إذا كان في بحر الهموم سباحتي … فأَهْونُ شيءٍ نِلْتُهُ حَلَّ ساحتي
محمد بن ناصر بن محمد (١)
ابن علي بن عمر السَّلامي (٢) الدَّار، الفارسي الأصل.
ولد ليلة السبت خامس عشرة شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة (٣)، وسَمِعَ الحديث الكثير، وكان حافظًا، مُتْقنًا، عالمًا بالأسانيد والمتون، كثير تِلاوة القرآن، سريع الدَّفعة (٤) [وهو من أكابر شيوخ جَدِّي ﵀، وبطريقه أخذ علم الحديث، وذكره جدِّي، وأثنى عليه، وقال: كان ثقة من أهل السنة، وقال: سمعت عليه من سنة إحدى وعشرين وخمس مئة]، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء ثامن عشرة من شعبان، وصلِّي عليه بجامع السُّلْطان وجامع المنصُور والحَرْبية، ودفن بباب حَرْب [إلى جانب أبي منصور بن الأنباري.
قال جدي: وحدثني أبو بكر الحُصري: قال] (٥): رأيته في المنام، فقلتُ له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غفر لي وقال: قد غفرتُ لعشرةٍ من أصحاب الحديث في زمانك، لأنك رئيسهم وسيِّدهم (٦).
وقرأ ابنُ ناصر على أبي زكريا كثيرًا من اللغة، [وأنشدنا شيخنا عبد العزيز بن محمود البَزَّاز (٧) ويعرف بابن الأخضر، قال: أنشدنا أبو الفَضْل بن ناصر لغيره هذه الأبيات] (٨): [من البسيط]
دَعِ المقاديرَ تَجرِي في أَعنَّتها … واصبرْ فليس لها صَبرٌ على حالِ
стр. 9907
بَينا تُرِيكَ وضيعَ القَوم مُرْتفعًا … إلى السِّماكِ ويومًا تُخفِضُ العالي
ما بينَ رَقْدةِ عين وانتباهَتِها … يقلَّب الدَّهْرُ من حالٍ إلى حالِ (١)
[علي بن] (٢) محمد، أبو الحسن، ثِقَةُ الدَّوْلة بن الدُّرَيني، البَغْدادي (٣)
كان فاضلًا جوادًا، كريم الأخلاق، بنى ببغداد مدرسة (٤)، وكان له بِرّ دائمٌ، ومعروف متواصل، وتوفِّي ببغداد.
ورثاه دُبَيس المدائني الضَّرير، فقال: [من الكامل]
قد قلتُ للرَّجل المُوَلَّى غسلَهُ … هلَّا أطاع (٥) وكنت من نُصحائِهِ
جَنِّبْه ماءَك ثُمَّ غَسِّلْه بما … أبكتْ عيون المَجْد مِنْ آلائِهِ
وأَزِلْ أفاويه الحَنُوطِ وطِيبَهُ … عَنْهُ وحَنِّطْهُ بطيبِ ثنائِهِ
ومُرِ الكرامَ الكاتبينَ بحَمْلِهِ … شَرَفًا ألستَ تراهُمُ بإزائِهِ
لا تُوهِ أعناقَ الرِّجال بحَمْلِهِ … يكفيه ما فيهنَّ مِنْ نَعمائِه (٦)
هِبةُ الله بنُ علي (٧)
أبو محمد بن عَرَّام، [الرَّبَعي، مصري] (٨) كان فاضلًا فصيحًا، [وله ديوان شعر، وبيت عَرَّام بيتٌ معروف بالفَضْل والأدب، ومن شعر هبة الله (٩)]: [من المتقارب]
إذا حَصَلَ القوتُ فاقنعْ به … فإنَّ القناعةَ للمَرْءِ كَنْزُ
стр. 9908
وصُنْ ماءَ وجْهك عن بَذْلِهِ … فإنَّ الصِّيانة للوَجه (١) عِزُّ
وقال: [من السريع]
لمَّا بدا لي شَرُّ هذا الورى … وكنتُ مِن خَيرِهُمُ آيسا
