← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

طال إشرافًا فحين سما … توَّجُوها ما به شَرُفا من أنابيبَ تميسُ إذا … طَيرُ شاذِرْوَانها هَتَفا مُغْرَمٌ بالبَهْو فَهْو متى … هَفَّ مِنْ شوقٍ إليه هفا وقال: [من الطويل] ولي زَفَرَاتٌ تَسْتَهِلُّ صبابةً … عليكُمْ إذا بَرْقُ العقيقِ تأَلَّقا أَلِفْتُ الهوى حتى حَلَتْ لي صروفُهُ … ورُبَّ نعيمٍ كان جالبَه شقا ألذُّ بما أشكوه مِنْ ألمِ الجوى … وأَفْرَقُ إنْ قلبي من الوَجْدِ أفرقا وأذْهَلُ حتى أَحْسِبُ الصَّدَّ والجفا … بمُعْتَرَكِ الذِّكرى وصالًا ومُلْتقى فها أنا ذو حالَيْنِ أما تَصَبُّري … فحيٌّ وأما سَلْوتي فلكَ البقا (١) وقال في دمشق: [من البسيط] أرضٌ تُحاكي الأماني مِنْ محاسنِها … بحيثُ تَجْتَمِعُ الدُّنيا وتَفْتَرِقُ إذا شدا الطَّيرُ في أغضانِها وَقَفَتْ … على حدائقها الأسماعُ والحَدَقُ وقال: [من البسيط] يا أهلَ بابلَ أنتمْ أَصلُ بِلْبالي … رُدُّوا فؤادي على جُثْمانيَ البالي لا، واعتناقِ هواكُمْ بعد فُرْقتِكُمْ … ما كان صَرْفُ النَّوى منكُمْ على بالي وإنَّما اعترضَتْ بيني وبينكُمُ … نوائبٌ أَرْخَصَتْ من دَمْعيَ الغالي لولا مكانُ هواكُمْ مِنْ محافظتي … لما صرفْتُ إليكُمْ وَجْه آمالي سَلَوْتُ عن غيركُمْ لَمَّا عَلِقْتُ بكم … وَجْدًا أَلا فاعْجبوا للعاشقِ السَّالي فانْظُرْ إلى عَبَراتي بَعدَ بُعدِهمُ … إنْ أنتَ لم ترَ حالي بعد ترحالي أقول للائمِ المُهْدِي ملامتَهُ … ضلالةُ القَلْبِ في أكناف ذي ضال دَعْني أَفُضَّ شؤوني مِنْ معالمها … فالدَّمْعُ دمعيَ والأطلالُ أطلالي (٢)

стр. 9872

وقال أيضًا من شعره: [من الرمل] وبأكنافِ المُصَلَّى جِيْرةٌ … لا يُجيرونَ مُحبًّا من غَرَامْ شغلوا كلَّ فؤادي بهوًى … وأمالوا كلَّ سَمْعٍ عن سلامْ ما عليهمْ لو أباحوا في الهوى … ما عليهم من صفاتِ المُسْتَهامْ وقال في وصف مغني: [من البسيط] والله لو أنصفَ الفِتْيان أَنْفُسَهُمْ … أعطوكَ ما ادَّخروا منها وما صانوا ما أنتَ حين تغنِّي في مجالسهم … إلّا نسيمُ الصَّبا والقومُ أغصانُ (١) وولده الموفق (٢) فاقَ أبناءَ جنسه في حُسْن الخَطِّ، وتقلَّد ديوان الاستيفاء (٣) لنور الدين محمود بن زَنْكي، وتقدَّم عنده تقدَّمًا زائدًا بحيث فوَّض أموره إليه، وكان يقف ببابه بعضُ ممدوحي أبيه، ويسترفدونه، فيستحي، فَيَتَّبَّعُ شِعْرَ أبيه الذي في أيدي النَّاس، واجتهد أنْ يُسْقطَ منه المدائح، فلم يقدر لانتشاره، وَمَدَحُه الحسين بن عبد الله بن رواحة (٤)، فقال: [من الطويل] دَعَوْتُك مُشْتاقًا لنَيْلِ صَنيعةٍ … فكنتَ إلى بَذْلِ الصَّنائعِ أَشْوقا وكم عُقَدٍ حُلَّتْ بعَزْمِك لم تكنْ … تُحَلُّ بعَزْمٍ من سِواكَ ولا رُقى تفاءَلَ نورُ الدِّينِ باسْمِك مِثْلما … هوى منكَ نَعْتًا في الأُمور مُحَقَّقا فأصبحَ نورُ الدِّين في المُلْكِ خالدًا … كما كان في الرَّأي السَّعيدِ مُوَفَّقا (٥)

стр. 9873

[فصل: وفيها توفي] (١) السُّلْطان مسعود بن محمد بن ملك شاه (٢) [كما ذكرنا، وقد ذكرنا سيرته مفرَّقة في السنين، و] (١) لم ير أحدٌ ما رأى من الملوك والسَّلاطين، فلما كان في هذه السنة مَرِضَ على هَمَذَان بأمراضٍ حادَّة، وعَسُرَتْ مداواتُه، فتوفي [في] (١) سلْخ جُمادى الآخرة، وكانت أيامُه نيفًا وثلاثين سنة، وسمع الحديث [من أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وغيره] (١). ولما مات اجتمعَ رأي الأُمراء على تقرير ملك شاه بن محمود بن محمد ابن أخي مسعود، وكان مقدَّمُ العساكر والمشارُ إليه خاصبك بن البلنكري، فأجلسوا ملك شاه ثلاثة أشهر، وقيل: خمسة، ثم عَنَّ لخاصبك أن يقبضَ عليه وعلى أخيه محمد بن محمود، وينفرد بالمُلْك لبُعدِ سنجر عنه، فقال لملك شاه: إني أُريد المُلْك لكَ من غيرِ منازع، وأخوك ينازِعُك، والمصلحة أنَّني أقبض عليك وأكتبُ إلى أخيك، فإذا وصل قَبَضتُ عليه، وسَلَّمْتُه إليك. فقال: افعل. فَقَبَضَ عليه، وكتَبَ إلى محمد وهو بخُوزِسْتان يدعوه إلى السَّلْطنة، فجاء إلى هَمَذَان، فجلس على التَّخْت، ودَخَلَ النَّاسُ يهنِّئونه، ويخاطبونه في أشياء، فقال: ما لي في هذا الأمر شيء، حديثكم مع الأمير خاصبك، فهو الوالد، والكلُّ تحت يده. وقدَّم له خاصبك من المال والخيل والمماليك والخدم والجواهر شيئًا كثيرًا، وأقام بهَمَذَان أيامًا، وبلغه ما في نَفْسِ خاصبك من التَّدْبير عليه، فاستدعاه وزَنْكي الخازْندار (٣)، وشملة التُّرْكماني وهو في أعلى قصر المملكة، فلما صَعِدوا دَرَجَ القَصر أحسَّ شملة بالشَّرِّ، فقال لخاصبك: ارجع، فما هذه علامةُ خير. فلم يرجع، فلمَّا حَصَلوا في بعضِ مضايق القَصر أخذتْهم السُّيوف،

стр. 9874

فَقُتِل خاصبك والخازْندار وهَرَبَ شملة، فلم يقدروا عليه، ورمى برأسيهما، وأكلتِ الكلابُ لحومَهما، واستولى محمدٌ على أموالهما وأسبابهما ومماليكهما، وكان فيما أُخذ من خاصبك ألف ألف دينار وسبعون ألف ثوبٍ من الأطلس، وثلاث مئة مملوك، وخمس مئة فرس، ومن البخاتي والخِيَم ما لا يُحَدُّ ولا يُحصى، ومع هذا جَبُوا له مِنَ العَسْكر كفنًا كفَّنوا به ما بقي من جُثَّته من فَضْلةِ الكلاب. وخاصبك أصله تُرْكماني، كان صبيًّا أمردَ، فأحبَّه مسعود حُبًّا شديدًا، وقدَّمه على أُمرائه، فاستولى على المملكة. ثم إنَّ محمدًا بعث بالرأسين إلى أتابك إيلدكز صاحب أَذْرَبيجان، وإلى آق سُنْقُر صاحب مراغَة، فارتاعا، ونفرا من محمد، وبعثا إليه يوبِّخانه ويقولان: إذا كنتَ غَدَرْتَ بمن أَحْسَنَ إليك وملَّكك، فكيف يثقُ بكَ غيره؟ ثم بعثا رسولًا إلى سليمان شاه بن محمد (١)، وكان بزَنْجان، وحلفا له وحَلَفَ لهما، وساروا جميعًا إلى هَمَذان، فهرب محمدٌ إلى أصبهان، فأجلسوا سليمان شاه على تَخْت المُلْك، فأخذ في اللَّهْو والشُّرْب، وساعده وزيرُه فخر المُلْك أبو طاهر القاشاني، وفعل كفِعْله، فضاعت المملكة بينهما، وقَبُحَتِ السِّيرة، وندم إيلدكز وآق سُنْقُر حيث كاتباه وملَّكاه، وشَرَعا في القَبْض عليه وعلى وزيره، فلم يتمكَّنا من ذلك في هذه السَّنة. المُظَفَّر بن أَرْدَشيرد (٢) أبو منصور بن العَبَّادِي الواعظ. ولد سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، وسمع الحديث، وقَدِمَ بغداد، ووعظ بجامع القَصر والنِّظامية، وكان فصيحًا بليغًا، وترسَّل بين السُّلْطان والخليفة، فتقدَّم الخليفةُ إليه أن يُصلح بين ملك شاه بن محمود بن محمد وبين بَدْر الحُوَيزي، فمضى وأصلح

стр. 9875

بينهما، وحصل له منهما مالٌ كثير، وتوفي بالحُوَيزة (١)، وقيل: بعَسْكر مُكْرَم في ربيع الآخر، ثم حُمِلَ تابوته إلى بغداد، فدفن في دَكَّةِ الجُنَيد بالشُّونيزِيَّة، ورجع مالُهُ إلى السُّلْطان؛ لأَنَّه خَلَّف ولدًا صغيرًا، فمات الولد، ولم يكن له وارث. جلس المُظَفَّر يومًا في جامع القَصر، فوقع مطر، فلجأَ الجماعةُ إلى ظِلِّ العقود والجُدْران، فقال: لا تفرُّوا من رِشاشِ ماءِ رحمةٍ قُطِرَ عن مَتْنِ سحابِ نِعْمة، ولكن فرُّوا من شَرارٍ اقْتُدِحَتْ من زِناد الغَضَب. وقام إليه شاعِرٌ يمدحه، فقال له: اجلس. فقال: قد كان حَسَّان يمدح رسولَ الله ﷺ في المسجد. فقال المُظَفَّر: ما كان حَسَّان مستبيحًا عِرْضًا ولا مُسْتميحًا عَرَضًا. وقيل له: لِمَ آمن موسى ﵇ وكفر فِرْعون، وكلاهما ارتضعا من دِرَّة ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢)؟ فقال: لأَنَّ موسى فاء، وفرعون قاء. السنة الثامنة والأربعون وخمس مئة فيها انحلَّ أمر بني سَلْجوق باستيلاءِ الغُزِّ على سنجر. ذكر السبب: لما التقى خاقان ملك التُّرْك وخُوارَزْم شاه والغُزّ بسنجر وكسروه، وعاد خاقان إلى بلاده وخوارزم شاه إلى خُوارَزْم نَزَلَ الغُزُّ بنواحي جَيحُون وسَمَرْقَنْد بين التُّرْك وأعمال خوارزم آمنين، وبقي في قَلْب سنجر ما جرى عليه منهم، فالأمر بينهم موقوف، وقد صالحَ خُوارَزْم شاه، فجهَّز سنجر إلى الغُزِّ العساكر مع الأمير قماج، فبيَّتهم، وجاءهم على غِرَّةٍ، فكسروه، وقَتلوا ولده، وغَنِموا ما كان معه، فعاد إلى سنجر مهزومًا، ثم ورد جماعةٌ من شيوخهم على سنجر، وقالوا: قد بعثتَ إلينا مرَّتين، ونَصَرَنا الله عليك، والبغي مَصرعك، ونسأَلُك إهدارَ ما جرى ونكون في

