[وحكى صاحبه موسى بن غريب بن شبابة قال] (١): دخلتُ عليه وهو في الموتِ، وهو يأمر بتجهيزه وتكفينه ومَوْضِع قبره، وما على قلبه من الموت، كأنَّه ينتقل من دار إلى دار.
[سمع أبا القاسم البُسْري وغيره، وكان ثقة] (٢).
أحمد بن الأفضل (٣)
أمير الجيوش، ويلقب بالأكمل.
ولي تدبير أمر مِصر كما ينبغي، واستولى على الحافظ، فحسده جماعةٌ، [ودبَّروا في قتله فقال قوم: ركبَ] (٤) يومًا في المَيدان ومعه غِلْمانٌ بغير سلاح، فَوَثَبَ عليه جماعةٌ، فقتلوه. وقيل: خَرَجَ إلى بُسْتانه، فوثَبَ عليه جماعةٌ من غِلْمان الخاصَّة، فقتلوه، وحملوا رأسه إلى الحافظ، فَسُرَّ بقَتْله، لأَنَّه كان قد حَجَرَ عليه. واستوزر يانس الكاتب، ولقبه أمير الجيوش، واستصفى أموال الأكمل، فكانت ثلاث مئة ألف دينار.
[وفيها توفي
عبد الباقي بن عبد الله بن محمد (٥)
أبو المعالي، العَطَّار الدِّمَشْقي، سمع الحديث، وتوفي بدمشق، ودفن بمقبرة الكهف بقاسيون، سمع أبا عبد الله بن أبي الحديد وغيره، وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر، وكان صالحًا، ثِقَةً] (٢).
أحمد بنُ عَمَّار بنِ أحمد بن عَمّار (٦)
أبو عبد الله، الحسيني، الكوفي، العالم الفاضل، الفصيح.
стр. 9697
قدم بغداد، ومدح الوزير ابنَ صَدَقة بقوله:
خلِّهِ تُنْضِ ليله الأَنضاءُ
وقد ذكرناها في ترجمة ابن صَدَقة (١).
ومن شِعْره: [من السريع]
وشادِنٍ في الشّرْبِ قد أُشْرِبَتْ … وَجْنَتُهُ ما مَجَّ راووقُهُ (٢)
ما شُبِّهَتْ يومًا أبارِيقُهُ … بريقِهِ إلَّا أبى رِيقُهُ (٣)
وقال: [من الكامل]
يا بانةَ العَلَمَينِ كَمْ من مَعْلَمٍ … فَتَكَتْ مَهَاهُ بالكَمِيِّ المُعْلَمِ
سَلَّتْ عليه ظُبَى السُّيوفِ ظِباؤه … وقَضَتْ بلا جُرْحٍ دماه على الدَّمِ
يا للعلى أَيَضِلُّ مِثْلي فيكُمُ … ما بينَ أطلالٍ وبينَ معالِمِ
وتحكُّم الأعداءِ فيَّ وطالما … أصبحتُ أَحْكُمُ في مليكٍ حاكمِ
وإذا ركبتُ بجيشِ عَزْمٍ مُعْلَمٍ … يبدو كموج اللُّجَّةِ المُتَلاطِمِ
في جَحْفَلٍ متعاضد متعاقِدٍ … في قَسْطَلٍ (٤) متراكبٍ متراكمِ
وصواهِلٍ وصوائل وصوافنٍ … وصواعِقٍ وصوائب وصوارِمِ
وإذا تفاخَرَتِ الرِّجالُ بهاشمٍ … غُرَرِ الأنامِ فنحن غُرَّةُ هاشمِ
مِثْلي تَغَلْغَلَ في العلاءِ وحَلَّقَتْ … بجناحِهِ في المَجْدِ عَشْر قوادِم
ورأى العُلا بِلِحاظ عاشٍ عاشقٍ … ورمى العِدى بشواظِ غاشٍ غاشِمِ (٥)
علي بن عبد الله بن نَصر السَّرِي (٦)
أبو الحسن، الزَّاغوني، الفقيه الحَنْبلي.
стр. 9698
ولد سنة خمسٍ وخمسين وأربعة مئة، وقرأ القرآن والأدب والفرائض والأصول، وتفقَّه وَوَعَظَ، وأنشأَ الخُطَب، وكان له حَلْقةٌ بجامعِ المنصور للنَّظر والوعظ، وتوفي يوم الأحد سابع عشرة المحرَّم، وصُلِّي عليه بجامع القَصر والمنصور، ودُفِنَ بباب حَرْب، سمع الصَّريفيني، وكان ثِقَةً.
محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد (١)
أبو سعيد النَّيسابوري.
ولد سنة أربع (٢) وأربعين وأربع مئة، وقَدِمَ بغداد، وكان رئيس نَيسابور، وقاضيها، وله دُنيا واسعة، ومنزلة عالية عند الخاصّ والعام، وتوفي بنيسابور يوم السبت غُرَّة ذي الحِجَّة (٣)، وكان نبيلًا، ثِقَةً.
محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم (٤)
أبو بكر المَزْرَفي.
ولد سنة تسع وثلاثين (٥) وأربع مئة، وسمع الكثير، وانفرد بعلم الفرائض. وتوفي في سجوده في المحرَّم، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان ثَبْتًا صالحًا، متعبِّدًا صدوقًا، ثِقَةً.
السَّنة الثَّامنة والعشرون وخمس مئة
فيها وصلتْ هدَايا زَنْكي، واتَّفَقَ مع الخليفة.
стр. 9699
وعُزِلَ أنوشروان من غير أن يُؤْذى، بل نزل في الليل [بنفسه] (١) في سفينةٍ إلى داره بالحريم الطَّاهري، وأُعيد أبو القاسم بن طِرَاد إلى الوزارة، وخُلِعَ عليه، وزِيدَ في فُرُشه الطَّوق، وأُعطي الكوسات والأعلام.
وفيها قَدِمَ رسولٌ من سنجر يَطْلُبُ الخِلَع، فبعث له الخليفة خِلَعًا بمئةِ ألفٍ وعشرين ألف دينار مع ابن الأنباري.
وبَعَثَ الخليفةُ إلى تَكْريت، فَحَصَرها وفيها بِهرْوز، فصانَعَ بمالٍ، فَقُبِلَ منه.
وفيها قدم البقش السِّلاحي؛ من كبار أُمراء الأتراك إلى بغداد، وعَرَضَ الخليفةُ العساكر يوم عيد الفطر، وركب الوزير شرف الدِّين وقاضي القُضَاة، والنَّقيبان وأربابُ الدَّولة، فكانوا خمسة عشرة ألف فارس، ولم يُرَ عيدٌ اجتمع فيه أربابُ الدولة إلا هذا.
وفيها عاد طُغْريل إلى هَمَذَان، ومالتِ العساكر إليه، وانحلَّ أمرُ أخيه مسعود، وبَعَثَ الخليفة إلى مسعود يطلبه ليرفع منه، فَدَخَلَ بغداد متخفيًا في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة بمالٍ وتُحَف، ووَقَعَ الخليفةُ بُملَطِّفات من بعض الأُمراء إلى طُغْريل فطلبهم، فهربوا إلى مسعود، واستجاروا له، فأرسل الخليفةُ يطلبهم منه، فامتنع، وقال: قد استجاروا بي. فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأُنَصِّبُكَ مرَّة بعد أخرى وأنت تفعل هذا؟! ووقع الاختلاف، واختلط العسكر، ومدُّوا أيديهم إلى المال والحريم. فأرسل الخليفة إلى مسعود يقول: انصرف إلى بعض الجهات بالعسكر الذين صاروا إليك. فنزل بدار الغَرَبة رابع عشرين ذي الحِجَّة، وتواترت الأخبار بمجيء طُغْريل إلى بغداد، فلمَّا كان يوم السبت سَلْخ ذي الحجة بعث الخليفة بالخِلَع، والتَّاج والطَّوق، وتخوت الثِّياب، وثلاثين ألف دينار إلى مسعود، فأخذ الجميعَ، ولم يرحل.
وفيها حاصر شمسُ الملوك صاحبُ دمشق شقيف تيرون المطلّ على بيروت وصَيدا، وكان فيه الضَّحَّاك بن جَنْدل، فانتزعه منه، وعَوَّضه ضياعًا.
وفيها خَرَجَ شمسُ الملوك يتصيَّدُ، فانفردَ عن أصحابه، فَوَثَبَ عليه أحدُ مماليك جَدِّه طُغْتِكِين، ويعرف بإيلبا، فضربه بالسَّيف ضربةً هائلة، أراد، قطع رأسه، فانقلبَ
стр. 9700
السيفُ من يده، فرمى بنفسه إلى الأرض، فضربه أُخرى، فوقعت في عُنُق الفرس، فأَتْلَفَتْه وحال بينهما الفرس، [وأدركته العساكر] (١) وكانوا بصَيدنايا وجبة عسال (٢)، وانهزم إيلبا، وعادَ شمسُ الملوك إلى دمشق سالمًا، وبثَّ الغِلْمان في طلبه، فقاتلهم، ثم ظفروا به، فلما جاؤوا به إليه قال [له] (٣): ما الذي حَمَلك على ما صنعتَ؟ قال: لم أفعله إلا تقرُّبًا إلى الله تعالى لأريح المسلمين منك، لأنَّك قد ظلمت المساكين، وضعفاء النَّاس [من أهل الضّياع والمتعيشين] (٣)، وإن معي فلانًا وفلانًا، وكلُّنا اتفقنا عليك. فجمع المتهومين، وقَتَلَ الجميعَ صبرًا، وأولُ ما قَتَلَ إيلبا [ولامه النَّاسُ حيث قَتَلَ الغِلْمان بقولِ هذا الجاني من غير بينة ظهرت] (٣)، ولم يكفه قَتْلُ المتهومين ظُلْمًا حتى اتَّهم أخاه سونج، فتركه في بيتٍ، وسدَّ عليه الباب، فمات جوعًا، ثم بالغ في سَفْكِ الدِّماء والظلم والأفعال القَبيحة، ولم يقف عند حَدٍّ، [وسنذكر قتله في السنة الآتية] (٣).
وفيها وقع الخُلْفُ بين ولدي الحافظ أبي علي الحسن ولي العهد وبين أخيه أبي تراب حَيدَرة بمصر، وانقسم الجُنْدُ فريقين؛ أحدهما إلى مذهب السُّنَّة، والثَّاني إلى مذهب الشِّيعة، ووقع القتال، فكان النَّصرُ لولي العهد، وأباد من تبع أخاه من السُّودان وغيرِهم بالقَتْلِ.
وفيها نَقَضَ الفرنج الهُدْنة، ونزلوا حوران، وخرج شمسُ الملوك إليهم في حشده [وجمعه] (٣)، وخيم بإزائهم، [وكانوا في جَمْع عظيم] (٣) فلما رأى [شمس الملوك] (٣) أنه لا طاقة له بهم غافلهم في الليل ورحل نحو طبرية وعكا وصور والسَّاحل، فقتل وسبى، وغَنِم غنائم كثيرة، وعاد إلى دمشق على طريق الشَّعْراء، ورحل الفرنج إلى بلادهم، فساءهم ما رأوا من الخراب والنَّهب، فذلوا وتفرَّقوا، وذلك في ذي الحِجَّة.
стр. 9701
فصل: وفيها توفي
أحمد بن إبراهيم، أبو الوفاء، الفيروزابادي (١)
وفيروزاباد: حَدُّ بلاد فارس.
سمع الحديث، وخَدَمَ المشايخ الصُّوفية، وكان حافظًا لِسِيَرهم وأَشْعارهم، كرِيمَ الأخلاق، لطيفًا، جَوَادًا، وسكَنَ رِباط الزُّوْزَني مقابل جامع المنصور، وكان يسمعُ الغِناء [على عادتهم، وكان] (٢) يقول لعبد الوهَّاب الأنماطي: إني لأدعو لك وقت السَّماع. فكان الأنماطي يتعجَّبُ، ويقول: أليس هذا يعتقدُ أنَّ ذلك وقت إجابة! وتوفي ليلة الاثنين حادي عشرة صَفَر، وحَضَر جِنازته خَلْقٌ كثير، منهم أربابُ الدولة، [وقاضي القضاة والنَّقيبان وخدم الخاصة] (٢)، ودُفِنَ على باب الرِّباط، وعُمِلَ له يوم السبت ثامن عشرة صفر دعوةٌ عظيمة، أُنفق فيها مالٌ كثير، بين جامع المنصور والرِّباط على عادة الصُّوفية إذا مات لهم ميت، لم يتخلَّف عنها أحد. [سمع من أبي طاهر الباقلاوي، وأبي الحسن الهَكَّاري، وغيرهم] (٢).
