← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

فصل وفيها توفي أحمد بن الحسن بن علي (١) ابن إسحاق، أبو نَصر بن نظام المُلْك. وَزَرَ للمسترشد، ثم عُزِلَ على أحسن الوجوه، ووزر للسُّلْطان محمد شاه، وتقلَّبت به الأحوالُ والدُّول، فرأى لزوم منزله، فلزمه إلى أن مات في ذي الحِجَّة ببغداد، وكان فاضلًا عاقلًا، سمِعَ الحديث من جماعة. الحسن بن مسعود بن علي (٢) أبو علي الخُوارَزْمي. جدُّه وزير تاج الدولة تُتُش، وتوفي بمَرْو في المحرَّم، ومن شعره: [من الطويل] أَخِلايَ إنْ أصبحتُمُ في دياركمْ … فإنِّي بمرو الشَّاهجان غريبُ أموتُ اشتياقًا ثم أحيا بذكركُمْ … وبين التَّراقي والفؤاد لهيبُ فما عَجَبٌ موتُ الغريبِ صَبابةً … ولكنْ بقاهُ في الحياةِ عجيبُ (٣) أحمد بن محمد بن الحسين (٤) أبو بكر الأرَّجاني، قاضي تُسْتَر، وأَرَّجان بَلَدُه، منها سافر إلى العراق والشَّام ومِصر، وسمع الحديث، وتفقَّه بالنظامية، ومدح المُسْتظهر.

стр. 9837

وكان شاعرًا فصيحًا بليغًا مفوَّهًا، له المعاني الفائقة، والألفاظ الرَّائقة، وكانت وفاته بتُسْتر، فمن شعره: [من الطويل] ولمَّا بلوتُ النَّاسَ أَطْلُبُ منهُمُ … أخا ثِقَةٍ عند اعتراضِ الشَّدائِدِ تحيَّرْتُ في حالي رخاءً وشِدَّةً … وناديتُ في الأَعداء: هل مِنْ مُساعِدِ فلم أَرَ فيما ساءَني غيرَ شامتٍ … ولم أَرَ فيما سَرَّني غير حَاسدِ تَمَتَّعْتُما يا ناظريَّ بنظرةٍ … وأَوْرَدْتُما قلبي أَمرَّ الموارِدِ أَعَينَيَّ كُفَّا عن فؤادي فإنَّه … من البغي سَعْيُ إثنين في قَتْلِ واحدِ (١) وقال أيضًا: [من الطويل] أراقِبُ من طَيفِ النُّخَيلَةِ مَوْعِدا … وهانَ عليها أَنْ أبيتَ مُسَهَّدا أبي اللَّيلُ إسعادي (٢) وقد طال جُنْحُهُ … فما هدأَتْ عَيني ولا طَيفُها اهتدى إذا رُمْتُمُ قَتْلي وأنتمْ أَحِبَّةٌ … فماذا الذي أخشى إذا كنتُمُ أعدا وأُضْمِرُ في الأَحْشاءِ منكم تحرُّقًا … وأُظْهِرُ للواشينَ عنكمْ تجلُّدا وأمنعُ عيني اليومَ أَنْ تُكْثِرَ البكا … لِتَسْلَمَ لي حتَّى أراكُمْ بها غدا (٣) وقال أيضًا: [من الطويل] إذا أنتَ سُدْتَ النَّاس في ظِلِّ دولةٍ … وأَوْرَقَ منها بالمُنى لك عُوْدُ فَبِتْ ساهرًا واملأْ عيونَهُمُ كَرى … إذا شِئْتَ أَنْ تحيا وأنتَ حميدُ وما المالُ إلّا للمعالي ذريعةٌ … ولا الذِّكْرُ إلَّا للكرامِ خُلُودُ عُلاكَ سوارٌ والممالكُ مِعْصَمٌ … وجُودُك طَوقٌ والبَرِيَّةُ جِيدُ بقيتَ ولا أبقي الرَّدى لكَ حاسدًا … فإنَّكَ في هذا الزَّمانِ فريدُ (٤)

стр. 9838

وقال يذُمّ مِصر: [من الوافر] تَرَكْنا أَرْضَ مِصرَ لكلِّ فَدْمٍ (١) … له باعٌ يُقَصِّرُ عن ذِراعِ نفوسٌ لا تليقُ بها المعالي … وأخلاق تضيق عن المساعي إذا غَلِطُوا بإحسانٍ تَلَتْهُ … عِدادٌ من إساءاتٍ تِباعِ أقمتُ بها ومن نَكَدِ الليالي … مقام الأُسْدِ في كَنَفِ الضِّباعِ وكم خَلَّفْتُ من كَرَمٍ مُهانٍ … بعَرْصتها ومن لُؤمٍ مُطاعِ ومن مالٍ مَصُونِ العِرْض تحمى … جوانِبُهُ ومن عِرْضٍ مُضَاعِ وأَجسامٍ مُسَمَّنةٍ شِباعٍ … وأعراضٍ مضمَّرةٍ جياعِ ونَقْصٍ في أكابرها خصِيصٍ … وجَهْل في أصاغرها مُشاعِ أإنْ بانَتْ سرائِرُكُمْ وكانت … مساويكم تقامُ على بِقاع جعلْتُمْ ديننا أَنَّا سَمِعْنا … وما الأذنان إلا للسَّماعِ (٢) وقال: [من الطويل] أقولُ لظبيٍّ مرَّ بي وهو راتِعٌ … أأنتَ أخو ليلى فقال يُقالُ فقلتُ يُقال المُسْتقِلُّ من الهوى … إذا مَسَّه ضُرٌّ فقال يُقالُ (٣) وقال أيضًا من شعره: [من البسيط] حيثُ انتهَيت من الهِجْران بي فَقِفِ … ومن وراءِ دمي بِيضُ الظُّبى فخَفِ يا عابثًا بعِداتِ الوَصلِ يُخْلِفُها … حتى إذا جاء ميعادُ الفِراقِ يفي يستوصفونَ لساني عن محبَّتهم … وأنتَ أصدقُ يا دمعي لهم فَصِفِ ليست دموعي لنارِ الشَّوقِ مُطْفِئَةً … وكيف، والماءُ باب والحريقُ خفي لم أَنس يومَ رحيلِ الحيِّ موقِفَنا … والعيسُ تَطْلُعُ أُولاها على شَرَفِ والعَينُ من لَفْتة الغَيران ما لحِظَتْ … والدَّمْعُ من رِقْبة الواشينَ لم يَكِفِ وفي الحُدوجِ الغواني كلُّ آنسةٍ … إنْ ينكشفْ سِجْفُها للشَّمْسِ تنكسِفِ

стр. 9839

في ذِمَّةِ اللهِ ذاكَ الرَّكْبُ إنَّهُمُ … ساروا وفيهم حياةُ المُغْرمِ الدَّنِفِ فإنْ أعِشْ بعدهُمْ فَرْدًا فيا حَزَني … وإنْ أَمُتْ هكذا شَوقًا فيا أَسَفي (١) وقال أيضًا: [من البسيط] هُمْ نازلون بقلبي أيَّةً سلكوا … لو أَنَّهمْ رفَقُوا يومًا بما ملكوا ساقوا فؤادي وأبقَوْا في الحشا حُرَقًا … لله ما أخذوا (٢) مني وما تركوا إذا الصَّبا سَحَبَتْ أذيالها سَحَرًا … حَسِبْتَ مِسْكًا على الآفاق يَنْفَرِكُ قد أَشْعَلَ الشَّيْبُ رأسي للبلا عَجِلًا … والشَّمْعُ عند اشتعالِ الرأس ينسبكُ فإنْ يكنْ راعها مِنْ لونه يَقَقٌ (٣) … فطالما راقها مِنْ قَبْلها حَلَكُ حتى متى وإلي كَمْ يا زمانُ أرى … منك الخطوبَ بجَنْبي وهي تَنْعَرِكُ أبعدَ عَدْلِ نظامِ المُلْك تحمِلُ لي … ذَحْلًا وخَلْفَك منه ثائِرٌ مَحِكُ ثم خاطب أعداءه، فقال: يا مُتْعِبًا نَفْسَه في أَنْ يُساجِلَهُ … أين السِّماكُ إذا قايستَ والسَّمَكُ دَعُوا الوِزَارة عنكُمْ تربحوا نَصَبًا … فالحَبلُ في الدُّرِّ مما ليس ينسلكُ ورثْتُمُ يا بني إسحاق مَنْصِبَها … فما لغيركُمُ في إرْثكُمْ شَرَكُ أنتمْ فرازين هذا الدَّسْتِ نعلمكُمْ … وهمْ بياذقُه إنْ صُفَّ مُعْتَرَكُ فما تَفَرْزَنَ منهمْ بيذقٌ أبدًا … إلا غدا رَأسُه في التُّرْبِ يَنْمَعِكُ في دَسْته قمرٌ في دِرْعِهِ أَسَدٌ … في حَفْله (٤) مَلِكٌ في سرِّه مَلَكُ إذا عَدَدْنا سِنيه فَهْو مُقْتبِلٌ … وإن ذكرنا حِجاه فهو مُحْتَنِكٌ اليوم عاشَ نظامُ المُلْكِ ثانية … وكم معاشِرَ عاشوا بعدما هلكوا (٥)

стр. 9840

وقال أيضًا من شعره: [من الوافر] جَعَلْتُ طليعتي طَرْفي سَفاها … فدلَّ على مقاتليَ الخفايا وهل يُحمى حريمٌ من عدوٍّ … إذا ما الجيشُ خانته الرَّبايا (١) ولي نَفَسٌ إذا ما اشتدَّ شوقًا … أطار القَلْبَ من حُرَقٍ شظايا ودَمْعٌ يَنْصُر الواشينَ ظُلْمًا … فَيُظْهِر من سرائريَ الخبايا ومُحْتَكِمٍ على العُشَّاقِ جُوْرًا … وأين من الدُّمى عَدْلُ القضايا يُريكَ بوَجْنَتَيه الوَرْدَ غَضًّا … ونورَ الأُقحوانِ من الثَّنايا تأمَّلْ منه تحت الصُّدْغ خالًا … لتعلمَ كَمْ خبايا في الزَّوايا خَطَبْتُ نواله الممنوعَ حتَّى … أَثرتُ به على نَفْسي البلايا فأَرَّقَ مُقْلتي شَوقًا ووَجْدًا … وأقلق مُهْجَتي هَجْرًا ونايا (٢) وهذه الأبيات وازن بها أبيات أبزون العماني (٣): نقود وعُودِها صارت نسايا … وعاد نَوَالها الميسور وايا إذا أَنْشَدْتُ في التَّعريضِ بَيتًا … تلتْ من سورةِ الإعراض آيا وَرُبَّ قطيعةٍ جَلَبَتْ وِصالًا … وكَمْ في الحبِّ من نُكَتٍ خفايا (٤) شكَتْ وجَدًا إليَّ فآنستْني … وبعضُ الأُنْسِ في بعضِ الشَّكايا فلا ملَّتْ معاتبتي فإنِّي … أَعُدُّ عِتابَها بعضَ العطايا وليلةَ أَقْبَلَتْ في القَصر سَكْرى … تهادَى بين أَتْراب حظايا ثَنَينا السُّوءَ عن ذاك التَّثَنِّي … وأَثْنينا على تلك الثَّنايا كأنَّ خدودَها أوراقُ نَدٍّ … عليها من ندى طَلٍّ بقايا وما خُلِقَتْ عيون العِين أنَّى … نَظَرْتَ سوى ذهاب للبرايا فمنها ما يتيحُ لكَ الأماني … ومنها ما يبيحُ لك المنايا