لزمتُ بيتي راحةً منهُمُ … وصرتُ بالوحدةِ مُسْتأنسا
ومَرِضَ، فكتب إليه صاحِبٌ له أبياتًا، فكتب [في] (٢) جوابها: [من الوافر]
أَتَتْني منْكَ أبيات حِسانٌ … هي الدُّرُّ الثَّمينُ بغير شَكِّ
فكانتْ لا عَدِمتُك بُرْءَ جِسمي … من البَلْوى فقد زال التَّشكِّي (٣)
وقال في ذمِّ إنسان: [من مخلَّع البسيط]
جميعُ أقوالِهِ دعاوي … وكل أفعالِهِ مَسَاوي
ما زال في فنِّهِ غريبًا … ليس له في الورى مُساوي (٤)
السنة الحادية والخمسون وخمس مئة
في المحرَّم خَلَعَ الخليفةُ على سليمان شاه خِلْعة السَّلْطنة: التَّاج والطَّوق ومركب الذَّهب، واستحلفه أَنَّ العراق يكون للخليفة ولا يكون لسليمان شاه إلا ما يَفْتح بسيفه من غير العراق، وخُطِبَ له على المنابر بعد سنجر، وبَعَثَ إليه بالمال، وقوَّاه بالرِّجال، وخرج إلى النّهروان سَلْخ المحرم، وبَعَثَ إلى الخليفة يقول: ما أرحل حتى أراك فيقوَى قلبي. فخرج الخليفةُ بعساكره من بغداد وهو بين يديه بمرحلة إلى حُلْوان، وبعث معه العسكر، وعاد.
وفي ربيع الآخر أُطلق ابنُ الوزير من قلعة تكريت، فأقام في الأسر ثلاث سنين وأربعة أشهر.
وجاءت الأخبار بأنَّ ملك شاه ابن أخي سليمان شاه قد انضاف إليه، واتصلوا بإيلدكز، واتَّفقوا، وبلغ محمد شاه، فسار إليهم، وضرب معهم مصافًّا، فانهزموا بين يديه، وتشتَّتَ
стр. 9909
العسكر، ووصل بغداد من عسكر الخليفة خمسون فارسًا بعد أن كانوا ثلاثة آلاف، ولم يُقْتل منهم أحد، وإنَّما أُخذت خيولهم وأموالهم، وجاؤوا حُفاة عُراةً، وانفصل سليمان شاه عن إيلدكز، وعاد إلى بغداد على طريق الموصل، وكان عاجزًا عن حُسْنِ التَّدبير، فهان على أصحابِ الأطراف، وكان زين الدِّين كُوجك في المَوْصل، فخرج إليه، وقَبَضَ عليه، وأطلعه إلى القلعة، وبعث إلى محمد شاه يقول: تعال تَسَلَّمه، وإنْ أردتَ أَنْ تقصد بغداد ساعدتُك. فسار يريد بغداد، ونزل بعقوبا، وبعث إلى كوجك، فتأَخَّر عنه، وانزعج أهلُ بغداد، وعَرَضَ الخليفةُ عساكره، وعصى عليه أرغش صاحا البَصرة، وبدر بن المُظَفَّر صاحب البطيحة، وبعث إلى كُوجك يأمره بإطلاق سليمان شاه، فلم يُطْلقه، وأقام محبوسًا في المَوْصِل، ثم أُطلق بعد ذلك. وأما السُّلْطان محمد فلما تأخَّر عنه زين الدين خاف أن تكون عليه حِيلة، فرجع من بَعْقُوبا إلى هَمَذَان.
وفيها خَلَصَ سنجر من أَسْرِ الغُزِّ بحِيَل، وهَرَبَ إلى قلعة تِرْمذِ بعد أن أقام عندهم أربع سنين في الذلِّ والهوان حتى ضرب به أهلُ بغداد الأمثال، فكان إذا مَرَّ على إنسانٍ شدائد، قالوا: ما اشتفى الغُزُّ من سنجر، وقيل: إنه وعد الموكلين به بالمال العظيم، فأجابوه، ووفى لهم.
وحَجَّ بالنَّاسِ من العراق قيماز، ومن الشَّام نجم الدِّين أيوب.
