← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

ولد بصُور، ونَشَأ بالشَّام، [وذَكَرَ أَنَّه سمع القاضي القُضَاعي، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي، وسمع منه] (١) قال: أنشدني أبو إسحاق الشّيرازي لنفسه: [من البسيط] لمَّا أَتاني كتابٌ منك مُبْتَسِمًا … عن كلِّ معنًى ولفظٍ غيرِ محدودِ حَكَتْ معانيه في أثناء أَسْطُره … أفعالكَ البِيضَ في أحواليَ السُّودِ [وقد ذكرناه في ترجمة أبي إسحاق] (١). كافور بن عبد الله (٢) أبو المِسْك الحَبَشي الخَصِيّ، ويعرف بالصُّوري. [وأصله من مصر، وسكن صور، فنسب إليها] (١). طاف الدُّنيا، وسمع الحديث، وعاد إلى بغداد فمات بها، قَدِم بَيهَق، فكتب إلى رئيسها محمَّد بن منصور البَيهقي: [من البسيط] هل مِنْ قِرًى يَا أَبا سَعد تَجودُ بِهِ … لخادمٍ قادمٍ وافاكَ من صُوْرِ شِعارُهُ إنْ دَنَتْ دارٌ وإنْ بَعُدَتْ … اللهُ يُبْقي أَبا سَعدِ بن مَنْصورِ (٣) السَّنة الثَّالثة والعشرون وخمس مئة فيها في المحرَّم عاد السُّلْطان محمود إلى بغداد، [وأقام دُبَيس في بعض الطريق، فاجتهد في أن يمكن دُبَيس من دخول بغداد] (٤) وأن يرضى عنه فلم يمكن، وبعث السُّلْطان إلى زَنْكي بأن يسلم المَوْصِل إلى دُبَيس، فلم يفعل. وفيها وكل السُّلْطان محمود بقاضي القضاة الزَّينَبي، وسببُه أَنَّه نُقِلَ إليه أن مغلَّ أوقاف مدرسة أبي حنيفة يغل في كل سنة ثمانين أَلْف دينار، وما ينفق عشرة آلاف دينار، فطلب السُّلْطانُ منه الحساب.

стр. 9662

وفي صفر خَلَعَ الخليفةُ على أبي القاسم عليّ بن طِراد نقيب النقباء خِلَعَ الوزارة. وفيها ضَمِنَ زَنْكي للسُّلْطان مئة أَلْف دينار على أن لا يعزله عن المَوْصِل، وضَمِنَ الخليفة للسلطان مثل ذلك ولا يولي دُبَيسًا ولاية، فَقَبِلَ السُّلْطان. ثم إنَّ دُبَيْسًا دخل بغداد وأتى إلى دارِ السُّلْطان، وركب في طَيَّارٍ (١) للسلطان في دِجْلَة، والنَّاسُ يلعنونه ويسُبُّونه، وكان سنجر قد سلَّمه إلى ابنته امرأةِ محمود، فكانتِ السببَ في دخوله بغداد. ورحل السُّلْطان من بغداد في جُمادى الآخرة، وسَلَّم الحِلَّة وشحنكية بغداد إلى بِهْروز الخادم، واتَّفَقَ أن ماتت ابنةُ سنجر التي كانت تدافع عن دُبَيْس، ومَرِضَ محمود، فأخذ دُبَيسٌ ولدًا صغيرًا لمحمود، ومضى إلى الحِلَّة، فدخلها في رمضان، وخَرَجَ منها بِهْروز. وبَعَثَ بِهْروز كاتبه إلى محمود بذلك، وكان عند محمود نَظَر الخادم الذي للخليفة ليقيمه من عزاء ابنة سنجر، فأُخبر، فقال لمحمود: منعتَ أميرَ المُؤْمنين من أن يستخدم العساكر، وسلَّطْتَ عليه عدوَّه. فأحضر محمود الأحمديلي وقزل، وقال: أنتما ضَمِنْتُما دُبَيسًا، وما أعرفه إلَّا منكما. فسار الأحمديلي يطلب العراق، وبَعَثَ دُبَيسٌ إلى الخليفة يقول: إنْ رضيت عني رَدَدْتُ عليك أضعافَ ما غَرِمْتَ من الأموال، وأكون مملوكك. وشَرَعَ في بيع الغِلال وجَمْعِ الأموال، حتَّى حَصَّلَ خمس مئة ألفِ دينار، ودَوَّن عشرة آلاف فارس بعد أن وصل في ثلاث مئة، ووصل الأحمديلي بغداد، ودخل على الخليفة، فأعطاه يده فَقَبَّلَها، ثم عَبَرَ دِجْلة قاصدًا إلى الحِلَّة. ووصلتِ الأخبارُ بأَنَّ السُّلْطان قد وصل يريد بغداد، فبعث إليه دُبَيسٌ أموالًا عظيمة وخَيلًا وهدايا، وضَمِنَ له أَنَّه إذا أَصلَحَ بينه وبين الخليفة أعطاه مئتي أَلْف دينار، وللخليفة ثلاث مئة حصان بأطواق الذَّهب، وإن لم يرضَ عنه دَخَلَ البَريَّة، فقال السُّلْطان: لا أرضى عنه أبدًا. فأخذ الصَّبيَّ، وخَرَجَ من الحِلَّة بالجمال والرَّوايا، ولا يدري أين يقصد، فوصل الخبر بأَنَّه دخل البصرة وأخذ منها أموالًا كثيرة، فبَعَثَ

стр. 9663

السُّلْطان إليه قزل في عشرة آلاف فارس، فدخَلَ البَرِيَّة وانقطع خبره. وخَرَجَ الوزير أبو القاسم للقاء السُّلْطان، فأعطاه السُّلْطان فرسه وعليه ما قيمته ثلاثون أَلْف دينار. وفي روايةٍ: أن سنجر دَفَعَ دُبَيْسًا إلى محمود، وكان معتقلًا عنده بنيسابور، وقال له: ادخل به إلى بغداد، واشفعْ فيه عند الخليفة. فلمَّا دخل به قَبِل الخليفة شفاعته، وخَلَعَ عليه، وأعاده إلى الحِلَّة، والأَوْل أَشْهر. وفيها كانت فتنة الإسماعيلية بدمشق، وكان ابن محرز قد سَلَّم إليهم حِصن القدموس لأَنَّ بُوري قصده ليأخذه منه، فسلمه إليهم، وكان الوزير المَزْدَقاني بدمشق يكاتبهم ويهاديهم خوفًا من بني الصّوفي، فَشَرَعَ وجيه الدِّين المُفَرِّج بن الصُّوفي رئيس دمشق مع بوري في الإغراء بالإسماعيلية، وهوَّن عليه أمرهم، وساعده الحاجب فيروز، ثم اتَّفقوا على قَتْلِ الوزير المَزْدَقاني، فاستدعاه بُوري إلى القلعة سابع رمضان، فجلس عنده، فلمَّا قام ليخرج وَثَبَ عليه جماعةٌ من الأجناد، فقتلوه في دِهْليز قلعة دمشق، وقطعوا رأسه، وأحرقوا جسده في باب الحديد، ثم مضوا إلى دار الدَّعْوة، وقتلوا كلَّ من بها، وثار عوامُّ دمشق على الإسماعيلية، فقتلوهم شَرَّ قِتْلةٍ؛ ذبحًا ورضًّا بالحجارة والسُّيوف، وصَلَبوا منهم جماعةً على سور دمشق، فكان عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ منهم عشرة آلاف على ما قيل، ولم يتعرضوا لحريمهم ولا لأموالهم، فقال نَصر بن إبراهيم البازْيار (١) يمدح ابنَ الصّوفي: [من الوافر] مَلَكْناكُمْ فَصُنَّا مَنْ وراكُمْ … ولو مُلِّكْتُمونا لم تَصُونوا أَسَلْنا مِنْ دمائِكُمُ بحورًا … جسومكُمُ لجائِشها سَفِينُ فقلتُ لذي النِّفاقِ بحيثُ كانوا … أبادَ حِماكُمُ الأسدُ الحرونُ (٢)

стр. 9664

وكان ببانياس العَجَمي، فسلَّمها إلى الفرنج [خوفًا من المسلمين] (١)، فقويت [نفوس الفرنج] (٢) على قَصدِ دمشق، واستعدُّوا لها، وبَلَغَ بوري فراسل ملوكَ الأطراف، وبَعَثَ بالفقيه عبد الوهَّاب بن الحَنْبلي إلى بغداد رسولًا عنه وعن أهل دمشق بذكر استيلاء الفرنج على بانياس، وأَنَّ قَصدَهم دمشق، [وقد أشرفوا عليها] (١)، فَخُلِعَ عليه، ووعد بإنفاذ العساكر، وجاء الفرنج، فنزلوا على جسر الخشب، وأخرج بُوري عَسْكرًا من باب شرقي في اللَّيل على ناحية بُراق (٣)، فوقعوا على جماعةٍ من الفرنج كانوا قد مضوا إلى حوران يطلبون المِيرة، فقتلوهم وأسروا الباقين، وبلغ الفرنج، فرحلوا نحو حوران والمسلمون خلفهم ينهبون ويقتلون حتَّى وصلوا إلى طبرية (٤). وفيها تُوفِّي أسَعد بن أبي نَصر (٥) أبو الفَتْح المِيهَني، الإِمام الشَّافعيّ، [صاحب التعليق، تفقه على أبي المظفر السَّمْعاني وغيره، و] (١)، بَرَعَ في الفِقْه، وفاقَ أبناء جنسه [في النَّظر] (١)، وحَصَلَتْ له منزلةٌ عند الملوك، وقَدِمَ بغداد، ودَرَّس بالنِّظامية، وعَلَّق عنه بها جماعةٌ "تعليقته" الخلافية، وخَرَجَ من بغداد، فنزل هَمَذَان، فمرِضَ وكان في بيتٍ، فقال لمن [كان] (١) عنده: اخرجوا عني. فخرجوا، فجعل يَلْطِمُ وجهه ويبكي، ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] يُرَدِّدُها حتَّى مات.

стр. 9665

حمزة بن هبة الله بن محمَّد (١) ابن الحسين بن داود بن عيسى بن محمَّد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو الغنائم النَّيْسابوري. ولد سنة تسع وعشرين وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير، وحَدَّث بالكثير، وضَمَّ إلى شَرَفِ النَّسْب شَرَفَ التَّقوى، وكان زيديَّ المذهب، تُوفِّي في المُحَرَّم. طاهر بن سَعد (٢) أبو علي الوزير المَزْدَقاني. كان سَمْحًا، جَوَادًا، بنى المسجد على الشَّرَف شمالي دمشق عند تُرْبة ستِّ الشَّام، ويسمى مسجد الوزير، وفيه القُرَّاء، وعليه الوقف، وكان قد عاداه وجيه الدولة [المفرِّج بن الحسن] (٣) بن الصُّوفي [رئيس دمشق] (٣)، فانتمى إلى الإسماعيلية خوفًا منه، فَقُتِلَ كما ذكرنا (٤). [فصل: وفيها تُوفِّي عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل (٥) أبو محمَّد المصري، نزيل مكة، ويُعرف بابن الغَزَال، لأن جدَّه كان يُشْبِهُ الغَزَال في عَدْوه. أقام بمكة واستوطنها، وذهب بصره بها، وتوفي ودفن في المُعَلَّى.