стр. 9841

وقال الأَرَّجاني: [من البسيط] بعد الصَّباحِ الذي فارقتكُمْ فيه … لم أَلْقَ للدَّهْرِ صُبْحًا في لياليهِ قد كان أوَّلَ صُبْحٍ بعد عَهْدِكُمُ … مضى ولم تكتحِلْ عيني بثانيه فالدَّهْرُ بعدكُمُ ليلٌ ألابِسُهُ … والعَيشُ دونكُمُ هَمُّ أقاسيه قد كِدْتُ أختِمُ طَرْفي وَحْشَةً لكُمُ … عن كلِّ خَلْقٍ من الدُّنيا أُلاقيه قد صَوَّر الوَهْمُ (١) في عيني مثالكُمُ … من طُوْلِ ما أنا بالذِّكْرى أُراعيه فكلُّ ناظرِ إنسانٍ أُقابِلُهُ … أرى خيالكُمُ من ناظري فيه يلومني في هوى الأَحبابِ كلُّ فتى … سَهْمُ الصَّبابةِ يرميني ويُصميه (٢) يَعيبني في الهوى بَغْيًا ويَعْذُلني … وإنَّما يبتليني من يُعافيه أقِلَّ من عَذَلٍ تَلْقَى المشوقَ به … فقَلْبُهُ بسهام اللَّوْم تَرْميه دَعْ عنك قلبي فإنَّ الحُبَّ آمِرهُ … أضعافَ ما أنت بالتثريب (٣) ناهيه (٤) أُنَر بنُ عبد الله معين الدِّين (٥) مملوك أتابك طُغْتِكِين، والي دمشق، وصاحبُ أمرها نيابةً عن أولاد طُغْتِكِين. كان صالحًا، عادلًا، مُحْسنًا، كافًّا للظُّلْم، مجتنبًا للمآثم، محبًّا للعلماء والفقراء، أوقف أوقافًا كثيرة على أبواب البِرِّ، وبذل مجهودَه في حِفْظ بيت سَيِّده طُغْتِكِين، ولما

стр. 9842

ماتَ في ثالث عشر (١) ربيع الآخر شَرَع الأمير (٢) مجيرِ الدِّين أبق في الانحلال، [وآل أمره إلى الاضمحلالِ] (٣). قال أبو يعلى بن القلانسي: كان معين الدين بحوران في عساكر دمشق مقابل الفرنج يحفظُ البلادَ من غاراتهم، فَمَرِضَ بدوز نطاريا، وضَعُفَتْ قوَّته، وهو مع هذا يركب كلَّ يومٍ في العساكر يُرْعِبُ العدوَّ، فخِيف عليه، فَحُمِلَ في مِحَفَّةٍ إلى دمشق، فزاد به المرض، فتوفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودُفِنَ في إيوان الدَّار التي كان يسكنها، ثم نُقِلَ إلى المدرسة التي عَمَرَها. ولمَّا فُرغَ من دَفْنه اجتمع حسام الدِّين بُلاق ومؤّيَد الدِّين الرَّئيس ومجاهد الدِّين بُزَان وأعيان الأجناد عند مجير الدِّين، واتَّفقوا على إصلاح الأحوال. ونادى مجير الدِّين بإبطال المكوس وما يضرُّ الرَّعية، ثم استوحش مؤيَّد الدِّين بنُ الصُّوفي من مجير الدِّين، فجمع الغوغاء والأحداث، وأعطاهم السِّلاح، ورتَّبهم حول داره ودارِ أخيه زين الدَّوْلة حيدرة للاحتماء بهم، وذلك في شهر رجب، فراسلهما مجير الدِّين بما طيَّبَ قلوبهما، فما التفتا، وقصدا باب الحَبْس وكسراه، وأطلقا مَنْ كان فيه، واستنفرا العوام من أهل الشَّاغور وقَصر حَجَّاج وباب شَرْقي (٤)، فَعَزَمَ مجيرُ الدِّين على تفرقة السِّلاح في العساكر والخروج من القلعة لقتالهم، فأشار جماعةٌ بالتَّأني، وقالوا: نخافُ على البلد من النَّهْب والحريق. ووقعتِ المراسلاتُ، فاتفق الحالُ على أن يكون الرَّئيس مؤيَّد الدِّين ملازمًا لداره، وأن يكون ولدُه وولدُ أخيه في الخِدْمة، فأقام، ثم أثار الفِتْنة، وجَمَعَ العوام والفلاحين، وزحفوا إلى القلعة، واقتتلوا إلى أن تقرَّر أنَّ مجير الدين يُبْعِدُ عنه من كره الرئيس مؤيد الدِّين، وعاد الرَّئيس إلى وزارته على حاله.

стр. 9843

وأُطْلِقَ أيدي النَّهَّابة في نَهْبِ دور السلَّارية (١)، ثم سكنتِ الفتنة، واتَّفق الأمر أنَّ الرئيس لا يشاركه في التَّدْبير والوزارة أحد. ولما تقرَّر أمر دمشق كَتَبَ نورُ الدِّين إلى مجير الدين يَطْلُبُ منه ألفَ فارس تَصِلُ إليه مع مقدَّمٍ يُعَوَّلُ عليه لجهاد الفرنج، وأنَّه عازِمٌ على قصدهم. فغالطوه، وعَلِمَ قَصدَهم، فسار حتى نزل بمَرْج يَبُوس وبعض عساكره بيعفور، فراسل مجيرُ الدِّين الفرنج، واتَّفق معهم على نور الدِّين، وكانوا على عَسْقلان ويَعْمُرون غَزَّة، فجاؤوا إلى بانياس، وعَرَفَ نورُ الدِّين خبرهم، فلم يَحفِلْ بهم، ولا انثنى عن جهادهم، وهو محسن إلى الرَّعايا، كافٌّ الجُنْدَ عن أذى الفلاحين، والدُّعاءُ له كثير، وكان الغيثُ قد مُنِعَ، فجاء سَيلٌ عظيم ورويت البلاد، فقالوا: هذا ببركة حلول رِكاب نور الدين. ثُمَّ سار من يعفور، فنزل جسر الخشب (٢) في ذي الحِجَّة، وراسل مجيرَ الدِّين والرئيس يقول: ما قصدتُ بنزولِ هذا المنزل محاربتكم، ولا أنا طامعٌ في بلادكم، وإنما بلغني فعلُ الفرنج والعرب بأهل حوران من السَّبْي والقَتْلِ والنَّهْب وذَبْحِ الأطفال مع عدم النَّاصر لهم، وأنتم فلا دينَ لكم ولا مروءة، وقد واطأتم الفرنج عليَّ، وقد أوجب الله عليَّ وعليكم وعلى النَّاس كافَّة جهادَ الكُفَّار، فلا عُذْرَ لي عند الله تعالى، فإنَّ عندي المال والرجال، وأنتم فعاجزون عن الذَّبِّ عن المُسلمين، وما الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالفرنج لمحاربتي، وبذلتم لهم أموال الضُّعفاء والمساكين من الرَّعية ظُلْما وعُدْوانًا، وهذا ما يرضي الله ولا المسلمين. فكان الجواب: ما لكَ عندنا سوى السَّيف، وإنْ نازلتنا استدعينا الفرنج لدفعك عنا. فلما جاءته هذه الرِّسالة عَزَمَ على الزَّحْفِ إلى دمشق، ثم فكَّرَ في العاقبة، وحَقَنَ دماء المسلمين، وأرسل الله أمطارًا كثيرة، فأقامت أيامًا، فتأخَّر عنها (٣).

стр. 9844

سُلْطان بن علي بن مُقَلَّد (١) ابن نَصر بن مُنْقِذ، أبو العساكر، صاحب شَيزر. ولد بطرابُلُس سنة أربعٍ وستين وأربع مئة، سمع من إبراهيم الحنفي (٢) "صحيح البخاري" بشَيزر، وولي إمرتها بعد أخيه نَصر بن علي (٣)، وكان فاضلًا، وله أشعار كثيرة، فمن شعره يوصي بنيه: [من الكامل] أُوصِيكُمُ بتُقَى الذي أعطاكُمُ … مُلْكًا تَذِلُّ له الملوكُ وتَخْضَعُ وبِحفْظِ بعضِكُمُ لبعضٍ ما غدا … نجمٌ يغورُ بأفْقِهِ أَوْ يَطْلُعُ لا تُشْمِتُوا بكُمُ الوشاةَ وحاذِروا … أقوالهمْ فَهْيَ السِّمامُ النُقَّعُ (٤) ما قَطَّعَ الأرحامَ جاهلُكُمْ بما … أبداه بل كَبِدِي بذاك يُقَطِّعُ وإذا يَئِسْتُ من الصَّلاح لفِعْلِكُمْ … أَمَّلْتُ (٥) أَصلَكُمُ الزَّكيَّ فأَطْمَعُ فأبوكُمُ مَنْ ليس يُنْكَرُ أَنَّه النَّـ … ــدبُ الكَمِيُّ الأَلْمعيُّ الأَرْوَعُ (٦) ذادَ الجيوشَ برأيه وبسَيفه … عن شَيْزَرٍ فتفرَّقوا وتصدَّعوا (٧) وكانت وفاته بشيزر، وقيل: مات سنة ثلاثٍ وأربعين (٨).

