← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

وقال صدقة الحَدَّاد الحَنْبلي (١) في "تاريخه": إنَّ الوزير أبا القاسم بن طِراد صدَّر محضرًا على الرَّاشد فيه أنواعٌ من الكبائر ارتكبها من الفسق والفجور، ونكاح أُمهات أولاد أبيه، وأخذِ أموال النَّاس، وسَفْكِ الدِّماء، وأنه فعل أشياءَ لا يجوز أن يكون معها إمامًا، فتوقف الشُّهود، فتهدَّدهم ابنُ طِراد، وقال: عَلِمْتُم صحة هذا وتيقنتموه، فما المانع من إقامة الشهادة؟ فشهدوا، ومن جُمْلة من شهد فيه ابن الكَرْخي، وابن البَيضاوي، وابن الهِيْتي، ونقيب الطَّالبيين، وابن الرَّزَّاز (٢)، وابن شافع الحنبلي، وحكم بخلعه يوم الاثنين ثامن عشرة ذي القعدة، وولّوا المقتفي. الباب الحادي والثلاثون في خلافة المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر، أخو المسترشد، عَمّ الرَّاشد وكنيته أبو عبد الله، ومولده في ربيع الأَوَّل سنةَ تسعٍ وثمانين وأربع مئة. وأمه نسيم أُمّ ولد مولَّدة صفراء وتلقب بستِّ السَّادة، وقيل: اسمها عذار، وكان يضرب بها المَثَلُ في الكَرَم والفَضْل، وسنُّ المقتفي يومئذٍ اثنتان وأربعون سنة، واستوزر ابن طِراد. وإنَّما لُقِّب بالمقتفي لأَنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ في منامه قبل أن يلي الخلافة بستة أيام، وهو يقول له: ستلي هذا الأمر، فاقتفِ بي. ولما ولي مضت خاتون المستظهرية إلى دار السُّلْطان لتسأله في أولاد الرَّاشد وجواريه وحُرَمه وأمواله، فرجعت وقد بَعَثَ مَنْ أخذ جميعَ ما في الدَّارِ من الذَّهب والفِضَّة والجواهر والخيل والثياب والحُصُر، ولم يدع في الإسطبل سوى أربعةِ أفراس، وثلاث بغال لنقل الماء. وكان قد تقرَّر على المقتفي مال البيعة، فأخذ الجميع عِوَضًا عن ذلك، وطولب المقتفي بمالٍ، فقال: قد أخذتم جميعَ ما كان في الدَّار حتى الحُصُر، فمن أين لي مال؟ وعَرَضَ عقاره، فلم يتجاسر أحدٌ أن يشتريه.

стр. 9732

وبعث مسعود غِلْمانه إلى حظايا الرَّاشد، فسلبوهن حُلِيَّهُنَّ، وكشفوا وجوههن، وأخذوا الحَلَق من آذانهنّ، وفضحوهن، وأخذوا حتى ثيابهن. وأما الرَّاشد فإنَّه وصل المَوْصل سَلْخ ذي القعدة، فأنزله زنكي دار السَّلْطنة، وخدمه. وفيها قَدِمَ بغداد الحسن بن يعيش (١)، أبو علي المَوْصلي، شاعِرٌ مجيد، ومن شعره: [من الرجز] ما ذَكَرَتْ كُثْبَ (٢) الصَّريمِ والنَّقا … بحاجرٍ إلا ومَدَّتْ عُنُقا وأَظْهَرَتْ تنفُّسًا مَعْ نَفَسي … كادتْ له الأظعانُ أَنْ تَحْتَرِقا رِفقًا بها يا أيُّها الحادي فما … يَضُرُّ حادي الرَّكْبِ لو تَرَفَّقا كم سُقْتَ يومَ بَينِهِمْ حُشاشةً … مَعْك وكَمْ خَلَّفْتَ جُثْمانًا لَقى وقال: [من الرجز] هَبَّتْ لنا نُسَيمةٌ نَجْدِيَّةٌ … فَرَفَعَتْ أعناقَها حنينا واسْتَنْشَقَتْ رَيَّا رُباها فَغَدتْ … تَسُحُّ مِنْ عيونها عيونا ارخِ لها زِمامَها لو لم تكن … حزينةً لم تَجُبِ الحُزُونا وقُلْ لها جِدِّي السُّرى لِتَرِدِي … ماءً بأَرْضِ حاجرٍ مَعِينا أشْمَلَها نحو بلاغٍ رامَهُ … وشوقُها يَسُوقُها يمينا وفيها أخذ شهابُ الدِّين محمود بن بوري صاحب دمشق حِمْصَ وقلعتها من خيرخان بن قراجا (٣) بسفارة الحاجب يوسف بن فيروز، وكان مقيمًا بتدمر على ما وصَفْنا، وأخذ حماة أيضًا، وكان زَنْكي مشغولًا بالخليفة، وكان خليفته بحلب الأمير سوار، وقد قنع منه بالاسم لا غير. وحَجَّ بالنَّاس نَظَر.

стр. 9733

وفيها توفي علي بن أحمد بن منصور (١) أبو الحسن بن قُبَيْس، الغَسَّاني، النَّحْوي، الزَّاهد. كان منقطعًا عن الناس بالمنارة الشَّرْقية بجامع دمشق، وكان عالمًا بالفرائض والأدب والحساب، ثِقَةً، وَرِعًا، يُفْتي على مذهب مالك. توفي يوم عرفة، ودفن بالباب الصَّغير، [سمع الخطيب وغيره، وروى عنه الحافظ ابن عساكر وغيره] (٢). [فصل: وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن (٣) أبو الحسن المُوَحِّد، ويعرف بابن بَقْشلان، ويقال بَقْشلام -بالميم- ذكره جَدِّي في "مشيخته" ولو تركه كان أَوْلى لثلاثة أوجه، إحداها أَنَّه قال: إنما سمِّي البقشلام، لأن أباه باتَ ليلةً بقرية من قُرى بغداد يقال لها شلام كثيرة البق، فكان يقول طول الليل: بن شلام، وهذا كلام لا فائدة فيه. والثَّاني أَنَّ جدي ذكره في "المشيخة"، وقال: كان شيخنا ابن ناصر يغمزه بشيئين، أحدهما الميل إلى الأشاعرة، والثاني بخدمة السلطان، فَظَلَمَ جماعةً من أهل السَّواد. الثَّالث: أن جدي حكى في "المنتظم" عن ابن ناصر أنه قال: كان في أيام الفِتَن مع أهل البِدَع، ولم يكن من أهل السُّنة ولا العارفين بالحديث، فلا يحتجُّ بروايته. قلتُ: ومن هذا حاله كيف تجوز الرواية عنه؟ ثم عاد جدي في "المنتظم" وثقه، وقال: ولد ابن البقشلام في شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة، وسمع من

стр. 9734

أبي الحسين بن المهتدي، وأبي يعلى الفراء، وأبي جعفر بن المُسْلمة، وأبي الحسين بن النَّقور وغيرهم، وحدَّثَنا عنهم، وكان سماعُه صحيحًا وظاهره الثِّقة. ثم ذكر عن ابن ناصر له بما ذكرناه، وتوفي في رمضان، [ودفن] (١) بباب أبرز] (٢). القاسم بن عبد الله بن القاسم (٣) ابن الشهرزوري، شمس الدين، أخو القاضي كمال الدين ولي قضاء المَوْصِل، وكان يعظُ النَّاس، وله قَبُول حَسَن، وهو القائل القصيدة المشهورة (٤)، وهي: [من الخفيف] لَمَعَتْ نارُهُم وقد عَسْعَسَ الليـ … ــــــلُ وحار الحادي وضَلَّ الدَّليلُ فتأَمَّلْتُها وقلتُ لصَحبي … هذه نارُ آلِ ليلى فَمِيلُوا (٥) وفؤادي ذاك الفؤادُ المُعَنَّى … وغرامي ذاك الغرامُ الدَّخيلُ فرمَوْا نحوها لِحاظًا صحيحا … تٍ فعادتْ خواسئًا وَهْي حُولُ ثم مالوا إلى المَلامِ وقالوا … خُلَّبٌ ما رأيتَ أو تخييلُ فَتَجَنَّبْتُهم وملتُ إليها … والهوى مركبي وشَوقي الزَّميلُ ومعي صاحبٌ (٦) أتى يقتفي الآ … ثارَ والحبّ شَرطُهُ التَّطْفيلُ وَهْي تَعلُو ونحن ندنو إلى أنْ … حَجَزَتْ دونَها طلولٌ مُحولُ

стр. 9735

فَدَنَوْنا من الطُّلولِ فحالتْ … زَفَرَاتٌ مِنْ دونها وغليلُ قلتُ مَنْ بالدِّيارِ قالوا أسيرٌ … وجريحٌ مُكَبَّلٌ وقتيلُ (١) ما الذي جئتَ تَبْتَغي قلتُ ضيفٌ … جاءَ يبغي القِرى حواه المَقِيلُ فأشاروا بالرَّحبِ دونك فاعقِر … بها فما عندنا لضَيفٍ رحيلُ من أتانا ألقى عصا السَّيرِ عنه … قلتُ مَنْ في بها وكيفَ السَّبيلُ فَحَطَطْنا إلى منازِلِ قَوْمٍ … صَرَعَتْهم قبلَ المذاقِ الشَّمُولُ دَرَسَ الوَجْدُ منهمُ كلَّ رَسْمٍ … فَهْوَ رَسْمٌ والقَوْمُ فيهِ حُلُولُ (٢) ومنَ القومِ مَنْ يشيرُ إلى وجْـ … ــــد تبقَّى عليه منه القليلُ (٣) قلتُ أهلَ الهوى سلامٌ عليكم … لي فؤادٌ عنكم بكم مشغولُ (٤) لم يزل حافِزُ التَّشَوُّقِ يحدو … ني إليكم والحادثاتُ تحولُ جئتُ كي أَصطَلي فَهلْ لي إلى نا … رِكُمُ هذه الغَدَاة سبيلُ لا تروقَنَّكَ الرياضُ الأنيقا … تُ فمِنْ دونها رُبًا ومحولُ ليسَ إلا الأنفاسُ تُخْبِرُ عنه … وَهْو عنها مبرَّأٌ مَعزولُ