حسن بن إبراهيم بن علي (٣)
ابن بَرْهون، أبو علي، الفارِقي.
ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وتفقَّه على أبي إسحاق الشِّيرازي وغيره، وولي القضاء بواسط، وأعمالها، فتوفي بها في محرَّم عن ستٍّ وتسعين سنة، وهو سليمُ الحواس والعَقْل، وما زال يكرِّرُ الفِقْه إلى أن مات، وكان زاهدًا عابدًا، وَرِعًا مهيبًا، لا يحابي أحدًا في الحكومات.
стр. 9702
عبد الله بن محمد بن أبي بكر الشَّاشي (١)
ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، وتفقَّه، وأفتى وناظر [في زمان أبيه] (٢)، وكان ظريفَ الشَّمائل، حَسَنَ العبارة، [وكان] (٢) يعظ وينشئ الكلامَ المطابق والمجانس. قال يومًا في مجلس [من مجالس] (٢) وعظه: أين القدود العالية والخدود الوَرْدية، امتلأت بها العالية والوَرْدية. اسم مقبرتين بنهر مُعَلَّى.
وجلس يومًا آخر النهار في التَّاجية، وكان في السَّماء غيم، فارتجل في الطَّريق أبياتًا قالها في آخر المجلس، وهي: [من الرجز]
قَضِيَّةٌ أَعْجِبْ بها قَضِيَّهْ … جلوسُنا اللَّيلةَ في التَّاجِيَّهْ
والجوُّ في حُلَّتِةِ الفِضيَّةْ … صِقالُها قَعْقَعَةٌ رَعدِيَّهْ
أعلامُها شَعْشَعَةٌ بَرْقِيَّهْ … تَنْثُرُ مِنْ أرْدانها العِطْرِيَّهْ
ذائِبَ درٍّ يَنْشُرُ البَرِيَّهْ … والشَّمْسُ تبدو تارةً جَلِيَّهْ
ثُمَّ تراها مرةً خَفِيَّهْ … كأنَّها جاريةٌ حَيِيَّهْ
حتى إذا كانت (٣) لنا العَشِيَّهْ … نَضَّتْ لباسَ الغَيمِ بالكُلِّيهْ
وأَسْفَرَتْ في الجهةِ الغربيَّهْ … صفراءَ في مِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّهْ
كرامةٌ أعرفها شاشيَّهْ
[قلت: وأعجبُ من ذا أن بعض أشياخنا حكى لي] (٤) أنَّه قَدِمَ رجلٌ علوي، فجلس في التَّاجية آخر النهار، فذكر حديث رُدَّتِ الشَّمْسُ لعلي ﵇ (٥)، ثُمَّ شَرَعَ في
стр. 9703
مناقب أهل البيت، فارتفعت سحابةٌ، فغطَّتِ الشَّمْسَ، وأظلمتِ الدُّنيا حتى خُيِّلَ للنَّاس أَنَّ الشمس قد غَرَبَتْ، فأومى العَلَوي إلى جهة المغرب، وارتجل [وقال] (١):
[من الكامل]
لا تَغْرُبي يا شمسُ حتى ينتهي … مَدْحي لآلِ المُصطفى ولنَجْلِهِ
واثني عِنانَك إنْ أردتِ ثناءَهُمْ … أنسيتِ إذْ كان الوقوفُ لأَجْلِهِ
إنْ كان للمولى وقوفُكِ فليكُنْ … هذا الوقوفُ لخَيلِهِ ولرَجْلِهِ
فطلعت الشمس، فلم يبقَ إلا من رمى ثيابه على العلوي.
وتوفي ابنُ الشَّاشي في المحرَّم، ودُفِنَ عند قبر أبيه في تُرْبة أبي إسحاق الشِّيرازي [سمع أباه، وأبا عبد الله بن طلحة النِّعالي، وغيرهما] (١).
ومن شعره: [من الدوبيت]
الدَّمْعُ دمًا يسيلُ مِنْ أجفاني … إنْ عشتُ مع الفِراقِ ما أَجْفَاني
سِجْني شَجَني وحاكمي سَجَّاني … والعاذِل بالمَلامِ قد شَجَاني
والذِّكْرُ لهم يزيدُ في أَشْجاني … والنَّوْحُ معَ الحَمَامِ قد أَشْجاني
ضاقت ببعادِ منيتي أعطاني … والبينُ يدَ الهمومِ قد أعطاني
وفي ابن الشَّاشي يقول مَعْدَان بن كثير البالِسِي: [من الكامل]
يا كعبة الفَضْلِ افْتِنا لِمْ لَمْ يجبْ … فَرْضًا على قُصَّادِكَ الإحرامُ
ولمَ تُضَمِّخْ زائريك بطِيبِ ما … تُلْقِيه وَهْوَ على الحجيجِ حَرَامُ
عبد الواحد بن شُنَيف أبو الفرج الحَنْبلي (٢) [الدَّارَقَزِّي] (١)
[سمع الحديث وتفقه وبرع وأفتى وناظر، وكان أمينًا للقاضي] (١).
стр. 9704
توفي بعضُ أصحابه، وأوصى إليه بولده، فكان ينفق عليه مما خلَّفه أبوه و [وكان] (١) الضَّبيُّ [فَطِنًا] (١) يكتب ما ينفق عليه، فمَرِضَ الشيخ فقال للصبي: أيش بقي لك عندي؟ فقال: والله ما لي عندك شيء، لأَن ما ترك أبي أنفقته عليَّ، [فقال: بلى، وأخرج] (١) سبعين دينارًا، وقال: [خذ] (١) هذه [فهي] (١) لك، فإني كنتُ أتَّجر لك بشيءٍ من مالك، وهذه رِبْحُهُ.
وتوفي رجل بدار القَزِّ، وأوصى إليه أن يقسم ميراثه، فأعطى زوجته حَقَّها، وأعطى الباقي ذوي أرحامه، وكان ابن الرُّطبي على التَّرِكات، وعبد الواحد نائبه، فكتَبَ ابنُ الرُّطَبي إلى المسترشد يُخبره بما صنع [وقال: إنه ورث ذوي الأرحام] (٢) فكتَبَ الخليفة: نِعْمَ ما فعل إذْ عَمِلَ بمذهبه، والذَّنْبُ لمن استعملَ حنبليًّا في هذا، وقد عَلِمَ مذهبه.
[وقيل: إنه لم يكن عبد الواحد نائب ابن الرُّطَبي، وإنما توفي رجل حَشْري (٢) بدار القَزّ، وكان ابن الرُّطبي يتولى التَّرِكات، فكَتَبَ إليه ابنُ الرُّطبي بأن يتولى تَرِكَتَهُ، فَفَعَلَ فيها ما فعل] (١).
وتوفي عبدُ الواحد في شعبان، وخَلَّفَ مالًا كثيرًا.
عليُّ بنُ محمد، أبو الحسن العَنْبَري (٣)
ويقال له ابنُ دَوَّاس القَنَا، شاعِرٌ فصيح، أصله من البَصرة، وسكن وَاسِطًا، وتوفي بها.
ومن شعره: [من البسيط]
стр. 9705
هل أنتِ مُنْجِزَةٌ بالوَصلِ ميعادِي … أم أنتِ مُشْمِتَةٌ بالهَجْرِ حُسَّادِي
سألتُ طَيفَك إلمامًا فَضَنَّ به … ولو أَلَمَّ لأَرْوَى غُلَّةَ الصَّادي
يا ظَبْيَةَ الحَيِّ ما جِيدي بمنعطِفٍ … إلى سِواكِ ولا حَبْلي بمُنْقادِ
لولا هواكِ لما اسْتَلْمَعْتُ بارِقةً … ولا سألتُ حَمَامَ الدَّوْحِ إسعادي
ولا وقفتُ على الوادي أسائِلُهُ … بالدَّمعِ حتى رثى لي ساكنُ الوادي
رحلتُمُ وفؤادي في رحالِكُمُ … موزَّعٌ بين إتْهامٍ وإنجاد
إن تأسِرُوا فذوو عِزٍّ ومَقْدِرَةٍ … أو تُطْلِقُوا فذوو مَنٍّ وإرْفادِ (١)
إذا سَمَحْتُمْ بتقريبي ولم تَصِلُوا … حَبْلي فسِيَّانَ تَقْريبي وإبعادي (٢)
محمد بن عبد الله بن تُومَرْت المَصمُودي (٣)
صاحب المَغْرب.
كان قد رحل في شبيبته إلى الإسكندرية ومِصر والعراق، وحجَّ وحَفِظَ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وتَنَسَّك، وأَمَرَ بالمعروف، ونهى عن المنكر، وهَجَرَ لذَّات الدُّنيا، وعاد إلى المَغْرب، فانتهى إلى بِجَاية، فكَسَرَ بها آلاتِ اللَّهو، وأَهْراقَ الخمرَ، وخَرَجَ منها إلى قريةٍ يُقال لها: مَلَّالة، فرأى عبدَ المؤمن، فتفرَّس فيه، وسأله عن [قبيلته و] (٤) نسبه، فأخبره أَنَّه من قَيس من شعب الشَّريد بن مُسْلم (٥)، فقال محمد بن تُومَرْت لأصحابه: هذا الذي بَشَّر به النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "إن الله ينصُرُ هذا الدِّينَ في آخر الزَّمان
стр. 9706
برجلٍ من قيس سُلَيْم" (١)، واستبشر به ابنُ تُومَرْت، وعَلِمَ أَنَّه وارِثُه، وحامِلُ أمانته، ومقيمُ دعوته، وتوفي ابن تُومرت بمكانٍ يقال له تينمَل، وقبره ظاهر يُزار (٢).
وقال أبو يعلى بنُ القلانسي: حدَّثني مَنْ أثقُ به مِنْ أهل المغرب، أَنَّ الفقيه ابنَ تُومَرْت من جبل السُّوس، وأَصلُه مَصمُودي، وكان غايةً في الفِقْه، والدِّين، مشهورًا بالوَرَع والزُّهْد، وكان قد سافر إلى العراق، واجتمع بالأَئمة والفقهاء، وأَخَذَ عنهم، وناظر، وسمع الحديث، وعاد إلى مِصر، وقرأ على علمائها، ثم عاد إلى المغرب، ودعا إلى مذهب الفكر، وابتدأ ظهوره في سنة اثنتي عشرة وخمس مئة في مدينة تعرف بدرن في جبلٍ أوله في البحر المحيط وآخره في بحر الإسكندرية، وغَلَبَ على جبل السُّوس، واجتمع إليه خَلْقٌ كثير من قبائل المصامدة بجبل درن (٣).
وقيل: إنه وصل إلى المهدية، وأمر أهلها أن يبنوا قصرًا على نِيَّة الفكرة، وأن يعبدوا الله تعالى فيه بالفكرة، فاجتمعَ مشايخُ أهلِ المهدية وفقهاؤها، وعَزَموا على بنائه، فقام رجلٌ من كبار الفقهاء، فقال: نقيم ما أقمنا في المهدية، ويجيءُ إليكم رجلٌ بربري مَصمُودي يأمركم بالعبادة بالفكرة، فتجيبون إلى ما أمركم به؟! وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا حتى عادوا عنه، وأبطلوه، فخرج المَصمُودي من المهدِيَّةِ، ولم يتمَّ له فيها أمر، فجاء إلى بِجاية؛ وهي في يد بني حَمَّاد من صِنْهاجة، فأنكر عليهم شُرْبَ الخمر، وكَسَرَ الأواني، فامتنعوا من شُرْبها، وساعده على ذلك آلُ حمدون (٤) صاحب
стр. 9707
هذا البلد، وحَمَلَ إليه مالًا، فلم يقبله، وأظهر الزُّهْد والورع، ثم خَرَجَ من بِجاية، وقصد أغمات، وأظهر الزُّهْد، ودرَّس الفِقْه، واجتمع إليه أربعُ مئة رجلٍ من المصامدة، ثم ارتفع أمره، وبلغ خبره إلى [ابن] (١) يوسف بن تاشفين، وأنه يبيح دمه ودمَ أصحابه، فاستدعاه، وأحضر الفقهاءَ فناظروه، وأشاروا بحبسه، فلم يقبل يوسف، وأطلقه، وحاربه بعد ذلك، وكان يدعى بالخارجي (٢).