стр. 9845

عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم (١) ابن المستنصر، أبو الميمون. الحافظ صاحب مِصر، ولم يكن في المصريين من أبوه غير خليفة سواه والعاضد. ولي الحافظ سنة سبع (٢) وعشرين وخمس مئة، وكانت وفاته ليلة الأحد خامس جمادى الآخرة، فكانت أيامه تسع عشرة سنة وشهورًا وأيامًا، وكانت وفاتُهُ بمرض الكبد. وكان قد اخترع ألقابًا يُخْطَبُ له بها على المنابر، فكان الخطيبُ يقول: وأَصلِحْ من شَيَّدْتَ به الدِّين بعد دُثُوره، وأَعْزَزْتَ به الإسلامَ بأَنْ جعلته سببًا لظُهوره، مولانا وسيدَنا إمامَ العصر والزَّمان أبا الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله، صلى الله عليه وعلى آبائه الطَّاهرين، حُجَج الله على العالمين. وسببُ هذا أَنَّه لما استولى عليه أبو علي أحمد بنُ الأفضل أميرُ الجيوش أسقط اسمَه من المنابر، وخطب للمنتظر المهدي، وأسقط من الآذان "حيَّ على خير العمل"، ودعا إلى نفسه على المنابر: بناصر إمام الحق، هادي العُصاة إلى اتِّباع الحق، مولى الأُمم (٣)، ومالك فضيلتي السَّيف والقلم. ولم يزل كذلك حتى قُتِلَ ابنُ أميرِ الجيوش، فجدَّد الحافظ هذه الألقاب. ووزَرَ له جماعةٌ فأساؤوا التَّدْبير، منهم: يانس أبو الفتح أمير الجيوش ومات، فوزر له ابنُه حسن، ثم وَزَرَ له بَهْرام النَّصراني (٤)، ثم تولى الحافظ الأمور بنفسه إلى أَنْ مات.

стр. 9846

ثم ولي بعده ولده أبو المنصور يوسف بن عبد المجيد، ولُقب بالظَّافر بالله، وأُمُّه أم ولد تدعى ست الوفاء، ولد في ذي الحِجَّة، وقيل في المحرَّم سنة سبع وعشرين [وخمس مئة] (١)، وقُتلَ ليلةَ الخميس سَلْخ المحرَّم سنة تسع وأربعين، فكانت أيامُه أربعَ سنين وثمانية أشهر، وعمره ثماني عشرة سنة (٢)، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى (٣). وقال ابنُ القلانسي: وفي سنة أربع وأربعين وَرَدَ الخبر مِنْ مِصر بوفاة الحافظ بأمر الله في الخامس من جُمادى الآخرة، وولي من بعده ولده الأصغر أبو منصور إسماعيل ولقب بالظَّافر بالله -والمشهور يوسف (٤) - وولي الوزارة أمير الجيوش أبو الفَتْح بن مَصَال المَغْربي، فأحسنَ السِّيرة وأَجْملَ السِّياسة، فاستقامتِ الأحوال، ثم حَدَثَ بعد ذلك من اضطراب الأمور، والخُلْف بين السُّودان والعساكر بحيثُ قُتِلَ من الفريقين العدد الكثير، وسكنَت الفِتْنة (٥). عثمان بن محمد بن أحمد الرويدشتي (٦) من شعره: [من السريع] والشَّيبُ لا تدفعُهُ حِيلَةٌ … كالظلّ إنْ جانَبْتَهُ يَتْبَعِ وطولُ عُمْرِ المَرْءِ أَدَّى إلى … ما يُبْتلى بالحادثِ المُفْظِعِ (٧) لو أَنَّ عَيشي يُشْترى بعتُهُ … لأَنَّه ضَرَّ ولم يَنْفَعِ

стр. 9847

عياض بن موسى بن عياض (١) أبو الفَضْل المَغْربي، قاضي سَبْتة، كان كبير الشان، غزير البيان (٢)، وله التَّصانيف الفاخرة، منها كتاب "الشِّفا بفضائل المصطفى" (٣) وغيره، وكانت وفاته بسَبْتة (٤)، وقيل: مات سنة ثلاث وأربعين، ومن شعره: [من السريع] انظرْ إلى الزَّرْعِ وخاماتِهِ (٥) … تحكي وقد هَبَّتْ عليها الرِّياحْ كتيبةً خضراءَ مهزومةً … شقائقُ النُّعمان فيها جِراحْ (٦) وقال عليُّ بنُ هارون (٧) يمدحه: [من الكامل] ظلموا عِياضًا وهو يحكُمُ عندهم (٨) … والظُّلْم بين العالمينَ قديمُ جعلوا مكانَ الرَّاءِ عَينًا في اسْمِهِ … كي يكتموه وإنَّه مَعْلُومُ لولاه ما فاحتْ أباطحُ سَبْتَةٍ … والرَّوْضُ بين فِنائها مَعدُومُ (٩)

стр. 9848

عيسى بن هبة الله بن عيسى (١) أبو عبد الله البغدادي. ولد سنة سبع وخمسين وأربع مئة، وكان لطيفًا ظريفًا. قال الشيخ أبو الفرج: كان يحضرُ مجلسي، فانقطع، فكتبتُ إليه رقعةً فيها نوعُ احترامٍ، فكتبَ إليَّ: [من مخلع البسيط] قد زِدْتني في الخِطابِ حتى … خشيتُ نَقْصًا من الزِّيادَهْ فاجْعَلْ خِطابي خطابَ مِثْلي … ولا تُغيِّرْ عليَّ عادَهْ (٢) وقال: [من المتقارب] إذا وَجَد الشيخُ في نَفْسِهِ … نشاطًا فذلكَ موتٌ خفي ألستَ ترى أنَّ ضوءَ السِّراجِ … لهُ لَهَبٌ قَبْلَ أَنْ يَنْطَفي (٣) وقال: [من الكامل] يا من تبدَّلَ بي وأَمْكَنَهُ … ما لي وحَقِّكَ عنكَ مِنْ بَدَلِ إن كنتَ حُلْتَ فإنَّني رَجُلٌ … عن عَهْدِ ودِّكَ قَطُّ لم أَحُلِ لَهْفي على طَمَعٍ أُصِبْتُ به … في عُنْفُوانِ شبيبةِ الأَملِ (٤) وكانت وفاته في جُمادى الأولى، ودفن بباب حَرْب، وكان من محاسن الزَّمان، خفيفَ الرُّوح، كثيرَ النَّوادر، رقيقَ الشِّعْر، عاشَرَ النَّاسَ، وتخلَّق بأخلاقِ الكرام. غازي بن زَنْكي بن آق سُنْقُر (٥) سيف الدين صاحب المَوْصل، [أخو نور الدين، وكان] (٦) أكبر أولاد زَنْكي.

стр. 9849

لما عاد من الشَّام نزل على دارا فملكها، وحاصر مارِدِين، وفيها حسام الدين تمرتاش، فراسله واصطلحا، وزوَّجه ابنته الخاتون بنت تمرتاش، وعاد إلى الموصل مريضًا بعِلَّة القولنج، وكان يعتريه كثيرًا، وحُمِلَتْ إليه الخاتون وقد اشتدَّ مرضه، فمات سَلْخ جُمادى الآخرة، ولم يدخل بها، وعاش أربعًا وخمسين سنة [لأنه ولد سنة تسعين وأربع مئة] (١)، وقيل: [عاش] (١) أربعًا وأربعين سنة [وأنه ولد سنة خمس مئةٍ] (١) وأقام واليًا ثلاث سنين وشهورًا. وكان شجاعًا جَوَادًا، حازمًا، حَسَنَ السِّيرة والعِشْرة والصُّورة، وهو أوَّلُ من حُمِلَ السَّنْجق (٢) على رأسه من الأتابكية، ولم يحمله أحدٌ قبله لأجل [السلاطين] (١) السلجوقية، وآثاره بالمَوْصل باقية، منها مدرسة الأتابكية، وَقَفَها على الحنفية والشَّافعية، ودفن بها [والرِّباط للصُّوفية، ووقف الوقوف] (١) ومدحه الحَيص بيص (٣)، وغيره. ولم يترك إلَّا ولدًا ذكرًا: فأخذه محمود أخوه، فربَّاه، وزوَّجه بابنة عَمِّه قُطْب الدِّين، فمات وهو شاب، وانقرضَ عقبه. ولما مات سيف الدين كان أخوه قطب الدين بالموصل، فاتَّفق جمالُ الدِّين الوزير وزين الدِّين عليّ على توليته؛ لأَنَّه كان ليِّنَ الجانب، حَسَنَ الأخلاق، حليمًا، كريمَ الطِّباع، فحلَّفوه وملّكوه، وتزوَّج خاتون بنت صاحب ماردين التي لم يدخل بها [أخوه] (١) سيفُ الدِّين، فأولاده الذين ملكوا المَوْصِل منها خاصة (٤)، وكانت [يحلُّ لها أن تضع] (٥) خمارها عند خمسة عشرة ملكًا من آبائها [وأجدادها] (١) وأخوتها [وبني أخوتها] (١) وأولادهم وأولادها، فقد ضاهت عاتكة بنت يزيد بن معاوية وفاطمة بنت عبد الملك [بن مروان، وقد ذكرناهما] (١)، وكذا في المتأخرات ربيعة خاتون بنت

стр. 9850

[أيوب] (١) أخت صلاح الدين [والعادل، وهي أعظم من غيرها في كثرة المحارم، وسنذكرها في سنة إحدى وأربعين وستِّ مئة] (١). ولما ملك قُطْب الدِّين المَوْصِل كان أخوه نور الدين بحلب، وكان عبد الملك بن المُقَدَّم في سِنْجار، ومعه ولده شمس الدِّين محمد، فكاتبه نور الدين وهو دُزْدار (٢) في سِنْجار، فأجابه محمد، وكان أبوه عبد الملك من أمراء الدَّولة، وقيل: إنَّ محمدًا كان بسنجار وعبد الملك بالمَوْصِل، فسار نور الدّين من حلب في سبعين فارسًا جريدةً، فسلَّم إليه محمدُ بنُ المقدَّم سنجار، وجاءته كُتُبُ الأمراء من المَوْصِل، وبلغ الخبر قطب الدين، فخرج من المَوْصل بالعساكر ومعه زين الدّين وجمالُ الدّين الوزير، فنزلوا تل أَعْفر (٣)، وراسلوا نورَ الدِّين ينكرون عليه، فقال: أنا أكبر الأولاد، وأحقُّ منكم بالبلاد، وما جئتُ حتى كاتبني أُمراؤكم يذكرون كراهتهم لكم، فخِفْتُ أن يحملهم بُغْضهم لكم على إخراج البلادِ من أيدينا، ولا أقاتلكم إلا بمن معكم، ولهذا جئتكم جريدةً وهربَ إليه أعيانُ العَسْكر، فقال لهم الوزير: يا قُطْبَ الدِّين ويا زين الدّين نحن نُظْهر للخليفة والسُّلْطان أننا تبَعٌ لنورِ الدِّين، ونورُ الدين يُظْهر للفرنج أنه تبعٌ لنا، ويهدِّدهم بنا، فإن كاشفناه، وظهر علينا طَمِعَ فينا الخليفةُ والسُّلْطان، وإن ظهرنا عليه طَمِعَ فيه الفرنج، ولنا بالشَّام حِمْص وهي بعيدةٌ عنا، ونحتاج إلى حِفْظها من العدو، والمصلحة أن نعطيه إياها ونأخذ منه سنجار، فقالا له: اخرجْ إليه ودبِّرْ معه هذا. فجاء الوزيرُ إلى نور الدِّين، وقرَّر معه الصُّلْح، فرضي وقال للوزير: أريد أن تكون عندي. فقال له: فيك من الكفاية والنَّهْضة ما لا تحتاج معه إلى وزير، وليس لك من الأعادي مثل ما لأخيك، فإنَّ أعداءه مسلمين، فيحتاج إلى من يقوم بأمره ويدفعهم، وأنتَ عدوك كافر، فالنَّاس يدفعونه دِيانةً، ومتى كنتُ عند أخيك فنفعه عائدٌ إليك. فجعل له نورُ الذين في كلِّ سنة إقطاعًا بعشرة آلاف دينار، وكان الوزير يشتري بها أسارى من المسلمين في كلِّ سنة، فَيُطْلقهم، ولا يأخذ منها شيئًا.