стр. 9736

ولكل رأيتُ منهم مقامًا … شَرحُه في الكتابِ ممَّا يطولُ وجُفوني قد أَقْرَحَتْها مع الدّمـ … ـــــــع حنينًا إلى لقاكُم سيولُ واعتذاري ذنبٌ فهل عند مَنْ يعـ … ـــــلمُ عُذْري في تَركِ عُذْري قَبُولُ فأجابَتْ شواهدُ الحالِ عنهم … كل حد مِنْ دونها مفلولُ كما أتاهُم قومٌ على غِرةٍ منـ … ـها وراموا أمرًا فَعَزَّ الوصولُ وقفوا شاخِصِينَ حتى إذا ما … لاح للوَصلِ غُرَّةٌ وحُجُول وَبَدتْ رايةُ الوفا بيدِ الوَجْـ … ـــــــد فَنُودوا أهلَ الحقائقِ جُولوا أين من كان يدَّعينا فهذا الـ … ــيومُ فيهِ صِبْغ الدَّعاوى يَحُولُ بذلوا أنْفُسًا سَخَتْ حين شَحَّتْ … بوصالٍ واسْتُصغِرَ المَبْذُولُ قَذفتْهم إلى الرُّسومِ فكل … دمهُ في طلولها مَطْلُولُ نارُنا هذه تضيءُ لمن يَسْـ … ـــري بليلٍ لكنَّها لا تُنيلُ جاءَها مَنْ عَلِمْتَ يبغي قِراها … وله البَسْطُ والمُنَى والسُّولُ فتعالتْ عن المنالِ وعَزَّتْ … عن دُنُوِّ إليه وَهْوَ رَسُولُ فوقَفْنا كما رأيتَ حَيارَى … كل عَزْمٍ مِنْ دونها مغلولُ نَدْفَعُ الوقتَ بالرَّجاءِ وناهيـ … ـكَ بقلبٍ غذاؤه التَّعليلُ هذه حالُنا وما وَصَلَ العلـ … ــــمُ إليهِ وكلُّ حالٍ تحولُ من أبياتٍ. وقيل: إنَّها لغيره (١). محمد بنُ عبد الله بن أحمد (٢) ابن حبيب، أبو بكر العامري، ويعرف بابن الخَبَّازة.

стр. 9737

ولد سنة تسع وستين وأربع مئة، وسافر إلى البلاد، [وسمع الحديث بنيسابور وبَلْخ وهراة، ودخل مرو وخراسان] (١)، وشرح كتاب "الشهاب" (٢)، وكانت له معرفةٌ بالفِقْه والحديث، وكان يعظ على طريقة الصّوفية. [وذكره جدي في "مشيخته" وقال: كان] (١) قليل التكلف، وكثيرًا ما يصعد المنبر (٣) [وبيده مروحةٌ يتروَّح بها. قال: وسمعته يومًا ينشد] (٤): [من البسيط] كيفَ احتيالي وهذا في الهوى حالي … والشَّوقُ أَملَكُ بي من عَذْلِ عُذَّالي وكيفَ أَسْلُو وفي حُبِّي له شُغُلٌ … يحولُ بين مُهِمَّاتي وأَشْغالي [قال] (١): وبنى رِباطًا بقَرَاح أبي الشَّحم (٥)، واجتمع إليه جماعةٌ من المتزهِّدين، فلما احْتُضِرَ، قالوا: أَوْصِنا. فقال: راقبوا الله في الخلوات، واحذروا مثل مصرعي هذا، فقد عشت إحدى وستين سنة، وما كأَني رأيتُ الدّنيا. ثم أنشد: [من الكامل] ها قد مَددتُ يدي إليكَ فَرُدَّها … بالعَفْو لا بشماتةِ الأَعداءِ وهذا البيت لأبي نَصر بن القُشَيري (٦)، وإنما تمثَّل به [ابنُ الخَبَّازة عند الموت.

стр. 9738

وكانت وفاته] (١) في رمضان، ودُفِنَ في رِباطه، ثم جاء الغَرَق سنة أربعٍ وخمسين وخمس مئة، فهدَم تلك المَحَلَّة والرِّباط، وعفَّى آثارَ القبر. [سمع ببغداد أبا محمد التميمي، وأبا الفوارس طِراد الزَّينبي وغيرهما] (٢). وكان ابن الخَبَّازة صدوقًا ثِقَةً. محمد بن حَمُّويه بن محمد (٣) ابن حَمُّويه الجُوَيْني، أحد المشهورين بالزهْد والصَّلاح، والفَضْل والعِلْم، صاحبُ كرامات، وله مريدون بالعراق وخُرَاسان، وكان زاهدًا وَرِعًا. قرأ الفِقْه والأصولين على إمام الحرمين، ثم انجذبَ إلى الزُّهْد والعبادة، وحَجَّ مرَّات، وكان دعاؤه مستجابًا، وكان السلْطان سنجر والملوك يزورونه، ولا يغشى أبوابهم، ولا يقبل صِلاتهم، ولا يأكل من الأوقاف، كان له قطعةُ أرضٍ من ملكه يزرعها خادم له، ويتقوَّت منها، وبنى خانكاه بُحَيْراباذ (٤) إلى جانب داره، وأوقف عليها أوقافًا. وصنَّف كتاب "لطائف الأذهان في تفسير القرآن"، و"سلوة الطَّالبين في سير سيِّد المرسلين"، وكتاب "الأربعين في الحديث"، وطريقة في الفقه في ترتيب الأحاديث، وكتاب في علوم الصُّوفية، وغير ذلك. وولد في المحرَّم سنة تسعٍ وأربعين وأربع مئة ببُجَيْراباذ، وتوفي بإسفرايين غُرَّة ربيع الأول، وحُمِلَ إلى بحيراباذ، فَدُفِنَ في داره. وأخذ طريق التصوف عن أبي الفَضْل بن محمد الفارمَذِي، عن أبي القاسم الطُّوسي، عن أبي [عثمان سعيد] (٥) بن سَلَّام المَغْربي، عن أبي عمرو الزجَاجي، عن

стр. 9739

الجُنَيْد، عن خاله سَرِيّ، عن معروف الكرخي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمي، عن الحسن البَصرِي، عن علي ﵇، عن النَّبي ﷺ . واللُّبْس من الفارمَذي إلى الزُّجَاجي، ومن الجنيد صحبةً لا خرقة. [وفيها توفي أبو عبد الله المقرئ الفُراوي النيسابوري الصَّاعِدي (١) واسمه] (٢) محمد بن الفَضْل بن أحمد بن محمد بن أبي العَبَّاس، أبو عبد الله الفُرا وي (٣) النَّيسابوري، وفُراوة بلدٌ من بلاد خُراسان. ولد بنيسابور سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، ورحل إلى الأمصار، وسمع الحديث الكثير، وتفقَّه، وأفتى، ووعظ، وكان كريم الأخلاق، حُلْوَ الكلام، حَسَنَ العبارة، جَوَادًا، يخدم الغرباء بنفسه مع كِبَرِ السِّنِّ. وتوفي في شوال، ودُفِنَ عند محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، سمع "صحيح البخاري" من سعيد بن أبي سعيد العَيَّار، وسمع "صحيح مسلم" على عبد الغافر الفارسي، [وسمع بنيسابور أبا عثمان الصَّابوني، وأبا بكر البيهقي، وأبا القاسم القُشَيري، وأبا المعالي الجويني، وقدم بغداد حاجًّا، فسمع بها من الزينبي (٤) وطبقته] (٢)، وأملى أكثر من ألفِ مجلس، وكان على خاتمه مكتوب: الفُراوي [ألف راوي] (٢)، وآخر ما حُمِل في مِحَفَّةٍ إلى قبر مُسْلم بن الحَجَّاج، فَتُمِّمَ عليه قراءة "الصحيح"، وبكى، وأبكى الحاضرين، وقال: لعل هذا الكتاب لا يُقرأ عليَّ بعد هذا اليوم. فكان كما قال، توفي عقيب ذلك، وأجمعوا على عدالته وفَضْله، [وكان أوحد عصره] (٢).

стр. 9740

المُطفَّر بن الحسين بن علي (١) أبو الفتح المردُوسني (٢)، أحد حُجَّاب الخليفة. ولد سنة ست وخمسين وأربع مئة، وأقام مُدَّة في الحجابة، ثم تزهَّدَ، ولَبِس الفُوَط، وتَرَكَ ما كان فيه، وسَمِعَ الحديث. يوسف بن فيروز، حاجب شمس الملوك قد ذكرنا هربه إلى تدمر، وسفارته بين قراجا (٣) وشهاب الدِّين محمود في تسليم حِمْص، وحَلَفَ له شهابُ الدِّين وأمَّنه، فعاد إلى دمشق ينوب في التَّنبير عن معين الدِّين أُنَر، وكان في نفس الغِلْمان الأتابكية عليه حقد، لأنَّ أيلبا لما قَفَزَ على شمس الملوك أشار عليه بقتله (٤)، وكان بزواش (٥) أتابك العسكر يحسُدُه، ويوسف يهينه ويهين الأتابكية، فاتَّفقوا على قَتْله، فالتقاه بزواش عند المسجد الجديد في جُمادى الآخرة، فضربه بالسَّيفِ على وجهه، فقتله وهرب، وطلبه شهابُ الدِّين محمود، وقال: لا بُدَّ من قتله وقَتْلِ الغِلْمان الأتابكية، فقيل له: في هذا إفسادُ الدولة، وأعداؤك من كلِّ جانب. فسكت على مَضَضٍ، وعاد بزواش إلى دمشق. السَّنة الحادية والثلاثون وخمس مئة فيها طالبَ السُّلْطانُ المقتفي وحواشيَهُ بمئة ألف دينار، فبعث إليه المقتفي يقول: ما رأيتُ أعجبَ من أمرك، أنتَ تعلم أَنَّ المسترشد سار إليك بأمواله، فوصل الكُلُّ إليك، ورجع أصحابه عُراة، وولي الرَّاشد، وفعل ما فَعَل، ثم رحل وأبقى أمواله

