← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

واستشعر المقتفي من أقاربه وأهله، وضيَّق على الأمير أبي طالب. وحجَّ بالناس نَظَر الخادم. [وفيها توفي أحمد بن محمد بن الحسن (١) أبو سعد بن أبي الفَضْل، بغدادي الأصل، أصبهاني المولد والمنشأ. ولد سنة ثلاث وستين وأربع مئة، وسمع الكثير، [وحدث بالكثير، وكان] (٢) على طريقة السَّلف، مُطَّرحًا للتكلّف، حج إحدى عشرة حِجَّة (٣)، وأملى بمكة والمدينة، وكان يصوم في الحر الشديد. وذكره جدي في "المشيخة"، وأثنى عليه، وقال: رأيت أخلاقه جميلة، ومحاسنه لطيفة. وكان قد حج، فرجع يريد أصبهان، فتوفي في ربيع الأول بنهاوند، وحمل إلى أصبهان، فدفن بها] (٤). فصل: وفيها توفي بِهْرُوز الخادم [ابن عبد الله] (٤) أبو الحسن (٥)، خادم مسعود.

стр. 9802

كان أبيضَ، ويلقب مجاهد الدِّين، ولي العراق نيِّفًا وثلاثين سنة، وعَمَّر دارَ السُّلْطان والجامع، وسدَّ البثوق، [وأسكر السكور] (١)، وغَرِمَ على سكر النَّهروان سبعين ألف دينار. وقال علي بن عقيل [في كتاب "الفنون" قال] (١): ما رأينا مثل مناقضة بِهْروز؛ مَنَعَ الملاحين أن يُعْبروا رجلًا مع امرأة في سفينة، وجَمَعَ بينهم في المواخر! وولاه السلطان قلعة تكْريت [وقد ذكرناه] (١)، وبنى كنيسة رِباطًا ببغداد على شاطئ دِجْلة [ويعرف برباط الخدم] (١)، ودُفن فيه -وكانت وفاته في رَجَب-[وهو قائم إلى الآن] (١). [وفيها توفي: كامل بن أحمد بن محمد (٢) أبو تمَّام، المقرئ، الضَّرير. قرأ القرآن على أبي الوحش ابن قيراط، وسمع الحديث، وكان ديِّنًا، صالحًا، خرج في هذه السنة حاجًّا، فمات في الطريق، فدفن بالمَعْلى. سمع أبا طاهر الحِنَّائي، وأبا الحسن بن الموازيني، وأبا محمد بن الأَكْفاني، [وغيرهم] (٣) وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر] (١). موهوب بن أحمد (٤) ابن محمد بن الخضر، أبو منصور، الجَوَاليقي.

стр. 9803

ولد [في ذي الحجة] (١) سنة خمس وستين وأربع مئة، ونشأ ببغداد، وسمع الحديث، وقرأ الأدب فأكثر، وانتهى إليه عِلْمُ اللُّغة، ودرَّس النحو والعربية بالنّظامية بعد أبي زكريا التِّبْريزي مُدَّةً، فلما ولي المقتفي الخلافة اختصّ بإمامته، وكان غزير الفَضْل (٢)، طويل الصَّمت، لا يقول الشيءَ إلَّا بعد الفكر الطَّويل، وكان متواضعًا، مليح الخط، وصنَّف الكُتُب (٣). وكان مقتصدًا في مَلْبسه ومطعمه، لا يمنُّ على النَّاس بأَنَّه إمامُ الخليفة، بل كأنَّه من آحاد النَّاس مع الهيبة العظيمة والدِّين المتين. وكانت وفاته منتصف محرَّم، وحَضَرَ الصَّلاة عليه أربابُ الدولة، ودُفِنَ بباب حَرْب، وعاش ستًّا وسبعين سنة، وكان صالحًا، صدوقًا، ثِقَةً. يحيى بن بقي (٤) الأَنْدلسي الشَّاعر القُرْطُبي الفاضل (٥). ومن شِعْره يشكو أهل المغرب، ويذُمُّ مقامه عندهم: [من البسيط] أقمتُ فيكُمْ على الإقْتار والعَدَمِ … لو كنتُ حُرًّا أَبيَّ النَّفْسِ لم أَقِمِ وظَلْت أبكي بكُمْ عُذْرًا لعلَّكُمُ … تستيقظونَ وقد نمتمْ عن الكَرَمِ فلا حدِيقَتُكُمْ يُجْنَى لها ثَمَرٌ … ولا سماؤكُمُ تنهلُّ بالدِّيَمِ

стр. 9804

لا رِزْقَ لي عندكُمْ لكنْ سأَطْلبُهُ … في الأرضِ إنْ كانت الأرزاقُ بالقِسَمِ أنا امْرؤٌ إنْ نَبَتْ بي أرضُ أَنْدَلُسٍ … جئتُ العراقَ فقامتْ لي على قَدَمِ لا يكسر (١) اللهُ مَتْنَ الرُّمْحِ إنَّ بِهِ … نَيلَ العُلى وأباح الكَسْرَ للقَلَمِ أَوْغَلْتُ بالمغربِ الأقصى وأَعْجَزَني … نَيلُ المطالبِ حتى أُبتُ بالنَّدمِ (٢) وقال أيضًا: [من الكامل] بأبي غَزَالٌ غازلَتْهُ مُقْلَتي … بين العُذَيبِ وبينَ شَطِّي بارِقِ وسألتُ منه زيارةً تَشْفي الجَوَى … فأجابني فيها بوعدٍ صادِقِ حتى إذا أَخَذَتْ به سِنَةُ الكَرَى … زَحْزَحْتُهُ عني وكان مُعَانقي أَبْعَدْتُهُ عن أَضْلُعٍ تَشْتاقُهُ … كيلا ينامَ على فراشٍ خافِقِ (٣) يحيى بن سُلْطان بن منقذ (٤) الأمير أبو الفتح، فخر الدِّين الشَّيزَري، قُتِلَ ببَعْلَبَكَّ، ومن شعره [ما] كتبه [إلى أبيه] يطلب رُمْحًا: [من السريع] يا خَيرَ قَوْمٍ لم يَزَلْ مَجْدُهُمْ … في صفحاتِ الدَّهْرِ مَسْطُورا عَبدُك يَبغي أَسْمَرًا ذِكْرُهُ … ما زال بين النَّاسِ مذكورا مسدَّدًا والجَوْرُ مِنْ شأنِهِ … إن نال وتْرًا صار موتورا فإنْ تَفَضَّلْتَ به عاد عَنْ … صُدُورِ أعدائِكَ مكسورا أبو بكر بن تقي الأندلسي (٥) - بتاء منقوطة من فوق بنقطتين- شاعر فصيح، ومن شعره: [من الطويل]

стр. 9805

ومشمولةٍ في الكأسِ تحسبُ أَنَّها … سماءُ عقيتي زُينَتْ بكواكبِ بَنَتْ كعبةَ اللَّذاتِ في حَرَمِ الصِّبا … فحجَّ إليها اللَّهْو من كلِّ جانبِ السنة الحادية والأربعون وخمس مئة فيها احترق القصر الذي بناه المسترشد بدار الخلافة [بباب الغَرَبة] (١)، وكان المقتفي نائمًا فيه تلك الليلة مع خاتون بنت مسعود؛ وسببه أَنَّ جاريته أخذت بيدها شمعة، فعلقت بأطراف خَيْشٍ، فاحترق القصر، وخَرَجَ الخليفةُ منه بالليل وخاتون، فأصبح فلم يُرَ له أثر، واحترق فيه قماش كثير، وتصدَّقَ الخليفة بأَموالٍ كثيرة، وأطلق المحبسين. وفيها خَلَعَ الخليفةُ على أبي الوفاء يحيى بن سعيد ويعرف بابن المُرَخِّم (٢) خِلْعةً سوداء وطَيْلسانًا، وقلَّده القضاء في أي صُقْعٍ شاء، وليس على يده يد، ثم رمى الطَّيلسان، وتجرَّد لظُلْم الناس وعقوبتهم وعَسْفهم، وفَتَحَ أبوابَ الظُّلْم، وصادر النَّاس، وأخذ الرّشا، وأبطل الحقوق، وأساء السِّيرة (٣) [فكتب هبة الله بن الفَضْل الشاعر رقاعًا، وألزقها في المساجد والجوامع والشوارع، وفيها: [مجزوء الخفيف] يا حزينه الطمي الطمي … قد ولي ابن المُرَخِّم وَيْ على الشَّرْعِ والقضا … وعلى كلِّ مُسْلمِ بدواته المفضضه … ووكيلِه المُكَعْسَمِ (٤)

стр. 9806

أترى صاحب الشريـ … ـــــعة (١) قد جُنَّ أو عمي وأرى المقتفي الإما … مَ عنِ الحق قد عمي (٢) وبلغ الخليفة، فعزَّ عليه، ولم يدر من كتبها. واستطال ابن المرَخِّم على الناس. وهبة الله بن الفَضْل نذكره في سنة ستٍّ وخمسين وخمس مئة]. وفي رجب دَخَلَ السُّلْطان مسعود بغداد، وولَّى شحنكية البلد مسعود البلالي، وكان ظالمًا عسوفًا، فوقع النَّاسُ في محنة عظيمة من عَسْف الوالي وقضاء القاضي [ابن المُرَخِّم] (٣). وفيها قُتِل [أتابك] (٣) زَنْكي [على قلعة جَعْبر. وفيها] (٣) ماتت بنت الخليفة. ولما دخل مسعود بغداد عَمِلَ دارَ الضَّرْب، فَصَعُبَ على الخليفة، وقَبَضَ على الضَّرَّاب الذي كان سببَ ذلك، فبعث الشِّحْنة فقبض على حاجب الباب، وقال: لا أُطلقه حتى يطلق الضَّراب، وكان يوم الجمعة، فبعث المقتفي فأغلق أبواب الجوامع، وبطَّل الجميع، وأغلق أبواب المساجد ثلاثة أيام، ومَنَعَ القُضاة من الأحكام، فأطلق حاجبَ الباب، وكان ابنَ الصَّاحب. وفيها استصلح مسعود عباسًا صاحب الري، ثم قتله. وفيها بَطَلَتِ المكوس والضَّرائب ببغداد؛ وسببه أنَّ ابن العَبَّادي (٤) جَلَسَ بجامع السُّلْطان، وحضر السُّلْطان عنده، فوعظه، وذكَرَ ما يجري على المُسْلمين من الظُلْم، ثم قال: يا سلطان، أنت تَهَبُ في ليلةٍ لمطرب مثل هذا المأخوذ من النَّاس، فاحْسبني ذاك المطرب، واجعلْ ذلك شكرًا لما أنعم الله عليك. فأشار بيده: قد فعلت. فارتفعت