ذكر عقيدة ابنِ تُومَرْت:
ذكرَ في أوَّلها حديثَ ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بُني الإسلام على خمس" (٣) الحديث. وحديث معاذ لمَّا بعثه النبيُّ ﷺ إلى اليمن، وأمره بإقامة الصَّلوات وإيتاء الزكاة، وقال: "اتَّقِ دعوةَ المَظْلوم" (٤) الحديث.
ثم قال: فثبتَ بهذا أَنَّ العبادةَ لا تَصحُّ إلا بالإيمان، والإخلاص، وذلك بالعِلْم والعمل، بالطَّلب والطلب، بالإرادة والإرادة، بالرَّغبة والرَّهْبة، والرَّغْبة والرَّهْبة، وبالوَعد والوعيد، بالشَّرْع والشَّرع، بصدق الرَّسول وصِدْق الرَّسول، بإظهار المعجزة بإذن الله تعالى.
ثم قال: وبضرورة العقل يُعرف وجودُ الباري، والضَّرورةُ ما لا يتطرَّق إليه الشَّك، ولا يمكن العاقل جحده، وهذه الضّرورة على ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل.
فالواجب: لا بُدَّ من كونه؛ كافتقارِ الفِعل إلى الفاعل.
والجائز: ما يمكن أن يكون وأن لا يكون؛ كنزول المطر، ونحوه.
стр. 9708
والمستحيل: ما لا يمكن كونه؛ كالجمع بين الضِّدَّين.
وهذه الضرورة مستقِّرةٌ في نفوس العقلاء بأجمعهم؛ أَنَّ الفعل لا بُدَّ له من فاعل، وأَنَّ الفاعل ليس في وجوده شكٌّ، وهذا معنى قوله ﴿قَالتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] وما انتفى عنه الشَّكُّ وَجَبَ كونه معلومًا، فَثَبَتَ بهذا أَنَّ الباري يُعْلَمُ بضرورة العقل، وبحدوث نفسه أيضًا، لأَنَه يَعْلَمُ أَنَّ له صانعًا صنعه، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ [مريم: ٩] وذى الآياتَ التي فيها خَلْقُ الإنسان، ثم قال: فالسَّموات والأرضُ وجميعُ الموجودات يُعْلَمُ بها وجودُ الباري، وكذا الليل والنهار والحيوانات، وقد نبه الله على خَلْقها في آياتٍ كقوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآية.
ثم قال: وإذا كان خالقَ كلِّ شيء عُلِمَ أنه لا يشبهه شيء لأنَّه ليس من جِنْسها ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
ثم ذكر فصولًا في دَفْعِ التَّشْبيه والتكييف والتعطيل، وأَثْبَتَ التَّوحيد والتَّنزيه، ثم قال: عَرَفه العارفون بأفعاله، ونفوا التكييف عن عِزَّته وجلاله.
ثم قال: وما وَرَدَ من الآيات المتشابهات كآيات النُّزول ونحوها، فيجب الإيمانُ بها مع نفي الكيفية، قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] الآية. فقد أثنى الله عليهم، وقالت عائشة ﵂: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم. وليس الباري متصِلٌ بخَلْقِهِ.
ثم قال: وهو عالم بِعلْمٍ واحد، قادِرٌ بقُدْرةٍ واحدة.
ثم أَثْبَتَ القَدَر، وقال: وجميعُ المخلوقات صادِرَةٌ عن قَضَائه وقَدَره، قَدَّرها في أزلِيَّته من غير زيادةٍ ولا نُقْصان، لا تبديلَ في المقدور، ولا تحويل في المحتوم، أوجدها بغير واسطة ولا بعِلَّة، وليس له شريكٌ في إيجادها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. ثم قال: وأسماؤه موقوفة على إذْنه، لا يُسمَّى إلا
стр. 9709
بما سَمَّى به نَفْسَه في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ ، ولا مجال للقياس فيها ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وذكَرَ ما يتعلق بها من الآيات.
ثم أثبت رؤية الله تعالى في الجَنَّة، وذَكَرَ آياتِ النَّظر والأحاديث، ثم قال: من غير تشبيه ولا تجسيم.
ثم قال: والمعجزات حَقٌّ، وذَكَرَ قَلْبَ العصا حَيَّةً، ونَبْعَ الماءِ من بين أصابع نبينا ﷺ ، وذَكَرَ القرآن الذي هو المعجز الأكبر، وذكر كلامًا طويلًا.
ومن شِعْره: [من البسيط]
إنِّي وفي النَّفْسِ أشياءٌ مُخَبَّأَةٌ … لأَلْبِسَنَّ لها دِرْعًا وجِلْبابا
كيما أُطَهِّرَ دِينَ الله من دَنَسٍ … وأُوْجِبَ الفَضْلَ للسَّاداتِ إيجابا
محمد بن علي بن عبد الواحد (١)
أبو رَشِيد، من أهل آمُل طَبَرِسْتان.
وُلِدَ سنة سبع وثلاثين وأربع مئة، وحَجَّ، وجاور بمكة سنين، وسمع الحديث، [وحدث بشيء يسير] (٢)، وكان زاهدًا عابدًا، منقطعًا، مشغولًا بنفسه، ركب البحر، فلمَّا وَصَلَ إلى بعض الجزائر خَرَجَ من السفينة، وودَّع أصحابه، وقال: أُريدُ أَنْ أقيمَ هاهنا. فقالوا: هذا مكانٌ منقطع، ولا فيه عمارة، فكيف تصنع؟ فقال: لا بُدَّ. فأقلعوا في البحر، فهاجتْ عليهم الرِّيح، فردَّتْهم إلى الجزيرة، [فسألوه أن يجيء معهم، فأبى، فأقلعوا، فردَّتهم الريح إلى الجزيرة] (٢) ثانيًا وثالثًا ورابعًا، فاجتمع إليه التُّجَّار، وقالوا: لا يحلُّ لك أن تسعى في إتلافِ نفوسنا وأموالنا، كلَّما دفعنا رَدَّتنا الرِّيح إليك، فاصحبْنا إلى دَرْبَنْد، فإذا رجعنا فأَقِمْ هناك. فأجابهم، وأقام معهم بدَرْبَنْد أيامًا، ثم
стр. 9710
رجع إلى الجزيرة، وأقام بها سنين، وكان فيها عَينٌ، فكان يشربُ منها ويتوضأ، ثم رَجَعَ إلى آمُل، فسكنها إلى أن توفي في جُمادى الأُولى، وقبره بآمُل يُتَبرَّك به.
وقال بعضُ أصحابه: مضيت إلى تلك الجزيرة، فرأيتُ فيها ثعبانًا يبتلع ابنَ آدم، فزرت موضع سجوده، ورجعت.
[فصل: وفيها توفيت والدة المسترشد (١)، كانت صالحة متصدِّقة، توفيت ليلة الاثنين تاسع عشرة شوال، وصلى عليها المسترشد ليلًا، وحملت إلى الرُّصافة] (٢).
السَّنة التاسعة والعشرون وخمس مئة
فيها قُتِلَ المسترشد، ودُبَيْس، [وشمس الملوك صاحب دمشق] (٣)، ومات طُغْريل السُّلْطان.
وفيها أخرجَ الخليفة سُرادِقَه إلى رؤوس الحيطان، لأَنَّه اطَّلع على سوءِ نية مسعود.
ووصل الخبر بوفاة طُغْريل بهَمَذَان، فسار مسعود جريدة (٤)، ولحقه عسكره، وأعاد الخليفة سُرادقه إلى داره، وأما مسعود فإنَّه وَصَلَ هَمَذَان، واختلف عليه العسكر، فكان ممن انعزل عليه قزل وسُنْقُر والبازدار (٥) وغيرهم، ونزلوا بعيدًا من هَمَذَان، فأسرى إليهم، وبَيَّتَهُمْ، فبدَّدَ شَمْلَهم، ونَهَبَ أثقالهم، فورد هؤلاء الثلاثة بغداد، وأخبروا بسوء نيَّته في الخِلافة.
وخَرَجَ أنوشروان لوزارة السُّلْطان مسعود، فَنُهِبَ جميعُ ما كان معه في الطَّريق.
وفي المحرم وَصَلَ زَنْكي بغداد، فالتقاه الوزيرُ وأرباب الدَّوْلة، ودَخَلَ، وقَبَّلَ عَتبة الباب النُّوبي، وقال: أنا وأبي عبيدُ هذه العَتَبة، وما زالت العبيد تجني والموالي تعفو.
стр. 9711
وقدَّم الهدايا والتُّحَف، ومفاتيح أبواب الموصل، فأُنْزِلَ وأُكرم، وأقام أيامًا، وخُلِعَ عليه، ورَحَلَ إلى الشَّام ليأخذ دمشق.
وجاء رسولُ دُبَيس يستعطف الخليفة، فلم يعطف عليه، فمضى دُبَيس إلى مسعود.
وفي صفر وصل ابنُ الأنباري من عند سنجر، وأخبر أنه تُلُقِّيَ من أربعة فراسخ، وأن سنجر نزل من التَّخْت مرارًا، وقبَّلَ الأرضَ وحافِرَ فرسِ الخليفة.
وفي ربيع الأول (١) وردتِ الأخبارُ بتغيُّرِ مسعود على الخليفة تغيُّرًا كُلِّيًّا، وأَنَّه قد جمع العساكر ومقصوده بغداد، ووصلت مقدّمته إلى حُلْوان، وفيها دُبَيس، وأقطع مسعود العساكر العراقَ، وبلغ الخليفة، فبعث مقدمته إلى المَرْج، وفيها الجاولي شِحْنة بغداد، وكجبة، وأرغش، وجماعةٌ من السِّلاحية في ألفين وخمس مئة فارس، وقال: تحفظون الطَّريق إلى أَنْ أَصِلَ إليكم.
وكان زَنْكي على دمشق يحاصرها، فبعث أهلُها يقولون للخليفة: رَحِّله عنا، ولك في كلِّ سنة خمسون ألف دينار. فَبَعَثَ إليه، وقال: ارْحَلْ، واقْدُمْ علينا لتساعدَنا على مسعود، ونَخْطُب لك. فقال: سَمْعًا وطاعةً.
وكان سنجر قد كَتَبَ إلى مسعود يقول: ما دام البازدار وابن بُرْسُق وقزل ويرنقش معك ما تُصِيبُ خيرًا، فهم الذين أفسدوا أمر أخيك طُغْريل، فابعثْ إليَّ برؤوسهم. فأطلعهم مسعودٌ على الكتاب، وقال: لو أردتُ بكم سوءًا لفعلت. فقبَّلوا الأرضَ، وقالوا: الآن قد عَلِمْنا أَنَّك صافي القلب لنا، فابْعَثْنا مع دُبَيس في المقدِّمة. فَبَعَثَ بهم، فقالوا: ما وراء هذا الكلام خير، والواجب خدمة أمير المؤمنين، فله في رقابنا عهود، وهذا عاقبة الغدر. فكتبوا إلى الخليفة: قد انفصلنا عن مسعود، ونحن ببلاد ابنِ بُرْسُق، فإنْ كانت لك نِيَّةٌ في الخروج فاخْرُجْ، فنحن بين يديك، وإلا فاخْطُبْ لبعضِ أولاد السُّلْطان، ونَفِّذْه إلينا لنكون معه. فكتب إليهم: دوموا على ما أنتم عليه، فأنا صائِرٌ إليكم. وبعثَ سديدَ الدولة [إليهم يطيِّبُ قلوبَهُمْ] وَيعِدُهُمْ الإقطاعَ، وبلغ مسعودًا،
стр. 9712
فرحل إليهم جريدةً ليَكْبِسَهم، فانهزموا، فأخذ أموالهم، وسَبَقَ سديدَ الدولة] (١) إلى بغداد ليخبر بحالهم، فأعيد إليهم بالخِلَع والأموال والإقامات.