стр. 9741

وأثاثه في الدَّار، فأخذتَ الجميع، وأما النَّاس فقد عاهدتُ الله أني لا آخذ لأحدٍ دِرهمًا واحدًا وقد أخذتَ الجوالي (١) والتَرِكات، فمن أيَّ وَجْهٍ أُقيم لك هذا المال؟ ما بقي إلا أن أخرجَ من الدَّار وأُسَلِّمَها إليك! ووقف رجلٌ للسلْطان، وقال له: أنتَ المطالب بما يجري على المسلمين، فما جوابك غدًا عند الله، ولا تكن ممن تأخذه العِزَّة بالإثم. فأَسْقَطَ المال، ثُم شَرَعَ بعد ذلك في مصادراتِ النَّاس. وفيها وصل خادِمٌ من عند سنجر يقال له يُمْن ببيعةِ سنجر، فدخل مسعود على المقتفي، فبايعه عن عمِّه سنجر، وخَرَجَ إلى المَوْصِل، فطَلَبَ الرَّاشد، فقال زنكي: قد أَجَرتُه، ولا أقدر على تسليمه. وتوجَّه الرَّاشد نحو أَذْرَبيجان. وفي شعبان عَقَدَ المقتفي على فاطمة بنت محمد بن ملك شاه؛ أُخت مسعود، وحَضَرَ مسعود والأكابر، وتولى العقد [وزير الخليفة] (٢)، ونُثِرَ اللؤلؤ والجَوْهر، وتماثيل الكافور والعنبر. وتوجَّه السُّلْطان إلى الجبل، وخلَّف نائبه بالعراق البقش الكبير (٣) السِّلاحي، فورد سَلْجوق شاه بن محمد إلى واسط والحِلَّة، وطَمِعَ في السَّلْطنة، فطرده البقش، وكان مُستضعفًا. وسار الملك داود وعساكر أَذْرَبيجان إلى مسعود، وجَرَتْ بينهم حروب عظيمة، ثم قَصَدَ مسعود أَذْرَبيجان، وقصد داود همَذَان، ووصلَهما الرَّاشد يوم الوقعة، وكان زَنْكي بالمَوْصِل، فكتَبَ إليه المقتفي، وأعطاه بلادًا عيَّنها، وبعث خطوط القُضاة والشُّهود بخَلْعِ الرَاشد، فَقُرئ بالمَوْصِل، وأجاب زَنْكي، وخَلَعَ الرَّاشد (٤)، وخَطَبَ للمقتفي ومسعود، وقطع خُطْبة الرَّاشد وداود، فبعث الرَّاشِدُ إليه يقول: غَدرتَ يا زَنْكي! فقال: ما في بالخليفة ومسعود طاقة، والمصلحة أن تمضي إلى داود. فمضى في نفرٍ قليل، وتخلَّى عنه وزيرُه ابنُ صدقة ودَخَلَ المَوْصِل، ولم يبقَ معه صاحبُ عِمامة

стр. 9742

سوى أبي الفتوح الواعظ، وكان مسعود قد بعث ألفي فارس للقَبْض عليه، ففاتهم، ومضى إلى مَرَاغة، وجاء إلى قبر أبيه، وحثا التُّرابَ على رأسه، وخرج [إلى] (١) أهل مَرَاغة، وكان يومًا مشهودًا، وحملوا إليه الأموال. وقوي داود، والتقى بمسعودٍ قريبًا من همَذَان، فكسر داودُ مسعودًا أقبح كسرةٍ، وقتل أمراءه، ونهبَ خزائنه، وأخذ منه جميعَ ما كان أخذه من خزائن المسترشد والرَّاشد، وانهزم مسعودٌ في نَفَرٍ يسير إلى أصبهان، وأسر أصحابه: سنقرجاه صاحب زَنْجان، وأرغان صاحب مَرَاغة، ومحمد بن آق سُنْقُر، وهؤلاء كانوا بطانةَ مسعود وأعوانه، وهم الذين أشاروا عليه بقتل المسترشد، فقال له الأمير قراجا: اضرب أعناقهم. فقتلهم صبرًا، ومَثلَ بهم كلَّ مُثْلَةٍ. وسار داود والرَّاشد خلف مسعود إلى أَصبهان، فانهزم إلى بغداد في نَفَرٍ يسير على أقبح حالٍ، ووصل جميع ما أخذه من الخليفتين إلى داود، وبوزابا وعسكرهما، ونزل مسعود في دار المملكة ذليلًا حقيرًا، وطَمِعَ العوامُ فيه وفي أصحابه، وشَرَعَ في مصادرات النَّاس، فما كان مَيْتٌ يُقْبَرُ إلا برقعةٍ من نواب مسعود يأخذون ما شاؤوا، وكتبوا على الحَفَّارين، وأشهدوا أن لا يدفنوا أحدًا حتى يخبروهم به. وفيها جلس أبو النَّجيب (٢) في دار رئيس الرؤساء بالقَصرِ للتدريس، وجُعِلَتِ الدَّارُ مدرسة. وفيها تتبَّع المقتفي القوم الذين أفتوا بفِسْق الرَّاشد وكتبوا المحضر، وعاقَبَ من استحق العقوبة، وعَزَلَ من يستحق العَزْل، ونَكَبَ الوزيرَ شرفَ الدِّين عليَّ بن طِراد الزَّينَبي، وكان سببَ ذلك. وقال المقتفي: إذا فعلوا هذا مع غيري فهم يفعلونه معي. وعَزَلَ ابنَ طِراد أقبح عَزْلٍ، واستصفى أمواله، واستوزر سديدَ الدَّوْلة بن الأنباري، وكان كاتبَ الإنشاء.

стр. 9743

وفيها ملك صاحبُ مارِدِين قلعة الهتَّاخ (١)، ولم يكن بقي في أيدي بني مروان من ديار بكر سواها. وفيها خَرَجَ ملكُ الروم (٢) من القُسْطَنْطينية في مئة ألف، فنزل على أنطاكية، فصالحه صاحِبُها على مال، فرحل عنها إلى بزاعة من أعمال حلب، فافتتحها بالسَّيف، وقَتَلَ مَنْ كان فيها، [وقطع زَنْكي الفُرَات] (٣)، فنزل على بَعْرِين (٤) وهي للفرنج، فلم يقدر عليها، فسار إلى بعلَبَك، فَحَصَرها، فسلَّمها إليه كُمُشْتكِين الخادم (٥). وحَجَّ بالنَّاس نَظَر الخادم. وفيها توفي أحمد بن عبد العزيز بن محمد (٦) أبو الطَّيِّب المقدسي، إمام جامع الرَّافِقة (٧)، سافر إلى البلاد، وسمع الحديث [بمكة والشام والمغرب] (٨)، وكان يعظ [روى عن الفقيه نصر بالشام، وبمكة أبا عبد الله الطبري، قال الحافظ] (٨) ابن عساكر: أنشدني لنفسه: [من الكامل] يا واقفًا بين الفُراتِ ودِجْلَةٍ … عطشانَ يَطْلُبُ شَربةً مِنْ ماءِ إنَّ البلادَ كثيرةٌ أنهارُها … وسحابُها فغزيرةُ الأنواءِ

стр. 9744

ما اخْتَلَتِ الدُّنيا ولا عَدِمَ النَّدى … فيها ولا ضاقَتْ على العُلَماءِ أرضٌ بأرضٍ والذي خَلَقَ الورى … قد قسَّمَ الأرزاقَ في الأَحياءِ أحمد بن عقيل بن محمد (١) أبو الفَتْح الفارسي، ويعرف بابن أبي الحوافر، من أبناء الأئمة، أَصلُه من بَعلَبَكَّ، قَدِمَ بغدادَ حاجًّا سنة عشرين وخمس مئة، وكان ثِقَةً. أحمد بن محمد بن ثابت (٢) ابن الحسن أبو سَعد، الخُجَنْدي، الإمام الفاضل، ولد أبي بكر الخُجَنْدي (٣). ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعِ مئة، وتفقَّه على والده، وهم رؤساء أَصبهان، وبيتهم مشهور، قَدِم بغداد، ودَرَّس بالنظامية، وسمع الحديث، وعاد إلى أصبهان، فمات بها في شعبان، وكان جليلًا، نبيلًا. بَدران بن صَدقة (٤) ابن منصور، من بني مزيد، ولقبه شمس الدولة (٥). لما فعل [دُبيس ما فعَل] (٦)، وتغيَّرت أحوالُهم بالعراق خَرَجَ إلى مِصر، فأقام بها، فأكرمه صاحِبُها. ومن شعره في أبيه صدقة بن منصور: [من الطويل]

стр. 9745

ولما التقى الجمعانِ والنَّقْعُ ثائِرٌ … حَسِبْتُ الدُّجى غطَّاهُمُ بجناحِهِ وكَشَّفَ عنهمْ سُدْفةَ (١) النَّقْعِ في الوغى … أبو حَسَنٍ بسُفرِهِ وصِفاحِهِ فلمْ يَسْتَضُوا إلا بَبَرقِ سيوفِهِ … ولم يهتدوا إلا بشُهْبِ رماحِهِ (٢) وقال وهو بمِصر، وقد غنَّى له مُغنٍّ يقال له الكُمَيت: [من الخفيف] اشربِ اليومَ من عُقارٍ كُمَيْتِ (٣) … واسْقنيها على غناءِ الكُمَيتِ ثُمَّ سَق النَّديمَ حتى تراه … وَهْو حيٌّ من العُقارِ كَمَيتِ (٤) وقال العماد الكاتب: مات سنةَ ثلاثين وخمس مئة. (٥). سُلْطان بن يحيى بن علي (٦) ابن عبد العزيز، أبو المكارم، القاضي، خال الحافظ أبي القاسم بن عساكر. قرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وكان يعظ، ولما قَدِمَ أبو بكر محمد بن القاسم بن المُظَفَّر الشَّهْرُزُوري (٧) من عند المسترشد رسولًا إلى دمشق قال: قد اشتقت إلى وَعظِ القاضي أبي المكارم، لأَني كنتُ سَمِعتُه بالعراق مرَّة. فأُرسِلَ إليه، فَجَلَسَ في السُّبع الكبير (٨)، وكان مجلسًا عظيمًا، وكان قد جلس بالنظامية ببغداد، وخُلِعَ عليه بها، وناب بدمشق في الحكم عن والده يحيى بن علي (٩). قال ابنُ عساكر: توفي سنة ثلاثين وخمس مئة، ودُفِنَ بمشهد القدم (١٠).

стр. 9746

عبد الغني بن محمد بن عبد الغني (١) أبو القاسم الباجِسْرائي، وباجِسرى قرية من أعمال طريق خُرَاسان (٢). كان فاضلا، شاعرًا، توفي ببغداد في شعبان، ومن شعره: [من الرمل] إنْ تحاوِلْ عِلْمَ ما أُضْمِرُهُ … مِنْ صفاءٍ لك أو مِنْ دَخَلِ (٣) فاعتبرهُ منكَ واعلم أنَّه … لك عندي مِثْلُ ما عندكَ لي (٤) وقال أيضًا من شعره: [من السريع] لا تكُ ما بين الورى مُعلِنًا … بالأَمرِ إلا بعدَ إبرامِهِ فمن وها الأمرِ وإفسادهِ … إعلامُه (٥) مِنْ قَبْلِ إحكامِهِ مُرشد بن علي بن المُقَلَّد (٦) ابن نَصر بن مُنْقِذ، أبو سلامة الأمير، صاحِبُ شَيزَر (٧). كان عالمًا بفنون العلوم والآداب، صالحًا كثير التِّلاوة للقرآن، وكان أخوه نَصر بن علي قد ولاه شَيْزر، فقال: واللهِ لا أدخل في الدُّنيا. وولَّاها أخاه سُلْطان بن علي.