стр. 9666

سمع بمكة كريمةَ بنتَ أَحْمد المَرْوزية، وبمصر القاضي القُضاعي، وبدمشق أَبا القاسم الحِنَّائي، وأبا الحسن (١) بن صَصْرَى، والخطيب، وغيرهم. وروى عنه الحافظ ابن عساكر، لم يرو عنه إلَّا حديثًا واحدًا لصممٍ كان به، وهو قوله ﵇: "الأعمال بالنِّيَّات" (٢)] (٣). هبةُ الله بنُ أَحْمد بنِ محمد (٤) أبو محمَّد الأَنْصاري، ويعرف بابن الأَكْفَاني. دمشقيٌّ، ولد سنةَ أربعٍ وأربعين وأربع مئة، وماتَ بدمشق، سمع الكثير، ولقي الشُّيوخ، سمع جَدَّه لأُمه أَبا الحسن بن صَصْرَى [والخطيب وغيرهما، وروى عنه غيث بن عليّ، وهو من أقرانه، وقال الحافظ ابن عساكر: سمع أباه [وأبا] الحسين وأبا نصر بن طلاب وغيرهم] (٥) وكان يزكِّي الشُّهود إلى أن مات، وكان يُنْشد: [من الطَّويل] إذا رشوةٌ من باب دارٍ تَقَحَّمَتْ … على أهلِ بيتٍ والأمانةُ فيهِ سَعَتْ هَرَبًا منه وولَّتْ كأنها … حليمٌ تولَّى عن جواب (٦) سَفِيهِ السَّنة الرَّابعة والعشرون وخمس مئة فيها في ربيع الأَوَّل كانت ببغداد زَلْزلةٌ عظيمة هَدَمَتْ دُورًا كثيرة، ومات خَلْقٌ كثير، ثم حَدَث عَقِيبها موتُ السُّلْطان محمود، وحروب عظيمة.

стр. 9667

وفي جمادى الأُولى ارتفعت سحابةٌ على بلد المَوْصِل، فأمطرتْ نارًا أحرقت ما مَطَرَت عليه. وقُتِلَ الآمر صاحب مِصر. وفيها استَوْزَرَ بُوري المُفَرِّجَ بنَ الصُّوفي، وكان ضعيفَ الكتابة إلَّا أَنَّ رأيه كان سديدًا، ومذهبه في النَّاهة حميدًا، فَعَدَل وأحسن، وولَّى في الأعمال الثِّقات والكُفاة. وفيها وَصَلَ زَنْكي بن آق سُنْقُر إلى حلب من المَوْصِل وقد أَظْهَرَ أَنَّه على عَزْمِ الجهاد، وراسل بُوري يلتمس منه المعونة على محاربة الفرنج، فأرسل إليه مَنِ اسْتَحْلفه الأيمان المغلَّظَة، واستوثق منه لنفسه ولصاحب حِمْص وحماة وأصحاب الأطراف، وكان سونج بن بوري بحماة، فبعث إليه من دمشق خمس مئة فارس، وأمره بالمُضي إلى خدمة زَنْكي، وكان في عسكر بوري أعيان الأُمراء، فسار سونج من حماة إلى حلب، فأحسن زَنْكي لقاءهم وأكرمهم، وغافلهم أيامًا وقَبَضَ عليهم، وسونج في الجُمْلة، ونَهَبَ خيامهم وأثقالهم، وهَرَبَ منهم من قَدَر، وجاء في يومه إلى حماة، فاستولى على ما فيها لخلوِّها من الرّجال، ورحل إلى حِمْص وكان صاحبها خيرخان معه، وهو الذي حَسَّنَ له الغَدْر، فحين حصل على حِمْص اعتقله ونَهَبَه، وطلبَ منه تسليمَ حِمْص، فأبى مَنْ في القلعة وقاتلوه، فأقام أيامًا ورحل إلى المَوْصل، ومعه سونج بن بوري، واعتقل الباقين في حلب، وقيدهم، والتمس منهم خمسين أَلْف دينار، فشرع بُوري في تحصيلها، ولما بلغ الملوكَ فِعْلُ زَنْكي لعنوه وسَبُّوه ونفروا منه، وساءت سيرته، وبلغ السلطان، فَجَهَّز إليه [جيشًا] (١)، فمَرِضَ واشتغل بمَرَضِهِ. وفيها ظهر بالعراق عقاربُ طَيَّارة لها أجنحة، وهي ذاتُ شوكتين، فقتلتْ من الأطفال خَلْقًا كثيرًا.

стр. 9668

فصل وفيها تُوفِّي إبراهيم بن عثمان بن محمَّد (١) أبو إسحاق الغَزِّي الكلبي، وقيل أبو القاسم، وقيل أبو مَرْثَد (٢)، الشَّاعر. ولد بغَزَّة سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، وكان أحدَ فضلاءِ الدَّهْر، انتقل إلى العراق، وخرج إلى خُرَاسان، وكَرْمان وفارس وأَصبهان، وامتدح [بها] (٣) جماعةً من الرؤساء [والأعيان] (٣)، وانتشر شِعْرُه هناك. [وقد ذكره ابنُ السَّمعاني في "الذيل" والحافظ ابن عساكر في "التاريخ" والعماد في "الخريدة"، وقال ابن عساكر: وقد اختلفوا في كنيته، فقيل أبو القاسم، وقيل أبو إسحاق، وقيل: أبو مَدْيَن (٤)، الكَلْبي، شاعرٌ مُحْسِنٌ مجيدٌ] (٥). وأثنى عليه العماد الكاتب، فقال: وكم له من حِكْمةٍ مُحْكَمَةِ النَّسْج، وفِقْرَةٍ واضحةِ النَّهْج، وكلامٍ أحلى من منطق الحسناء، [وأ] على [من] منطقة الجوزاء، وقصائد كالفرائد، وقلائد كعقود الخرائد، وغُرَرٍ حِسان، ودُرٍّ ومَرْجان، وذكر كلامًا طويلًا (٦). وقال ابنُ السَّمْعاني: خَرَجَ الغَزِّي من مَرْو يريد الحج، فتوفيَ في الطَّريق، فَحُمِلَ إلى بَلْخ، فَدُفن بها، وكان يقول: إنِّي لأَرْجو أن يعفو الله عني لأني شيخٌ مُسِنٌّ قد جاوزتُ الثمانين سنة، وأنا من بَلَدِ الإِمام الشَّافعي، وغريبٌ.

стр. 9669

قال العماد: ومن شِعْره [من الطَّويل] وحَتَّامَ أرجو دولةً وزراؤها … يَردُّونَ إنْ حَيَّيتَهُمْ بالحواجبِ سواءٌ لديهمْ ما حوى سِلْكُ ناظمٍ … وما ضَمَّه في ظُلْمةٍ حَبْلُ حاطبِ قَضَتْ عُنَّةُ التَّمييز والفَهْم في الورى … بتعنيسِ أبكارِ العُلُومِ الكواعِبِ وإني لتُغْنيني عن السَّيفِ عَزْمَتي … فهل فيه ما تُغْنِيه عن كَفِّ ضارِبِ عسى بين أحشاءِ الليالي عجيبةٌ … حُبالى الليالي أُمهات العجائِب وتهتَزُّ بالقَطْرِ البحارُ (١) وإنَّها … لمستغنياتٌ عن نَوَالِ (٢) السَّحائِبِ (٣) وكان الغَزِّي قد نَفَق على المعين القاشاني وزير سنجر، فقيل للوزير: إنه قد أَسَنَّ عن قول الشِّعْر. فقال له: أُريد أن توازن قصيدة أبي العلاء التي يقول فيها: [من البسيط] هاتِ الحديثَ عن الزَّوْراءِ أَوْ هِيتا … ومُوقدِ النَّارِ لا تَكْرَى (٤) بتَكْرِيتا فقال على البديه: [من البسيط] أَمِطْ عن الدُّرَرِ الزُّهْرِ اليواقيتا … واجعلْ لحجِّ تلاقِينا مواقِيتا جمعتَ ضِدَّينِ كان الجَمْعُ بينهما … لكلِّ جَمْعٍ من الألباب تَشْتِيتا وفِتْيَةٍ من كُماةِ التُّرْكِ ما تركَتْ … للرَّعدِ كَبَّاتُهُمْ (٥) صَوْتًا ولا صِيتا قومٌ إذا قُوبِلُوا كانوا ملائكةً … حُسْنًا وإن قُوتِلُوا كانوا عفارِيتا مُدَّتْ إلى النَّهْبِ أيديهم وأَعْيُنُهُمْ … فزادهُمْ فَلَقُ الأَحشاءِ تثبيتا بدارِ قارونَ لَو مَرُّوا على عَجَلٍ … لباتَ من فاقةٍ لا يملكُ القُوتا بالحِرْصِ فَوَّتني دَهْرِي فوائده … وكلَّما زِدْتُ حِرْصًا زادَ تَفْويتا دُنْيا اللَّئيم يدٌ في كَفِّها بَرَصٌ … فكلُّ ما لَمَسَتْهُ كان مَمْقُوتا [ومنها يُعَرِّض بشعرِ المعري] (٦):

стр. 9670

بديهةٌ ما اسْتَعَانَتْ عند تَقْفِيَةٍ … بذِكْرِ هِيتٍ ولا مرَّتْ بتكْرِيتا (١) وقال أَيضًا: [من الكامل] خُذْ ما صفا لك فالحياةُ غُرورُ … والدَّهْرُ يَعدِلُ تارَةً ويجورُ لا تَعْتِبَنَّ على الزَّمانِ فإنَّه … فَلَكٌ على قُطْبِ اللَّجَاجِ يَدُوْرُ أبدًا يُوَلِّدُ تَرْحَةً من فَرْحَةٍ (٢) … ويَصُبُّ غَمًّا منتهاه سُرورُ تعفو السُّطوْرُ إذا تقادَمَ عَهْدُها … والخَلْقُ في رِقِّ الحياةِ سُطُورُ كلٌّ يَفِرُّ من الرَّدى ليفوتَهُ … ولهُ إلى ما فَرَّ منه مَصيرُ فانْظُرْ لنَفْسِك فالسَّلامةُ نُزْهةٌ (٣) … وزمانُها ضافي الجناح يطيرُ مرآةُ عَيشِكَ بالشَّبابِ صقيلةٌ … وجَناحُ عُمْرِكَ بالمشِيبِ كسيرُ بادِرْ فإنَّ الوقتَ سَيفٌ قاطعٌ … والعُمْرُ جَيشٌ والشَّبابُ أميرُ (٤) وقال: [من السريع] طول الحياةِ ما لها طائِلُ … نَغَّصَ عندي كل ما يُشْتَهى أصبحتُ مِثْلَ الطِّفْلِ في ضَعْفِهِ … تَشَابَهَ المَبْدَأُ والمُنْتَهى فَلِمْ تَلُمْ سَمْعِي إذا خانني … "إنّ الثَّمانين وَبُلِّغْتَها" (٥) قوله "إنَّ الثَّمانين وَبُلِّغْتَها" (٦) تَضمين لعوف بن مُحَلِّم الشَّيباني، أنشده لعبدِ الله بن طاهر (٧).