فلما كان يوم السبت حادي عشرة رجب تقدَّم الخليفة بإخراجِ مضاربه ومضاربِ أصحابه، وانزعج أهلُ بغداد، وبَعَثَ السُّلْطان دُبَيسًا في خمسة آلاف، فكَبَسَ المقدِّمة، وقَتَلَ منهم، فدخلوا بغداد عُراةً سادس عشرة رجب، فأنزلهم الخليفة دارَ السُّلْطان، وبَعَثَ إليهم بالأموال والخيل والإقامات والخِلَع، وأطلق لهم ثمانين ألف دينار، وقُطِعَتْ خُطْبة مسعود، وخُطِبَ لسنجر وداود، واستفتى الفقهاءَ في مسعود، وأنَّه خالف، فأفتوا بعَزْلِهِ وقتالِهِ، وخَرَجَ الخليفةُ في أُبَّهة الخِلافة، والخلائقُ يمشون بين يديه حتى نَزَلَ سُرادِقَه عند رؤوس الحيطان، ودَخَلَ الوزيرُ شرفُ الدِّين علي بن طِراد، وسديدُ الدَّوْلة بنُ الأنباري، وكمال الدين بنُ طلحة صاحِبُ المخزن على الخليفة، فقال له الوزير: يا مولانا، في نفسي شيءٌ لهل يُؤذنُ لي في المقال. فقال: قُلْ. فقال: إلى من نمضي، وبمن نعتَضد، وإلى من نلتجئ؟ ومقامنا ببغداد أصلح وأحوط لنا إذا قَصَدَنا [عدو] (١) كُنَّا مستظهرين، ولما خَرَجَ الحسين ﵇ من الحجاز إلى العراق جرى عليه ما جرى، ولو أقام بمكَّة ما اختلفَ عليه اثنان. فقال الخليفة لابنِ الأنباري: ما تقول أنتَ يا كاتب؟ فقال: الرأي ما رآه الوزير، والرأي المقام، وليتَ العراق تبقى ع لينا. فقال لصاحب المخزن: ما تقول أنتَ يا وكيل؟ فقال: في نفسي ما في نفسِ مولانا. وكان هو الذي حَمَلَه على الخروج، فأنشد المسترشد: [من الخفيف]
غيرَ أنَّ الفتى يلاقي المَنَايا … كالحاتٍ ولا يلاقي الهَوانا
وإذا لم يكنْ من الموتِ بُدٌّ … فمن العَجْزِ أَنْ تموتَ جَبَانا (٢)
فاسترجع القوم، وأيقنوا بالهلاك.
стр. 9713
ثم رحل يوم الخميس ثامن شعبان في سبعةِ آلاف فارس، وكان مسعود بهَمَذَان في ألفٍ وخمس مئة فارس، وكان أصحابُ الأطراف قد كاتبوا الخليفة، فتوقف في طريقه، فاستَصلَحَ مسعود أكثرهم حتى صار في خمسة عشرة ألفًا، وتسلَّل جماعةٌ من أصحاب الخليفة حتى صار في خمسة آلاف، ونفَّذَ إليه زَنْكي نَجْدةً فلم تلحق، وأرسل داود بن محمود إلى الخليفة وهو بأَذْرَبيجان، يشير أنَّ الخليفةَ ينزل الدِّينَور حتى يوافيه داود، فلم يقبل، واستعجل في ضرب المصافِّ.
فلما كان يومُ الاثنين عاشر رمضان التقوا، فجعل الخليفة على ميمنته البازدار وقزل وغيرهما، وفي ميسرته الأُمراء السِّلاحية، وكانت الوقعة [قريب] (١) من جبل بَهِسْتون (٢)، فحملت ميمنةُ الخليفة فكسرت ميمنةَ مسعود، فانهزموا ثلاثة فراسخ، ونادى مسعود: المال لكم والدَّم لي، ومن أقام بعد الوقعة من أصحاب الخليفة ضُرِبَتْ عُنُقُه. فغدرت ميسرةُ الخليفة، ومالت كلُّها إلى مسعود، وجاءت ميمنةُ الخليفة من وراء الميسرة، فوجدت الميسرة قد مالت إلى مسعود، فانهزموا لا يلوون على شيء، وأُسر المسترشد وأصحابه، وأُخذ ما كان معه من الأموال، وكانت على سبعين بغلًا في صناديق، أربعة آلاف ألف دينار، وكان رَحْلُه على خمسة آلاف جمل وأربع مئة بغل، فيها عشرة آلاف عِمامة، وعشرة آلاف قَبَاء وجُبَّة ودُرَّاعة، وعشرة آلاف قَلَنْسُوة مُذْهَبة، وثلاثة آلاف ثوب رومي وممزوج ودَبِيقي. ومضى من النَّاس ما قَدَّروه بعشرة آلاف ألف دينار سوى الخيل والأثاث، ولم يُقْتل بين الصَّفَّين سوى خمسةِ أنفس غَلَطًا، ونادى مسعود: مَنْ أقام مِنْ أصحاب الخليفة بعد الوقعة قَتَلْتُه. فهرب الناس، وتفرَّقوا في الجبال، وتخطَّفَهم الأكرادُ والتركمان، ووصَلَ مَنْ سَلِمَ منهم إلى بغداد عُراةً حُفاة، قد تَقَطَّعَتْ أَرْجُلُهم من الصَّخْرِ والحَفَاء، ومات أكثرهم، وحَمَلَ مسعودٌ الوزيرَ ابنَ طراد وابنَ الأنباري وابنَ طلحة وقاضي القضاة الزَّينبي ونقيبَ الطَّالبيين إلى القلعة معتقلين، ثُمَّ كَتَبَ مسعود كتابًا مع بكبة، وولَّاه شِحْنكية بغداد، وفي الكتاب عن لسان الخليفة إلى أستاذ الدَّار: ليعتمد الحسن بن جَهِير مراعاة الرَّعية، والاشتمال عليهم، وكفِّ
стр. 9714
الأذى عنهم، فقد ظَهَرَ من الولد غياثِ الدِّين (١) -متَّع الله به- في الخِدْمة ما صَدَقَتْ به الظُّنون، فَلْيُجْمِعْ وكاتبَ الزِّمام والمخزن على إخراج العُمَّال إلى نواحي الخاصّ لحمايتها، فقد نُدِبَ من الجَنَاب الغياثي هذا الشِّحْنةُ لذلك، وَلْيَهْتَمَّ بكُسْوة الكَعْبة، فنحن في إثْر هذا المكتوب واصلون، إنْ شاء الله تعالى.
فلما كان يومُ عيد الفِطْر نَفَرَ أهلُ بغداد، ووثبوا على الخطيب، وكسروا المِنْبر والشُّبَّاك، ومنعوه من الخُطْبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون على رؤوسهم التراب، ويبكون ويصرخون، واقتتل أصحابُ الشِّحنة والعوام، وخَرَجَ النِّساء حاسراتٍ يَنْدُبْن في الأسواق، وتحت التَّاج، وقُتِلَ من العوام مئةٌ وثلاثة وخمسون، وهَرَبَ أبو الكرم الوالي وحاجب الباب إلى دار خاتون، وأشرفت بغداد على النَّهْب، فنادى الشحنة: لا ينزل أحد في دار أحد، ولا يؤخذ من أحد شيء، فإنَّما جِئْنا في الصُّلْح، والسُّلْطان واصِلٌ إلى هاهنا بين يدي أمير المؤمنين، وعلى كتفه الغاشية. فَسَكَنَ النَّاس.
وأما حديث الخليفة، فاختلفتِ الأقوال؛ فقومٌ يقولون: إنَّ مسعودًا ينتظر جوابَ عَمِّه سنجر، وقوم يقولون: يصل عن قليل، وقوم يقولون: إنَّ داود قد عَزَمَ على قتال مسعود، واستنقاذِ الخليفةِ منه.
وسار داود لقتال مسعود، وجاء مسعود إلى مَرَاغة (٢)، والخليفة معه.
و [فيها] (٣) زُلْزِلَتْ بغدادُ مرارًا [لا تحصى] (٣)، وكان مبدأ الزَّلازل يوم الخميس حادي عشر شَوَّال، فزلزلت يومئذٍ ستّ مَرَّات ودامت كل يوم ست مرات إلى ليلةِ الجُمُعة سابع عشرين شَوَّال، ثم ارتجَّت ليلة الثلاثاء نصف اللَّيل حتى تفرقعت السقوف، وانتثرت الحيطان، ولم تزل الأرضُ تميد من نصف الليل إلى الفَجْر والناس يستغيثون، وانقطع خبر العسكر [الذي كان قد خرج من بغداد] (٣).
فلما كان يوم الثلاثاء غُرَّة ذي القَعدة وصل ركابيةٌ معهم خَطُّ الخليفة إلى وليِّ عهده بوصولِ رسولِ سنجر إلى مسعود، يقول: ساعة وقوف الولد العزيز غياث الدِّين مسعود
стр. 9715
على هذا المكتوب، يدخل على أمير المؤمنين -أَعَزَّ اللَّه أنصاره- ويقبِّل الأرضَ بين يديه، ويقف ويسأله العفو عنه، والصَّفْحَ عن جُرْمه، فقد ظهر عندنا من الآثار السَّمائية والأرضية ما لا طاقةَ لنا بسماع مِثْلها دون المشاهدة من الرِّياح العواصف، والبروق الخواطف، وتزلزلِ الأرض، ودوامِ (١) ذلك عشرين يومًا وتشوُّشِ العساكر، وانقلابِ البُلْدان، ولقد خِفْتُ على نفسي من جانب الله تعالى وظهورِ آياته، وجانبِ المخلوقين والعساكر، وتغيُّرهم عليَّ، وامتناع النَّاس من الصَّلاة في الجوامعِ، وكَسْرِ المنابر، ومَنْعِ الخطباء ما لا طاقةَ لي به، فالله اللهَ تتلافى أمرك، وتحقن دماءَ المُسْلمين، وتعيد أميرَ المؤمنين إلى مُسْتَقَرِّ عِزِّه، وتُسَلِّم إليه دُبَيسًا ليرى رأيه فيه، فإنَّه هو الذي أحوجَ أميرَ المؤمنين وأحوجنا إلى مِثْل هذا، وعَجِّلْ، وانصِبْ له السُّرادِق، واضرِبْ له الخيام والتَّخْت، واحملِ الغاشيةَ بين يديه، أنتَ وجميعُ الأمراء، كما جرت عادتُنا وعادةُ أهلِ بيتنا وآبائنا في خِدْمة هذا البيت.
وكان مِحالًا (٢) من سنجر ليدفعَ عنه التُّهَمَة.
فلما وقَفَ مسعودٌ على كتاب سنجر بعث بالوزير أنوشروان -وكان قد استوزره ثانيًا، وشَهِدَ معه هذه الوقعة- وبعث معه بنظر الخادم إلى الخليفة يستأذن في دخوله عليه، فأَذِنَ له، فدخل، فقبَّل الأرضَ بين يديه ووقف معتذرًا متنصِّلًا، يسألُ العفو والصَّفْحَ عن جُرْمه، والخليفةُ مُطْرِقٌ ساعةً، ثم رَفَعَ رأسه، وقال: قد عُفي عن ذنبك، فاسْكُنْ إلى ذلك، وطِبْ نَفْسًا.