стр. 9747

وحسده سُلْطان على أولاده، ومات مُرشد في هذه السنة، ثم أَخْرَجَ سُلْطان أولادَه مِنْ شَيْزَر، وسنذكر القصة إن شاء الله تعالى في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة (١). [وذَكره (٢) العماد الكاتب في "الخريدة"، فقال: ولد أبو سلامة مرشد بن علي في سنة ستين وأربع مئة، وتوفي في سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، وأثنى عليه كثيرًا (٣). وذكره الحافظ ابنُ عساكر، وقال: ولد أبو سلامة في سنة ستين وأربع مئة]، ودخَلَ طرابُلُس غير مَرَّة، وسافر إلى بغداد، وأَصبهان، وكانت له يدٌ طُولى في عِلْم العربية والكتابة والشِّعر، [وكان حافظًا للقرآن، حَسَنَ التِّلاوة] (٤)، كثير الصَّوْم، شديدَ البأس والنجدة في الحرب، حَسَنَ الخط، كتَبَ بخطِّه سبعين ختمة (٥). وكذا ابنه الأمير محمد بن مرشد. قال ابنُ عساكر: حدَّثني أبو عبد الله محمد بن مُرشد، قال: لما ماتَ عمي أبو المُرْهَف نَصر بن علي بشَيزَر، وأوصى إلى والدي، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لا وليتُها، ولأَخْرُجَنَّ من الدُّنيا كما دخلتُ إليها. وولاها أخاه أبا العشائر سُلْطان بن علي، وكان صبيًّا، فاصطَحَبا أجمل صحبة مُدَّة من الزمان، قال: وكنا قد نشَأنا، ولم يكن لعمِّي أبي العشائر ولدٌ، فلحقه الحسدُ على كون أخيه له عِدَّة من الولد، ولم يكن له سوى بنات، ثم رُزِقَ أولادًا صغارًا، فكان كلَّما رأى صِغَرهم (٦)، ورأى أولاد أخيه كبارًا قد [سدُّوا مكان أبيهم] اشتد حسده، فكتَبَ إلى والدي شِعرًا، فأجابه أبي بقوله: [من الطويل] ظَلُومٌ أَبَتْ في الظُّلْم إلا تماديا … وفي الصَّدِّ والهِجْران إلا تناهيا شَكَتْ هجْرَنا والذَّنْبُ في ذاكَ ذَنْبُها … فيا عجبا مِنْ ظالمٍ جاء شاكيا وطاوَعَتِ الواشين فيَّ وطالما … عَصَيتُ عذُولًا في هواها وواشيا ومالَ بها تِيْهُ الجمالِ إلى القِلى … وهيهاتَ أَنْ أُمسي لها الدَّهْرَ قاليا ولا ناسيًا ما اسْتَوْدَعَتْ من عُهودها … وإنْ هي أَبْدَتْ جفوةً وتعاليا

стр. 9748

ولما أتاني مِنْ قريضِك جَوْهرٌ … جَمَعتَ المعالي فيه لي والمعانيا وقلتُ أخي يرعى بنيَّ وأُسرتي … ويحفَظُ عهدي فيهمُ وذِماميا فما لك لَمَّا أَنْ حنى الدَّهْرُ صَعدتي (١) … وثَلَّم مني صارمًا كان ماضيا تنكَّرتَ حتى صار بِرُّك قسوةً … وقُربُك منهم جفوةً وتنائيا (٢) فأصبحتُ صِفْر الكَفِّ مما رَجَوْتُه … كذا اليأسُ قد عَفَّى سبيلَ رجائيا على أنني ما حُلْتُ عَمَّا عَهدتَهُ … ولا غَيَّرَتْ هذي الشُّؤون وداديا فلا غَزوَ عند الحادثات فإنَّني … أراكَ يميني والأنامَ شِماليا (٣) وقال ولده محمد بن مُرشد (٤): كان أبي يكتُبُ مُصحفًا، فتذاكروا بين يديه خروجَ الرُّوم، فرفع المُصحَف، وقال: اللهم بحقِّ مَنْ أنزلته عليه إن كنت قضيتَ بخروج الروم، فَخُذْ روحي ولا أراهم. فماتَ عقيب ذلك في رمضان، ودُفِن بشَيزَر، وخرجت الرُّوم بعد ذلك في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، فحاصروا شيزر أربعةً وعشرين يومًا، ونصبوا عليها ثمانية عشرة منجنيقًا، ثم رحلوا عنها يوم السبت تاسع عشرة رمضان. المُفَرِّج بن الحسن بن [الحسين بن] أبي محمد (٥) أبو الذَّوَّاد، محيي الدِّين بن الصُّوفي، الكِلابي، رئيس دمشق، وكان أبوه رئيسَ دمشق أيضًا. وكان يتعاهد المستورين، وله الصَّدقات والبر الكثير، واستوزره بُوري بعد قَتْلِ المَزْدَقاني (٦)، وكان شهابُ الدِّين محمود صاحب دمشق يحسده لحشمته، وكَثْرة ماله، فاتَّفق مع بزواش على قَتْله، فركب يومًا يسير قِبْلي دمشق، فالتقاه بزواش عند قبر

стр. 9749

طُغْتِكِين في شهر رمضان فقتله، وحُمِلَ إلى مقابر الباب الصَّغير فدفن بها، واستولى شهابُ الدِّين محمود على أمواله، وذهبت رياسة بني الصُّوفي. سمع نصر بن إبراهيم المقدسي، وغيره، وروى عنه ابنُ عساكر وغيره. هبة الله بن أحمد بن عمر، أبو القاسم الحريري (١) ولد يوم الخميس يوم عاشوراء سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مئة ببغداد، وقرأ القرآن بالرِّوايات وأقرأ، وسمع الحديث الكثير. وتوفي يوم الخميس ثاني جُمادى الأُولى عن ستٍّ وتسعين سنة وشهور مُمَتَّعًا بسَمعه وبَصَره وجوارحه، وصلَّى عليه عبدُ الوهَّاب الأَنْماطي، ودُفِنَ بالشُّونيزية في تُرْبة الأَنْماطي. وكان صحيحَ السَّماع، صالحًا دَيِّنًا، ثَبْتًا، كثيرَ تلاوة القرآن والذِّكْر، وهو آخر من حَدَّث عن ابن زَوْج الحُرَّة أبي الحسن، [فحدث عن أبي الحسن هذا أبو بكر الخطيب وأبو القاسم هذا] (٢)، وبين وفاتيهما ثمانٍ وستون سنة. السنة الثانية والثلاثون وخمس مئة فيها بَعَثَ السُّلْطان مسعود من همَذَان إلى بغداد كأسًا مختومًا إلى البقش السِّلاحي ليشربه، فأقام الكأسُ مختومًا خمسة أشهر لم يشربه، ثم جَمَعَ المغاني، وأوقد الشُّموع والقناديل والسُّرُج في جميع محالِّ بغداد [ليلًا] (٣) ثلاثة أيام، وظهرت المعازف والمنكرات [والفضائح] (٢) حتى شربه، فلم يضرَّه. فلما دخل السُّلْطانُ بغداد قبضَ عليه، وكان نائبه بالعراق، وولَّى بغداد بِهْروز الخادم. وفيها قَدِمَ أهلُ حلب وبزاعة؛ الرِّجالُ والنِّساء والصِّبْيان، فكسروا المنابر، ومنعوا النَّاس من الصَّلاة في الجوامع بسبب ما جرى عليهم ببزاعة من الرُّوم.

стр. 9750

وفيها تزوَّج مسعود امرأتين إحداهما سفري خاتون بنت دُبَيس بن صَدَقَة، وأمها بنت عميد الدولة بن جَهِير، وكانت في غايةِ الحُسْن؛ جاءت إلى خاتون المستظهرية تشكو ما أصابها وما أُخذ منها، وبلغه حُسْنها، فتزوَّجها. والثانية: ابنة عمه قاروت بك، وكانت في غاية الحُسْنِ أيضًا، وغلَّق البلد أيامًا، فظهرتِ المنكرات. وفيها جمع الرَّاشد العساكر، وقوي أمره، وقُتِلَ. وفيها جاء ملك الرُّوم إلى حلب، وخرج إليه الأحداث، فقاتلوه، فرجع، وجاء إلى المَعَرَّة، فنهب وقَتَلَ وأسر، وجاء إلى شَيْزَر، فَنَصَبَ عليها المجانيق، وقاتلها أيامًا، ولم يظفر بطائل، وأقام في أطراف حلب، وجاء زَنْكي وقد رجع ملك الرُّوم، فنازل حِصن المجدل بالبِقاع، ففتحه، وعاد إلى الشَّرْق خوفًا من الفرنج بعد أن جعل طريقه على حِمْص وحماة، فلم يظفر منها بطائل. وفيها استوحش بزواش من الأمير شهاب الدِّين محمود [صاحب دمشق] (١) فخرج بزواش عن دمشق، وكان شريرًا مُفْسدًا، جاهلًا ظالمًا فاتكًا، فأقام بظاهر البلد أيامًا، ثُمَّ صَلَحَ أمره، وعاد إلى البلد، فما زال شهاب الدِّين يعمل عليه حتى قتله بقلعة دمشق بأيدي الشمسية في شعبان في قُبَّة الورد، فقتلوه، وأخرج ملفوفًا في كِساء إلى القُبَّة التي بالعُقيبة، وتُعرف بقُبَّة بزواش، فدفن فيها. وخَلَعَ شهابُ الدِّين على الأمير معين الدِّين أُنَر، وفوَّض إليه الأمور، ولقبه أتابك، ورد إليه أمر العساكر، و [رَدَّ أمرَ] (٢) الحِجْبة إلى أسد الدِّين أكز. وفيها توفي القاضي بهاء الدِّين بن الشَّهْرُزوري بحلب، فحمل إلى مشهد صِفّين، فدفن فيه، وكان صاحِبَ هِمَّةٍ عالية، وعزيمةٍ ماضية. وكانتِ الفرنجُ قد ضايقت حلب، فرحلوا عنها بعد أن أنكى فيهم الأمير سوار وأحداثُ حلب. وفيها تزوَّج أتابك زَنْكي بأُمِّ شهاب الدِّين محمود؛ وهي الخاتون صفوة الملك زَمُرُّد ابنة الأمير جاولي، وكان قد طلبها في السَّنة الماضية، فامتنع بزواش، وقال: وما