стр. 9876

خِدْمتك وطاعتك، ولا نريد منك شيئًا، بل نجعل لك علينا كلَّ سنةٍ قطيعة خمسين ألف رأس من الخيل والبخاتي، ومثلها من الغنم، ومئة ألف دينار. فأشار عليه أعيانُ أهل مملكته بالصُّلْح، وأشار عليه قماج أن لا يصالح، فمال إلى قوله، وردَّ الشُّيوخ خائبين، فعادوا إلى أصحابهم، وقالوا: استعدُّوا، فلا بُدَّ له من قَصدكم. فجاؤوا إلى صحراء واسعة كالحَلْقة الدَّائرة، والجبالُ محدِقةٌ بها، وليس لها طريقٌ إلّا من مضيقٍ واحد، فضربوا خَرْكاواتهم (١) فيها، وجعلوا الأموال والمواشي حولها كالسُّور، وجعلوا بين الخَرْكاوات خِلالًا مثل الأبواب، وجاءهم سنجر بعساكره، فدخل من ذلك المضيق، ونَشِبَ القتال، فكانت سهامُ عَسْكر سنجر تقع في الخَرْكاوات والجمال والخيل، وسهام الغُزّ لا تقع إلا في فارس، وكان سنجر قد وقف عند المضيق في جماعةٍ من أصحابه، ولم يدخل ينتظر الدَّبرة (٢)، وصَدَقَ الغُزّ الحَمْلة، فطرحُوا المُسْلمين مثل الغَنَم، وقُتِلَ قماج ومعظم عسكر سنجر، وهرب مَنْ بقي إلى ناحية المضيق، فلحقهم الغُزُّ، فأفنوهم من قبل وصولهم إلى المضيق، وخرج الغُزُّ من المضيق وسنجر واقف في بقايا عسكره، فتقدَّم إليه كبراؤهم، وترجَّلوا، وقبَّلوا الأرض، وقالوا: سأَلْناكَ الصُّلْح فأَبَيتَ وأنتَ سُلْطاننا كلّنا، وقد قُتِلَ بعضُ عبيدِك وبقي البعض؛ يشيرون إلى نفوسهم. ثُمَّ أفردوه عن أصحابه وكأنَّهم في خِدْمته، وهو مثل الأسير يجلسونه على السَّرير لا غير، وتفرَّق عنه عسكره، وجاؤوا به إلى خُراسان، فنزلوا بَلْخ، ثم انبثُّوا في خراسان يَقْتُلون ويأسِرون وَيسْبُون، وهو معهم لا يملك لنفسه ضَرًّا ولا نَفْعًا، وعملوا له بعد ذلك قفصًا من حديد وجعلوه فيه، وكانوا إذا أتوه بطعامٍ يدَّخر منه لوقتٍ ينسونه فيه، وكان يخدم نفسه وليس معه أحد، واقتصَّ الله منه للمسترشد والرَّاشد. وفيها: بعث الخليفة ترشك المقتفَوي وأبا البَدْر ظفر بن الوزير يحيى بن هُبيرة، ونجاح الخادم إلى قلعة تكريت، وبها مسعود البِلالي من جهة السُّلْطان مسعود، فجرى

стр. 9877

بين ترشك وبين ظفر بن هُبيرة منافسة في الرُّتْبة، وأراد ترشك أن يكون أمره على ابنِ هبيرة فلم يفعل، وكتَبَ إلى الخليفة يشكوه، فأرسل إلى ابنِ هبيرة بالقَبْضِ عليه، وأَحَسَّ ترشك بذلك، فكتب إلى القلعة يقول لمسعود: أنا معك، وقد عَزَمْتُ على قَبْضِ ابنِ الوزير ومن معنا من الأُمراء، وأُسَلِّمهم إليك. ثم قال للعساكر: اركبوا للزَّحْف، فركبوا، واشتغلوا بالقتال، فَقَبَضَ (١) ترشك على ابنِ الوزير ونجاح ويرنقش، وبعث بهم إلى القلعة، وأخذ أموالهم وسلاحهم وخيولهم، ونَزَل مسعود من القلعة، وخَلَعَ على ترشك الخِلْعة التي خَلَعَ عليه السُّلْطان، وأعطاه الخيل بمراكب الذَّهب، والأموال، وأضاف إليه التركمان، وقصدوا طريقَ خُراسان، فخرج الخليفة بنفسه ووزيره، فهربوا من بين يديه. وجاء الخليفة إلى تكريت، وأقام عليها أيامًا، ثم رجع إلى بغداد، وبلغه أن ملك شاه استولى على واسط، فخرج إليها، فانهزم ملك شاه، فعاد الخليفة إلى بغداد. وفيها قُتِلَ عليُّ بن السَّلار، وزيرُ الدِّيار المِصرية. وفيها ضايقتِ الفرنجُ عَسْقلان، فبعثوا إلى نور الدِّين ومجير الدين أبق [صاحب دمشق] (٢) يستصرخون بهما، فتوجَّه مجيرُ الدِّين إلى حلب بعساكره يوم السبت ثالث عشرة المحرَّم، واجتمع بنور الدِّين، وعند نور الدِّين تركمان كثير، فاتَّفقوا على النُّزول على بانياس ليَشْغَلُوا قلوبَ الفرنج النَّازلين على عَسْقلان، فساروا إليها ونزلوا عليها يوم السَّبت تاسع عشرين صفر، وليس فيها من الفرنج من يحميها، فوقع الخُلْف بين المسلمين، فعاد مجيرُ الدِّين إلى دمشق ونور الدِّين إلى حِمْص. وعند عَوْدِ مجير الدِّين من بانياس، أُخرج الوزير ابن الصُّوفي من دمشق، وكان قد امتنع من دخول القَلْعة، وإذا أَمَرَ مجيرُ الدِّين بأمرٍ لا يلتفتُ إليه، وجرى بينه وبين أخيه زين الدَّوْلة مشاجراتٌ، فاتَّفق مجيرُ الدِّين مع زينِ الدَّوْلة، ووعده الرِّياسة على أَنْ يُساعد على إخراج أخيه من دمشق، وبَعَثَ إليه بمالٍ، فأجابه باطنًا، وأرسل مجيرُ

стр. 9878

الدِّين إلى الرَّئيس يستدعيه إلى القلعة ليصلح بينه وبين أخيه، فامتنع، وتحصَّنَ في داره، وجَمَعَ العوام، فأرسل إليه مجيرُ الدِّين: اخرُجْ من البلد. فاستعانَ بأخيه وأَهْله، فلم يُجِبْه أحد، فخرج إلى صَرْخد في جُمادى الأُولى وفيها مجاهد الدين بُزان الكُرْدي، فتلقَّاه وأكرمه وأنزله، ولم يتعرَّض مجيرُ الدِّين إلى مالِ الرئيس ولا لداره ولا لبُسْتانه بالنَّيْرب، وقلَّد أخاه زين الدَّولة مكانه، وخَلَعَ عليه، وأمر ونهى، ولم تكن سِيرتُه مرضيةً فيما يتعلَّق بالرُّشْوة مع العَجْزِ والتَّقصير، ثم إنَّ مجير الدِّين عَزَلَه بعد ذلك وقَتَله. ورأى مجيرُ الدين أَنْ يتوجَّه إلى عطاء الخادم ببَعْلَبَكَّ يستعين به على تَدْبير المملكة، فتوجَّه إليها، وعاد وعطاء معه، واستشعر مجاهد الدين بُزان، وأقام بصَرْخد، ولم يَعُدْ إلى دمشق بغير يمين، وأرسل [إلى] (١) مجير الدِّين يَطْلُب ذلك، فوعده، وبقي الأمر موقوفًا. وفيها ملكتِ الفرنج عَسْقلان، لأنهم ضايقوها، وقُتِلَ من الفريقين خَلْقٌ كثير وعَجَزَ مَنْ فيها، فطلبوا الأمان، فأَمَّنوهم، وكان بها من الذَّخائر والعُدَد والغِلال ما لا يُحصى، [وبلغني أن سبب تسليم عسقلان إلى الفرنج] (٢) أنَّ أهلها كانوا في ضائقة يرتقبون كلَّ يوم الأصطول والنجدة من مِصر، فبينا هم في آخر نَفَس وإذا بمركبٍ صغير قد أقبل من مِصر، فاستبشروا، وإذا فيه رجلٌ ومعه كتاب من مِصر إلى الوالي يقول: ساعة وقوفك على هذا الكتاب تنفِّذ لنا من مقصبة عَسْقلان باقة قصب غلاظًا نجعلها شَبَّابات. فقال للرَّسول: نعم إلى غداة غدٍ. ثم خَرَجَ في الليل إلى الفرنج، وأخذ أمانًا لأهل البلد، فلما طلع الفجر فَتَحَ الأبواب، ودخَلَ الفرنجُ البلد، فأحضر القاصِدَ بالكتاب، وقال: هذا هو الجواب. [وقيل: إن صاحب مصر نَقَلَ رأس الحسين ﵇ من عسقلان إلى مِصر، وقد ذكرناه في ترجمته] (٣).

стр. 9879

وفيها عاد ابنُ الصُّوفي (١) من صرخد بأيمان مجير الدين وعهوده، وأقام بداره، وطاب قلبه، ثم استوحش منه، وبلغه عنه ما اقتضى أنَّه هَرَبَ نحو صرخد، فبعثَ الخيلَ في طلبه، فأدركوه، فحبسه في القلعة [واعتقل بها] (٢) اعتقالًا جميلًا، ثم ظهر من أخيه زين الدولة حيدره ما أوجب قَتْلَه، فقتله مجيرُ الدين، وقَتَلَ عطاءَ الخادم. وحَجَّ بالنَّاس قيماز الأُرْجُواني. فَصل: وفيها توفي أحمد بن أبي غالب (٣) أبو العباس [الورَّاق] (٤) ابن الطَّلَّاية (٥) الزَّاهد، من أهل دار القَزّ. وُلد بعد الستين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث وتفقَّه، ولازم مسجده سبعين سنة، لم يخرج منه إلا يوم الجمعة للصَّلاة، وقرأ عليه القرآن عالمٌ كثير، وكان زاهدًا [متقلِّلًا] (٤) في الدنيا، متعبِّدًا، لا يفتر [من العبادة لا] (٤) ليلًا ولا نهارًا حتى انطوى طاقين (٦)، وكان عليه ثوب خام، وعلى رأسه زراغوج (٧)، وتحته بارِيَّة، وعنده