وكان قد ضُرِبَ له التَّخْت في سُرادق، فقدَّمَ له فرسًا لم يكُ عند مسعودٍ من خيل الخليفة التي أُخذت غيره، وسأله الركوب، فركب، وكان بين الموضعين نصف فرسخ، ومسعود بين يديه، على كتفه الغاشية، ويده في لجام فرس الخليفة، وجميع الأمراء يمشون بين يديه حتى دخل السُّرادق، وجَلَسَ على التخت، ووقف السُّلْطان بين يديه زمانًا، فأمره بالجلوس، فأبى، ثم سأل الخليفةَ أن يشفِّعَه في دُبَيس، فأجابه، فجاؤوا به مكتَّفًا بين أربعة، ومع أحد الموكلين به سيفٌ مجذوب، ومع آخر شقة
стр. 9716
بيضاء، فرموا به بين يدي السَّرير، وهو يقول: العفوَ العفوَ عند القُدْرة. فقال مسعود: هذا هو السَّببُ فيما جرى بيننا، فإذا زال السبب زال الخلاف، وهذا الآن بين يديك، فمهما تأمر يُفعل به، ودُبَيس يبكي ويتضرَّع بين يدي السَّرير، فقال الخليفة ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وتقدَّم بحَلِّ كِتافه (١)، وسألَ السُّلْطانُ الخليفةَ أَنْ يُنْعِمَ على دُبَيس بتقبيلِ يده، فأعطاه يده، فقبَّلها، وأمرَّها على وجهه وصَدْره، وأقام الخليفةُ مكانه حتى قُتِلَ في ذي القَعدة، وسنذكره إن شاء الله تعالى (٢).
وأما بكبة فإنَّه شَرَعَ في نَقْضِ سور بغداد، وكلَّف أهلَ محالِّ الجانبِ الغربي بنَقْضه. وقال: أنتم عمرتموه فانقضوه. واستطال على أهل بغداد.
وقال ابنُ القلانسي: وفيها هَرَبَ الحاجبُ يوسف بن فيروز شِحْنة دمشق إلى تدمر خوفًا من شمس الملوك بن بوري، وكانت تدمر لشهاب الدِّين محمود بن بوري في زمان أبيه، فَسَئِمَ من المقام بها، وسأل أباه نَقْلَه إلى دمشق، فأجابه، فاستعان يوسف بجماعةٍ من الأمراء على تحصيل تدمر، فخاطبوا بوري، فأعطاه إياها، فَشَرَع في ترميم حِصنها، ونَقْلِ الغِلال والذَّخائر إليه. فلمَّا تنكَّر عليه شمسُ الملوكِ، وعزم على مصادرته وهلاكه هَرَبَ إلى تدمر، ونَدِمَ شمسُ الملوك على إفلاته من يده، فكاتبَه واستماله، وطيَّب قلبه، فلم يلتفت إليه، وقال: أنا [الغلام] الخادم المقيم على الخِدْمة. ولم يَعُدْ إليه (٣).
فصل: وفيها توفي
إسماعيل بن بوري بن طُغْتِكين، شمس الملوك، صاحبُ دمشق (٤)
وكان قد ساءت سيرته، وصادر النَّاس، وأخذ أموالهم، وولَى عليهم رجلًا كرديًّا يقال له بدران الكافر، فَشَرَع في العقوبات، وأنواع العذاب، وظهر من شمس الملوك
стр. 9717
شحٌّ زائد، وقَتَلَ غِلْمان أبيه وجَدِّه، وأخذ أموالهم، فكتب أهلُ دمشق إلى زَنْكي يسألونه المسير إليهم، فَشَرَع في التأهُّب، فكتب إليه إسماعيل: لا تحشدْ ولا تجمعْ، تعال بسرعة وأنا أسلِّم إليك البلد بعد أن تمكِّنني مِنْ بعض أهله ممن في نفسي منهم. ووالى المكاتبة إليه بخطِّه: لئن لم تقدم وإلَّا سَلَّمْتُ دمشق إلى الفرنج. وشَرَعَ في نَقْلِ أمواله وذخائره إلى حِصن صَرْخَد، وقَبَضَ على جماعةٍ من الأعيان، فاتفقوا على قَتْلِهِ [وقالوا: هذا نوع سوداء، وكلما جاءت يزداد، وما لها إلا عدمه، فراسلوا] (١) أمه زُمُرُّد خاتون، وقالوا: قد عَزَمَ على قتلنا وقتلكِ، وغدًا يجيء [أتابك] (٢) زنكي فيحكم عليك وعلينا. فدخلتْ عليه ولامته [وعاتبَتْهُ] (٢) وقالت: أنتَ تكون سبب خراب هذا البيت، فارجِعْ إلى سيرة آبائك. فشتَمها، وتهدَّدها بالقَتْلِ، وأسمعها كلامًا قبيحًا، فأرسلت إليهم، وقالت: دونكم وإياه. فَرَتَّبوا له جماعةً من الغِلْمان باتِّفاقٍ من أُمِّه، فقتلوه في دِهْليز قلعة دمشق في رابع عشر ربيع الأَوَّل (٣)، [فكانت ولايته ثلاث سنين، لأنه ولي في رجب سنةَ ست وعشرين وخمس مئة] (٢) وأجلست أُمُّه أخاه، [محمود بن بوري مكانه، ولقبته شهاب الدين، وهو الذي كانت له تدمر] (٤)، وجاء [أتابك] (٢) زنكي إلى حِمْص، فبلغه الخبر، فبعثَ رسولًا إلى دمشق بتسليم البلد، فَرَدَّه شهابُ الدين وخاتون ردًّا جميلًا، فلم يلتفت [زنكي] (٢)، وجاء بعساكره، فخيَّم بين القُصير وعَذْراء (٥) في جمادى الأُولى، وكان يزحف كل يوم، ويقاتل أهل البلد ويقاتلونه، فأقام مُدَّة، فلم يظفر بطائل، واتَّفق وصولُ رسولِ المسترشد يأمره بالرَّحيل إلى بغداد، فرحل، وأقامت خاتون تدبِّرُ الملك مُدَّة، ثم تزوَّجها بعد ذلك زَنكي، ونَقَلَها إلى حلب، فصار تدبير الملك إلى معين الدِّين أُنَر؛ أحدِ
стр. 9718
مماليك [جَدِّه أتابك] (١) طُغْتِكِين، [ثم قتله جماعة مِنْ خَدَمِهِ في سنة ثلاثٍ وثلاثين وخمس مئة، وأجلسوا أخاه محمدًا مكانه، وسنذكره] (٢).
وكان إسماعيلُ شهمًا شُجاعًا مِقْدامًا، مهيبًا [وهو الذي خلَّص بانياس من الفرنج] (١)، وكانت سيرتُهُ أَوَّلَ ولايته من أحسنِ السِّيَر، أَسْعَرَ بلادَ الفرنج بالغارات، وإنما تغيَّرَتْ سيرتُه في آخر أمره ومدَّ عينه إلى أموال الرَّعية، وأربابِ الدَّولة، وتناهى في ارتكابِ القبائح والمنكرات، وظهر منه بخلٌ زائد، وميلٌ إلى الدَّنايا (٣) بحيث لا يأنَفُ من تناول الخسيس الحقير بالعُدْوان.
[وقد ذكر قصته أبو يعلى بن القلانسي، وذكر بمعنى ما ذكرنا، وفيه بأن الكرديَّ بدران سقَط الله عليه (٤) أمراضًا في نحوه، فمات بعد أن ربا لسانه، وخَرَجَ على صدره، [وكان قتل إسماعيل في اليوم الذي مات في مثله بدران، ليكونا عبرة لأهل الظلم والعدوان، تقدَّمه بدران بثمانية أيام] (٥).
وكان مولد إسماعيل في جُمادى الآخرة سنة ستٍّ وخمس مئة، وقيل: في ربيع الآخر [من هذه السنة] (٦).
[وذكر (٧) مجيء زَنْكي ومنازلته لدمشق، فلما يئس منها وكان الخليفة قد استدعاه استقرَّ أن يخطبوا لأَلْب رسلان بن السلطان محمود الذي مع زَنْكي، ورَحَلَ] (٨).
стр. 9719
جعفر بن شرف، أبو الفَضْل الأندلسي (١)
والد محمد بن جعفر (٢) مصنف كتاب "أبكار الأفكار"، له تصانيفُ كثيرة، وشِعْر مليح. عاش خمسًا وتسعين سنة، وقيل جاوز المئة. وقيل: مات سنةَ إحدى وثلاثين وخمس مئة، وله نثر، وهو القائل، [وقيل: إنها لابنه محمد] (٣): [من الكامل]
صَنَمٌ مِنَ الكافورِ باتَ مُعَانقي … في حُلَّتَينِ تَعَفُّفٍ وتكرُّم
فكَّرتُ ليلةَ وَصلِهِ في هَجْرِه … فَجَرَتْ بقايا أَدْمُعي كالعَنْدَمِ (٤)
فَطَفِقْتُ أمسحُ مُقْلَتَيَّ بنَحْرِهِ … إذ عادةُ الكافورِ إمْساكُ الدَّمِ (٥)
وقال: [من الطويل]
لِيَهْنِكَ شَهْرُ الصَّوْمِ لا زلت مُدْرِكًا … لأمثالِهِ يأتي عليكَ ويَذْهَبُ
صلاتُكَ فيهِ رَحْمةٌ ومَثُوْبةٌ … وصَوْمُك رِضْوانٌ بهِ يَتَقَرَّبُ
وصمتَ بهِ عن كلِّ إثْمٍ وَمَحْرَمٍ … صيامُ الورى أَنْ يأكُلُوه وَيشْرَبُوا
إلى أن لَقِيتَ العيدَ بالجِدِّ في التُّقى … وغَيرُكَ بالأيَّامِ يَلْهُو ويَلْعَبُ
وقيل: هي لمحمد بن حَمْدِيس (٦).
стр. 9720
دُبَيس بنُ صَدَقَة بنِ منصور بن دُبَيس (١)
ابن علي بن مَزْيَد، أبو الأَغَرّ الأَسَدِي.
أصله من بني أسد، وقيل من بني خَفَاجة، وأَوَّل مَنْ نبغ من بيته جَدُّه الأكبر مَزْيَد في أيام بني بُوَيه، فوَّضوا إليه حماية قرية يقال لها سُورا -أو الوقف (٢) - من أعمال بغداد، فكان يحمي مرَّة، ويُغَارّ أُخرى، ثم مات.
فقام عليٌّ ولدُه مقامه، وكان عائنًا؛ ما وقعتْ عَيْنُه على شيء إلا هَلَكَ، نظر يومًا إلى ابنه بَدْران، فاستحسنه، فمات، وكان يبغض ابنه منصورًا، فقيل له في ذلك، فقال: رأيتُ في المنام كأنَّه بَلَغَ عَنَان السَّماء وبيده فأسٌ، وهو يقلع الكواكب، ويرمي بها إلى الأرض، ثم وقع بعدها، ولا أشك أنه يبلغ الغاية العليا، ثم يهلك.
ثم مات دُبَيْس، وقام بعده ابنه منصور، فجرى في أيام القائم منه (٣) ما جرى، فإنه لما أخرج القائم إلى الحديثة، عاد ودَخَلَ بغداد، ونَدِمَ حيث لم ينهب دار الخلافة كما فعل قريش، ثم باين البساسيري وقريشًا بهذا السَّبب.
ثم مات منصور وخَلَفَ ابنُه صدَقَة، فخدم ملك شاه، وكان يتردَّدُ إلى بابه، ويحمل إليه الأموال، فلما قُتِلَ نظامُ الملك ومات ملك شاه أَظْهَرَ الخِلافَ لِبَرْكْيارُوق، وعَلِمَ أَن الحِلَّة لا تحميه، فبنى مكانًا على تل بالبطيحة، وشَقَّ حوله الماء، ونقل إليه أمواله، ثم بنى الحِلَّة وخَنْدَقَ عليها، وغَرَسَ فيها البساتين، ثم صار الناس يستجيرون به، فيجيرهم، ثم أُعطي دارًا ببغداد، فَعَمَرها وكانت لِبهْرُوز الخادم، ولقَّبَ نفسه سيفَ الدولة، والتجأ إليه العَرَبُ وقُطَّاع الطَّريق، وطمع في البلاد، فانْتُدِبَ له العميد أبو جعفر ثقة الملك، فأخذ فتاوي الفقهاء بقتاله، وأنَّه لا يقام عنده جُمُعة، ولا جماعة، وأنهم يسبُّون الصَّحابة ﵃ في بلده، ولا عندهم أذان ولا إقامة، وأنهم
стр. 9721
يشربون الخمور، ويبيحون الزِّنا، والتجأَ إليه سرخاب الحاجب، وطَلَبَه منه السُّلْطان، فامتنع، فبعث إليه بالعساكر فَقُتِلَ، وقد ذكرناه (١).