стр. 9851

وعاد نور الدين إلى الشَّام، وقطب الدين والوزير إلى المَوْصِل، واتَّحدتِ الكلمة. المحسن بن أحمد بن الحسين القائد (١) أبو العلاء الحِمْصي. ومن شعره: [من المتقارب] دعا مُهْجتي رَهْنَ أَوْصابها … وحِلْف هواها وأطرابِها وكُفَّا فلي عنكما شاغِلٌ … بتسهيدِ عَيْني وتَسْكابِها فيا ليَ من ظَبْيةٍ بالحِمى … تَتِيهُ بإفراطِ إعجابِها مُقَسَّمة الحُسْن بين القناع … وبين اللِّثام وجلْبابها فَبَدْرُ الدُّجى فوق أَطْواقها … وحقْفُ النَّقا تحت (٢) أثوابها نَظَر الخادم (٣) أمير الحاج بالعراق، حَجَّ نيفًا وعشرين سنة أميرًا، كان قد خرج في هذه السنة، فلما وصل الكوفة مَرِضَ، فاستناب قيماز الأُرْجُواني، ورجع إلى بغداد فتوفي، وحمل إلى الرُّصافة، فدفن بها. [وجرى على الحاج بعده شدائد بين مكة والمدينة، نذكرها. سمع الحديث من أبي الخَطَّاب بن البَطِر وغيره. وقال جدِّي ﵀: خرجت معه في سنة إحدى وأربعين وخمس مئة حاجًّا، ومعي شيء من سماعاته لأقرأه عليه بمكة والمدينة، فلما رأيتُ ظُلْمه وطرحه على الحمَّالين لم أكلمه، ولم أقرأ عليه شيئًا] (٤).

стр. 9852

السَّنة الخامسة والأربعون وخمس مئة في المحرَّم جلس يوسف الدِّمَشْقي (١) في النِّظامية، وذكر الدرس من جانب الأعاجم، ولم يكن ذلك بإذْن الخليفة، وكان ميلُ الخليفة إلى ابن نظام الملك، فلما كان في الأُسبوع الثاني مُنع من دخول النظامية ودار الخليفة، وأُهين جماعةٌ من أصحابه، فلزم بيته، وجاء السُّلْطان مسعود إلى مدرسة أبي النَّجيب، وصلَّى خلفه الصُّبْح، وقال له: اذهب إلى النظامية، وألقِ بها الدرس، فقال: أحتاجُ إلى إذْن أمير المؤمنين. فاستخرج له إذْنَ الخليفة. وأما الحاجُّ فسار بهم قَيْماز إلى مكة، فطَمِعَ فيهم أميرُها بموتِ نظر، [واحتقر قيماز، و] (٢) جاءتِ العرب فطلبوا رسومهم، فقال [قيماز للحاج: اجمعوا لهم ما تدفعون به شرَّهَم. فأبوا، فقال] (٤): إذا لم تفعلوا فدعوا العامَ زيارة قبر النبي ﷺ ، فاستغاثوا، وضجُّوا، وخرجوا إلى المدينة، فاجتمعتِ العرب، ووقفوا في الطَّريق، وقاتلوهم، فظهرت عليهم العرب، فنهبوا الأموال والجمال، وبدَّدوا شَمْلَ الحاج، وأخذوا من خاتون أُخت مسعود ما قيمته مئة ألف دينار، ومن الناسِ ما يزيد على خمس مئة ألف دينار، ومات مُعْظم الناس جُوعًا وعطشًا، ووصل قيماز إلى المدينة في نفرٍ يسير. وفيها مَطَرَتِ اليمن مطرًا كلُّه دم، فبقي أَثَرُه في الأَرْض، وفي ثياب النَّاس. ومرض ابن البلنكري وعوفي، فأطلق مسعود المكوس، وتصدَّق بمالٍ كثيرة، وكان المكَّاس ببغداد يسمى مختص الحضرة. [وفيها وقع الصُّلْح بين نور الدِّين ومجير الدِّين، وقد ذكرنا أَنَّ نور الدين تأخر عن دمشق، فلمَّا سكنتِ الأمطار عاد فنزل عليها وضايقها، ثم إنه أشفق من سفك دماء المسلمين] (٣)، فراسله مجيرُ الدِّين، وخرج إليه هو والرَّئيس ابن الصُّوفي، وبذلا له

стр. 9853

الطَّاعة، وأن يُخْطب له [على منبر دمشق] (١) بعد الخليفة والسُّلْطان، ويُنْقش اسمه على الدِّينار والدِّرْهم، فرضي، وخَلَعَ على مجير الدِّين خِلْعة السَّلْطنة والطَّوق والسِّوارين، وعلى الرئيس خِلْعة الوزارة، وطيَّبَ قلوبهما، وخرج إليه الأُمراء والأعيانِ، فَخَلَعَ عليهم، وأفاض إحسانه على فقهاء دمشق وقُرَّائها (٢)، ورحل إلى حلب والقلوب معه [لما غَمَرَ العالم من خيره] (١). ووصل الملك مسعود (٣) قاصدًا أنطاكية، ونزل على تل باشر، وضايقها في المحرَّم، ثم رحل بعد أن أشرفت على الأخذ. [وقال ابنُ القلانسي] (١): ووصل إلى دمشق جماعةٌ ممن سَلِمَ من الحاجّ، فحكوا ما نَزَل بهم من المصيبة [الفادحة التي لم يجر في الإسلام مثلها في السنين الخالية] (١)، وأنه كان في الحاج من وجوه خراسان وعلمائها [وفقائها] (١) وخواتين (٤) أُمراء العساكر السُّلْطانية والحُرَم والبنات [والنِّساء] (١) والأموال الجمَّة، والأمتعة الفاخرة ما لا يمكن وصفه، وأَنَ العرب استولوا على الجميع، ومات أكثرُهم بالجُوع والعَطَش، فكسا أهلُ دمشق العُراة منهم، وأطلقوا لهم ما يستعينون به على العَوْدِ إلى أوطانهم (٥). وفيها أُسر ابن جوسلين، وحُمِلَ إلى [قلعة] (١) حلب، وسار نور الدين فافتتح قلعة أعزاز. وفيها اختلف وزيرُ مصر ابن مَصَال والعادل بن السَّلَّار، وجمعا العساكر، واقتتلوا، فَقُتِلَ الوزير، واستقل ابنُ السَّلَّار بالتَّدْبير. وفيها توفي القاضي أبو الحسين (٦) فخر الدولة ابن أبي الجن في رجب، ودفن بمقابر جده فخر الدولة، ففُجِعَ النَّاسُ به لخيريته وشرف بيته.

стр. 9854

وفيها توفي أبو المفاخر الحسن (١) بن ذي النون (٢) النَّيْسابوري الواعظ، كان صالحًا فاضلًا يعيد الدرس خمسين مرة، ويقول: إن لم يعاد (٣) ما يستقر. وكان حنفيَّ المذهب، خرج من بغداد في جُمادى الأُولى، فتوفي بدارابْجِرْد (٤). جلس ببغداد، فأنشد: [من البسيط] أهوى عليًّا وإيمان محبَّتُهُ … كم مُشْرِكٍ في دَمُهُ مِنْ سَيفه وَكَفَا إن كنتَ وَيْحَكَ لم تَسْمَعْ مناقِبَهُ … فاسمعْ فضائِلَه مِنْ هل أتى (٥) وكفى وأنشد أيضًا: [من البسيط] ماتَ الكرامُ ومَرُّوا وانقضَوْا ومَضَوْا … وماتَ بعدهُمُ تلك الكراماتُ وخلَّفونيَ في قَوْمٍ ذوي سَفَهٍ … لو أَبْصروا طَيْفَ ضَيفٍ في الكرى ماتوا عبدُ الملك بن عبد الوهَّاب بن الحَنْبلي، الدِّمَشقي (٦) [وذكره ابن القلانسي، قال] (٧): ويلقب بالقاضي بهاء الدِّين، كان إمامًا فاضلًا مناظرًا، مُفْتيًا على مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله [بحكم ما كان يجري عليه بخراسان عند إقامته لطلب العلم] (٧)، وكان حَسَنَ الحديث في الجِدِّ والهَزْل، ودُفِنَ بجوار أبيه وجَدِّه بالباب الصَّغير، وكان له يوم مشهود (٨).

стр. 9855

[فصل: وفيها توفي عبد الملك بن أبي نَصر بن عمر (١) أبو المعالي الجِيْلاني، تفقَّه على أسعد المِيْهني، سمع الحديث، وكان فاضلًا زاهدًا، لم يكن له بيت يأوي إليه إلا المساجد الخراب، لا يقبل بِرَّ أحد، خَرَجَ إلى الحج، فأغارت العرب على الحاج، فانقطع بفَيْد، وأقام بها حتى مات، وكان أهل فَيْد يصفونه بالزهد والورع] (٢). علي بن أحمد بن محمد (٣) [المُقْرئ] (٢) ويعرف بالأحدب، المُعَلِّم البغدادي، مات ببغداد [وذكره العماد في "الخريدة" وقال] (٢): وماتت ابنة له فرثاها، فقال: [من الطويل] ولستُ براضٍ بالبكاءِ بُنَيَّتي … عليكِ إلى أنْ أَمْزُجَ الدَّمْعَ بالدَّمِ فلو أَنَّ جَفْني دائمًا ببكائِهِ … على قَدْرِ حُزْنِ تستحقينه عَمِي وإني بِمثْلِ الكَأْس بعدَكِ شارِبٌ … كما شَرِبَ الماضون من لَدُ (٤) آدَمِ فلا بَلِيَتْ تلك العِظامُ فإنَّها … بقيةُ جسمي لم تدنَّسْ بمأْثَمِ (٥) عليُّ بنَ دُبَيس، صاحب الحِلَّة (٦) كان شجاعا، جَوَادًا، وكان قد استوحش من السُّلْطان، فبعث إليه يتهدَّده [وهو بالحِلَّة] (٢)، فقال لرسوله: قل له: مثلي ما يُهدَّد؛ لأنَّ قصارى أمري أن تخرجني من جُدْران الحِلَّة، وتبعدني عن أَوْساخها، فأسكن في فيافي بني أسد، وأقنع بخيام

стр. 9856

الشَّعر؛ وتلال الرَّمل؛ وثماد المياه؛ وخشن العَيْش، وهو وأمثاله لو فَقَدَ إيقادَ الشَّمْع، ودخانَ النَّدِّ، وألوانَ الأطعمة، وحشايا القَزّ، والحماماتِ لهلك. وكانت وفاته بالحِلَّة (١)، [واختلفوا في سببها على أقوال: أحدها أنه مات بعِلَّة السكتة، والثاني أنه سُمَّ، والثالث بعِلَّة القولنج، واتُّهم طبيبه محمد بن صالح بأنَّه قَصَّر في أمره، فمات طبيبه بعد قليل، وولي بعده ابنه مُهَلْهِل بن علي] (٢). محفوظ بن أبي محمد الحسن (٣) ابن صَصْرى، أبو البركات، ويعرف بالقاضي المكين، كان مشهورًا بالخير والعَفَاف، وكانت وفاتُه بدمشق في ذي الحِجَّة، وقد بلغ ثمانين سنة. السَّنة السَّادسة والأربعون وخمس مئة فيها دخل السُّلْطان مسعود بغداد، وخرج الوزير ابن هُبيرة وأربابُ الدَّولة إلى لقائه، فأكرمهم، [وأحسنَ إليهم] (٤).