стр. 9671

وقال: [من الخفيف] وصُدُورٍ (١) لا يَشْرحون صُدُورًا … شَغَلَتْهُمْ عنَّا صدورُ الدَّجاج (٢) [قلت: وقبله] (٣): أنا في الحِلَّة الغَداةَ كأَنِّي … علويٌّ في قَبْضَةِ الحَجَّاجِ بين قومِ لا يعرفونَ كلامًا … طَبْعُهُمْ خارجٌ عن المِنْهاجِ وقال: [من الخفيف] إنَّما هذه الحياةُ متاعٌ … فالسَّفيه الغَويُّ مَنْ يَصطفيها ما مضى فات والمؤَمَّلُ غَيبٌ … ولكَ السَّاعةُ التي أنتَ فيها (٤) وقال: [من الكامل] ليتَ الذي بالعِشْق دونَك خَصَّني … يا ظالمي قَسَمَ المَحَبَّة بَيننا ألقى الهِزَبْرَ فلا أخاف نُيوبَه … وَيرُوْعُني نَظَرُ الغَزَالِ إذا رنا (٥) وكان قد غَسَلَ أكثرَ شِعْرِه وتركه، فقيل له في ذلك، فقال: [من الكامل] قالوا هَجَرْتَ الشِّعْرَ قلتُ ضرورةٌ … بابُ البواعثِ والدَّواعي مُغْلَقُ خَلَتِ البلادُ (٦) فلا كريمٌ يُرْتَجى … منه النَّوالُ ولا مليحٌ يُعْشَقُ ومن العجائبِ أنَّه لا يُشْتَرى … ويُخانُ فيه مع الكَسَادِ ويُسْرَقُ (٧) [وفيها تُوفِّي أبو عبد الله البارع الزَّاهد، شيخ جدِّي ﵀، واسمه] (٨)

стр. 9672

الحسين بن محمَّد بن عبد الوهَّاب (١) أبو عبد الله، البارع النَّحْوي [الشَّاعر] (٢)، وهو أخو أبي الكَرَم بن فاخر النَّحْوي لأُمِّه (٣). ولد سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة، [و] (٢) قرأ القرآن بالرِّوايات [على أبي بكر بن الخياط وغيره] (٢)، وسمع الحديث [الكثير] (٢)، واشتغل باللغة والأدب، وقال الشِّعْرَ [المليح] (٢)، وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشرة جُمادى الآخرة بعدما أَضَرَّ، ودُفِنَ بباب حرب [سمع القاضي أَبا يعلى بن الفَرَّاء وابن المسلمة وأبا بكر بن الخياط وغيرهم، وروى عنه جَدِّي في "المشيخة"، وكان جوادًا كريمًا] (٢). قال ابنُ ناصر: كان فيه تساهُلٌ في الحديث وضَعْف. ومن شِعْره: [من مجزوء الرجز] إنْ كان جيرانُ الغَضَى … رَضُوا بقَتْلي فَرِضَا واللهِ لا كنتُ لما … يهوى الحبيبُ مُبْغِضا صرتُ لهمْ عبدًا وما … للعَبْدِ أَنْ يَعْتَرِضا هُمْ قَلَّبوا قَلْبي من الشَّـ … ـوقِ على جَمْرِ الغَضَى وهم أحالوا الجِسْمَ منِّـ … ـي بالنُّحولِ عَرَضَا أحبابَنا جارَ عليَّ … بَينُكُمْ فيما مضَى إن كان قَتْلي في الهَوَى … عليكُمُ مُفْتَرَضَا واأسفا على الصِّبا … كان خِضابًا فَنَضَا عادَ سَوَادُ لِمَّتي … من الفِراقِ أبيضَا

стр. 9673

كأَنَّما عَهْدُ الشَّبا … بِ كان دَينًا يُقْتَضَى كم نُلْتُ فيه أملًا … وكم بلغتُ غَرَضَا يَا حاكمينَ بالصُّدو … دِ جائرينَ في القَضَا عندي بقايا كَمَدٍ … يضيقُ عنهنَّ الفَضَا من لمريضٍ لا يرى … إلَّا الطَّبيبَ المُمْرِضا أعْرَضَ عنه الصَّبْرُ مُذْ … أصبحَ عنه مُعْرِضا (١) [وقال] (٢): [من مجزوء الرجز] آهٍ لبرقٍ لمَعَا … ماذا بقَلْبي صَنَعَا أيقظَ منِّي للغَرَا … مِ مُسْتَهامًا مُوجَعا فبِتُّ مِنْ إيماضه … أَسْكُبُ دَمعِي دُفَعا يَا بَرْقُ إمَّا تَرَينِّـ … ـي للصَّنيعِ موضعا فَحَيِّ عنِّي أَرْبُعًا … أكرِمْ بهنَّ أَرْبُعا يَا ناظرًا (٣) أقسمَ مِنْ … بعد النَّوى لا هَجَعا كَبَّرَ مُذْ فارَقْتُهُم … على الرُّقادِ أرْبَعا كان عَصِيًّا دَمْعُهُ … بالنَّوْمِ صار طَيِّعا (٤) لو يستطيعُ لسقى … ماءَ الشُّؤونِ أَجْمَعَا تلكَ الرُّبا وذلك الـ … ـمُصطاف والمُرْتَبعا مصارع العُشَّاق فيـ … ـها مَصرعًا فمَصرعا كَمْ كَبِدٍ قطَّعها … هَجْرُ الحبيبِ قِطَعا وكم ديارٍ بالنَّوى … أضحتْ خلاءً بَلْقعا أحبابَنا عَلِّي أرى … شَمْلي بكُمْ مُجْتَمِعا

стр. 9674

ليتَ الفِراقَ لم يكُنْ … يومَ دعا فأَسْمَعا (١) وقال من جملة قصيدة: [من المتقارب] كأنِّي نَظَرْتُ وقد شِمْتُهُ … ديارَ الأَحِبَّةِ مَغْنًى فمَغْنَى فَبُحْتُ ومَن خانه صَبْرُهُ … فليس لِكتْمانِهِ الحُبَّ معنى وماذا على مُدْنَفٍ بالعراق … تذكَّرَ بالرَّمْلِ عهدًا فحنَّا وإنِّي لكلِّ شَجٍ عاذِرٌ … إذا ناحَ مِنْ طَرَبٍ أو تَغَنَّى ولي مهجةٌ قُرِنَتْ بالأَسى … إلى جَسَدٍ ظاهر الضُّرِّ مُضْنى إذا ذَكَرَتْ عَهْدَ أُلافها … أَجَدَّ لها ذلك الذِّكْرُ حُزْنا سقى الله أَرْبُعَنا بالحِمى … وإن كُنَّ بُدِّلْنَ بالسَّكْنِ سَكْنا وحيَّا وجوهًا عَهِدْنا بها … وإنْ حَجَبَتْها يدُ البَينِ عنَّا (٢) وقال: وقد حَجَّ سنةَ ثلاثٍ وتسعين وأربع مئة: [من المديد] ذَكَرَ الأَحبابَ والوَطَنا … والصِّبا والإِلْفَ والسَّكَنا فبكى شَجْوًا وحُقَّ له … مُدْنَفٌ بالشَّوقِ حِلْفُ ضَنَى أبعدَتْ مرمًى يدٌ رَجَمَتْ (٣) … مِنْ خُرَاسانٍ به اليَمَنا مَنْ لمشتاقٍ تُمَيِّلُهُ … ذاتُ أَيكٍ مَيَّلَت فَنَنا لم تعرِّضْ في الحنين بمَنْ … مسعدٌ إلَّا وقلت أَنا لكِ يَا ورقاءُ أُسوةُ مَنْ … لم تُذِيقي طَرْفَه الوَسَنا بكِ أُنسي مِثْلُ أُنسِكِ بي … فتعالي نُبْدِ ماكَمَنا نتشاكى ما نُجِنُّ فإنْ … نُحْتِ شَجْوًا صحتُ واحَزَنا أنا لا أنتِ البعيدُ هوًى … أنا لا أنتِ الغريبُ هُنا أنا فَرْدٌ يَا حَمَامُ وها … أنتِ والإِلْفُ القرينُ ثُنَا إسْرَحا رَأدَ النَّهارِ ضحًى … واسْكُنا جُنْحَ الدُّجى غُصُنا

стр. 9675

وابْكِيا يَا جارتيَّ لِما … صَنَعتْ أيدي الفِراقِ بنا كم ترى أَشكو البِعادَ وكم … أَنْدُبُ الأَطلال والدِّمَنا أينَ قَلْبي ما صَنَعْت به … ما أَرى صدْرِي له سَكَنَا كان يومَ النَّفْرِ وَهْو معي … فأَبى أن يَصحَبَ البَدَنا أبهِ حادي الفِراقِ حَدَا … أَمْ به داعي الشَّبابِ عَنَا رَفَعوا سُجْفَ القِباب فلا الـ … ـفَرْضَ أذَينا ولا السُّنَنا كَمْ أخي نُسْكٍ وذي وَرَعٍ … جاء يبغي الحَجَّ فافْتَتَنا أَنْصِفُونا يا بني حَسَنٍ … ليس هذا منكُمُ حَسَنا نحنُ وَفْدُ الله عندكُمُ … ما لجيرانِ الغضى ولنا ذُبْتُ حتَّى لو أخو رَمَدٍ … ضمَّني جَفْناه ما فَطِنا لو رآني حاسدي لبكى … رحمةً لي أو عليَّ حَنَا ليَ عَينٌ دَمْعُها دِرَرٌ … خُلِقَتْ أَجْفانُها مُزُنا وحَشًا أنفاسُها شَرَرٌ … مُحْرِقاتٌ مَنْ إليَّ دَنَا ضَمَّنا رَمْيُ الجِمارِ فما … راح حتَّى رُحْتُ ممتَحنا بينما نقضي مناسِكَنا … إذ لقِينا دونَها الفِتَنا قد (١) سَمَحْنا بالقلوبِ لكُمْ … ليس نَبْغي منكُمُ (٢) ثَمَنا فاعْقِرُوها باللِّحاظِ إذا … شِئْتُمُ أَنْ تَعْقِروا البُدُنا لم يُجِرْنا منكُمُ حَرَمٌ … مَنْ أتاه خائفًا أَمِنا من أبيات (٣). وقال أَيضًا: [من البسيط] رُدِّي عليَّ الكبرى ثُمَّ اهْجُري سَكَني … فقد قَنِعْتُ بطيفٍ منكِ في الوَسَنِ

стр. 9676

علَّمْتِ بالهَجْرِ جَنْبي هَجْرَ مضجعِهِ … وبالرُّقادِ جُفُوني صُحْبةَ الحَزَنِ لا تحسبي النَّوْمَ قد أصبحتُ أَطْلُبُه … إلا رجاءَ خيالٍ منكِ يُؤْنِسُني تركتِني والهوى فَرْدًا أُغالِبُهُ … ونامَ ليلُكِ عن هَمٍّ يُؤَرِّقُني سَلِمْتِ ممَّا عَنَاني فاسْتَهَنْتِ به … لا يعرف الشَّجْوَ إلا كلُّ ذي شَجَنِ شتَّانَ بينَ خَلِيٍّ مُطْلَقٍ وَشَجٍ … في رِبْقةِ الحُبِّ كالمَصفُود في قَرَنِ اللهَ في كَبِدي الحَرَّى عليكِ وفي … قلبي المُعَنَّى حليفِ السُّقْمِ والمِحَنِ إنْ كان يوجِبُ ضُرِّي رَحْمتي فَرِضًى … بسوءِ حالي وَخَلِّ للضَّنى بَدَني يَا هَمَّ نَفْسِيَ في قُرْبٍ وفي بُعدٍ … وراحة القَلْبِ في حَلٍّ وفي ظَعَنِ حُرِمْتُ منكِ الرِّضى إنْ كان غَيَّرني … عَمَّا عَهِدْتيه شيءٌ أو يُغَيِّرُني لو قيلَ لي نُلْ من الدُّنيا مُناكَ لما … جَعَلْتُ غَيرَكِ لي حَظًّا من الزَّمَنِ مَنَحْتُكِ القلبَ لا أبغي به ثمنًا … إلا رِضاكِ ووافَقْرِي إلى الثَّمَنِ (١) منصور (٢) الآمر بأحكام الله (٣) ابن المستعلي، صاحب مِصر. لما كان يوم الثلاثاء ثالث ذي القَعدة خَرَجَ من القاهرة، وأتى الجزيرة، وعبر بعض الجسر، فَوَثَبَ عليه قومٌ، فلعبوا عليه بالسُّيوف -وقيل: كانوا غِلْمان الأفضل- فَحُمِلَ في مركبٍ إلى القَصر، ومات من ليلته، وعمره أربعٌ وثلاثون سنة، وكانت أيامه أربعًا وعشرين سنة وشهرًا (٤).