стр. 9751

السَّبب في أَنَّا نزيل دولة موالينا بأيدينا! فلما قُتِلَ بزواش راسل زَنْكي في هذا المعنى وهو مقيمٌ على حِمص، فأُجيب، فَعُقِدَ العَقْد بحِمص يوم الاثنين سابع عشرة رمضان، وتقرَّر الحالُ في تسليم حِفص إليه، فتسلَّمها مع القلعة، وعوَّض معينَ الدِّين أُنَر ببارين. وتوجَّهت خاتون من دمشق في عسكر أتابك إليه في آخر شهر رمضان. وقيل: إنها سارت إليه في المحرَّم أول السنة الآتية، واجتمعا على حِمْص. وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد (١) أبو بكر الدِّينَوَرِي الحَنْبَلي. تفقه على أبي الخطاب الكَلْوَذاني، وبرع في المناظرة، وكان أَسْعد المِيهني يقول: ما اعترضَ أبو بكر الدِّينوري على دليلِ أحدٍ إلا ثَلَمَ فيه ثُلْمةً. توفي في جُمادى الأُولى، ودُفِنَ قريبًا من الإمام أحمد، رحمة الله عليه. سمعَ الحديث، وكان صالحًا ثِقَةً، أنشد: [من الطويل] تمنيتَ أَنْ تمْسي فقيهًا مناظرًا … بغير عَنَاءٍ فالجنونُ فُنونُ وليسَ اكتسابُ المالِ دون مَشَقَّةٍ … تَلَقَّيتَها، فالعِلْمُ كيف يكونُ أنوشَروان بن خالد (٢) ابن محمد، أبو نَصر، القاشاني، الفِيني (٣)، وفِيْن من قرى قاشان.

стр. 9752

وزر للمسترشد ولمسعود، وكان مهيبًا عاقلًا، فاضلًا، جَوَادًا، وهو كان السبب في عمل الحريري للمقامات التي أنشأها، فحكى أبو القاسم عبد الله بن أبي محمد الحريري: أَنَّ والده كان جالسًا في مسجده ببني حرام -محلةٌ من محال البَصرة- إذ دَخَلَ شيخٌ ذو طِمرَين (١)، عليه أهبةُ السفَر، رَثُّ الثِّياب، فاستنطقه فإذا هو فصيحُ اللَّهْجة، حسنُ العبارة، فسأله: منْ أين الشيخ؟ فقال: من سَرُوج، فقال: وما الكُنْيةُ؟ قال: أبو زيد. قال: فعَمِلَ والدي المقامة الحَرَامية بعد قيامه من ذلك المجلس، واشْتَهر حديثُها، وبلغ أنوشروان، فطلبها، ووقَفَ عليها، وأمر أبي أن يضُمَّ إليها أُخرى، فعمل "المقامات". قال: وغاب أبي عن أنوشروان مُدَّة، فاستبطاه، فكتَبَ إليه أبي: [من الطويل] أَلا لَيتَ شِعري والأماني تَعِلَّةٌ … وإنْ كان فيها راحةٌ لأخي الكَرْبِ أتدرون أَنِّي مُذْ تناءَتْ ديارُكُم … وشَطَّ اقترابي عن جنابِكُمُ الرحبِ أُكابِدُ شوقًا ما يزالُ (٢) أوارُهُ (٣) … يُقَلِّبُني باللَّيلِ جَنْبًا على جَنْبِ وأَذْكُرُ أيامَ التَّلاقي فأنْثَني … لتَذْكارِها بادي الأسى طائِرَ اللُّبِّ ولي حَنَّةٌ فِي كلِّ وقتٍ إليكُمُ … ولا حَنَّةَ الصَّادي إلى البارِدِ العَذْبِ فواللهِ لو أنِّي كتمتُ هواكُمُ … لما كان مكتومًا بشَرقٍ ولا غَربِ ومما شجا قَلْبي المُعَنَّى وشَفَّهُ … رضاكم بإهمالِ الإجابةِ عن كُتْبي وقد كنتُ لا أخشى مع الذَّنْبِ جَفْوةً … فقد صرتُ أَخْشاها وما ليَ مِنْ ذَنْبِ ولمَّا سرى الرَّكْبُ العراقيُّ نحوكُم … وأَعوزَني المَسْرى إليكُم مع الرَّكْبِ جعلتُ كتابي نائبًا عن صبابتي … ومَنْ لم يجدْ ماءً تيمَّمَ بالتُّربِ (٤)

стр. 9753

وكان أنوشروان كريمًا؛ مسألة رجلٌ (١) خيمةً ولم يكن عنده، فبعث إليه بمئة دينار، فقال الرجل: [من المنسرح] لله دَرُّ ابنِ خالد رَجُلًا … أحيا لنا الجُودَ بعدما ذَهبًا سألتُهُ خيمةً أَلُوذُ بها … فجاد لي مِلْءَ خيمةٍ ذَهبًا (٢) توفي في رمضان، ودُفِنَ في داره بالحريم الطَّاهري، ثم نُقِلَ بعد ذلك إلى الكوفة إلى مشهد أمير المؤمنين ﵇. بَدْر بن عبد الله، أبو النَّجْم (٣) سمع الحديثَ الكثير. وتوفي في رمضان عن ثمانين سنة، ودُفِنَ بباب حرب. وكان سليمَ الصَّدرِ؛ طلَبَ منه أصحابُ الحديث إجازةً، فقال: كم تستجيزون! ما بقي عندي إجازة أَجيزها لكم. البقش السِّلاحي (٤) كان أميرًا كبيرًا، ناب عن السُّلْطان في المملكة، ثم توهَّم منه، فَقَبَضَ عليه، وحَبَسه بقلعة تَكْريت، ثم أمر بقَتْله، فغرَّق نفسه في دِجْلة، فأُخرج من الماء، وقُطِع رأسه، وحُمِلَ إليه. الحسن بن يحيى بن رُوبيل (٥) أبو محمد الأَبَّار، الدِّمَشْقي.

стр. 9754

كان يبيع الإِبَرَ بدمشق، وكان ابنُ الخَيَّاط الشَّاعر يقعد عنده (١)، ويتناشدان [الأشعار] (٢)، ومن شعره في محيي الدِّينِ بنِ الصُّوفي (٣)، رئيسِ دمشق: [من المنسرح] يا محيي الدِّينِ بعدما دَثَرا … ومُشْبِهًا في زمانِهِ عُمَرا ومَنْ إذا ما ذكَرْتَ سِيْرَتَهُ … سمعتَ ذِكْرًا يُجَمِّلُ السِّيَرا انْظُر إلى عَبْدِك الفقير فقد … جَارَ عليه الزَّمانُ واقْتَدرا وخانه سَمعُهُ وناظِرُهُ … من بَعدِما كان يَثْقُبُ الإِبَرا وصار في السُّوقِ كالأجير وهل … يُفْلِحُ مَنْ سارَ سِيرَة الأُجَرا وما لهُ مَوْئِلٌ يلُوذ بهِ … سواكَ يا مَنْ يُجَمِّلُ الوُزَرا (٤) وكان يسكن بدَرْب صامت بدمشق، وتوفي بها، وذكر له العمادُ الكاتب في "الخريدة" أشعارًا هجا بها زوجته، [وهي شنيعة]، منها قوله: [من الخفيف] أُغريتْ زَوْجتي بشُربِ العُقارِ … أَسْكَنَتْني بجَنْبِ دارِ القِمارِ أَطْعَمَتْني مُخَّ الحمارِ فلمَّا … أَبْصَرَتْني قد صرتُ مِثْلَ الحمارِ بَذَلَتْ [فَرجَها] وصاحَتْ (٥) إلى النَّا … سِ هلمُّوا يا مَعشَرَ الفجَّارِ [وذكر أشياء من جِنْس شعر ابن الحَجَّاج] (٦). الحسين بن تلمش بن يزدمر (٧) أبو الفوارس، التُّرْكي، الصُّوفي، البغدادي.

стр. 9755

شاعرٌ فاضل، [ذكره ابنُ السَّمْعاني في "الذيل"، وذكر مقطَّعات من شعره، منها] (١): [من الخفيف] أتمنى بأن أكونَ مريضًا … علَّها أنْ تعودَ في العُوَّادِ فتراها عَيني فيذهبَ عنِّي … ما أُقاسيه من جَوًى في فؤادي وهذا أحسن من قول ابنِ الخيَّاط الدِّمَشْقي: [من الطويل] أَحِنُّ إلى سُقْمي لعلَّك عائدي … ومِنْ كَلَفي أَنِّي أَحِنُّ إلى السُّقْمِ (٢) وأحسن مِنْ قول القائل: [من الطويل] يَوَدُّ بأَنْ يُمْسي مريضًا لعلَّها … إذا سَمِعَتْ يومًا بشكوى تُراسِلُهْ عليُّ بنُ علي بن عُبيد (٣) الله، أبو منصور (٤) أمين الأُمناء، [ويُعرف] (٥) بابن سُكَينة. ولد سنة تسعٍ وأربعين وأربع مئة [وكان أمين الحكم على أموال اليتامى، ويلقب أمين الأمناء] (٥)، وتوفي ليلة السبت سادس ذي القعدة [عن ثلاث وثمانين سنة] (٥) ودُفن بالشُّونيزية، وسمع [أبا محمد الصريفيني وابن السَّراج وابن العلاف وغيرهم] (٥) وحدَّث، وكان سَمَاعه صحيحًا، [قال جدي ﵀: وسمعته يقول] (٦): مَنْ منعَ ماله الفقراء سَلَّط الله عليه الأُمراء.