ثم قام بعده ولده دُبَيْس صاحب هذه التَّرجمة، وكان شَرَّ أهلِ بيته، يرتكب الكبائر، ويفعل العظائم أكثر ما كان يفعل آباؤه، ولقي منه الخليفة والمسلمون فنونَ الأَذى، وبشؤمه بَطَلَ الحج مرارًا، وأباح الفروج في نهار رمضان، وكان يرى رأي الباطنية.
ولما نزل الأمير أبو الحسن بن المستظهر من التَّاج، والتجأ إليه ظَنَّ أنه يحفظ الذِّمام مثل أبيه، فباعه بيعَ العبيد، ونهبه، وأخذ منه جوهرًا قيمته ثلاث مئة ألف دينار.
وطغا على المسترشد وحاربه، فكسره المسترشد، ومضى إلى الشَّام، ووقع بيد زَثكي، ومَنَّ عليه وأطلقه، فمضى إلى مسعود وإلى سنجر، وهو الذي حَسَّن لهما قَتْلَ المسترشد، ولم يظفر بطائل، فَعَزَمَ على الهرب، ووجَدَ له مسعودٌ مكاتباتٍ إلى زَنْكي يقول: اللهَ أن تقع [في يد] (٢) مسعود، واحفظ رأسك. فبعث إليه مسعودٌ غلامًا أرمنيًّا من سلاحِيَّته، فدخل عليه الخيمة وهو مُطْرِقٌ يَنْكُتُ الأرض بأصبعه، فما أحسَّ به حتى ضرب رأسه بالسَّيف، فأبانَه.
ويقال: إنه سُحِبَ إلى بين يدي مسعود، فقام إليه بنفسه فضربه، [فقطع رأسه، وكان ذلك في عشرة ذي الحِجَّة] (٣)، فكان بين قَتْلِهِ وقتلِ المسترشد خمسةٌ وثلاثون يومًا، وقيل ثمانية وعشرون يومًا، وما كان بنو سلجوق يتقونه إلا ليكون في وجه الخليفة.
وقال العماد الكاتب: بنو مزيد الأسديون النَّازلون بالحِلَّة على الفرات ملوك العرب وأمراؤها، وكانوا ملجأَ اللاجئين وثِمال (٤) الرَّاجين، وموئلَ المُعْتَفين (٥)، وكهفَ
стр. 9722
المستضعفين، ومنهم بهاء الدَّوْلة أبو كامل منصور بن دُبَيس، توفي أبوه أبو الأغرّ دُبَيس سنة أربع وسبعين وأربع مئة، وكانت إمارته سبعًا وستين سنة، وكان منصورٌ منصورًا في الأمور، مقصورًا زمانُه على إيواء طالب القِرى المقرور، فارس العرب وشجاعها، ومجيد العساكر وجماعها.
ثم ذكر دُبَيْسًا وقال: قتله مسعود صبْرًا بعد قَتْلِ المسترشد بشهر، يوم الأربعاء رابع عشرة ذي الحِجَّة بالمَرَاغة، وكان ينشد كثيرًا: [من الكامل]
إنَّ اللَّيالي للأنامِ مناهِلٌ … تُطْوَى وتُبْسَطُ بينها الأَعْمارُ
فقِصارُهُنَّ مع الهمومِ طويلةٌ … وطِوالُهُنَّ مع السُّرورِ قِصارُ (١)
وقال ابن السَّمْعاني: وقفتُ على كتاب "الوشاح" (٢)، وفيه: كتب بَدْران بنُ صدقة (٣) إلى دُبَيس وإخوته: [من الطويل]
ألا قُلْ لمنصورٍ وقُلْ لمسيّبٍ … وقُلْ لدُبَيسٍ إنَّني لغرِيبُ
هنيئًا لكمْ ماءُ الفُرَاتِ وطِيبُهُ … إذا لم يكنْ لي في الفُرَاتِ نَصِيبُ
فكتب إليه دُبَيس: [من الطويل]
ألا قُلْ لبدرانَ الذي حَنَّ نازعًا … إلى أرضِهِ والحُرُّ ليس يخيبُ
تمتعْ بأيَّامِ السُّرورِ فإنَّما … عِذارُ الأماني بالهموم يَشِيبُ
ولله في تلكَ الحوادثِ حِكْمَةٌ … وللأرضِ من كأسِ الكرام نصيبُ (٤)
وقال دُبَيْس: [من السريع]
حبُّ عليِّ بن أبي طالبٍ … للنَّاسِ مِقْياسٌ ومِعْيارُ
يُخْرِجُ ما في أَصلِهِمْ مِثْلَما … يُخْرِجُ غِشَّ الذَّهبِ النَّارُ (٥)
стр. 9723
وقال: [من البسيط]
ما لامني فيك أعدائي وعُذَّالي … إلا لِغَفْلتِهِمْ عنِّي وعن حالي
لا طيَّب الله لي عَيشًا ألَذُّ بِهِ … إنْ دارَ ذِكْرُ السُّلُوِّ اليومَ في بالي
وقال: [من المتقارب]
ولمَّا رأيتُكَ خَوَّانةً … تَزِينُ القبيحَ فِعالًا جميلا
تَسَلَّيتُ عنكَ بمن لا أُحِبُّ (١) … فَدَبَّ السُّلُوُّ قليلًا قليلا
وقيل: إنَّ دُبَيسًا لما قُتِلَ، تزوَّج مسعود بابنته شرف خاتون، وأُمها بنت عميد الدولة بن جَهِير، وحُمِلَ دُبَيس إلى زوجته كهارخاتون بمارِدِين، فدفن بميَّافارِقِين عند [نجم الدين] (٢) إيلغازي.
عبد الله بن محمد بن عبد الله (٣)
أبو بكر الدِّمَشْقي [المؤدِّب، ويعرف بابن النَّبيه] (٢).
قرأ القرآن [علي أبي الوحش بن مُسَلَّم] (٢)، وسمع الحديث ووعظ، وتوفي في صفر بدمشق، وكان ثِقَةً، وله قَبُول، وأنشد يومًا على المنبر بجامع دمشق لنفسه: [من المنسرح]
يا قَلْبُ إنَّ الذي كَلِفْتَ به … أَقْسَمَ لا حال عن تغضُّبِهِ
وأنتَ خَبَّرْتَني بأنَّك لا … تَسْطِيعُ صَبْرًا على تَجَنُّبِهِ
فكيفَ أرجو البقاءَ بينكُما … قد حرتُ واللهِ في تَطَلُّبِهِ
[سَمِعَ أبا الحسن بن قيس، وأبا محمد الأكفاني، وغيرهما، وروى عنه الحافظ ابنُ عساكر وغيره] (٢).
стр. 9724
الفضل بن [أحمد بن] (١) عبد الله أبو منصور المسترشد بالله (٢)
أمير المؤمنين، وأمه لبابة أم ولد. [وقد ذكرنا أنه] (٣) ولد في سنة أربعٍ أو خمس أو ستٍّ وثمانين وأربع مئة، وكان شهمًا، شجاعًا ذا هِمَّةٍ، متشاغلًا بالخير والعبادة، سالكًا سيرة القادر [والقائم] (٣).
قرأ القرآن، وسمع الحديث [على ابن بيان وأحمد بن السِّيبي] (٣)، وروى عنه وزيره عليُّ بن طراد [الزَّينبي] (٣) وغيره، [وقد ذكرنا أنه قرئ عليه الحديث لما سار إلى قتال دُبَيس] (٣)، وكان له شعر [ذكر منه العماد الكاتب في "الخريدة"]، (٣) فمنه: [من الطويل]
أنا الأَشقرُ الموعود (٤) بي في الملاحم … ومَنْ يملكُ الدُّنيا بغير مُزاحمِ
ستبلغُ أرضَ الرُّومِ خيلي وتُنْتضى … بأقصى بلادِ الصِّين بِيضُ صوارمي (٥)
ذكر مقتله: قد ذكرنا خروجه للقاء مسعود، وخِذْلان العساكر له، وورود كتاب سنجر على مسعود يلومه [فيما فعل] (٣)، ويأمره بحمل الغاشية (٦) بين يديه، وأنه حملها وضَرَبَ له السُّرادق وفيه التخت، [وأجلسه عليه] (٣)، فلما كان في تلك الليلة رأى في منامه كأنَّ في يده حمامةً مطوَّقة، وقائلًا يقول له: خلاصُك في هذه. فلما أصبح، أخبر الأمير ابن سُكَيْنة بمنامه، وكان عنده (٧)، فقال: يا أمير المؤمنين، فما أَوَّلته؟ فقال: ببيتٍ لأبي تمَّام [من الكامل]
стр. 9725
هُنَّ الحَمَامُ فإنْ كَسَرْنَ عِيافَةً … حاءَ الحَمَامِ فإنَّهُنَّ حِمامُ (١)
وخلاصي في حِمامي، فيا ليتني تخلَّصتُ من الأَسْر والذُّلِّ والحَجْر عليَّ بالموت. فَقُتِلَ بعد يومين.
ولما كان في اليوم السَّادس عشر من ذي القَعدة وَصَلَ الخبر بأن رسولًا من عند سنجر واصِلٌ نهار غدٍ يأمر مسعودًا بأن يعيد الخليفة إلى بغداد، ووصل مع الرَّسول سبعة عشرة رجلًا من الباطنية في زِيِّ الغِلْمان، وادَّعى مسعود بعد ذلك أنه لم يعلم بهم، وكَذَبَ بل اتَّفق هو وسنجر على الفَتْك بالخليفة، ودليلُه أَنَّ مسعودًا أفرد لهم خيمةً [قريبة من الخليفة] (٢)، وأكرمهم، ولم يخفَ على النَّاس فعلُه، وإنما قَصَدَ دفع التُّهَمة عنه، ولم تندفع.
فلما كان يوم الخميس سابع عشر ذي القَعدة ركب مسعود والعساكر لتلقِّي رسول سنجر، فلما أَبْعَدَ، هَجَمَتِ الباطنيةُ على الخليفة، فضربوه بالسَّكاكين حتى قتلوه، وقتلوا من كان عنده من الخُدَّام، ورمى بنفسه عليه الأمير ابن سُكَينة، فقتلوه، ووقع الصُّراخ، وجاءتِ العساكر فأحدقت بالسُّرادق، وخرج القومُ والسكاكين بأيديهم، عليها الدَّم، فمالتِ العساكر عليهم، فقتلوهم، وأحرقوهم، وغُطِيَ الخليفة بسُنْدُسة خضراء لفُّوه فيها، ودفن على حاله بباب مَرَاغة، [واختلفوا في مقدار عمره، فقال قوم: كان له خمس وأربعون سنة، وقد ذكرنا مولده، فيكون الاختلاف بحسبه، وكانت] (٣) خلافته سبع عشرة سنة، وثمانية أشهر وأيامًا، وجلس مسعود في العزَاء، ووقَع النحيب والبكاء.
ووصل الخبر إلى بغداد ليلة السبت سادس عشرين ذي القعدة، فاحترز الرَّاشد، وقَبَضَ على جماعةٍ من أهله وإخوته، وكَثُرَ البُكاءُ والصُّراخ، وأُغلق البلد، ونقضت
стр. 9726
دكاك باب النّوبي، وبات أستاذ الدَّار ابنُ جَهِير، وصاحب الدِّيوان أبو الرِّضى، وصاحب الباب ابن الصَّاحب في صحن السلام، وأُقيم الحَرَسُ في الليل على الأبواب، وأصبح الناس حُفَاة، والنِّساءُ منشراتِ الشُّعور، يَلْطِمْنَ ويَنْشُدْنَ الأشعار التي تُنْشَدُ في المآتم، وقَعَدَ أربابُ الدولة في العزاء ثلاثةَ أيام [وفي اليوم الثَّالث] (١) أقيموا من العزاء، وأُمروا أن يحضروا البيعة.