стр. 9677

ومولده سنة تسعين وأربع مئة. وكانت سيرته قد ساءتْ بالظُّلْم والعَسْف والمصادرة، ولما قُتِلَ وَثَبَ غلامٌ له أرمنيٌّ، فاستولى على القاهرة، وفَرَّق الأموال في العساكر، وأراد أن يتأمَّر على النَّاس، فخالفوه، ومضوا إلى أَحْمد بن الأفضل فعاهدوه، وجاؤوا به إلى القاهرة، فخرج الغلامُ الأرمنيُّ فقتلوه، وولَّوْا أَبا الميمون عبد المجيد بن [أبي] (١) القاسم بن المستنصر، ولي الخلافة ولقبوه بالحافظ، ووَزَرَ له أبو علي أَحْمد بن الأفضل، وسمَّاه أمير الجيوش، فأحسنَ إلى النَّاس، وأعاد إليهم ما صادرهم به الآمر، وأسقط المكوس، فأحَبَّه النَّاس، فحسده مقدَّمو (٢) الدولة، واغتالوه، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى (٣). وقيل: إنَّ الآمر لم يخلِّف ولدًا، وترك امرأةً حاملًا، فماجَ أهل مِصر، وقالوا: لا يموت أحدٌ من أهل هذا البيت إلَّا ويخلّف ولدًا ذَكَرًا، منصوصةً (٤) عليه الإمامة. وكان قد نَصَّ على الحَمْلِ قبل موته، فوضعتِ الحاملُ بنتًا، فعدَلوا إلى الحافظ، وانقطع النَّسْلُ من الآمر وأولاده. وهذا مذهب طائفة من شيعة المِصريين، فإنَّ الإمامةَ عندهم من المستنصر إلى نزار. وكان نَقْشُ خاتم الآمر: "الإِمام الآمر بأحكام الله أمير المُؤْمنين"، وابتهج النَّاسُ بقَتْله. السنة الخامسة والعشرون وخمس مئة فيها قد ذكرنا أَنَّ دُبَيْسًا دَخَلَ البريةَ وانقطع خبره واخَتَلفوا في قِصَّته، أما تواريخ البغداديين، فإنهم قالوا: ضَلَّ في طريقه، فَقُبِضَ عليه بحِلَّة حسان بن مكتوم (٥) الكَلْبي من أعمالِ دمشق، وتَقطَّع عنه أصحابه، فَحُمِلَ إلى دمشق، فباعه أميرُها ابنُ طُغتِكِين من زَنْكي بن آق سُنْقُر [صاحب الموصل] (٦) بخمسين أَلْف دينار، وكان زنكي عدوَّه،

стр. 9678

فظنَّ أَنه سَيُهْلِكُهُ، فلما حَصَلَ في قبضته أكرمه وخوَّله المال والسِّلاح، فلما وَرَدَ الخبر إلى بغداد، بَعَثَ الخليفةُ ابنَ الأنباري ليتوصَّل في أخذه، فلما وصل الرَّحْبة قَبَضَ عليه أميرُها بأمر زنكي، وحُمِلَ إلى قلعة المَوْصلِ. وأمَّا تواريخ أهلِ الشَّام وأبو يعلى بن القلانسي فإنهم قالوا: وَصَلَ دبيس إلى الشَّام، وبلَغَ بوري أنَّه ببعض حلل العرب بنواحي صَرْخَد، وأنَّه قد ضَلَّ عن الطريق، فأرسل إليه من قَبَضَ عليه، ثم أنزله بدمشق، وأقام له الإقامة، وكتب إلى الخليفة يعرِّفُه، فشكره، وقال: احتفظ به حتَّى أُنفذ من يتسلَّمه. وبلغ زَنْكي، فبعثَ إلى بوري يسأله أن يسلِّمَه إليه ويعطيه خمسين أَلْف دينار، وكان عند زنكي ابنُ بوري وجماعةٌ من أمرائه الذين غَدَرَ بهم على حلب على خمسين أَلْف دينار، فقال زنكي: اجعل دُبَيسًا عِوَض الخمسين أَلْف دينار. فمال بُوري إلى ذلك من أَجل ابنه سونج وأمرائه، فأرسل إليه بدُبَيس، وبَعَثَ إليه بابنه وبالأمراء، ووصل سديدُ الدولة بنُ الأنباري إلى دمشق يطلبُ دُبَيسًا، فاعتذر بوري بما جرى من المفاداة، فرجع إلى بغداد، فالتقاه عسكر زنكي في الطَّريق فأوقعوا به وبمن معه، وحُمِلَ إلى قلعة المَوْصِل، فلم يخلص إلَّا بشفاعة السُّلْطان مسعود. وقال ابنُ القلانسي: وفيها وَرَدَ الخبر من حِلَّة مكتوم (١) بن حسان بن مِسْمار بوصول دُبَيْس إليه في خواصِّ غِلْمانه وأصحابه، وأنه ضَلَّ الطريق، ولم يكن معه دليل، ومات معظم أصحابه من العطش، فأرسل بوري مَنْ أحضره، وأنزله معه في القلعة، وخَدَمه، وحَمَلَ إليه من الطعام واللِّباس والفُرُش ما يليق به، وذلك في شعبان، وبَعَثَ إلى الخليفة يُعَرِّفُه، فأمره أن يحتفظ به ليرسل من يأخذه، وبَلَغَ زنكي، فأرسل إلى بوري بالمفاداة، وذكر بمعنى ما ذكَرْنا، وأن زنكي بَعَثَ بالمعتقلين إلى قارا في عسكره، وأَنَ بوري بَعَثَ بدُبَيس إليه في عسكره، ووقعتِ المفاداة [وذلك في ذي العقدة. ولما اجتمع بوري بولده والجماعة سُرَّ بهم، وحينئذٍ خُوطب في الرَّئيس ابن الصوفي فأَطْلَقَه، وخَلَعَ عليه، وأعاده إلى رياسته، وابن المَزْدَقَاني بحاله على وزراته.] (٢).

стр. 9679

وفي ربيع الأول وَصَلَ الخبرُ إلى بغداد أَنَّ مسعودًا أخا محمود انفصل من سنجر، وجاء يَطْلُبُ السَّلْطنة، وقد اجتمعَ إليه جماعةٌ من العساكر، وكان محمود ببغداد، فَبَعَثَ إلى الخليفة يستأذنه في الرَّحيل إليه، فقال الخليفة: قد عَلِمْتَ ما بيني وبينك من الأَيمان، [و] (١) أنني لا أستخدم أحدًا، ومتى سافرت من العراق عاد دُبَيس إلى الحِلَّة، وأفسد وَعاث، وقصد بغداد. فقال محمود: متى رحلتُ من العراق وخفتَ على نَفسك والمسلمين، ولم أَقْدر على نجدتك بنفسي أو بعسكري فقد نَزَلْت عن اليمين، وافعلْ ما تراه من المَصلحة. ورَحَل عن بغداد، وقصد هَمَذَان، فراسله مسعود، وتحالفا واجتمعا، وحَمَلَ مسعود الغاشية بين يديه، وأعطاه محمود مئةً وخمسين أَلْف دينار والعساكر والبلاد، وافترقا. وفيها تغيَّرَتْ نيةُ محمود على الخليفة، وكان قد عَهِدَ إلى ولده داود، واستحلف له الأمراء والخواصّ قبل رحيله من بغداد، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه مالًا للنفقة وأن يخطب لولده، فقال: أما المال فما عندي، والخُطْبَة فالأمر فيها إلى سنجر فهو السُّلْطان. فغَضِبَ محمود، وعَزَمَ على تغيير الخلافة، وخرج إلى هَمَذَان، فلما استقرَّ بها جاءته رسل سنجر، فاستخفَّ بهم وأهانهم، وقال: أنا السُّلْطان، ومَنْ سنجر؟! وقَبَضَ على أعيان الأُمراء، وصادَرَ أهلَ هَمَذَان، وأَخَذَ أموالهم، وظَلَمَ وعَسَفَ، وأقام الخُطْبة لابنه داود بالجبل وأَذْرَبيجان، وعَزَمَ على دخول بغداد وتغيير الخليفة، فعاجله الموت بمرضٍ حَدَثَ به، واستقرَّتِ السَّلْطنةُ بعده لأخيه مسعود، وولاية العهد بعده لداود بن محمود، ثم لأخيه طغريل بن محمَّد (٢). وفيها عَزَلَ بوري وزيرَه المُفَرّج بن الصُّوفي، واعتقله وأقاربَهُ اعتقالًا جميلًا، واستوزر كريمَ الملك أَبا الفضائل أَحْمد بن عبد الرَّزّاق المَزْدَقاني نسيب الوزير (٣)،

стр. 9680

فاستقامتِ الأحوال، وكان عارفًا بقوانين الدَّواوين، فصيحًا بالعربية والعجمية، ثم أطْلَقَ ابنَ الصُّوفي، وخَلَعَ عليه، وأعاده إلى رياسته، والمَزْدَقاني بحاله على وزارته. وفيها جُرِحَ بوري؛ وذلك لأَنَّ الباطنية الذين في الشرق، لَمَّا عَلِمُوا ما جرى على إخوانهم في الشَّام ندبوا لقَتْلِ بوري رجلين فجاءا إلى دمشق، وتوصَّلا حتى خدما في ركابه، وأقاما ينتهزان الفُرْصة، وقد أَنِسَ بهما ظَنًّا منه أنهما من غِلْمانه، فوثبا عليه يوم الخميس خامس جُمادى الآخرة بقلعة دمشق، فضربه أحدُهما بالسَّيف طالبًا رأسه، فوقع في رقبته، فجرحه، وضربه الآخر بسكينٍ في خاصرته، نَفَذَت بين الجلد واللحم، ورمى بنفسه إلى الأرض، وتكاثر أصحابه عليهما، فقطَّعوهما، وخِيطَتْ جراحتُه، فبَرَأَ الذي في عنقه، ونَسَرَ (١) الذي في خاصرته، فكان سببًا لهلاكه، فَجَمَعَ الأُمراء والمقدَّمين والخواص والأعيان، وقال لهم: إنِّي قد أيست من الحياة بسبب هذا الجرح، ولا بُدَّ من الموت، وهذا ولدي أبو الفتح إسماعيل أكبر ولدي، وقد لاحت لي منه أمارة النَّجابة، وقد رأيتُ أَنْ أجعلَه وليَّ عهدي، فقالوا: الحكم لك فيما تراه، وطاعتُنا لك في حياتك كطاعتنا لولدك بعدك. فَسُرَّ بقولهم، وخَلَعَ عليه الخِلَع السَّنية، واستقرَّتْ فيه ولايةُ العهد. فصل: وفيها تُوفِّي أَحْمد بن محمَّد بن عبد القاهر (٢) أبو نَصر الطُّوسي، كان [يصلي ببغداد في مسجد الشَّاكرية] (٣)، ثم انتقل إلى المَوْصِل، فتوفِّي بها يوم السبت حادي عشرين ربيع الأول [سمع ابن المهتدي وابن المُسْلمة وابن النَّقور وغيره، وذكره جدي في "مشيخته" وقال: كان سماعه صحيحًا،