стр. 9880

جرَّة فيها كِسَرٌ يابسة ألوان مختلفة، ولم يكن في زمانه أعبدُ ولا أزهدُ منه، وتوفي في رمضان، وقد قارب الثمانين، وكان له يوم مشهود [(١) مثل يوم أبي الحسن القزويني الزَّاهد (٢)، وحُمل إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبي الحسين بن سَمْعُون. ذِكْرُ حكايتهِ مع السُّلْطان مسعود: سمعتُ مشايخ الحربية يحكون عن آبائهم وعن أجدادهم، قالوا: لما دخل السُّلْطان مسعود بغداد كان] يحبُّ زيارة العلماء والصَّالحين، فطلب المشايخ، فمضى بعضهُم إليه، وبلغه حال ابنِ الطَّلاية، فطلبه، فقيل له: إنه لا يخرج من مسجده. فقال: أرسلوا إليه. فجاءه الرسول، وقال: السُّلْطان يُسَلِّم عليك ويعتذر إليك من تأَخره عن زيارتك، ويسألك أَنْ تجتمع به. فقال لرسوله: أنا منذ سبعين (٣) سنة في هذا المسجد أنتظر داعي الله في النَّهار خمس مرَّات، فإذا دعاني ولم أُجِبْه، فما عذري عند الله؟ فعاد الرَّسولُ إلى مسعود، فأخبره، فبكى، وقال: أنا أَوْلى من مشى إلى هذا العبد الصَّالح. فلمَّا كان في اليوم الثَّاني ركب مسعود، وأتى إلى مسجده، فوافاه وهو في صلاة الضُّحى، وكان من عادة الشيخ (٤) أن يصلِّيها ثماني ركعات بثمانية أجزاء، فجاء وقد صلَّى أربعًا، فدخل المسجد ومعه خادمٌ صغير بين يديه، وأمر العساكر أن يقفوا على خيولهم، فصلى السُّلْطان رَكْعتين، وقام، فوقف خلف الشيخ، فصلى تمام ثماني ركعات وسَلَّم، وعلم به، وقام ليدخل في تاسعةٍ لئلا يجتمع به، فقال له الخادم: يا شيخ، السُّلْطان قائِمٌ على رأسك منذ زمان، وتريد أن لا تكلمه! فقال الشيخ: وأين مسعود؟ فتقدَّم إليه، وقال: ها أنا، فقال: يا مسعود اعدل وادعُ لي. الله أكبر؛ ودخل في الصَّلاة، فجلس مسعود يبكي، واستحضر دواةً وبياضًا، وكتب بخطِّه ورقةً بإزالة المكوس والضَّرائب والفساد، ومن نزل دارَ أحدٍ

стр. 9881

أو تعدَّى عليه قَتَلْتُه، وتاب السُّلْطان توبةً صادقة، وخرج من وقته إلى هَمَذَان، فتوفي وهو على هذه النِّيَّة، فاستقامتِ الأحوال ببركة نَفَس الشَّيخ أحمد. أحمد بن منير [بن أحمد] (١) أبو الحسين، الشَّاعر الطَّرابُلسي الرَّفَّاء (٢) [أحد شعراء الشام المتأخرين] (١). ولد سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة بطرابلس، [وقال الحافظ ابن عساكر: وكان أبوه منير] (٣) ينشد أشعار العَوْني ويتغنَّى بها بأسواق طَرابُلُس، ونشأ [ابنه] (١) أحمد، فحَفِظَ القرآن، وقرأ العربية واللّغة والأدب، [وقال الشعر] (١)، وقدم دمشق، فأقام بها، وكان خبيثَ اللِّسان كثير الفحش [في شعره، يستعمل الألفاظ العامية في شعره، فلما كثُر ذلك منه حبسه بوري بن طغتكين في حبس دمشق] (٤)، وعزم على قَطْعِ لسانه، فاستوهبه منه الحاجب يوسف بن فيروز، فوهبه له، [فأقام منفيًّا مدة إمارة بوري] (١) فلما مات بوري [وولي إسماعيل بن بوري] (٥) عاد إلى دمشق، فبلغه عنه شيءٌ، فطلبه ليصلبه، فهرب واختفى بمسجد الوزير ظاهر دمشق، [ثم هرب إلى حلب، وجاء مع نور الدين في الحصار الثاني، ثم عاد إلى حلب، قال الحافظ: وقد رأيته غير مرة، ولم أسمع منه شيئًا، وأنشدني من شعره الأمير أبو الفَضْل إسماعيل بن سُلْطان بن منقذ، قال: أنشدني أحمد بن منير مقطعاتٍ من شعره] (٦) وهجا برهان الدِّين البَلْخي الزَّاهد وغيره.

стр. 9882

[قال] (١): ومات بحلب في جُمادى الآخرة [من هذه السنة] (١). [قال (٢): وحدثني إبراهيم بن محمد القيسي صديق ابن منير، وعنده اختفى في مسجد الوزير، وفي رواية عن ابن عساكر: رأيت بخطِّ صديقه أبي إسحاق إبراهيم بن محمد القيسي، قال: حدَّثني] الخطيبُ السَّديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، [قال] (١): رأيتُ أحمدَ بنَ منير بعد موته في النَّوم، وأنا على قُرْنة (٣) بُبْستان مرتفعة، فسألتُه عن حاله، وقلتُ: اصعَدْ إلى عندي. فقال: ما أقدر من رائحتي. قلتُ: تشرب الخمر؟ قال: شَرٌّ من شُرْب الخمر يا خطيب. قلت: وما هو؟ قال: ما جرى على لساني من القصائد التي قُلْتُها في مثالبِ النَّاس، ولساني قد ثَخُنَ منها وطال، فصار مَدَّ البصر، وكلَّما قرأتُ منها قصيدةً صارت كُلَّابًا يتعلَّق في لساني. [قال] (١): ورأيتُه حافيًا عليه ثيابٌ رَثَّة إلى غايةٍ، وسمعتُ قارئًا يقرأ من فوقه ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: ١٦] فانتبهتُ مَرْعوبًا (٤). [وذكره العماد في "الخريدة"، وقال: كان شاعرًا مجيدًا، هجَّاء، معارِضًا لمحمد بن القَيْسراني في زمانه، وكان ابن القيسراني سُنِّيًا متورِّعًا، وابن منير متغاليًا شيعيًّا إلا أنه قال: مات ابن منير في سنة خمسين وخمس مئة (٥). قلتُ: وَهِمَ، والصَّحيح ما ذكره ابنُ عساكر وابن القلانسي أن ابن القيسراني مات في سنة [ثمانٍ و (٦)] أربعين وخمس مئة. قال ابنُ القلانسي (٧): كلاهما ماتا في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة] (١). وكان شيعيًّا متغاليًا، وهجا بني الصُّوفي، فطلبوه، فانتقل إلى شَيْزر، واستجار ببني مُنْقِذ، والتجأ إلى نور الدِّين، وكان غيرَ مجيدٍ في المديح، ومن شِعْره: [من المنسرح]

стр. 9883

أحلى الهوى ما تحلّه التهم (١) … باحَ به العاشقون أو كتموا أغرى المحبِّينَ بالأَحِبَّة (٢) فالـ … ــــعَذْل (٣) كِلامٌ أسماؤها كَلِمُ سَعَوْا بنا لا سَعَتْ بهم قَدَمٌ … فلا لنا أَصلَحوا ولا لَهُمُ ضَرُّوا بِهِجْراننا وما انتفعوا … وصدَّعوا شَمْلَنا وما التأموا يا رَبّ خُذْ لي من الوشاة إذا … قاموا وقمنا لديك نَخْتَصِمُ يا قَمَرًا أصبحتْ محاسِنُهُ … تَنْهَبُ ألبابَنا وتَقْتَسِمُ فيك معانٍ لو أَنَّها جُمِعَتْ … للشَّمْسِ لم يَغْشَ نورَها ظُلَمُ إنْ يَحْسُدُوْني فلا أَلُومُهُمُ … مِثْلُكَ تَسْمُو بحُبِّه الهِمَمُ وأين كان الموحِّدون وقد … وحَّد قَلْبي هواكَ قَبْلَهُمُ (٤) وقال: [من الكامل] وإذا الكريمُ رأى الخُمولَ نَزِيلَهُ … في مَنْزِلٍ فالحَزْمُ أَنْ يترحَّلا كالبَدْرِ لما أَنْ تضاءَلَ جَدَّ في … طَلَبِ الكمالِ فحازه مُتَنَقِّلا سَفَهًا بحِلْمك إن رضيتَ بمشربٍ … رَنْقٍ (٥) ورزقُ اللهِ قد ملأَ الملا ساهمتَ عِيْسَك مُرَّ عَيشِك قاعدًا … أفلا فَلَيتَ بهنَّ ناصية الفلا للقَفْرِ لا للفَقْر هَبْها إنَّما … مَغناكَ ما أغْناك أَنْ تتوسَّلا لا تَرْضَ مِنْ دُنياك ما أدناك مِنْ … دَنَسٍ وكُنْ طيفًا جلا ثم انجلى وصِلِ الهجيرَ بهَجْرِ قَوْمٍ كلَّما … أمطرتَهُمْ عَسَلًا جَنَوْا لكَ حَنْظلا طُبِعُوا على لُؤْمِ الطِّباعِ فَخَيرُهُمْ … إنْ قلتَ قال وإنْ سكَتَّ تقوَّلا فارِقْ تُرَقْ كالسَّيفِ سُلَّ فبان في … مَتْنَيه ما أخفى القِرابُ وأَخْملا لله عِلْمي بالزَّمانِ وأَهْلِهِ … ذَنْبُ الفضائِلِ عندهم أَنْ تَكْمُلا

стр. 9884

يا بَرْقُ هل لي في احتمالِ تحيَّةٍ … عَذُبَتْ فكانتْ مِثْلَ مائك سَلْسلا عَرِّضْ بذي المَجْدَينِ لي وأَبِنْ له … جُمَلًا أَبَتْ لي أَنْ أُرى متجمّلا أنا غَرْسُ نِعْمَتِك الذي غَذَّيتَهُ … خَطَراتِ عَطْفِك فارتوى وتهلَّلا فعلامَ تَحْبِسُ عنه ما عَوَّدْتَهُ … أَأَمِنْتَ ناضِرَ عُوده أَنْ يَذْبُلا أصبحتُ تَلْفِظُني البلادُ كأنَّني … لفظُ البليغِ أكنَّ معنًى مُشْكِلا وأَشدُّ ما أشكوه أَنَّك مُعْرِضٌ … يا ضَيْعتي إنْ كان ذلكَ عن قِلى (١) وقال أيضًا من شِعْره: [من المجتث] ما كان عَهْدُك إلا … مِثْلُ السُّلُوِّ مُحالا بل كان زُورَ خِضابٍ … نما وفي الحالِ حالا لم أحظَ منكَ بَسُؤْلٍ … وقد فنيتُ سؤالا أما تعلَّمْتَ شيئًا … من الكلامِ سوى لا (٢) وقال: [من مخلع البسيط] عَدِمْتُ دَهْرًا وُلدْتُ فيه … كم أَشْرَبُ المُرَّ مِنْ بَنِيهِ ما تَعْتَرِيني الهمومُ إلّا … من صاحبٍ كنتُ أَصطَفِيهِ فهل صديقٌ يباعُ حتى … بمُهْجتي كنتُ أَشْتَريهِ يكونُ في قلبه مثالٌ … يُشْبِه ما صاغَ لي بفِيهِ وكم عَدُوٍّ رَغِبْتُ عنه … فعِشْتُ حتى رغبتُ فيه (٣) تِمِرْتاش بن نَجْم الدِّين إيل غازي (٤) حسام الدِّين، صاحب مارِدِين وديار بكر.

