مسرعًا، ودَخَلَ قلعة دمشق، فملَّكوه، ولقَّبوه جمال الدِّين، وتولى معين الدِّين أُنَر تدبير الجيوش.
[وقد ذكر القِصَّة أبو يعلى بن القلانسي، فقال: وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوَّال هذه السنة ظهرت هذه الحادثة المُدَبَّرة على الأمير شهاب الدِّين محمود بن تاج الملوك بُوري بن أتابك طُغْتِكِين، قتل في فراشه بيد غِلْمانه، وذكر بمعنى ما ذكرنا، ووصول أخيه محمد بن بوري إلى دمشق وجلوسه، قال:] (١) وانتهى الخبر إلى الخاتون صفوة المُلْك؛ والدة الأمير محمود المقتول، فراسلت عمادَ الدين زَنْكي، وهو بالمَوْصِل تعلمه صورةَ الحال، وتحثُّه على النُهوض لطلب الثَّأر -وكانت بحِمْص- فجاء أتابك إلى الشَّام، ونزل على بَعلَبَك يوم الخميس العشرين من ذي الحِجَّة في عسكرٍ كثيف، فنصَبَ عليها أربعةَ عشرة منجنيقًا ترمي ليلًا ونهارًا، فكتبوا إلى دمشق، فلم تأتهم نجدة، فأرسلوا إلى زَنْكي، وسألوه الأمان، فأمَّنهم، وحَلَفَ لهم، فسلَّموها إليه، فدخلها، وغَدَرَ بهم، وكان حَنِقًا على مَنْ قاتله، فأمر بقَتْلهم وصَلْبهم، فاستقبح النَّاسُ ذلك منه، ومقتوه (٢).
أبو بكر بن الصَّائغ الأندلسي (٣)
ويعرف بابن باجَّه (٤)، العالم الفاضل، له تصانيف في الرِّياضيات والمنطق والهندسة، [وذكره (٥) ابنُ بشرون المهدوي في كتابه الموسوم "بالمختار من النَّظْم والنَّثْر لأفاضل أَهْل العَصر"، ووصفه بالتفرُّدِ بالعلوم التي ذكرناها، وأنه] وزَرَ ليحيى بن
стр. 9767
يوسف بن تاشفين (١) عشرين سنة، وكانت سيرتُه حسنةً؛ صلحت به الأحوال ونجحت الآمال، حَسَدَه أطباءُ البلد وكادوه، ونالوا بقَتْله مسمومًا ما أرادوه.
[وذكر وفاته في هذه السنة، وأَنَّه] (٢) قال عند الموت: [من الخفيف]
آه مِنْ حادثاتِ صَرفِ اللَّيالي … فَلِحالي انْظُر أَعِظْكَ بحالي
أمسِ أبكيتُ حاسدي شَرَقًا بي … وهو اليوم رحمةً قد بكى لي
وقال أيضًا: [من الطويل]
هُمُ رحلوا يومَ الخميسِ عشيَّةً … فودَّعتُهم لما استقلُّوا وَوَدَّعُوا
ولمَّا تولَّوْا وَلَّتِ النَّفْسُ (٣) مَعهُمُ … فقلتُ ارجعي قالتْ إلى أين أَرجِعُ
إلى جَسَدٍ ما فيه لحمٌ ولا دَمٌ … ولاهو إلا أَعظُم تَتَقَعقعُ
وعَينَينِ قد أعماهما كَثْرَةُ البُكا … وأُذنٍ عَصَتْ عُذَّالها ليس تَسْمَعُ (٤)
السَّنة الرابعة والثلاثون وخمس مئة
فيها ولد لمسعود ولدٌ ذكر من بنت قاروت بك، فغلقت بغداد سبعة أيام، وفشت المنكرات، فجاء ابنُ الكوَّاز الزَّاهد إلى [باب] (٥) بنت قاروت بك، وقال: إنْ أزلتم هذه المنكرات، وإلا لزمنا المساجد والجوامع، وشكوناكم إلى الله تعالى. فحطُّوا التَّعاليق، ومات الولد.
وفيها دخلت خاتون بنت محمد زوجة المقتفي بغداد في تجمُّلٍ عظيم، وكانت قد وصَلَتْ مع أخيها مسعود، وأقامت عنده بدار المملكة، ثم زُفَّت إلى الخليفة وبين يديها
стр. 9768
زوجةُ السُّلْطان مسعود بنت دُبَيْس، وبنت قاروت بك، والوزير شرف الدِّين يحجبها، والمَهْدُ بين يديها، ومراكبُ الخليفة، وكان ذلك في جمادى الأُولى.
وفي رجب تزوَّج مسعود ببنت المقتفي، وحَضَرَ الوزراء والقضاة والشُّهود والأشراف، وتمكَّن ابنُ طِراد الوزير من الدَّوْلتين، ثم جَرَتْ بينه وبين الخليفة وَحْشةٌ، فالتجأَ إلى دار المملكة، واستناب الخليفةُ في الدِّيوان ابنَ الأنباري، وقيل: إنَّ الخليفة استوزر نظام الدِّين ابن جَهِير.
وفيها توفي رجلٌ صالح من أهل باب الأَزَج، واجتمع النَّاس، ونُودي للصَّلاة عليه، فوضعوه على سريره ليغسلوه، فَعَطَس، وقام قائمًا [فعجب الناس] (١)، وحَضَرَتْ جِنازةٌ أُخرى، فصلَّى ذلك الجَمعُ عليها.
وفيها عاد أتابك زنْكي من بَعلَبَك بعد أن أفنى من قاتله بها، ونفرتِ القلوبُ منه، ونزل على داريا، وخَرَجَ إليه بعضُ عسكر دمشق وأحداثها، فقاتلوه، فظفر بهم، وأطلق فيهم السيف قَتْلًا وأَسْرًا، وراسَلَ جمال الدِّين محمد صاحبَ دمشق، وأَنْ يعطيه حِمص وبعْلَبَك وما يختار، فمال إلى الصُّلْح طلبًا لحقن الدِّماء، فما وافقه أُمراؤه، وابتدأ به مَرَض طال، وتوفي في شعبان، وكان نزولُ أتابك عليها في ربيع الأَوَّل، واتفق موتُ محمد في الوقت الذي أُصيب فيه أخوه محمود، وفي تلك الساعة، ودُفن في تُربة جَدَّته بباب الفراديس.
وأقاموا ولده عضب الدولة أبو سعيد أبق بن محمد مكانه، وأُخذت له الأَيمان على الطَّاعة، وعَرَفَ زَنْكي ذلك، فزحف بعسكره إلى البلد طامعًا فيه، وظَنَّ أَنَّ الخُلْفَ يجري بين المقدَّمين، فجاء الأَمر بالعكس، وثَبَتَ له العسكر وأحداثُ دمشق، وقاتلوه قتالًا شديدًا، وقالوا: هذا كذَّاب غدَّار، سفَّاك للدِّماء، وقد رأيتم ما فعل بأهلِ بَعلَبَك. وقام بقتاله معين الدِّين أُنَر، فَضَعُفَتْ نفسُ أتابك، ورَجَعَ إلى داريا، وكان أُنَر قد بذل للفرنج مالًا ليدفعوا زنكي عنهم، وحمل إليهم المال، والرَّهائن من أقارب المقدَّمين، فاجتمعوا من الحصون والبلاد ليصدُّوه عن دمشق، فلمَّا تحقَّق ذلك رَحَلَ عن دمشق في رمضان طالبًا حوران، على نية لقاء الفرنج إن جاؤوا، ثُمَّ عاد في شوَّال إلى غوطة
стр. 9769
دمشق، ونزل بمرج عَذْراء، فأحرق عِدَّة ضياعٍ من المرج والغوطة، منها حَرَسْتا، وبلغه نزول الفرنج بالميدان في جموعهم، فرحل إلى بَعْلَبَك.
وخرج أُنَر في العسكر، وحاصر بانياس، وفتحها في آخر هذه السنة، وسَلَّمها إلى الفرنج، وكان ذلك في صُلْح الفرنج، وأنهم يسلمونها إليهم.
وبَعَثَ زنكي من بَعْلَبَك يستدعي التركمان من أماكنهم، وخرجت السنة على هذا، ولما عاد أُنَر إلى دمشق ما رأى في يوم السبت سابع ذي القَعدة إلا وزَنْكي قد صَبَّحهم جريدة على غِرَّةٍ، وقَرُبَ من السُّور، وعَلِمَ النَّاس، فركبوا الأسوار، وفتحوا الأبواب، وخرجوا إليه، فَرَدُّوه، فنزل تل راهط، وساق من الخيل والغنم والجمال والدَّوابّ ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ورحل نحو الشمال.
وحَجَّ بالنَّاس نَظَر.
وفيها توفي
أحمد بن جعفر (١)
ابن الفرج، أبو العَبَّاس، الحربي.
كان من الأَبدال، لم يتكلَّم فيما لا يعنيه، حسن السمت، كثير العبادة، رآه بعضُ أصحابه بعرفات وهو بالحَربية لم يحجَّ في تلك السَّنة.
ودخل عليه بعضُ أصحابه قبل موته بيوم، فقال له: إذا كان غدًا واتَّفق ما يكون -يعني موته- فاخْرُجْ من الحَربية، فإنَّك ترى شيخًا قائمًا عند العقد، فقل له: ماتَ أحمد بن جعفر. فلما مات خَرَجَ الرجل، فإذا بالشيخ قائم، فقال له الشيخ: مات أحمد. قال: نعم. قال: ومشيت خلفه، فغاب عني.
ودُفِنَ بباب حَرب. [سمع أبا عبد الله الحسين بن أحمد النِّعالي وغيره] (٢).
стр. 9770
أحمد بن منصور بن المُؤَمَّل (١)
أبو المعالي، الغَزَّال، مشرف المارَسْتان العَضُدي.
جاء رجلٌ ليلة الجمعة ثامن عشرين ربيع الآخر (٢)، فقال له: رأيتُ البارحة في المنام كأنَّك قد متَّ. وأشار إلى مكان إلى جانب المارَسْتان، فقال لأصحابه: ترحموا على، ثم مضى إلى جامع المنصور، فصلى الجمعة، ثم عاد، فلما وصل إلى ذلك المكان الذي عَيَّنه الرجل وقع، فمات فجأة، ودُفِنَ بباب حرب. [سمع أبا الحسين بن النَّقور وغيره، وكان ثقة] (٣).