стр. 9681

وتفقَّه على أبي إسحاق الشيرازي، وكان شيخًا (١) لطيفًا على وجهه نور (٢)، قال جدِّي: وأنشدني أشعارًا حسنة، منها، (٣): [من الطَّويل] على كلِّ حالٍ فاجعلِ الحَزْمَ عُدَّة … تقدِّمُه بين النَّوائبِ والدَّهْرِ فإنْ نُلْتَ خيرًا نُلْتَهُ بعزيمةٍ … وإنْ قَصُرَتْ عند الخُطُوبِ فمنْ عُذْرِ ومنها: [من البسيط] لَبِسْتُ ثوبَ الرَّجا والنَّاس قد رقدوا … وقمتُ أشكو إلى مولايَ ما أجِدُ وقلت يَا عُدَّتي في كلِّ نائبةٍ … ومَنْ عليه لكَشْفِ الضرِّ أَعْتَمِدُ وقد مَدَدْتُ يدي والضرُّ مُشْتَمِلٌ (٤) … إليكَ يَا خيرَ مَن مُدَّتْ إليه يَدُ فلا تَرُدَّنَّها يا ربِّ خائبةً … فبحرُ جُوْدِكَ يَرْوي كلَّ مَنْ يَرِدُ (٥) [قلت: وأَحمد هذا هو جَدُّ شيخينا أبي عبد الله أَحْمد والركن بن عبد الله بن أَحْمد] (٦). حمَّاد بنُ مُسْلم الرَّحْبي الدَّبَّاس (٧) شيخ الشيخ عبد القادر وغيره، [ذكره جدي ﵀ في "المنتظم"، وقال: سمع الحديث من أبي الفضل بن خيرون وغيره إلَّا أنَّه كان] (٨) على طريقة التصوف

стр. 9682

[يدَّعي] (١) المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، [وكان عاريًا من علوم الشريعة، ولم ينفق إلَّا على الجُهَّال] (٢) وكان ابنُ عقيل ينفِّرُ النَّاسَ عنه، [حتى إنه بلغه أنَّه] (٢) يعطي كلَّ من تصيبه الحُمَّى لوزةً وزبيبة ليأكلها فيبرأ، [فبعث إليه ابن عقيل: إنْ عُدْتَ إلى مثل هذا ضربتُ عُنُقك. فكان يقول: ابن عقيل عدوي] (٢)، وصار النَّاسُ ينذرون له النُّذور، فيقبل الأموال، ويفرِّقُها على أصحابه، ثم كره قَبُول النُّذور لقول النَّبِيّ ﷺ : "إن النَّذْر يُسْتَخْرَجُ به من البخيل" (٣)، [فصار يأكلُ بالمنامات، كان يأتي الرَّجلُ فيقول: قد رأيتُ] (٤) في المنام قائلًا يقول: أعطِ حمَّادًا كذا وكذا. فاجتمعَ له أصحابٌ ينفق عليهم مما يفتح له، وماتَ في رمضان، ودُفِنَ بالشُّونِيزِيَّة. [هذا صورة ما ذكر جدي ﵀ في "المنتظم" (٥). قلت: أما تعرض ابن عقيل لهذا الرَّجل الصالح، فلو ستر ابن عقيل نفسه كان أصلح، فإن الرَّجل كان من الأبدال] (٦)، وقد أدركتُ جماعة من الأكابر يحكون عن الشيخ عبد القادر عن حماد من الكرامات ما يشبه المتواتر. وأما حديث اللَّوْزة والزَّبيبة فهذه عادةُ المشايخ في حسن الظَّنِّ بهم، وقد رأينا جماعة فعلوا ذلك فعوفوا، وأما قوله: إنَّ النَّاس كانوا يأتون إليه، فيقول الرَّجل: رأيتُ إنسانًا يقول: احملْ إلى حماد كذا وكذا، فهذا شيء لا تعلُّقٌ له به، ولا كان يدَّعيه كرامة ولا وسيلةً إلى أَخْذِ أموال النَّاس، وإنما الله سبحانه كان يلهمهم ذلك في المنام الذي هو من جنس الوحي في حق

стр. 9683

الأخيار، فلا يلامُ على أمرٍ ليس فيه إجبار] (١)، و [لو] (٢) لم يكن لحماد من الفضائل التي اتصف بها في زهادته وطريقته ومكاشفته إلَّا أَنَّ الشيخ عبد القادر أحد تلامذته [لكفاهُ] (٢). [وفيها تُوفِّي محمَّد بن عمر بن عبد العزيز (٣) أبو بكر الحَنَفيّ المُقْرِيُّ، البُخَارِيّ، ويعرف بِكاك. سافر إلى البلاد، فسمع بنَيسابور وبُخارى وسَمَرْقَنْد وهَمَذَان وبغداد، وأقام بها مُدَّة، وعاد إلى سَمَرْقَنْد، فسكَنَ بها مُدَّةً، ثم قَدِمَ بغداد، وحَجَّ وحدَّث بالحَرَمين وغيرهما، وكان أديبًا فاضلًا، صالحًا، مُكْثرًا، فلَّما عاد من الحج في هذه السنة تُوفِّي بالمحرَّم بالأجفُر] (٤). علي بن المُسْتَظْهر، أبو الحسن (٥) الذي هرب من التَّاج ومضى إلى دُبَيس (٦)، تُوفِّي في رجب، وأَمَرَ الخليفةُ بحملِ تابوته إلى الرُّصافة (٧)، وجَلَسَ الوزيرُ وأربابُ الدولة في بيتِ النوبة في العَزَاء ثلاثةَ أيام. محمَّد بن أَحْمد بن جِياء -بجيم- أبو الفرج (٨) شَرَفُ الكُتَّاب الحِلِّي] (٩)، كان فاضلًا، وهو القائل: [من الكامل] حَتَّامَ أَجْرِي في ميادين الهوى … لا سابقًا أبدًا ولا مَسْبُوقُ

стр. 9684

ما هَزَّني طَرَبٌ إلى رَمْلِ الحِمى … إلا تَعرَّضَ أَجْرَعٌ وعَقِيقُ شَوقٌ بأَطْرافِ البلادِ مُفَرَّقٌ … يحوي شتيتَ الشَّمْلِ منه فريقُ ومدامِعٌ كُفِلَتْ بعارضِ مُزْنَةٍ … لَمَعَتْ لها بينَ الضُّلوعِ بروقُ فكأَنَّ جَفْني بالدُّموع مُوَكَّلٌ … وكأنَّ قلبي للجوى مَخْلُوقُ إنْ عادتِ الأيامُ لي بطُوَيلعٍ … أو ضَمَّني والظَّاعنينَ طريقُ لأُنبِّهَنَّ على الغَرَامِ بِزَفْرتي … وَلَتَطْربَنَّ لما أَبُثُّ النُّوقُ محمد بن الحسين بن محمد بن علي (١) أبو تمَّام الزَّينَبي، بيتُه معروفٌ بالشَّرَف والفَضْل. ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير، وكان سيِّدًا فاضلًا، توفي في ذي القَعدة، وصَلَّى عليه ابنُ عَمِّه أبو القاسم علي بن طِراد، وحُمِلَ إلى الحَرْبية، فَدُفِنَ في تُرْبة أبي الحسن القَزْويني. محمود بن محمَّد بن مَلِك شاه (٢) ابن ألب رسلان، السُّلْطان. قد ذكرنا جُمْلةً من سيرته، وكان قد عَزَمَ على إفساد الأمور على الخليفة، فعاجله الموتُ بهَمَذَان يوم الخميس خامس عشرة شَوَّال، وعمره ثمانٍ وعشرون سنة، ومُدَّة وقوع الملك عليه أربع عشرة سنة، وكان قد عَهِدَ إلى ابنه داود وهو صغيرٌ في حِجْر زوجِ أُمِّه الأحمديلي صاحب أَذْرَبيجان، فجدَّد أبو القاسم وزير محمود على الأُمراء العهود، وكتَبَ إلى الأحمديلي بذلك. وكان مسعود ببلاد أرانية (٣)، فتحرَّك إلى العراق، وطَلَب السَّلْطنة، وكتب إلى الخليفة ولم يكتب إلى سنجر، وعَلِمَ سنجر، فسار من خراسان إلى هَمَذَان، وفوَّضَ

стр. 9685

إلى ابن أخيه طُغْريل ولايَةَ العراق، وأضافَ إليه عسكَرَ محمود، وجعل لداود بن محمود من الإقطاع ما يكفيه إلى أن يَبْلُغَ مَبْلَغَ الرِّجال، ويرى فيه رأيه، هذا ومسعود بأرانية، فكتَبَ إلى الأحمديلي يقول: أنا ما أريد السَّلْطنة إلا لابن أخي داود، وأقنعُ بما أفتحه من البلاد. فَطَمِعَ الأحمديلي، وقال لمسعود: تقدَّم وأنا على إثْرك. وعاد إلى سنجر إلى خرَاسان، وجاء مسعود إلى هَمَذَان ومعه الأحمديلي، فخرج إليهم طُغْريل، فكسرهم، فمضى إلى أرانية والأحمديلي إلى أَذْربيجان، وتقرر مُلْكُ طغريل بهَمَذَان. هِبةُ الله بنُ محمد بنِ عبد الواحد (١) أبو القاسم بن الحُصَيْن الشَّيْباني الكاتب. ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وبكَّر به أبوه وبأخيه أبي غالب عبد الوَاحد، فأسمعهما "المسند" (٢) وغيره من أبي علي بن المُذْهِب، والتَّنوخي وأبي طالب بن غَيلان وغيرهم حتى صار أَسْنَدَ أهلِ عَصره. ورحل إليه الطَّلَبة من البلاد، وكان ثِقَةً صدوقًا، صحيح السَّماع، وكانت وفاتُه بين الظُّهْر والعَصر من يوم الأربعاء رابع عشرة شَوَّال، وأشرف على غسْله ابنُ ناصر بوصيةٍ [منه] (٣)، وصلَّى عليه في جامع [القصر، وحُمِلَ إلى جامع] (٤) المنصور، فصلَّى عليه عبد الوهَّاب الأنماطي، ودُفِنَ بباب حَرْب عند بِشْر الحافي. السنة السادسة والعشرون وخمس مئة فيها وَصَلَ مسعود إلى بغداد في عشرة آلاف، وورد قراجا السَّاقي صاحب خُوزستان وفارس ومعه سَلْجوق شاه بن محمد، وكلاهما يطلب السَّلْطنة، وانحدر زَنْكي من