стр. 9807

الضَّجَّة له بالدُّعاء، ونودي في البلد بإسقاطه، وكُتِبَ به ألواح، ونُصبت في المحالِّ والشوارع، فلم يزل الأمرُ كذلك حتى قَلَعَ الألواح الإمام النَّاصر، وقال: ما لنا حاجة أن يكون عندنا آثار الأعاجم. وفيها قُتل [بوزبا. وفيها بنى] (١) حسامُ الدِّين بن أُرْتُق جسر القرمان في أرض مَيَّافارقين. وحجَّ بالنَّاس قَيماز الأُرْجواني، وحَجَّ الوزير نظام الدين بن جَهِير. [قال جدي ﵀: وكنتُ في الحجِّ تلك السنة، ومعي الزوجة والأطفال، وكنتُ أرى الوزير في طريق مكة متواضعًا وقد عادله أبو نصر الكرخي. وهذه أول حجات جدي، ﵀] (٢). وفيها توفي إسماعيل بن أحمد (٣) ابن محمود (٤) بن دُوْسْت، أبو البركات [بن أبي سَعد] (٥) الصُّوفي [المعروف] (٥)، شيخ الشيوخ ببغداد، [وكان أبوه أحمد من أهل نيسابور، فاستوطن بغداد، وولد له بها أبو البركات في] (٦) سنة خمس وستين وأربع مئة (٧)، وسمع الحديث [من طِراد الزَّينبي

стр. 9808

وغيره] (١) ورواه، وتوفي في جُمادى الأُولى، وعُمِلَ له عُرْسٌ عظيم على مذهب الصُّوفية، وأُنفق فيه مالٌ كثير، واجتمع أربابُ الدولة ومشايخ الرُّبُط، رحمه الله تعالى (٢). وفيها توفي بوزبه صاحبُ خوزستان (٣) كان قد نَفَرَ من مسعود، فخرج مسعود من بغداد إلى هَمَذَان، وكان بوزبه لما قتل مسعود عَبَّاسًا قد جمع وحشد، والتقيا في مرج قراتكين، واقتتلا قتالًا عظيمًا، وقيل: إنَّ بوزبه جاء في خمسة آلاف جريدةً ليكبس السلطان، وكان السُّلْطان في عشرة آلاف فارس، فحمل بوزبا، فكسر السلطان وتأخَّر، واشتغل أصحابه بالنَّهْب، وحمل عليهم مسعود فيمن بقي معه، وحمل عليه بوزبه، فعثر به فرسه، فَقُتِلَ، وبَعَثَ مسعود برأسه إلى بغداد. [فصل: وفيها توفي] (٤) جاولي الأمير: صاحب أَذْرَبيجان (٥) كان شجاعًا شهمًا، يخافه مسعود وغيره، وهو الذي جَمَعَ على مسعود، فلم يَثْبُتْ له، ثم اتَّفقا، ولما حَبَسَ مسعود أخاه سليمان شاه رَجَعَ عنه جاولي، وأقام ببلاده، ولم يلتفت على مسعود. وسبب وفاته أَنَّه افتصد، ثُمَّ ركب، فَعَنَّ له أرنبٌ، فرماه بسهمٍ فانفجر فِصادُهُ، فَضَعُف، ولم يقدر الطَّبيب على حبس الدَّم، فمات. فقال ابن الندى (٦) الشَّاعر [هذا البيت] (٤): [من الكامل]

стр. 9809

عشرونَ ألفَ مُهَنَّدِ قد أُصلتت … فَلَّتْ مضارِبَها نِكايةُ مِبْضَعِ الخَصِيب بن سَلْم، أبو العلاء المُجَاشعي (١) ولد سنة تسعٍ وخمسين وأربع مئة، ومن شِعْره: [من المتقارب] فواحَسْرتا لِطِلاب المَعَاشِ … وسعيي إليكُمْ بجسمٍ كَدُوْدِ وما أنا في ظِلِّ هذي الحياة … وفَرْطِ التَّمَحُّلِ إلا كَدُوْدِ وقال أيضًا: [من الطويل] أُقَضِّي زماني باللَّتيَّا وبالَّتي … ومِنْ دونِ إدراكِ المُنَى حادثٌ يَقْضي وأمْزُجُ في كاسِ المَطَامع والمُنَى … مُجاجةَ سُمٍّ من خُلاصتِهِ مَحْضِ زَنْكي (٢) بن آق سُنْقُر (٣) أبو المُظَفَّر، عماد الدِّين أتابَك (٤). كان قسيم الدولة آق سُنْقُر من أصحاب السُّلْطان مَلِك شاه؛ رُبِّي معه، فلما ولي السَّلْطنة جعله من خواصِّ أُمرائه، وخافه نظامُ المُلْك، فأراد إبعاده، فأشار بتوليته حلب وأعمالها، وأن يكون في معاملة أنطاكية ودمشق، فأُقْطِعَها سنةَ سبعٍ وسبعين وأربع مئة، وبَعَثَ ملك شاه فخر الدولة بن جَهِير إلى ديار بكر، وجعل آق سُنْقُر مقدَّمَ الجيش.

стр. 9810

وفي سنة إحدى وثمانين وأربع مئة ملك آق سُنْقُر حِمْص، وأقام إلى سنة سبع وثمانين، وأخذ فامية والرَّحْبة وغيرها، ثم قتله تُتُش على تل السُّلْطان. ولما قُتِلَ لم يكن له من الأولاد إلا زَنْكي، وكان ابنَ عشرة سنين، فاجتمع إليه مماليكُ أبيه، وخَلَص كربوقا من الحبس بحِمْص (١)، فعبر الفرات، وأخذ حَرَّان والجزيرة والمَوْصِل من علي بن مُسْلم بن قُريش، وعَظُمَ شأنه، وكان في خدمة بَرْكْيارُوق، فاستدعى مماليك ابن قسيم الدَّولة وولده زنكي، وقال: أنا أحقُّ به وبكم. وأقطعهم الإقطاعات السَّنِيَّة، وأقامُوا عنده، ولم يزل زنكي في كَنَفِ كربوقا وتربيته إلى سنة أربعٍ وتسعين، [وفيها توفي] (٢) كربوقا. وملك المَوْصل بعده موسى التُّرْكماني، فلم تَطُلْ مُدَّتُه (٣)، وقيل: ملك المَوْصل بعده شمسُ الدَّولة جكرمش مملوك ملك شاه، فقرَّب زنكي، وأحبَّه، واتَّخذه ولدًا لمكان أبيه، وقُتِل جكرمش سنةَ خمس مئة. وملك المَوْصل بعده جاولي سقاوه، فاتَّصل به زَنْكي وقد كَبُرَ وظهرت عليه أمارات السَّعادة، ولم يزل معه حتى عصى جاولي على السُّلْطان محمد، وعَبَرَ إلى حلب ليأخذها من رضوان بن تُتُش، فأرسل السُّلْطان محمد إلى المَوْصل الأمير مودود، وأقطعه إيَّاها سنة اثنتين وخمس مئة، وفارق زَنْكي والأُمراء جاولي، وعادوا إلى المَوْصل. واتصل زَنْكي بمودود، فأكرمه، وسار مودود إلى الشَّام بنية الغَزَاة ومعه زنكي، فظهر من شجاعته ونجابته ما استُدِلَّ به على عُلُوِّ هِمَّته، وقُتِلَ مودود في جامع دمشق وزَنْكي في صُحْبَته.

стр. 9811

وأقطع السُّلْطان المَوْصل لآق سُنْقُر البُرْسُقي (١)، وأمره بتقديم زنكي والرُّجوع إليه في المهام، وعادَ إلى المَوْصِل، فتلقَّاه البُرْسُقي، وأَحْسَنَ إليه، وقدَّمه، -وكان زنكي في عساكر العجم يُعرف بالشَّامي- وسار البُرْسُقي إلى الرَّها، فقاتل أهلَها، فأنكى زنكي فيهم، وأبلى بين يديه بلاء حسنًا، وعاد البُرْسُقي إلى بغداد، وأقام زنكي بالمَوْصل وقد ظهر له صيتٌ عظيم. ومات السُّلْطان محمد شاه بن ملك شاه، وولي بعده ابنه محمود، وجرى بينه وبين عَمِّه سنجر وقائع، ثم اصطلحا، وأقام زنكي إلى سنة ستَّ عشرة وخمس مئة، فأُقطع واسطًا والبَصرة، وقيل: أُعطي شحنكية البصرة، وخافه دُبَيس، واختلف المسترشد ودُبَيس، وسار البُرْسُقي مع الخليفة إلى دُبَيس وكسراه، وكان زنكي مع الخليفة، فأبلى بلاءً حسنًا، وأمر السُّلْطان محمود أن يرجع البُرْسُقي إلى الموصل، فأرسل إلى زنكي، وكان بالبصرة يطلبه ليسير معه، فقال زنكي لأصحابه: قد ضَجِرْنا مما نحن فيه، كلُّ يومٍ في بلد، اقصدوا بنا باب السُّلْطان محمود. فسار من البصرة إلى السُّلْطان، فأكرمه، وكان يقف إلى جانب التَّخْت (٢) عن يمينه لا يتقدَّم عليه أحد، وهو مقامُ والده. ثُمَّ ولاه شحنكية بغداد، وقُتِلَ البُرْسُقي في جامع المَوْصل، وولاها مسعود بن البُرْسُقي، فلم يقم بها (٣)، فولاها السُّلْطان زنكي، فقام بها أحسنَ قيام، وفَتَحَ بلادًا كثيرة: إرْبل، وجزيرة ابن عمر، وسِنْجار، والرَّحْبة وغيرها، وعَبَرَ الفرات، فأخذ حلب وحماة وحمص وبَعْلَبَكّ، وعاد إلى الشَّرْق، ففتح دارا سنة أربعٍ وعشرين [وخمس مئة] (٤)، وفَتَحَ العَقْر وشوش سنة سبعٍ وعشرين (٥)