الباب الثلاثون في خلافة الرَّاشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد
وأمه خشف أم ولد، وكان أبوه قد نَصَّ عليه، فلما قُتِلَ أبوه بمَراغة كان هو ببغداد، فكتبَ مسعود إلى بكبة الشِّحْنة نائبه ببغداد، يأمره بالاجتماع بأرباب الدَّوْلة والأعيان، ويبايعوا الرَّاشد، فجاء بكبة ليدخل دار الخليفة فَمُنِعَ، واستقرَّ أَنْ يبايعَ من وراء الشُّبَّاك من ناحية الشَّطِّ، وجَلَسَ الرَّاشد في المثمَّنة التي بناها المقتدي في الشُبَّاك، وبايعه بكبة من وراء الشُّبَّاك يوم الاثنين سابع وعشرين ذي القَعدة، وحَضَرَ القُضاة، والعُدول، والأشراف وأربابُ الدولة، وبايعوا على طبقاتهم، وكان أبيضَ جسيمًا، وبين يديه أولادُه وإخوته.
ونُودي في النَّاس برَفْع المظالم، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر، فلمَّا كان بعد ثلاثة أيَّام أظهر أكياسًا فيها حُجَج على النَّاس ووثائق، وما كَتَبَ عليهم ابنُ الهاروني، فَرَدَّها على أربابها، وأشهد عليهم الشُّهودَ أَنَّهم قد أبرؤوا أميرَ المؤمنين مما أَخَذَ منهم، وَرَدَّ عليهم الأموال، فكَثُرَ الدُّعاء له، وحضر قاضي بعقوبا فتظلَّم، وقال: لي وثائق، وما ظلمني أمير المؤمنين، وإنما ظلمني ابنُ الهاروني. ورُفِعَ قوله إلى الرَّاشد، فأمر بعَزْله. وقال: هذا قد كَذَبَ فَفَسَقَ، لأَنَّ ابنَ الهاروني ما أخذ شيئًا إلا بأمر المسترشد.
стр. 9727
وقال سديد الدولة ابنُ الأنباري: لما قُتِلَ الخليفة استدعاني السُّلْطان مسعود، فدخلت عليه أنا والوزير شرف الدِّين عليُّ بنُ طِراد، وصاحبُ المخزن ابن طلحة، فقال لنا: قد كان ما جَرَتْ به المقادير، فما الذي تَرَوْن في أمر الخليفة؟ فقلنا: قد نصحناه أَوَّلًا، فلم يقبل. فقال: دعوني من هذا، وخذوا فيما قلتُ لكم. فقال الوزير: الخلافة لولي العهد، وقد بايعه النَّاسُ قديمًا وحديثًا. فقال: ما أُقرّه على ذلك، لأنَّه يحدِّثُ نفسه بالخروج عليَّ مثل أبيه، وقد عَلِمْتُم أَنَّ المسترشد خَرَجَ على أخي محمود مرتين، وكان قَصدُه هلاكَ بيتنا، وتَمَّ عليه ما تَمَّ، وقد بقيت علينا شناعة عظيمة، وسُبَّة إلى آخر الدَّهر، يقول النَّاس: قتلوا الخليفة، وقد كانوا هم السَّبب في عَوْدِ الخلافة إلى هذا البيت، ولا أُريد إلا رجلًا ديِّنًا لا يُدْخِلُ نَفْسَه فيما لا يعنيه، ولا يخرج عليَّ ولا على أحدٍ من أهلي، وفي الدَّار جماعةٌ، فاعتمدوا على شيخٍ منهم ذي عقل ورأي وتَدْبير، يُلْزِمُ نَفْسَه ما يجبُ من طاعتنا، ولا تعرِّجوا عن هارون بن المقتدي، فإنَّه شيخ كبير لا يَرى الفِتْنة، وقد أشار به عَمِّي سنجر.
قال: وكان في الدَّار جماعةٌ من أولاد المُقْتدي والمستظهر وغيرهما، مقدار نيِّف وعشرين، وكان للرَّاشد نيِّفٌ وعشرون ولدًا لما ولي الخلافة، لأَنَّه بلغ لتسع سنين [مضين من عمره، وسنذكره إن شاء الله تعالى] (١).
ووصل كتابُ سِنْجر إلى مسعود يقول له: لا تولِّي الأمر إلا من يضمنه الوزير، وابنُ الأنباري، وصاحب المخزن. فقالوا: نرضى الزَّاهِدَ العابد الذي ليس في الدَّار مثله. قال: مَنْ هو؟ قالوا: أبو عبد الله بن المستظهر. يعنون المقتفي -وكان صِهْرَ شَرَفِ الدِّين الوزير على ابنته، وكان يوم تزوجها، فُوض إلى أبيها نقابة النُّقباء، ودخل بها، وماتت عنده- فقال السُّلْطان: اكتموا هذه الحالة لئلا تتم، فيظهر الخبر، فَيُقْتَلُ أبو عبد الله. ثم تجهز السُّلْطان إلى بغداد، وهم معه.
стр. 9728
السَّنة الثلاثون وخمس مئة
فيها في المحرم وَصَلَ يرنقش الزَّكوي في أمورٍ صعبة رُفِعَتْ إلى الخليفة؛ منها أَنَّه مطالبٌ بخطٍّ كتبه المسترشد بسبع مئة ألف دينار ليتخلَّص من أَسْره، ومطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاث مئة ألف دينار، وقسط على أهل بغداد خمس مئة ألف دينار وغير ذلك، فاستشار الرَّاشدُ أربابَ دولته، فأشاروا عليه بالمكاشفة، فبعث إلى يرنقش يقول: قد عَلِمْنا في أيِّ شيء جِئْتَ: أما الأموال المضمونة فإنَّها كانت لإعادة الخليفة إلى داره سالمًا، ومستقرِّ عِزِّه آمنًا، لا للممالأة على قتله، وأما أموال النَّاس فلا سبيلَ إليها، وما لك عندنا إلا السَّيف؛ وأنا مطالِبٌ بثأر أبي.
وقطع خُطْبة سنجر ومسعود، وكاتَبَ زَنْكي، وأطمعه في المُلْك، وقال: يكون الملك ألب رسلان بن محمود الذي عندك، وأنت أتابكه.
وكاتَبَ يرنقش البازدار وإقبال الخادم، وأياز صاحب محمود فَقَدِمُوا عليه، وعليهم ثيابُ العزاء، فحسَّنوا للرَّاشد الخروج، واستوزر أبا الرِّضى ابن صدقة، وجاء داود، فنزل دار المملكة، وبَعَثَ الرَّاشد إليه وإلى زَنْكي والجماعة الأموال والهدايا. وخطب لداود في صفر.
ثم إن الرَّاشد بلغه عن إقبال الخادم أنه كاتَبَ مسعودًا، فقبض عليه، فأرسل زَنْكي يقول: هذا قد جاء في صحبتي، وهو في ضماني، ولا بُدَّ من الإفراج عنه. فامتنع الرَّاشد، وشَفَعَ فيه جميعُ الأُمراء، فلم يقبل، وكان ذلك سببًا لفساد حال الرَّاشد، فركب زنكي والبازدار إلى السُّور، وأخربوا منه قطعة، وجاء زنكي فوقف تحت التَّاج، وسأل في إقبال سؤالًا تحته إلزام، وكان إقبال قد وُكِّلَ به في التَّاج، فَغَفَلَ عنه الموكَّلون، فهرب إلى زَنْكي، فَصَعُبَ على الخليفة، ووكَّل بأُستاذ الدَّار، والبوابين، وقال: كيف جرى مثل هذا؟! وكان إقبال من خُدَّام المسترشد أستاذ داره، فلما قُتِلَ المسترشد هَرَبَ من مَرَاغة إلى زَنْكي، فأقام عنده.
стр. 9729
وبعث الرَّاشد بالوزير محمد بن أحمد بن صَدَقَة إلى زنكي يوبِّخه على ما جرى منه، فلامه زنكي، وقال: ما هذا التدبير السَّيِّئ، والأفعال القبيحة؟ فقال الوزير: أنا مستجير بالله وبك لا أعود إليه، فإنه مستبدٌّ برأيه، وما يسمع مني. فقال: اجلس فأنتَ آمنٌ.
وبَعَثَ الخليفةُ يطلب الوزير، فامتنع، وقال: أيّ وزير أنا إذا كنتُ أشير عليك بالمصلحة لا تقبل مني، وتفعل ما عاقبته إلى الهلاك، قلت لك: لا تقبض الخادم ما قبلت، وقد وَلَّيتَ ابنَ الهاروني الملعون النَّصراني على المسلمين، وهو يكون سببًا لتغيير الدولة. فقبض الرَّاشد على ابن الهاروني، وأخذ منه مئتي ألف دينار، وكان قد فتح على النَّاس أبوابَ الظُّلْم والمكوس؛ وتقدَّم إلى أبي الكرم الوالي بقَتْله، فقتله، وصلبه.
وأما مسعود فإنَّه أفرج عن أربابِ الدَّوْلة وهم الوزير وابن طلحة وقاضي القضاة، وابن الأنباري، ونقيب الطَّالبيين ابن المُعَمَّر، فأما النَّقيب فتوفي لما نزل من القلعة، وأما قاضي القضاة فانحدر إلى بغداد، وأما الباقون فدخلوا بغداد مع مسعود.
وقبض الرَّاشد على أُستاذ داره أبي عبد الله بن جَهِير، وقيل: إنَّه وُجِدَتْ له مكاتبات، وبَعَثَ زَنْكي يقول: أُريد مال الخادم، فإنَّه مال السُّلْطان، ونحن نحتاج [إلى] (١) النفقات. فلم يُعْط شيئًا، وأشار زنكي على ابنِ صَدَقَة أَنْ يكون وزير السُّلْطان داود، فأجابه. وولى الخليفة أبا العَبَّاس بن بختيار قضاء واسط. وتواترتِ الأخبارُ بمجيء مسعود، فجاء زَنْكي، فدخل على الخليفة، وقبَّل يده، واستوثق منه.
وقَرُبَ مسعودٌ من بغداد، وبعث يطلب صُلْح الخليفة، فلم يُجِبْه، وأشار زنكي واليرنقش والبازدار بالخروج إلى محاربته، وضُرِبَ سُرادِقُه بباب الحَلْبة (٢)، ورُدَّ ابنُ صدقة إلى الوزارة. وخَرَجَ الرَّاشد من داره سَلْخ شعبان، وجاءت ملطّفات من مسعود إلى الأُمراء، فأحضروها إلى الخليفة وزنكي إلَّا بكبه الشِّحنة فإنَّه أنكر، فغرَّقه زنكي.
стр. 9730
وفي عاشر رمضان جاء رسولُ مسعود يطلب الصُّلح، فقال الأُمراء: ما له عندنا إلا السيف. فكاتبهم مسعود، وحَلَفَ لزنكي على المَوْصِل والشَّام، وأن ليرنقش هَمَذَان، والبازدار أَصبهان، وكَتَبَ سِرًّا إلى الأمراء بقتل زنكي، فاستفسد الجميع، وخاف بعضُهم من بعض، وأصبح الخليفةُ وليس معه أحدٌ من العساكر.
وجاء غِلْمانُ مسعود إلى تُرب الرُّصافة، فقلعوا شبابيكها، فقال زنكي للخليفة: ما تَمَّ مطلوب إلا أنا وأنت، والمصلحة خروجك معي إلى المَوْصل. ولما تيقَّن الرَّاشد مجيء مسعود، وأَنَّه لا بُدَّ له من تولية غيره، جمع الأُمراء من أبناء الخلفاء وكانوا زيادةً على العشرين، فجعلهم في سِرْداب، واستدعى أبا القاسم بن الصَّاحب حاجب الباب، وأعطاه سيفه، وقال: اذهب، فاضربْ أعناقَ الجميع وإلا ضَرَبْتُ عُنُقَك. فأخذ السيف، وخَرَجَ وتوقف، وقال: كيف أقتل أولادَ الخلفاء! وجاء إلى باب السِّرْداب وليس في عزمه شيء. فوقف متحيِّرًا، وإذا بصائحٍ يصيح: وصَلَتْ مقدِّمات مسعود إلى السور. فخرج الرَّاشد من باب البُشْرى، وقد حمل من الجواهر ما قَدَرَ عليه، ومعه قاضي القضاة الزَّينبي، وابن صدقة وزيره، وإذا زنكي واقفٌ ينتظره، وكان خروجه ليلة السبت رابع عشرة ذي القَعدة، وسار يوم السبت، وليس معه شيء من آلة السَّفر، وسَلَّم مفاتيح داره إلى خاتون زوجة المستظهر، وترك في الدَّار من الأموال والذخائر والجواهر أضعاف ما كان مع المسترشد، فاستدلَّ النَّاسُ بذلك على إدبار أمره.