стр. 9686

المَوْصِل لينضمَّ إلى مسعود، [فلما بلغ تكريت خلَّف قراجا سلجوق شاه في عَدَدٍ يسير، وأمرهم بمدافعة مسعود] (٢) إلى أن يعود، وأَسْرى في يومٍ وليلةٍ إلى تكريت، فواقع زنكي فهزمه، وأَسَرَ جماعةً من أصحابه، وعاد بهم، ثم دخل السُّفراء بينهم، وحَصَلَ الاتِّفاقُ بين مسعود وقراجا وسَلْجوق، واستحلفهم الخليفة واجتمعوا، وقويت الأراجيف بمجيء سنجر إلى بغداد، فَعُمِل السُّور وجُبي العراق، وخرجوا بأجمعهم متوجِّهين لقتال سنجر، وألزمَ قراجا الخليفةَ بالخروج، فكرهه، فتوعَّده قراجا، وقال: إنَّ الذي تخافه من سنجر في آجل الأمر إنْ لم تخرج نحن نُعَجِّلُه لك الآن. وبعث سنجر يقول للخليفة: أنا العبد، مهما أُرِيدَ مني فَعَلْتُ. فلم يقبل منه. وسارَ الجماعة، وخَرَجَ الخليفةُ بعدهم بأيامٍ من باب النَّصر في أُبَّهة الخلافة على عادته في سادس عشرة جُمادى الآخرة، وضَجَّ النَّاس له بالدُّعاء، وباتوا يَخْتِمون الختمات، ثم رحل في ثاني رجب، وقُطِعَتْ خُطْبة سنجر، وأقام الخليفة بخانِقِين (١). وورد سنجر هَمَذَان في مئة وستين ألفًا، وكان مع مسعود وقراجا ثلاثون ألفًا، وكانت الوقعة قريبًا من الدِّينور، وكان يومًا لم يكن في الإسلام مثله، أُحصي القَتْلى فكانوا أربعين ألفًا، وقُتِلَ قراجا، وانهزم مسعود، وأَجْلَسَ سنجر طُغْرل على تخت المُلْك بهَمَذَان، وعاد سنجر إلى خُراسان، وكَتَبَ إلى زَنْكي ودُبَيس [بقَصدِ بغداد، وبلغ الخليفة، فعاد من خانِقِين، وجاء زنكي ودُبَيس] (٢) في سبعة آلاف، وعَبَرَ الخليفة إلى الجانب الغربي في ألفي فارس، والتقوا، فانكسرت ميمنةُ الخليفة، فرمى الطَّيلَسان من على رأسه، وجذب السَّيف وعليه البُرْدة، وحَمَلَ العسكر معه، فانهزما، وقُتِلَ من القَوْم مقتلةٌ عظيمة، وهرب زنكي إلى تكريت ودُبَيس إلى الفرات. وفيها بعث الخليفة إلى أنوشروان بن خالد صاحبَ المخزن ابنَ طلحة يأمره أن يجلس في الديوان ليخلع عليه خِلَع الوزارة، فامتنع وقال: إني لما استوزرني السُّلْطان طلبت الإقالة، وقد قَنِعْتُ من الدُّنيا بمكاني هذا. فلم يَعْفِه، فأجابَ، فعُرِضَ عليه دارُ

стр. 9687

ابنِ صَدَقَة، فامتنع، وقال: كان له عليَّ حَقٌّ -وكان ابنُ صَدَقَة يَصِلُه كلَّ سنةٍ بمالٍ كثير- فَعُرِضَ عليه دارٌ أُخرى. وفيها عاد دُبَيس إلى بلاده، وجَمَعَ الجموع، وكان الخليفة قد ولَّى بالحِلَّة إقبال المُسْتَرشِدي، وأَمَدَّه بعسكرٍ، فَهَزَمَ دُبَيسًا، فهرب إلى أَجَمَةٍ فيها ماء فأقام ثلاثة أيام لا يأكل طعامًا، حتى أخرجه جماسٌ (١) على ظهره، وخلَّصه. وفيها وصل داود بن محمود والأحمديلي إلى بغداد. وفي شعبان قَبَضَ الخليفةُ على وزيره أبي القاسم شَرَفِ الدِّين (٢)، وأَخَذَ من داره أموالًا عظيمة، منها البَدَنة اللؤلؤ التي أخذها دُبَيس من الأمير أبي الحسن بن المُسْتظهر لمَّا أسره، ومعضدةً قيمتُها مئة ألف دينار، ومن أواني الذَّهب والفِضَّة ومراكب الذهب والثِّياب والأثاث ما أقاموا ثلاثة أيام في نَقْله وما فرغ، وخمس مئة رأس من الخيل والبِغال والجِمَال، وأُخذ خَطُّ الوزير بعدها بثلاثين ألف دينار. وفيها (٣) ما أَحَسَّ النَّاسُ إلا بابنِ دُبَيس وقد قَدِمَ بغداد في خمسين فارسًا، ولم يعلم به أحد حتى نَزَلَ وقَبَّل عتبة باب النّوبي، وتمرَّغ على الصخرة، وقال: قد جِئْتُ إلى هذه العتبة، فإما أَنْ يعفوَ عني أمير المؤمنين أو يقتلَني. فعفا الخليفةُ عنه، وأنزله دارًا، وأعطاه دنانير. وفيها تُكُلِّم في خاتون المستظهرية بسبب شابٍّ يقال له ابن المهر (٤)، فَحَلَّ الخليفةُ إقطاعها، وقَتَل ابن المهر، وأَظْهَرَ أَنَّه قد هَرَبَ، وطرَدَ الخليفةُ خُدَّامَها، وأخذ خَيلَها، وأقام معها في دارها من يَحْفَظُها، واشْتُهِرَ أَمْرُها، فَكَتَبَتْ إلى سنجر، فيقال: إنَّه كَتَبَ إليها أَنَّه يريد الفَتْك بالخليفة. فَوَقَعَ كتابُهُ في يد الخليفة، فهيَّجه ذلك على الخروج لقتاله.

стр. 9688

فصل [قال جَدِّي في "المنتظم":] (١) وفيها توفي أحمد بن حامد بن محمد (٢) أبو نَصر، المُسْتَوْفي، المعروف بالعزيز، عَمُّ العماد الكاتب. قَبَضَ عليه الأنساباذي وزير طُغْريل، وسُلِّمَ إلى بِهْرُوز الخادم، فحمله إلى تكريت، فَقُتِلَ فيها، وكان من رؤساء الأعاجم. [هذا صورة ما ذكره جدي في "المنتظم" (٣). قلت: وهذا العزيز هو [عم] العماد الكاتب الأصبهاني، صاحب "الخريدة"] (٤). ولد [العزيز] (١) بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة، وهو من بيت الفَضْلِ والكتابة، وكان مُدَبِّر الممالك، واختصَّ بالسُّلْطان محمود بن محمد ابن ملك شاه] (١)، ودَبَّر قوانين الوزارة مُدَّة، وقيل: كان صديق الدَّرْكِزيني وزير محمود، فسعى به، فتأكَّدَتِ العداوةُ بينهما، وكان محمود صبيًّا يميل إلى جَمْع المال، فسعى به الدَّرْكِزيني، فحبسه بقلعة تكريت، فما زال محبوسًا حتى مات محمود، وأَجْلَسَ الدركزيني أخاه طغريل في السَّلْطنة، فقال لطغريل: قد استولى العزيز على الأموال، فأمر بِهْروز [الخادم] (١) بتقريره، فلم يقرَّ بشيء، فَخُنِقَ، وقيل: سُمَّ، وقيل: دَخَلَ عليه قومٌ من الباطنية فقتلوه، ثم أمر طغريل بالوزير الدَّرْكِزيني، فَصُلِبَ بعد أربعين يومًا من قَتْلِ العزيز لأمرٍ بلغه عنه. وكان العزيز جَوَادًا مُمَدَّحًا [، مدحه الشُّعراء، وقد ذكره العماد في "الخريدة" (٥)، وكان] (١) شاعرًا فصيحًا، كَتَبَ إلى بعض أصدقائه: [من الخفيف]

стр. 9689

يا أخا الفَضلِ لِمْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا … فأَسَأْنا بحُسْنِ عَهْدِك ظَنَّا كم تمنيت لي صديقًا صَدُوقًا … فإذا أنتَ ذلك المُتَمَنَّا فبغُصنِ الشَّبابِ لمَّا تثنَّى … وبعهد الصِّبا وإنْ بانَ عَنَّا كُنْ جوابي إذا قرأتَ كتابي … لا تَقْلُ للرَّسولِ كان وكُنَّا (١) [ذكر واقعته مع ابن القُدُوري] (٢): قدم على العزيز في أيام السُّلْطان محمود -وهو حينئذٍ متولِّي ديوان الاستيفاء- رجلٌ يعرف بابنِ القدوري من أهل الشَّام، فمدحه بقصيدةِ ابنِ الخَيَّاط التي [قالها في مدح أبي النجم هبة الله بن بديع الأصبهاني وزير تاج الدولة تتش، وكان ابنُ الخَيَّاط قد سافر مع الوزير من دمشق إلى العراق، وورد الرَّي، والقصيدة طويلة، وأولها: [من الطويل] أيا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلا على ظُلْمي … ويا حبُّ ما أَبْقَيتَ منِّي سوى الوَهْمِ وقد ذكرناها في ترجمة ابنِ الخياط في سنة سبع عشرة (٣) وخمس مئة، فلما حضر القُدُوري بين يدي العزيز امتدحه بها، وأنشده إياها، فاهَتزَّ] (٤) العزيز لأَوَّلها، فلما بلغ إلى المخلص وقد غَيَّره بأبياتٍ ضعيفةٍ [ركيكة] (٥)، أطرقَ العزيز [ساعة] (٥)، ثم قام ودخل، واستدعاه [وأدناه منه] (٥)، وقال له: اصدُقني، لِمَنْ هذا الشِّعْر، وسوف ترى ما أفعل معك؟ فقال له: يا سيدي، والله ما أنا شاعر، وإنما جار عليَّ الزَّمان وافتقرت، فَقَصَدْتُك طالبًا إحسانَك، والقصيدُ لابنِ الخَيَّاط. فاصفَرَّ لونُ العزيز، وقال له: طِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَينًا. ودَفَعَ إليه مئةَ دينار، وثوبًا أَطْلَس، وعِمامةَ قَصَب، ونوَّه بذكره في المجالس [والمحافل] (٥). وقال: شاعِرٌ مجيد. فأثرى الرجل بعد فَقْرٍ، واستغنى.