стр. 9756

عمر بن محمد بن عَمُّوية (١) أبو حفص، السُّهْرَوردي، عَمُّ أبي النَّجيب الواعظ، شيخ الصُّوفية في الرِّباط المعروف بسعادة الخادم. توفي في ربيع الأول، ودُفِن بالشونيزية عند قبر رُوَيْم (٢). سمع أبا محمد التميمي وغيره، وكان صالحًا. محمد بن عبد الملك (٣) ابن محمد، أبو الحسن، الكَرَجي (٤). ولد سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، وسمعَ [بالكَرَج -بجيم- و] (٥) بهمذَان وأَصبهان وببغداد، وكان محدِّثًا فقيهًا، شاعرًا أديبًا، [وكان] (٥) شافعيًّا، إلا أنه ما كان يَقْنُتُ في الفجر، وكان يقول: قد صَحَّ عن إمامنا الشَّافعي ﵀ أَنَه قال: إذا صَحَّ عندكم الحديث، وقلتُ قولًا يخالفه، فدعوا قولي. وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه تَرَكَ القنوت في صلاة الفجر. وكان كريم الأخلاق، وصنَّف في المذهب والتفسير. ومن شعره: [من الوافر] تناءَتْ دارُهُ عنِّي ولكنْ … خيالُ جمالِهِ في القَلْب ساكنْ إذا امتلأَ الفؤادُ بهِ فماذا … يضُرُّ إذا خَلَتْ منهُ المساكِنْ

стр. 9757

وقال أيضًا: [من الطويل] سَرَقْتُ إليها زَوْرَةً فتنقَّبَتْ … فقلتُ اسْفِري ما هكذا حَقُّ مَنْ طَرَقْ فقالتْ حجبتُ البَدْرَ عنكَ تعمُّدًا … لتأمنَ إنَّ البدرَ يَفْضَحُ مَنْ سَرَقْ منصور الرَّاشد أمير المؤمنين (١) قد ذكرنا خلافته (٢)، وخروجه من بغداد إلى المَوْصِل، ومسيره إلى أَذْرَبيجان. وكان معه داود بن محمود، وأنَّه وَصَلَ إلى أَصبهان، واستفحل أمره. وكَتَبَ إلى سنجر كتابًا مضمونه أنَّ الذي جرى على المسترشد إنما كان باتّفاقٍ منه ومن مسعود، وأَنَّه سوف يجد غِبَّ ذلك ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. فكتب إليه سنجر كتابًا بخطِّ أبي إسحاق البَيهقي يعزِّيه في أبيه، ولم يجبه عما أشار إليه، قال: سلام على المجلس الأَسْمى، والمقرِّ الأعلى الأشرف الرَّاشدي، وصل الكتابُ العزيز الذي أَطْلَعَ مِنْ بروج الشَّرف كواكبَ الإقبال، وفجَّرَ في فضاء الإفضال ينابيع الآمال، وهيَّأ لبابِ السَّعادة مِفْتاحًا، وأَوْجَبَ لصَدْرِ الخادم انشراحًا، فأمَّا ما أشار إليه من وفاة الشَّهيد التي غَيَّرَتْ بها اللَّيالي أحوالها، وزُلْزلتِ الأَرضُ زِلْزالها، وصارتْ بسببها طوالعُ الخلافة آفلة، وغصون الشريعة ذابلة، ففي كلّ قلبٍ منها لظىً وسعير، وفي كلِّ دارٍ أنَّةٌ وزفير، لكنَّ قضاءَ الله لا يُغيَّر، وأجله إذا جاءَ لا يُؤَخَّر، وله أُسوةٌ في احتساءِ كأسِ الشَّهادة، وارتقاء مدارجِ السَّعادة بالخُلَفاء الرَّاشدين، والأئمة المَهْديين، وذكر كلامًا بمعناه. فلمَّا قرأ الرَّاشد كتابه يَئِسَ منه، ومضى إلى أصبهان، فأقام بها، وتوفي سابع عشرين رمضان. واختلفوا في سبب وفاته على أقوالٍ: أحدها أَنَّه سُقِيَ السُّمَ ثلاث مَرَّات. والثَّاني: أَنَّه قتله قوم من الفَرَّاشين الذي كانوا في خدمته.

стр. 9758

والثَّالث: أَنَّه قتله قومٌ من الباطنية، وقُتِلُوا بعده، وكان قد داسَ بلادهم وأَخْربها، وبعثهم إليه مسعود وسنجر، فقتلوه كما قتلوا أباه. وذكر العمادُ الكاتب [في "الخريدة"] (١) ما يدلُّ على هذا فقال: تنقَّل الرَّاشد في البلاد: ديار بكر وأَذْربيجان ومازَنْدران، وعاد إلى أَصبهان، فأقام مع السُّلْطان داود بن محمود، والبلد مُحاصر، وهناك قحطٌ عظيم، وضُرٌّ عميمٌ. قال العماد: أذكر ونحن أطفالٌ، وقد خرجنا من أَصبهان وأقمنا بالرُّبُط عند المُصَلَّى، والعسكر قريبٌ منا، فسمعنا أصواتًا هائلةً وقت القائلة مِنْ نهار يوم الثّلاثاء سادس عشرين رمضان [من هذه السنة] (١)، فقلنا: ما الخبر؟ فقيل لنا: إنَّ الخليفة قد فتكَتْ به الملاحدة لعنهم الله. وخرج أهلُ أصبهان حُفاةً حاسرين، وشيَّعوا جِنازته إلى مدينة جَيّ، وبكوا ولطموا، ودفنوه بالجامع، وكان له الحُسْنُ اليُوسفي، والكرم الحاتمي، بل الهاشمي. [قال] (١): وكان قد استدعى والدي صفيَّ الدِّين ليوليه الوزارة، فتعلَّل عليه، وكانت الخِيرة فيه (٢). وبلغ الخبر إلى بغداد، فقعدوا له في العزاء يومًا واحدًا، وخلَّف ببغداد نيفًا وعشرين ولدًا ذكرًا. [وقال السمعاني: ومما ينسب إلى الرَّاشد] (٣) من الشعر: [من الطويل] زمانٌ قد اسْتَنَّتْ فِصالُ صروفه (٤) … وأصبح آسادُ الكرامِ لها قرعى (٥) أكولتُهُ تشكو صُروفَ زمانها … فليس لها مأوى وليس لها مرعى فيا قَلْبُ لا تأسفْ عليه فربمَّا … ترى القومَ في أكناف آفاتِهِ صرعى (٦)

стр. 9759

السنة الثالثة والثلاثون وخمس مئة فيها زُلْزِلَتْ جَنْزة (١) عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت مئتي ألف وثلاثين ألف إنسان، وخُسِفَ بجَنْزة، وصار مكان البلد ماء أسود، وقَدِمَ التُّجَّار من أهلها، فلازموا المقابر يبكون على أهليهم وأموالهم. وقال ابنُ القلانسي: إنها كانت عامَّةً في الدُّنيا، وأنها كانت بحلب أعظم؛ جاءت ثمانين مرة، ورمت أسوار البلد وأبراجَ القلعة، وهرَبَ أهلُ البلد إلى ظاهره (٢). ووصل رسولُ ابن قاروت بك ملك كَرْمان يخطب خاتون المستظهرية، فزوَّجه مسعود بها، ونقدَها مئة ألف دينار، وحُمِلَتْ إليه، فماتت عند وصولها. واستوزر السُّلْطان مسعود محمد بن الخازن من أهل الرّي، فَنَشَرَ العَدل، ورفع المكُوس والضَّرائب، فلم يجدِ الأعداءُ طريقًا إلى بلوغ أغراضهم إلا أنهم أوقعوا بينه وبين قراسُنْقُر صاحب أَذْرَبيجان، فأقبل بالعساكر، وقال: إما قَتْلُه أو الحرب. فخوَّفوا مسعودًا منه، فأمر بقَتْله على كُرْهٍ منه، وبعث برأسه إلى قراسنقر. وقيل: إنَّه لما أزال المكوس والضرائب وأَمَرَ بالمعروف عَزَّ على مسعود، فَدَسَّ قراسنقر حتى فعل ذلك. [وفيها قتل شهاب الدِّين محمود صاحب دمشق، وسنذكره] (٣). وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن أحمد (٤) أبو طاهر الوَثَّابي، شاعرٌ فصيح، ومترسِّلٌ نجيح، ما زال به اشتغاله بالفنون حتى قيل: به لَمَمٌ أو جنون، وهو القائل: [من الطويل]

стр. 9760

تَبَصَّرْ خليلي من ثَنِيَّة بارِقٍ … بريقًا كَسَقْطِ النَّارِ عالجه الزَّنْدُ فيقضي بها من ذِكْرِ ليلى لُبانةً … ويُطْفي بها مِنْ نارِ وَجْدٍ بها وَقْدُ وَشِمْ لنسيم الرِّيح من جانب الحِمى … فقد عَبِقَ الوادي وفاح به الرَّنْدُ (١) زاهر بن طاهر بن محمد (٢) أبو القاسم، الشَّحَّامي النَّيسابوري. ولد سنة ستٍّ وأربعين وأربع مئة، وسافر في طلب الحديث، وأملى بجامع نيسابور قريبًا من ألف مجلس (٣)، وكان يُكْرِمُ الغرباء الواردين عليه، ويُحْسن إليهم ويُدَاويهم، وعَمَّرَ حتى ألحقَ الصِّغار بالكبار، وتوفي بنيسابور في ربيعٍ الأَوَّل، ودفن بمقبرة يحيى بن يحيى. عبد الوهَّاب بن عبد الواحد (٤) ابن محمد بن علي، أبو القاسم ابن أبي الفَرَج، الحَنْبلي الأَنْصاري، [جد أولاد الحنبلي] (٥). كان رئيس الحنابلة بدمشق، وترسَّل إلى بغداد بسبب استيلاء الفرنج على الشام [وقد ذكرناه] (٦)، وتكلَّم في ديوان المسترشد في الخلاف، وكان يفتي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٧)، وخَلَفَ أباه في حَلْقته وأصحابه بعد موته، ودرَّس، وحدَّث وتوفي بدمشق، ودفن بالباب الصَّغير.