وقيل: إن زنكي لما وصلت مقدِّمات مسعود إلى الرُّصافة سار إلى المَوْصِل، ونَهَبَ أصحابه أَوَانا ودُجَيل، ولحقه الخليفة.
ودخل مسعود بغداد يوم الأحد خامس عشرة ذي القعدة، وبَعَثَ إلى الرَّاشد يسأله الرجوع إلى داره، واسترضاه، فلم يثق به، ولم يرجع، فجمع مسعودٌ القُضَاة والشهود والأعيان، وأَخْرَجَ لهم نسخة يمينٍ كانت بينه وبين الرَّاشد أخذها عليه بكبه، وفيها بخطِّه: متى جنَدْتُ أو حاربتُ أو جذبتُ سيفًا في وَجْه مسعود فقد خلعتُ نفسي من هذا الأمر. وفيها خطوطُ القُضاة والشُّهود، فشهد بذلك، وحكم القضاة بخلعه.
стр. 9731
وقال صدقة الحَدَّاد الحَنْبلي (١) في "تاريخه": إنَّ الوزير أبا القاسم بن طِراد صدَّر محضرًا على الرَّاشد فيه أنواعٌ من الكبائر ارتكبها من الفسق والفجور، ونكاح أُمهات أولاد أبيه، وأخذِ أموال النَّاس، وسَفْكِ الدِّماء، وأنه فعل أشياءَ لا يجوز أن يكون معها إمامًا، فتوقف الشُّهود، فتهدَّدهم ابنُ طِراد، وقال: عَلِمْتُم صحة هذا وتيقنتموه، فما المانع من إقامة الشهادة؟ فشهدوا، ومن جُمْلة من شهد فيه ابن الكَرْخي، وابن البَيضاوي، وابن الهِيْتي، ونقيب الطَّالبيين، وابن الرَّزَّاز (٢)، وابن شافع الحنبلي، وحكم بخلعه يوم الاثنين ثامن عشرة ذي القعدة، وولّوا المقتفي.
الباب الحادي والثلاثون في خلافة المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر، أخو المسترشد، عَمّ الرَّاشد
وكنيته أبو عبد الله، ومولده في ربيع الأَوَّل سنةَ تسعٍ وثمانين وأربع مئة. وأمه نسيم أُمّ ولد مولَّدة صفراء وتلقب بستِّ السَّادة، وقيل: اسمها عذار، وكان يضرب بها المَثَلُ في الكَرَم والفَضْل، وسنُّ المقتفي يومئذٍ اثنتان وأربعون سنة، واستوزر ابن طِراد.
وإنَّما لُقِّب بالمقتفي لأَنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ في منامه قبل أن يلي الخلافة بستة أيام، وهو يقول له: ستلي هذا الأمر، فاقتفِ بي.
ولما ولي مضت خاتون المستظهرية إلى دار السُّلْطان لتسأله في أولاد الرَّاشد وجواريه وحُرَمه وأمواله، فرجعت وقد بَعَثَ مَنْ أخذ جميعَ ما في الدَّارِ من الذَّهب والفِضَّة والجواهر والخيل والثياب والحُصُر، ولم يدع في الإسطبل سوى أربعةِ أفراس، وثلاث بغال لنقل الماء. وكان قد تقرَّر على المقتفي مال البيعة، فأخذ الجميع عِوَضًا عن ذلك، وطولب المقتفي بمالٍ، فقال: قد أخذتم جميعَ ما كان في الدَّار حتى الحُصُر، فمن أين لي مال؟ وعَرَضَ عقاره، فلم يتجاسر أحدٌ أن يشتريه.
стр. 9732
وبعث مسعود غِلْمانه إلى حظايا الرَّاشد، فسلبوهن حُلِيَّهُنَّ، وكشفوا وجوههن، وأخذوا الحَلَق من آذانهنّ، وفضحوهن، وأخذوا حتى ثيابهن.
وأما الرَّاشد فإنَّه وصل المَوْصل سَلْخ ذي القعدة، فأنزله زنكي دار السَّلْطنة، وخدمه.
وفيها قَدِمَ بغداد الحسن بن يعيش (١)، أبو علي المَوْصلي، شاعِرٌ مجيد، ومن شعره: [من الرجز]
ما ذَكَرَتْ كُثْبَ (٢) الصَّريمِ والنَّقا … بحاجرٍ إلا ومَدَّتْ عُنُقا
وأَظْهَرَتْ تنفُّسًا مَعْ نَفَسي … كادتْ له الأظعانُ أَنْ تَحْتَرِقا
رِفقًا بها يا أيُّها الحادي فما … يَضُرُّ حادي الرَّكْبِ لو تَرَفَّقا
كم سُقْتَ يومَ بَينِهِمْ حُشاشةً … مَعْك وكَمْ خَلَّفْتَ جُثْمانًا لَقى
وقال: [من الرجز]
هَبَّتْ لنا نُسَيمةٌ نَجْدِيَّةٌ … فَرَفَعَتْ أعناقَها حنينا
واسْتَنْشَقَتْ رَيَّا رُباها فَغَدتْ … تَسُحُّ مِنْ عيونها عيونا
ارخِ لها زِمامَها لو لم تكن … حزينةً لم تَجُبِ الحُزُونا
وقُلْ لها جِدِّي السُّرى لِتَرِدِي … ماءً بأَرْضِ حاجرٍ مَعِينا
أشْمَلَها نحو بلاغٍ رامَهُ … وشوقُها يَسُوقُها يمينا
وفيها أخذ شهابُ الدِّين محمود بن بوري صاحب دمشق حِمْصَ وقلعتها من خيرخان بن قراجا (٣) بسفارة الحاجب يوسف بن فيروز، وكان مقيمًا بتدمر على ما وصَفْنا، وأخذ حماة أيضًا، وكان زَنْكي مشغولًا بالخليفة، وكان خليفته بحلب الأمير سوار، وقد قنع منه بالاسم لا غير.
وحَجَّ بالنَّاس نَظَر.
стр. 9733
وفيها توفي
علي بن أحمد بن منصور (١)
أبو الحسن بن قُبَيْس، الغَسَّاني، النَّحْوي، الزَّاهد.
كان منقطعًا عن الناس بالمنارة الشَّرْقية بجامع دمشق، وكان عالمًا بالفرائض والأدب والحساب، ثِقَةً، وَرِعًا، يُفْتي على مذهب مالك.
توفي يوم عرفة، ودفن بالباب الصَّغير، [سمع الخطيب وغيره، وروى عنه الحافظ ابن عساكر وغيره] (٢).
[فصل: وفيها توفي
علي بن أحمد بن الحسن (٣)
أبو الحسن المُوَحِّد، ويعرف بابن بَقْشلان، ويقال بَقْشلام -بالميم- ذكره جَدِّي في "مشيخته" ولو تركه كان أَوْلى لثلاثة أوجه، إحداها أَنَّه قال: إنما سمِّي البقشلام، لأن أباه باتَ ليلةً بقرية من قُرى بغداد يقال لها شلام كثيرة البق، فكان يقول طول الليل: بن شلام، وهذا كلام لا فائدة فيه. والثَّاني أَنَّ جدي ذكره في "المشيخة"، وقال: كان شيخنا ابن ناصر يغمزه بشيئين، أحدهما الميل إلى الأشاعرة، والثاني بخدمة السلطان، فَظَلَمَ جماعةً من أهل السَّواد. الثَّالث: أن جدي حكى في "المنتظم" عن ابن ناصر أنه قال: كان في أيام الفِتَن مع أهل البِدَع، ولم يكن من أهل السُّنة ولا العارفين بالحديث، فلا يحتجُّ بروايته.
قلتُ: ومن هذا حاله كيف تجوز الرواية عنه؟ ثم عاد جدي في "المنتظم" وثقه، وقال: ولد ابن البقشلام في شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة، وسمع من
стр. 9734
أبي الحسين بن المهتدي، وأبي يعلى الفراء، وأبي جعفر بن المُسْلمة، وأبي الحسين بن النَّقور وغيرهم، وحدَّثَنا عنهم، وكان سماعُه صحيحًا وظاهره الثِّقة. ثم ذكر عن ابن ناصر له بما ذكرناه، وتوفي في رمضان، [ودفن] (١) بباب أبرز] (٢).
القاسم بن عبد الله بن القاسم (٣)
ابن الشهرزوري، شمس الدين، أخو القاضي كمال الدين
ولي قضاء المَوْصِل، وكان يعظُ النَّاس، وله قَبُول حَسَن، وهو القائل القصيدة المشهورة (٤)، وهي: [من الخفيف]
لَمَعَتْ نارُهُم وقد عَسْعَسَ الليـ … ــــــلُ وحار الحادي وضَلَّ الدَّليلُ
فتأَمَّلْتُها وقلتُ لصَحبي … هذه نارُ آلِ ليلى فَمِيلُوا (٥)
وفؤادي ذاك الفؤادُ المُعَنَّى … وغرامي ذاك الغرامُ الدَّخيلُ
فرمَوْا نحوها لِحاظًا صحيحا … تٍ فعادتْ خواسئًا وَهْي حُولُ
ثم مالوا إلى المَلامِ وقالوا … خُلَّبٌ ما رأيتَ أو تخييلُ
فَتَجَنَّبْتُهم وملتُ إليها … والهوى مركبي وشَوقي الزَّميلُ
ومعي صاحبٌ (٦) أتى يقتفي الآ … ثارَ والحبّ شَرطُهُ التَّطْفيلُ
وَهْي تَعلُو ونحن ندنو إلى أنْ … حَجَزَتْ دونَها طلولٌ مُحولُ
стр. 9735
فَدَنَوْنا من الطُّلولِ فحالتْ … زَفَرَاتٌ مِنْ دونها وغليلُ
قلتُ مَنْ بالدِّيارِ قالوا أسيرٌ … وجريحٌ مُكَبَّلٌ وقتيلُ (١)
ما الذي جئتَ تَبْتَغي قلتُ ضيفٌ … جاءَ يبغي القِرى حواه المَقِيلُ
فأشاروا بالرَّحبِ دونك فاعقِر … بها فما عندنا لضَيفٍ رحيلُ
من أتانا ألقى عصا السَّيرِ عنه … قلتُ مَنْ في بها وكيفَ السَّبيلُ
فَحَطَطْنا إلى منازِلِ قَوْمٍ … صَرَعَتْهم قبلَ المذاقِ الشَّمُولُ
دَرَسَ الوَجْدُ منهمُ كلَّ رَسْمٍ … فَهْوَ رَسْمٌ والقَوْمُ فيهِ حُلُولُ (٢)
ومنَ القومِ مَنْ يشيرُ إلى وجْـ … ــــد تبقَّى عليه منه القليلُ (٣)
قلتُ أهلَ الهوى سلامٌ عليكم … لي فؤادٌ عنكم بكم مشغولُ (٤)
لم يزل حافِزُ التَّشَوُّقِ يحدو … ني إليكم والحادثاتُ تحولُ
جئتُ كي أَصطَلي فَهلْ لي إلى نا … رِكُمُ هذه الغَدَاة سبيلُ
لا تروقَنَّكَ الرياضُ الأنيقا … تُ فمِنْ دونها رُبًا ومحولُ
ليسَ إلا الأنفاسُ تُخْبِرُ عنه … وَهْو عنها مبرَّأٌ مَعزولُ