стр. 9690

[قلت: وهذه الحكاية تدل على مكارم أخلاق العزيز، ولا يوجد مثلها في السمع والأراجيز، وكم له من فضائل وفواضل عديدة، وقد استوفى العماد أخباره في "الخريدة"، وكان الواجب ذكره في أول "الخريدة"] (١). بُوري بن [أتابك (٢) طْغتِكين [صاحب دمشق] (٢) (٣) كان حليمًا شجاعًا شَهْمًا [وذكره جماعةٌ في تواريخ الشام، منهم الحافظ ابن عساكر، فقال:] (٢) ولد في رمضان سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مئة، وولي إمرة دمشق بعد موت أبيه سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكانت سيرتُه سيرةً قريبة، وكان فيه سماحة، وقَتَلَ أبا علي بن المَزْدَقاني والإسماعيلية، [ولم يزل واليًا على دمشق حتى وثب عليه اثنان من الباطنية يوم الخميس لخمسٍ خَلَوْن من جمادى الآخرة، وقيل: يوم الاثنين حادي عشرين رجب من سنة ست وعشرين وخمس مئة] (٤). وقال [غيرُ] (٢) ابنِ عساكر: بعث إليه الإسماعيلية رجلين، فضرباه بالسَّكاكين، وقد خَرَجَ من الحَمَّام، وهو مُلْبِس (٥)، فأثَّر فيه بعضَ الأثر. وكان قد اعتقل وجيه الدولة بن الصُّوفي، فَعَلِمَ أَنَّ الصواب معه في تتَبُّعِ الباطنية، فأَطْلَقه، ورده إلى رياسته، وأقام ينتقض عليه الجُرْحُ تارةً، ويندمل تارة، [فلما كان في رجب من هذه السنة انتقض عليه، فمات] (٢). ولما احْتُضِرَ أوصى إلى ولده شمسِ الملوك إسماعيل، فكانت ولايتُهُ ثلاثَ سنين وشهورًا. وقد مدحه ابنُ الخَيَّاط فقال: [من الطويل]

стр. 9691

لقد كَرَّمَ الله ابنَ دَهْرٍ تَسُودُهُ … وشَرَّفَ يا تاجَ الملوكِ بك الدَّهْرا وَمَنَّ على هذا الزَّمانِ وأهلِهِ … بأرْوَعَ (١) لا يعصي الزَّمانُ له أَمْرا إذا قلتُ في تاجِ الملوك قصيدةً … من الشِّعْرِ قالوا قد مَدَحْتَ به الشِّعْرى (٢) (٣) ولما ولي ولده إسماعيل بعده أحسن السِّياسة والسِّيرةَ، وبَسَطَ العَدْل، وأحسن إلى الأجناد، ورَدَّ التدبير إلى يوسف بن فيروز شِحْنة دمشق حاجب أبيه، وأزال المكوس والضَّمانات والمُؤَن. وكان أخوه شمس الدولة محمد بن بُوري ببَعْلَبَكّ قد تعرَّض لحِصن اللَّبْوة والرأس، واستنزل منهما من كان أبوه قرَّرهم فيهما، فراسله شمسُ الملوك بإعادتهما إلى مَنْ رَتَّبه أبوه فيهما، فأبى، فخرج من دمشق في ذي القَعدة، ومعه آلاتُ القتال، وورَّى بمكانٍ آخر، ثم سارَ من طريق غير معهود، فنازل الحِصْنَين، ففتحهما، وجاء إلى بَعْلَبكّ، فتحصَّن منه أخوه بالحرامية وغيرهم، فدخل رَبَضَ بعلبك وملكه، وقتل من أهلها مَنْ قاتله، ونَصَبَ المجانيق على القلعة، فلما أَحَسَّ أخوه بالهلاك بَذَلَ له الطَّاعة، وأن يقرَّه على ما كان بيده في أيام بُوري، فأجابه، ووفى له (٤). عبد الكريم بن حمزة بن الخَضِر، أبو محمد السُّلَمي (٥) دمشقي، سمع الكثير [ولقي الشيوخ] (٦)، وتوفي بدمشق [سمع أبا بكر الخطيب، وأبا الحسن بن أبي الحديد وغيرهما، وروى عنه الحافظ ابن عساكر وغيره. وقال عبد الكريم: أنشدنا الخطيب، عن رضوان بن الدِّينَوري، عن أبي حاتم الخزاعي، قال: أنشدنا أبو القاسم العِجْلي لنفسه] (٧): [من البسيط]

стр. 9692

الضَّيفُ مُرْتَحِلٌ والمالُ عارِيَةٌ … وإنّما النَّاسُ في الدُّنيا أحاديثُ فلا تَغُرَّنَّك الدُّنيا وزَهْرَتُها … فإنَّها بعدَ أيامٍ مواريثُ واعملْ لنفسِكَ خيرًا تَلْقَ نائِلَهُ … فالخيرُ والشَّرُّ بعدَ الموتِ مبثوثُ (١) محمد بن أحمد بن يحيى، أبو عبد الله العُثْماني، المَقْدِسي (٢) من ولد محمد الدِّيباج (٣)، وهو من أهل نابلُس، وأصله من مكَّة، ونَزَلَ القُدْس، ولد سنة اثنتين وستين وأربع مئة ببيروت، وسمع الحديث [بمَكة والشام وبغداد] (٤)، وجاور بمكة، وتولَّى عمارة الحَرَم، وقَدِمَ بغداد، وجَلَسَ للوعظ بجامع الخليفة، ودَرَّس بالنِّظامية، وكان له عند الخليفة والنَّاسِ جاه وحُرْمةٌ، لصيانته وعِفَّته ولزومه مسجده (٥). [قال جَدِّي ﵀: وسمعته ينشد: [من الخفيف] دَعْ جُفوني يحقُّ لي أَنْ أَنُوحا … لم تَدَعْ لي الذُّنوبُ قَلْبًا صحيحا أَخْلَقَتْ بَهْجتي أكفُّ المعاصي … ونعاني المشيبُ نعْيًا فَصِيحا كلَّما قلتُ قد برا جُرْحُ قلبي … عادَ قلبي من الذُّنوبِ جريحا إنما الفوزُ والنَّعيمُ لعبدٍ … جاءَ في الحَشْرِ آمنًا مستريحا وكانت وفاته ببغداد في صفر، ودفن بمقبرة الوردية، وقيل: إنه مات في سنة سبع وعشرين (٦) وخمس مئة. كذا قال جدي في "المنتظم" (٧)، وقال: هو محمد بن أحمد

стр. 9693

من ولد محمد الدِّيباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁، قال: وهو من أهل نابلس، ويقال له المقدسي، قال: وكان غاليًا في مذهب الأَشْعري. وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: سمع بمكة نَصر بن مرزوق الزَّعفراني (١)، وبدمشق نَصْرًا المقدسي، وببغداد شيوخ ذلك العَصر، قال: وسمعت منه بمكة وبغداد، وكان قد جَمَعَ بين العلم والزهد والورع، وحسن الخلق وكثرة المروءات، وكانت وفاته ببغداد] (٢). [فصل: وفيها توفي: محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفَرَّاء (٣) أبي الحسين بن أبي يعلى. ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، وتفقَّه في مذهب أحمد، وناظر وأفتى، وكان يبيتُ في داره بباب المراتب وَحْده، وكان له مالٌ كثير، وعَلِمَ به خُدَّامُه، فدخلوا عليه ليلةً، فَقَتلوه، وأخذوا المال، وذلك ليلة الجمعة عاشر المحرَّم، ثم إنَّ الله أوقعهم كلَّهم، فَقُتِلوا. سمع أبا يعلى، والخطيب، وابن النَّقور، وغيرهم، وكان ثِقَةً] (٤). السَّنة السَّابعة والعشرون وخمس مئة فيها خُطِبَ لمسعود ببغداد، ومِنْ بعده لابن أخيه داود، وخُلِعَ عليهما، وعلى سُنْقُر الأحمديلي بباب الحجرة.

стр. 9694

وأرسل الخليفةُ مضاربه فَضُربتْ بالرَّمْلة (١)، وأصبح فنزل في شبَّارةٍ مُصعِدًا إلى التُّسْتَريين (٢)، وفي صَدْرِ السفينة يرنقش البازْدار، وبيده سيفٌ مسلولٌ، وسُنْقُر الأحمديلي قائمًا بين يديه، والخدم والخواصّ حوله، وصَعِدَ من الشَّبَّارة، وركب ومضى إلى المضارب، والناسُ مشاةٌ بين يديه، ومشى الملكان مسعود وداود بين يديه مسافةً يسيرة، وأمرهما بالركوب، وسيِّرهما إلى هَمَذَان، وضَمَّ إليها نَظَر الخادم، ومعه مهدُ الخليفة، وخيمة سوداء، ولواءٌ أسود، وخرج إليهم طُغْريل، فهزموه، واستقرَّ مسعود بهمذان، ووثَبَ جماعةٌ من الباطنية على الأحمديلي، فقتلوه. واتُّهم مسعود أَنَّه وَضَعَهم عليه. وفيها عَزَمَ المسترشدُ على المسير إلى المَوْصِل، وعَبَرَ، ونزل في الدَّار الزَّكوية التي على الصَّراة، ثم رَحَلَ إلى الرَّمْلة ومعه نيِّفٌ وثلاثون أميرًا واثنا عشرة ألف فارس، وكان بِهْروز بقلعة تكريت، فأَرْسَلَ إليه الخليفة بالنزول عنها وتسليمها والمال الذي فيها، فأجابَ بأني رجلٌ كبير، ولا طاقةَ لي بالخِدْمة. وأرسل بالمال والضِّيافات، فأعفاه من النُّزول. وسار الخليفةُ إلى المَوْصِل، فوصَلَها في العشرين من رمضان، فأقام ثمانين يومًا على حِصارها، وبَعَثَ إليه زَنْكي: أنا أُعطيك الأموال، وأدخل في الطَّاعة، وارْحَلْ عني. فلم يجبه. ثُمَّ رَحَلَ عقيبَ ذلك، لأَنَّه بلغه أنَّ مسعودًا غَدَرَ بالأحمديلي وقَتَلَه، وخَلَعَ على دُبَيس. وعاد الخليفةُ إلى بغداد في ذي الحِجَّة. وفيها فَتَحَ شمسُ الملوك صاحبُ دمشق بانياس، وكان الفرنج لما أخذوها طَمِعُوا في المُسْلمين، وقووها بالرِّجال والسِّلاح، وعزموا على نَقْضِ الهُدْنة، وبلغ شمسَ الملوك، فسار إليها بخَيْله ورَجْلِهِ، وقاتلهم قتالًا شديدًا أيامًا، فلمَّا كان يومُ الأحد غُرَّة صَفَر زَحَفَ إليها، وترجَّل وترجَّلَتِ العساكر بأَسْرها، وطمُّوا الخندق، وهَجَموا البلد، وقتلوا من الفرنج خلْقًا كثيرًا، والتجأ الخَيَّالة والفرسان إلى الحِصن، فحصرهم،

стр. 9695

فصاحوا: الأمان، فأَمَّنهم، ونزلوا، فأَسَرَهم جميعًا، وعادَ إلى دمشق لستِّ [ليالٍ] (١) خَلَوْن من صفر بالغنائم، والأسرى في الحبال، والرؤوس على الرِّماح والقَصَب، وكان فَتْحًا عظيمًا [لم ير أهلُ دمشق مثله] (١). وسار شمسُ الملوكِ إلى حماة، وبها نُوَّاب زَنْكي، فأقام عليها أيامًا، وحَصَرها، وقاتلوه، ففتحها عَنْوَةً، وقيل: بالأمان في رمضان. وفيها توفي كريمُ المُلْك أبو الفَضْل أحمد بن عبد الرزاق وزير شمس الملوك في ذي الحِجَّة، فحَزِنَ النَّاسُ عليه، لأَنَّه كان حَسَنَ السِّيرة، كريمَ الأخلاقِ، مُحِبًّا للصَّالحين وأهلِ الخير، جَوَادًا، مُمَدَّحًا. فصل وفيها نَزَلَ صاحِبُ القُدْس على السَّاحل، وجمع الفرنج، وقَصَدَ حلب، ووصل [إلى] (١) قِنَّسْرين، فخرج إليه سوار نائب زَنْكي في العَسْكر، والتقوا، فَقُتِلَ من الفريقين نحو مئتين من الأعيان، وانهزمَ سوارَ إلى حلب، وتَبعهم الفرنج، وجاء من حلب جماعةٌ، فرجع سوار إلى الفرنج، فقتل منهم مقتلةً عظيمة، وانهزموا إلى أَنْطاكية. وفيها توفي أحمد بن سلامة بن عبيد الله (٢) بن مَخْلَد (٣) أبو العَبَّاس بن الرُّطَبي [الكرْخي] (١). تفقَّه [على أبي إسحاق الشِّيرازي وغيره] (١)، وسمع الحديث، وولي القضاء بحريمِ دار الخليفة، والحِسْبة أيضًا، وكان يؤدِّب أولاد الخليفة، وكان ثقة، وتوفي في رجب، [وصُلِّي عليه بجامع القَصر] (١)، ودفن بباب أبرز إلى جانب أبي إسحاق الشِّيرازي.

