بالعبور إلى الجانب الشَّرقي إلى منازلهم، لأن الدُّور بالجانب الغربي ضاقت بالنَّاس، ثم حُمِلَ سُرادِقُ الخليفة إلى الجانب الغَرْبي، فَضُرِبَ به رابع عشرين ذي العَقْدة، وعَبَرَ الخليفة إلى الجانب الغربي في أُبَّهة الخلافة.
ولما عَلِمَ السلطان أَرسل إليه يرنقش الزَّكوي وأسعد الطُّغْرائي، فدخلا على الخليفة، وقَبَّلا الأرض، وأدَّيا الرِّسالة، وخَشَّنا في آخرها، فقال الخليفة ليرنقش: أنتَ الذي أَحْوَجْتَه إلى المجيء، وقد بعثتُ إليه أقول: يتأخَّر هذه السنة، وهو يخالفني. وأراد قَتْلَ يرنقش، فمنعه ابنُ صَدَقَة، وقال: هو رسولٌ. وعادا إلى السُّلْطان، وهو بقَرْمسين (١)، فأخبراه بما قال، وَأنه قد عَبَرَ إلى الجانب الغربي، فاستشاط غَضَبًا، ورَحَلَ إلى بغداد.
ولما كان قبل يوم النَّحر بيوم أَمَرَ الخليفةُ بنَصب خيمةٍ كبيرة، وبين يديها خيمةٌ أُخرى، ومدَّ بينهما شقين (٢)، ونصبوا في صَدْر الخيمة الكبيرة منبرًا عاليًا، وحَضَرَ الخواصّ والوزير والنَّقباء والأشراف الهاشميون ووجوه الدَّولة، وخرج الخليفة ومعه ولده الرَّاشد، وهو وليُّ عَهْده، فوقف إلى جانب المِنْبر، وصَلَّى الخليفةُ بالنَّاس صلاةَ العيد، وكان المكبِّرون خطباء الجوامع ابن الغريق وابن المهتدي وغيرهما، فلما فَرَغَ من صلاة العيد صَعِدَ المنبر، ووقف الرَّاشد دونه، وبيده سيفٌ مشهور، فابتدأ الخليفة، فقال: الله أكبر ما سَحَّتِ الأنواء، وأَشْرَقَ الضِّياء، وطَلَعَتْ ذُكاء، وعَلَتْ على الأرض السَّماء. الله أكبر ما هَمَعَ سحاب، ولَمَعَ سَرَاب، وأنجح طِلاب، وسُرَّ قادِمٌ بإياب. الله أكبر ما نبت نجمٌ وأَزْهر، وأينع غُصن وأَثْمر، وطَلَع فَجر وأَسْفَر، وأضاء هِلالٌ وأَقْمر.
стр. 9637
وسبحان الله الذي جَلَّ عن الأَشْباه والنَّظير، وعَجَزَ عن تكييف ذاته الفِكْرُ والضَّمير، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
والحمدُ لله ناصِرُ أوليائه، وخاذِلُ أعدائه، الذي لا يخلو عن عِلْمه مكان، ولا يَشْغَلُه شأنٌ عن شان، أحمده على تزايُدِ نِعَمِهِ، وأسأله الزِّيادة من بِرّه وكَرَمِهِ، وأَشْهد أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، شهادةً أجعلها لنفسي الوِقاء، وأتَّخِذُها ذُخرًا ليوم اللِّقاء، وأشهد أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، بَعَثَه والكُفْر ممتدُّ الرِّواق، قد ضَرَبَ بجِرانه (١) في الآفاق، فشمرَّ عن ساق، وقَوَّم أهلَ الزَّيغ والنِّفاق، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار، وأهلِ بيته الأَطْهار، وعلى عَمِّه العَبَّاس ذي الشرف الشَّامخ، والمجد الباذِخ، جَدِّ أمير المؤمنين، أبي الخُلَفاء الراشدين، وعلى أزواجه الطَّاهرات أمهات المؤمنين، وسَلَّم، صلاةً تُزْلِفُهم بها يوم الدِّين، وتجعلهم في جواره في أعلى عِلِّيين.
عبادَ الله، قد وَضَحَ السَّبيلُ لطالبيه، ونَطَقَ الدَّليل للراغب فيه، وظَهَرَ الحق كظهور معانيه، فما للنُّفوس راغبةٌ عن رشادِها، مشمِّرةٌ على فسادِها، مفرِّطةٌ في إصدارها وإيرادها، جاهلةٌ بمعادها، أم هي غَنِيَّةٌ عن استعدادِها، هيهات هيهات، كم اخترمتِ المنيةُ قَبْلكم، وساقَتْ إلى الأرماس مَنْ كان أشدَّ منكم ومثلكم، سَلَبَتْهُمْ أرواحَهم، وقطعتهم أفراحَهم، ولم تَخِفَّ جيوشُهم وسلاحُهم، طالما أفنتْ أُممًا، واستزلَّتْ قَدَمًا، وأمطرت عليهم من الفناء دِيَمًا، وَرَمَتْهُم من البلايا أَسْهُمًا، وحَرَمَتْهم من الآمال مَغْنمًا، وحمَّلتهم من الأثقال مَغْرمًا، ولم تراعِ فيهم محرمًا، ذَلَّوا بعد أن عَزُّوا في دُنْياهم، وسادوا وجَرُّوا الجيوش إلى الأعداء، وقادوا، فعاد مُطْلَقُهم مأسورا، وقائِدُهم بالشَّقاء مقهورا، قد عَدِموا نورًا وسرورًا، فيا أسفى لهم، ضيَّعوا زمنًا، وما اكتسبوا حسنًا، فكيف بهم إذا نُشِرَتِ الأمم، وأعيدت الحياة إلى الرِّمم، ونزل بذوي الذنوب الأَلَم، وظَهَرَ مِنْ أهل التقصير الأَسَفُ والنَّدم، فذلك لا يرحم فيه من شكا، يوم يشتدُّ فيه الفَرَق، ويتزايد فيه القَلَق، وتَثْقُلُ على أهلِها الأوزار، وتَلْفَحُ وجوهَ العُصاةِ النَّار، وتَذْهَلُ المُرْضعات، وتَعْظُمُ التَّبِعات، وتَظْهَرُ الآيات، وتُكْشَفُ البَلِيَّات، ولا تُقالُ فيه عَثْرةُ [من] (٢) نَدِمَ، ولا ينجو من عذابِ الله إلا من رَحِم.
стр. 9638
واعلموا عبادَ الله أَنَّ يومَكم هذا شَرَّفه الله بتشريفه القديم، وابْتلى فيه خليلَه إبراهيم بذَبْحِ وَلَدِهِ إسماعيل، وفداه بذِبْحٍ عظيم، وسَنَّ فيه النَّحر، وجعله شِعارًا للسُّنَّة إلى آخر الدَّهر. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: الآية ٣٧] البَدَنةُ عن سبعة، والبقر عن سبعة، والجَذَع من الضَّأْن، والثَّنِيُّ من المَعَز عن واحد ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦] الآية. ثُمَّ جَلَس بين الخُطْبتين، وقام إلى الثَّانية، فحمد الله وكَبَّر، وصَلَّى على النَّبي ﷺ يمينًا وشمالًا ثمَّ قال: اللهم أَصلِحْني وأَصلِحْ لي ذُرِّيَّتي، وأَعِنِّي على ما وَلَّيْتني، وأَوْزِعْني شُكْرَ نِعْمَتِك التي أنْعَمْتَ عليَّ، وَوَفِّقْني لما أَهَّلْتني له، وأَعِنِّي على ما اسْتَخْلَفْتني فيه، واحْفَظْني فيما اسْتَرْعَيْتَني، ولا تُخْلِنِي من خفايا لُطُفِك التي عَوَّدْتَني ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠١] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [سورة النحل: الآية ٩٠]- الآية -.