стр. 9812

[وخمس مئة] (١)، وسار إلى بغداد لنجدة الرَّاشد، وخرج به من بغداد سنة ثلاثين وخمس مئة، [وجرى ما ذكرناه] (٢)؛ وفي سنة أربعٍ وثلاثين وخمس مئة أخذ شَهْرُزور [من ابن قفجاق التركماني] (١) وحصر دمشق مرارًا، وبنى العِمادية في الهكَّارِيَّة، وكان فسادُ الأكراد قد عمَّ، فانزجروا بها، وفتح الرُّها وطَنْزة والمَعدِن وحِيزان وحاني، وغيرها. وكان ينهى أصحابه عن شِرَى الأملاك، ويقول: الإقطاع يُغني عنها، ومتى كانت البلادُ لنا فلا حاجة إليها، ومتى ذهبتِ البلادُ منا ذهبت الأملاكُ معها، ومتى كان لأصحابِ السُّلْطان أملاك تعدُّوا على الرَّعية وظلموهم. وكانت له عنايةٌ بأخبار البلاد، [ويغرم عليها الأموال، فكان يقف على أخبار الملوك ساعة بساعة، وإذا جاء رسول لا يمكنه من الحديث مع أحد من الرعية لئلا يخبر بأخبار البلاد] (١). وأودع بعضَ أصحابه خُشْكنانكة (٣)، فأقامت عنده سنة، ثم طلبها منه، فأحضرها، فَعَجِبَ، وقال: مِثْلُك يَصلُح لحفظ الأموال. وولَّاه قلعة كَوَاشى [وهي قلعة عظيمة] (١). وكان يفرِّقُ الأموال في القلاع والبلاد ويقول: إذا كانت الأموال في موضعٍ واحد وحَدَثَ حادِثٌ وأنا في موضعٍ آخر لم أنتفعْ بها وذَهَبَتْ، وإذا كانت متفرِّقة لم يُحَلْ بيني وبينها، ورجعتُ إلى بعضها. وكان مهيبًا، بلغه أَنَّ بعض الولاة تعرَّض لامرأةٍ، فقلع [عينيه] (١)، وقطع ذكره، [فخاف الولاة وانزجروا] (١). ذَكْرُ مَقْتَلِه: كان قد نازل قلعة جَعْبر، وبها شهابُ الدِّين سالم بن مالك العُقَيلي -[وكان ملك شاه أعطاه إياها لما أخذ منه حلب وقد ذكرناه (٤)] (١) - فقاتلها، ونَصَبَ عليها

стр. 9813

المناجيق، [وضايقها] (١) ولم يبق إلا فَتْحُها، فلما كان ليلة الثّلاثاء سابع عشرة ربيع الآخر (٢) اتَّفق على قَتْله ثلاثةٌ من خُدَّامه، وكان مُغْرًى بخصي أولادِ النَّاس، [خصى جماعةً، فلما كان في هذه الليلة ذبحوه] (٣) في فراشه، وهربوا إلى القلعة ونادوا بالحراس: عَرِّفُوا شهابَ الدِّين أنَّنا قد جئنا في مهم. فأحضرهم، فأخبروه، فقال للحُرَّاس: صيحوا على عسكره مَلِّحوه ملِّحوه. فصاحوا، فدخل أصحابُه عليه، فوجدوه مذبوحًا، فحملوه في سفينة إلى الرَّقَّة، فدفنوه (٤) بها. [وقد صار موعظة للعالمين (١)]. وقال أبو يعلى بنُ القلانسي: هَجَمَ على رَبَض قلعة جعبر، ونهبه، وأخذ أهله، فعمد أحدُ خدمه ومن كان يهواه ويأْنَس به ويُعرف بيرنقش الإفرنجي، ووافقه بعضُ الخدم، فاغتالوه عند نومه ليلة الأحد سادس عشر ربيع الآخر (٢)، وهو على غايةٍ من الاحتياط بالرِّجال والحُرَّاس والعُدَد حول سُرادقه، فذبحوه على فراشه بعد ضربات تمكَّنَتْ من مقاتله، وهَرَبَ الخادمُ إلى القلعة، وصاحِبُها عِزُّ الدين علي بن مالك بن سالم العُقَيلي، فبشَّره بهلاكه، فأكرمه وسُرَّ. وكان قد أرسل خواصَّه إلى زنكي بما استدعاه منه من آلاتٍ فاخرة وذخائر وافرة، فعند حصوله عليها عَزَمَ على الإساءة إليهم، وغَدَرَ بهم، فجاءه من القضاء ما صار به عبرةً لأُولي الأبصار، وتفرَّقت جيوشُه أيدي سبا، ونُهِبَتْ أمواله، وقُبرَ هناك بغير تكفين، ثم نُقِلَ إلى الرَّقَّة (٥).

стр. 9814

ذِكْرُ ما تجدَّد [منَ الحوادث] (١) بعد مقتله: [منها أنه] (١) كان معه أولاده الثَّلاثة؛ سيف الدِّين غازي، ونور الدِّين محمود، وقُطْب الدِّين مودود، وكان له ولدٌ آخر اسمه أمير أميران نُصرة الدِّين انقرض عقبه، ونور الدِّين كان له إسماعيل، مات وانقرض عقبه [بعده] (١)، والعقب لمودود، فسار غازي إلى المَوْصل وبها زين الدين [علي] (١) كوجك، فامتنع عليه أيامًا حتى تقرَّرَتِ الأمور، ثُمَّ دخل الموصل، [(٢) وهذا هو المشهور. ورأيت في بعض تواريخ المَوْصِل أنَّ سيفَ الدين غازي لم يكن مع أبيه لما قُتِلَ، وكان بشَهْرُزور، كان أبوه قد أعطاه إياها]، فأرسل إليه زينُ الدِّين [علي] (١)، وكان زنكي قد عَهِدَ إليه أَنَّ المَوْصِل لغازي، فلما جاء استحلفه على أشياء، ثم دخلها. وأما نور الدين [محمود] (١)، فإنَّ صلاح الدين الياغبساني وسيف الدولة سوار أخذاه، ومضيا به إلى حلب، فدخلها. وكان ألب أرسلان بن السُّلْطان محمود في (٣) عسكر زَنْكي لما قُتِل، فركب، وأحدقتْ به العساكر، وكان الوزيرُ جمال الدين حاضرًا، فأرسل إلى الحاجب صلاح الدِّين الياغبساني -وكان بينهما منافسة- يقول: المصلحة أَنْ نترك ما بيننا وراء ظهورنا، وندبِّر أمرًا نُبقي المُلْك في يد ولد صاحبنا، ونعمر بيته جزاء إحسانه إلينا، ولا ننقله إلى الأعاجم، فنهلك بعد أن نذوق الذُّلَّ والهوان، وألب رسلان قد طَمِعَ في البلاد، واجتمعتْ إليه العساكر، وإن لم نتلافَ الأمر من أوله وإلَّا اتَّسع الخَرْقُ، ولا يمكن رقعه. فأجابه، وتحالفا، وركبا إلى ألب رسلان وقالا: إنَّ أتابك كان نائبًا عنك، وأنت السُّلْطان، وباسمك كُنَّا نُطيعه. وخدعاه، وبعثا إلى زين الدِّين كوجك فَعَرَّفاه، ثم قال الوزير للملك: المصلحة أن تُسَيِّرَ الصَّلاح إلى حلب يكون عند نور الدين، وأبقى أنا عندك. فأجابه، وأخذ الوزيرُ الملك وسار به نحو الرقة، فاشتغل باللهو واللَّعِب

стр. 9815

والخمر، فشرع الوزير يحلِّفُ الأُمراء واحدًا بعد واحد لأولاد زنكي سِرًّا، وكل من حلّفه يُسَيِّره إلى المَوْصل، وجاء به إلى سِنْجار، وأرسل سرًّا إلى الدُّزْدار (١) أَنَّه لا يسلِّمها إليه. فامتنعَ من تسليمها، فغضب الملك، فقال له الوزير: سِنْجار قَريةٌ، وما مقدارها! لا تسمع الملوك عنك أَنَّك تحاصر قريةً، والمصلحة تتوجَّه إلى المَوْصل، فإنَّ غازي مملوكك، ومتى بلغه وصولك خرج إليك، فاقْبِضْه، وتُسَلَّم المَوْصل. فلما قربُوا قال له الوزير: أنا أتقدَّمك لأجل الإقامات، وإنْ توقف غازي عن لقائك أَخْرجته إليك. فقال له: سر. فجاء إلى المَوْصِل، وقال لغازي: هذا الملك الذي كنتَ تخافه قد حملته إلى حضرتك، فاخرجْ إليه وأَكْرِمْه، ثم أَنْزِلْه في القلعة، ودَعْه في أكله وشُرْبه، وقد أَمَّنْتُه. ففعل غازي ذلك. وقيل: إنه أنزله بظاهر الموصل، وبعث إليه في الليل عِزَّ الدين الدُّبَيسي فأخذه وأدخله المَوْصل ليلًا، فكان آخر العهد به. وقيل: إنَّ الوزير وزين الدين كوجك وافقا الملك، وكان غازي ببغداد في خدمة السُّلْطان مسعود وبلغه الخبر، فاستأذن السُّلْطان في المسير إلى المَوْصل، فأَذِنَ له، فلما قَرُبَ منها خَرَجَ الملكُ خائفًا على نفسه، ومضى إلى الجزيرة، فبعث إليه غازي وطَيَّب قلبه، فعاد إلى المَوْصل، فأجلسوه يومًا على سرير المُلْك، ثم حجبوه. وقيل: إنَّهم قتلوه، واستقلَّ غازي بالملك. وأما نورُ الدِّين فإنَّه لما وصل حلب أَظْهَر العَدْل والإحسان، وأسقط المكُوس، وأَهْراق الخمور، وتصدَّق على الفقراء والمساكين، واستمال القلوب، فأطاعوه، ولقِّب بالملك العادل. ولما عرف معين الدِّين أُنَر صورة الحال شَرَعَ في التأَهُّبِ لقَصدِ بَعْلَبَكَّ، وانتهاز الفُرْصة فيها، فَنَهَدَ إليها وضايقها، وضربها بالمجانيق، فَقَلَّ الماءُ بالقلعة، فراسله واليها (٢)، فَطَلَبَ الصُّلْح والعِوَض بإقطاع، فأجابه، وسلَّمها إليه في جُمادى الأولى.