стр. 9857

وطلب ابنُ العَبَّادي الجلوسَ بجامع المنصور، فقيل له: إنَّ أهل الجانب الغَرْبي لا يمكِّنون من الجلوس فيه إلا الحنابلة. فلم يقبل، وجَمَعَ أربابَ الدَّولة، ومضوا معه، فلما صَعِدَ المنبر جاءه الآجُرُّ، وأخذته الزَّعقات، ونَفَر النَّاس وأُخذت عمائمهم، ولولا أربابُ الدَّولة جذبوا السُّيوف وأحدقوا به لَقُتِلَ. وفيها نادى السُّلْطان بعِمارة قُرى العراق، وكان أصحابه قد أخربوها، فكتب إليه رجل: إنَّ الجِمال إذا حُرث عليها لإثارة الأرض وإصلاحها، طَمَسَتْ بأَخْفافها ما تحرثه. فقال: عليَّ بكاتبِ الورقة. فَحَضَر، فقال: ما معنى هذا؟ فقال: أنتَ تأمر [بعمارة النواحي، وإصلاح ما أفسده الظلمة [(١)، وأصحابُك يخرِّبون المساكن، وينهبون المال، ويهتِكُون الحريم. فغَضِبَ غَضَبًا شديدًا، ونادى في عسكره: مَنْ مَدَّ يده إلى ما ليس له قَطَعْتُها كائنًا مَنْ كان. فَعَمَرَتِ البلاد، واستقامت الأحوال. وفيها في المحرَّم عاد نورُ الدِّين إلى حصار دمشق، [فجاء، (٢)، فنزل عيون الفاسريا (٣)، وامتدَّت عساكره إلى ما بين عذراء وضمير، وأرسل إلى مجير الدِّين يقول: قد كنتُ اتفقت معكم وحلفتُ لكم، فالآن فقد صَحَّ عندي أنكم ظاهرتم الفرنج، وما قصدتُ إلا الجهاد، فإنْ رجعتم عن الفرنج وأعطيتموني عساكركم لأجاهد في سبيل الله تعالى رجعتُ عنكم. فلم يردُّوا عليه جوابًا، فرحل [نور الدين، فجاء] (٢) ونزل مشهد القدم، وأحدقت عساكره بالبلد وضايقه، ولم يزحف خوفًا من سفك دماءِ المُسْلمين، وتواترت الأخبار بمجيء الفرنج لنُصرة مجير الدِّين، فضاقت صدور العلماء والزُّهاد [من هذه الحالة] (٢)، ولم تزلِ المناوشات تعمل في كل يوم إلى ثالث عشرة صفر (٤)، فرحل إلى داريَّا مستعدًّا للقاء الفرنج، وكان عسكره كل يوم يزداد قوةً وعسكرُ دمشقَ يَضْعُف، ومع هذا ما كان يأُذَنُ لأحدٍ في قتال المُسْلمين، وما خَرَجَ عسكر دمشق إلا وعادوا [مفلولين] (٢) مكسورين، وقَرُبَ الفرنج من داريا، فأشار على نور الدين خواصُّه بالرَّحيل، وقالوا: تبقى بين الفرنج و [بين] (٢) عسكر دمشق! فارتفع إلى الزَّبدانيِ، ووصل الفرنج [إلى] (٢) داريا في جَمْعٍ قليل، وخَرَجَ مجيرُ الدِّين والمؤَيَّد إليهم،

стр. 9858

واجتمعا بملكهم، فما صادفا عنده من القوَّة ما كانا يظنَّانه، فاتَّفقوا على نزول الفرنج على بُصرى، فإنَّها عَصَتْ على مجير الدِّين، ورحلوا إلى رأس الماء، وبَعَثَ نورُ الدِّين أربعة آلاف فارس إلى حوران، ومعهم عَرَبٌ يتخطَّفون عسكر الفرنج، فتبعوهم إلى لجاة حوران، وبلغ نور الدين، فعاد إلى دمشق. وقيل: بل نَزَلَ بعين الجر [من البقاع] (١). وضايق الفرنج بُصرى، فلم يظفروا منها بطائل، فعادوا إلى بلادهم، وبعثوا يطلبون من مجير الدِّين ما قرَّر لهم من المال [عن ترحيلهم نور الدين عن دمشق، وقالوا: لولانا ما رحل] (١). وعرض نور الدين عسكره بالبِقاع، وكانوا من عين الجَرِّ إلى الدَّلهمية، فكانوا ثلاثين ألفًا من عسكره والتُّرْكمان والعرب وغيرهم، فعاد إلى دمشق، وقد أَطْمَعَتْه نَفْسه فيها، [وجاء] (١) فنزل أرض كَوْكَبا غربيِّ داريا في ربيع الأَوَّل، ثم رحل، فنزل جسر الخشب، ثم رحل إلى مسجد القدم، ونودي في دمشق في العسكر والأحداث بالخروج إلى قتاله، فلم يخرج إلا اليسير [لما وَقَرَ في نفوسهم من استنجاد مجير الدِّين وابن الصُّوفي بالفرنج] (١). ووصل لنور الدِّين كتابُ الأمير حَسَّان المَنْبِجي أنه افتتح مدينةَ تل باشر بالأمان في ربيع الأول، فضُربت [البوقاتُ والطُّبول في عَسْكر نور الدين بالبشائر] (٢). وأقام [نور الدين] (١) على دمشق من غير قتال ولا زحف [خوفًا على المسلمين، وقال: لا حاجة لي في إراقة دمائهم بأيدي بعضهم بعضًا، وإنما أُرفِّهُهُمْ ليبذلوا نفوسهم في قتال الكفَّار] (١)، ثم تردَّدت المراسلات بينه وبين مجير الدِّين وابن الصُّوفي على يد الفقيه بُرْهان الدِّين [علي] (١) البَلْخي (٣) وأسد الدين شيركوه وأخيه نجم الدِّين أيوب، وتقارب الأمر إلى تجديد الأَيمان، وعهود وشروط اشترطها عليهم، ورحل عنهم يوم الخميس العاشر من ربيع الآخر.

стр. 9859

وسار بعض عسكر [نور الدين] (١) نحو بُصرى، لأَنَّ واليها عصى على المسلمين، واعتضد بالفرنج، فاستدعى نورُ الدين من دمشق المجانيق وآلة الحصار، وبعث إليه [نور الدين] (٢) قطعةً من عسكره. وجاءَه الخبر بأن عسكر الرَّقَّة أغار على قلعة جَعْبر، فخرج الأمير عِزُّ الدِّين عليُّ بنُ مالك صاحِبُها في أصحابه إليهم [وقد أغاروا على أطراف أعماله] (٢) ليخلِّصَ ما استاقوا، فالتقى الفريقان، فأصابه سَهْمٌ من كمينٍ ظَهَرَ عليه، فقتله، فرجعوا به إلى قلعة جَعْبر، وأجلسوا ولده مالك بن عليّ في منصبه، فاستقام أمره. وفي رجب توجَّه مجير الدِّين في جماعة من خواصِّه إلى حلب بقصد خدمة نور الدِّين وطاعته، فالتقاه وأكرمه، وخلع عليه، وبالغ في الفعل الجميل في حَقِّه، وقرَّر معه تقريرات اقترحها [عليه] (٢)، ثم عاد عنه إلى دمشق مسرورًا، فدخلها في آخر شعبان (٣). وفيها قصدتِ الفرنج بِقاع بَعْلَبَكَّ على غِرَّةٍ من أهلها، فنهبوا ما فيها من المواشي، وسبوا النِّساء، وأسروا الرِّجال، ولم يُبْقوا على أحدٍ، وكان عطاء الخادم (٤) ببَعْلَبَك، فبعث الرَّجَّالة في إثرهم، واجتمع إليهم من أهل البِقاع خَلْقٌ عظيم، واتبعوهم فلحقوهم، وقد أرسل الله عليهم من الثُّلوج المتداركة ما ثبَّطهم عن الوصول إلى بلادهم، فَقَتلوا منهم مقتلةً عظيمة، واستخلصوا الأسارى والمواشي، ومن سَلِمَ من الثَّلْج. وفيها استوحش عليُّ بن السَّلار وزير مِصر من الظَّافر، ولم يدخلِ القصر خوفًا منه، واستقلَّ بالتَّدْبير، [واستوحش الظافر منه. واستوحش ابنُ الصُّوفي من مجير الدين، واستقل بالأمر] (٢)، ولم يبق لمجير الدِّين حكم.

стр. 9860

فصل وفيها توفي ثابت أبو الزُّهْر (١)، المِصري الضَّرير (٢) كان شاعرًا ومن شِعْره في رجلٍ ضُرِبَ بسيفٍ في حَرْبِ على وجهه، فَقُطِعَ أنفه وجُرِحَ وجهه: [من البسيط] لا صُوحِبَتْ بِبَنانٍ راحةٌ جَدَعَتْ … أَنْفَ الزَّمانِ وجَدَّتْ مارِنَ الكَرَمِ (٣) ودَلَّ ما ناله في الحَرْب مِنْ قُبُلٍ … بأَنَّه كان فيها غير مُنْهَزِمِ عبد الرحمن بن عبد الله (٤) بن الحَسَن بن [أبي] الحسن (٥) أبو الحسين بن أبي القاسم ابن أبي الحديد، الدِّمَشْقي، خَطيب دمشق.