ولما تَحفَّزَ للنُّزول بادره الشَّريف أبو المُظَفَّر محمد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز الهاشمي، فأنشده: [من الطويل]
عليك سلامُ اللهِ يا خَيْرَ مَنْ علا … على مِنْبَرٍ قد حَفَّ أعلامَهُ النَّصرُ
وأَفْضَلَ مَنْ أَمَّ الأنامَ وعَمَّهُمْ … بسيرتهِ الحُسْنى وكان له الأَمْرُ
وأشرفَ أَهْلِ الأَرْضِ شَرْقًا ومَغْرِبًا … ومَنْ جَدُّه من أَجْلِهِ نَزَلَ القَطْرُ (١)
لقد شَنَّفَتْ أسماعَنا منكَ خُطْبةٌ … وموعظةٌ فَصلٌ يلينُ لها الصَّخْرُ
مَلأْتَ بها كلَّ القلوبِ مهابةً … فقد رَجَفَتْ من خَوْفِ تخويفها مِصرُ
سما لَفْظُها فَضْلًا على كلِّ قائلٍ … وَجَلَّتْ عُلاها أَنْ يُلمَّ بها حَصرُ
أَشَدْتَ بها سامي المنابر رِفْعَةً … تقاصَرَ عن إدراكها الأَنْجُمُ الزُّهْرُ
وزِدْتَ بها عدنان مَجْدًا مُؤَثَّلًا … فأضحى بها بينَ الأنامِ لك الفَخْرُ
стр. 9639
وسُدْتَ بني العَبَّاس حتى لقد غدا … يباهي بكَ السَّجَّادُ والعَلَم الحَبْرُ (١)
فلله عَصرٌ أنتَ فيه إمامُهُ … ولله دينٌ أنتَ فيه لنا الصَّدْرُ
بقيتَ على الإسلام والمُلْكِ كلَّما … تقادَمَ عَصرٌ أنتَ فيه أتى عَصرُ
وأصبحتَ بالعِيْدِ السَّعيدِ مُهَنَّأ … يُشرِّفُنا فيه صلاتُكَ والنَّحْرُ (٢)
فنزل، ونحر البُدْن بيده، وبكى النَّاس، ودعوا له بالنَّصر، ودَخَلَ السُّرادِق، وأمر بجَمْع السُّفن، فَعَبَرَ بها إلى الجانب الغربي، وانقطع عبورُ النَّاس إلى الجانب الشَّرْقي الكُلِّية، وأما السُّلْطان فإنه وَصَلَ حُلْوان (٣)، وبَعَثَ زَنْكي بن آق سُنْقُر إلى واسط، فأزاح عنها عفيف الخادم، فعاد إلى بغداد، وأمر الخليفة بسَدِّ أبواب داره إلا دار النُّوبي، فإنَّه أجلس عليه حاجب الباب لحِفْظ الدَّار، ولم يبق من حاشية الخليفة في الجانب الشَّرْقي غيره، وأقبل السُّلْطان يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحِجَّة، فنزل الشَّمَّاسية، ودخل عسكرُه إلى بغداد، فنزلوا في دور النَّاس، وأمر الخليفة بنقل الحُرَم والجواري إلى الحريم الطَّاهري من الجانب الغربي.
ولم يزلِ السُّلْطان يراسل الخليفة، ويتلطَّف به، ويدعو به إلى العَوْدِ إلى داره والصُّلْح، ولم يُجِبْه، وجاء السُّلْطان من الجانب الشَّرقي في موقفٍ بإزاء عسكر الخليفة، ونال العوامُ منه، وقالوا: يا باطينة، يا ملاحدة، عصيتم أَمْرَ أميرِ المؤمنين، فعقودكم باطلة، وأنكحتكم فاسدة. ثم تراموا بالنُّشَّاب (٤).
[قال جَدِّي ﵀: وفي هذه السَّنة] (٥) حُمِلْتُ إلى أبي القاسم علي بن يعلى العَلَوي وأنا صغير السِّنِّ، فلقَّنني كلماتٍ من الوعظ، وألبسني قميصًا من الفوط، ثم جلس لوداع أهل بغداد [عند السور مستندًا إلى الرباط الذي في آخر الحلبة] (٦)،
стр. 9640
ورقَّاني إلى المنبر، فأوردتُ الكلمات، [وحُزر الجمع يومئذٍ فكانوا خمسين ألفًا. وكان يورد الأحاديث بأسانيدها، و ينصر] (١) أهلَ السُّنَّة، ويقول: أنا علوي بَلْخي، ما أنا علوي كَرْخي. [وسمعت منه الحديث وأجازني] (١) وأنشدنا يوم وداعه [أبياتًا من الشعر ذكر أنها] (١) لأبي القاسم النَّيْسابوري [وأنَّه سمعها منه] (١): [من المتقارب].
سرُوري من الدَّهْرِ لُقْياكُمُ … ودارُ سلاميَ مَغْناكُمُ
وأنتمُ مدى أَمَلي ما حَيِيْتُ … وما طابَ عيشيَ لولاكُمُ
جَنابكُمُ الرَّحْبُ مرعى الكرامِ … فلا صَوَّحَ الدَّهْرُ مَرْعاكُمُ (٢)
كأَنَّ بأيديكُمُ جَنَّةً … ونارًا فأرجو وأخشاكُمُ
فَحيَّاكُمُ اللهُ كَمْ حَسْرَةٍ … أراني فِراقُ محيَّاكُمُ
حشا البينُ يوم افْتَرَقْتَ حشاي … بنار الهمومِ وحاشاكُمُ
فيا ليت شِعْري ومَنْ لي بأَنْ … أعيشَ إلى يوم أَلْقَاكُمُ
إذا ازْدَحَمَتْ في فؤادي الهمومُ … أُعَلِّلُ قلبي بذكراكُمُ
تَوَدُّ جفونيَ لو أَنَّها … مناخٌ لبعض مطاياكُمُ
وأسْتنْشقُ الرِّيحَ مِنْ أرضكُمْ … لعليَ أَحْظَى برؤياكُمُ
فلا تَنْسَوا العَهْدَ ما بيننا … فلسنا مَدَى الدَّهْر ننساكُمُ
فها أنتمُ أولياء النَّعيمِ … وها أنا بالرِّزْق مولاكُمُ
وخرج العلوي من بغداد في ربيع الآخر [من هذه السنة] (٣).
[وفيها استولى أتابك طُغْتَكين على مدينة تدمر، وأخذها من المتغلِّبين عليها، وجعلها لشهاب الدِّين محمود بن تاج الملوك بوري، وسلَّمها إليه، فتوجَّه إليها، وأقامَ بها، وبَعَثَ صاحب مِصر إلى أتابك طُغْتِكين الخِلَع السَّنية، والتُّحف المِصرية.
وذكر أبو يعلى بن القلانسي: وقال: وفي هذه السنة استفحلَ أمر بَهْرام داعي الباطنية، وعَظُمَ خَطْبُه في حلب والشَّام، وهو على غايةٍ من الاستتار والاختفاء، وتغيير
стр. 9641
الزِّيِّ والثِّياب، بحيث إنه كان يطوفُ في البلاد والمعاقل ولا يعرف أحدٌ شخصه، حتى صارَ في دمشق، وتَبِعَه خَلْقٌ كثير من الجُهَّال وسُفَهاء العوام والفلاحين، ووافقه الوزير أبو علي (١) طاهر بن سَعد المَزْدَقاني، وساعده على أمره ليكون عونًا له على فِعْله، وكان طُغتكين قد خافه، فداراه لطاعة النَّاسِ له، فالتمسَ من طُغْتَكين مَعْقِلًا يأوي إليه، وملجأً يعتمد عليه، فأعطاه بانياس في ذي القَعدة، فاجتمع إليه أوباشه ورعاعه وسُفَهاؤه، وعَظُمَتْ بهم المصيبة، وجَلَّت بهم المحنة، وضاقت صدورُ العلماء وأرباب الدين وأهل السُّنَّة، ولم يتجاسروا على الكلام خوفًا من شَرِّهم وقَتْلِهم مَنْ يعاندهم، بحيث لا ينكر عليهم سُلْطان ولا وزير، ولا مقدَّم ولا أمير، وقال: وكان تسليم طُغْتِكين بانياس إليهم من أكبر سيئاته، محا بها مُعْظمَ حسناته] (٢).
وفيها توفي أحمد بن محمد بن محمد (٣) أبو الفتح (٤)
الغَزَّالي، الطُّوسي، أخو أبي حامد الغَزَّالي.
[ذكره جدي ﵀ في "المنتظم" فقال:] (٥) كان متصوِّفًا متزهِّدًا في أوَّل أمره، ثُمَّ وَعَظَ وكان مفوَّهًا، وقَبِلَه العَوام، وجلس ببغداد في التَّاجية [ورباط بهْروز] (٥) وجلس في دار السُّلْطان محمود، فأعطاه ألفَ دينار، فلما خرج و [كانت] (٥) فرسُ الوزير في الدِّهْليز بمركبٍ ذهب، وقلائد، وطَوقٍ من ذهب، فركبه ومضى، وأُخبر الوزير، فقال: لا يتبَعْه أحدٌ، ولا يُعاد الفَرَسُ إليَّ.
стр. 9642
وخرج يومًا إلى ناعورةٍ، فَسَمِعَها تَئِنُ، فرمى طَيْلَسانه [عليها] (١).
وكانت له نُكَتٌ لطيفة إلا أَنَّ الغالب على كلامه [كثرة] (١) التخليط، ورواية الأحاديث الموضوعة، والحكايات الفارغة، والمعاني الفاسدة. فمن ذلك أَنَّه قال: لما قال موسى أَرِني، وقيل له: لن تراني (٢) قال: هذا شأنُك، تَصطفي آدم، [ثم] (١) تُسَوِّد وجهه، وتُخْرجُه من الجَنَّة، وتدعوني إلى الطُّور، ثم تشمت بي الأعداء، هذا عَمَلُك بالأَحِبَّاء، فكيف تصنع بالأعداء؟
وقال: جاء إسرافيل بمفاتيح الكنوز على محمَّدٍ ﷺ ، وجبريل جالِسٌ عنده، فاصفَرَّ وَجْه جيريل، فقال رسولُ الله ﷺ : [يا إسرافيل] (١)، هل نَقَصَ مما عنده شيء؟ قال: لا. قال: ما لا ينقص الواهب ما أُريده.