فصل وفيها توفي
عبد القاهر بن عبد الله (١)
ابن الحسين. أبو الفرج، الوأواء الشَّاعر.
أصله من بُزاعة (٢)، ونشأَ بحلب، وتأدَّب بها، وشرح "ديوان المتنبي"، ومَدَحَ جماعةً من أهل الشَّام، ومن شعره: [من الطويل]
стр. 9910
أبي زَمَني أن (١) تستقرَّ بي الدَّارُ … وأَقْسَمَ لا تُقضى (٢) لنفسي أوطارُ
أخِلَّايَ كيف العَدْلُ والدَّهْرُ حاكمٌ … وكيف دُنُوي والمُقدَّر أَقدارُ
وما غِبْتُمُ عن ناظرِي فيراكُمُ … ولم ينسكُمْ قلبي فَيحدُثَ تَذْكارُ
لئنْ عِفْتُمُ نَصرِي إذا حَلَّ حادثٌ … فلي من دُموعي في الحوادثِ أنْصارُ
وإن غَرَبَتْ شمسُ النَّهارِ فمنكُمُ … شموسٌ بقلبي لا تَغِيبُ وأقمارُ
وبي فَرَقٌ بادٍ إذا ما تفرَّقوا … ولي مَدْمَعٌ جار إذا ما هُمُ جاروا
عناني من الأسرار ما لم أَبُحْ به … فصرتُ كفِعلٍ ظاهرٍ فيه إضمارُ
وكنتُ كغصنٍ باتَ يُمْنَعُ رِيُّه … وقد رَويتْ حَولي من الماءِ أشجارُ (٣)(٤)
عبد السَّيِّد بن جَكَر الواسطي (٥)
دخل على شمس الدين فاتن، ناظر واسط وقد غُمَّ الهلال، فأنشد: [من المتقارب]
أما في البَريَّةِ من يَنْتَبِهْ … يهنِّي بك العيدَ لا أنتَ بِهْ
وإنْ وقعتْ شُبهةٌ في الهِلالِ … فأنتَ على العَينِ لا تَشْتَبِه (٦)
عليُّ بنُ الحسين الغَزْنَوي الواعظ (٧)
ويلقب بالبُرْهان، قدم بغداد سنة ستَّ عشرة، وسمع الحديث، ووعظ، وكان فصيحًا، وله جاهٌ عريض، وكان السُّلْطان مسعود يزوره، وأَمرت خاتون زوجةُ
стр. 9911
المُستظهر أن يُبْنى له رباطٌ، ووقفتْ عليه قريةً اشترتها من المُسْترشد، واستعبد خَلْقًا كثيرًا من العلماء والفقراء بجاهه وماله.
وقال الشيخ أبو الفرج ﵀: كان محفوظه قليلًا، فيكرِّرُ ما يقول، [وحدثني جماعة من القراء أنَّه كان يعيِّنُ لهم ما يقرؤون بين يديه، ويتحفَّظ الكلام عليه] (١). وسمِعْتُه يقول على المنبر: الحكمة في معراج النَّبيِّ ﷺ أَنَّه أُري ما في الجَنَّة والنَّار ليكون يوم القيامة على سكون لا على انزعاج، ولهذا المعنى قُلبت العصا حَيَّةً يوم التَّكليم لئلا ينزعِجَ موسى ﵇ بين يدي فِرْعون.
وسمعته يُنْشد: [من مجزوء الرجز]
كم حَسْرَةٍ لي في الحشا … من ولدٍ إذا نَشَا
وكم أردتُ رُشْدَه … فما نَشَا كما نشا (٢)
وسمعته يُنْشد: [من السريع]
يَحْسُدُني قومي على صَنْعتي … لأَنَّني في صَنْعتي فارسُ
سَهِرْتُ في ليلتي واسْتَنعسوا … هل يستوي السَّاهِرُ والنَّاعِسُ
وكان يعظِّم السُّلْطان ولا يعظم الخليفة كما ينبغي، وسمعتُه يومًا يقول بجامع القصر: يتولى أمورنا ويغفل عنا، [وأنشد] (٣): [من الهزج]
فما تصنع بالسَّيفِ … إذا لم يكُ قتَّالا
فَغَيِّرْ حِلْية السَّيفِ … وضعْه لك خَلْخالا (٤)
وقال: تولي اليهود، فيسبُّون نبيك يوم السبت، وتجلسهم يوم الأحد عن يمينك، ثم صاح: اللهم هل بلغت؟ فكانت هذه الأشياء تُنْقل إلى الخليفة، فمنعه من الجلوس بجامع القَصر، فقَدِمَ السُّلْطان مسعود، فأجلسه بجامع السُّلْطان، وحضر مجلسه،
стр. 9912
فقال: يا سُلْطان العالم، محمد بن عبد الله أَمرني بالجلوس، ومحمد أبو عبد الله منعني من الجلوس. يعني المقتفي.