جوهر خادم السُّلْطان سنجر (٤)
كان حبشيًّا، [ويلقب بالمقرَّب، وكان] (٣) حاكمًا على الدَّوْلة، جاء باطني في صورة امرأةٍ، فاستغاث به، فوقف، فرمى الإزار، ووَثَبَ عليه فقتله، وقُتِلَ، وعَزَّ على [السُّلْطان] (٣) سنجر.
[فصل، وفيها توفيت:
فاطمة بنت عبد الله الخَبِري الفَرَضي (٥)
ولدت في جُمادى الأولى من سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، وتوفيت ليلة الاثنين خامس رجب، ودفنت بباب أبرز، وكانت صالحة زاهدة، سمعت الحديث من أبي جعفر بن المُسْلمة، وابن النَّقور وغيرهم.
стр. 9771
وذكرها جدِّي في "مشيخته"، فقال: فاطمة بنت عبد الله بن إبراهيم بن حكيم الخَبْرِي خالة أبي الفَضْل بن ناصر، وأثنى عليها، رحمها الله تعالى (١).
وفيها توفي:
محمد بن بُوري صاحب دمشق (٢)
وكنيته أبو المُظَفَّر، ولقبه جمال الدين، كان حسن السيرة (٣)، وكانت ولايته لدمشق سنة، وقد ذكرناه (٤).
فصل: وفيها توفي:
المهدي بن محمد، أبو البركات الواعظ (٥)
نشأ ببغداد، وكان حسن العبارة، وسمع الشيوخ، وسافر إلى الشرق إلى جَنْزَة، فَخُسِفَ بها، وهلك من المسلمين خَلْقٌ كثير، وكان مِمَّن هلك.
سمع ابن البَطِر، وأبا الخَطَّاب الكَلْواذاني (٦) وغيره، وكان صالحًا، ثقة] (٧).
يحيى بن علي بن عبد العزيز (٨)
أبو الفَضْل، قاضي دمشق.
стр. 9772
وهو جَدُّ الحافظ ابن عساكر لأمه، ولد سنة أربعٍ وأربعين وأربع مئة، وتفقَّه ببغداد على أبي بكر الشَّاشي، وبدمشق على القاضي المَرْوَزي، وحَجَّ على العراق سنة خمس عشرة وخمس مئة، ورأى الخطيبَ ولم يسمع منه، [وسمع من نَصر المقدسي وطبقته، وروى عنه سِبْطُه الحافظ ابن عساكر] (١).
وتوفي بدمشق، ودفن بمشهد القدم، [وكان ثقةً، حافظًا، كثير العلم والحديث] (١).
السَّنة الخامسة والثلاثون وخمس مئة
فيها نَقَلَ المقتفي المُظَفَّر بن محمد بن جَهِير من الأستاذ دارية إلى الوزَارة.
وفيها قدم [بغداد] (١) رجلٌ من السَّواد، فسكن قريةً على باب بغداد، وأظهر الزُّهْد، فقصده الناس [من كل جانب] (١)، واتَّفق أَنَّه مات لبعض [أهل] (١) السَّواد ولدٌ، فدفنه قريبًا من قبر السبتي (٢)، فمضى ذلك المتزهِّد، فَنبَشه، ودفنه في موضعٍ آخر، ثم أصبح، فجاءَ إليه زوَّارُه. فقال: رأيتُ البارحة عليَّ بنَ أبي طالب، فقال لي: إن بعض أولادي في المكان الفلاني. فانقلبت بغداد، وجاء النَّاس يُهْرعون إليه، وسألوه أن يُريهِم المكان، فجاء إلى الموضع الذي دَفَنَ فيه الصَّبيَّ، فحفر، فظهر الصَّبيُّ، [وكان أمرد] (١)، فمن وَصَلَ إلى قطعةٍ من أكفانه فكأنه قد ملك الدُّنيا، وجاؤوا بالبخور والشموع والماء الورد، وأخذوا تراب القبر للتَّبرك، وجعل النَّاس يقبِّلُون يد الزَّاهد، ويبكون ويخشعون، وبقوا أيامًا على هذا، والميت مكشوف يراه كلُّ أحد، فتغترت رائحتُه، وجاء حُذَّاق بغداد، فقالوا: هذا له منذ أربع مئة سنة، وكيف تتغير رائحته! وجاء السَّوادي يزور الزَّاهد، وبتبرَّك بالقَبْر، فاطَّلع فيه، فعرفه، فصاح وقال: ولدي والله، وكنت دَفَنْتُه عند السبَتي، فقوموا معي. فقاموا، وجاؤوا إلى المكان، فنبشوه فلم يروا فيه أحدًا، وهرَبَ الزَّاهد، وتبعوه، فأخذوه وقرَّروه، فاعترف، وقال: إنما عملتُ ذلك حيلةً. فشهَّروه على جَمَلٍ، وعزَّرُوه.
стр. 9773
وفيها فُتِحَتْ المدرسةُ التي بناها ابنُ طلحة صاحب المخزن ببغداد، وحَضَرَ قاضي القُضَاة الزَّينبي وأربابُ الدولة والفقهاء، ودَرَّسَ بها أبو الحسن بن الخَلّ.
ووصل رسولٌ من عند سنجر، ومعه البُردة والقضيب وكانتا مع المسترشد، فدفعهما إلى المقتفي.
قال ابنُ القلانسي: وفيها ملكت الإسماعيلية حِصن مصياث بحيلةٍ دُبِّرت لهم [فيه، يعني أنَّه ما أُخذ بقتال] (١).
وحج بالنَّاس نظر الخادم.
فصل: وفيها توفي
إسماعيل بن محمد بن الفضل (٢)
أبو القاسم، الطَّلْحي، الأَصبهاني.
ولد سنة تسعٍ وخمسين وأربع مئة (٣).
وسافر إلى البلاد [وسمع الكثير، وأملى بجامع أصبهان قريبًا من ثلاثة آلاف مجلس] (٤)، وهو إمامٌ في الحديث والتفسير واللُّغة، حافِظ مُتْقن، وكانت وفاته ليلة عيد الأضحى بأَصبهان. [وحكى ابنُ ناصر أَنَّ غاسله لما أراد أن ينحي] (٥) الخِرْقة عن سوأته وقت الغُسْل جَذَبها إسماعيل من يده، وغطَّى بها فَرجه، فقال الغاسل: أحياة بعد الموت؟!
стр. 9774
إسماعيل بن فضائل [بن سعيد] (١) أبو محمد، البَدْليسي (٢)
[وبَدْليس: بلدة قريبة من خِلاط، ذكره الحافظ ابن عساكر (٣)، وقال] (١): أقام إمامًا بجامع دمشق نيِّفًا وثلاثين سنة [يؤمُّ النَّاس ويتلو القرآن، فظهر عليه شيء من اعتقاده من ميله] (٤) إلى التشبيه، فعزل [عن الإمامة] (١) في رمضان سنة ثمان وعشرين [وخمس مئة] (١)، ونُصِبَ مكانه أبو محمد بن طاوس، وجرى في ذلك [مرافعات و] (١) تعصُّبات، فاستقرَّ الأمر أن لا يبقى في الجامع مَنْ يصلِّي إمامًا غير إمام الشَّافعية والحنفية [لا غير] (١)، وبَطَلَتْ إمامةُ المالكية والحنابلة.
[فصل، وفيها توفي:
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد (٥)
أبو منصور القَزَّاز، ويُعرف بابن زُرَيْق.
كان من أولاد المحدِّثين، وسمع الكثير، وكان صالحًا خَيِّرًا، كثيرَ السكوت، صَبُورًا على العُزْلة عن النَّاس، وكانت وفاته في شوال، ودفن بباب حَرب.
سمع ابن المهتدي وأبا الغنائم، وابنَ الدَّجاجي، والخطيب، وأبا جعفر ابن المُسْلمة، وخَلْقًا كثيرًا، وهو شيخُ جَدِّي أبي الفرج، وشيخ شيخنا تاج الدين الكِنْدي، ومن رواياته تاريخ الخطيب، عن الخطيب، ورواه عنه، جدي والكندي، وقد ذكرناه، وذكره جدِّي [في "مشيخته"] (٦)، وأثنى عليه] (١).
стр. 9775
محمد بن عبد الباقي، أبو بكر الأنصاري (١)
من ولد كعب بن مالك، أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا (٢) [ويعرف بقاضي المارَسْتان، ويعرف أبو بكر أيضًا بابن أبي طاهر.
ولد بالنَّصرية غربيِّ بغداد، ونشأ بها، وقال جَدِّي: كُنَّا إذا سألناه عن مولده يقول: أَقْبلوا على شأنكم. ثم أسند هذا اللفظ إلى مالك بن أنس (٣) أنه كان يقول ذلك. وفي روايةٍ: لا ينبغي لأحدٍ أَنْ يُخْبِرَ بمولده، لأَنَّه إنْ كان صغيرًا استحقروه، وإنْ كان كبيرًا استهرموه] (٤).
وكان [الأنصاري] (٥) ينشد: [من الكامل]
احفَظْ لسانَكَ لا تَبُح بثلاثةٍ … سنٍّ ومالٍ ما استطعتَ ومَذهبِ
فعلى الثلاثةِ تُبْتَلى بثلاثةٍ … بمُمَوِّهٍ ومُكَفِّرٍ ومُكَذِّبِ
وقال: مولدي يوم الثّلاثاء عاشر صَفَر سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة.
[قال] (٥): وحضر منجِّمان عند ولادتي، فأجمعا على أني أعيش اثنتين وخمسين سنة، وها أنا قد جاوزت التِّسْعين.
وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، [وأول سماعه الحديث من البَرمكي في سنة خمس وأربعين وأربع مئة حضورًا] (٥) وتفقَّه على [القاضي أبي يعلى] (٥) ابن الفَرَّاء الحَنْبلي، [وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدّامغاني] (٥)، وعَمِرَ حتى ألحق
стр. 9776
الصِّغار بالكبار، وكان كريمَ الأخلاق، حَسَنَ المعاشرة. [قال جدي: وكنت أجلس بجامع المنصور، وأنا صبيٌّ، فيأتي فيقفُ مِنْ ورائي، فيسلِّمُ عليَّ وأنا على المِنْبر، وكان يُمْلي الحديثَ في جامع القَصر باستملاء أبي الفَضْل ابن ناصر. قال: وقرأتُ عليه الحديث، وكان] (١) حُجَّةً في علومٍ كثيرة، وانفرد بعِلْم الفرائض. وكان قد خرج في قافلةٍ، فأُسر، فَقُيِّد وغُلَّ وعُذِّبَ على أن يتنَصَّر، فلم يفعل، وتعلَّم عندهم الخَطَّ الرومي، وأقام في الأَسر سنةً ونصفًا، ثم أطْلق. وقال: ما أَعلم أَني ضيعتُ من عُمُري ساعةً قط (٢).
[قال جدِّي: وسمعته يقول] (٣): كُنْ على حَذَرٍ من الكريم إذا أهنْتَه، ومن اللئيم إذا أكْرَمتَه، ومن العالم إذا أَحرَجْتَه، ومن الأَحمق إذا مازَحته، ومن الفاجر إذا عاشَرته، ومَنْ خَدَمَ المحابر خَدَمَتْه المنابر (٢).
وكانت وفاته يوم الأربعاء ثاني رجب عن ثلاثٍ وتسعين سنة، وصُلِّي عليه بجامع المنصور، وحضره قاضي القضاة الزَّينبي، وأربابُ الدولة، وحُمِل إلى [مقابر] (١) باب حرب، فدفن عند أبيه قريبًا من [قبر] (١) بِشْر الحافي، وماتَ وهو صحيح الحواسِّ لم يتغير عليه شيء، وكان يقرأ الخَطَّ الدقيق من بعيد، وأَوْصى أنْ يكتبَ على قبره ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧، ٦٨] [سمع خلقًا كثيرًا، وكانت له إجازات] (١)، وأجمعوا على زهده وصِنقه، وفضله وعدالته.
[قال: وأنشدني] (٤): [من الكامل]
لي مُدَّةٌ لا بُدَّ أَبْلُغُها … فإذا انْقَضَتْ وتَصَرَمَتْ مِتُّ
لو عاندتني الأُسْدُ ضاريةً … ما ضَرَّ بي ما لم يجي الوقتُ (٥)
стр. 9777
يوسف بن أيوب بن يوسف (١)
أبو يعقوب (٢)، الهمَذَاني.
نزل مَرْو، وقَدِمَ بغداد [بعد الستين وأربع مئة] (٣)، وتفقه على أبي إسحاق الشّيرازي وسمع المشايخ، وعاد إلى مرْو، وتشاغل بعلم المعاملات وتربية المريدين، ثم قدم بغداد سنة ستٍّ وخمس مئة، وَوَعَظَ بها، فقام إليه ابنُ السَّقَّاء، فآذاه، فقال له: اقعد، فكأَنِّي أَشُمُّ من فِيك رائحة الكُفْر. فاتَّفق أَنَّ ابنَ السَّقَّاء خَرَجَ إلى الرُّوم، فتنصَّر، [وقد ذكرناه] (٣)، وكانت وفاتُه بقريةٍ من قرى هرآة، [ولما قدم بغداد سمع الخطيب، وابن المهتدي، وغيرهم] (٣)، وكان صالحًا ثقة.
قلت (٤): كان صاحب هذه الترجمة عظيم الشَّأن، أحد أركانِ الإسلام، انتهت إليه تربيةُ المريدين بخُراسان، واجتمع عنده بخانقاته من العُلَماء والصُّلَحاء جماعةٌ، وانتفعوا بكلامه، وتخرَّجوا بصُحْبته، وكان المشايخ يعظِّمون قَدره، وله كلام حسنٌ على لسان أهل الحقيقة (٥). وقال إبراهيم بن علي الجُوَيني (٦): أخبرنا أبي، قال: سمعتُ أبي يقول: كان الهمَذَانيُّ يومًا يتكلَّم على النَّاس، فقال له فقيهان كانا في مجلسه: اسكت، فإنما أنتَ مُبْتدع، فقال لهما: اسكتا لا عشتما. فماتا مكانهما (٧).
стр. 9778
وبالإسناد: أَنَّ الفرنج أسروا ولدًا لامرأةٍ من أهل همَذَان، فجاءت إلى الشيخ يوسف باكيةً، فصبَّرها، فلم تَصبِرْ، فقال: اللهم فُكَّ أسره، وعَجِّلْ فَرَجَه. ثم قال لها: اذهبي إلى دارك تجديه بها. فذهبت، فإذا ولدُها في الدَّارِ، فعجبت، وسألته، فقال: إني كنت الآن بالقُسْطَنْطينية العُظْمى، والقيود في رِجْلَي، والحُرَّاس عليَّ، فأتاني شخصٌ ما رأيته قبل، واحتملني وأتى بي إلى هنا كلَمْح البَصَر. فجاءت إلى الشيخ، فقال لها: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] رحمة الله عليه.
السَّنة السَّادسة والثلاثون وخمس مئَة
فيها في المحرَّم كانت وقعةٌ عظيمة بين سنجر وكافر تُرك؛ [أخذ الله للمسترشد بالثار، وأحَلَّ به الهلاك والبوار، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] (١) وسبَبُها أَنَّه كان بما وراء النَّهْر الغُزُّ؛ وهم طائفة من التُّرك بنواحي سَمَرْقَنْد في مروجها ومراعيها، ولهم أموالٌ كثيرة ومواشٍ، وأهل تلك النَّاحية ينتفعون بهم وهم يَعِفُّون عن مالِ غيرهم، ولا يطلقون دوابَّهم في زَزعِ النَّاس، ولا يُؤْذون أحدًا. وبلغ سنجر خبرهم، فجهَّز إليهم العساكر، فأوقعوا بهم، ونهبوا أموالهم، وسَبَوْا نساءهم، وهتكوا البناتِ، وقتلوا منهم طائفةً، وانحازوا إلى ناحية أروجند (٢)، وبعثوا مشايخهم إلى سنجر، وقالوا: نحن قومٌ أهلُ صحارى وبراري وخراب، لا نؤذي أحدًا، ولا نخيف السَّبيل، فكُفَّ عنا ونحن نجعل لك في كل سنة خمسة آلاف فرس، وثلاثين ألف رأس من الغنم، وكذا وكذا من المال. فلم يلتفت إليهم، وأطمعه أمراؤه فيهم، فعاد مشايخهم وأخبروهم، فقصدوا خاقان ملك الخطا مستصرخين به، وأطمعوه في بلاد الإسلام، فجمع، وسار معهم في سبع مئة ألف مقاتل، وكان سنجر قد قتل أخا خوارزم شاه، وبين خوارزم شاه وخاقان هُدنةٌ ومصاهرة، فانضمَّ إلى خاقان
стр. 9779
في خمسين ألفًا، وبلغ سنجر، فجمع، وقطع النهر في مئة ألف مقاتل، والتقى الفريقان في صحراء سَمرقَنْد، وكان يومًا عظيمًا لم يُرَ مِثْلُه في جاهلية ولا إسلام، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وانكشف سنجر وقد قُتِلَ عامَّةُ أصحابه، وانهزم في ستة أنفس، وأسرت زوجته وأولاده، وجواريه وابنته، وهُتك حريمه، وقُتِلَ عامَّةُ أمرائه، وقتل معه اثنا عشرة ألف عِمامة كلُّهم رؤساء وفقهاء؛ فيهم الحسام بن مازة (١)، وأُسر أبو الفَضْل الكَرْماني؛ صاحب "الجامع الكبير".
وعبر خوارزم شاه واسمه أنزاك (٢) بَلْخ، ونَزَلَ فيها مراغمةً لسنجر، فَنَهبَ وقتل وسبى خَلْقًا لا يحصون، ومضى سنجر إلى تِرمِذ، فلما دخلها افتقد أهله، فلم ير أحدًا، فسأل عن الأُمراء، فقيل: قُتِلوا، وأُخذ من خزائنه، وأمواله وذخائره وخيله، ولم يُفْلت إلا في ستة أَنْفُس، وأقام أيامًا لم يجد ما يأكل. وكانت هذه الوقعة سببَ بواره.
ووصل الخبر إلى بغداد، فانكسرت هِمَّة مسعود، وذَلَّ.
وعاد صاحب خوارزم إليها، ونزل خاقان في مروج سمرقَنْد، وجَمَعَ إليه الغُزَّ، واقتسموا الأموال والغنائم، وأُحصي مَنْ قُتِلَ من أصحاب سنجر، فكانوا سبعين ألفًا، وأخذوا من النِّساء عشرة آلاف امرأة، وقتل أربعة آلاف.
وكان المقتفي قد غَضِبَ على وزيره ابنِ طِراد، وعَزَلَه، فدخل على مسعود، وسأله أن يشفع فيه إلى الخليفة، ويُعيده إلى داره، فقال مسعود لوزيره: خُذْه، واذهبْ به إلى الخليفة، وقُلْ له: إن سنجر ومسعودًا يسألان أمير المؤمنين فيه. فدخل وزيرُ مسعود على الخليفة، وقبَّلَ الأرضَ، وأدَّى الرِّسالة، وقال له: خُذْه، وإن كان قد بدا منه سيئة فأمير المؤمنين أهل العفو عنه، وما زالت العبيد تجني والموالي تعفو. فَشَرَعَ الخليفة يُعِدُّ سيئاته، والوزير يقول: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فقال الخليفة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] قد عفونا عنه بشفاعة السُّلْطانين.
стр. 9780
وحجَّ بالناس نظر الخادم.
[فصل: وفيها توفي
أحمد بن محمد بن علي (١)
ابن محمود، أبو سَعد، الصوفي، الزَّوْزَني.
ولد في ذي الحِجَّة سنة تسع وأربعين وأربع مئة، وسمع الحديث الكثير، وتوفي يوم الخميس تاسع عشرة شعبان، ودفن يوم الجمعة عند رباط جده أبي الحسين الزَّوزني حذاء جامع المنصور.
سمع القاضي أبا يعلى بن الفرَّاء، وغيره. وقد تكلم فيه أبو سَعد بن السَّمْعاني، فقال: كان يشرب.
قال جدي: ولا أدري من أين كان له ذلك، ولا يلتفت إلى ابن السمعاني، فإن أبا الفَضْل بن ناصر قال: رأيته في المنام وعليه ثياب حسنة، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. فقلت: وأين أنت؟ فقال: مع أبي في الجنة] (٢).