قال: ودَخَلَ يهوديٌّ إلى الشيخ أبي سعيد، فقال: أُريد أنْ أُسْلِم. فقال: لا تُرِدْ. فقال النَّاس: يا شيخ، تمنعه من الإسلام! فقال له: تريد بلا بُدّ؟ قال: نَعَمْ. قال: بَرِئْتَ مِنْ نَفْسك ومالك؟ قال: نَعَمْ. قال: هذا هو الإسلام عندي، احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد حتى يعلِّمَه لا. لا المنافقين. يعني لا إله إلا الله.
وقال أحمد المذكور: الذي يقول لا إله إلا الله غير مقبول، ظَنُّوا أنَّه منشور ولايته، [لا] (٣) ذاك منشور عَزْله.
[قال: وحكى القاضي أبو يعلى عنه أنه] (١) صَعِدَ المنبر، فقال: معاشرَ المسلمين، كنتُ إنما أدعوكم إلى الله، وأنا اليوم أُحَذِّرُكم منه، والله ما شُدَّت الزَّنانير إلا من حُبِّه (٤)، ولا أُدِّيت الجِزْية إلا في عِشْقه.
стр. 9643
وكان [أحمد الغزالي] (١) يتعصَّبُ لإبليس ويَعْذِرُه، حتى قال يومًا: لم يدر ذاك المسكين أَنَّ أظافير القضاء إذا حَكَّتْ أَدْمَتْ، وقِسِيُّ القَدَرِ إذا رَمَتْ أَصمَت (٢). ثُمَّ أنشد يقول: [من الطويل]
وكُنَّا وليلى في صَعُودٍ من الهوى … فلمَّا توافَيْنَا ثَبَتُّ وزَلَّتِ (٣)
وقال: التقى موسى وإبليس عند عَقَبَة الطُّور، فقال له موسى: لِمَ لم تسجدْ لآدم؟ فقال: كلا، ما كنتُ لأسجد لبشرٍ يا موسى، أنا أَصدَقُ منك في التوحيد، أنتَ ادَّعَيْتَ التوحيد، وقيل لك انْظُرْ إلى الجبل، فنظرتَ، وأنا قيل لي اسجد لغيري ما سَجَدْتُ.
ثم قال الغزالي: مَنْ لم يتعلَّمِ التوحيدَ من إبليس فهو زِنْديق.
[قال جَدِّي: ولقد عجبتُ من هذا الهَذَيان الصَّادر من هذا الجاهل، فإنَّ إبليس لو كان مُحِبًّا له موحِّدًا لما حَرَّض النَّاسَ على المعاصي، وكيف يتفق مثل الهذيان في مثل بغداد وهي دار العلم، ولقد] (١) حضر مجلسَه يوسُف الهَمَذَاني، فقال: هذا مَدَدُ كلامِهِ شيطاني لا رَبّاني، ذهب دينه، والدُّنْيا لا تبقى له.
[قال: وشاع عن الغزالي أنه كان يقول بالشاهد، و] (١) يجالس المُرْد. [فحدثني] (٤) أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في حقِّ مملوكٍ له تركي رُقْعةً، فقرأها وهو على
стр. 9644
المِنْبر، فصاح باسْمِهِ، فقام، فَصَعِدَ المنبر، فقبَّل الغَزَّالي ما بين عينيه، وقال: [هذا] (١) جواب الرُّقْعة.
[هذا صورة ما ذكر جدِّي في "المنتظم" في ترجمة أحمد الغَزَّالي] (٢)
وقال أبو سعد بن السَّمْعاني: كان أحمد الغزالي من الكذَّابين البهاتين، يكذب أفحشَ الكذب ليتوصَّل به إلى أخذِ الدُّنيا. وسَمِعْتُه يقول: رأيتُ إبليس في هذا الرِّباط، فسَجَدَ لي، فقلتُ: أمركَ الله أَنْ تَسْجُدَ لآدم فلم تسجد، وسجدت لي! قال: نَعَمْ.
قال المصنِّف ﵀ (٣): وهذا هو الكُفْر الصَّريح الموجب لسَفْك الدِّماء، وإزهاق الأرواح، أفما كان في ذلك [العصر] (٢) من الأكابر من يتقرَّب إلى الله بدم هذا الفاجر؟
وأما [قول جدي ﵀] (٢): رمى طَيْلَسانَه على ناعورةٍ، فقد سُبِقَ إليه، فإنَّ في الصَّدْر الأول اجتاز بعضُ العلماء على ناعورةِ أم الحسن بحماة، فوقف يبكي [وقد أزعجه أنينُها، وأقلقه حنينُها، فرمى] (٤) عليها طيلسانه وأنشد: [من الكامل]
هذي تحِنُّ وما بها وَجْدي … وأحِنُّ مِنْ وَجْدٍ إلى نَجْدِ
فدموعُها تحيا الرِّياضُ بها … ودموعُ عيني أَحْرَقَتْ (٥) خَدِّي
بَهْرام بن بَهْرام (٦)
أبو شجاع البَيِّع.
سَمِعَ الحديث، وكان كثير الصَّدقَات والخير، بنى لأصحاب الإمام أحمد ﵀ مدرسة ببغداد عند باب كَلْواذى، ودفن فيها، ووقف عليها وعلى غيرها من أملاكه، وتوفي ليلة الخميس سادس عشر مُحَرَّم، وكان جَوَادًا، صحيحَ السَّماع، صالحًا.
стр. 9645
عبد الله بن القاسم (١)
ابن المُظَفَّر بن علي، أبو محمد المُرْتَضى الشَّهْرُزُوري، والد قاضي القضاة كمال الدِّين (٢).
كان أحد الفضلاء المشهورين والعلماء المذكورين، [ذكره العماد الكاتب في "الخريدة" وابن السمعاني في "الذيل" وكان] (٣) إمام الأفاضل، صاحِبَ النظم والنَّثْر والرَّسائل، [قال ابنُ السمعاني: توفي القاضي عبد الله بن الشهرزوري] (٣) بعد سنة عشرين وخمس مئة، وكان له أولاد منهم يحيى وكمال الدِّين، ومن شِعْر المُرْتَضى: [من الكامل]
هَبَّتْ رياحُ وصالِكُمْ سَحَرا … بحدائقٍ للشَّوقِ (٤) في قَلْبي
فاهْتَزَّ غُصنُ الوَصلِ (٥) من طَرَبٍ … وتناثَرَتْ ثمرٌ مِنَ الحُبِّ
وغدَتْ خيولُ الهَجْرِ شاردةً … مطرودةً بعساكِرِ القُرْبِ
وبَدَتْ شموسُ الوَصلِ حِارقَةً … بشُعاعِها لسُرادق الحُجْبِ
وصفا لنا وقت (٦) أضاء به … وجه الرِّضى عن ظُلْمة العتب
وبقيتُ لا شيءَ أُشاهِدُهُ … إلا ظَنَنْتُ بأَنَّه حِبِّي (٧)
[وقد زعم قوم أنها لابن سينا، وليس كما زعموا، نَصَّ عليها العمادُ في "الخريدة" وابن السَّمْعاني أنها لابن الشهرزوري.