стр. 9861

ولد سنة اثنتين وستين وأربع مئة (١)، وسمع الحديث الكثير، وتوفي [في هذه السنة بدمشق، روى عنه الحافظ ابن عساكر وغيره] (٢)، وكان صالحًا ثِقَةً، وبيتُ أبي الحديد يتوارثون نَعْلَ النَّبي ﷺ ، وقد انقرضوا فلم يبق منهم أحد. وقال ابنُ القلانسي: وفي يوم السَّبْت الثَّاني من جُمادى الآخرة [في هذه السنة] (٣) توفي القاضي السَّديد الخطيب أبو الحسين بن أبي الحديد؛ خطيبُ دمشق، وكان [خطيبًا] (٣) بليغًا، صَيِّنًا (٤) عفيفًا، ولم يكن له من يقوم مقدمه في منصبه سوى أبي الحسن الفَضْل [ولد] (٣) ولده، وهو حديثُ السِّن، فَنُصِّبَ مكانه، وخَطَبَ وصَلَّى بالنَّاس، واستمرَّ الأمر فيه (٥). علي بن مُرشِد بن المُقَلَّد (٦) ابن نَصر بن مُنْقِذ، عِزُّ الدِّين. ولد بشَيْزر سنة سبعٍ وثمانين وأربع مئة، وكان فاضلًا أديبًا، حَسَنَ الخَطِّ، وكانت وفاته على عَسْقلان شهيدًا (٧)، وكان أكبر إخوته، وكَتَبَ إلى أخيه أُسامة: [من الطويل] أسامةُ ما رمتُ التَّسَلِّي لأَنَّني … أرى مَغْنَمَ اللَّذَّاتِ مذ غِبْتَ مَغْرَما أُجِلُّكَ أَنْ أدعوك يومًا ملقّبًا … لأَنَّ اسْمَكَ المحمودَ ما زال أَعْظَما

стр. 9862

فعِشْتَ كما تهوى بعيدًا ودانيًا … قريبًا من الحُسْنى كريمًا مُكَرَّما ولا زلتَ هزَّامَ الجيوشِ وبانيًا … بفَضْلك (١) مجدًا قد عفا وتهدَّما (٢) وكتب إليه: [من الطويل] أيا ساكني قلبي (٣) على خَفَقانِهِ … وطَرْفي وإنْ واراه من أَدْمُعي بَحْرُ فلو رامَ قَلْبي سَلْوةً عنك صَدَّه … خلائِقُكَ الحُسْنى وأفعالُك الغُرُّ فيا هل لشَتِّ (٤) الشَّمْل جَمْعٌ وهل لنا … لقاءٌ فأشكو ما بنا صَنَعَ الدَّهْرُ وَقَتْكَ الرَّدى نَفْسي فإنَّك ذُخْرُها … وأَنْفَس ما أقنى إذا عُدِّدَ الذُّخْرُ (٥) وارتحل من شَيْزَر إلى بَعْلَبَك، فأقام عند معين الدِّين أُنَر، فقال: [من البسيط] لأَشْكُرَنَّ النَّوى والعِيْسَ إذْ قَصَدَتْ … بي مَعدِنَ الجُود والإحسانِ والكَرَمِ فصرتُ في وطنٍ إذ سِرْتُ (٦) عن وطني … فمن رأى صِحَّةً جاءَتْ (٧) منَ السَّقَمِ علي بن مُسْهِر (٨) أبو الحسن المَوْصِلي، الشَّاعر (٩) قال عبد الرحمن ابن الإخوة البغدادي (١٠): رأيتُ في المنام كأنَّ منشدًا يُنْشِدُ هذين البيتين: [من الطويل]

стр. 9863

أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ (١) على السُّرى … وأسألُ عنكِ الرِّيحَ إنْ هي هَبَّتِ وأُمْسِكُ (٢) أحناءَ الضُّلوعِ على جوًى … مُقيمٍ (٣) وصَبْرٍ مستحيلٍ مُشَتَّتِ فلمَّا انتبهتُ جعلتُ أبحثُ عن قائلها، ومضتْ عِدَّةُ سنين، فاجتمعت بعلي بن مُسْهِر وحدَّثته بالمنام، فقال: واللهِ إنَّهما لي من أبياتٍ، أَوَّلها: إذا ما لسانُ الدَّمْع نَمَّ على الهوى … فليس بسِرٍّ ما الضُّلُوعُ أَجَنَّتِ فوالله ما أدري عَشِيَّةَ وَدَّعَتْ … أناحَتْ حماماتُ اللِّوى أم تَغَنَّتِ وأَعْجَبُ مِنْ صَبْري القَلُوصُ (٤) التي سَرَتْ … بَهْودَجِكِ المَزْموم حين (٥) اسْتَقَلَّتِ أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ على السُّرى (٦) … وأَسألُ عنكِ الرِّيحَ إنْ هي هَبَّتِ فعجبت من هذا الاتِّفاق (٧). السنة السابعة والأربعون وخمس مئة حكى جدِّي في "المنتظم" عن القاضي أبي العبَّاس بن المانْدائي الواسطي (٨) قال: في تاسع المحرم (٩) باض ديك [لرجل يعرف بابن عامر بيضة] (١٠)، وباض بازيٌّ لعلي بن حماد بيضتين، وباضت نعامة لا ذكر معها [بيضة] (١٠) (١١). [قلت: بيض الديك والنعام معروف، أما البازي فغريب جدًّا] (١٠).

стр. 9864

وفيها توفي السلطان مسعود، ووصل الخبر إلى بغداد، فقَبَضَ الخليفةُ على جماعةٍ كانوا ينتمون إلى الأعاجم، ويتسمجون في حقِّ الخلافة بما لا يليق [على المنابر وغيرها] (١) مثل أبي النَّجيب السُّهْرَوَرْدي والحيصَ بيص [الشاعر] (١)، [وأُهينا] (١)، فأخرج أبو النَّجيب إلى باب النُّوبي، وضُرِبَ سبع دِرَر، ورُدَّ إلى الحَبْس. وكان في [بعض] (١) الليالي قد صَعِدَ على سطح النِّظامية وأومى إلى دار الخليفة، وقال: تولي ابن المُرَخِّم على المُسْلمين، ما بايعناك على ذا! وهرب مسعود البلالي شحنة بغداد إلى تَكْريت، وجلس الوزير في بيت النّوبة لعزاء مسعود. وأمر الخليفةُ ابنَ النظام بأن يذكر الدَّرْس بالنظامية، ويخْرج مَنْ فيها من الفقهاء أصحابِ أبي النَّجيب، وكانوا يسيئون الأدب، ويستطيلون بالأعاجم. وبلغ الخليفة أنَّ واسطًا قد عَصَتْ، فخرج إليها بنفسه ووزيره وولي عهده، وسار في [شوال في دَسْتِ الخلافة، ووصل إلى واسط، فأقام بها أيامًا، ومضى إلى الحلَّة والكوفة، وهرب مهَلْهِل بن علي، وزار الخليفة المشهدين، وعاد إلى بغداد] (٢). وغلقت بغداد وضربت القِباب، واشتغل النَّاسُ باللَّهْو، وخُطِبَ لولي العهد يوم الجمعة غُرَّة ذي الحِجَّة. وفي المحرَّم فَتَحَ نورُ الدِّين محمود ﵀ حصن أَنْطَرْسُوس عَنْوَةً، فطلبوا الأمان على النُّفوس، فأمَّنهم، وملك عِدَّةً من الحصون منها المَرْقَب (٣)، وكان على الإسلامِ منه ضررٌ عظيم. وحجَّ بالنَّاس قَيْماز الأُرجُواني.

стр. 9865

فصل: وفيها توفي أُميَّة بن عبد العزيز بن أبي الصَّلْت الأندلُسي (١) نزل الإسكندرية، وكان شاعرًا فصيحًا، فاضلًا، صنَّف كتاب "الحديقة" (٢)، ومن شِعْره في الأفضل ابن أمير الجيوش: [من الكامل] لا غَرْوَ إنْ سَبَقَتْ لُهاكَ (٣) مدائحي … وتدفَّقَتْ جَدْواك مِلْءَ إنائها يُكْسى القضيبُ ولم يَحِنْ إثْمارُهُ … وتُطَوَّقُ الوَرْقاءُ قَبْلَ غِنائها (٤) وقال: [من الطويل] إذا كان أَصلي من تُرابٍ فكلُّها … بلادي وكلُّ العالمينَ أقاربي ولا بُدَّ لي أَنْ أسأَلَ العِيسَ حاجةً … تَشُقُّ على شُمِّ الذُّرى والغوارِبِ (٥) (٦) وقال: [من الطويل] ورُبَّ قريبِ الدَّارِ أَبْعَدَه القِلى … ورُبَّ بعيدِ الدَّارِ وهو قريبُ وما ائْتَلَفَتْ أجسامُ قومٍ تناكرتْ … على القُرْبِ أرواحٌ لهمْ وقُلُوبُ (٧)

стр. 9866

وقال: [من الوافر] أَيُحْيي الدَّهْرُ منِّي ما أماتا … ويُرْجِعُ مِنْ شبابي ما أفاتا وما بَلَغَ الفتى الخمسينَ إلا … ذوي غُصنُ الصَّبا منه فماتا بكيتُ على الفُرَات غداةَ شَطُّوا … وظنَّ النَّاسُ مِنْ دمعي الفُراتا أُسائِلُ عن جُفوني كيفَ أضحتْ … وعن قَلْبي المُعَنَّى كيفَ باتا أما لو عادَني لأَعادَ رُوحي … وأَحْيا أَعْظُمي الرِّقمَ الرُّفاتا (١) وقال يمدح يحيى بن تميم بن باديس: [من السريع] صبٌّ براه السُّقْم بَرْيَ القِداحْ … يَوَدُّ لو ذاق الرَّدى فاسْتَراحْ لم يَرِمِ الوَجْدُ حشاه ولا … خَلَتْ له جارحةٌ من جِراحْ له إذا آنسَ بَرْقَ الحِمى … جوانحُ تَخْفُقُ خَفْقَ الجَنَاحْ وإنْ شَدَتْ وَرْقاءُ في أيكةٍ … عاوَدَه ذِكْر حبيبٍ فَنَاحْ أصبحتُ في حَلْبة أهلِ الهوى … يَرْكُضُ بي طِرْفٌ (٢) شديدُ الجِماحْ وفي سبيلِ الحُبِّ لي مهجةٌ … كان لها صَبْرٌ جميلٌ وطاحْ يا بنَ الملوكِ الصِّيدِ من حِمْيَرٍ … ووارثِ المَجْدِ القديم الصُّراحْ لِيَهْنكَ الجَدُّ الذي نِلْتَهُ … بالجدِّ من أَمْرِك لا بالمُزاحْ مَزَجْتَ بالبأسِ النَّدى والتُّقى … مِلْحٌ أُجاجٌ وزُلال قَرَاحْ كم مَنْهَلٍ مُطَّرِدٍ بالرَّدى … في موقف مُشْتَجِرٍ بالرِّماحْ أَوْرَدْتَه كلّ سليمِ الشَّظى … مُنَعَّلَةٌ أَرْبَعُهُ بالرِّياحْ كأنَّما سُرْبِلَ جُنْح الدُّجى … وبُرْقِعَتْ غُرَّتُه بالصَّباح (٣) وقال في الشمعة: [من الطويل] وناحلةٍ صفراءَ لم تَدْرِ ما الهوى … فتبكي لِهَجْرٍ أو لطول بِعادِ حكتني نُحولًا واصفرارًا وحُرْقَةً … وفيضَ دموعٍ واتِّصال سُهادِ (٤)