стр. 9816

وأمّا يرنقش قاتلُ زَنْكي فانفصل من قلعة جعبر في جُمادى الآخرة لخوف صاحبها من طلبه، ووصل دمشق ظنًّا منه أنه قد أَمِن [، ومدلًا بما فعل] (١)، فقُبِض عليه وبُعث به إلى حلب، فَبَعَثَ به نورُ الدِّين إلى المَوْصل، فَقُتِلَ شَرَّ قِتْلَة، ومُثِّلَ به أقبح مُثْلة. وأما جوسلين فإنه راسل من كان بالرُّها من الأرمن لَمَّا بلغه قَتْلُ زنكي، ووعدهم يومًا بعينه يصل إليهم فيه، وجاء فدخل البلد، فامتنعت عليه القلعة، وبلغ الخبر نور الدين وهو بحلب، فسار إليها بعساكره، فهرب جوسلين، ودخلها نورُ الدين، فَقَتَلَ مَنْ كان بها من الأرمن، وغَنِمَ أموالهم، واستقرَّت في يدِ نور الدين، ولم يعارضه أخوه غازي. ولما مَلَكَ سيفُ الدِّين المَوْصل راسل أخاه نورَ الدِّين في الاجتماعِ به، فاعتذر بالفرنج خوفًا على نَفْسه، فَحَلَفَ له، واتَّفقا أن يجتمعا في الجزيرة، ومع كلِّ واحدٍ منهما خمس مئة فارس، فخرج سيفُ الدين من المَوْصل، وقَطَعَ نورُ الدين الفرات، ووصل الخابور، فالتقيا في اللَّيل، ولم يعرفه نورُ الدين، فلما عَرَفَه ترجَّل، وقَتلَ الأَرْضَ، وترجَّل سيفُ الدين، وتعانقا، وبكيا، وجلسا يتحدَّثان، فقال له سيفُ الدين: يا أخي، ما الذي مَنَعَك من المجيء إلى عندي، أكنتَ تخاف مني؟ والله ما خَطَرَ لي ما تكره، وأنا فلمن أريدُ الدُّنيا، وبمن أنتصر إذا فعلتُ مع أخي وأعزِّ الخَلْق عليَّ ما يكره! فطابَ قلبُ نورِ الدِّين، وافترقا، وكان سيفُ الدِّين الأكبر. [وفيها توفي: سَعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد (٢) أبو الحسن، الأندلسي. سافر من بلاد الأندلس إلى بلاد الهند والصِّين، ورَكِبَ البحار، وقاسى الأخطار، ثم قَدِمَ بغداد، وتفقَّه على أبي حامد الغزَّالي، وسمع الحديث، وصنَّف الكتب، وقرأ الأدب على الخطيب التِّبْريزي وغيره، وكانت وفاته

стр. 9817

يوم السبت عاشر المحرَّم، وصلَّى عليه الغَزْنوي بجامع القَصر، وصلَّى عليه قاضي القضاة الزَّينبي والأعيان، ودفن إلى جانب عبد الله بن أحمد بن حنبل بوصيةٍ منه. سمع طِرَادَ بنَ محمد الزَّينبي، وابن البَطِر، وثابت بن البُنْدار، وخَلْقًا كثيرًا، وكان صالحًا ثقة، وأخرج جدِّي ﵀ عنه في "المشيخة"، وقال: قرأتُ عليه الكثير. وأثنى (١) عليه] (٢). فصل: وفيها قُتِلَ الأمير عَبَّاس شِحْنة الرَّي (٣) كان شجاعًا شَهْمًا، جَوَادًا، يباشر الحروب بنفسه، وكان قد تغيَّر على السُّلْطان مسعود، فما زال به حتى أصلحه، فَقَدِمَ بغداد، فأكرمه وقَرَّبه، وكان ينادمه، فقال الأُمراء لمسعود: ما بقي لنا عدو غير عباس وما نأمنه. فاستدعاه في ذي القَعدة، فلما صار في دِهْليز الدَّار وَثَبَ عليه جماعة، فقتلوه، ورُمي ببدنه في دِجْلة، وبرأسه إلى ظاهر الدَّار، فثار العوام، وبكوا وضَجُّوا، وقالوا: قَتَلْتَ عَبَّاسًا الصَّائم القائم المصلي الذي ما ارتكب كبيرةً قط، وتولي علينا البلالي، وترضى بابن المُرَخِّم (٤)؟! فوعدهم بعزلهما، فسكنوا، وقيل: إنَّه لم يُرْمَ بَدَنُه في الشَّطِّ، وإنما حُمِلَ إلى المشهد الذي مقابل دار السُّلْطان، فدفن فيه. وكان كثيرَ الصَّدقَات، يُكْرِمُ الوافدين عليه، وحُكي أَنَّه ما شَرِبَ خمرًا ولا زنى قط، وأنه قَتَلَ من الباطنية ألوفًا، وبنى من رؤوسهم منارةً. [وفيها توفي عبد الله بن علي بن أحمد (٥) ابن عبد الله، أبو محمد، المقرئ الحَنْبلي، سِبْط الشيخ أبي منصور الزَّاهد.

стр. 9818

ولد ليلة الثلاثاء السَّابع والعشرين من شعبان سنة أربع وستين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وقرأ الأدب، وصنَّف الكتب في القراءات، وأَمَّ النَّاس في المسجد نحوًا من ستين سنة، وقرأ عليه القرآن خَلْقٌ لا يحصون، منهم جدِّي، وشيخنا أبو اليُمْن الكِنْدي، وسمعا منه الحديث. وذكره جدي في "مشيخته"، وقال: لم أسمع قارئًا أطيبَ نغمةً ولا أَحسنَ أداءً منه على كِبَرِ سِنِّه (١)، وكان ظاهر الكياسة والظَّرافة، حَسَنَ العِشْرة للعوام والخواصّ، وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشرين شعبان (٢)، وصلَّى عليه الشيخ عبد القادر بجامع القَصر وجامع المنصور، وكانت له جِنازةٌ عظيمة. قال جدي: ما رأيت مثلها، كان أول الناس عند قبر أحمد، وآخرهم في نهر المعلى، وغُلِّقت أسواق بغداد، ودفن في دكة أحمد بن حنبل عند جده أبي منصور (٣)، وسمع خلقًا لا يحصون، وكان صائمًا قائمًا] (٤). عبد الرحيم (٥) بن المُحَسِّن ابن عبد الباقي، أبو محمد، التَّنوخي. كان شاعرًا فصيحًا، مات بميَّافارِقين سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، ومن شعره: [من البسيط] هاجَ اشتياقَك بَرْقٌ خاطِفٌ لمعا … وَهْنًا ونوحُ حمامِ الأَيك قد سَجَعا أضاءَ منه الحِمى لمَّا تألَّقَ مِنْ … أكنافِ نَجْدٍ فأذكى الوَجْدَ والجَزَعا

стр. 9819

يا بَرْقُ ما العَهْدُ مَنْسِيٌّ لديكَ ولا … حَبْلُ الهوى رَثَّ لما بِنْتَ فانْقطعا أقسمتُ بالحِجرْ والبيتِ الحرام ومَنْ … أَهَلَّ معتمرًا من أهله (١) وسعى إنَّ الأُلى بنواحي الغُوطتَينِ وإنْ … شَطَّ المَزَارُ بهمْ يومًا وإنْ شَسَعا أَشْهى إلى ناظري من كلِّ ما نَظَرَتْ … عَيْني ومن (٢) مَسْمَعي من كلِّ ما سُمِعا ولا تعوَّضْتُ عنهمْ بالحِمى عِوَضًا … نَعَمْ سقى الله سُكَّانَ الحِمى ورعى محمد بن المبارك (٣) ابن علي، أبو عبد الله. كان شاعرًا لبيبًا، ومن شِعْره في مُغَنٍّ بارد اسمه محمود: [من الخفيف] لو أراد الإلهُ بالأَرْضِ خِصبًا … ما تغنَّى مِنْ فوقها محمودُ كلما أَنْبَتَتْ يسيرًا من العُشْـ … ـــــبِ وغنَّى غطَّى عليه الجليدُ مُسْلم بن الخَضِر بن مُسْلم (٤) ابن قسيم، أبو المَجْد الحَمَوي الشاعر الفاضل، [ذَكره العماد في "الخريدة"، ومَدَحَ زَنْكي وولده نور الدين محمود] (٥). ومن شعره: [من البسيط]

стр. 9820

أهلًا بطيفِ خيالٍ زارني (١) سَحَرًا … فقمتُ واللَّيلُ قد شابَتْ ذوائِبُهُ أقبِّلُ الأَرْضَ إجلالًا لزَوْرَيهِ … كأنَّما صدَقَتْ عندي كواذِبُهُ ومودِعُ القلبِ من نار الجَوَى حُرَقًا … قضى بها قَبْلَ أَنْ تُقْضى مآربُهُ تكاد مِن ذِكْرِ يوم البَيْنِ تَحْرِقُه … لولا مدامعُ، أنفاسٌ تغالِبُهُ (٢) وقال: [من المديد] مُلِّكوا حتى إذا مَلَكُوا … أخذوا فوقَ الذي تركوا ما على الأحبابِ إنْ تَلِفَتْ … مُهْجتي في حُبِّهم دَرَكُ عاقبوني بالجفا ويدي … بذيولِ العَفْو تَمْتَسِكُ هتكوا سِتْر الوصالِ فوا … حَرَبا من عُظْمِ ما هتكوا وطريقُ الوَصلِ واضحةٌ … فلماذا غَيرَها سَلَكُوا (٣) السنة الثانية والأربعون وخمس مئة فيها ولَّى المقتفي عونَ الدِّين يحيى بنَ محمد بن هُبيرة كتابة الزِّمام، وعَزَلَ عنها مهدويه (٤) في المحرَّم. وفي ربيع الأول عُزِلَ أبو نَصر بن جَهِير من الوزارة، وسكن بالدَّار التي بناها بباب المراتب [على شاطئ دجلة عند باب الأزج، وهي التي آل أمرها إلى أن] (٥) اشترتها بنفشا جارية المستضئ، ووقفتها مدرسةً للحنابلة، [وسلَّمَتها إلى جَدِّي ﵀ في سنة سبعين وخمس مئة، فَذَكَرَ بها الدَّرْسَ، وأقام فيها، وهي اليوم تُعْرف به] (٦). وفي جُمادى الأُولى استوزر الخليفة أبا القاسم عليَّ بن صدقة، نقله من المخزن إليها، واستدعاه ومعه قاضي القضاة الزَّينبي وجماعةٌ من الخواص، فشافهه بها، وخَلَعَ عليه، ومضى إلى الدِّيوان، وقرأ ابنُ الأَنْباري كاتبُ الإنشاء عهدَه.

стр. 9821

وقَدِمَ ابنُ العَبَّادي في رسالةِ السُّلْطان إلى الخليفة، فالتقاه أربابُ الدَّوْلة سوى الوزير. وولى المقتفي يحيى بن جعفر المخزن، ولقبه زعيم الدِّين. وفي رمضان هرب إسماعيل بن المستظهر أخو الخليفة من الدَّار، وخرج وعلى رأسه طبق، فاختبأ بباب الأَزَج يومين، وقامت على الخليفة القيامة، ووثب الخَدَمُ في طلبه، فجاؤوا به، فَرَدَّه إلى الدَّار، واحتيط عليه. وفيها فتح نور الدين حِصن أَرْتاح وكَفْرلاثا من بلد حلب. وفيها استولى عبد المؤمن بن علي على مَرَّاكُش مدينة المغرب بالسَّيف، وقَتَلَ مَنْ بها من المقاتلة، ولم يتعرَّض للرَّعية، وأحضر اليهود والنَّصارى، وقال: إنَّ الإمام المهدي أمرني أن لا أُقِرَّ النَّاس إلا على مِلَّة الإسلام، وأنتم تزعمون أنَّ بعد الخمس مئة يظهر من ينصر شريعتكم، وقد انقضتِ المُدَّة، وأنا مخيِّركم بين ثلاث: إمَّا أَنْ تُسْلِمُوا، وإما أن تلحقوا بدار الحَرْب، وإمَّا [أن] (١) أضرب رقابكم. فأسلم منهم طائفة، ولحق بدار الحَرْب أُخرى. وأَخْرَبَ الكنائس والبيع ورَدَّها مساجد، وأبطل الجِزْية، وفعل ذلك في جميع ولاياته، ثم فَرَّق بيتَ المال وكَنَسَه، وصلَّى فيه، وأمر النَّاسَ بالدُّخول إليه والصَّلاة [فيه] (١) كما فَعَلَ أميرُ المؤمنين عليٌّ ﵇، وقَصَدَ حُسْنَ السِّيرة، وليعلم النَّاس أنَّه لا يُؤْثر جَمْعَ المال، ولا يدَّخر شيئًا. ثم أقام معالم الإسلام والحدود على الوجه الشَّرْعي مع السِّياسة الكاملة. وقال: مَنْ ترك الصَّلاة ثلاثة أيام، فاقتلوه. وشدَّد في الأمور، فلم يَدَع منكرًا إلَّا وأزاله، وكان يُصَلِّي بالناس الصَّلوات الخمس، ويقرأ في كل يوم سُبعًا من القرآن بعد صلاة الصُّبْح، ويَلْبَسُ الصُّوف، ويصوم الاثنين والخميس، ويَقْسِمُ الفيء على الوجه الشَّرْعي، فأحبَّه النَّاس، [ومالوا إليه] (١) لِنَسْخه أفعال مَنْ تقدَّمه. وحجَّ بالنَّاس قيماز، ولم يَزُرْ رسولَ الله ﷺ لقِلَّة الماءِ في الطَّريق.