стр. 9646
وقال أيضًا هذه الأبيات] (١) [من الطويل]
شكوتُ إليها ما بقلبي من الجوى (٢) … فقالت: وهل أبقى الفِراقُ لنا قَلْبا
فقلتُ: (٣) فلو نَفَّسْتِ عَنِّيَ كُرْبةً … بِقُرْبِك قالتْ: ذاك يُغري بك (٤) الكَرْبا
فقلتُ: انْصِفي في الحُبِّ قالتْ تَعَجُّبًا: … وهل يَطْلُبُ الإنصافَ مَنْ يَدَّعي الحُبَّا
فقلتُ: عذابي هل له فيكِ آخِرٌ … فقالتْ: إذا ما صار مقترحًا عَذْبا
فقلت: فهل لي في وِصَالكِ مَطْمَعٌ … فقالتْ: إذا ما شَمْسُنا طَلَعَتْ غَرْبا
فقلت: فهل في زَوْرَةٍ يجتني بها … ثمارَ المُنَى ظَمآنُ قد مُنِعَ الشُّرْبا
فقالت: إذا ما غابَ عن كلِّ شاهدٍ … وخاضَ حِياضَ الموتِ واسْتَسْهَلَ الصَّعْبا
وأصبح فينا حائِرًا ذا ضلالةٍ … يُواصِلُنا بُعدًا ونهجُره قُربْا
فحينئذٍ إنْ فاز مِنَّا بنظرةٍ … وزار على عِلاتِهِ زارنا غِبَّا (٥)
وقال: [من الدوبيت]
يا قلبُ إلامَ لا يُفِيْدُ النُّصح … دَعْ مَزْحَك كم هوًى جناه المَزْحُ
ما جارحةٌ فيك خلاها جُرْحُ … ما تشعُرُ بالخُمارِ حتى تَصحُو (٦)
وقال: [من البسيط]
قد جاءَكُمْ برداءِ الذُّلِّ مُشْتملًا … عبدٌ لكم ما له من أَسْرِكُمْ فادي
أسكنتموه زمانًا أرضَ هَجْرِكُمُ … فَتَاه فيها بلا ماءٍ ولا زادِ
وظَلَّ من وَحْشةِ الإعراضِ مُخْتَبطًا … في ظُلْمَةِ الصَّدِّ من وادٍ إلى وادِ
قَتَلْتُموني وأنتمْ أولياءُ دمي … فمَنْ يطالبُ والفادي هو العادي (٧)
وقال: [من الطويل]
стр. 9647
وبانوا فكم دمعٍ من الأَسْرِ أطلقوا … نجيعًا وكم قلبٍ أَعادوا إلى الأَسْرِ
فلا تُنْكِروا خَلْعي عِذاري تأسُّفًا … عليهمْ فقد أوضحتُ عندكُمُ عُذْرِي (١)
وقال: [من السريع]
يَا قلبُ هل يَرْجعُ دَهْرٌ مضى … يجمَعُنا يومًا بوادي الغضا
وباجتماع الشَّمْلِ يَقْضي لنا … مَن كان بالبَينِ علينا قضى
فتصبحُ الآمالُ مُخْضَرَّةً … فيهمْ وقد هَبَّ نسيمُ الرِّضا
ويرجعُ الوَصلُ إلى وَصلِنا … ويصبحُ الإعراضُ قد أَعْرَضَا (٢)
وقال: [من الطَّويل]
بدا لك سِرٌّ طال عنكَ اكْتِتامُهُ … ولاح صباحٌ كان منك ظلامُهُ
وأنت حجابُ القَلْب عن سِرِّ غَيبِهِ … ولولاك لم يُطْبَعْ عليه (٣) خِتامُهُ
وإن غِبْتَ عنه حَلَّ فيه وطنَّبَتْ … على مَنْكِبِ الكَشْفِ المَصُونِ خيامُهُ
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعُهُ … شَهِيٌّ إلينا نثرُهُ ونِظامُهُ (٤)
وقال: [من مجزوء الخفيف]
قد رَجَعْنا إلى الوَفَا … وانقضتْ مُدَّةُ الجفا
والذي كدَّرَ الوصا … لَ مِنَ الصَّدِّ قد صَفَا (٥)
سُخْطكُم كان عِلَّتي … ورضاكُمْ هو الشِّفا
أَرْشِدُوني بنظرةٍ … قد سَئِمْنا التعَسُّفا (٦)
وقال: [من مجزوء الوافر]
بقلبي منهمُ عُلَقُ … ودمعي فيهمُ عَلَقُ
стр. 9648
وعنديَ منهمُ حُرَقُ … لها الأحشاءُ تحترقُ
ونحنُ ببابهمْ فِرَقُ … أذابَ قلوبَنَا الفَرَقُ
وما تركوا سوى رَمَقي … فَلَيتَهُمُ له رمقوا (١)
فلا وَصلٌ ولا طَمَعٌ (٢) … ولا نَوْمٌ ولا أَرَقُ
ولا بأسٌ ولا أَمَلٌ (٣) … ولا صَبرٌ ولا (٤) قَلَقُ
وقال: [من مجزوء الكامل]
وافى النَّسيمُ بنفحةٍ … نَشِطَتْ فؤادي من عِقالِ
مِسْكِيَّةٌ أنفاسُها … تُهْدي الذَّكاءَ إلى العَوَالِ
واسْتَعْجَمَتْ أنفاسُها … فسألتُ أصحابي وآلي
عنها فحاروا في الجوا … بِ وما شَفَوْا قَرَمَ السُّؤالِ
فسألتهم (٥) لما رأيـ … ـتُ حجابهم عَمَّا بدا لي
هَمَّ الحبيَبُ بأنْ يزو … رَ وهذه ريحُ الوصَالِ (٦)
[وقال [من الطَّويل]
أَسكانَ نَعْمان الأراكِ تَيَقَّنوا … بأنَّكُمُ في رَبْعِ قلبيَ سُكَّانُ (٧)]
وقال: [من السريع]
واحَسْرتي إذْ رحلوا غُدْوةً … ولا أُرى في جُمْلَةِ الظَّاعنينْ
قد قُلْتُ لما رَحَّلُوا عِيسَهُمْ … يَا ليتني كنتُ مع الرَّاحلينْ
стр. 9649
واخَجْلتي إذْ لم أُطِقْ بَعدَهُمْ … تصبُّرًا مِنْ نَظَر الشَّامتينْ
ما حِيلتي إذْ حالتي بَعدَهُمْ … حالُ شِمالٍ فارقَتْها يمينْ (١)
يحيى بن عليّ بن الحسن (٢)
أبو سَعد، الحُلْوانِيّ، أحدُ أَئمَّة الشَّافعية، [تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، ودرس بالنظامية، وذكره ابن السمعاني في "الذيل" فحكى عنه العماد في "الخريدة" قال: خرج أبو سَعد] (٣) من بغداد في رسالة [إلى ما وراء النهر إلى ملكها] (٣) محمَّد بن سليمان المعروف بأرسلان خان ملك ما وراء النهر في أواخر رجب [سنة عشرين وخمس مئة] (٣)، فتوفي هناك، وقد كان فقيرًا.
ومن شِعْره: [من الطَّويل]
مررتُ بخبَّازٍ أُحاولُ حاجةً … مُدِلًّا عليه أي بأنيَ عَالِمُ
فلمَّا رآني قال أَهْلًا ومَرْحبًا … ظَفِرْتَ بما تهوى فأينَ الدَّراهِمُ
فقلتُ معي فَضْلٌ وعِلْمٌ وخاطري … يجيشُ فُصولًا كلُّها لي لوازِمُ
فقال ومَنْ هذي الذَّخائِرُ عنده … يحاولُ عندي حاجةً ويساومُ
لعمريَ لو بِعْتَ الجميعَ بلُقْمَةٍ … لما كنتُ مِمَّن في الشِّراءِ يخاصِمُ
السَّنة الحادية والعشرون وخمس مئة (٤)
فيها في المحرَّم جاء عسكرُ السُّلْطان محمود إلى باب النُّوبي ليدخلوا إلى دار الخليفة، فمنعتهم خاتون بنت السُّلطان، فجاؤوا إلى باب الغَرَبَة، فكسروه، ودخلوا إلى التّاج، فنهبوا دار الخليفة، وخَرَجَ الجواري حاسراتٍ يَلْطِمْنَ، فَدَخَلْنَ دارَ خاتون، وأُخْبِرَ الخليفة، فخرج من سُرادِقه، والوزير ابنُ صدقة بين يديه، وأمر العسكر فَعَبروا،
стр. 9650
وسَبَحَ العَيَّارون، وعَسْكر السُّلْطان مشغولون بالنَّهْب، وفي دار الخليفة منهم نحو أَلْف رجل، فلما رأَوْا عسكرَ الخليفة قد عَبَروا إليهم، ذَلُّوا وانهزموا، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السَّراديب، فَقَتَلَ عسكرُ الخليفة منهم جماعةً، وأسروا، وكان فيهم أُمراء، ونَهَبَ العوام دورَ أصحاب السُّلطان ووزيره [ودار العزيز أبي نصر المستوفي، وأبي البركات الطبيب] (١)، وكان عنده ودائع، فأُخذت من داره ما مبلغه وقيمته ثلاث مئة أَلْف دينار، وهَرَبَ أصحابُ السُّلْطان، وقُتِلَ منهم عِدَّة وافرة في الدُّروب والمضايق، والخليفة والوزير مقيمان في الجانب الغَرْبي حتَّى نقل الحُرَمَ من الحريم الطّاهري، ثم عَبَرَ الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرَّم، ومعه العساكر، وحرسوا المضايق، والقتالُ يعمل إلى يوم عاشوراء، وتردَّدَتِ الرَّسائلُ بين الخليفة والسُّلْطان، وقال السلطان: ابعث من يُحَلِّفني. فمال الخليفةُ إلى الصُّلْح، وبَعَثَ قاضي القضاة الزَّينبي نيفًا وثلاثين شاهدًا، فحبسهم السُّلطان عنده ستة أيام، فيئس النَّاس من الصُّلْح، وعادوا إلى حَفْرِ الخَنادق، وقُسِمَتِ المَحَالُّ على المقدَّمين، وأجفل أهلُ الجانب الغربي خوفًا مِمَّا أسلفوا من شَتْمِ السُّلْطان، فإنهم بالغوا، وكانوا يقولون: يَا باطني، لما لم تقدر على غَزْو الرُّوم جئت تغزو الخليفة والمسلمين!
ودخل يرنقش الزَّكوي على السُّلْطان، فأَغْراه بالنَّاس، فَنَفَرَ فيه، وقال: أَنْتَ قَصدُك هلاك الإِسلام ونهب المسلمين، وتريد مني أن أُغَيِّر القِبْلة.