стр. 9885

كان شجاعًا عالمًا، جَوَادًا عالمًا، يحبُّ العلماء والفضلاء، ويبحث معهم في فنون العلوم، ولا يرى القَتْل ولا الحبس، وكان له من الذِّمَّة وحِفْظِ الجِوار ما لم يكن للعرب العاربة، وكان ملجأَ القاصدين، وملاذ الطَّالبين، وكانت وفاتُهُ يوم الخميس ثاني ذي القَعدة، ودفن بالمشهد الذي بناه تحت مارِدِين، وكان قد نقل إليه أباه [نجم الدين] (١) وأهله، وأقام واليًا نيفًا وثلاثين سنة وقام بعده ولده ألبي [بن حسام الدين، وتمم جسر القرماني] (١) سنة تسع وأربعين [وخمس مئة] (١)، وأقام حسن السيرة، عادلًا في الرَّعية. حَيْدرة بن الصُّوفي (٢) الذي أقامه مجيرُ الدِّين مقام أخيه، تجدَّد منه سَعْي بالفساد، فاستدعاه مجيرُ الدِّين إلى القَلْعة على حين غَفْلَةٍ لسوءِ أفعاله وقُبْح ظُلْمه، فضُربت عنُقُه مستهل ذي القَعدة، وأُخرج رأسه إلى حافَةِ الخندق، ثم طِيفَ به والنَّاس يسبُّونه ويصفون أنواع ظُلْمه ومقاسمته اللُّصوص وقُطَّاع الطريق لأموال النَّاس، ونهبتِ العامةُ دُوره وأمواله ومتاعه، وَرَدَّ مجيرُ الدِّين رياسة البلد إلى رضيِّ الدِّين أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التَّميمي، ثم خَلَعَ عليه خِلْعة الوزارة، ولقَّبه وجيه الدَّوْلة سديد الملك، فخر الكُفاة، عزّ الموالي، شَرَفَ الرُّؤساء، وسُرَّ النَّاسُ بولايته لعِفَّته. عبد القادر بن علي بن محمد (٣) أبو الفَضْل، الشَّريف الواسِطي. اتصل بمحمد بن بُوري صاحب بَعْلَبَك، وكان يُعلِّم ولده مجير الدِّين، ثم غَضِبَ عليه أبق، فنفاه من دمشق، وبعث إليه مَنْ قَتَلَه في طريقه، ومن شعْره: [من الطويل] غرامٌ وهل بَعدَ المشيبِ غَرَامُ … وسُقْمٌ وهل بعد الفَنَاءِ سَقَامُ

стр. 9886

وما شَعَراتُ الشَّيْبِ إلا نوابلٌ … لها في سُوَيداء الفُؤاد سِهامُ وبينَ قِبابِ الحيِّ من آل عامرٍ … شموسُ ضُحًى أفلاكُهُنَّ خيامُ لهنَّ شروقٌ في حَشَاها ومَغْرِبٌ … ومنها إليها رِحْلةٌ ومُقامُ عطاء الخادم، والي بَعْلَبَكَّ، مملوك بُوري (١) كان مجير الدِّين أحضره من بَعْلَبَك بنفسه، وفوَّض إليه أمور دمشق، فاستبدَّ بالأمور، ومَدَّ يده إلى الظُّلْم، وأَطْلق لسانه بالهُجْر والفُحْش، فقبضَ عليه مجيرُ الدِّين، واستولى على ما في داره، وطالبه بتسليم بَعْلبك، وضَرَبَ عُنُقَه في ذي الحِجَّة، وسُرَّ النَّاسُ بقَتْله لظُلْمه، ونهبوا بيوتَ أصحابه. ويقال: إنَّ نور الذين أشار على مجير الدِّين بقتله ليتمكَّنَ منه. [فصل (٢): وفيها توفي بُرْهان الدِّين البَلْخي الزَّاهد (٣) واسمه علي بن محمد (٤)، وكنيته أبو الحسن الحنفي. ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: تفقَّه بما وراء النَّهر على البُرْهان بن مازه ببخارى، وعلى جماعة من الأئمة، وسمع الحديث بما وراء النهر وبغداد ومكة، وقدم دمشق في سنة بضع عشرة وخمس مئة، فنزل المدرسة الصادرية بباب البريد، ومدرِّسها يومئذ علي بن مكي (٥) الكاساني، فَعُقِدَ له مجلس المناظرة،

стр. 9887

وجلس للوعظ، وكان عنده صِدْقٌ، فوقع له القَبُول في قلوب النَّاس، فحسده الكاساني، وتعصَّب عليه الحنابلة، لأنه أظهر خلافهم، فَعَزَفَتْ نفسه عن المقام بدمشق]. فمضى إلى مكَّة وجاور بها، وكان إمامَ الحنفية في المسجد الحرام: ثم [(١) ندِمَ الكاساني على خروجه من دمشق، فكاتبه بالعَوْد إليها، فخرج من مكة، وجعل طريقه على بغداد، ووصل إلى] دمشق، وسَلَّم إليه الكاساني المدرسة الصَّادرية [عن تراضٍ منه. قال الحافظ] (٢): وكان صحيحَ الاعتقاد، حَسَنَ السَّمْت، سخيَّ النَّفْس، زاهدًا في الدنيا، وجُعِلَتْ له دار طَرْخان مدرسةً؛ ودرَّس بها وبمسجد خاتون، ووقفت عليه الأوقاف، وكَثرتْ عليه الفتوح، فما التفت [إليها] (٣). وكان قد تزوَّج ابنة القاضي الشريف أبي الفضل إسماعيل (٤) بن إبراهيم، فادَّعى أخوها عدم الكفاءة، فانتسب البَلْخيُّ إلى جعفر بن أبي طالب ﵁، وثبت نسبه، وعرف النَّاسُ صحَّته، فقال الوأواء أبو الفرج (٥): [من المنسرح] قُلْ لعليٍّ أخي المكارِم سُبْـ … ــــــــــــحانَ إلهٍ على العُلا وقَفَكْ كم قد رأينا من مُدَّعٍ شَرَفًا … وأنتَ في الخَلْقِ كاتمٌ شَرَفَكْ تَسْتُرُ فَضْلًا تَحْوي كأنَّكَ لا … تعرفُهُ ساعةً وقد عَرَفَكْ حِلْمٌ وعِلْمٌ ونائلٌ وحِجا … يقارنُ العِيَّ كلُّ مَنْ وصَفَكْ تجودُ بالفَضْلِ لليتيم ولِلْـ … ــمِسْكينِ جُودًا تَقْفو به سَلَفَكْ (٦)

стр. 9888

ثم خرج من دمشق إلى حلب، فأزال من الأَذَان "حيَّ على خير العمل" ثم عاد إلى دمشق، فَثَقُلَ على معين الدِّين مكانه، فأخرجه إلى بُصرى وبها الأمير سُرْخاك فأكرمه، وأقام عنده [(١) وما كان ذنب البَلْخي عند ابن منير الشَّاعر إلا أنه غيَّر الأذان في حلب، وأزال منه "حي على خير العمل". وقال ابن عساكر: ثم عاد إلى دمشق في أول مملكة نور الدين محمود بن زنكي بعد خروج أبق منها، وتوفي في شعبان سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، ودفن بالباب الصَّغير]. [قلت (٢): وقولُ ابنِ عساكر: ثم عاد إلى دمشق في أول مملكة نور الدين فيه نظر، لأنه قال: توفي البرهان في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، ونور الدين إنما تملك دمشق في سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وقد حكى لي جماعةٌ من مشايخ دمشق سنة خمس وست مئة عن آبائهم أنهم يذكرون حضور نور الدِّين مجلس البَلْخي] بدمشق في الجامع وما كان يخاطبه إلّا بمحمود، وكان القُطْب النَّيْسابوري بدمشق، فسألَ نور الدين أَنْ يحضر مجلسه، فحضر، فَشَرَعَ يخاطبه بمحمود، فشق على نور الدين، وقال للحاجب: اصعد إليه، وقل له لا يخاطبني باسمي، فلما فرغ [من] (٣) المجلس سأله الحاجب عن ذلك، فقال [لي] (٣): إنَّ البَلْخي إذا قال [لي] (٣) يا محمود قامتْ كلُّ شَعْرة في جَسَدي هيبةً له، ويَرِقُّ قلبي، والقُطْب إذا قال يا محمود يقسو قلبي ويضيق صدري، ولو كان صادقًا لأَثَّر في قلبي.

стр. 9889

[قلتُ] (١): كان القُطْبُ غريقًا في بحار الدُّنيا، و [كان] (٢) البلخي مجردًا لا يلتفت [إليها -يعني الدنيا- وكان] (٢) إذا بلغه ما يكره أخذ سجَّادته على كتفه، وخرج ويقول: أيش على قلب عليّ؟ [قلت: ويحتمل أن تكون هذه الواقعة كانت بحلب] (٢). عليُّ بنُ السَّلَّار أمير الجيوش بمِصر (٣) ويلقب بالملك العادل. كان قد استولى على مِصر، ولم يبق للظافر معه حُكْم، فاتَّفق الظَّافر مع عَبَّاس بن أبي الفتوح الصّنهاجي على قَتْله، فدخل عليه عَبَّاس وهو سَكْرَان، فَقَطَعَ رأسه، وبعث به إلى الظَّافر. وقال ابنُ القلانسي: إنَّ عَبَّاسًا كان ابنَ امرأةِ عليِّ بن السَّلار، والذي قتل ابنَ السَّلار ابنُ عَبَّاس (٤)، وكان قَتْلُه في المحرَّم. محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح (٥) أبو علي، الفقيه البغدادي، وأَصلُه من بِسْطام (٦)، وتوفي سَلْخ رجب. ومن شعره: [من الوافر] على تلك العِراص بجَرْجرايا (٧) … من الأنواءِ أنواعُ التَّحايا

стр. 9890

ديارٌ كنتُ آلفُها وأَغْشى … بها هَيفاءَ واضحةَ الثَّنايا فغيَّر آيَها صَرْفُ اللَّيالي … وبدَّل أَهْلها بالقُرْب نايا غَدَتْ أيَّامُها سُودًا وكانتْ … ليالينا بها بِيضًا وضايا وَبَتَّ الدَّهْر حَبْلَ الوَصلِ لَمَّا … تواصَلَتِ النَّوائبُ والرَّزايا وقال أيضًا من شعره: [من السريع] ما مِحْنةٌ إلا لها غايةٌ … وفي تناهِيها تَقَضِّيها فاصبِرْ فإنَّ السَّعْيَ في دَفْنِها … قَبْلَ التَّناهي زائدٌ فيها يوسف بن محمد بن فارو (١) أبو الحَجَّاج الأندلسي، سافر عن المغرب، ودخل بغداد وخُراسان، وتوفي ببَلْخ في ذي القَعدة، ومن شعره في الإجازة: [من الوافر] أَجَزْتُ لهمْ روايةَ ما أَحبُّوا … من المَسْمُوعِ لي والمُسْتجازِ لأحظى منهمُ بدعاءِ خَيرٍ … وفي الأُخرى من اللهِ المُجازي وخطُّ المَغْرِبيِّ لهمْ شهيدٌ … على وَجْه الحقيقةِ لا المَجَازِ السَّنة التَّاسعة والأربعون وخمس ومئة فيها بَعَثَ المقتفي رسولًا إلى تكريت بسبب عِزِّ الدِّين ابن الوزير ونجاح ويرنقش، فقبضوا على الرَّسول، فخرج الخليفةُ يوم الجمعة غُرَّة صفر بعساكره، فنزل على تكريت، فهربَ أهلُ البلد، ودَخَل العسكر البلد، فنهبوه، وشعَّثوا بعضه، ونصب الخليفة على تكريت ثلاثةَ عَشَرَ منجنيقًا، ووقع من سورها عِدَّةُ أبراج، وأقام القِتال يعمل إلى ثالث عشرة ربيع الأوَّل، فهبَّتْ ليلة الأربعاء بعد العِشاء ريحٌ شديدة أظلمتِ الدُّنيا، وظهر في الجوِّ نيرانٌ عظيمة، وتقطَّع سُرادق الخليفة، وأصبحوا، فباكروا