стр. 9822

فصل وفيها توفي: دعَوْان بن علي بن حَمَّاد (١) ابن صدقة [الجُبِّي] (٢) أبو محمد الضَّرير. [ولد سنة ثلاثٍ وستين وأربع مئة بجُبَّة، وهي قرية عند العَقْر في طريق خراسان (٣). سمع الحديث الكثير، وقرأ القرآن، وتفقه على أبي سَعد المُخَرِّمي، و] (٢) كان صالحًا عفيفًا على مذهب السَّلف، [انتفع به خلق كثير، و] (٢) توفي في ذي القَعدة، ودُفِنَ [عند أبي بكر الخلالِ] (٢) بباب الأزَج. قال عبد الله الجُبَّائي (٤): رأيته في المنام بعد موته وعليه ثيابٌ بيضٌ، وعِمامة بيضاء، وهو يمضي إلى الجامع لصلاة الجُمُعة، فأخذتُ بيده، ومشيت معه، وقلتُ له: أيش لقيت من الله تعالى؟ فقال لي: عُرِضْتُ عليه خمسين مرة، وقال لي: أيش عملت؟ قلتُ: قرأتُ القرآن وأقرأته. فقال لي: أنا أتولاك، أنا أتولاك، أنا أتولاك. قالها ثلاثًا. قال عبد الله: فأصابني الوَجْد، وصحت وانتبهتُ (٥).

стр. 9823

[سمع أبا محمد التميمي وغيره] (١). رِضوان بن الوَلَخْشي (٢) أمير الجيوش بمِصر، كان قد استولى على صاحبها، وحَجَرَ عليه، فَدَسَّ إليه السُّودان، فوثبوا عليه، فقتلوه، واتفق نزولُ المطر في غير أنواء، فقال ابن الزبير (٣) يرثيه: [من الطويل] بنفسيَ مَنْ أبكى السَّمواتِ فَقْدُهُ … بغيثٍ ظَنَّناهُ نَوَال يمينهِ فما اسْتَعْبَرَتْ إلا أسىً وتأسُّفًا … وإلا فماذا القَطْرُ في غير حينهِ (٤)! عمر بن أبي الحسن، أبو شجاع البِسْطامي (٥) وعظ ببغداد، وأنشد لأبي الفرج بن هِنْدو (٦): [من الطويل] تَعَرَّضَتِ الدُّنْيا بلذَّةِ مَطْعَمٍ … ورَوْنَق مَوْشيٍّ من اللُّبْس رائقِ

стр. 9824

أرادَتْ سَفَاهًا أَنْ تُمَوِّه قُبْحَها … على فِكَرٍ خاضَتْ بحارَ الدَّقائِقِ فلا تخدعينا بالسَّرابِ فإنَّنا … قَتَلْنا نُهانا (١) في طِلابِ الحقائقِ فاطمة خاتون (٢) بنت السُّلْطان محمد بن ملكشاه، زوجة المقتفي ببغداد في ربيع الأَوَّل، وصلَّى عليها قاضي القضاة الزينبي في صحن السَّلام، وحُملت في الزَّبْزب إلى الرُّصافة، فدفنت قريبًا من المستظهر بالله. محمد بنُ المُظَفَّر بنِ عليِّ بنِ المُسْلمة (٣) ولد سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وسَمِعَ الحديث، وتفرَّد وتعبَّد، وجعل داره التي في دار الخليفة رِباطًا للصُّوفية، وتوفي ليلة الجُمُعة تاسع رجب، وحُمِلَ إلى جامع القَصر، وأُزيلت شُقَّةٌ من شُبَّاك المقصورة التي فيها المحراب ليحصل التَّابوت في المحراب، فيصَلِّي عليه الخليفة، وتقدَّم في الصلاة عليه وزير الخليفة ابنُ صَدَقَة، ودُفِنَ عند جامع المنصور قريبًا من رباط الزَّوْزني. هبة الله بن علي بن محمد (٤) ابن حمزة، أبو السَّعادات العَلَوي، النَّحْوي، ويعرف بابن الشَّجري.

стр. 9825

انتهى إليه عِلْم النَّحْو والعربية ببغداد، وسمع الحديث، وطال عُمُره، وتمتَّع بجوارحه وعقله، وقال: ما سَمِعْتُ في المَدْح أبلغ من شعر أبي فراس بن حَمْدان: [من الكامل] وأمامك الأعداءُ تَطْلبُهُمْ … ووراءَكَ القُصَّادُ في الطَّلَب فإذا سَلَبْتَهُمُ وَقَفْتَ لهم … فَسُلِبْتَ ما تحوي من السَّلَبِ (١) وما سمعتُ في الذَّمِّ أبلغ [من بيتٍ لمسكويه] (٢): [من الطويل] وما أنا إلَّا المِسْكُ ضاعَ وعندكم … يضيعُ وعند الأكرمينَ يَضُوعُ السنة الثَّالثة والأربعون وخمس مئة فيها فارق جماعةٌ من الأُمراء السُّلْطان مسعود، وكان على هَمَذَان، بسبب صبيٍّ كان عنده يقال له خاصبك بن البلنكري (٣) كان قد استولى عليه، وقصدوا بغداد، ومعهم محمد شاه بن محمود، وهم: البقش وألدكز وقيصر وألطرنطاي وعليّ بن دُبَيس وغيرهم، ونزلوا شَهْرابان (٤)، فانهزم النَّاس من بين أيديهم، وقُطِعَ الجسر ببغداد، [يقال: إنَّ شحنة مسعود ببغداد قطع الجسر] (٥)، وكان الغزنوي الواعظ قد تولَّى عمله، وعَمِلَ له درابزينات من الجانبين، فبعث الخليفةُ ابنَ العَبَّادي الواعظ إليهم، يقول: أميرُ المؤمنين يقول لكم في أي شيء جئتم؟ وما مقصودكم؟ فإنَّ النَّاسَ قد انزعجوا بسبب مجيئكم. فقالوا: نحن عبيد هذه العتبة الشريفة، وعبيد السُّلْطان ومماليكه، وما فارقناه إلّا خوفًا من خاصبك، فإنه أفنى الأُمراء؛ قَتَلَ عبدَ الرحمن بن طُغايرك (٦) وعَبَّاسًا وبوزبا، وعدُّوا جماعة، وما عنِ النُّفوس عِوَض، فإمَّا نحن وإمَّا هو، فإنَّه هو الذي يحمل السُّلْطان على قَتْلنا، وما نحن خوارج ولا عصاة.

стр. 9826

ثم دخلوا بغداد في ربيع الأَوَّل، ومدُّوا أيديهم إلى ما يختص بالسُّلْطان، وكبسوا خانات باب الأَزَج، فأخذوا الغَلَّة منها، فثار العوام عليهم، وقاتلوهم، فبعث الخليفةُ إلى مسعود يقول: أما الشِّحْنة الذي من قِبلك فقد هَرَبَ إلى تكْريت هو وأمير الحاج، وقد أحاط القوم بالبلد، ومدُّوا أيديهم وأفسدوا، وما يمكنني أَنْ أتَّخذ عسكرًا لأجل العَهْد الذي بيننا وبينك. فكتب إليه: قد برئت ذِمَّة أمير المؤمنين من العهد الذي بيننا، وقد أَذِنْتُ لك أن تتخذ العسكر، وتحتاط لنفسك والمسلمين. فحينئذٍ استعدَّ الخليفة، وأمر باستخدام العساكر، وأَظْهَرَ السُّرادق والخِيَم، وسدَّ العقود، وحفر الخنادق، والقومُ ينهبون ما حول البلد من الغَلَّات والأموال، وعَبَرَ طائفةٌ منهم إلى الجانب الغربي، فقسَّطوا على أهله أموالًا (١)، وساروا إلى الدُّجَيل (٢)، وأخذوا بناتِ (٣) النَّاس ونساءَهم، وجاؤوا بهم إلى الخيام، وجاءت زواريق فيها غِلالٌ فأخذوها، ونشبتِ الحرب، وقُتِلَ جماعةٌ من الفريقين، فأرسل الخليفة إليهم الغَزْنوي الواعظ يقبِّح عليهم ما فعلوا، وقال: لو جاء الكُفَّار ما فعلوا مِثْلَ هذا الذي فعلتم، أيُّ ذنب لأهل الرَّساتيق والقُرى؟ واستنقذ منهم النِّساء وبعض المواشي، وجاء أصحابها فمن عرف شيئًا أخذه. وفي جُمادى الأولى جلس الخليفة في منظرة الحَلْبة (٤)، وعَرَضَ العساكر، وأمر العوام بلُبْس السِّلاح، والذَّبِّ عن نفوسهم وأموالهم، وكان البقش نازلًا عند دار السُّلْطان، فرحل إلى ظاهر البلد تطييبًا لقلب الخليفة، وقطعا الحرب، وبعث الخليفةُ فَسَدَّ باب السُّوق من ناحية دار السلطان، وكانوا يمتارون من سوق السُّلْطان، فاصبحوا إلى باب البلد، فرأوه مسدودًا، فجاء منهم ألف فارس إلى ناحية الجَعْفرية، فثلموا في السُّور عِدَّة مواضع، وصَعِدُوا، وبعثوا الرَّجَّالة، ففتحوا الباب الذي سَدَّه الخليفة، ونقضوا البناء، وكسروا الباب، وأخذوا حديده، وبعث البقش رسولًا إلى الخليفة يقول: لأيِّ شيء سددتم في وجوهنا الباب، وإنما كُنَّا نسترزق من سوق السلطان؟ فلم