ثم تقدَّم في وقته بإحضار قاضي القُضَاة والعدول، فَصَلَّى القاضي بالسُّلْطان المغرب، وسَلَّم عليه، فأَذِنَ له في الجلوس، وقُرئ عليه مكتوبُ الخليفة، فقام وقَبَّلَ الأرض، وقال: سَمْعًا وطاعةً لأمير المُؤْمنين. ولم يخالف في شيء مما اقترح عليه، وحَلَفَ، وشَرَطَ على الخليفة أن لا يستخدم العساكر، ويعود إلى الحالة الأُولى. فطابتْ قلوبُ النَّاس، وفُتحت العقود، وطُمَّتِ الخنادق، ودَخَلَ [أصحاب] (٢) السُّلْطان البلد، وجعلوا يقولون: لنا ثلاثة أيَّامٍ ما أكلنا الخُبْز، ولولا الصلح لمتنا
стр. 9651
جوعًا. وكان الخبز في الحريم رخيصًا، وفي عسكر السلطان غاليًا، فما رُؤي سُلْطانًا حاصر بلدًا هو المحصور إلَّا هذا، وظهر من السُّلْطان حِلْمٌ وافر عن العوام، وطلب أصحابُ السُّلْطان من الخليفة ما نُهِبَ من دورهم، فقبض على عالم كثير من العوام، واسترجع منهم البعض، ثُمَّ بَعَثَ الخليفة إقبال الخادم وابن الأنباري وابن الصَّاحب إلى السُّلْطان بخيلٍ كثيرة وبغالٍ وجواشن وتخوت ثياب، وأنزل الوزير ابن صدقة في الزَّبزب، والكلُّ بين يديه في السُّفن، وصَعِدوا إلى دار السُّلْطان، وكان يومًا عظيمًا، فدخلوا إلى السُّلْطان فقام، وقَبَّل الأرض، ودعا للخليفة. وجاء وزير السُّلْطان إلى الخليفة، فأكرمه كرامةً لم يُكْرَم بها قَطُّ وزير.
ومَرِضَ السُّلْطان مرضًا صَعْبًا، فبعث إليه الخليفةُ بمالٍ وشراب، وأدويةٍ وألطاف، فَصَلُحَ، ثم انتكس وأُرجف عليه، وكان الخليفة قد هَيَّأَ له الخِلَع، فمنعه المرض، وأشار عليه الطبيب بالخروج من بغداد، فبعث الخليفة إليه بالخِلَع وهو مطروحٌ على جنبه، فأُرميت عليه.
وقيل: إنَّ سبب مرضه أَنّه ركب يومًا في ميدان الحلبة، فأصابه غَشْي، فَسَقَطَ من فرسه، وحُمِلَ إلى داره، فأُرجف بموته وحُمِلَ في مِحَفَّةٍ، وأَمَرَ أَنْ يُمَرَّ به تحت منظرة الخليفة، فلما وَصَلَ إليها أمر أنْ يُحَطَّ هناك، وبَعَثَ إلى الخليفة يقول: ما أصابني هذا إلَّا عقوبة لما بدا مني، وأسأل العفو، وأن لا تدعو عليَّ. فأجابه الخليفة، وطَيَّبَ قلبه.
وسار إلى الجبل ثاني عشرة ربيع الآخر، وولَّى شحنكيَّة بغداد بِهْرُوز الخادم، وولى المَوْصِل زَنْكي بن آق سُنْقُر، فلمَّا وَصَلَ السُّلْطان هَمَذَان جاءته رسل سنجر تلومه على ما فَعَلَ ببغداد، وتقبِّحُ عليه ذلك، وبَعَثَ سنجر إلى الخليفة رسولًا يعتذر إليه مما جرى من محمود (١).
وفي هذه الواقعة يقول الأرَّجاني (٢) من قصيدة: [من البسيط]
لقد رأى اللهُ ما أبدى خليفَتُهُ … وما أعادَ من الأَمْرِ الذي اشتهرا
خلافةٌ ورَّثَتْها السَّابقونَ له … وراثةً قد نَفَوْا عن صَفْوها الكَدَرا
стр. 9652
سَفَاحُهُمْ بعدَهُ المنصورُ يَتْبَعُهُ الـ … ـمهديُّ، ثُمَّ اقتفى الهادي له الأثرا
ثُمَّ الرَّشيدُ وأبناءٌ له نُجُبٌ … ثلاثةٌ للهُدَى أَعْزِزْ بهم نَفَرا
أمينُ مُلْكٍ ومأمونٌ ومعْتَصِمٌ … وواثِقٌ وكفى فَخْرًا بمَنْ فَخَرا
ومَنْ تَوَكَّلَ فيما قد تَقَلَّده … ومَنْ دَعُوه لأَمْرِ الله مُنْتَصِرا
ومستعينٌ له المُعْتَز مرتَدِفٌ … والمهتدي بَعدَهُمْ أبقى له سِيَرا
وقامَ مُعْتَمِدٌ يتلوه مُعْتَضِدٌ … ومكتفي مُعْقِبٌ للمُلْكِ مُقْتَدِرا
والقاهر القَرْم (١) والرَّاضي ومتقيًا … فاذْكُرْ ومستكفيًا مِنْ بعده ذُكرَا
ثُمَّ المطيعُ يليه الطَّائع ارْتَفَعَتْ … عَلْياه بالقادر العالي إذا قَدَرا
وقائِمٌ قد تلاه مُقْتدي سَبَقَا … أيام مستظهرٍ بالله قد ظَهَرا
عشرون يَتْبَعُهُمْ منهم ثمانيةٌ … كانوا المنازِلَ والمسترشدُ القَمَرا (٢)
وفيها عند خروج السلطان من بغداد سار زَنْكي إلى المَوْصِل، وقُتِلَ ابن البُرْسُقي، لما قُتِلَ ولي ابنُه مسعود المَوْصِل، فلما دخل السُّلْطان محمود بغداد اتَّفق القاضي بهاء الدين الشَّهْرُزُوري ونصير الدِّين جَقَر (٣) وصلاح الدين محمَّد الياغبساني (٤) على النزول إلى بغداد، فأخذوا أموالًا كثيرة، وانحدروا ليخدموا بها السُّلْطان محمود ليقرَّ مسعود بن البُرْسُقي على ولاية المَوْصِل (٥)، فلما وصلوا ارتأَوْا وقالوا: هذا صبيٌّ، وربما لا يقوم بالأمر فيكون عيبًا علينا، فقالوا: حتَّى نجتمع بابنِ قسيم الدَّوْلة زَنْكي بن آق سُنْقُر، وكان شحنة بغداد في تلك السَّنة. فاجتمعوا به، واستحلفوه على أن يكون القاضي بهاء الدين قاضي قُضاة البلاد والأمور الدينية إليه، وتقدمة العساكر لصلاح الدِّين، وولاية البلد وغيره لنصير الدين، فَحَلَف لهم، وتقَرَّرَ الأمر، وقَدَّموا المال
стр. 9653
للسُّلْطان، فأجابهم إلى ذلك، وبعث مع زنكي ابني السُّلْطان ألب رسلان والخفاجي، وجعله أتابكهما، فدخل المَوْصِل في هذه السنة. وقيل: في سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة.
وفيها وردتِ الأخبارُ أَنَّ السُّلْطان محمودًا لما وصل هَمَذَان قَبَضَ على العزيز وصادره واعتقله، وعلى وزيره أَيضًا، وسببه أَنَّ الوزير تكلَّم في العزيز، ويرنقش الزَّكوي تكلَّم في الوزير، وقال للسُّلْطان: هذا أَخَذَ الأموال من الخليفة، واتفق مع وزيره ابن صَدَقَة على أن يُرَحِّلاك من بغداد، ولا تبلغ غرضًا، فكلُّ ما جرى عليك منه.
[قلت: وهذا العزيز هو عم العماد الكاتب الأصفهاني، وسنذكره في سنة ست وعشرين وخمس مئة] (١).
وفيها بَعَثَ السُّلْطان إلى أنوشروان وهو مقيمٌ بالحريم الطَّاهري ببغداد ليستوزره، فلم يكن عنده شيء، فجهَّزه الوزير ابن صَدَقة والخليفة بالخِيَم والدَّوابّ وغيرها، وسار إلى هَمَذَان، فأقام وزيرًا عشرة أشهر، ثم استعفى، وعاد إلى بغداد.
وفيها ثارتِ الفِتَنُ ببغداد، وسببه أبو الفتوح (٢) الإسْفَراييني، فإنَّه كان يعظ ويَذْكُرُ مذهبَ الأَشْعري، ويورد أحاديثَ وأشياءَ على مذهب القُصَّاص.
جلس يومًا بالنِّظامية وقال: قيل لرسولِ الله ﷺ : كيف أصبحتَ؟ فقال: أعمى بين عُمْيان، ضالًّا بين ضُلَّال (٣). فأحضره الوزير ابنُ صَدَقة، وأحضر الفقهاء، فأفتوا بقَتْلِهِ، فاستقرَّ أن يُجدِّدَ إسلامه ويشدَّ الزِّنَّار (٤) ويتوب، ومُنِعَ من الجلوس، وعاد فجلس، فَرُجِمَ.
وكان يركبُ وعليه السِّلاح، ويُسْقِطُ حُرْمةَ المُصحف عند العوام، فاجتاز يومًا بسوق الثّلاثاء، فَرُجِمَ، ورموا عليه الميتات.
стр. 9654
وكان يقول: ليس هذا الذي نتلوه كلام الله إنَّما هو عبارةٌ عنه. ووجدوا عند بعضِ أصحابه مُصحفًا وبين كلّ سطرين بيتُ شِعْرٍ، فأَمَرَ الخليفةُ بأَنْ يُخْرَجَ الإسفراييني من بغداد، ثم تعصَّب له قومٌ على مِثْلِ رأيه، فجلس، وظهر الشَّيخ عبد القادر الجِيلي، وجلس في الحلبة، ومال إليه النَّاس، وانتصر الحنابلة، فزال ما قَرَّر الإسفراييني من قلوب النَّاس، ورُزِقَ الشيخ عبد القادر القَبُول التَّام (١).