ولمَّا دخل العَبَّادي بغداد [وكانت سوقه انكسرت به] (١)، فأنشد ابنُ الدَّهَّان: [من السريع]
للهِ قُطْبُ الدِّين من عالمٍ … طَبٍّ بأَدْواء الورى آسِ
مُذ ظَهَرَتْ حُجَّتُه للورى … قامَ بها البرهانُ للنَّاسِ (٢)
فلما ماتَ مسعود أُهين الغزنوي، ومُنِعَ من الوعظ، وأُخذ كل ما كان بيده، فَشُفِعَ إلى الخليفة في رَدِّ القرية التي وقفت على رِباطه، فقال: أما ترضى أن يحقن دمه.
وكان يتمنَّى الموت مما لاقى من الذُّلِّ بعد العِزِّ، وما كان ممن يرضى بالذل، فحمل على قلبه، ومَرِضَ، فأَلْقى كَبِدَه قِطَعًا، وتوفي في المحرَّم، ودُفِنَ بمقابر الخَيزُران.
[وفيها توفي
الشيخ أبو البيان الزَّاهد (٣)
واسمه نبا بن محمد] (٤)، ويعرف بابنِ الحوراني، تشاغل بالزهد، و [ونشأ على] (٥) الاشتغال بالعلم، وصحبة الصَّالحين، وحُسْن الطريقة والعَفَاف والصِّيانة، [وكان] (٦) محبًا للعِلْم والعلماء.
стр. 9913
[قال أبو يعلى بن القلانسي: توفي في هذه السنة] (١) ودفن بالباب الصَّغير عند قبور الصحابة ﵃، وكان له يومٌ مشهود (٢).
[قلت: وحكى لي بعضُ مشيخة دمشق أنّ أبا البيان] (١) دخل يومًا من باب السَّاعات إلى جامع دمشق، فنظر إلى أقوام في الحائط الشمالي يَثْلِبُون أعراضَ النَّاس، فاستقبل القِبلة، ورفع يديه، وقال: اللهم، كما أنْسَيتهُمْ ذِكرَك، فأنْسهِمْ ذِكري.
(٣) [وفيها توفي:
أبو العِزّ القُرَشي الصُّوفي (٤)
ويقال له ابن أبي الدنيا، وليس في الدنيا من يقال له ابن أبي الدنيا غير أبي بكر (٥)، وهذا، وهو بصري، وكان يسكن المشان (٦)، وكان أبوه محتسبَ البصرة، وكان أبو العز شاعرًا فاضلًا، ومن شعره]: [من الرجز]
ما بال قلبي زائدًا غرامُهُ … ودَمْعُ عيني هاطلًا غمامُهُ
وذلك الجَمْرُ الذي خَلَّفْتُمُ … على الحشا لا ينطفي ضِرامُهُ (٧)
يا ناعمينَ بالرُّقاد عِيشةً … عنديَ طَرفٌ خانَهُ منامُهُ
ما أطْيبَ اللَّيلَ الطَّويلَ والبُكا … لولا انفجارُ الصُّبْحِ وابتسامُهُ
стр. 9914
إنَّ الكرى بَشَّرني بوصلكُمْ … نِعْمَ الكرى إنْ صَدَقَت أحلامُهُ
ولستُ أدري والذي سَنَّ الهوى … سِهامُكُم أَقْتلُ أم سهامُهُ (١)
السَّنة الثانية والخمسون وخمس مئة
فيها حُوصرت بغداد، جَمَعَ محمد شاه التُّرْكمان والأكراد، وقرُبَ من بغداد، وبعث إلى الخليفة يَطلُب الخطبة والسَّلطنة، فقيل له: السُّلْطان هو سنجر وأنتم مختلفون.