стр. 9867

وقال في الرِّزْق: [من الطويل] وقائلةٍ سِرْ وابْتَغِ الرِّزْقَ طائفًا … فإنَّك فيما لا يفيد لطائفُ فقلتُ دَعيني ربَّ ساعٍ مخيَّبٍ … وللهِ في كلِّ الأمورِ لطائِفُ (١) وقال: [من الطويل] رمَتْني صروفُ الدَّهْرِ بين معاشرٍ … أصحّهم وُدًّا عدوٌّ مخاتِلُ وما غُرْبةُ الإنسانِ في بُعدِ داره … ولكنَّها في قُرْبِ من لا يُشاكِلُ (٢) وقال، وكان قد حُبس: [من الطويل] ولو لم أكن حُرَّ الخلائقِ ماجدًا … لما كان دَهْري ينطوي بي على ضِغْنِ وما مَرَّ بي كالسِّجْن فيه مُلِمَّةٌ … وشَرٌّ من السِّجْن المصاحِبِ في السِّجْنِ أظنُّ الليالي مُبْقياتي لحالةٍ … تُبدِّلُ فيها حالتي هذه عنِّي وإلا فما كانت لتُبْقي حُشاشتي … على طُول ما ألقى من الذُّلِّ والغَبْنِ وكم شامِتٍ بي أن حُبِسْتُ وما درى … بأنَّ حُسامًا صِينَ حدَّاه بالجَفْنِ متى صَفَتِ الدُّنيا لحُرٍّ فأبتغي … بها صَفْوَ عيشٍ أو خُلُوًّا من الحُزْنِ وهل هي إلا دارُ كلِّ مُلِمَّةٍ … أَمَضّ لأحشاءِ الكرامِ من الطَّعْنِ (٣) وأحسن ما قال: [من الطويل] سَكَنْتُكِ يا دارَ الفَناءِ مُصَدِّقًا … بأنِّيَ في دارِ البقاءِ أصيرُ وأَعْظَمُ ما في الأَمْرِ أنِّيَ صائِرٌ … إلى عادلٍ في الحُكْمِ ليس يجورُ فيا ليتَ شِعْري كيفَ ألقاه بعدها … وزادي قليلٌ والذُّنوب كثيرُ فإنْ أكُ مَجْزِيًّا بذنبي فإنَّني … بحَرِّ عذابِ المُذْنبين جديرُ وإن يكُ عفوٌ ثُمَّ فَضْلٌ ورحمةٌ … فَثَمَّ نعيمٌ دائمٌ وسرورُ (٤) توفي في سنة ست وأربعين، وقيل: سنة تسعٍ وعشرين وخمس مئة.

стр. 9868

حَيْدر بن محمد بن الحسن، أبو الرِّضا العَلَوي (١) من أعيان العلماء، وأكابرِ الفُضَلاء، عاش تسعين سنة، وكان أشعرَ أهلِ زمانه، فحاز على شعره بألف دينار، ومن شعره: [من السريع] ليتَ نسيمًا رَقَّ قد رَقَّ لي … ممَّا بقلبي الهائمِ المُغْرَمِ فأخبرَ الظَّاعِنَ عن قاطنٍ … وبلَّغَ المُنْجِدَ عن مُتْهِمِ لا خَضِلَتْ أَرْدانُه سُحْرةً … مِنْ سَيْبِ وادٍ مُتْرَعٍ مُفْعَمِ ولا هفا وَهْنًا على زَهْرَةٍ … أَوْ أُقحوانٍ طَيِّبِ المَنْسَمِ إنْ لم يُبَلِّغْ سَهَرِي مُسْهِري … أَوْ لم يَصِفْ سُقْميَ للمُسْقِمِ محمد بن نَصر، أبو عبد الله، العَكَّاوي (٢) ويقال له ابن صغير، القَيسراني الشَّاعر [ذكره الحافظ ابن عساكر، والعماد الكاتب في "الخريدة"، وأبو سَعد بن السَّمْعاني في "الذَّيل"] (٣). ولد بعكا [في] (٣) سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مئة، ونشأ بقَيسارية السَّاحل [فلذلك تسمَّى بها] (٣)، ولما استولتِ الفرنج على السَّاحل انتقل إلى حلب ثم [أتى] (٣) إلى دمشق [فأخذ الأدب عن توفيق بن محمد (٤).

стр. 9869

قال الحافظ ابن عساكر: كان ابن القيسراني يتولى] (١) عمل السَّاعات التي عند باب جيرون [على] (١) الدَّرج، وبلغ شمس الملوك أنه هجاه، فتنكَّر له، فهرب إلى حلب (٢). ومدح نور الدين محمود، وجمال الدين الوزير [الموصلي] (١) ومجير الدِّين أبق وغيرهم [من الأعيان وغير الأعيان] (١)، وديوانه مشهور، وعاد إلى دمشق، فتوفي بها في صفر، ودفن بباب الفراديس. وقال ابن القلانسي: وصل الشيخ الأديب أبو عبد الله محمد بن صغير القَيْسراني الشَّاعر من حلب [يوم الأحد الثَّاني عشرة من شعبان سنة] (٣) ثمانٍ وأربعين وخمس مئة إلى دمشق، فاستدعاه (٤) مجير الدِّين، فحضر مجلسه، وأنشده قصيدةً حسنة [مقيدة، فأجازه] (١)، ووصله أحسنَ صِلة، واتفق له حُمَّى حادَّة، وتبعها إسهالٌ مُفْرط، فقضى نحبه يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان [هذه السنة، وكان أديبًا، فاضلًا، شاعرًا، مترسلًا، بليغ النَّظْم، مليح المعاني، وله يد قوية في علم النُّجوم والأحكام وحفظ التواريخ، وكان بينه وبين أبي الحسين أحمد بن منير مشاحناتٌ على قديم الزَّمان، فماتا على ذلك، وبينهما في الوفاة مدة يسيرة] (٥). ومن شعره يمدح الوزير جمال الدِّين محمد المَوْصِلي: [من الكامل] ليتَ القلوبَ على نظامٍ واحدِ … ليذُوقَ حَرَّ الوَجْدِ غيرُ الواجِدِ ما زال صَرْفُ الدَّهْرِ يَقْصِدُ هِمَّتي … حتى صَرَفْتُ إلى الكِرامِ مقاصدِي وإذا الوفودُ إلى الملوك تبادَرَتْ … فعلى جمالِ الدِّين وَفْدُ محامِدِي

стр. 9870

يَلْقاكَ في شَرَفِ العُلا متواضعًا … حتى يُرى المقصودُ مِثْل القَاصِدِ أُمْنيَّةٌ للمُعْتفي ومَنِيَّةٌ … للمُعْتَدِي وشريعةٌ للوارِدِ لا تَحْسِبُوا أَنِّي انفَرَدْتُ بحَمْدِهِ … هيهاتَ كم لمحمَّدٍ مِنْ حامِدِ مَجْدٌ على عرش السِّماكِ وهِمَّةٌ … ترقى السُّها بجناحِ جَدٍّ صاعِدِ أنا روضةٌ تُزْهى بكلِّ عجيبةٍ … أفرائدي من لم يَفُزْ بفرائدي؟ إنْ ساقني طَلَبُ الغِنى أو شاقني … حُبُّ العُلا فلقد وَرَدْتُ موارِدِي ومتى عددتُ إلى نَدَاك وسائلي … اعدَدْتُ قَصدي من أَجَلِّ قصائِدِي حتى أعودَ من امتداحك حاليًا … وكأنَّني قُلِّدْتُ بعضَ قلائدي ما كانت الأيامُ تُخْلِفُ مَوْعِدِي … أبدًا وحُسْنُ الظَّنِّ عندك رائدي (١) وقال أيضًا من شعره: [من المديد] مَنْ لقلبٍ يألَفُ الفِكَرا … أو لعينٍ ما تذوقُ كَرَى ولصَبٍّ بالغَرَامِ قضى … ما قضى في حُبِّكُمْ وطَرَا وَيْحَ قَلْبي من هوى قَمَرٍ … أنكرتْ عَيْني له القَمَرا (٢) وقال يمدح بني الصُّوفي [وقد بنوا] بَهوًا وبِرْكةً فيها شاذِرْوان (٣): [من المديد] يا بنيّ الصُّوفي زرْتُكُمُ … طائفًا بالبيتِ مُعْتْكِفا فرأيتُ الغيثَ مُغْترفًا … مِنْ أياديكُمْ ومُعْترفا من رأى أخلاقَكُمْ أَنفا … أنْ يَرُوْدَ الرَّوْضةَ الأُنُفا ذاتُ بَهْوٍ مَنْ ألمَّ بها … وصفَا تَحْبيرُهُ وَصَفا عاقِد في الجوِّ منطقَه … لا يرى طَرْفٌ لها طَرَفا

стр. 9871

طال إشرافًا فحين سما … توَّجُوها ما به شَرُفا من أنابيبَ تميسُ إذا … طَيرُ شاذِرْوَانها هَتَفا مُغْرَمٌ بالبَهْو فَهْو متى … هَفَّ مِنْ شوقٍ إليه هفا وقال: [من الطويل] ولي زَفَرَاتٌ تَسْتَهِلُّ صبابةً … عليكُمْ إذا بَرْقُ العقيقِ تأَلَّقا أَلِفْتُ الهوى حتى حَلَتْ لي صروفُهُ … ورُبَّ نعيمٍ كان جالبَه شقا ألذُّ بما أشكوه مِنْ ألمِ الجوى … وأَفْرَقُ إنْ قلبي من الوَجْدِ أفرقا وأذْهَلُ حتى أَحْسِبُ الصَّدَّ والجفا … بمُعْتَرَكِ الذِّكرى وصالًا ومُلْتقى فها أنا ذو حالَيْنِ أما تَصَبُّري … فحيٌّ وأما سَلْوتي فلكَ البقا (١) وقال في دمشق: [من البسيط] أرضٌ تُحاكي الأماني مِنْ محاسنِها … بحيثُ تَجْتَمِعُ الدُّنيا وتَفْتَرِقُ إذا شدا الطَّيرُ في أغضانِها وَقَفَتْ … على حدائقها الأسماعُ والحَدَقُ وقال: [من البسيط] يا أهلَ بابلَ أنتمْ أَصلُ بِلْبالي … رُدُّوا فؤادي على جُثْمانيَ البالي لا، واعتناقِ هواكُمْ بعد فُرْقتِكُمْ … ما كان صَرْفُ النَّوى منكُمْ على بالي وإنَّما اعترضَتْ بيني وبينكُمُ … نوائبٌ أَرْخَصَتْ من دَمْعيَ الغالي لولا مكانُ هواكُمْ مِنْ محافظتي … لما صرفْتُ إليكُمْ وَجْه آمالي سَلَوْتُ عن غيركُمْ لَمَّا عَلِقْتُ بكم … وَجْدًا أَلا فاعْجبوا للعاشقِ السَّالي فانْظُرْ إلى عَبَراتي بَعدَ بُعدِهمُ … إنْ أنتَ لم ترَ حالي بعد ترحالي أقول للائمِ المُهْدِي ملامتَهُ … ضلالةُ القَلْبِ في أكناف ذي ضال دَعْني أَفُضَّ شؤوني مِنْ معالمها … فالدَّمْعُ دمعيَ والأطلالُ أطلالي (٢)