وفيها قَتَلَ الباطينةُ وزيرَ السُّلْطان سنجر، وكان قد أفنى منهم اثني عشرة ألفًا، فبعثوا إليه سائسًا يخدمه في إصطَبْله مُدَّةً إلى أن وجد الفُرْصة، فدخل الوزير يومًا يفتقد دوابَّه، فوثَبَ عليه، فقتله، وقُتِلَ بعده (٢).
وفيها سافر بغدوين صاحبُ القُدْس إلى وادي موسى، فنهب أهلَه، وشَرَّدهم عنه (٣).
وفيها قيل: ماتَ مسعود بن البُرْسُقي بالرَّحبة، وكان في عَزْمِهِ أخذُ دمشق (٤).
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن [أَحْمد بن] عبد الواحد (٥)
ابن أَحْمد بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن المتوكل على الله، أبو السَّعادات.
سمع الحديث الكثير [ولقي الشيوخ] (٦)، ووقع ليلة الخميس سابع عشرين رمضان من سَطْحه بمحلَّة التُّوثة، فماتَ، ودُفِنَ بمقبرة [باب] (٦) الدَّير عن ثمانين سنة، [سمع أَبا الغنائم بن المأمون، وأبا جعفر بن المسلمة، والخطيب وغيرهم. وذكره جدي في "مشيخته" وقال: ولد سنة إحدى وأربعين وأربعة مئة، وكان صحيح السماع، وسمعتُ منه] (٦).
стр. 9655
[فصل: وفيها توفيت
فاطمة بنت الحسين (١)
ابن الحسن بن فَضْلويه الرَّازيّ، كانت واعظةً متعبِّدة، لها رِباطٌ تجتمع فيه الزَّاهدات، سمعت الكثير وروت الكثير من الحديث، وكانت صالحةً، توفيت في ربيع الأول، سمعتْ أَبا جعفر بن المسلمة، وأبا بكر الخَطيب وغيرهما، وذكرها جدي ﵀ في "مشيخته"، فقال: سمعتُ عليها بقراءة أبي الفَضْل محمَّد بن ناصر كتاب "ذم الغيبة" لإبراهيم الحربي، ومن مجالس ابن سمعون بروايتها عن ابن النَّقور [عنه] (٢)، و"مسند" الشَّافعيّ وغير ذلك] (٣).
هبة الله بن عليّ بن إبراهيم (٤)
أبو المعالي الشِّيرازي. كان من أكابر الفُضَلاء، ومن شِعْره [ذكره ابن السمعاني] (٥): [من الوافر]
أَحِنُّ إلى أُناسٍ قد أَنِسْنا … بقربهُمُ زمانًا ثم غابوا
ونعلَمُ أَنَّنا لا بُدَّ يومًا … نتابعُهُمْ فيَجْمَعُنا التُّرابُ
فيا رَبَّ الورى عَطْفًا علينا … فليسَ إلى سِواك لنا مآبُ
السَّنة الثَّانية والعشرون وخمس مئة
فيها وصل عليُّ بن طِراد من عند سنجر ومعه رسولٌ، فطلب الرَّسول أن يَخْطُبَ على منابر بغداد في الجُمَع، فأَذِنَ له في كل جُمُعة في جامعٍ.
стр. 9656
وفيها توجَّه محمود إلى سنجر، واتفقا بعد خشونةٍ كانت بينهما، وسَلَّم إليه دُبَيسًا، وقال: تسأل الخليفة أن يرضى عنه، وتعزل زَنْكي من المَوْصل، وتسلمها إلى دُبَيس.
وتقدَّم الخليفة إلى نقيب النُّقباء وشيخ الشيوخ ليمضيا إلى سنجر في الرِّسالة، فبذَلَ النقيب ثلاثين أَلْف دينار، وشيخ الشيوخ خمسة عشر ألفًا ولا يخرجا، فأُخذ المال منهما وأُعفيا (١).
وفيها تُوفِّي
الحسنُ بنُ علي بنِ صَدَقَة (٢)
أبو علي، جلال الدِّين، وزير المُسْتَرْشد.
كان عاقلًا، رئيسًا، فاضلًا دَيِّنًا، ناصحًا لمخدومه، حَسَنَ السِّيرة، محمودَ الطَّريقة، محبوبًا إلى الخاصَّة والعامة، جَوَادًا مُمَدَّحًا، تُوفِّي ببغداد ليلة الأحد، وحَضَرَ أربابُ الدَّولة، وكان يومًا مشهودًا، وحَزِنَ الخليفةُ عليه، وتطاول للوزارة جماعة، منهم عِزُّ الدولة بن المُطَّلب، وابن الأنباري وأَحمد بن النِّظام وغيرهم، فلم يستوزر أحدًا منهم، واستناب نقيبَ النُّقباء عليّ بن طِراد الزَّينبي.
ومن شِعرْ ابنِ صدقة يمدح المسترشد: [من الطَّويل]
وَجَدتُ الورى كالماءِ طَعْمًا ورِقَّةً … وأنَّ أميرَ المُؤْمنين زُلالُهُ
وصَوَّرْتُ معنى العَقْلِ شخصًا مُصَوَّرًا … وأَنَّ أميرَ المُؤْمنين مِثَالُهُ
فلولا مكانُ الدِّين والشَّرْعِ والتُّقى … لقلتُ من الإعظامِ ﷻ (٣)
قال أَحْمد بن عَمَّار الكُوفيّ (٤) يمدحه: [من الخفيف]
стр. 9657
خَلِّهِ تُنْضِ ليلَهُ الأَنْضاءُ … فعساه يشفي جَوَاهُ الخواءُ
فقدِ استَنْجَدَتْ حَيَاهُ رُبى نَجْـ … ـدٍ وشامَتْ بُروقَهُ شَمَّاءُ
وَثَنَتْ نحوه الثَّنِيَّةُ قَلْبًا … قُلَّبًا تستخِفُّه الأَهْواءُ
عاطفاتٍ إليه أعطافَها شو … قًا كما تَلْفِتُ الطِّلى الأَطْلاءُ
دِمَنٌ دامَ لي بها اللَّهو حينًا … وصفا لي فيها الهوى والهواءُ
وأَسَرْتُ السَّرَّاءَ فيها بقلبٍ … أَسَرَتْه مِنْ بعدها الضَّراءُ
فَسَقَتْ عَهْدَها العِهادُ وَرَوَّتْ … منه تلكَ النَّواديَ الأَنْداءُ
وَأَرَبَّتْ على الرُّبى من ثَرَاها … ثَرَّةٌ للرِّياضِ منها ثَرَاءُ
زَمَنٌ كان لي على الهَمِّ هَمٌّ … بالتَّصابي وبالغواني غَنَاءُ
في رياضٍ راضَت خِلال جلال الدِّ … ينِ أَرْواحُهُنَّ والصَّهْباءُ
شِيَمٌ شامها النَّسيمُ فَرَقَّتْ … وَجَفَتْ عن سموِّها الأَسْماءُ
شابَ بالعُرْفِ عَرْفَهُنَّ وقِدْمًا … خامَرَ الخمرَ في الزُّجاجةِ ماءُ
مَلِكٌ خاطَبَ الملوكَ برَمْزٍ … خَطَبَتْ عن خُطَّابِهِ الخُطَباءُ
أَلْمَعِيٌّ لو شامَ لامعَ أمرٍ … لأَرَتْهُ غيوبَهُ الآراءُ
لك من وَجهِهِ وكَفَّيه ماءا … ن فهذا حَيًّا وذاك حَيَاءُ
رَوَّضَ الرَّوْضَ والنَّديَّ نَدَاه … فاعْتَفَتْه الأَحياءُ والأَحياءُ (١)
بيدٍ أَيَّدَتْ من الدَّهْر ما انآ … دَ وكانتْ لها اليدُ البيضاءُ
ويراعٍ راعَ الذَّوابِلَ بَأْسًا … ورَعى المجدَ حين قَلَّ الرِّعاءُ
كلَّما صَلَّ (٢) صال منهُ بصِلٍّ … لا يُرى للرُّقى إليه ارْتقاءُ
وإذا ماجَ ثُمَّ مَجَّ لُعابًا … كان منه الشِّفاءُ والإشقاءُ
فعليهِ للسَّائلين صِلاتٌ … ولديهِ للصَّائلين صِلاءُ (٣)
قد أصابوا لديه صَوْبًا وصابًا … فيهما راحةٌ لهم وشقاءُ
стр. 9658
وَرَّثَتْه هَدْيَ الجدودِ جدودٌ … ورَّثَتْها آباءَها الآباءُ
معشرٌ عاشروا الزمان وولَّوا … وعليهِ رِيُّ بهم ورُواءُ
يَا أخا الجُوْدِ والسَّماح نِداءٌ … بينَ سَمْعَيه من نَدَاك نِداءُ
رائقًا لا يُرِيقُ فينا دمَ الـ … أموالِ حتَّى تحيا به العَلْياءُ
كما هَزَّه السَّماحُ تثنَّى … بين أثنائِهِ عليك الثَّناءُ
حاز شَأْوَ الصِّفاتِ فالعِلْم منه … عَلَمٌ والذَّكاءُ فيه ذُكاءُ
مُسْتَقِلٌّ للمالِ لا يَجْتَدِيه … إنَّما هَمُّهُ العُلَى والعَلاءُ
همَّةٌ نالتِ الثُّريا عُلُوًّا … فاستوى عندها الثَّرى والثَّراءُ
لم يَطُلْها طَوْلُ السَّحاب ولا جا … زت بمجرى أفلاكها الجَوْزَاءُ
تستميلُ الآمالُ عِطْفَيه عَطْفًا … ويهزُّ الأرجاءَ منه الرَّجاءُ
وإذا القَصدُ أَخطأَ ابنَ عليٍّ … فعلى العُرْف والعُفَاةِ العَفَاءُ
من أبيات (١).