وعَرَضَ الخليفة العساكر، وجاء خطلبرس من واسط، وعصى أرغش صاحب البَصرة، وأخذ واسطًا، واستعدَّ الخليفة للحصار، وجَمَعَ السُّفن إلى تحتِ التَّاج، وذلك في سادس عشرة المحرَّم، ونودي: لا يبقى في الجانب الغربي أحدٌ. فَعَبرَ النَّاسُ بأموالهم وأهلهم إلى دار الخلافة، وجاء محمد شاه، فعَبَرَ دِجلة من فوق حَربى، ونَهَبَ الدُّجَيل وأَوَانا وغيرَها، وجاءه كوجك بعساكر المَوْصِل والجزيرة، واتَّفقا، وضرب محمد شاه خيامه بالرَّملة، وقطع الخليفة الجسر، وأخذ زواريقه إلى تحت التَّاج، وأخرج سبعة آلاف جوشن، ففَرَّقها، ولبس الناسُ السّلاح، ونَصَبَ الخليفةُ المجانيق والعَرَّادات فكانت مئتين وسبعين منجنيقًا وعَرَّادة، في كلِّ منجنيق أربعون رجلًا، وكان يُخْرج كل يوم من الخزانة أكثر من مئة كُرّ حنطة يُطعِمُه النَّاس، وأَذِنَ للوعَّاظ في الجلوس بعد مَنعهم سنة وخمسة أشهر، فجعلوا يحرِّضون الناس على قتال البغاة والخوارج.
وفي العشرين من المحرَّم ركبت عساكر محمد شاه وكوجك، وجاؤوا إلى الرَّقَّة (٢)، ووقفوا بإزاء التَّاج، ورموا بالنُّشَّاب إلى التَّاج، وركب إليهم صِبْيان بغداد في السُّفُن، ورموا بالنُّشَّاب وقاتلوهم، وضربوا أميرًا منهم بالنفط فأحرقوه، وظهروا عليهم، فرجعوا.
فلما كان يوم السبت ثالث صفر، ركبوا بجمعهم، وانتشروا على دِجلة، وخرج إليهم عسكر الخليفة في السُّفن، وجاءتهم سفن من واسط فيها مِيرة وما يحتاجون إليه،
стр. 9915
فأقامت في المدائن، وجاءت أكلاك (١) من المَوصِل فيها ميرة وزادٌ، فأخذها أصحابُ الخليفة.
وفي سادس عشرة صفر وصل ركابيٌّ من هَمَذَان يخبر بدخول ملك شاه إليها، وأَنَّه نهبها، وكَبَسَ دور المخالفين الذين مع محمد شاه.
ولما كان عشية الجمعة سَلْخ صفر عَبَرَ في السفن جماعةٌ منهم إلى دار السُّلْطان، فخرج إليهم منكورس الشِّحنة، فَقَتَلَ منهم جماعةً، ورمى الباقون نفوسهم في الماء، وفرَّق الخليفة في الأتراك في يومٍ واحد خمسة وعشرين ألف نُشَّابة، ومئتين وستين كُرّ حنطة، ولم يأخذ من أحدٍ من أهل بغداد دِرهمًا، ولا استقرض شيئًا.
ولما كان يوم الخميس العشرين من ربيع الأول جاؤوا بأربع مئة سُلَّم، واجتهدوا أن يلصقوها إلى السور فلم يقدروا، وأحرقها عوامُّ بغداد، وبَطَلَت الصَّلوات يوم الجمعة في الجانب الغَرْبي والرُّصافة، وكان يصلِّي في جامع القصر نفرٌ يسير، واحتوى محمد شاه على جانبي بغداد، ولم يبق إلا حريم دار الخليفة.