стр. 9872

وقال أيضًا من شعره: [من الرمل] وبأكنافِ المُصَلَّى جِيْرةٌ … لا يُجيرونَ مُحبًّا من غَرَامْ شغلوا كلَّ فؤادي بهوًى … وأمالوا كلَّ سَمْعٍ عن سلامْ ما عليهمْ لو أباحوا في الهوى … ما عليهم من صفاتِ المُسْتَهامْ وقال في وصف مغني: [من البسيط] والله لو أنصفَ الفِتْيان أَنْفُسَهُمْ … أعطوكَ ما ادَّخروا منها وما صانوا ما أنتَ حين تغنِّي في مجالسهم … إلّا نسيمُ الصَّبا والقومُ أغصانُ (١) وولده الموفق (٢) فاقَ أبناءَ جنسه في حُسْن الخَطِّ، وتقلَّد ديوان الاستيفاء (٣) لنور الدين محمود بن زَنْكي، وتقدَّم عنده تقدَّمًا زائدًا بحيث فوَّض أموره إليه، وكان يقف ببابه بعضُ ممدوحي أبيه، ويسترفدونه، فيستحي، فَيَتَّبَّعُ شِعْرَ أبيه الذي في أيدي النَّاس، واجتهد أنْ يُسْقطَ منه المدائح، فلم يقدر لانتشاره، وَمَدَحُه الحسين بن عبد الله بن رواحة (٤)، فقال: [من الطويل] دَعَوْتُك مُشْتاقًا لنَيْلِ صَنيعةٍ … فكنتَ إلى بَذْلِ الصَّنائعِ أَشْوقا وكم عُقَدٍ حُلَّتْ بعَزْمِك لم تكنْ … تُحَلُّ بعَزْمٍ من سِواكَ ولا رُقى تفاءَلَ نورُ الدِّينِ باسْمِك مِثْلما … هوى منكَ نَعْتًا في الأُمور مُحَقَّقا فأصبحَ نورُ الدِّين في المُلْكِ خالدًا … كما كان في الرَّأي السَّعيدِ مُوَفَّقا (٥)

стр. 9873

[فصل: وفيها توفي] (١) السُّلْطان مسعود بن محمد بن ملك شاه (٢) [كما ذكرنا، وقد ذكرنا سيرته مفرَّقة في السنين، و] (١) لم ير أحدٌ ما رأى من الملوك والسَّلاطين، فلما كان في هذه السنة مَرِضَ على هَمَذَان بأمراضٍ حادَّة، وعَسُرَتْ مداواتُه، فتوفي [في] (١) سلْخ جُمادى الآخرة، وكانت أيامُه نيفًا وثلاثين سنة، وسمع الحديث [من أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وغيره] (١). ولما مات اجتمعَ رأي الأُمراء على تقرير ملك شاه بن محمود بن محمد ابن أخي مسعود، وكان مقدَّمُ العساكر والمشارُ إليه خاصبك بن البلنكري، فأجلسوا ملك شاه ثلاثة أشهر، وقيل: خمسة، ثم عَنَّ لخاصبك أن يقبضَ عليه وعلى أخيه محمد بن محمود، وينفرد بالمُلْك لبُعدِ سنجر عنه، فقال لملك شاه: إني أُريد المُلْك لكَ من غيرِ منازع، وأخوك ينازِعُك، والمصلحة أنَّني أقبض عليك وأكتبُ إلى أخيك، فإذا وصل قَبَضتُ عليه، وسَلَّمْتُه إليك. فقال: افعل. فَقَبَضَ عليه، وكتَبَ إلى محمد وهو بخُوزِسْتان يدعوه إلى السَّلْطنة، فجاء إلى هَمَذَان، فجلس على التَّخْت، ودَخَلَ النَّاسُ يهنِّئونه، ويخاطبونه في أشياء، فقال: ما لي في هذا الأمر شيء، حديثكم مع الأمير خاصبك، فهو الوالد، والكلُّ تحت يده. وقدَّم له خاصبك من المال والخيل والمماليك والخدم والجواهر شيئًا كثيرًا، وأقام بهَمَذَان أيامًا، وبلغه ما في نَفْسِ خاصبك من التَّدْبير عليه، فاستدعاه وزَنْكي الخازْندار (٣)، وشملة التُّرْكماني وهو في أعلى قصر المملكة، فلما صَعِدوا دَرَجَ القَصر أحسَّ شملة بالشَّرِّ، فقال لخاصبك: ارجع، فما هذه علامةُ خير. فلم يرجع، فلمَّا حَصَلوا في بعضِ مضايق القَصر أخذتْهم السُّيوف،

стр. 9874

فَقُتِل خاصبك والخازْندار وهَرَبَ شملة، فلم يقدروا عليه، ورمى برأسيهما، وأكلتِ الكلابُ لحومَهما، واستولى محمدٌ على أموالهما وأسبابهما ومماليكهما، وكان فيما أُخذ من خاصبك ألف ألف دينار وسبعون ألف ثوبٍ من الأطلس، وثلاث مئة مملوك، وخمس مئة فرس، ومن البخاتي والخِيَم ما لا يُحَدُّ ولا يُحصى، ومع هذا جَبُوا له مِنَ العَسْكر كفنًا كفَّنوا به ما بقي من جُثَّته من فَضْلةِ الكلاب. وخاصبك أصله تُرْكماني، كان صبيًّا أمردَ، فأحبَّه مسعود حُبًّا شديدًا، وقدَّمه على أُمرائه، فاستولى على المملكة. ثم إنَّ محمدًا بعث بالرأسين إلى أتابك إيلدكز صاحب أَذْرَبيجان، وإلى آق سُنْقُر صاحب مراغَة، فارتاعا، ونفرا من محمد، وبعثا إليه يوبِّخانه ويقولان: إذا كنتَ غَدَرْتَ بمن أَحْسَنَ إليك وملَّكك، فكيف يثقُ بكَ غيره؟ ثم بعثا رسولًا إلى سليمان شاه بن محمد (١)، وكان بزَنْجان، وحلفا له وحَلَفَ لهما، وساروا جميعًا إلى هَمَذان، فهرب محمدٌ إلى أصبهان، فأجلسوا سليمان شاه على تَخْت المُلْك، فأخذ في اللَّهْو والشُّرْب، وساعده وزيرُه فخر المُلْك أبو طاهر القاشاني، وفعل كفِعْله، فضاعت المملكة بينهما، وقَبُحَتِ السِّيرة، وندم إيلدكز وآق سُنْقُر حيث كاتباه وملَّكاه، وشَرَعا في القَبْض عليه وعلى وزيره، فلم يتمكَّنا من ذلك في هذه السَّنة. المُظَفَّر بن أَرْدَشيرد (٢) أبو منصور بن العَبَّادِي الواعظ. ولد سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، وسمع الحديث، وقَدِمَ بغداد، ووعظ بجامع القَصر والنِّظامية، وكان فصيحًا بليغًا، وترسَّل بين السُّلْطان والخليفة، فتقدَّم الخليفةُ إليه أن يُصلح بين ملك شاه بن محمود بن محمد وبين بَدْر الحُوَيزي، فمضى وأصلح

стр. 9875

بينهما، وحصل له منهما مالٌ كثير، وتوفي بالحُوَيزة (١)، وقيل: بعَسْكر مُكْرَم في ربيع الآخر، ثم حُمِلَ تابوته إلى بغداد، فدفن في دَكَّةِ الجُنَيد بالشُّونيزِيَّة، ورجع مالُهُ إلى السُّلْطان؛ لأَنَّه خَلَّف ولدًا صغيرًا، فمات الولد، ولم يكن له وارث. جلس المُظَفَّر يومًا في جامع القَصر، فوقع مطر، فلجأَ الجماعةُ إلى ظِلِّ العقود والجُدْران، فقال: لا تفرُّوا من رِشاشِ ماءِ رحمةٍ قُطِرَ عن مَتْنِ سحابِ نِعْمة، ولكن فرُّوا من شَرارٍ اقْتُدِحَتْ من زِناد الغَضَب. وقام إليه شاعِرٌ يمدحه، فقال له: اجلس. فقال: قد كان حَسَّان يمدح رسولَ الله ﷺ في المسجد. فقال المُظَفَّر: ما كان حَسَّان مستبيحًا عِرْضًا ولا مُسْتميحًا عَرَضًا. وقيل له: لِمَ آمن موسى ﵇ وكفر فِرْعون، وكلاهما ارتضعا من دِرَّة ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢)؟ فقال: لأَنَّ موسى فاء، وفرعون قاء. السنة الثامنة والأربعون وخمس مئة فيها انحلَّ أمر بني سَلْجوق باستيلاءِ الغُزِّ على سنجر. ذكر السبب: لما التقى خاقان ملك التُّرْك وخُوارَزْم شاه والغُزّ بسنجر وكسروه، وعاد خاقان إلى بلاده وخوارزم شاه إلى خُوارَزْم نَزَلَ الغُزُّ بنواحي جَيحُون وسَمَرْقَنْد بين التُّرْك وأعمال خوارزم آمنين، وبقي في قَلْب سنجر ما جرى عليه منهم، فالأمر بينهم موقوف، وقد صالحَ خُوارَزْم شاه، فجهَّز سنجر إلى الغُزِّ العساكر مع الأمير قماج، فبيَّتهم، وجاءهم على غِرَّةٍ، فكسروه، وقَتلوا ولده، وغَنِموا ما كان معه، فعاد إلى سنجر مهزومًا، ثم ورد جماعةٌ من شيوخهم على سنجر، وقالوا: قد بعثتَ إلينا مرَّتين، ونَصَرَنا الله عليك، والبغي مَصرعك، ونسأَلُك إهدارَ ما جرى ونكون في
следующие страницы →