стр. 9761

وكان إمامًا فاضلًا على الطَّريقة المَرْضِيَّة، والأفعال الرَّضية من وفور العِلْم، وحُسْن الوعظ، وكَثْرَةِ الدِّين، والتَّنزه عفا يقع فيه غيره من المتفقِّهين، وكان يومه مشهودًا. عليُّ بنُ أفلح (١) أبو القاسم، الكاتب البغدادي. كان فاضلًا فصيحًا، تقدَّم عند المسترشد، ولقَّبه جمال المُلْك، وأعطاه أربعةَ آدُرٍ في دَرْب الشَّاكرية، فاشترى دورًا إلى جانبها، وهدَمَ الكُلَّ، وأنشأها دارًا كبيرة، وأطلق له الخليفةُ ما يحتاج إليه من الآلات والخشب والآجُرِّ، وخمس مئة دينار، ورتَّبَ له راتبًا، وغَرِمَ على الدَّار عشرين ألف دينار، وكان طولها ستين ذراعًا في أربعين، وأَجْراها بالذَّهب، وصوَّر فيها [فنون] (٢) الصُّوَر. وكَتَبَ على بابها وجوانب أبوابها أشعارًا، فكتب على جانبي أبوابها: [من مجزوء الكامل] ومِنَ المروءةِ للفتى … ما عاشَ دارًا فاخرهْ فاقْنع من الدُّنيا بها … واعملْ لدارِ الآخرهْ هاتِيكَ وافيةٌ بما … وَعَدَتْ وهذي ساخرهْ وكَتَبَ على الجانب الآخر: [من المتقارب] ونادٍ كأَنَّ جِنانَ الخُلُودِ … أعارَتْه مِنْ حُسْنها رَوْنقا وأَعْطَتْه من حادثاتِ الزَّما … نِ أَنْ لا تُلِمَّ بهِ مَوثِقا

стр. 9762

فأضحى يَتِيْه على كلِّ ما … [بُني مَغْرِبًا كان أو مَشْرقا] (١) وكتب على الباب: [من السريع] إنْ عَجِبَ الرَّاؤون مِنْ ظاهري … فباطني لو عَلِموا أَعْجَبُ شيَّدني مَنْ كَفُّه مُزْنةٌ … يحملُ منها العارِضُ الصَّيِّبُ ودَبَّجَتْ (٢) رَوْضةُ أخلاقِهِ … فيَّ رياضًا (٣) نَوْرُها مُذْهبُ ثم إنَّ المسترشد اطَّلَع عليه أنَّه يكاتب دُبَيسًا، فامر بنقض الدَّار، فَنُقِضَتْ، وهرَبَ إلى تكريت (٤)، فاستجار ببِهْروز الخادم، وأقام عنده مُدَّة، ثم شَفَعَ فيه، فعفا الخليفةُ عنه، وهو القائل: [من البسيط] دَعِ الهوى لأُناسٍ يعرفون به … قد مارسوا الحُبَّ حتى لانَ أَصعَبُهُ بلوتَ نَفْسَك فيما لستَ تَخْبُرُه … والشيءُ صعْب على مَنْ لا يُجرِّبُهُ أفنى (٥) اصطبارًا وإنْ لم أستطع جَلَدًا … فَرُبَّ مُدرِكِ أَمرٍ عَزَّ مَطْلَبُهُ أحنو الضُّلُوعَ على قَلْبٍ يحيِّرني … في كلِّ يومٍ ويُعييني تَقَلُّبُهُ تناوحُ الرِّيحِ من نَجْدٍ يُهيِّجُهُ … ولامعُ البَرقِ من نَعْمانَ (٦) يُطْرِبُهُ وقال أيضًا: [من الرَّمل] هذه الخَيفُ وهاتيك مِنى … فترفقْ أيها الحادي بنا واحبسِ الرَّكْبَ علينا ساعةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ ونبكي الدِّمَنا فلذا الموقف أَعددنا البُكا … ولذا اليوم الدُّموع تُقْتنى زمنًا كانوا وكُنَّا جِيرَةً … يا أعادَ الله ذاك الزَّمنا بَينُنا يومَ أُثيلاتِ النَّقا … كان عن غيرِ تراضٍ بَينَنا

стр. 9763

من رسائِلِهِ أَنَّه كتَبَ إلى أبي الحسن ابن التلميذ (١) كتابًا يقول فيه: كتابي -أطال الله بقاءَ سيدنا- طَوَّلَ اشتياقي إليه، وأدام تمكينه دوامُ ثنائي عليه، وحَرَسَ نعمته حراسةَ ضميرهِ للأسرار، وكبَتَ أعداءه كبْتَ صَبْري يوم تناءتْ به الدَّار، عن سلامةٍ انتقلت ببُعدِهِ من جسمي على وُدِّي، وعافيةٍ كان بَينُه بها آخرَ عهدي، وأنا أحمد الله العلي على ما يسوءُ وَيسُرّ، وأديمُ الصَّلاةَ على رسوله محمد وآله المُحَجَّلين الغُرّ، وبعد: فإنِّي أذكر عهدَ التَّزاورِ ذِكْرَ الهائِم الوَلُوع، وأَحِنُّ إلى عَصرِ التَّجاور حنينَ الحائم إلى الشُّروع (٢)، وأقول: [من المتقارب] وإنّي وحَقِّك منذُ ازتحلتَ … نهاري حنينٌ وليلي أنينُ وما كنتُ أعرفُ قَبْلُ امرأً … بجسمٍ مقيمٍ وقلبٍ يَبِينُ وكيفَ السَّبيلُ إلى سَلْوتي … وحُزْني وفيٌّ وصَبْرِي خَؤُونُ وكيف لا أكون كذلك وإنَّما أخذتُ حُسْنَ الوفاء عنه، واكتسبتُ خُلُوصَ الصَّفاءِ منه، وقد فتنتني منه دماثةُ تلك الشَّمائل، التي شغلت كَلَفي بها عن كلِّ شاعل، وأنا أُثني عليه ثناءً تناقله الرُّواة، وغنَّى طربًا بذكره الحُداة، ولم أزل ناشرًا من فَضْله ما نسوه، وذاكرًا من محاسنه ما لم يذكروه. فكتب إليه ابنُ التلميذ في الجواب: وَصَلَ كتابُه مَدَّ الله في عمره امتدادَ أملي فيه، وأدام عُلُوَّه دوام بِرِّه لمعتفيه، وحَرَسَ نعماءَه حراسةَ الأدب بناديه، عن سلامةٍ شملت بتأميل إيابه، وعافيةٍ عَفَتْ لولا قراءةُ كتابه: [من المتقارب] وإنِّي وَحُبِّكَ مُذْ بِنْتُ عنـ … ـــــــك قلبي حزينٌ ودمعي هَتُونُ

стр. 9764

وأَخْلَفَ ظنِّيَ صَبْرٌ مُعِينٌ … وشاهِدُ شكوايَ دمعٌ مَعِينُ (١) فللهِ أيامُنا الخاليا … تُ لو رَدَّ سالفَ دَهْرٍ حنينُ وإنِّي لأَرعى عهودَ الصَّفاءِ … ويكلؤها لك سِرٌّ مَصُونُ ولم لا ونحنُ كمِثْلِ اليَدَينِ … وأنتَ بفَضْلك منها اليمينُ إذا قلتُ أَسْلُوكَ قال الغرا … مُ هيهات ذلك ما لا يكونُ وهل في سُلُوٍّ له مَطْمَعٌ … وصَبْرِي خَؤُون وودِّي أمينُ علي بن المُسَلَّم، أبو الحسن، الدِّمَشْقي السُّلَمي (٢) [ذكره الحافظ ابنُ عساكر، وقال] (٣): كان عالمًا بمذهب الشافعي، والفرائض (٤). ومولده سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، وتفقَّه على أبي المُظَفَّر المَروَزي، وجالس أبا حامد الغَزالي، ودرَّس بحلقته بجامع دمشق، وتُعْرَف بحَلْقة جمال الإسلام مقابل باب البرادة، واشتهرَ ذِكْرُه، فكانت تأتيه الفتاوى من العراق، وصنَّفَ المُصَنَّفات في الفِقْه، والتفسير، والفرائض، وغيرها. وتوفي في ذي القَعدة في السَّجْدة الأخيرة من صلاة الصُّبْح، وكان قد صَلَّى وِرْدَه في تلك الليلة. [سمع نَصرًا المقدسي، وأبا الحسن بن أبي الحديد، وأبا العَبَّاس بن قُبَيْس وغيرهم، وروى عنه الحافظُ ابنُ عساكر، وغيره] (٣)، وأجمعوا على فَضْله وثقته. محمد بن حمزة بن إسماعيل (٥) ابن الحسن بن علي بن الحسين، أبو المناقب، الحسيني الهمَذَاني.

стр. 9765

رحل إلى البلاد، وكَتَبَ الحديث الكثير، وكان يروي عن جَدِّه علي بن الحسين أشعارًا، منها: [من الطويل] وما لك مِنْ دُنْياكَ إلا بُلَيغَةٌ … تُزَجِّي بها يومًا وتقضي بها ليلا وما دونها ممَّا جَمَعتَ فإنَّه … لزيدٍ وعمرٍ وأو لأُخْتهما ليلى محمد بن عبد المتكبِّر (١) ابن الحسن بن عبد الودود بن عبد المتكبر بن هارون بن محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله، أبو جَعفر، الهاشمي، الخطيب. قاضي باب البَصرة ببغداد، سمع ابنَ البُرِّي وغيره، وكان صالحًا، ثِقَةً. محمود بن بُوري (٢) ابن [أتابك] (٣) طُغْتِكِين، [ولقبه] (٣) شهاب الدِّين، صاحب دمشق. قد ذكرنا ولايته (٤)، وما جرى له، وساءَتْ سيرته، فاستوحشَ منه جماعةٌ من أمرائه، واتَّفقوا على قَتْله، فدسُّوا عليه يوسف الخادم والبقش (٥) الأرمني. وكانا ينامان حول سريره، وهما أَمردان، وساعدهما عنبر الفرَّاش [ويعرف] (٣) بالخَركاوي، وكان ينام عنده أيضًا. فلما كان ليلة الجمعة ثالث عشرين شَوَّال ذبحوه في فراشه، وخرجوا هاربين. فأُخذ عنبر والخادم فَصُلبا، وهرَبَ البقش الأرمني. ونُهِبَتْ دمشق، وكَتَبَ الأُمراء إلى أخي محمود محمد بن بوري، وهو ببَعلَبَكّ، وكان صبيًّا لم يبلغ (٦)، فجاء