стр. 9891

القتال، وأشرفت على الأَخْذ، ورأى الخليفةُ النَّاسَ يُقْتلون، فساءه ذلك، ورَفَعَ القتال، ورأى أَنَّ الأمر يطول، فرحل إلى بغداد في آخر ربيع الأول. وبعث صاحبُ المَوْصِل إليهم يقول: أطلقوا الأسارى، وأنا أَشْفع فيكم. فلم يلتفتوا، فجهَّزَ الخليفةُ الوزير، فخرج إلى تكريت، ووصل الخبر أَنَّ مسعود بلال والبقش نزلا شَهرابان (١)، وأنَّ السُّلْطان محمدًا على قَصدِ بغداد، وقد كاتباه وحثَّاه على القدوم، فتمكنتِ الوَحْشة بين محمد وسنجر والخليفة، واستأذنا محمدًا في التقدُّم إلى بغداد، فأذِنَ لهما، فأَنزلا رسلان بن طُغْرلْبَك (٢) من قلعة تكريت ليكون الاسمُ له -وكان محبوسًا بها- والتأم إليهم من التركمان اثنا عشرة ألف خركاة (٣)، وجاء الخليفةُ بعساكره، والتقوا، فانهزمت ميسرةُ الخليفة، وضربوا على خزانته، وتتعْتَعَ القلبُ والخليفة والوزير فيه، وعلى رأس الخليفة الشَّمْسة، والمَهْدُ بين يديه، والأعلام خَلْفه، والكوسات تخفُقُ، وثَبَتَ الخليفةُ ثباتًا عظيمًا، وضَعُفَتِ الميمنةُ لما انهزمتِ الميسرة، فجاء منكوبرس وقويدان -وكانا فارسَين عظيمين- فترجَّلا، وقبَّلا الأرض للخليفة، وقالا: بالله يا أمير المؤمنين، اثبت ساعة لنقاتل بين يديك، فإنَّا إذا رأيناك قويت قلوبُنا. فقال: لا والله إلا وأنا معكما. ثم رمى الطَّيلسان، وجَذَبَ السيف، وفعل وليُّ عهده كذلك، وكبَّرا، وصاح الخليفة: يا آل مُضَر، كذب الشَّيطان ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وحمل وحملتِ العساكر، فكان يُسْمَعُ وَقْعُ الدَّبابيسِ والسُّيوفِ على الحديد كوقع المطارق على السَّنادين، فانهزمَ القوم لا يلوون على شيء، ونُهبت أموالُ التُّرْكمان، فأُخِذَ منهم أربعة آلاف رأس غنم، ومن الخيل خمسون ألفًا، ومن الجمال ما لا يحصى، ونُهبت نساؤهم وأموالهم وبناتُهم، وبِيعَ كلُّ كبشٍ بدانقين، وكلُّ فرس بدِرهمين، وكلُّ جَملٍ بخمسة دراهم، وأمر الخليفة برَدِّ السَّبْي على أهاليهم، وأخذ البقش الصَّبيَّ (٤) وهرب إلى بلده، ومضى مسعود وترشك إلى تكريت، وعاد الخليفة إلى بغداد في غُرَّة شعبان، وكانت الوقعة في رجب.

стр. 9892

ثم نزل مسعود بلال وترشك من تكريت، ومضيا إلى واسط فنهباها، فجهَّزَ الخليفةُ الوزير إليهما، فانهزما، وغَنِمَ الوزير أموالهما، وعاد إلى بغداد، فخَلَع عليه الخليفة، ولقّبه سُلطانَ الجيوش ملكَ العراق. وخرج العسكر يوم عيد رمضان في زِيٍّ لم يُرَ مِثلُه، فلمَّا كان عَشِيَّة جاء مطرٌ ورعد وبَرق، وزلزلت الأرض، ووقعت صواعِقُ، فوقع بعضها في تاج الخليفة الذي بناه المسترشد، فطار شرارها إلى الرَّقَّة المقابلة للتَّاج، فأحرقت نخيلًا كثيرًا، ودامتِ النَّار أيامًا. ولما بلغ محمد شاه هذه الأمور عَزَمَ على قَصدِ بغداد، وكاتَبَ أمراء الأطراف يستنجدهم على الخلِيفة، فاتَّفق موت البقش، فَبَطَلَ ذلك، وبقي الصَّبيُّ في يدي [ابن] (١) البقش وحسن الخازندار (٢)، فخافا أن يحملاه إلى محمد شاه فيقبض عليه، فذهبا به إلى الجبل، فسَلَّماه إلى زوج أُمِّه إيلدِكِز. وفيها ضَيَّقتِ الغُزُّ على سنجر، وتركوه في قَفَصٍ من حديد في خيمة، ووكل به جماعة، وأجروا عليه كل يوم ما لا يجري على سائسه، وكان يموت جوعًا، ويبكي ليلًا ونهارًا على نفسه، ويتمنى الموت، والغُزُّ يعيثون في خراسان يَسبُون ويقتلون وينهبون بغير مانع. وفيها ملك نور الدِّين محمود دمشق، وسببه ما ظهر من مجير الدِّين من الظُّلْم ومصادرات أهلها، وسَفك دمائهم، وأَخْذ أموالهم، وقَبْضه على جماعةٍ من الأعيان، [واستدعى زين الدولة (٣) بن الصُّوفي الذي ولاه رياسة دمشق لما أخرج مؤيَّد (٤) الدولة منها، فقتله في القلعة، ونهب داره، وأحرق دورَ بني الصُّوفي، ونَهَبَ أموالهم] (٥)، وتواترت مكاتباتُه إلى الفرنج يستنجد بهم ويطمعهم في البلاد. [و (٦) كان مرادُ نورِ

стр. 9893

الدين من أخْذ دمشق أَنّه كان في عَزْمه خلاصَ القُدْس من الفرنج وبلاد الساحل، وكانت دمشق في طريقه. وطمع الفرنج في مجير الدِّين، وكان قد أعطاهم بانياس، فكانوا يشنُّون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون، وكان مجير الدِّين قد جعل للفرنج كل سنة قطيعة يأخذها منهم، وذَلَّ الإسلامُ وأَهلُه في أيامه، وساءت سيرته، وكثرت إساءته وفساده،] فكانت الأمراء وأعيان دمشق [يبعثون إلى] (١) نورِ الدِّين يقولون: الغياثَ الغياثَ، وقالوا: إنْ شِئْتَ حَصَرناه في القلعة. فرأى نورُ الدِّين أخذ [مجير الدِّين] باللطف، [(٢) وقال: إنْ أخذتُه بالقوة استغاثَ بالفرنج، ولا شكَّ أنَّه يعطيهم البلاد، فيكون وهْنًا عظيمًا على الإسلام. وكان من أشدِّ الأُمور على الفرنج أن يأخذ نور الدين دمشق، لأنه كان قد أحرق قلوبهم وأخرب بلادهم وليس له دمشق، فكيف إذا صارت له؟ فإنه يتقوى بها،] فعدَلَ إلى ملاطفته ومكاتبته ومهاداته، فأنِسَ به، وصار يكاتبه ويستشيره، فكان نور الدين يكتب إليه: إنَّ فلانًا يُكاتبني وفلانًا يكاتبني، فتارة يقبض مجير الدِّين عليهم وتارةً ينفيهم، فخلَتْ دمشق من الأُمراء، ولم يبق عنده غير عطاء بن حفاظ الخادم السُّلمي، وكان صاحِبَ بَعْلَبَكَّ، وقد رَدَّ مجير الدِّين إليه أمر دولته، وكان ظالمًا، فكتَبَ نور الديِّن إلى مجير الدين يقول: قد نفَّرَ عنك عطاءُ قلوب الرَّعية، فاقبضْ عليه. لعِلْم نورِ الدِّين أَنَّه لا يتم له أمرٌ في دمشق مع وجود عطاء، فقبضه مجيرُ الدِّين. وأَمَرَ بقَتله، فقال له عطاء: لا تقتلني، فإنَّ الحيلة قد تمَّت عليك، وذهب مُلْكُك، وسترى! فلم يلتفت إليه، وقتله، فحينئذ قوي طَمَعُ نورِ الدين في دمشق، وراسل أحداثها وأعيانها، فأجابوه، فسار إليها، ونزل عليها. وكَتَبَ مجيرُ الدِّين إلى الفرنج يستنجد بهم، وبَذَلَ لهم بَعْلَبَكَّ وأموالًا كثيرة، وبلغ نور الدين، فأرسل إلى الأحداث، ففتحوا له الباب الشَّرقيّ، فدخلها عاشر صفر، وقيل سَلْخ ذي الحِجَّة، وحَصَرَ مجيرَ الدِّين في القلعة، وبلغ الفرنج فتوقفوا.

стр. 9894

وقال ابنُ القلانسي: وصل أسدُ الدِّين شيركوه إلى غوطة دمشق في ألفِ فارس، فنزل على القَصب في المَرْج على أنَّه رسولٌ من نور الدِّين، فلم يخرج إليه أحدٌ من دمشق، وذلك في [العشر] (١) الثَّاني من المحرَّم، فلما كان يوم الأحد ثالث صفر وصل نور الدين في عسكره، وخيَّم بعيون الفاسريا، ثم رحل من الغد، فنزل ببيت الآبار، وزحف إلى البلد من شرقيِّه، وزحف إليه من عسكر دمشق وأحداثه الخَلقُ الكثير، ووقع الطِّرادُ بينهم أيامًا، فلمَّا كان يوم الأحد عاشر صفر زحف نور الدين، وظهر إليه العسكر من دمشق على العادة، ووقع الطِّراد [بينهم] (٢)، فدفعهم نورُ الدِّين إلى بابِ كَيْسان، ولم يبق على السُّور أحد لسوء تدبير مجير الدِّين، وجاء واحد من رَجَّالة نورِ الدِّين إلى السُّور وعليه امرأة يهودية، فدلَّت إليه حَبْلًا، فتسلَّق فيه، وتبعه الرَّجَّالة، وأصعدوا علمًا، وصاحوا: نور الدين يا منصور. وامتنع الأجناد والرَّعية من القتال لما هم عليه من بُغْض مجير الدِّين وظُلْمه، [وعَسْفه للرعية] (٢) ومحبتهم لنور الدين [لعدله وخيره] (٢)، وبادر بعض [قطاعي الخشب] (٣) بفأسٍ إلى الباب الشرقي فكَسَرَ أغلاقه وفَتَحَه، ودخل العسكر، فلم يقف بين أيديهم أحدٌ، ودخل نور الدِّين، ودخل مجير الدِّين إلى القلعة ومعه خواصُّه، وأغلق أبوابها، فأرسل إليه نورُ الدِّين، وأمَّنه على نفسه وماله، ونادى بأمانِ أهل البلد على نفوسهم ودورهم وأموالهم، وتقرَّرَ الأمر بينه وبين مجير الدِّين على حِمْص، وكتَبَ له منشورًا بها، وخرج إليها بأمواله وأسبابه، وأَحْسَنَ نور الدِّين إلى النَّاس، وأطلق المكُوس والضَّمانات، [ثم تلا ذلك إبطال حقوق] (٤) دار البِطِّيخ وسوق الخيل (٥) وما يؤخذ من الأنهار وغير ذلك.