стр. 9827

يلتفت إلى قوله، وأصبح العوام، فخرجوا إليهم، فقاتلوهم، فاستجرُّوهم، فأَبعدوا عن البلد، وخرج عليهم الكمين، فقتلوا من العوام نحوًا من خمس مئة، ولم يتجاسر أحدٌ أن يخرج من أهل المُقَتَّلين، فنادوهم: تعالوا خذوا قتلاكم. فلمَّا كان عشية ذلك اليوم، وهو سادس جُمادى الآخرة جاء الأُمراء إلى الرَّقَّة المقابلة للتَّاج، ورموا أنفسهم، وقالوا: ما عندنا مما جرى عِلْم، وإنما هو فعلُ أَوْباشٍ لم نأمرهم به. فلم يلتفت إليهم. فقالوا: نحن قيامٌ على رؤوسنا ما نبرح أو يعفو عنَّا أمير المؤمنين. فَعَبَرَ إليهم خادِمٌ وقال: قد عفا عنكم، فامضوا واستحلُّوا من أهل القَتْلى. ثُمَّ أمر الخليفةُ بإصلاحِ ما هدموا من السُّور. ثم اختلف العسكر، فأخذ ألدكز الملك محمد شاه، وطلب بلاده، وسار البقش وابنُ دُبَيس والطرنطاي نحو الحِلَّة، وسكنَ النَّاس. وقبضَ الخليفةُ على وزيره ابن صدقة، ومات قاضي القضاة الزَّينَبي، وتقلَّد القضاء علي بن أحمد بن علي بن محمد الدَّامَغَاني. وفي ربيعٍ الأوَّل نزلتِ الفرنج على دمشق؛ خرج ملكُ الألمان (١) من البحر في جيوشٍ لا تحصى، واجتمع إليه ملوكُ السَاحل [وكنودها] (٢)، واجتمعوا في البيت المقدس، وصلُّوا صلاةَ الموت، وعادوا إلى عكا، وفرَّقوا سبع مئة ألف دينار في العساكر، ولم يُظْهروا أنهم يريدون دمشق، وَوَرُّوا بغيرها، وهرب المسلمون من بين أيديهم، وجمعوا الغِلال والأَتْبان (٣) وأحرقوها، وكان صاحبُ دمشق مجير الدِّين أبق بن محمد بن بوري بن طُغْتِكِين، ومُدَبِّر الأمور معين الدين أُنَر، فلمَّا كان يوم [السبت] (٢) سادس ربيع الأول لم يشعر أهل دمشق إلا وملك الألمان قد ضُرِبَتْ خيمته [على باب دمشق] (٢) في الميدان الأخضر، وكانوا ستة آلاف فارس وستين ألف راجل، وقيل: كانوا مئة ألف راجل وعشرة آلاف فارس، وقيل: إنهم تفرَّقوا على البلد، فنزل ملك الألمان في الميدان [الأخضر] (٢) في ستة آلاف فارس وثلاثين ألف

стр. 9828

راجل، ونزل قرواس (١) ملك السَّاحل على الشَّرف الشّمالي في ثلاثة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، ونزل الكُنُود والخَيَّالة على الشَّرف القِبْلي في مئة ألف راجل، واجتهد المسلمون في إحصائهم فلم يقدروا، وخرج إليهم معين الدين ومجير الدِّين في مئة ألف راجل سوى الفرسان، فقاتلوهم في اليوم الأول قتالًا شديدًا، فَقُتِلَ من المُسْلمين نحو مئتين، [منهم الفِنْدلاوي، وسنذكره في موضعه] (٢)، وكان القتال يعمل ليلًا ونهارًا، وضايقوا البلد حتى نزلوا على أبوابه. وكان [معين الدين] (٢) أُنَر قد كاتب سيفَ الدِّين غازي صاحب المَوْصِل قبل [نزول الفرنج على دمشق يستصرخ به، ويخبره بشدة بأس الفرنج، ويقول: أَدْركْنا. فسار سيف الدين في] (٣) عشرين ألفًا، فنزل بحيرة حِمْص، وبعث إلى [معين الدين] (٢) أُنَر يقول: قد حضرتُ بجندٍ عظيم، ولم أترك ببلادي مَنْ يحمل السِّلاح، فإنْ أنا جئتُ ولقَينا الفرنج وكانت علينا هزيمة وليست دمشق لي ولا لي بها نائب لم يَسْلَمْ منا أحد، وأخذتِ الفرنجُ دمشق وغيرها، فإنْ أحببتَ أن أقاتلهم، فَسَلِّم البلدَ إلى مَنْ أَثِقُ به، وأنا أحلف لك إن كانت النُّصرة لنا [عليهم أنني] (٢) لا أدخل دمشق، وأَرْجعُ إلى بلادي، فَمَطَلَه [معين الدين] (٢) أُنَر، وبعث إلى السَّواحلة يقول: هذا ملك الشَّرْق نازِلٌ على حِمْص، وليس لكم به طاقة، فإن رَحَلْتُم وإلا سَلَّمْتُ دمشق إليه، وهو يُبيدكم، وأنا أُعطيكم بانياس. فأجابوه، وحَسَّنوا للغرباء الرَّحيل، فاتَّهموهم. وكان زمان الفواكه، فنزل الفرنجُ الوادي، فأكلوا منها شيئًا كثيرًا، فانحلَّتْ أجوافُهم، ومات منهم خَلْقٌ كثير، ومَرِضَ الباقون. ولمَّا ضاق بأهلِ دمشق الحال أخرجوا الصَّدقَات والأموال على قدر أحوالهم، واجتمع النَّاس في الجامع: الرِّجال والنِّساء والصِّبْيان، ونشروا مُصحف عثمان رضوان الله عليه، وحثوا الرَّماد على رؤوسهم، وبكوا وتضرَّعوا، فاستجاب الله لهم،

стр. 9829

وكان مع ملك الألمان قِسِّيسٌ [كبير] (١)، طويل اللحية يقتدون به، فأصبح في اليوم العاشر من نزولهم على دمشق، فركب حماره، وعلَّق في عنقه صليبًا، وجعل في يديه صليبين وعلَّق في عُنُق حماره صليبًا، وجميع الأقساء بين يديه بالأناجيل والصُّلْبان، وركبتِ الملوكُ والخَيَّالة والرَّجَّالة، ولم يتخلَّف من الفرنجية أحد إلا من يحفظ الخيام، وقال لهم القِسِّيس: قد وعدني المسيح أنني أفتح اليوم دمشق. وقصدوا البلد، وفتح المسلمون الأبواب واستسلموا للموت، وغاروا للإسلام، وحملوا حملة رجلٍ واحد، وكان يومًا لم يُرَ في الجاهلية والإسلام مِثْلُه، وقصد واحد من أحداث دمشق القِسِّيس، وهو في أَوَّلِ القوم، فضربه، فأبان رأسه، وقَتَلَ حماره، وحَمَلَ الباقون، فانهزم الفرنج، وقتلوا منهم عشرة آلاف، وأحرقوا الصُّلْبان والخيام بالنِّفْط، وتبعوهم إلى الخيام، وحال بينهم الليل، فأصبحوا وقد رحلوا، ولم يبق لهم أثر، وبعثوا يطلبون من أُنَر بانياس، فقال: إنما وعدتكم بها إذا رَحَّلْتم [الفرنج] (١)، وهذا فِعْلُ الله تعالى. فقالوا: نحن نعود إلى دمشق، ونقيم عليها فلا نرحل حتى نأخذها. وكانوا قد أحرقوا الربوة، وهدموا القِباب، وقطعوا الأشجار، ودرسوا ظاهر دمشق، فرأى أُنَر أن يفدي دمشق ببانياس (٢)، وكان سيف الدين قد طَمِعَ فيها، فأعطاهم بانياس، وبقيت في أيديهم حتى فتحها نور الدين [محمود] (١) ﵀ (٣). وكان قد وقع بدمشق أيام الحصار طاعون، فقال أبو الحَكَم الأَنْدلسي (٤): [من الكامل]. ولقد حَلَلْتُ من الشَّآم ببُقْعَةٍ … أَعْزِزْ بساكنِ رَبْعها المسكونِ أضحى مجاورَها العدوُّ فأَهْلُها … شهداءُ بين الطَّعْنِ والطَّاعونِ (٥) وعاد سيف الدِّين إلى بلاده.

стр. 9830

وفيها أزال نور الدين في حلب من الأَذان "حيَّ على خير العَمَل" وسبّ الصَّحابة ﵃ وقال: مَنْ عاد إليه قَتَلْتُه. [وساعده على ذلك الفقيه برهانُ الدِّين أبو الحسن علي الحنفي (١)، وغيره] (٢). وفيها ظهر بمِصر رجلٌ من ولد نزار يطالب بالخلافة، واجتمع إليه خَلْقٌ كثير، وجَهَّز إليه الحافظ العساكر، فالتقوا بالصَّعيد (٣)، فَقُتِلَ من الفريقين جماعة، ثم انهزم النِّزاري، وقُتِلَ ولده. وفيها أغار نورُ الدِّين على بلاد الفرنج، وفتح عِدَّة حصون، وأَسَرَ وقَتَلَ، واجتاز بأنطاكية، وبات قريبًا منها [آمنًا أَنَّه في بلده، فبيَّتَهُ البرنس صاحِبُها ليلًا، وهم غارُّون، فما نجا إلا القليل، وهرب نور الدِّين إلى حلب، وكان ذلك غَفْلَةً من أصحابه حيثُ لم يكن لهم يَزَك (٤)] (٢). وحجَّ بالنَّاس قَيْماز. فصل: وفيها توفي عليُّ بنُ الحسين بن محمد بن علي (٥) أبو القاسم، قاضي القضاة، الزَّينبي.