فصل: وفيها توفي
إسماعيل بن أحمد (٣)
ابن عمر بن أبي الأشْعث، أبو القاسم، السَّمَرقَنْدي.
ولد بدمشق في رمضان سنة أربع وخمسين وأربع مئة [وسمع شيوخ دمشق، ثم قدم بغداد فسمع شيوخها، وكان دلالًا يبيع الكُتُب] (٤)، وكان فيه يقظة، وله معرفةٌ بالحديث.
وقال أبو العلاء الهمَذَاني: ما أَعدِلُ به أحدًا من شيوخ خراسان ولا العراق.
стр. 9781
وقال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ في المنام، وهو مريضٌ، وقد مدَّ رِجْله، فجعلتُ أُقبل أخمص قَدَمَيه وأُمرِّغ وجهي عليهما، فحكيت هذا المنام لأبي بكر بن الخاضبة، فقال: أَبْشِر يا أبا القاسم بطُول البقاء، وانتشار الرِّواية عنك لأحاديث رسولِ الله ﷺ ، فإنَّ تقبيل قدميه اتِّباعٌ لأَثره، وأما مَرَضُه ﷺ ، فَوَهْنٌ يحدُثُ في الإسلام. فما أتى على هذا إلا قليل حتى استولى الفرنج على بيت المقدس.
وكانت وفاته ليلة الثلاثاء سادس عشرين ذي القَعدة عن اثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر، ودفن بباب حَرب [في مقام الشهداء] (١)، غربيّ بِشْر الحافي [وهذه المَقْبُرة يسميها أهل بغداد مقابر الشهداء، يزعمون أن فيها قبور قوم شهدوا مع عليٍّ ﵇ قتل الخوارج بالنّهروان وارتُثُّوا (٢) في الوقعة، فلما رجعوا أدركهم الموت في هذه المقبرة. قال الخطيب: كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر هذا ويقول: لا أصل له (٣).
سمع ابنُ السَّمَرقنْدي من ابن النّقور (٤) وغيره] (١)، وكان يُنشد: [من الطويل]
وأَعجَبُ ما في الأَمرِ أَنْ عِشْتُ بعدهُم … على أنَّهم ما خَلَّفوا فيَّ مِنْ بَطْشِ
الحسام [عمر بن] (٥) عبد العزيز بن مازة (٦)
إمام الحنفية ببخارى، وصَدرُ الإسلام.
كانت له الحُرمة العظيمة، والنعمة الجليلة، والمال الكثير، والتَّصانيف المشهورة، وكان الملوك يَصدُرون عن رأيه.
стр. 9782
ولما عَزَمَ سنجر على لقاء الخطا أخرجه معه، وفي صحبته من الفقهاء والخطباء والوعَّاظ والمُطَّوِّعة ما يزيد على عشرة آلاف، فَقُتلوا عن آخرهم، وأسروا الحسام وأعيانَ الفقهاء، فلما فَرَغَ المصافُّ أحضرهم ملكُ الخطا، وقال: ما الذي دعاكم إلى قتالِ مَنْ لم يقاتلكم، والإضرار بمن لم يضرَّكم؟ فأنتم سببُ الفساد؛ لأنكم تحرِّضون على قتال من لا آذاكم. فضرب أعناقَ الجميع، رحمهم الله تعالى.
محمد بن محمد بن أبي الوفاء (١)
القاضي الأَصبهاني، ولي القضاءَ بعَسْكَر مُكْرَم (٢)، ودرَّس بالنِّظامية، وكان حَسَنَ السِّيرة، فاضلًا، وقيل: تأَخَّرت وفاتُه إلى سنة سبع وثلاثين، ومن شِعره: [من المتقارب]
إذا لاحَ مِنْ أَرضِكم بُرْقَةٌ … شَمَمْتُ الوصال بإقبالها
ولو حَمَلَتْني الصَّبا نحوكُم … تعلَّقُ رُوحي بأَذْيالها
هبة الله بن أحمد بن عبد الله (٣)
ابن علي بن طاوس، [أبو محمد، المقرئ، البغدادي.
انتقل والده إلى دمشق، فأقام بها، فولد هبة الله في سنة اثنتين وستين وأربع مئة، وكان فاضلًا، قارئًا، حسن التلاوة، وختم القرآن عليه خلق كثير، وأملى الحديث و] (٤) توفي في المحرَّم، ودفن بباب الفراديس، وحَضرَه خَلْقٌ عظيم. [هذا صورة ما ذكره جدي في "المنتظم" (٥).
стр. 9783
وذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: ابن طاوس] (١) كان إمام جامع دمشق [سمع أباه وأبا العباس بن قُبيس، وقيل: لم يلحقه، وكان قد قرأ القرآن بالسبعة على أبيه، وكان يؤدِّبُ الصبيان بسوق الأحد، فلما انتصب لإمامة جامع دمشق ترك ذلك، وكان ثقة، حسن الصَّوْت بالقرآن، صحيح الاعتقاد] (١).
قال ابن عساكر: أنشدنا لعلي بن أحمد النُّعيمي البَصري (٢): [من المتقارب]
إذا أَظْمَأَتْكَ أكُفُّ اللِّئامِ … كَفَتْكَ القناعةُ شِبْعًا وَرِيَّا
فكُنْ رَجُلًا رِجْلُه في الثَّرى … وهِمَّةُ هامتِهِ في الثُّريا
أبيًّا لنائِلِ ذي ثَرْوَةٍ … تراه بما في يَدَيه أبيَّا
فإنَّ إراقةَ ماءِ الحيا … ةِ دونَ إراقةِ ماءِ المُحَيَّا
السَّنة السابعة والثلاثون وخمس مِئة
فيها بعث سنجر إلى مسعود يأمره بالتَّصرُّف في الرّي والمقام بها بحيث إنْ دَعَتْه حاجةٌ استدعاه؛ لأَجْل ما نكِبَ به من الخطا.
وأمر الخليفةُ أن لا يُخاطب أحدٌ بمولانا الوزير.
وولى القاضي الزَّينَبي أبا يعلى محمد بن محمد بن الفَرَّاء قضاء واسط، وخرج إليها.
وفيها جمع سنجر العساكر، وعَزَمَ على قصد خوارزم شاه، وكان ملك الخطا قد عاد إلى بلاده، وجاء سنجر، فنزل على جيحون، وقال: لا بُدَّ من العبور إلى خوارزم شاه. وجاء خوارزم شاه إلى جانب جيحون، وبعث إلى سنجر الأموال التي أخذها من بَلْخ، وصناديقَ الجَوْهر، وضَمِنَ له مالًا، وقال للرسول: قُلْ له احقنِ الدِّماء، فإنَّ عَوْدَ
стр. 9784
ملك الخطَا أسهلُ من كلِّ شيء. فقال سنجر: لا بُدَّ من العبور إليه. فركب سنجر في عساكره، وخوارزم في عسكره، وتقابلا (١) على جيحون، فانفرد خوارزم شاه من عسكره، ونزل، فقَبَّل الأرض لسنجر، فانصرف عنه إلى مَرْو.
وفيها ملكَ زَنْكي قلعة الحديثة التي على الفرات، ونقل ما كان بها من آل مُهارِش إلى المَوْصل، ورَتَّبَ فيها نوابه.
وفيها استولى مسعود بن قليج رسلان على بلاد الرُّوم؛ أخذها من محمد بن غازي، ويعرف بالدَّانْشمَنْد (٢)، وكان مقامه بمَلَطْيَة، فأخرجه منها (٣).
وحج بالنَّاس نَظَر الخادم.
فصل: وفيها توفي
الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضَّوْء (٤)
أبو محمد، الشريف الحُسَينْي، نقيب مشهد موسى بن جعفر ﵁ ببغداد، ومن شِعْره مَرْثية في النَّقيب الطَّاهر، منها: [من الخفيف]
قَرِّباني إنْ لم يكن لكُما عَقْـ … ـــــرٌ [إلى جَنْبِ] (٥) قبره فاعْقِراني
وانْضَحا من دمي عليه فقد كا … نَ دمي من نَدَاه لو تَعْلَمانِ
стр. 9785
الملك داود بن السُّلْطان محمود (١)
ابن محمد بن ملك شاه، صاحب أَذْربيجان الذي كسر مسعودًا (٢)، وجرت له معه حروبٌ كثيرة، واستولى على تلك النَّواحي.
ركب يومًا في سوق توريز، فوَثَبَ عليه قومٌ من الباطنية، فقتلوه غِيْلَةً، وقُتِلُوا، وقُتِلَ معه جماعةٌ، ودُفِن بتوريز، وكان شُجاعًا، جَوَادًا، عادلًا، يباشر الحروب بنفسه.
عبد المجيد بن إسماعيل بن محمد (٣)
أبو سَعد (٤)، الهَرَوي، الحنفي، قاضي بلاد الرُّوم.
له مصنفاتٌ في الأُصول، والفروع، وخُطَبٌ ورسائل، توفي بقَيسارِيَّة في رجب، ومن شعره: [من الكامل]
وإذا أتيتَ إلى الكريم خديعةً … فرأَيتَه فيما ترومُ مُسارعُ
فاعلمْ بأنَّك لم تخادِع جاهلًا … إنَّ الكريم بفَضْله يتخادَعُ
محمد بن عبد الله بن أحمد (٥)
أبو الفضل، [الخطيب] (٦)، ابن المهتدي.
ولد في ذي الحِجَّة سنة تسع وأربعين وأربع مئة، [وسمع الحديث، وقرأ القرآن بالروايات، وشهد عند القاضي أبي الحسن الدَّامَغاني، و] (٦) ردَّت إليه الخطابة بجامع المنصور، وجامع القَصر، وسَرَدَ الصَّوْم نيِّفًا وخمسين سنة، وكان رجلًا صالحًا.
стр. 9786
توفي في جُمادى الأولى، ودفن قريبًا من دِكَّة الإمام أحمد [بن حنبل (١)، عند جَدِّه لأمه أبي الوفاء بن القَوَّاس بعد فتنةٍ؛ لأن الحنابلة منعوه لكونه شافعيًّا، فأمر المقتفي بذلك، ولم يلتفت إلى العامة. وقيل: إنَّه أوصى بذلك.