стр. 9895

وكان مجاهد الدين بزان في القلعة محبوسًا فأُطْلق، ووصل الرَّئيس مؤَيَّد الدِّين بن الصُّوفي إلى داره غير متعرِّضٍ لشيء من الولايات، وكان مريضًا، فتوفي في ربيع الأوَّل، ودفن في داره، [وكان في نِيَّته فساد] (١)، فَسُرَّ النَّاس بموته (٢). وأقام مجير الدِّين بحمص، ثم كاتَبَ أحداثَ دمشق في إثارة الفِتنة، وبلغ نور الدين، فأعطاه بالس (٣) ليبعد عن دمشق، فلم يرض بها، ومضى إلى بغداد، فبنى بها دارًا مقابل النِّظامية، وأقام بها حتى مات، [وسنذكره] (٤). وفيها قتل الظَّافر صاحب مِصر. وفيها وصلت مراكب الفرنج إلى تِنِّيس، فقتلوا وأسروا ونهبوا وعادوا. وحَجَّ بالناس من العراق قيماز. فصل: وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الصَّمد بن أحمد (٥) أبو القاسم النَّيسابوري، الإمام الفاضل، الزَّاهد الوَرع، قرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وكان قَنُوعًا باليسير، أوصى إليه قريبٌ له بأن يفرِّقَ ماله على الفقراء، فلما حَضَرَ بين يديه المال كان فيه مِسْكٌ، فلمَّا أراد تفرقته سدَّ أنفه، وقال: إنَّما يُنْتَفَعُ منه بريحه. ولما استولى الغُزُّ على نيسابور قبضوا عليه، وأخرجوه ليعاقبوه، فشفع فيه السُّلْطان سنجر، وقال: هذا رجلٌ صالح، لقد كنتُ أمضي إلى زيارته والتبرُّكِ به فلا يمكِّنُني من الدُّخول عليه، فاتركوه لأجلي [فإنه له عليَّ حق] (٦)، فتركوه، وكانت وفاته في المحرَّم بنيسابور، [سمع أبا سَعد الحِيْري، وأبا بكر الشِّيرُويي] (٦)، واتفقوا عليه (٧).

стр. 9896

عُبيد الله بن المُظَفَّر بن عبد الله (١) أبو الحَكم الباهلي الأندَلُسي. ولد بالمَرِيَّة سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة، وحجَّ طبيبًا مع أمير الجيوش سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وخدم السُّلْطان محمود بن ملك شاه، وأنشأ له مارَسْتان يُحمل على الجمال معه في أسفاره. وكان شاعرًا خليعًا، وله ديوان سمَّاه "نَهْج الوَضَاعة" ذكر فيه مثالب الشُّعراء الذين كانوا بدمشق، وله ديوان شعر شرحه ولده أبو المجد أفضل الدِّين (٢). ولما مات أبو الحكم رثاه عرقلة، فقال: [من البسيط] يا عين سحِّي بدَمْعٍ ساكبٍ ودَمِ … على الحكيمِ الذي يُكْنى أبا الحَكَمِ قد كان لا رَحِمَ الرَّحمنُ شيبته … ولا سقى قَبْرَه من صَيِّبِ الدِّيمِ شيخًا يرى الصَّلواتِ الخَمْسِ نافلةً … ويستحِلُّ دمَ الحُجَّاجِ في الحَرَمِ (٣) محمد بن المُحْسِن بن أحمد (٤) أبو عبد الله السُّلَمي، أصله من مَلَح (٥) قرية بحوران، وولي أبوه على حلب زمانًا، وكان فاضلًا، وله نَظْم ونَثْر، قال يمدح القاضي ابن أبي عقيل: [من الكامل]

стр. 9897

يا هِندُ هل وصلٌ فَيُرْتَقَبُ … إنْ كان يُحْفَظُ في الهوى نَسَبُ أنسيتِ مَوقِفَنا بذي سَلَمٍ … أيَّامَ أثوابِ الصِّبا قُشُبُ قد زرتُ بغدادًا وطال بها … عَهْدِي وحَرَّك نحوها سَبَبُ دارُ الملوكِ وكلُّ من ضُرِبَتْ … فوق السِّماكِ لمجدِهِ الطُّنُبُ دَعْ عنكَ هِنْدَ فقد أغار على … فَوْدَيكَ عَسْكرُ شَيبكَ اللَّجِبُ واقْصِدْ بمَدْحِك ماجدًا يدُهُ … تُغْني إذا ما ضَنَّتِ السُّحُبُ من أبيات (١). وقيل: مات سنة سبعٍ وأربعين وخمس مئة. المُظَفَّر بن علي بن محمد (٢) ابن جَهِير أبو نَصر، وزير بن وزير من بيت الوزارة، نَقَلَه المُقْتفي من الأستاذ دارية إلى الوزارة، وسَمِعَ الحديث، وحَجَّ، وتوفي في ذي الحِجَّة، وصُلِّي عليه بجامع القَصر، ودُفِنَ مقابل جامع المنصور. يوسف (٣) بن عبد المجيد، أبو المنصور، الظَّافر بالله (٤) ولد سنة سبعٍ وعشرين وخمس مئة، وأُمُّه أُم ولد تُدْعى ستَّ الوفاء، وقيل: ست المُنى. بويع سنة أربعٍ وأربعين وخمس مئة، وهو ابنُ سبع عشرة سنة وأشهر، وقُتِلَ سَلْخ المُحَرَّم، وله اثنتان وعشرون سنة، وكانت أيامه أربع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام.

стр. 9898

وكانت أيامه مضطربة لحداثة سِنِّه، واشتغاله باللَّهو، وكان عَبَّاس الصُّنْهاجي لما قتل ابن السَّلّار وَزَرَ له، واستولى عليه، وكان له ولدٌ اسمه نصر، فأطمع نفسه في الأمر، وأراد قَتْلَ أبيه، وَدَسَّ إليه سُمًّا ليقتله، فَعَلِمَ واحترز، وأراد أن يقبض عليه، فما قَدَرَ ومنعه مُؤَيَّد الدولة أُسامة بن مُنْقذ، وقبَّح عليه ذلك وقال: إن فعلتَ هذا لم يثق بك أحد، ونَفَرَ النَّاسُ عنك. فشرع أبوه يلاطفه، وقال: عوض ما تقتلني فاقْتُلِ الظافر، فعزمه الغدر بنا، ونولي ولده وهو صبيٌّ صغير. وكان نصر ينادم الظَّافر ويعاشِره، وكان الظَّافر يثق به، وينزل في الليل إلى داره متخفِّيًا، فنزل ليلةً إلى داره وكانت بالسيوفيين ومعه خادِمٌ له، فشربا ونام، فقام نَصرٌ، فقتله ورمى به في بئر، فلمَّا أصبح عبَّاس جاء إلى باب القَصر يطلب الظَّافر، فقال له خَدَمُ القَصر: ابنك يعرف أين هو، فَسَلْه. فقال: ما لابني به عِلْم. وأحضر أخوي الظَّافر وولد أخيه، فقتلهم صبرًا بين يديه، وأحضر أعيان الدَّوْلة، وقال: إنَّ الظَّافر ركب البارحة في مركبٍ، فانقلب به، فَغَرِقَ. ثُمَّ أخرج عيسى ولد الظَافر، فنفروا عن عَبَّاس وابنه، وثار الجند والعبيد وأهل القَاهرة، وطلبوا بثأر الظَّافر من عَبَّاس وابنه نَصر، فأخذا ما قدرا عليه من المال والجواهر، وهربا إلى الشَّام، وبلغ الفرنج، فخرجوا إليهما، وقتلوا عَبَّاسًا، وأسروا ابنه نصرًا، وقُتِلَ في السنة الآتية، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى. وذكر ابنُ القلانسي أَنَّ الظافر إنما قتله أخواه يوسف وجبريل وابن عمهم صالح بن حسن، وكان الظافر قد ركَنَ إليهم، وأَنِسَ بهم في وقت مَسرَّاته، فاتفقوا عليه واغتالوه، وقتلوه، وأخفوا أمره، وذلك في يوم الخميس سَلْخ صفر، وحَضَر العادل عباس الوزير وابنه ناصر الدِّين، وجماعة من الأمراء والمقدَّمين على الرَّسْمِ للسَّلام فقيل لهم: إنَّ أمير المؤمنين ملتاث الجسم. فطلبوا الدخول إليه، فَمُنِعُوا، فلجُّوا في الدُّخول بسبب العيادة، فلم يمكَّنُوا، فهجموا، ودخلوا القَصر، وانكشف أمره، فَقَتَلوا الثَّلاثة، وأقاموا ولده عيسى وهو ابنُ ثلاث سنين، ولقبوه بالفائز بنصر الله، وبايعوه وعباس الوزير، وإليه تدبير الأمور.

стр. 9899

ثم وَرَدَ الخبر بأَنَّ طلائع بنَ رُزِّيك فارس المُسْلمين قد امتعض من ذلك، وجَمَعَ وحشد، وقَصَدَ القاهرة، وكان من أكابر الأمراء، وعَلِمَ عَبَّاس أَنَّه لا طاقة له به، فجمع أمواله وأسبابه وأهله، وخرج من القاهرة، فلما قَرُبَ من عَسْقلان وغَزَّة خرج إليه جماعةٌ من خَيَّالة الفرنج، فاغترَّ بكثرة من معه، فلما حَمَلَ فَشِلَ أصحابهُ وانهزموا، فانهزمَ هو وابنه الصَّغير، وأُسر ابنه الكبير الذي قَتَلَ ابن السَّلار مع ولده وحُرَمه وماله وكُراعه، وصار الجميع إلى الفرنج، ومَنْ هرب ماتَ من الجوع والعَطَش (١). ووصل طلائع بن رُزِّيك إلى القاهرة، فوضع السيف فيمن بقي من أصحاب عَبَّاس، وجلس في منصب الوزارة. قال الِمصريون: وعيسى الفائز كنيته أبو القاسم، ومولده بالقاهرة سنة أربعٍ وأربعين وخمس مئة سَلْخ ربيع الآخر، وأُمُّه أم ولد يقال لها مهج، بويع في المحرَّم من هذه السنة، وله خمس سنين. وكان خُدَّام القَصر قد كتبوا إلى طلائع بن رُزِّيك، وهو والي قُوص وأُسوان والصَّعيد يخبرونه بقَتْلِ الظَّافر، ويستنجدونه على عَبَّاس وابنه نصر، وكتب إليه القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الجَبَّاب: [من الطويل] عَدَتْنيَ (٢) عن نَظْمِ القريض عوادي … وشَفَّ فؤادي شَجْوُه المُتَمادِي وأَرَّقَ عَيني والعيونُ هواجِعٌ … همومٌ أَقَضَّتْ مَضْجعي ووسادِي بمصرع أبناءِ الوَصِيِّ وعِتْرة النَّـ … ــــــــــــــــبيِّ وآلِ الذَّارياتِ وصادِ فأينَ بنور رُزِّيك عنهمْ ونَصرهُمْ … ومالهُمُ مِنْ مَنْعَةِ وذِيادِ أولئك أنصارُ الهدى وبنو الرَّدى … وسُمُّ العِدى من حاضرين وبادِ لقد هُدَّ ركن الدِّين ليلةَ قَتْلِهِ … بخيرِ دليلٍ للنَّجاة وهادِ تداركْ من الإيمانِ قبل دُثُورِهِ … حُشاشةَ نَفْسٍ آذَنَتْ بنفاد فقد كادَ (٣) أنْ يُطْفي تألُّقَ نوره … على الحقِّ عادٍ من بقية عادِ

стр. 9900

فلو عاينتْ عيناكَ بالقَصرِ يومهمْ … ومَصْرَعَهُم لم تكتحِلْ برُقادِ لأَبْصرتَ حقًّا كَرْبلاءَ وعِتْرَةَ النَّـ … ــــــــبيِّ وهُمْ صَرْعى الجُنوب صوادِ بني المصطفى كم ذا يُرَوَّعُ سِرْبُكُمْ … بظُلْم إلى يوم المعادِ مُعاد قضى ابنُ زيادٍ منكُمُ كل حاجةٍ … وأعْقبكُمْ مِنْ بَعده ابنَ مَنَادِ (١) فصبرًا لعل الدَّهْرَ يجبُر كسرَكُمْ … بأَبْلَج نَهَّاضٍ بكلِّ نآدِ (٢) فَقُلْ للحُسام العَضْبِ فهو مُؤمَّلٌ … ليوم ضِرابٍ أو ليوم طِرادِ فمزِّق جموعَ المارِقين فإنَها … بقايا زُرُوْعٍ آذَنَتْ بحصادِ (٣) من أبيات. فجمع الصَّالح أهلَ الصَّعيد والعرب، وجاء إلى القاهرة، ودخلها في تاسع ربيع الأوَّل، وأخرج جسد الظافر من البئر التي كان فيها في دار نَصر بنِ عَبَّاس، وجعله في تابوت، ومشى بين يديه حافيًا، مكشوفَ الرأس، وفعل الناس كذلك، وكثر الضجيج والبكاء، فقال الحسن بن علي بن أبي جرادة ثقة المُلْك (٤) يمدح الصَّالح من أبيات: [من الرمل] حامِلُ الأعباءِ عن أهلِ العَبا (٥) … آخذٌ بالثأرِ من باغٍ وعادِ