стр. 9831

ولد في نصف ربيع الأَوَّل سنة سبعٍ وأربعين (١) وأربع مئة، وسَمِعَ الحديث وتفقَّه، وكان المسترشدُ يحبُّه، وكان مهيبًا وقورًا؛ قَلَّ أَنْ تُسْمع منه كلمة، وطالت ولايته، فأحكمه الزمان، وخَدَمَ الرَّاشد، وناب في الوزارة، ثم استوحش من الرِّاشد، فخرج إلى المَوْصِل، ووصَلَ الرَّاشد، وبلغه حديثُ المحضر الذي ثبت عليه، فقال له: اكتب خطَّك بإبطالِ ما جرى. فامتنع، فتواعَدَه زَنْكي، وناله بشيء من العذاب، ثم أَمَرَ بقتله، فَدَفَعَ الله عنه، ثم بعث المقتفي وطلبه، فبعث به زنكي إليه فبايعه، ثم ناب في الوزارة، ثم إنَّ المقتفي أَعْرَضَ عنه بالكُلِّية، وولَّى ابن المُرَخِّم، فأبطل أَحكامه، ولم يبق له توقيع ينفذ إلا اسم القضاء لا غير، فَمرِضَ أيامًا، وماتَ يوم عيد النَّحْر، وصلَّى عليه ابنُ عمِّه طلحة بن علي (٢) نقيب النُّقباء، ودُفِن إلى جانب أبيه. وقال ابنُ القلانسي: صلَّى عليه المقتفي (٣). ورآه بعضُ أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال له: اذهب إلى [أبي عبد الله يعني ابن البيضاوي القاضي، وهو ابن أخي قاضي القضاة، وأحد أوصيائه] (٤) وقل له: لِمَ تضيِّق صَدْر غُصن وشهية؟ يعني سراريه. فقال له الرجل: فما فعل الله بك؟ فقال: غَفَرَ لي. ثم أنشد: [من الطويل] وإنَّ امرءًا ينجو من النَّار بعدما … تَزَوَّدَ مِنْ أعمالها (٥) لسعيدُ

стр. 9832

وأصبح الرجل، فجاء إلى ابن البَيْضاوي، فأخبره بالمنام، فقال: سبحان الله! والله لقد بتُّ متفكرًا في تقليل ما ينوبهن، أما الآن فلا أُغَيِّر عليهن شيئًا. وكان فاضلًا عفيفًا، وإنما نقم عليه المقتفي بسبب المحضر الذي أثبته على الرَّاشد، ولم يكن له فيه ذنب، وإنما ابنُ عمه الوزير [ابن] (١) طِراد حمله عليه. يوسف بن دُوْناس بن عيسى (٢) أبو الحَجَّاج، الفقيه المالكي، المَغْربي، الفِنْدلاوي. [ذكره الحافظ ابنُ عساكر، وقال:] (٣) قدم الشام حاجًّا، وسكن بانياس مُدَّة، وانتقل إلى دمشق، فاستوطنها، [ودرَّس بها مذهب مالك، وحدَّث بالموطأ وغيره. قال الحافظ: وعلَّقت عنه أحاديث يسيرة] (٣)، وكان شيخًا، حَسَنَ المفاكهة، حُلْو المناظرة، شديد التَّعصُّبِ لأَهْل السُّنَّة، كريمَ النَّفْس، مُطَّرحًا للتكلُّف، قويَّ القلب، صاحب كرامات. [ذكر مقتله] (٣): ولما كان اليوم السَّادس من ربيع الأول (٤) أول قتال الفرنج لدمشق خرجَ [الفِنْدلاوي] (٣) راجلًا ومعه أصحابه فالتقاه معين الدِّين أُنَر، فقال [له] (٣): يا شيخ، إنَّ الله قد عَذَرَك، ليس لك قوةٌ على القتال، ونحن نكفيك، فارجع. فقال: قد بعتُ واشترى، لا أَقيلُه ولا أَسْتقيله، وقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، ومضى نحو الرَّبوة، فالتقاه طُلْبٌ (٥) بين الرَّبوة والنَّيْرب، فقتلوه، [فقال (٦) أبو الحكم الأندلسي هذه الأبيات: [من الهزج]

стр. 9833

بشطَّيْ نهر داريّا … أمورٌ ما تواتينا أتانا مئتا ألفٍ … عديدًا أو يزيدونا فداسوا المَرْجَ والغُوطـ … ــــــة أيضًا والميادينا ورايات وصُلْبانًا … على مسجد خاتونا فقلنا إذْ رأيناهم … لعلَّ الله يكفينا وشيخًا فِنْدلاويًا … فقيهًا يعضُدُ الدِّينا ومنها: ولكنْ غادروا القِسِّيـ … ـــــسَ تحتَ الأَرْضِ مدفونا من أبيات (١). وقال الحافظ ابن عساكر: وأقام مدة ببانياس خطيبًا، وكان شيخًا كبيرًا، ودرَّس بدمشق في حَلْقة المالكية، ولما قُتِلَ حُمِلَ] إلى الباب الصغير، فدفن به، وقبره من جانب المُصَلَّى قريبًا من الحائط، وعليه بلاطةٌ منقورٌ فيها شَرْحُ حاله. ورآه بعضُ أصحابه في المنام في تلك الليلة فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: أنا في جنَّاتِ عَدْنٍ مع قومٍ على سُرُرٍ متقابلين. السَّنة الرَّابعة والأربعون وخمس مئة فيها في ربيع الأول استوزر المقتفي أبا المظفر يحيى بن محمد بن هُبيرة، عَوْنَ الدِّين، وخَلَعَ عليه. وفي رجب عاد البقش، وجَمَعَ الجموع، وقَصَدَ العراق، وانضمَّ إليه ملك شاه بن محمود وعليُّ بنُ دُبَيس، وخَلْقٌ من الأُمراء والتركمان، فلما بقي بينهم وبين بغداد ثلاثة فراسخ بعثوا إلى الخليفة يطلبون منه الخُطْبة لملك شاه، فلم يجبهم، ودوَّنَ العسكر، وحُفرت الخنادق، وبعث إلى أهل الجانب الغربي يأمرهم بالعبور إلى حريم الخلافة، وبعث ابنَ العَبَّادي إلى مسعود يستحثه ويعرِّفُه بما جرى، ويقول: عَجِّلْ بالمجيء.

стр. 9834

وبعث إليه عَمُّه سنجر يقول له: قد أخربت البلادَ، وقَتَلْتَ العباد في هوى ابن البلنكري، فأَبْعِدْه عنك، وإلا فما يكون جوابك غيري. فلم يلتفت، فرحل سنجر إلى الرَّي، وبعث يقول: قد جئتُ إليك. فسار مسعود جريدة إلى الرَّي، فطيَّبَ قلبه، وخَلَعَ عليه، ولم يعاتبه في ابنِ البلنكري، وتأخَّر البقش عن بغداد، وجاء مسعود، فدخلها في ذي الحِجَّة، فخرج إليه الوزير ابنُ هُبيرة وأربابُ الدَّوْلة لتلقِّيه، فأحسنَ إليهم، وجاء عليُّ بنُ دُبَيس، فرمى بنفسه على باب السُّلْطان، فرضي عنه. و [فيها] (١) خرج نَظَر الخادم ليحج بالنَّاس، فمرض بالكُوفة، فاستناب قيماز الأرْجُواني، فلمَّا عاد نظر الخادم إلى بغداد توفي. وفي ذي الحِجَّة زُلْزِلَتْ بغداد زَلْزَلَةً عظيمة، وبقيت الحيطان تموجُ عشرة مرات، وامتدَّت إلى حُلْوان، فتقطَّعَ جَبَلُها، وساخ في الأرض، وانهدمت أماكن، وهلك تحتها خَلْق كثير. وفيها جَمَعَ الفرنج من الساحل ليقصدوا بلد حلب، فسار إليهم نور الدين بعساكره، وجَمْع كثيرٍ من التركمان، وكتب إلى [معين الدين] (١) أُنَر يستنجده، فبعثَ إليه الأميرَ بُزان (٢) في عساكر دمشق، وجاءته عساكر أخيه سيف الدِّين [غازي] (١) والجزيرة، وسار إلى أَنطاكية، وخرج إليه البرنس (٣)، فكانت بينهم وقعة عظيمة كسرهم نورُ الدِّين الكسرة المشهورة (٤)، وقَتَلَ من كنودهم ألفًا وخمس مئة وأَسر منهم مِثْلهم، وقُتل البرنس، وحُمل رأسه إلى نور الدين، فعاد إلى حلب بالغنائم العظيمة والأسارى، فبعث ببعضها إلى أخيه وإلى الخليفة وإلى دمشق وإلى الملوك، وفيها يقول ابنُ القَيسراني: [من السريع]

стр. 9835

وكَمْ له مِنْ وَقعةٍ يومُها … عند ملوك الشِّرْكِ مشهودُ حتى إذا عادوا إلى مِثْلها … قالت لهم هَيبَتُهُ عُودُوا مناقِبُ لم تكُ موجودةً … إلا ونورُ الدِّينِ موجودُ وكيف لا نُثني على عَيشنا الـ … ــمحمودِ والسُّلْطانُ محمودُ (١) وفيها فتح نورُ الدِّين حِصن فامية، وكان على أهل حماة وحمص منه ضررٌ عظيم، كانوا يشنُّون الغاراتِ منه على البلاد. وكان جوسلين (٢) صاحب تل باشر، وأَعْزاز، وعين تاب، والرَّاوندان، ورَعْبان وكَفْرسود، وكَيسون، وبَهَسْنى، والبارة، ومَرْعَش، وكَفْرلاثا، وحصن منصور، وغيرها من الحصون شمالي حلب، وكان على المسلمين منه بلاءٌ عظيم، فجهَّز إليه نورُ الدين سِلَحْداره، وظهر عليهم جوسلين، وأَسَرَ السِّلَحْدار، وبعثَ به هديةً إلى صاحب الرُّوم ابن قَلِيْج رسلان (٣)، وقال: نفَّذتُ إليك سِلَحْدار صهرك، وسأبعث إليك بعد هذا غيره. وكان نور الدين قد صاهر ابن قليج رسلان، وبلغ نورَ الدِّين قولُه، فعزَّ عليه، فدسَّ جماعةً من التركمان وقال: من قدر منكم على جوسلين أعطيته من الأموال والبلاد منهما أراد. فجاءت طائفةٌ منهم فنزلوا في بلد عين تاب، وخرج جوسلين ليغار عليهم، فاستحسن منهم امرأة، فخلا بها تحت شجرةِ، وكَمَنَ له التركمان، فأخذوه أسيرًا، وكان نور الدين بحِمْص، فحملوه إليه، فأعطى من جاء به عشرة آلاف دينار، وكان أَسْرُهُ مِنْ أعظمِ الفتوح في الإسلام، لأنَّه كان شجاعًا مقدامًا غَدَّارًا، أغدر غير مرة بالمسلمين] (٤) ولما حصل بيد نور الدين أخذ منه جميعَ ما ذكرنا من القلاع والبلاد بعد ذلك، وأَمِنَ النَّاسُ شرَّه.

стр. 9836

فصل وفيها توفي أحمد بن الحسن بن علي (١) ابن إسحاق، أبو نَصر بن نظام المُلْك. وَزَرَ للمسترشد، ثم عُزِلَ على أحسن الوجوه، ووزر للسُّلْطان محمد شاه، وتقلَّبت به الأحوالُ والدُّول، فرأى لزوم منزله، فلزمه إلى أن مات في ذي الحِجَّة ببغداد، وكان فاضلًا عاقلًا، سمِعَ الحديث من جماعة. الحسن بن مسعود بن علي (٢) أبو علي الخُوارَزْمي. جدُّه وزير تاج الدولة تُتُش، وتوفي بمَرْو في المحرَّم، ومن شعره: [من الطويل] أَخِلايَ إنْ أصبحتُمُ في دياركمْ … فإنِّي بمرو الشَّاهجان غريبُ أموتُ اشتياقًا ثم أحيا بذكركُمْ … وبين التَّراقي والفؤاد لهيبُ فما عَجَبٌ موتُ الغريبِ صَبابةً … ولكنْ بقاهُ في الحياةِ عجيبُ (٣) أحمد بن محمد بن الحسين (٤) أبو بكر الأرَّجاني، قاضي تُسْتَر، وأَرَّجان بَلَدُه، منها سافر إلى العراق والشَّام ومِصر، وسمع الحديث، وتفقَّه بالنظامية، ومدح المُسْتظهر.