الحسين بن عليّ بن أبي القاسم (٢)
أبو علي اللَّامِشِي السَّمَرْقَنْدِي، الفقيه الحنفي.
كان يُضرب به المَثَل في النَّظر، سَمِعَ الحديث ورواه، وكان صالحًا على طريقة السَّلَف، مُطَّرِحًا للكُلْفة، بُعِثَ رسولًا من خاقان ملك ما وراء النَّهْر إلى بغداد، فاتّفق أوانُ الحَجِّ: فقيل له: قد قطعت مسافة بعيدة، فلو حَجَجْتَ، فقال: معاذ الله أَنْ أجعلَ الحَجَّ تَبعًا لرسالة هؤلاء. وَرَجَعَ إلى سَمَرْقَنْد، فتوفِّي بها في رمضان عن إحدى وثمانين سنة.
стр. 9659
طُغْتِكِين بن عبد الله (١)
أبو منصور ظهير الدين أتابك صاحب الشَّام، مملوك تاج الدَّوْلة تُتُش.
كان مقدَّمًا عنده، زَوَّجه أُمَّ ابنه دُقاق، ونَصَّ عليه في أتابكية دُقاق، وقد ذكرنا وقائعه، وكان شجاعًا، شَهْمًا، عادلًا، ولما احتُضِرَ أوصى إلى ولده تاج الملوك بوري بحُسْنِ الطَّريقة، والتزام العَدْل، وإقامة منار الإِسلام، والجهاد والإحسان إلى الرَّعية، ومراجعة العلماء وأرباب الخبرة فيما يتجدَّد.
وتوفي يوم السبت ثامن صفر، ودُفِنَ في تربته التي بناها قِبْلي دمشق عند المسجد الجديد، وهي قائمة إلى هلمَّ جرا، وحَزِنَ أهلُ دمشق عليه، وعُمِلَ المأتم له في كل مَحَلَّة وسوق، لأنه كان حَسَنَ السيرة، ظاهر العَدْل، كثيرَ الإحسان، مُدَبِّرًا للممالك، فَحَسُنَتْ آثاره، وعُمِرَتْ البلاد في أيامه، وأقام حاكمًا على الشَّام خمسًا وثلاثين سنة.
وجَلَسَ بُوري مكانه، فسار سيرته مُدَّة، وأَقَرَّ الولاة على حالهم، ثم تغيَّرَتْ نِيَّتُه وأظهر (٢) السُّوء لأصحابِ أَبيه، والظُّلْم للرَّعية، وقَبَضَ على خواصِّ أَبيه واحدًا بعد واحد، فاسترابوا به، ونَفَرَتِ القلوبُ منه، وتمكَّن وزيره المَزْدَقاني من أهل دمشق، وصادَقَ الباطنية، واستعان بهم.
وقال ابنُ القلانسي: مَرِض طُغتِكين مَرَضًا أنهك قُوَّته، وأَنْحَلَ جسمه، [وأضعف مُنَّته] (٣)، فأحضر ولده بُوري، وأمراءَ دولته وخواصَّه، ونَصَّ على بوري، ووَصَّاه، وذكر بمعنى ما تقدم.
قال: فَعَدَل ولده في الرعية [وعمَّ إحسانُه جميعَ البرية] (٣)، وكان بظاهر دمشق أماكن داثرة، [ومواضع غامرة] (٤) فلما قَصَدَ طُغْتِكِين بغداد، كتب إلى المسترشد يستأذنه في بيعها ليصرف ثمنها في الأجناد [والمريدين الجهاد] (٣)، فأَذِنَ له في ذلك، ووقَّع بخطِّه إذْنًا مُؤَبَّدًا، فَعَمَرتْ ضياع كانت خالية، وعلى عروشها خاوية، وظهرت
стр. 9660
منها الخيرات، وعَمَّتِ البركات.
وأَسَرَّ بوري في نفسه من أمر الباطنية ما لم يُبْدِه لأحد عندما قويت شوكَتُهُمْ، فلما مكَّنه الله منهم أوقعَ بهم، وكان بَهْرَام داعيهم في بانياس، قد بَثَّ دُعاته في سائر الجهات، واستغوى خَلْقًا كثيرًا، وشَرَعَ في قَتْلِ الأعيان والزهَّاد، والوزير يساعِدُه على أغراضه لتكون أيديهما واحدة، وبُوري غير راضٍ بذلك، بل تبعثه السِّياسة على الصَّبْر، وكان بنو جندل في وادي التَّيم هم الأعيان، فاحتال على برق بن جَنْدَل حتَّى صار في يده، وكان شابًّا شجاعًا، حَسَنَ الصُّورة، فقتله صَبْرًا، وكان له أخٌ يقال له ضَحَّاك، فاتَّفق مع أهله، وتعاهدوا على قتال بَهْرام، فحشد وخَرَجَ من بانياس قاصدًا إليهم، وكانوا مستعدِّين للقائه، فنزل قريبًا منهم في خيمةٍ، واستعدَّ للزَّحْف إليهم، فجاؤوا بقَضِّهم وقَضِيضهم، وهَجَموا عليه الخيمة، وقطَّعوه إرْبًا إرْبًا، وقتلوا أصحابه، ولم يُفْلت منهم إلَّا الشَّريد، وقام بعده رفيقُه إسماعيل العَجَمي، وجرى المَزْدَقاني معه على عادته مع بَهْرام لكن قَلُّوا وضَعُفوا، فحينئذٍ أخذ بُوري في استئصالهم، وأوقع بالوزير، وسنذكره إن شاء الله تعالى في السَّنة الآتية (١).
شَرَفُ النِّساءِ شرف خاتون
زوجة طُغْتِكِين والدةُ بُوري.
كانت صالحة، كثيرة الخيرات، [قال أبو يعلى بن القلانسي: إنها توفيت في هذه السنة] (٢)، ودُفنت في قُبَّتها التي بنتها خارجَ بابِ الفراديس.
عبد الله بن طاهر بن محمَّد بن كاكُوا (٣)
أبو محمَّد الواعظ، [ويعرف بابن زينة] (٤).
стр. 9661
ولد بصُور، ونَشَأ بالشَّام، [وذَكَرَ أَنَّه سمع القاضي القُضَاعي، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، وسمع منه] (١) قال: أنشدني أبو إسحاق الشّيرازي لنفسه: [من البسيط]
لمَّا أَتاني كتابٌ منك مُبْتَسِمًا … عن كلِّ معنًى ولفظٍ غيرِ محدودِ
حَكَتْ معانيه في أثناء أَسْطُره … أفعالكَ البِيضَ في أحواليَ السُّودِ
[وقد ذكرناه في ترجمة أبي إسحاق] (١).
كافور بن عبد الله (٢)
أبو المِسْك الحَبَشي الخَصِيّ، ويعرف بالصُّوري.
[وأصله من مصر، وسكن صور، فنسب إليها] (١).
طاف الدُّنيا، وسمع الحديث، وعاد إلى بغداد فمات بها، قَدِم بَيهَق، فكتب إلى رئيسها محمَّد بن منصور البَيهقي: [من البسيط]
هل مِنْ قِرًى يَا أَبا سَعد تَجودُ بِهِ … لخادمٍ قادمٍ وافاكَ من صُوْرِ
شِعارُهُ إنْ دَنَتْ دارٌ وإنْ بَعُدَتْ … اللهُ يُبْقي أَبا سَعدِ بن مَنْصورِ (٣)
السَّنة الثَّالثة والعشرون وخمس مئة
فيها في المحرَّم عاد السُّلْطان محمود إلى بغداد، [وأقام دُبَيس في بعض الطريق، فاجتهد في أن يمكن دُبَيس من دخول بغداد] (٤) وأن يرضى عنه فلم يمكن، وبعث السُّلْطان إلى زَنْكي بأن يسلم المَوْصِل إلى دُبَيس، فلم يفعل.
وفيها وكل السُّلْطان محمود بقاضي القضاة الزَّينَبي، وسببُه أَنَّه نُقِلَ إليه أن مغلَّ أوقاف مدرسة أبي حنيفة يغل في كل سنة ثمانين أَلْف دينار، وما ينفق عشرة آلاف دينار، فطلب السُّلْطانُ منه الحساب.
стр. 9662
وفي صفر خَلَعَ الخليفةُ على أبي القاسم عليّ بن طِراد نقيب النقباء خِلَعَ الوزارة.