سمع أبا الحسين بن المهتدي، وأبا الغنائم بن المأمون، وطِرادًا، وجدَّه لأُمه أبا الوفاء، وغيرهم، وكان ثقةً صالحًا].
السَّنة الثَّامنة والثلاثون وخمس مِئَة
فيها قدم السُّلْطان مسعود بغداد في ربيع الآخر، فنزل أصحابُه في دور النَّاس، وكَثُرَ فسادُ العَيَّارين، وكان أبو الكرم الوالي قد عَزَلَ نفسه، وحلق رأسه، وقعد في رباط أبي النَّجيب، فأُعيد إلى الولاية، [وجعل العَيَّارون لهم] (٢) عيونًا على [الناس من] (٣) النِّساء [والرِّجالُ] (٣)؛ يدخلون البيوت، ويهجمون على النَّاس، ويكبسون الخانات نهارًا، فيأخذون أمتعة التُجَّار، فأُغلقت الدَّكاكين والخانات، ولبس النَّاس السِّلاح، وعَزَّ على مسعود ذلك، وغَلَّق النَّاسُ أبوابَ الجوامع، وكسروا المنابر، وظهر في العسكر رجلٌ عَيَّار مِنْ ولد قاروت بك ابن عمِّ السُّلْطان مسعود [ومعه جماعة] (٤)، فأُخرجت العملات مِنْ داره، وكان نازلًا بدرب صالح، فأمر مسعود بصَلْبه، وصَلْبِ أصحابه، فصُلبوا على باب الدَّرْب، فسكن النَّاس.
وعَزَمَ السُّلْطان على قَصدِ المَوْصِل، فصانع زَنْكي بمئة ألف دينار (٥).
وفيها قَدِمَ مع السُّلْطان [مسعود] (٦) فقيه كبيرُ القَدْر، حنفيُّ المذهب، اسمه الحسن بن أبي بكر النَّيسابوري، وكان عارفًا بالمذهب واللُّغة [والنظر] (٦) فجلس بجامع
стр. 9787
المنصور، وجامع القَصر، وصرَّح بلعنة أبي الحسن الأَشْعري على المنابر، وكان يقول: كُنْ شافعيًّا ولا تكن أشعريًّا، وكن حنفيًّا ولا تكن معتزليًّا، وكن حنبليًّا ولا تكن مشبهيًّا. وكان يقول: ما رأيتُ مثل أصحاب الشافعي يتركون الأَصل ويتعلَّقون بالفَرْع. ومَدَحَ الأئمة، وذمَّ الأشعري. وقال: زاد في الشِّطْرنج بَغلًا، والبَغْل مختلِطُ النَّسب، وليس له أَصل [صحيح] (١). فقام أبو محمد بن الباطوخ (٢)، فأنشده قصيدة في هذا المعنى، وهي: [من مجزوء الكامل]
صَرْفُ العيونِ إليك يَحْلُو … وكثيرُ لَفْظِكَ لا يُمَلُّ
والنَّاسُ لو مَتَعْتَهُمْ … بكَ ألفَ عامٍ لم يُوَلُّوا
مِنْ أين وَجْهُ مَلالهم … وغَرَامُهُمْ بكَ لا يَقِلُّ
لو رمتَ بَذْلَ نُفوسِهِمْ … بذلوا رضىً لكَ واستقلُّوا
وافَيتَ فابتسم الهدى … وأنار دينٌ مُضْمَحِلُّ
ونهضتَ في (٣) نَصر الكتا … بِ بحدِّ عَضْبٍ لا يُفَلُّ
لمعانُه يومَ التَّنا … ضُلِ بالأَدِلَّةِ يُسْتَهَلُّ
أنعشتَ خامِلَ مَعْشَرٍ … مِنْ بعد ما ضَعُفوا وقلُّوا
وَعَقَدْتَ حين نَصَرْتَهُمْ … في الدِّين عَقْدًا لا يُحَلُّ
وقمعْتَ أحداثَ (٤) الضلا … ل فهانَ ذِكْرُهُمُ وذَلُّوا
وَقَطَعْتَ شَمْلَهُمُ وليـ … ـــس لهمْ بحمدِ الله شَمْلُ
стр. 9788
كَمْ ذا التحدِّي بالدليـ … ــــل لهُمْ وكم عَجَزوا وكَلُّوا
أَنْذِرْهُمُ فإنِ انْتَهوا … عن أَجْرهم (١) أَوْ لا فَقَتْلُ
ما ثَمَّ غير أبي حنيـ … ـــــفةَ والمديحُ له يحلُّ
وفقيه طيبةَ مالك … طَوْدٌ له زُهْدٌ وفَضْلُ
وفتى ابن حنبل والحديـ … ــــثُ عن ابن حنبل لا يملُّ
والشَّافعيُّ وما لهُ … فيمن تقدَّم قطُّ مِثْلُ
فهمُ أَدِلَّتُنا ومَنْ … يهدي بغيرِهُمُ يَضِلُّ
كُنَّا نعدُّ خلافَهُمْ … صُلْحًا ونَدْرُسُه ونَتْلوا
حتى بُلِينا بالخِلا … فِ وزاد في الشِّطْرنج بَغْلُ
والجِنْسُ يَضْبِطُ في البها … ثم أَصلَها والبَغْلُ بَغْلُ (٢)
ثم جلس النَّيسابوري يوم الجُمُعة العشرين من رجب في دار السُّلْطان وحضر [السلطان] مسعود [إلى عنده] (٣)، فوعظه، وبالغ. وكانوا قد كتبوا على باب النِّظامية اسم [أبي الحسن] (٣) الأشعري، فعرَّفَ النيسابوريُّ للسُّلْطان مذهبَ الأشعري، وقال: هذا يقول ليس له في الأرضِ كلام (٤). فتقدَّم بمحو اسم الأشعري، وكَتْبِ اسم الشافعي مكانه.
وكان أبو الفتوح الإسفراييني يعظ في رباطه، وينصر مذهب الأشعري، وكان أبو الحسن الغَزْنوي (٥) يعظ أيضًا، وكان يدخل على السُّلْطان. فقال له [الغَزْنوي] (٣): يا سلطان، سببُ الفِتَن التي تجري في بغداد أبو الفتوح الإسفراييني، وقد رُجم مرارًا، والصواب إخراجه من البلد. فتقدَّم السلطان بإخراجه، فأُخرج في رمضان، فمات بإسْفرايين، [وسنذكره] (٦).
стр. 9789
وخرج النَّيسابوري إلى بلده، فأقام به إلى سنة خمس وأربعين، [فتوفي بها] (١)، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها توجَّه مسعود إلى هَمَذَان في شَوَّال. وزُلْزلتِ الأرضُ زلزلة عظيمة، وظهر كوكب الذَّنَب ببغداد، ودام عشرة أيام.
وفيها استولى عمران بن محمد بن سبأ بن زُريع (٢) داعية المِصريين على اليمن بأسره: البلاد والقلاع، والرمل والجبل، وكان شاعرًا فاضلًا، شجاعًا، مُمَدَّحًا، وفيه يقول عمارة اليمني (٣): [من الكامل]
ملكٌ يَشِفُّ عليه نورُ كماله … فيكاد يُلْحَظُ من وراء حجابهِ
داني منالِ الجُودِ من زوَّاره … نائي مَحَلِّ المَجْد من طلابهِ
صَعْبُ المقاصِدِ ليس يرضى همُّه … أَنْ يرتقي في المَجْدِ غير صِعابِهِ
وحج بالنَّاس نَظَر الخادم.
فصل: وفيها توفي
عبد الوهَّاب بنُ المبارك (٤)
ابن أحمد بن الحسن، أبو البركات، الحافظ، الأَنْماطي.
стр. 9790
ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربع مئة، وكان وَرِعًا، صالحًا، صحيحَ السَّماع.
قال أبو الفرج بنُ الجوزي: كنتُ أقرأُ عليه الحديث، وهو يبكي، فاستفدتُ ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وانتفعتُ به ما لم أنتفع بغيره.
ودخلتُ عليه في مرضه، وكان قد بلي ونَحَلَ جسمُه، فبكيت، فقال: إنّ الله لا يُتَّهم في قضائه (١).
قال أبو الفرج: كنا ننتظره يوم الجُمُعة بجامع المنصور، ليأتي من داره بنهر القَلَّائين، فلا يمشي على [قنطرة باب البصرة، وإنا يمرُّ على] (٢) القنطرة العتيقة، فسأَلْتُه عن ذلك، فقال: كان موضعها دار ابن معروف القاضي (٣)، فلما قُبض عليه بُنيت قنطرة، وحدَّثني أبو محمد التميمي أنَّ ابن معروف أَحَلَّ من يَعْبُرُ عليها، وأما أنا فلا أعبر عليها.
وتوفي يوم الخميس حادي عشرة المحرَّم، وصلى عليه أبو الحسن الغَزْنوي، وأجمعوا على دِينه، وثقته.
عليُّ بن طِراد بن محمد (٤)
ابن علي بن أبي تمَّام، أبو القاسم، الزَّينبي.
ولد سنة اثنتين وستين وأربع مئة.
ولَّاه المستظهر نقابة النقباء، وخَلَع عليه، ولقَّبه الرِّضا ذا الفخرين، وهي ولايةُ أبيه.
وكان يركب مع المستظهر.
وهم بيتُ الرياسة والتقدُّم؛ وكان طراد نقيبَ النُّقباء، وأبو طراد محمد ولي نقابة النُّقباء، وأبوه علي ولي نقابة النُّقباء، وأبوه أبو تَمَّام كان قاضيًا.
стр. 9791
وتقلَّبت بصاحبِ هذه الترجمة الأحوال، ووزَرَ للمسترشد، ثم للمقتفي، ثم تغيَّر عليه، وأقام بداره معزولًا إلى غُرَّة رمضان، ومات عن ستٍّ وسبعين سنة، وأوصى إلى ابن عمِّه قاضي القضاة عليِّ بن الحسين (١)، فأمضى المقتفي وصيَّته، وبعث له الأكفان والطِّيب، ودُفِنَ بداره بباب المراتب، ثم نُقِلَ إلى تربته بالحربية ليلة الثلاثاء سادس عشرة رجب سنة أربعٍ وأربعين، وبين يديه العلماءُ، وأربابُ الدَّوْلة، والوعاظ، والشموع الزَّائدة على الحدِّ، وكانت ليلةً مشهودة، ومدحه الحَيصَ بَيص (٢)، فقال: [من الكامل]
ما أنصفَتْ بغدادُ ناشئَها الذي … كَثُرَ الثَّناءُ به على بغداد
سَلْ بي (٣) إذا مدَّ الجدالُ رِواقَهُ … بصوارمٍ غير السيوف حِدادِ
وذَعَرْتَ (٤) ألبابَ الخصومِ بخاطرٍ … يقظانَ في الإصدار والإيرادِ
فتصدَّعوا متفرِّقينَ كأنَّهم … مالٌ تُفَرِّقُهُ يدُ ابنِ طِرادِ (٥)
محمد بن الفَضْل بن محمد (٦)
أبو الفتوح الإسْفراييني.