стр. 9901

من عُصاةٍ أضمروا الغَدْرَ فهم (١) … أَهْلُ نَصبٍ ونفاقٍ وعنادِ قتلوا الظَّافر ظُلْمًا وانتحوا … لبني الحافظ بالبيضِ الحِدادِ واعْتدى عَبَّاس فيهمْ وابنُه … مثلَ عُدْوان يزيدٍ وزِيادِ مِثْل سَفْرٍ قتلوا هادِيهُمْ … ثُمَّ ضَلُّوا ما لهمْ مِنْ بَعدُ هادِ جاءهمْ في مثل ريح صرصر … فتولوا مِثْلَ رَجْلٍ من جَرَادِ بعدما غَرَّهُمُ إملاؤه … ولهيبُ الجَمْرِ من تحت الرَّمادِ (٢) وقال الجليس بن الجَبَّاب: [من الطويل] سَقَتْها بأكنافِ العميم الغمائِمُ … رسومٌ لها تبكي المطيُّ الرَّواسمُ عطاءٌ مُتاحٌ لم تُعِقْه عوائِقٌ … ومالٌ مباحٌ لم تَصُنْه الخواتِمُ وبَذْلُ لُهى يجنى بأيْسره الغِنى … هو الجودُ لا ما ظَنَّ كعبٌ وحاتِمُ إلى ملكٍ يعلو الملوكَ مَحَلُّه … كما تعتلي فوق الكعوبِ اللَّهازِمُ يَحُفُّ به من آلِ رُزِّيك صِيدُها … كما حَفَّ بالبَدْرِ النُّجومُ الهوائِمُ له في ذَرَا غَسَّان بيتٌ مُطَنَّبٌ … فِنا الحَظِّ أوتادٌ له ودعائِمُ ولما ترامى البَرْبَرِيُّ بجهلِهِ … إلى فَتْكةٍ ما رامها قَطُّ رائِمُ وجاهَرَ بالوُدِّ القديم منافقًا … وأظهر نُصحًا وهو للغِشِّ كاتِمُ ركبْتَ إليه مَتْنَ عَزْمتك التي … بأمثالها تُلْقى الخطوبُ العظائِمُ وقُدْتَ له الجُرْدَ العِتاقَ كأَنَّما … قوائمُها عند الطِّرادِ قوادِمُ وقمتَ بحقِّ الطالبيِّينَ طالبًا … وغيرُك يُغْضي دونه ويُسالم أَعَدْتَ إليهمْ مُلْكهُمْ بعدما لوى … به غاصِبٌ حَقَّ الأمانةِ ظالِمُ فما غالِب إلا بَنْصرك غالِبٌ … ولا هاشمٌ إلا بسَيفكَ هاشمُ (٣) من أبيات.

стр. 9902

ثم وزر الصَّالح للفائز، فأحسن التَّدْبير، وضَبَطَ الأُمور، ورتَّبها أحسن ترتيب، وعَدَلَ في الرعية، وكان صالحًا كما سُمِّي. وماتَ الفائز سنة خمسٍ وخمسين. وأما عَبَّاس بن أبي الفتوح الصُّنهاجي، فكان أسلافُه يحترمون أسلاف الظَّافر، ويخطبون لهم ببلاد إفريقية وغيرها، وكان أخو عَبَّاس حاكمًا على إفريقية، فخاف منه عباس، فهرب إلى مِصر (١)، فاستولى عليها، واتفق مع الظَّافر على قتل ابنِ السَّلَّار، وكان نصر بن عَبَّاس ولدَ امرأة ابنِ السلار وربيبَه (٢)، وفي حِجرْه رُبِّي، فاتَّفق نَصرٌ مع أبيه على قَتْله، فقتله كما ذكرنا، وَوَزَرَ عَبَّاس، ولقب بأميرِ الجيوش، ثم اتَّفق مع ابنه نَصر على قَتْلِ الظَّافر فقتله، وخرجا إلى السَّاحل، فَقُتِلَ عَبَّاس على عَسْقلان في صفر، وبقي ابنه نصر عند الفرنج، فبعث أهلُ القاهرة إلى الفرنج بمالٍ جزيل، وطلبوا نصرًا، فبعثوا به إليهم، فخرج أهل القاهرة ومصر، وجرَّدوا السَّكاكين والمقاريض، وقرضوا لحمه وشرَّحوه، ومثَّلوا به أقبح مُثلة، ثم صلبوه على باب داره بالسّيوفيين، وعلَّقوا رأسه على باب زُويلة، ثم ألقوا جسده إلى الكلاب، فأكلته، وأحرقوا ما بقي منه. ووصلتِ الأخبار إلى بغداد بهذا وأَنَّه لم يبق إلا صبيٌّ صغير، فكتب المقتفي عهدًا لنورِ الدِّين محمود على الشَّام والسواحل ومِصر وأعمالها، وبعث إليه الخيل بمراكب الذهب والخِلَع، وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولًا بجهاد الفرنج. السَّنَة الخمسون وخمس مئة فيها قَبَضَ الخليفةُ على صاحب البابِ أبي الفَتْح بن الصَّيقل الهاشمي، وكان قد مدَّ يده إلى أموالِ الناس، وولي مكانه أبو القاسم عليُّ بن محمد بن هبة الله بن الصَّاحب.

стр. 9903

وفيها دخلتِ الغُزُّ نيسابور، ونهبوا وسَبَوا، وقتلوا أعيانها، منهم محمد بن يحيى شيخ الشَّافعية، وقتلوا بها نحوًا من ثلاثين ألف نسمة، وكان سنجر معهم عليه اسم السَّلْطنة وهو معتقل على الوَجْه الذي ذكرنا. وفي ربيع الأَوَّل نزل الخليفةُ على دَقُوقا (١) فحاصر أهلها، فَصَعِدَ النِّساء والصِّبْيان على الأسوار، وصاحوا: يا أمير المؤمنين، ارحمنا لله تعالى. فرحل عنهم. وفي رجب كانت وقعةٌ بين عسكر الخليفة وشَمْلة التُّرْكماني، فهزموه، وتبعوه إلى مضيق، فخرج عليهم كمين، فهزمهم وأسر أعيانهم، ثُمَّ أطلقهم وأحسن إليهم، واعتذر إلى الخليفة، فَقَبِلَ عُذْره، وسار إلى خُوزستان، فملكها، وانزاح عنها ملك شاه بن محمود بن محمد بن ملك شاه. وفي شوَّال وَصَلَ إلى بغداد سليمان شاه بن محمد، وكان محبوسًا بقلعة قَزْوين، فأخرجه فرج الخادم بعد موت مسعود أخيه وقتل خاصبك، واجتمع إليه أمراءُ تلك الناحية، وجاؤوا به إلى هَمَذَان، فأجلسوه على التخت، وكان السُّلْطان محمد قد مضى إلى أصبهان، وبلغه الخبر، فقصد همذان، فهرب سليمان شاه في جماعةٍ يسيرة، فلما قَرُبَ من بغداد أرسل الخليفة إليه يوسف الدِّمشقي مدرس النِّظامية، فقال: في أي شيء جئتَ؟ فقال: أنا عبد العَتَبة، ما جئتُ إلّا مستجيرًا بها، وملتجئًا إليها. فَشَرَطَ أن لا يترك دار المملكة، ولا يطلب السَّلْطنة عليه، فحلف، وأخرج الخليفةُ إليه ولد الوزير ابن هُبيرة، وعلى رأسه الشمسة، وخلفه الأعلام السُّود، فنزل سليمان شاه بباب النوبي، وقبَّل العتبة، وحُمِلَ إلى دار خواجا أحمد، وحُملت إليه الإقامات. ثُمَّ جلس له الخليفة واستدعاه، وخَلَعَ عليه وعلى الأَعْيان من أصحابه، وبعث إليه بالمال والخيل وغيرها. [وفيها] (٢) حجَّ بالناس قيماز، وخَرَجَ المقتفي لوداع الحاجّ، فبلغ الكوفة، وخَرَقَ أسواقها، وعاد إلى بغداد.

стр. 9904

وفي ربيع الأول تسلَّم نور الدين [محمود] (١) بعلبك من واليها ضحَّاك، وعاد إلى حلب، وقصد خدمَتَه قرا رسلان بن سُكْمان بن داود بن أُرتُق (٢)، فالتقاه وأكرمه وأنزله، وأَحْسنَ إليه، ووصَلَهَ، ثم عاد عنه مسرورًا. وفيها وقع الخُلف بين أولاد الملك مسعود، فأَصلح نور الدين بينهم، ثم عادوا، فسار نور الدين إلى الأعمال المختصَّة بالملك قليج رسلان بن الملك مسعود بن [قليج رسلان بن] (٣) سليمان بن قُتُلْمش ملك قُونية وما والاها، فملك عِدَّةً من قلاعها بالأمان، وبعضها عَنْوَةً، وكان قليج رسلان وأخواه ذو النُّون ودولات مشغولين بمحاربة أولاد الدَّانشمند، وكانوا قد التقوا على مدينة أقصرا، فظهروا على أولاد الدَّانشمند، وأعظم قليج رسلان ما بدا من نور الدين، وكاتبه منكرًا عليه مع ما بينهما من الصِّهْر والموادعة، فاعتذر نور الدين، وبقي الأمر على حاله. فصل: وفيها قُتِلَ أحمد بن محمد الحُوَيزِي (٤) [من أهل الحويزة] (١)، كان عاملًا للمقتفي على نَهْر الملك، وكان أظلم العالم، يعلق الرِّجال بأرجلهم، والنِّساء بثديهنَّ في السَّواد ويعاقبهم بين يديه، ويتنمَّسُ (٥) بالدِّين والسَّجَّادة الزَّرْقاء تحته، والسُّبْحة بيده، وهو يسبِّحُ ويقرأُ القرآن والنَّاس يعذَّبون بين يديه، والسُّبْحة بيده [ويومئ إلى الجلاد: الرأس والوَجْه، وما كان مقصوده بإظهار الدِّين إلا أنَّه يرتقي من مرتبة إلى مرتبة.