وفيها ضَمِنَ زَنْكي للسُّلْطان مئة أَلْف دينار على أن لا يعزله عن المَوْصِل، وضَمِنَ الخليفة للسلطان مثل ذلك ولا يولي دُبَيسًا ولاية، فَقَبِلَ السُّلْطان.
ثم إنَّ دُبَيْسًا دخل بغداد وأتى إلى دارِ السُّلْطان، وركب في طَيَّارٍ (١) للسلطان في دِجْلَة، والنَّاسُ يلعنونه ويسُبُّونه، وكان سنجر قد سلَّمه إلى ابنته امرأةِ محمود، فكانتِ السببَ في دخوله بغداد.
ورحل السُّلْطان من بغداد في جُمادى الآخرة، وسَلَّم الحِلَّة وشحنكية بغداد إلى بِهْروز الخادم، واتَّفَقَ أن ماتت ابنةُ سنجر التي كانت تدافع عن دُبَيْس، ومَرِضَ محمود، فأخذ دُبَيسٌ ولدًا صغيرًا لمحمود، ومضى إلى الحِلَّة، فدخلها في رمضان، وخَرَجَ منها بِهْروز. وبَعَثَ بِهْروز كاتبه إلى محمود بذلك، وكان عند محمود نَظَر الخادم الذي للخليفة ليقيمه من عزاء ابنة سنجر، فأُخبر، فقال لمحمود: منعتَ أميرَ المُؤْمنين من أن يستخدم العساكر، وسلَّطْتَ عليه عدوَّه. فأحضر محمود الأحمديلي وقزل، وقال: أنتما ضَمِنْتُما دُبَيسًا، وما أعرفه إلَّا منكما. فسار الأحمديلي يطلب العراق، وبَعَثَ دُبَيسٌ إلى الخليفة يقول: إنْ رضيت عني رَدَدْتُ عليك أضعافَ ما غَرِمْتَ من الأموال، وأكون مملوكك. وشَرَعَ في بيع الغِلال وجَمْعِ الأموال، حتَّى حَصَّلَ خمس مئة ألفِ دينار، ودَوَّن عشرة آلاف فارس بعد أن وصل في ثلاث مئة، ووصل الأحمديلي بغداد، ودخل على الخليفة، فأعطاه يده فَقَبَّلَها، ثم عَبَرَ دِجْلة قاصدًا إلى الحِلَّة. ووصلتِ الأخبارُ بأَنَّ السُّلْطان قد وصل يريد بغداد، فبعث إليه دُبَيسٌ أموالًا عظيمة وخَيلًا وهدايا، وضَمِنَ له أَنَّه إذا أَصلَحَ بينه وبين الخليفة أعطاه مئتي أَلْف دينار، وللخليفة ثلاث مئة حصان بأطواق الذَّهب، وإن لم يرضَ عنه دَخَلَ البَريَّة، فقال السُّلْطان: لا أرضى عنه أبدًا. فأخذ الصَّبيَّ، وخَرَجَ من الحِلَّة بالجمال والرَّوايا، ولا يدري أين يقصد، فوصل الخبر بأَنَّه دخل البصرة وأخذ منها أموالًا كثيرة، فبَعَثَ
стр. 9663
السُّلْطان إليه قزل في عشرة آلاف فارس، فدخَلَ البَرِيَّة وانقطع خبره. وخَرَجَ الوزير أبو القاسم للقاء السُّلْطان، فأعطاه السُّلْطان فرسه وعليه ما قيمته ثلاثون أَلْف دينار.
وفي روايةٍ: أن سنجر دَفَعَ دُبَيْسًا إلى محمود، وكان معتقلًا عنده بنيسابور، وقال له: ادخل به إلى بغداد، واشفعْ فيه عند الخليفة. فلمَّا دخل به قَبِل الخليفة شفاعته، وخَلَعَ عليه، وأعاده إلى الحِلَّة، والأَوْل أَشْهر.
وفيها كانت فتنة الإسماعيلية بدمشق، وكان ابن محرز قد سَلَّم إليهم حِصن القدموس لأَنَّ بُوري قصده ليأخذه منه، فسلمه إليهم، وكان الوزير المَزْدَقاني بدمشق يكاتبهم ويهاديهم خوفًا من بني الصّوفي، فَشَرَعَ وجيه الدِّين المُفَرِّج بن الصُّوفي رئيس دمشق مع بوري في الإغراء بالإسماعيلية، وهوَّن عليه أمرهم، وساعده الحاجب فيروز، ثم اتَّفقوا على قَتْلِ الوزير المَزْدَقاني، فاستدعاه بُوري إلى القلعة سابع رمضان، فجلس عنده، فلمَّا قام ليخرج وَثَبَ عليه جماعةٌ من الأجناد، فقتلوه في دِهْليز قلعة دمشق، وقطعوا رأسه، وأحرقوا جسده في باب الحديد، ثم مضوا إلى دار الدَّعْوة، وقتلوا كلَّ من بها، وثار عوامُّ دمشق على الإسماعيلية، فقتلوهم شَرَّ قِتْلةٍ؛ ذبحًا ورضًّا بالحجارة والسُّيوف، وصَلَبوا منهم جماعةً على سور دمشق، فكان عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ منهم عشرة آلاف على ما قيل، ولم يتعرضوا لحريمهم ولا لأموالهم، فقال نَصر بن إبراهيم البازْيار (١) يمدح ابنَ الصّوفي: [من الوافر]
مَلَكْناكُمْ فَصُنَّا مَنْ وراكُمْ … ولو مُلِّكْتُمونا لم تَصُونوا
أَسَلْنا مِنْ دمائِكُمُ بحورًا … جسومكُمُ لجائِشها سَفِينُ
فقلتُ لذي النِّفاقِ بحيثُ كانوا … أبادَ حِماكُمُ الأسدُ الحرونُ (٢)
стр. 9664
وكان ببانياس العَجَمي، فسلَّمها إلى الفرنج [خوفًا من المسلمين] (١)، فقويت [نفوس الفرنج] (٢) على قَصدِ دمشق، واستعدُّوا لها، وبَلَغَ بوري فراسل ملوكَ الأطراف، وبَعَثَ بالفقيه عبد الوهَّاب بن الحَنْبلي إلى بغداد رسولًا عنه وعن أهل دمشق بذكر استيلاء الفرنج على بانياس، وأَنَّ قَصدَهم دمشق، [وقد أشرفوا عليها] (١)، فَخُلِعَ عليه، ووعد بإنفاذ العساكر، وجاء الفرنج، فنزلوا على جسر الخشب، وأخرج بُوري عَسْكرًا من باب شرقي في اللَّيل على ناحية بُراق (٣)، فوقعوا على جماعةٍ من الفرنج كانوا قد مضوا إلى حوران يطلبون المِيرة، فقتلوهم وأسروا الباقين، وبلغ الفرنج، فرحلوا نحو حوران والمسلمون خلفهم ينهبون ويقتلون حتَّى وصلوا إلى طبرية (٤).
وفيها تُوفِّي
أسَعد بن أبي نَصر (٥)
أبو الفَتْح المِيهَني، الإِمام الشَّافعيّ، [صاحب التعليق، تفقه على أبي المظفر السَّمْعاني وغيره، و] (١)، بَرَعَ في الفِقْه، وفاقَ أبناء جنسه [في النَّظر] (١)، وحَصَلَتْ له منزلةٌ عند الملوك، وقَدِمَ بغداد، ودَرَّس بالنِّظامية، وعَلَّق عنه بها جماعةٌ "تعليقته" الخلافية، وخَرَجَ من بغداد، فنزل هَمَذَان، فمرِضَ وكان في بيتٍ، فقال لمن [كان] (١) عنده: اخرجوا عني. فخرجوا، فجعل يَلْطِمُ وجهه ويبكي، ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] يُرَدِّدُها حتَّى مات.
стр. 9665
حمزة بن هبة الله بن محمَّد (١)
ابن الحسين بن داود بن عيسى بن محمَّد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو الغنائم النَّيْسابوري.
ولد سنة تسع وعشرين وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير، وحَدَّث بالكثير، وضَمَّ إلى شَرَفِ النَّسْب شَرَفَ التَّقوى، وكان زيديَّ المذهب، تُوفِّي في المُحَرَّم.
طاهر بن سَعد (٢)
أبو علي الوزير المَزْدَقاني.
كان سَمْحًا، جَوَادًا، بنى المسجد على الشَّرَف شمالي دمشق عند تُرْبة ستِّ الشَّام، ويسمى مسجد الوزير، وفيه القُرَّاء، وعليه الوقف، وكان قد عاداه وجيه الدولة [المفرِّج بن الحسن] (٣) بن الصُّوفي [رئيس دمشق] (٣)، فانتمى إلى الإسماعيلية خوفًا منه، فَقُتِلَ كما ذكرنا (٤).
[فصل: وفيها تُوفِّي
عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل (٥)
أبو محمَّد المصري، نزيل مكة، ويُعرف بابن الغَزَال، لأن جدَّه كان يُشْبِهُ الغَزَال في عَدْوه.
أقام بمكة واستوطنها، وذهب بصره بها، وتوفي ودفن في المُعَلَّى.