стр. 9837

وكان شاعرًا فصيحًا بليغًا مفوَّهًا، له المعاني الفائقة، والألفاظ الرَّائقة، وكانت وفاته بتُسْتر، فمن شعره: [من الطويل] ولمَّا بلوتُ النَّاسَ أَطْلُبُ منهُمُ … أخا ثِقَةٍ عند اعتراضِ الشَّدائِدِ تحيَّرْتُ في حالي رخاءً وشِدَّةً … وناديتُ في الأَعداء: هل مِنْ مُساعِدِ فلم أَرَ فيما ساءَني غيرَ شامتٍ … ولم أَرَ فيما سَرَّني غير حَاسدِ تَمَتَّعْتُما يا ناظريَّ بنظرةٍ … وأَوْرَدْتُما قلبي أَمرَّ الموارِدِ أَعَينَيَّ كُفَّا عن فؤادي فإنَّه … من البغي سَعْيُ إثنين في قَتْلِ واحدِ (١) وقال أيضًا: [من الطويل] أراقِبُ من طَيفِ النُّخَيلَةِ مَوْعِدا … وهانَ عليها أَنْ أبيتَ مُسَهَّدا أبي اللَّيلُ إسعادي (٢) وقد طال جُنْحُهُ … فما هدأَتْ عَيني ولا طَيفُها اهتدى إذا رُمْتُمُ قَتْلي وأنتمْ أَحِبَّةٌ … فماذا الذي أخشى إذا كنتُمُ أعدا وأُضْمِرُ في الأَحْشاءِ منكم تحرُّقًا … وأُظْهِرُ للواشينَ عنكمْ تجلُّدا وأمنعُ عيني اليومَ أَنْ تُكْثِرَ البكا … لِتَسْلَمَ لي حتَّى أراكُمْ بها غدا (٣) وقال أيضًا: [من الطويل] إذا أنتَ سُدْتَ النَّاس في ظِلِّ دولةٍ … وأَوْرَقَ منها بالمُنى لك عُوْدُ فَبِتْ ساهرًا واملأْ عيونَهُمُ كَرى … إذا شِئْتَ أَنْ تحيا وأنتَ حميدُ وما المالُ إلّا للمعالي ذريعةٌ … ولا الذِّكْرُ إلَّا للكرامِ خُلُودُ عُلاكَ سوارٌ والممالكُ مِعْصَمٌ … وجُودُك طَوقٌ والبَرِيَّةُ جِيدُ بقيتَ ولا أبقي الرَّدى لكَ حاسدًا … فإنَّكَ في هذا الزَّمانِ فريدُ (٤)

стр. 9838

وقال يذُمّ مِصر: [من الوافر] تَرَكْنا أَرْضَ مِصرَ لكلِّ فَدْمٍ (١) … له باعٌ يُقَصِّرُ عن ذِراعِ نفوسٌ لا تليقُ بها المعالي … وأخلاق تضيق عن المساعي إذا غَلِطُوا بإحسانٍ تَلَتْهُ … عِدادٌ من إساءاتٍ تِباعِ أقمتُ بها ومن نَكَدِ الليالي … مقام الأُسْدِ في كَنَفِ الضِّباعِ وكم خَلَّفْتُ من كَرَمٍ مُهانٍ … بعَرْصتها ومن لُؤمٍ مُطاعِ ومن مالٍ مَصُونِ العِرْض تحمى … جوانِبُهُ ومن عِرْضٍ مُضَاعِ وأَجسامٍ مُسَمَّنةٍ شِباعٍ … وأعراضٍ مضمَّرةٍ جياعِ ونَقْصٍ في أكابرها خصِيصٍ … وجَهْل في أصاغرها مُشاعِ أإنْ بانَتْ سرائِرُكُمْ وكانت … مساويكم تقامُ على بِقاع جعلْتُمْ ديننا أَنَّا سَمِعْنا … وما الأذنان إلا للسَّماعِ (٢) وقال: [من الطويل] أقولُ لظبيٍّ مرَّ بي وهو راتِعٌ … أأنتَ أخو ليلى فقال يُقالُ فقلتُ يُقال المُسْتقِلُّ من الهوى … إذا مَسَّه ضُرٌّ فقال يُقالُ (٣) وقال أيضًا من شعره: [من البسيط] حيثُ انتهَيت من الهِجْران بي فَقِفِ … ومن وراءِ دمي بِيضُ الظُّبى فخَفِ يا عابثًا بعِداتِ الوَصلِ يُخْلِفُها … حتى إذا جاء ميعادُ الفِراقِ يفي يستوصفونَ لساني عن محبَّتهم … وأنتَ أصدقُ يا دمعي لهم فَصِفِ ليست دموعي لنارِ الشَّوقِ مُطْفِئَةً … وكيف، والماءُ باب والحريقُ خفي لم أَنس يومَ رحيلِ الحيِّ موقِفَنا … والعيسُ تَطْلُعُ أُولاها على شَرَفِ والعَينُ من لَفْتة الغَيران ما لحِظَتْ … والدَّمْعُ من رِقْبة الواشينَ لم يَكِفِ وفي الحُدوجِ الغواني كلُّ آنسةٍ … إنْ ينكشفْ سِجْفُها للشَّمْسِ تنكسِفِ

стр. 9839

في ذِمَّةِ اللهِ ذاكَ الرَّكْبُ إنَّهُمُ … ساروا وفيهم حياةُ المُغْرمِ الدَّنِفِ فإنْ أعِشْ بعدهُمْ فَرْدًا فيا حَزَني … وإنْ أَمُتْ هكذا شَوقًا فيا أَسَفي (١) وقال أيضًا: [من البسيط] هُمْ نازلون بقلبي أيَّةً سلكوا … لو أَنَّهمْ رفَقُوا يومًا بما ملكوا ساقوا فؤادي وأبقَوْا في الحشا حُرَقًا … لله ما أخذوا (٢) مني وما تركوا إذا الصَّبا سَحَبَتْ أذيالها سَحَرًا … حَسِبْتَ مِسْكًا على الآفاق يَنْفَرِكُ قد أَشْعَلَ الشَّيْبُ رأسي للبلا عَجِلًا … والشَّمْعُ عند اشتعالِ الرأس ينسبكُ فإنْ يكنْ راعها مِنْ لونه يَقَقٌ (٣) … فطالما راقها مِنْ قَبْلها حَلَكُ حتى متى وإلي كَمْ يا زمانُ أرى … منك الخطوبَ بجَنْبي وهي تَنْعَرِكُ أبعدَ عَدْلِ نظامِ المُلْك تحمِلُ لي … ذَحْلًا وخَلْفَك منه ثائِرٌ مَحِكُ ثم خاطب أعداءه، فقال: يا مُتْعِبًا نَفْسَه في أَنْ يُساجِلَهُ … أين السِّماكُ إذا قايستَ والسَّمَكُ دَعُوا الوِزَارة عنكُمْ تربحوا نَصَبًا … فالحَبلُ في الدُّرِّ مما ليس ينسلكُ ورثْتُمُ يا بني إسحاق مَنْصِبَها … فما لغيركُمُ في إرْثكُمْ شَرَكُ أنتمْ فرازين هذا الدَّسْتِ نعلمكُمْ … وهمْ بياذقُه إنْ صُفَّ مُعْتَرَكُ فما تَفَرْزَنَ منهمْ بيذقٌ أبدًا … إلا غدا رَأسُه في التُّرْبِ يَنْمَعِكُ في دَسْته قمرٌ في دِرْعِهِ أَسَدٌ … في حَفْله (٤) مَلِكٌ في سرِّه مَلَكُ إذا عَدَدْنا سِنيه فَهْو مُقْتبِلٌ … وإن ذكرنا حِجاه فهو مُحْتَنِكٌ اليوم عاشَ نظامُ المُلْكِ ثانية … وكم معاشِرَ عاشوا بعدما هلكوا (٥)

стр. 9840

وقال أيضًا من شعره: [من الوافر] جَعَلْتُ طليعتي طَرْفي سَفاها … فدلَّ على مقاتليَ الخفايا وهل يُحمى حريمٌ من عدوٍّ … إذا ما الجيشُ خانته الرَّبايا (١) ولي نَفَسٌ إذا ما اشتدَّ شوقًا … أطار القَلْبَ من حُرَقٍ شظايا ودَمْعٌ يَنْصُر الواشينَ ظُلْمًا … فَيُظْهِر من سرائريَ الخبايا ومُحْتَكِمٍ على العُشَّاقِ جُوْرًا … وأين من الدُّمى عَدْلُ القضايا يُريكَ بوَجْنَتَيه الوَرْدَ غَضًّا … ونورَ الأُقحوانِ من الثَّنايا تأمَّلْ منه تحت الصُّدْغ خالًا … لتعلمَ كَمْ خبايا في الزَّوايا خَطَبْتُ نواله الممنوعَ حتَّى … أَثرتُ به على نَفْسي البلايا فأَرَّقَ مُقْلتي شَوقًا ووَجْدًا … وأقلق مُهْجَتي هَجْرًا ونايا (٢) وهذه الأبيات وازن بها أبيات أبزون العماني (٣): نقود وعُودِها صارت نسايا … وعاد نَوَالها الميسور وايا إذا أَنْشَدْتُ في التَّعريضِ بَيتًا … تلتْ من سورةِ الإعراض آيا وَرُبَّ قطيعةٍ جَلَبَتْ وِصالًا … وكَمْ في الحبِّ من نُكَتٍ خفايا (٤) شكَتْ وجَدًا إليَّ فآنستْني … وبعضُ الأُنْسِ في بعضِ الشَّكايا فلا ملَّتْ معاتبتي فإنِّي … أَعُدُّ عِتابَها بعضَ العطايا وليلةَ أَقْبَلَتْ في القَصر سَكْرى … تهادَى بين أَتْراب حظايا ثَنَينا السُّوءَ عن ذاك التَّثَنِّي … وأَثْنينا على تلك الثَّنايا كأنَّ خدودَها أوراقُ نَدٍّ … عليها من ندى طَلٍّ بقايا وما خُلِقَتْ عيون العِين أنَّى … نَظَرْتَ سوى ذهاب للبرايا فمنها ما يتيحُ لكَ الأماني … ومنها ما يبيحُ لك المنايا
следующие страницы →