ولد سنة أربعٍ وسبعين وأربع مئة بإسفرايين، وقَدِمَ بغداد، وتكلَّم بمذهب الأَشْعري، وبالغ في التعصُّب، فقامت الفِتن واللِّعان في الأسواق، وأفضى إلى الضَّرْب والنَّهْب، واستحلالِ الأموال والدِّماء، ودخَلَ النَّيسابوري (٧) على مسعود، وقَدَح فيه، فقال له: تقلَّدْ دمه حتى أقتله. فقال: لا أتقلَّد. فوكَّلَ السُّلْطان بأبي الفتوح في شعبان، فأُخرج من بغداد، وحُمل إلى النّهروان، فدخل أبو النَّجيب ويوسف الدِّمشقي، وأبو منصور بن
стр. 9792
الرَّزَّاز على السُّلْطان، وسألوه فيه، فلم يلتفت إليهم، وساروا به نحو إسفرايين، فمات بِبسْطام (١) في ذي الحِجَّة، ووصل الخبرُ بموته إلى بغداد، فقعدوا للعزاء به، فحضر الغَزْنَوي، فقال له بعضُ العامَّة: ما حَضَرْتَ إلا شماتةً به. فقام بعضُ الفقهاء، فأنشد: [من الوافر]
خلا لكَ يا عدوُّ الجوُّ فاصفِرْ … ونَجِّسْ في صُعودك كلَّ عُودِ
كذاكَ الثُّعْلبانُ يجولُ كِبْرًا … ولكنْ عند فِقْدانِ الأُسودِ
وقيل للغَزْنوي: أنتَ كنتَ هاجِرَه، وتذكره حال حياته بما لا يَحْسُن، فكيف حَضَرْتَ عزاءه، وأَظْهرت الحزن عليه والبكاء؟! فقال: إنَّما بكيتُ على نفسي، كان يقال فلان وفلان، فما يُعدم النَّظير إلا ويُنْذَر الآخر بالرَّحيل، وأنشد: [من الكامل]
ذَهَبَ المُبَرِّدُ وانْقَضَتْ أيَّامُهُ … وسينقضي بعد المُبَرِّدِ ثَعْلَبُ (٢)
ورثاه المعين (٣) بن الباطوخ البغدادي، فقال من قصيدة: [من الرَّمل]
أيُّها الرَّكْبُ ابْلُغوا بُلِّغْتُمُ … أنَّ سُقْمي صَدَّني عن سَفَري
وإذا جِئْتُمْ ثَنِيَّاتِ اللِّوى … فلِجُوا رَبْعَ الحِمى في خَطَرِ (٤)
وصِفُوا شَوقي إلى سُكَّانِهِ … واذكُروا ما عندكُمْ مِنْ خَبَرِي
وحَنِيني نحو أيَّامٍ مَضَتْ … بالحِمى لم أَقْضِ منها وَطَرِي
فاتني فيها مُرادي وحلا … لتمنِّي القُرْبِ منها سَهَرِي
كنتُ أخشى فَوْتها قبل النَّوى … فرماني حذَرَي في حذَري
آهِ واشوقي إلى من بدَّلوا … صَفْوَ عَيشي بعدهُمْ بالكَدَرِ
كلَّما اشْتَقْتُ تمَنَّيتُهُمُ … ضاعَ عُمْرِي بالمُنى واعُمُري (٥)
стр. 9793
محمد بن القاسم بن المُظَفَّر (١)
ابن علي، أبو بكر الشَّهْرُزُوري، القاضي، المَوْصِلي.
ولد سنة أربعٍ وخمسين وأربع مئة وولي القضاء بعدة بلدان من الشَّام والجزيرة، ونَزَلَ إلى بغداد، فتوفي بها، ومن شعره: [من الخفيف]
هِمَّتي دونها السُّها والثُّريا (٢) … قد عَلَتْ جُهدها فما تتدانى
فأنا مُتْعَبٌ مُعَنَّى إلى أنْ … تتفانى الأيَّامُ أو أتفانى (٣)
محمود بن عمر بن محمد (٤)
ابن عمر، أبو القاسم، الزَّمَخْشَري، وزمخشر: قريةٌ من قرى خُوارَزْم.
ولد في رجب سنة سبع وستين، وقيل: سنة أربع وستين وأربع مئة، ولقي العلماء، واشتغل بالأدب، والتَّفْسير، وغريب الحديث، وأقام بخوارزم، ثم جاور بمكَّة، وسمَّى نفسه جار الله، وورد بغداد غير مرَّة، وكان ينصر مذهب المعتزلة، وصنَّف "الكَشَّاف" في التفسير بمكَّة في سنتين ونصف، وصرَّح فيه بالاعتزال، وقال في أوله: الحمد لله الذي خَلَقَ القرآن، فنفرت قلوبُ أهلِ السُّنَّة منه، وهجروه، وجرى ذِكْرُ هذا التَّفسير في مجلس عون الدين بن هُبيرة الوزير (٥)، فقال: عليَّ به. فأُحضر بخط المصنّف، وهو وقفٌ بمشهد أبي حنيفة، فقال الوزير لمن حضر من العلماء: ما تقولون في هذا؟ فاتَّفقوا كلُّهم على غَسْل الكتاب. فقال أبو الفرج بن الجوزي: هذا كتابٌ فيه
стр. 9794
علوم من العربية، وما فيه أشنع من قوله في أوله: الحمد لله الذي خلق القرآن، فاكشطوه، واكتبوا موضعه: الحمد الله الذي أنزل القرآن (١). فصوَّبوا رأيه وقوله، وكان هناك ابن حَرِّكْها (٢) الفقيه الحنفي، فصاح من أطراف النَّاس: هذا ما يسقط بالشك بل بالدَّليل، فأمر الوزير بإخراجه. وقال: تردَّها جَذَعَة!
وصنَّف الزَّمَخْشري "الفائق في اللغة"، و"المفَصَّل" في النَّحو، و"أساس البلاغة"، و"ربيع الأبرار"، وغير ذلك، وعاد إلى خُوارَزْم، فتوفِّي بها ليلة عرفة.
وله شِعْرٌ، فمنه: [من الطويل]
وكلُّ وفاءٍ كان في قَوْسِ حاجبٍ … وأنتَ جمعتَ الغَدْرَ في قوسِ حاجِبِ
أخذه من قول المُطْراني (٣): [من المنسرح]
تُزْهى علينا بقوسِ حاجبها … زَهْوَ (٤) تميمٍ بقوس حاجبها
وقال ابنُ السَّمْعاني: كان ممن يضرب به المثل في الأدب، وأقام بالحجاز بُرْهة إلى أن هَبَّت على كلامه رياحُ البادية، ومن شعره: [من الطويل]
تَغَنَّت على فَرْعِ الأراك مُطَوَّقهْ … فَرَدَّتْ خليَّاتِ القلوبِ مُشَوَّقَهْ
وأَشْوَقُ منها صوتُ حادٍ مُبَكِّرٍ … حدا بحُدوج المالكيةِ أَينُقَهْ
فخالفَ ما بيني وبين أَحِبَّتي … فلي عندهُمْ مَقْتٌ وعندي لهمْ مِقَهْ
وقال: من شعره أيضًا: [من الطويل]
سلامٌ عليكمْ أَدْمُعي قَلَّ ما ترقَا … إذا شِمْتُ (٥) من تلقاءِ أَرْضِكُمُ بَرْقا
стр. 9795
ومن عَجَبٍ أَنِّي إذا لاحَ بارِقٌ … بأرِضكُمُ اسْتَمْطَرْتُ أجفانيَ الوَدْقا
وما خِلْتُ هذا البَرْقَ إلا ابتسامةً … لسُعدى أضاءتْ عند إيماضها الأُفْقا
تمنَّيتُ لو يُغني التَّمنِّي لقاءَها … وَوَقْعُ رماحِ الخَطِّ مِنْ دون أن تَلْقى
لقد صَدَقُوا إنَّ الشَّقيَّ أخو الهوى … ولكنَّ مَنْ يهوى سعادَ هو الأَشْقى
وقول على ما بي من السُّقْمِ والضَّنا … أيا حبَّذا سُعدى وما أَطْيَبَ العِشْقا
خليليَّ هل أَيَّامُنا بسُوَيقيةٍ … رواجعُ أَمْ طارتْ بأيَّامنا العَنْقا
فيا عِيشَةً خضراءَ لو بقيتْ لنا … ولا خَيرَ في عَيشٍ إذا هو لا يَبْقى
إذا الرِّيحُ من شَرْقيِّ مَرْوٍ تنفَّسَتْ … فيا بَرْدَ صَدْرِي حين أَنْشِقُها نَشْقا
وما تُطِيبني أيكةٌ غير أَنَّني … أُساعد في شَجْو الحمامِ بها الوَرْقا
السنة التاسعة والثَّلاثون وخمس مئة
فيها فَتَحَ زَنْكي الرُّها.