стр. 9766

مسرعًا، ودَخَلَ قلعة دمشق، فملَّكوه، ولقَّبوه جمال الدِّين، وتولى معين الدِّين أُنَر تدبير الجيوش. [وقد ذكر القِصَّة أبو يعلى بن القلانسي، فقال: وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوَّال هذه السنة ظهرت هذه الحادثة المُدَبَّرة على الأمير شهاب الدِّين محمود بن تاج الملوك بُوري بن أتابك طُغْتِكِين، قتل في فراشه بيد غِلْمانه، وذكر بمعنى ما ذكرنا، ووصول أخيه محمد بن بوري إلى دمشق وجلوسه، قال:] (١) وانتهى الخبر إلى الخاتون صفوة المُلْك؛ والدة الأمير محمود المقتول، فراسلت عمادَ الدين زَنْكي، وهو بالمَوْصِل تعلمه صورةَ الحال، وتحثُّه على النُهوض لطلب الثَّأر -وكانت بحِمْص- فجاء أتابك إلى الشَّام، ونزل على بَعلَبَك يوم الخميس العشرين من ذي الحِجَّة في عسكرٍ كثيف، فنصَبَ عليها أربعةَ عشرة منجنيقًا ترمي ليلًا ونهارًا، فكتبوا إلى دمشق، فلم تأتهم نجدة، فأرسلوا إلى زَنْكي، وسألوه الأمان، فأمَّنهم، وحَلَفَ لهم، فسلَّموها إليه، فدخلها، وغَدَرَ بهم، وكان حَنِقًا على مَنْ قاتله، فأمر بقَتْلهم وصَلْبهم، فاستقبح النَّاسُ ذلك منه، ومقتوه (٢). أبو بكر بن الصَّائغ الأندلسي (٣) ويعرف بابن باجَّه (٤)، العالم الفاضل، له تصانيف في الرِّياضيات والمنطق والهندسة، [وذكره (٥) ابنُ بشرون المهدوي في كتابه الموسوم "بالمختار من النَّظْم والنَّثْر لأفاضل أَهْل العَصر"، ووصفه بالتفرُّدِ بالعلوم التي ذكرناها، وأنه] وزَرَ ليحيى بن

стр. 9767

يوسف بن تاشفين (١) عشرين سنة، وكانت سيرتُه حسنةً؛ صلحت به الأحوال ونجحت الآمال، حَسَدَه أطباءُ البلد وكادوه، ونالوا بقَتْله مسمومًا ما أرادوه. [وذكر وفاته في هذه السنة، وأَنَّه] (٢) قال عند الموت: [من الخفيف] آه مِنْ حادثاتِ صَرفِ اللَّيالي … فَلِحالي انْظُر أَعِظْكَ بحالي أمسِ أبكيتُ حاسدي شَرَقًا بي … وهو اليوم رحمةً قد بكى لي وقال أيضًا: [من الطويل] هُمُ رحلوا يومَ الخميسِ عشيَّةً … فودَّعتُهم لما استقلُّوا وَوَدَّعُوا ولمَّا تولَّوْا وَلَّتِ النَّفْسُ (٣) مَعهُمُ … فقلتُ ارجعي قالتْ إلى أين أَرجِعُ إلى جَسَدٍ ما فيه لحمٌ ولا دَمٌ … ولاهو إلا أَعظُم تَتَقَعقعُ وعَينَينِ قد أعماهما كَثْرَةُ البُكا … وأُذنٍ عَصَتْ عُذَّالها ليس تَسْمَعُ (٤) السَّنة الرابعة والثلاثون وخمس مئة فيها ولد لمسعود ولدٌ ذكر من بنت قاروت بك، فغلقت بغداد سبعة أيام، وفشت المنكرات، فجاء ابنُ الكوَّاز الزَّاهد إلى [باب] (٥) بنت قاروت بك، وقال: إنْ أزلتم هذه المنكرات، وإلا لزمنا المساجد والجوامع، وشكوناكم إلى الله تعالى. فحطُّوا التَّعاليق، ومات الولد. وفيها دخلت خاتون بنت محمد زوجة المقتفي بغداد في تجمُّلٍ عظيم، وكانت قد وصَلَتْ مع أخيها مسعود، وأقامت عنده بدار المملكة، ثم زُفَّت إلى الخليفة وبين يديها

стр. 9768

زوجةُ السُّلْطان مسعود بنت دُبَيْس، وبنت قاروت بك، والوزير شرف الدِّين يحجبها، والمَهْدُ بين يديها، ومراكبُ الخليفة، وكان ذلك في جمادى الأُولى. وفي رجب تزوَّج مسعود ببنت المقتفي، وحَضَرَ الوزراء والقضاة والشُّهود والأشراف، وتمكَّن ابنُ طِراد الوزير من الدَّوْلتين، ثم جَرَتْ بينه وبين الخليفة وَحْشةٌ، فالتجأَ إلى دار المملكة، واستناب الخليفةُ في الدِّيوان ابنَ الأنباري، وقيل: إنَّ الخليفة استوزر نظام الدِّين ابن جَهِير. وفيها توفي رجلٌ صالح من أهل باب الأَزَج، واجتمع النَّاس، ونُودي للصَّلاة عليه، فوضعوه على سريره ليغسلوه، فَعَطَس، وقام قائمًا [فعجب الناس] (١)، وحَضَرَتْ جِنازةٌ أُخرى، فصلَّى ذلك الجَمعُ عليها. وفيها عاد أتابك زنْكي من بَعلَبَك بعد أن أفنى من قاتله بها، ونفرتِ القلوبُ منه، ونزل على داريا، وخَرَجَ إليه بعضُ عسكر دمشق وأحداثها، فقاتلوه، فظفر بهم، وأطلق فيهم السيف قَتْلًا وأَسْرًا، وراسَلَ جمال الدِّين محمد صاحبَ دمشق، وأَنْ يعطيه حِمص وبعْلَبَك وما يختار، فمال إلى الصُّلْح طلبًا لحقن الدِّماء، فما وافقه أُمراؤه، وابتدأ به مَرَض طال، وتوفي في شعبان، وكان نزولُ أتابك عليها في ربيع الأَوَّل، واتفق موتُ محمد في الوقت الذي أُصيب فيه أخوه محمود، وفي تلك الساعة، ودُفن في تُربة جَدَّته بباب الفراديس. وأقاموا ولده عضب الدولة أبو سعيد أبق بن محمد مكانه، وأُخذت له الأَيمان على الطَّاعة، وعَرَفَ زَنْكي ذلك، فزحف بعسكره إلى البلد طامعًا فيه، وظَنَّ أَنَّ الخُلْفَ يجري بين المقدَّمين، فجاء الأَمر بالعكس، وثَبَتَ له العسكر وأحداثُ دمشق، وقاتلوه قتالًا شديدًا، وقالوا: هذا كذَّاب غدَّار، سفَّاك للدِّماء، وقد رأيتم ما فعل بأهلِ بَعلَبَك. وقام بقتاله معين الدِّين أُنَر، فَضَعُفَتْ نفسُ أتابك، ورَجَعَ إلى داريا، وكان أُنَر قد بذل للفرنج مالًا ليدفعوا زنكي عنهم، وحمل إليهم المال، والرَّهائن من أقارب المقدَّمين، فاجتمعوا من الحصون والبلاد ليصدُّوه عن دمشق، فلمَّا تحقَّق ذلك رَحَلَ عن دمشق في رمضان طالبًا حوران، على نية لقاء الفرنج إن جاؤوا، ثُمَّ عاد في شوَّال إلى غوطة

стр. 9769

دمشق، ونزل بمرج عَذْراء، فأحرق عِدَّة ضياعٍ من المرج والغوطة، منها حَرَسْتا، وبلغه نزول الفرنج بالميدان في جموعهم، فرحل إلى بَعْلَبَك. وخرج أُنَر في العسكر، وحاصر بانياس، وفتحها في آخر هذه السنة، وسَلَّمها إلى الفرنج، وكان ذلك في صُلْح الفرنج، وأنهم يسلمونها إليهم. وبَعَثَ زنكي من بَعْلَبَك يستدعي التركمان من أماكنهم، وخرجت السنة على هذا، ولما عاد أُنَر إلى دمشق ما رأى في يوم السبت سابع ذي القَعدة إلا وزَنْكي قد صَبَّحهم جريدة على غِرَّةٍ، وقَرُبَ من السُّور، وعَلِمَ النَّاس، فركبوا الأسوار، وفتحوا الأبواب، وخرجوا إليه، فَرَدُّوه، فنزل تل راهط، وساق من الخيل والغنم والجمال والدَّوابّ ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ورحل نحو الشمال. وحَجَّ بالنَّاس نَظَر. وفيها توفي أحمد بن جعفر (١) ابن الفرج، أبو العَبَّاس، الحربي. كان من الأَبدال، لم يتكلَّم فيما لا يعنيه، حسن السمت، كثير العبادة، رآه بعضُ أصحابه بعرفات وهو بالحَربية لم يحجَّ في تلك السَّنة. ودخل عليه بعضُ أصحابه قبل موته بيوم، فقال له: إذا كان غدًا واتَّفق ما يكون -يعني موته- فاخْرُجْ من الحَربية، فإنَّك ترى شيخًا قائمًا عند العقد، فقل له: ماتَ أحمد بن جعفر. فلما مات خَرَجَ الرجل، فإذا بالشيخ قائم، فقال له الشيخ: مات أحمد. قال: نعم. قال: ومشيت خلفه، فغاب عني. ودُفِنَ بباب حَرب. [سمع أبا عبد الله الحسين بن أحمد النِّعالي وغيره] (٢).

стр. 9770

أحمد بن منصور بن المُؤَمَّل (١) أبو المعالي، الغَزَّال، مشرف المارَسْتان العَضُدي. جاء رجلٌ ليلة الجمعة ثامن عشرين ربيع الآخر (٢)، فقال له: رأيتُ البارحة في المنام كأنَّك قد متَّ. وأشار إلى مكان إلى جانب المارَسْتان، فقال لأصحابه: ترحموا على، ثم مضى إلى جامع المنصور، فصلى الجمعة، ثم عاد، فلما وصل إلى ذلك المكان الذي عَيَّنه الرجل وقع، فمات فجأة، ودُفِنَ بباب حرب. [سمع أبا الحسين بن النَّقور وغيره، وكان ثقة] (٣). جوهر خادم السُّلْطان سنجر (٤) كان حبشيًّا، [ويلقب بالمقرَّب، وكان] (٣) حاكمًا على الدَّوْلة، جاء باطني في صورة امرأةٍ، فاستغاث به، فوقف، فرمى الإزار، ووَثَبَ عليه فقتله، وقُتِلَ، وعَزَّ على [السُّلْطان] (٣) سنجر. [فصل، وفيها توفيت: فاطمة بنت عبد الله الخَبِري الفَرَضي (٥) ولدت في جُمادى الأولى من سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، وتوفيت ليلة الاثنين خامس رجب، ودفنت بباب أبرز، وكانت صالحة زاهدة، سمعت الحديث من أبي جعفر بن المُسْلمة، وابن النَّقور وغيرهم.
следующие страницы →