стр. 9696

[وحكى صاحبه موسى بن غريب بن شبابة قال] (١): دخلتُ عليه وهو في الموتِ، وهو يأمر بتجهيزه وتكفينه ومَوْضِع قبره، وما على قلبه من الموت، كأنَّه ينتقل من دار إلى دار. [سمع أبا القاسم البُسْري وغيره، وكان ثقة] (٢). أحمد بن الأفضل (٣) أمير الجيوش، ويلقب بالأكمل. ولي تدبير أمر مِصر كما ينبغي، واستولى على الحافظ، فحسده جماعةٌ، [ودبَّروا في قتله فقال قوم: ركبَ] (٤) يومًا في المَيدان ومعه غِلْمانٌ بغير سلاح، فَوَثَبَ عليه جماعةٌ، فقتلوه. وقيل: خَرَجَ إلى بُسْتانه، فوثَبَ عليه جماعةٌ من غِلْمان الخاصَّة، فقتلوه، وحملوا رأسه إلى الحافظ، فَسُرَّ بقَتْله، لأَنَّه كان قد حَجَرَ عليه. واستوزر يانس الكاتب، ولقبه أمير الجيوش، واستصفى أموال الأكمل، فكانت ثلاث مئة ألف دينار. [وفيها توفي عبد الباقي بن عبد الله بن محمد (٥) أبو المعالي، العَطَّار الدِّمَشْقي، سمع الحديث، وتوفي بدمشق، ودفن بمقبرة الكهف بقاسيون، سمع أبا عبد الله بن أبي الحديد وغيره، وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر، وكان صالحًا، ثِقَةً] (٢). أحمد بنُ عَمَّار بنِ أحمد بن عَمّار (٦) أبو عبد الله، الحسيني، الكوفي، العالم الفاضل، الفصيح.

стр. 9697

قدم بغداد، ومدح الوزير ابنَ صَدَقة بقوله: خلِّهِ تُنْضِ ليله الأَنضاءُ وقد ذكرناها في ترجمة ابن صَدَقة (١). ومن شِعْره: [من السريع] وشادِنٍ في الشّرْبِ قد أُشْرِبَتْ … وَجْنَتُهُ ما مَجَّ راووقُهُ (٢) ما شُبِّهَتْ يومًا أبارِيقُهُ … بريقِهِ إلَّا أبى رِيقُهُ (٣) وقال: [من الكامل] يا بانةَ العَلَمَينِ كَمْ من مَعْلَمٍ … فَتَكَتْ مَهَاهُ بالكَمِيِّ المُعْلَمِ سَلَّتْ عليه ظُبَى السُّيوفِ ظِباؤه … وقَضَتْ بلا جُرْحٍ دماه على الدَّمِ يا للعلى أَيَضِلُّ مِثْلي فيكُمُ … ما بينَ أطلالٍ وبينَ معالِمِ وتحكُّم الأعداءِ فيَّ وطالما … أصبحتُ أَحْكُمُ في مليكٍ حاكمِ وإذا ركبتُ بجيشِ عَزْمٍ مُعْلَمٍ … يبدو كموج اللُّجَّةِ المُتَلاطِمِ في جَحْفَلٍ متعاضد متعاقِدٍ … في قَسْطَلٍ (٤) متراكبٍ متراكمِ وصواهِلٍ وصوائل وصوافنٍ … وصواعِقٍ وصوائب وصوارِمِ وإذا تفاخَرَتِ الرِّجالُ بهاشمٍ … غُرَرِ الأنامِ فنحن غُرَّةُ هاشمِ مِثْلي تَغَلْغَلَ في العلاءِ وحَلَّقَتْ … بجناحِهِ في المَجْدِ عَشْر قوادِم ورأى العُلا بِلِحاظ عاشٍ عاشقٍ … ورمى العِدى بشواظِ غاشٍ غاشِمِ (٥) علي بن عبد الله بن نَصر السَّرِي (٦) أبو الحسن، الزَّاغوني، الفقيه الحَنْبلي.

стр. 9698

ولد سنة خمسٍ وخمسين وأربعة مئة، وقرأ القرآن والأدب والفرائض والأصول، وتفقَّه وَوَعَظَ، وأنشأَ الخُطَب، وكان له حَلْقةٌ بجامعِ المنصور للنَّظر والوعظ، وتوفي يوم الأحد سابع عشرة المحرَّم، وصُلِّي عليه بجامع القَصر والمنصور، ودُفِنَ بباب حَرْب، سمع الصَّريفيني، وكان ثِقَةً. محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد (١) أبو سعيد النَّيسابوري. ولد سنة أربع (٢) وأربعين وأربع مئة، وقَدِمَ بغداد، وكان رئيس نَيسابور، وقاضيها، وله دُنيا واسعة، ومنزلة عالية عند الخاصّ والعام، وتوفي بنيسابور يوم السبت غُرَّة ذي الحِجَّة (٣)، وكان نبيلًا، ثِقَةً. محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم (٤) أبو بكر المَزْرَفي. ولد سنة تسع وثلاثين (٥) وأربع مئة، وسمع الكثير، وانفرد بعلم الفرائض. وتوفي في سجوده في المحرَّم، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان ثَبْتًا صالحًا، متعبِّدًا صدوقًا، ثِقَةً. السَّنة الثَّامنة والعشرون وخمس مئة فيها وصلتْ هدَايا زَنْكي، واتَّفَقَ مع الخليفة.

стр. 9699

وعُزِلَ أنوشروان من غير أن يُؤْذى، بل نزل في الليل [بنفسه] (١) في سفينةٍ إلى داره بالحريم الطَّاهري، وأُعيد أبو القاسم بن طِرَاد إلى الوزارة، وخُلِعَ عليه، وزِيدَ في فُرُشه الطَّوق، وأُعطي الكوسات والأعلام. وفيها قَدِمَ رسولٌ من سنجر يَطْلُبُ الخِلَع، فبعث له الخليفة خِلَعًا بمئةِ ألفٍ وعشرين ألف دينار مع ابن الأنباري. وبَعَثَ الخليفةُ إلى تَكْريت، فَحَصَرها وفيها بِهرْوز، فصانَعَ بمالٍ، فَقُبِلَ منه. وفيها قدم البقش السِّلاحي؛ من كبار أُمراء الأتراك إلى بغداد، وعَرَضَ الخليفةُ العساكر يوم عيد الفطر، وركب الوزير شرف الدِّين وقاضي القُضَاة، والنَّقيبان وأربابُ الدَّولة، فكانوا خمسة عشرة ألف فارس، ولم يُرَ عيدٌ اجتمع فيه أربابُ الدولة إلا هذا. وفيها عاد طُغْريل إلى هَمَذَان، ومالتِ العساكر إليه، وانحلَّ أمرُ أخيه مسعود، وبَعَثَ الخليفة إلى مسعود يطلبه ليرفع منه، فَدَخَلَ بغداد متخفيًا في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة بمالٍ وتُحَف، ووَقَعَ الخليفةُ بُملَطِّفات من بعض الأُمراء إلى طُغْريل فطلبهم، فهربوا إلى مسعود، واستجاروا له، فأرسل الخليفةُ يطلبهم منه، فامتنع، وقال: قد استجاروا بي. فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأُنَصِّبُكَ مرَّة بعد أخرى وأنت تفعل هذا؟! ووقع الاختلاف، واختلط العسكر، ومدُّوا أيديهم إلى المال والحريم. فأرسل الخليفة إلى مسعود يقول: انصرف إلى بعض الجهات بالعسكر الذين صاروا إليك. فنزل بدار الغَرَبة رابع عشرين ذي الحِجَّة، وتواترت الأخبار بمجيء طُغْريل إلى بغداد، فلمَّا كان يوم السبت سَلْخ ذي الحجة بعث الخليفة بالخِلَع، والتَّاج والطَّوق، وتخوت الثِّياب، وثلاثين ألف دينار إلى مسعود، فأخذ الجميعَ، ولم يرحل. وفيها حاصر شمسُ الملوك صاحبُ دمشق شقيف تيرون المطلّ على بيروت وصَيدا، وكان فيه الضَّحَّاك بن جَنْدل، فانتزعه منه، وعَوَّضه ضياعًا. وفيها خَرَجَ شمسُ الملوك يتصيَّدُ، فانفردَ عن أصحابه، فَوَثَبَ عليه أحدُ مماليك جَدِّه طُغْتِكِين، ويعرف بإيلبا، فضربه بالسَّيف ضربةً هائلة، أراد، قطع رأسه، فانقلبَ

стр. 9700

السيفُ من يده، فرمى بنفسه إلى الأرض، فضربه أُخرى، فوقعت في عُنُق الفرس، فأَتْلَفَتْه وحال بينهما الفرس، [وأدركته العساكر] (١) وكانوا بصَيدنايا وجبة عسال (٢)، وانهزم إيلبا، وعادَ شمسُ الملوك إلى دمشق سالمًا، وبثَّ الغِلْمان في طلبه، فقاتلهم، ثم ظفروا به، فلما جاؤوا به إليه قال [له] (٣): ما الذي حَمَلك على ما صنعتَ؟ قال: لم أفعله إلا تقرُّبًا إلى الله تعالى لأريح المسلمين منك، لأنَّك قد ظلمت المساكين، وضعفاء النَّاس [من أهل الضّياع والمتعيشين] (٣)، وإن معي فلانًا وفلانًا، وكلُّنا اتفقنا عليك. فجمع المتهومين، وقَتَلَ الجميعَ صبرًا، وأولُ ما قَتَلَ إيلبا [ولامه النَّاسُ حيث قَتَلَ الغِلْمان بقولِ هذا الجاني من غير بينة ظهرت] (٣)، ولم يكفه قَتْلُ المتهومين ظُلْمًا حتى اتَّهم أخاه سونج، فتركه في بيتٍ، وسدَّ عليه الباب، فمات جوعًا، ثم بالغ في سَفْكِ الدِّماء والظلم والأفعال القَبيحة، ولم يقف عند حَدٍّ، [وسنذكر قتله في السنة الآتية] (٣). وفيها وقع الخُلْفُ بين ولدي الحافظ أبي علي الحسن ولي العهد وبين أخيه أبي تراب حَيدَرة بمصر، وانقسم الجُنْدُ فريقين؛ أحدهما إلى مذهب السُّنَّة، والثَّاني إلى مذهب الشِّيعة، ووقع القتال، فكان النَّصرُ لولي العهد، وأباد من تبع أخاه من السُّودان وغيرِهم بالقَتْلِ. وفيها نَقَضَ الفرنج الهُدْنة، ونزلوا حوران، وخرج شمسُ الملوك إليهم في حشده [وجمعه] (٣)، وخيم بإزائهم، [وكانوا في جَمْع عظيم] (٣) فلما رأى [شمس الملوك] (٣) أنه لا طاقة له بهم غافلهم في الليل ورحل نحو طبرية وعكا وصور والسَّاحل، فقتل وسبى، وغَنِم غنائم كثيرة، وعاد إلى دمشق على طريق الشَّعْراء، ورحل الفرنج إلى بلادهم، فساءهم ما رأوا من الخراب والنَّهب، فذلوا وتفرَّقوا، وذلك في ذي الحِجَّة.
следующие страницы →