كان في قلبه منها أمرٌ عظيم؛ لكونها وسط بلاد الإسلام، ومَعْقِل منبع الكُفَّار، فطرح العيون على جوسلين صاحبِها، فاتَّفق أَنَّه خَرَجَ منها بعساكره نحو حِصن منصور، فحال زَنْكي بينه وبينها، وحَصَرها وضربها بالنَّار، وبالمجانيق، وحشد التركمان والنَّقابين الحلبيين وغيرهم، ونُقِبَ سورها، وعُلِّق بالأخشاب، وضربوا فيه النَّار، فوقعت منه قطعةٌ، فدخلها عَنْوَةً بالسَّيف، فقتل وأسر، وأخذ منها أموالًا عظيمة، وكان بها من أسارى المسلمين ألف وخمس مئة، فَخُلِّصوا، وقيل: كانوا خمس مئة، ثم رَمَّ السُّور (١)، وكتب للنَّصارى أمانًا، وأحسن إلى الرَّعية، وأراد أن يبني بها جامعًا، فقال له أصحابه: اجعل الكنيسةَ جامعًا. فقال: نَعَمْ. وشَرَعَ في إصلاح الكنيسة، وهيأها، ولم يبق إلا موضع المحراب، فجاء ومعه أرباب دولته والصُّناع، واتفقوا على موضع المحراب اليوم، فحفروا أساسًا عميقًا، وإذا بصخرة ظهرت مكتوب عليها سطران بالسريانية، فجاء شيخ يهوديٌّ، فحلَّها، ونقلها إلى العربية، وهذا ما فيها: [من السريع]
стр. 9796
أصبحتُ خِلْوًا من بني الأَصفَرِ … أختالُ بالأَعْلامِ والمِنْبر
مُطَهَّرَ الرَّحْبِ على أَنَّني … لولا ابن آق سُنْقُر لم أُطَهَّرِ (١)
فاشتدَّ تعجُّبِ أتابك والجماعة.
وكان عند ملك طُلَيطُلة (٢) رجلٌ من علماء المُسْلمين، وكان الملك يُحِبُّه ويكْرمه، فجهَّز جيشًا إلى جهة إفريقية، فقتلوا وأسروا من المسلمين، وعادوا والعالم عند الملك جالِسٌ وقد نَعَسَ، فأيقظه الملك، وقال: ما ترى ما قد فعل أصحابُنا بالمسلمين، وأين دين محمدكم من نُصرتهم؟ فقال الرجل: كان قد حضر فتح الرُّها. فعجب الملك والقوم، واستهزؤوا به، فقال الملك: لا تضحكوا، فوالله ما قال شيئًا إلا وأصاب. فوصل الخبر بعد ذلك بأن الرُّها فُتِحَتْ في ذلك التاريخ.
وسار أتابك ففتح سَرُوج وما حول الرُّها من الحصون، وجاء إلى حِصن البيرة فنازله وضايقه، ولم يبق إلّا فتحه، فجاءه الخبر بأن نصِير الدّين جَقَر نائبه بالمَوْصل قد قُتِلَ، فعاد إلى المَوْصل.
وحجَّ بالنَّاس نَظَر الخادم.
فصل: وفيها توفي
جَقَر بن يعقوب بن نصِير الدِّين
نائب أتابك بالمَوْصِل وغيرِها من بلاده.
كان شجاعًا شَهْمًا مهيبًا مدبِّرًا، وسببُ قَتْله أَنَّه كان في كفالة زَنْكي رسلان خان، وقيل تركان شاه ابن السُّلْطان محمود بن محمد بن مَلِك شاه (٣)، وبه كان يحتج على
стр. 9797
الخلفاء والسَّلاطين ويقول لمسعود: أنا أحفظ البلاد له. ويصدر الكُتُبَ باسْمِهِ، وبه سمِّي أتابك، ومعناه الوالد، وكان مقيمًا بالمَوْصل، ولمَّا اشتغل زَنْكي بفتح الرُّها وسَرُوج والبيرة أشار على رسلان خواصُّه بالفَتْك بنصير الدِّين، وقالوا: تملك المَوْصِل، ولا يقدر أتابك على قَصدك، ولا يوافقه أحد. فاستمال جماعةً من الغِلْمان العمادية نحو أربعين رجلًا من وجوههم. وكان جَقَر على غايةٍ من الاحتراز، ولما تَمَّ ما أراد الصَّبيُّ رَتَّبَ له جماعةً عند دار خاتون، فلمّا جاء جَقَر للسَّلام عليها، ودخل دِهْليز الدَّار وثبوا عليه، فقتلوه، ووثَبَ العوام، فقتلوا أصحاب الصَّبي، وكان نازلًا في دارٍ على الشَّطِّ، وخِيفَ على المَوْصِل من النَّهْب، فجاء القاضي تاج الدِّين يحيى بن عبد الله بن القاسم الشَّهْرُزُوري (١) إليه فخدعه، وقال له: قد فعلت ما فعلتَ وأنتَ في دارك، والسَّاعة تهجُمُ عليك العوام فيقتلوك، فاصعَدْ إلى القلعة وتحصَّن بها. فقام وطَلَعَ القلعة، وتحصَّن بها، فاحتاط القاضي عليه، ووكَّل به جماعةً.
ولما بلغ أتابك قَتْلُ جَقَر بَعَثَ زين الدين علي كُوجك -وكان كثيرَ الوثوقِ به- فأغذَّ السَّيرَ حتى دخل المَوْصِل، وسكَنَ الفِتْنة، واحتاط على الصَّبيِّ، وأزال ما جَدَّد جَقَر من المظالم، ولم يزلِ الصَّبي محبوسًا تحت الحوطة حتى قُتِلَ زنكي على قلعة جعبر سنة إحدى وأربعين وخمس مئة.
عمر بن إبراهيم بن محمد [بن محمد] بن أحمد (٢)
ابن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو البركات، الكوفي، النَّحْوي.
стр. 9798
ولد سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة بالكُوفة، ونشأ بها، ثم قَدِمَ بغداد، ومضى إلى الشَّام، وأقام بدمشق وحلب مُدَّة، وكتَبَ الكثير، وسَمِعَ وعاد إلى الكوفة، وكان يسكن بمحَلَّة السَّبيع، ويصلِّي بالنَّاس [في مسجد أبي إسحاق السَّبيعي] (١).
وكان عارفًا بالنَّحْو واللُّغة، والتفسير والفقه، وله تصانيف في فنون، وكان خَشِنَ العَيش، صابرًا على الفقر.
وتوفي يوم الجمعة سابع شعبان بالكوفة، ودُفِنَ بمقبرة العلويين، وصلَّى عليه نحو ثلاثين ألفًا، وعاش حتى قارب المئة، وكان يفتي ظاهرًا بمذهب أبي حنيفة، وباطنًا على مذهب زيد بن علي، وقد تكلَّموا فيه.
محمد بن الحسن بن كامل (٢)
القاضي الأندلسي، [ويُعرف بابن الفخَّار، و] (٣) كان فقيهًا، شاعرًا، فمن شعره في مَرَّاكُش: [من الطويل]
وأرضٍ سكنَّاها فيا شَرَّ مَسْكَنٍ … بها العَيشُ نَكْدٌ والجناحُ مَهِيضُ
نَروحُ ونغدو ليس إلا مروِّع … عقاربُ سودٌ أو أراقمُ بِيضُ (٤)
ومات بالمغرب.
هبة الله بن الحسين (٥)
أبو القاسم البديع الأَسْطُرلابي، فريد وقته في عمل الأَسْطُرلابات، وآلات الفلك والطِّلَّسْمات، وتوفي بعدما فُلج، ومن شعره: [من الكامل]
стр. 9799
أهدي لمجلسك الشَّريفِ وإنَّما … أُهدي له ما حُزْتُ من نَعْمائِهِ
كالبَحْرِ يُمْطِرُهُ السَّحابُ وما لَهُ … مَنٌّ عليه لأَنَّه من مائِهِ
[وروي أنَّه مَرَّ به رجلٌ ظريف، وبيده أَسْطُرلاب، وهو ينظر فيه، فقال: [من السريع]
قامَ إلى الشَّمْسِ بآلاتِهِ … ينظر بالتخمين والحَدْس
فقلتُ: أينَ الشمسُ قال الفتى … في الثور قلتُ الثور في الشمسِ (١)
وروي أن الأسطرلابي خرج مع المسترشد في صفر، فوقع الوباء في العسكر، ومعهم طبيب نصراني، فكان كل من طبَّه مات، وكنية الطبيب أبو الفتح، فقال الأَسْطُرلابي:
يا أبا الفَتْح اقتلِ القوم برفـ … ـــــقٍ ومُهْلَةٍ واقتصادِ
قبل أن يصبح المعسكر قاعًا … فتمزمز (٢) بهم إلى بغداد (٣)
وكانت وفاته في هذه السنة] (٤).
السنة الأربعون وخمس مئة
فيها دخل السُّلْطان مسعود بغداد، وسببه أَنَّ العساكر اجتمعوا بالرَّي على طاعته منهم بوزبا وعَبَّاس، وكان معهم محمد شاه بن محمود، وكان مسعود بهَمَذَان، فاستشعر من اجتماعهم، فقصد العراق، فجاء بوزبا والعساكر إلى هَمَذَانَ، وجاءهم سليمان شاه بن محمد، فقطعوا خُطْبة مسعود، وخطبوا لمحمد شاه وبعده لسليمان شاه، واتَّفقوا على حَرْبِ مسعود.
وقيل، وهو الأشهر: إنَّ مسعودًا إنما دخل بغداد هربًا من أخيه سليمان شاه، وكان قد اتَّفق على محاربة مسعود أعيانُ الأُمراء مثل بوزبا صاحب خوزستان، وعباس صاحب الرَّيِّ، وأقبل السِّلَحْدار، فجاؤوا إليه وهو بهَمَذَان، فهزموه، فسار إلى بغداد، وأقام سليمان شاه في الري، وأكثرُ الأُمراءِ عنده، فجمع مسعود العساكر، وخرج من
стр. 9800
بغداد إلى مَرَاغة ليجتمع بجاولي، ويتفق معه، وكان الأمراء قد خطبوا لمحمد شاه وبعده لسليمان شاه.
وكان مسعود قبل خروجه أراد أن يقبض على عليِّ بن دُبَيس، ويحمله إلى قلعة تكريت، فعلم عليٌّ، فانهزم في رمضان إلى توريز، وخرج مسعود في رمضان يريد مَرَاغة، وصار عليُّ بنُ دُبَيس إلى الحِلَّة وفيها أخوه محمد، فملكها، وأخرجه منها، فجهَّزَ الخليفةُ إليه مُهَلْهِل ونَظَر الخادم، فخرج إليهما وهَزَمَهما أقبح هزيمة، وعادا مسلوبين إلى بغداد.