стр. 9905

قال جدِّي: واتَّفق أنِّي دخلتُ حَمَّامًا وهو في خلوة أُخرى، فقرأَ نحو جزأين من القرآن مع الظُّلْم المجاوز للحدِّ] (١). وكان يدَّعي الكرامات، فدخل الحمَّام يومًا بقرية في نهر الملك، فدخل عليه ثلاثة، فضربوه بالسُّيوف، وقَطَّعوه، فَحُمِلَ إلى بغداد، فمات في شعبان، ودفن بمقبرة جامع المنصور، وحُفِظَ قبره لئلا يُنْبَش، فأصبح [الناس] (٢) وقد خُسِفَ بقبره، فاجتمعتِ العامةُ على سَبِّه ولَعْنه، وأظهر الله فيه عظيم قُدْرته. محمد بن إبراهيم بن الحسين (٣) أبو جعفر، الجَرْباذَقاني، [وجرباذقان] (٢) قرية من عمل أصبهان. [ولد في سنة سبع وخمس مئة، واشتغل بالأدب، وتفقه على مذهب الشافعي، و] (٢) انقطع إلى العِلْم والعبادة، وأقام بأصبهان [مدة سمع بها الحديث] (٢)، وببغداد وصحب أبا الفَضْل بن ناصر حتى مات في ذي الحجة، [وصلى عليه أبو الفضل ناصر] (٢) ودفن بالشُّوييزِيَّة (٤) [عند أصحاب أبي النَّجيب، سمع بأصبهان من إسماعيل بن محمد بن الفَضْل وغيره، وقدم بغداد سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة (٥)، وسمع خلقًا كثيرًا] (٢)، وقيل: مات سنة تسعٍ وأربعين وخمس مئة. ومن شعره: [من الطويل] ألا ليتَ أسباب المنايا أَراحتِ … فإنِّي أرى في الموتِ أَرْوَحَ راحةِ وموتُ الفتى خيرٌ له من حياتِهِ … إذا ظَهَرَتْ أعلامُ سوءٍ ولاحتِ أنوحُ وأبكي كلَّما ذرَّ شارِقٌ … كنَوْحِ حَمَاماتٍ على الدَّوح ناحتِ

стр. 9906

إذا كان في بحر الهموم سباحتي … فأَهْونُ شيءٍ نِلْتُهُ حَلَّ ساحتي محمد بن ناصر بن محمد (١) ابن علي بن عمر السَّلامي (٢) الدَّار، الفارسي الأصل. ولد ليلة السبت خامس عشرة شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة (٣)، وسَمِعَ الحديث الكثير، وكان حافظًا، مُتْقنًا، عالمًا بالأسانيد والمتون، كثير تِلاوة القرآن، سريع الدَّفعة (٤) [وهو من أكابر شيوخ جَدِّي ﵀، وبطريقه أخذ علم الحديث، وذكره جدِّي، وأثنى عليه، وقال: كان ثقة من أهل السنة، وقال: سمعت عليه من سنة إحدى وعشرين وخمس مئة]، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء ثامن عشرة من شعبان، وصلِّي عليه بجامع السُّلْطان وجامع المنصُور والحَرْبية، ودفن بباب حَرْب [إلى جانب أبي منصور بن الأنباري. قال جدي: وحدثني أبو بكر الحُصري: قال] (٥): رأيته في المنام، فقلتُ له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غفر لي وقال: قد غفرتُ لعشرةٍ من أصحاب الحديث في زمانك، لأنك رئيسهم وسيِّدهم (٦). وقرأ ابنُ ناصر على أبي زكريا كثيرًا من اللغة، [وأنشدنا شيخنا عبد العزيز بن محمود البَزَّاز (٧) ويعرف بابن الأخضر، قال: أنشدنا أبو الفَضْل بن ناصر لغيره هذه الأبيات] (٨): [من البسيط] دَعِ المقاديرَ تَجرِي في أَعنَّتها … واصبرْ فليس لها صَبرٌ على حالِ

стр. 9907

بَينا تُرِيكَ وضيعَ القَوم مُرْتفعًا … إلى السِّماكِ ويومًا تُخفِضُ العالي ما بينَ رَقْدةِ عين وانتباهَتِها … يقلَّب الدَّهْرُ من حالٍ إلى حالِ (١) [علي بن] (٢) محمد، أبو الحسن، ثِقَةُ الدَّوْلة بن الدُّرَيني، البَغْدادي (٣) كان فاضلًا جوادًا، كريم الأخلاق، بنى ببغداد مدرسة (٤)، وكان له بِرّ دائمٌ، ومعروف متواصل، وتوفِّي ببغداد. ورثاه دُبَيس المدائني الضَّرير، فقال: [من الكامل] قد قلتُ للرَّجل المُوَلَّى غسلَهُ … هلَّا أطاع (٥) وكنت من نُصحائِهِ جَنِّبْه ماءَك ثُمَّ غَسِّلْه بما … أبكتْ عيون المَجْد مِنْ آلائِهِ وأَزِلْ أفاويه الحَنُوطِ وطِيبَهُ … عَنْهُ وحَنِّطْهُ بطيبِ ثنائِهِ ومُرِ الكرامَ الكاتبينَ بحَمْلِهِ … شَرَفًا ألستَ تراهُمُ بإزائِهِ لا تُوهِ أعناقَ الرِّجال بحَمْلِهِ … يكفيه ما فيهنَّ مِنْ نَعمائِه (٦) هِبةُ الله بنُ علي (٧) أبو محمد بن عَرَّام، [الرَّبَعي، مصري] (٨) كان فاضلًا فصيحًا، [وله ديوان شعر، وبيت عَرَّام بيتٌ معروف بالفَضْل والأدب، ومن شعر هبة الله (٩)]: [من المتقارب] إذا حَصَلَ القوتُ فاقنعْ به … فإنَّ القناعةَ للمَرْءِ كَنْزُ

стр. 9908

وصُنْ ماءَ وجْهك عن بَذْلِهِ … فإنَّ الصِّيانة للوَجه (١) عِزُّ وقال: [من السريع] لمَّا بدا لي شَرُّ هذا الورى … وكنتُ مِن خَيرِهُمُ آيسا لزمتُ بيتي راحةً منهُمُ … وصرتُ بالوحدةِ مُسْتأنسا ومَرِضَ، فكتب إليه صاحِبٌ له أبياتًا، فكتب [في] (٢) جوابها: [من الوافر] أَتَتْني منْكَ أبيات حِسانٌ … هي الدُّرُّ الثَّمينُ بغير شَكِّ فكانتْ لا عَدِمتُك بُرْءَ جِسمي … من البَلْوى فقد زال التَّشكِّي (٣) وقال في ذمِّ إنسان: [من مخلَّع البسيط] جميعُ أقوالِهِ دعاوي … وكل أفعالِهِ مَسَاوي ما زال في فنِّهِ غريبًا … ليس له في الورى مُساوي (٤) السنة الحادية والخمسون وخمس مئة في المحرَّم خَلَعَ الخليفةُ على سليمان شاه خِلْعة السَّلْطنة: التَّاج والطَّوق ومركب الذَّهب، واستحلفه أَنَّ العراق يكون للخليفة ولا يكون لسليمان شاه إلا ما يَفْتح بسيفه من غير العراق، وخُطِبَ له على المنابر بعد سنجر، وبَعَثَ إليه بالمال، وقوَّاه بالرِّجال، وخرج إلى النّهروان سَلْخ المحرم، وبَعَثَ إلى الخليفة يقول: ما أرحل حتى أراك فيقوَى قلبي. فخرج الخليفةُ بعساكره من بغداد وهو بين يديه بمرحلة إلى حُلْوان، وبعث معه العسكر، وعاد. وفي ربيع الآخر أُطلق ابنُ الوزير من قلعة تكريت، فأقام في الأسر ثلاث سنين وأربعة أشهر. وجاءت الأخبار بأنَّ ملك شاه ابن أخي سليمان شاه قد انضاف إليه، واتصلوا بإيلدكز، واتَّفقوا، وبلغ محمد شاه، فسار إليهم، وضرب معهم مصافًّا، فانهزموا بين يديه، وتشتَّتَ

стр. 9909

العسكر، ووصل بغداد من عسكر الخليفة خمسون فارسًا بعد أن كانوا ثلاثة آلاف، ولم يُقْتل منهم أحد، وإنَّما أُخذت خيولهم وأموالهم، وجاؤوا حُفاة عُراةً، وانفصل سليمان شاه عن إيلدكز، وعاد إلى بغداد على طريق الموصل، وكان عاجزًا عن حُسْنِ التَّدبير، فهان على أصحابِ الأطراف، وكان زين الدِّين كُوجك في المَوْصل، فخرج إليه، وقَبَضَ عليه، وأطلعه إلى القلعة، وبعث إلى محمد شاه يقول: تعال تَسَلَّمه، وإنْ أردتَ أَنْ تقصد بغداد ساعدتُك. فسار يريد بغداد، ونزل بعقوبا، وبعث إلى كوجك، فتأَخَّر عنه، وانزعج أهلُ بغداد، وعَرَضَ الخليفةُ عساكره، وعصى عليه أرغش صاحا البَصرة، وبدر بن المُظَفَّر صاحب البطيحة، وبعث إلى كُوجك يأمره بإطلاق سليمان شاه، فلم يُطْلقه، وأقام محبوسًا في المَوْصِل، ثم أُطلق بعد ذلك. وأما السُّلْطان محمد فلما تأخَّر عنه زين الدين خاف أن تكون عليه حِيلة، فرجع من بَعْقُوبا إلى هَمَذَان. وفيها خَلَصَ سنجر من أَسْرِ الغُزِّ بحِيَل، وهَرَبَ إلى قلعة تِرْمذِ بعد أن أقام عندهم أربع سنين في الذلِّ والهوان حتى ضرب به أهلُ بغداد الأمثال، فكان إذا مَرَّ على إنسانٍ شدائد، قالوا: ما اشتفى الغُزُّ من سنجر، وقيل: إنه وعد الموكلين به بالمال العظيم، فأجابوه، ووفى لهم. وحَجَّ بالنَّاسِ من العراق قيماز، ومن الشَّام نجم الدِّين أيوب. فصل وفيها توفي عبد القاهر بن عبد الله (١) ابن الحسين. أبو الفرج، الوأواء الشَّاعر. أصله من بُزاعة (٢)، ونشأَ بحلب، وتأدَّب بها، وشرح "ديوان المتنبي"، ومَدَحَ جماعةً من أهل الشَّام، ومن شعره: [من الطويل]

стр. 9910

أبي زَمَني أن (١) تستقرَّ بي الدَّارُ … وأَقْسَمَ لا تُقضى (٢) لنفسي أوطارُ أخِلَّايَ كيف العَدْلُ والدَّهْرُ حاكمٌ … وكيف دُنُوي والمُقدَّر أَقدارُ وما غِبْتُمُ عن ناظرِي فيراكُمُ … ولم ينسكُمْ قلبي فَيحدُثَ تَذْكارُ لئنْ عِفْتُمُ نَصرِي إذا حَلَّ حادثٌ … فلي من دُموعي في الحوادثِ أنْصارُ وإن غَرَبَتْ شمسُ النَّهارِ فمنكُمُ … شموسٌ بقلبي لا تَغِيبُ وأقمارُ وبي فَرَقٌ بادٍ إذا ما تفرَّقوا … ولي مَدْمَعٌ جار إذا ما هُمُ جاروا عناني من الأسرار ما لم أَبُحْ به … فصرتُ كفِعلٍ ظاهرٍ فيه إضمارُ وكنتُ كغصنٍ باتَ يُمْنَعُ رِيُّه … وقد رَويتْ حَولي من الماءِ أشجارُ (٣) (٤) عبد السَّيِّد بن جَكَر الواسطي (٥) دخل على شمس الدين فاتن، ناظر واسط وقد غُمَّ الهلال، فأنشد: [من المتقارب] أما في البَريَّةِ من يَنْتَبِهْ … يهنِّي بك العيدَ لا أنتَ بِهْ وإنْ وقعتْ شُبهةٌ في الهِلالِ … فأنتَ على العَينِ لا تَشْتَبِه (٦) عليُّ بنُ الحسين الغَزْنَوي الواعظ (٧) ويلقب بالبُرْهان، قدم بغداد سنة ستَّ عشرة، وسمع الحديث، ووعظ، وكان فصيحًا، وله جاهٌ عريض، وكان السُّلْطان مسعود يزوره، وأَمرت خاتون زوجةُ
следующие страницы →