وأما مسعود فإنَّه سار إلى جاولي، وسعى جاولي في إصلاحِ حال سليمان شاه مع أخيه مسعود، ولم يوافق بوزبا وعَبَّاس، ولم يدخلا في الصُّلْح، وعاد جاولي إلى مسعود ومعه سليمان شاه، فاستحلفه لسليمان شاه، واستوثق له منه، وقال مسعود لجاولي: المصلحة أن نتَّبعهما ونكسرهما قبل أَنْ يَسْتفحل أمرهما. فقال جاولي: أنا أَتَّبعَّهما وأكفيك أمرهما. وسار في إثْر بوزبا، وكان قد سار إلى بلاده، وبعث ابنه في إثر عَبَّاس، ثم بلغ جاولي أَنَّ مسعودًا قبض على أخيه سليمان شاه، وأطلعه إلى القلعة واعتقله، فأنكر ذلك، وقال: بالأمس حَلَفَ له واليوم يغدر به! لا يجيء من هذا خيرٌ أبدًا، ولقد فعل بوزبا وعَبَّاس عين المصلحة، إذا كان هذا بأخيه، فما الذي يصنع بنا! ورَجَعَ عن نُصرته، وأرسل إلى بوزبا وعَبَّاس وأخبرهما بفِعْل مسعود، وقال: كلُّنا متفقين (١) على محاربته.
ثم رجع جاولي إلى بلاده، وبلغ مسعودًا، فلم يمكنه مجاهرته لقوته ومهابته، فدَسَّ إليه بعد ذلك قومًا من الباطنية، فقتلوه غِيلَةً.
وفيها جلس يوسف الدِّمَشْقي (٢) في المدرسة التي بناها ابنُ الإِبَرِي (٣) بباب الأَزَج، وحضر قاضي القُضاة وأربابُ الدَّوْلة.
стр. 9801
واستشعر المقتفي من أقاربه وأهله، وضيَّق على الأمير أبي طالب.
وحجَّ بالناس نَظَر الخادم.
[وفيها توفي
أحمد بن محمد بن الحسن (١)
أبو سعد بن أبي الفَضْل، بغدادي الأصل، أصبهاني المولد والمنشأ.
ولد سنة ثلاث وستين وأربع مئة، وسمع الكثير، [وحدث بالكثير، وكان] (٢) على طريقة السَّلف، مُطَّرحًا للتكلّف، حج إحدى عشرة حِجَّة (٣)، وأملى بمكة والمدينة، وكان يصوم في الحر الشديد.
وذكره جدي في "المشيخة"، وأثنى عليه، وقال: رأيت أخلاقه جميلة، ومحاسنه لطيفة. وكان قد حج، فرجع يريد أصبهان، فتوفي في ربيع الأول بنهاوند، وحمل إلى أصبهان، فدفن بها] (٤).
فصل: وفيها توفي
بِهْرُوز الخادم [ابن عبد الله] (٤)
أبو الحسن (٥)، خادم مسعود.
стр. 9802
كان أبيضَ، ويلقب مجاهد الدِّين، ولي العراق نيِّفًا وثلاثين سنة، وعَمَّر دارَ السُّلْطان والجامع، وسدَّ البثوق، [وأسكر السكور] (١)، وغَرِمَ على سكر النَّهروان سبعين ألف دينار.
وقال علي بن عقيل [في كتاب "الفنون" قال] (١): ما رأينا مثل مناقضة بِهْروز؛ مَنَعَ الملاحين أن يُعْبروا رجلًا مع امرأة في سفينة، وجَمَعَ بينهم في المواخر!
وولاه السلطان قلعة تكْريت [وقد ذكرناه] (١)، وبنى كنيسة رِباطًا ببغداد على شاطئ دِجْلة [ويعرف برباط الخدم] (١)، ودُفن فيه -وكانت وفاته في رَجَب-[وهو قائم إلى الآن] (١).
[وفيها توفي:
كامل بن أحمد بن محمد (٢)
أبو تمَّام، المقرئ، الضَّرير.
قرأ القرآن على أبي الوحش ابن قيراط، وسمع الحديث، وكان ديِّنًا، صالحًا، خرج في هذه السنة حاجًّا، فمات في الطريق، فدفن بالمَعْلى.
سمع أبا طاهر الحِنَّائي، وأبا الحسن بن الموازيني، وأبا محمد بن الأَكْفاني، [وغيرهم] (٣) وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر] (١).
موهوب بن أحمد (٤)
ابن محمد بن الخضر، أبو منصور، الجَوَاليقي.
стр. 9803
ولد [في ذي الحجة] (١) سنة خمس وستين وأربع مئة، ونشأ ببغداد، وسمع الحديث، وقرأ الأدب فأكثر، وانتهى إليه عِلْمُ اللُّغة، ودرَّس النحو والعربية بالنّظامية بعد أبي زكريا التِّبْريزي مُدَّةً، فلما ولي المقتفي الخلافة اختصّ بإمامته، وكان غزير الفَضْل (٢)، طويل الصَّمت، لا يقول الشيءَ إلَّا بعد الفكر الطَّويل، وكان متواضعًا، مليح الخط، وصنَّف الكُتُب (٣).
وكان مقتصدًا في مَلْبسه ومطعمه، لا يمنُّ على النَّاس بأَنَّه إمامُ الخليفة، بل كأنَّه من آحاد النَّاس مع الهيبة العظيمة والدِّين المتين.
وكانت وفاته منتصف محرَّم، وحَضَرَ الصَّلاة عليه أربابُ الدولة، ودُفِنَ بباب حَرْب، وعاش ستًّا وسبعين سنة، وكان صالحًا، صدوقًا، ثِقَةً.
يحيى بن بقي (٤)
الأَنْدلسي الشَّاعر القُرْطُبي الفاضل (٥).
ومن شِعْره يشكو أهل المغرب، ويذُمُّ مقامه عندهم: [من البسيط]
أقمتُ فيكُمْ على الإقْتار والعَدَمِ … لو كنتُ حُرًّا أَبيَّ النَّفْسِ لم أَقِمِ
وظَلْت أبكي بكُمْ عُذْرًا لعلَّكُمُ … تستيقظونَ وقد نمتمْ عن الكَرَمِ
فلا حدِيقَتُكُمْ يُجْنَى لها ثَمَرٌ … ولا سماؤكُمُ تنهلُّ بالدِّيَمِ
стр. 9804
لا رِزْقَ لي عندكُمْ لكنْ سأَطْلبُهُ … في الأرضِ إنْ كانت الأرزاقُ بالقِسَمِ
أنا امْرؤٌ إنْ نَبَتْ بي أرضُ أَنْدَلُسٍ … جئتُ العراقَ فقامتْ لي على قَدَمِ
لا يكسر (١) اللهُ مَتْنَ الرُّمْحِ إنَّ بِهِ … نَيلَ العُلى وأباح الكَسْرَ للقَلَمِ
أَوْغَلْتُ بالمغربِ الأقصى وأَعْجَزَني … نَيلُ المطالبِ حتى أُبتُ بالنَّدمِ (٢)
وقال أيضًا: [من الكامل]
بأبي غَزَالٌ غازلَتْهُ مُقْلَتي … بين العُذَيبِ وبينَ شَطِّي بارِقِ
وسألتُ منه زيارةً تَشْفي الجَوَى … فأجابني فيها بوعدٍ صادِقِ
حتى إذا أَخَذَتْ به سِنَةُ الكَرَى … زَحْزَحْتُهُ عني وكان مُعَانقي
أَبْعَدْتُهُ عن أَضْلُعٍ تَشْتاقُهُ … كيلا ينامَ على فراشٍ خافِقِ (٣)
يحيى بن سُلْطان بن منقذ (٤)
الأمير أبو الفتح، فخر الدِّين الشَّيزَري، قُتِلَ ببَعْلَبَكَّ، ومن شعره [ما] كتبه [إلى أبيه] يطلب رُمْحًا: [من السريع]
يا خَيرَ قَوْمٍ لم يَزَلْ مَجْدُهُمْ … في صفحاتِ الدَّهْرِ مَسْطُورا
عَبدُك يَبغي أَسْمَرًا ذِكْرُهُ … ما زال بين النَّاسِ مذكورا
مسدَّدًا والجَوْرُ مِنْ شأنِهِ … إن نال وتْرًا صار موتورا
فإنْ تَفَضَّلْتَ به عاد عَنْ … صُدُورِ أعدائِكَ مكسورا
أبو بكر بن تقي الأندلسي (٥)
- بتاء منقوطة من فوق بنقطتين- شاعر فصيح، ومن شعره: [من الطويل]
стр. 9805
ومشمولةٍ في الكأسِ تحسبُ أَنَّها … سماءُ عقيتي زُينَتْ بكواكبِ
بَنَتْ كعبةَ اللَّذاتِ في حَرَمِ الصِّبا … فحجَّ إليها اللَّهْو من كلِّ جانبِ
السنة الحادية والأربعون وخمس مئة
فيها احترق القصر الذي بناه المسترشد بدار الخلافة [بباب الغَرَبة] (١)، وكان المقتفي نائمًا فيه تلك الليلة مع خاتون بنت مسعود؛ وسببه أَنَّ جاريته أخذت بيدها شمعة، فعلقت بأطراف خَيْشٍ، فاحترق القصر، وخَرَجَ الخليفةُ منه بالليل وخاتون، فأصبح فلم يُرَ له أثر، واحترق فيه قماش كثير، وتصدَّقَ الخليفة بأَموالٍ كثيرة، وأطلق المحبسين.
وفيها خَلَعَ الخليفةُ على أبي الوفاء يحيى بن سعيد ويعرف بابن المُرَخِّم (٢) خِلْعةً سوداء وطَيْلسانًا، وقلَّده القضاء في أي صُقْعٍ شاء، وليس على يده يد، ثم رمى الطَّيلسان، وتجرَّد لظُلْم الناس وعقوبتهم وعَسْفهم، وفَتَحَ أبوابَ الظُّلْم، وصادر النَّاس، وأخذ الرّشا، وأبطل الحقوق، وأساء السِّيرة (٣) [فكتب هبة الله بن الفَضْل الشاعر رقاعًا، وألزقها في المساجد والجوامع والشوارع، وفيها: [مجزوء الخفيف]
يا حزينه الطمي الطمي … قد ولي ابن المُرَخِّم
وَيْ على الشَّرْعِ والقضا … وعلى كلِّ مُسْلمِ
بدواته المفضضه … ووكيلِه المُكَعْسَمِ (٤)