ووصلت امرأةُ سليمان شاه بنت خوارزم شاه، وكانت قد أَصلَحَت بين ملك شاه وبين الأُمراء بهَمَذَان، وخرجت متنكِّرة في زِيّ الصُّوفية للحاج عليها مُرقعة، وفي رِجلها طرسوس (٢)، كأنها من جُملة الشَّحَّاذين، فجاءت إلى عسكر محمد، وتوصلت إلى الرَّقَّة مقابل التاج، وقالت لبعض الملاحين: صِحْ لي بقائدٍ من قواد أمير المؤمنين يعرِّف الوزير أَنَّ لي إليه حاجة. فبعث الوزير إليها حاجبًا، فعرَّفَته نفسها، فَعَبَرَ بها، فدخلت على الوزير، فقام لها قائمًا، وأكرمها وعَرَّف الخليفة، فأفرد لها دارًا قريبة منه، وحمَلَ إليها ما يصلح، وكان معها ركابي، فأخرج الكتب من ملك شاه بأَنَّه دخل هَمَذَان، ونقَضَ الكشك الذي لمحمد شاه، ونقض دور المخالفين ونهبهم.
стр. 9916
والقتال يعمل على بغداد كل يوم إلى سابع ربيع الآخر، فبعث محمد شاه إلى كوجك يقول: أنت وعدتني بأخذِ بغداد وما حَصَّلت، وقد أُخذت هَمَذَان، ونُهِبَت خزائني وأموالي وبيوت أصحابي، وأنا معوِّل على الرحيل. فقال كوجك: متى رحلت من غيرِ بلوغِ غَرَضٍ كنتَ سببًا لقَلع بيت السَّلجوقية وبيوتنا، ولكن اصبر حتى نعبر غدًا إلى القوم، ونرمي هذه الغرائر (١) في الخندق، ونَنصِب السلالم، ونحمل حملةَ رجل واحد، فنأخذ البلد.
وجاء ركابي إلى محمد شاه يُخبره بأَنَّ ملك شاه أخذ له أربعة آلاف بُختية، ونُهبت خزائنه وبيوت أمرائه، وبلغ أمراءه، فاستأمن منهم جماعة إلى الخليفة، وبعث ملك شاه يقول للأُمراء: إن لم تنفصلوا عن بغداد وإلا سَبيتُ نساءكم، وقتلت أولادكم، وأنا منتظر أمر أمير المؤمنين، فإنْ أمرني بقَصدكم قَصَدتُكم، وإنْ أمرني أن أسير إلى المَوصل سرت.
واستوحش محمد شاه من كوجك، وقال: أنتَ أخربتَ بيتي. وهَمَّ بالقَبْض عليه، فاستوحش زين الدين منه وقال له: إن لم آخذ لك بغداد في ثلاثة أيام، وإلّا فما أنا كوجك. فلمَّا كان يوم الأحد ثاني عشرة ربيع الآخر قال كوجك لمحمد: اعبر أنتَ اليوم، وأُصبح يوم الثلاثاء على القتال حتى أعبر أنا ونحن على تعبئةٍ. قال: نعم. وأصبح محمد شاه، فعبر أصحابه إلى الجانب الشَّرقيِّ على الجسر، فلما كان وقت العشاء قطع كوجك الجسر، وضرب على خزائن محمد شاه وخيله وخيامه، وسار طالبًا المَوصِل، وأحرقَ الغِلال التي كانت في الأسواق، وبقي محمد شاه في أصحابه لا غير في الجانب الشَّرْقي لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا، فسار ليلة الأربعاء طالبًا هَمَذَان، وأمر الخليفة أن لا يتبعوه، وجاءت الرَّجَّالة إلى دار السُّلطان فنهبوها، وكانت فيها أموال كثيرة حتى قلعوا الأبواب والسقوف.
وسبب رحيلهم أن الوزير ابنَ هُبيرة أصلح كوجك، وضمن له مالًا وبلادًا، وقال: ما يحصل لك من محمد شاه شيء، وربما قَبَضَ عليك، وقيل: إنَّ كتاب نور الدين وصل إلى كوجك يقول: الواجب أن تَذهَبَ إلى تحت التَّاج، وترمي نفسك وتعتذر،
стр. 9917
وإلّا قصدتُ المَوصل وأخربتها ونزلتُ بغداد، وأين ما كنت قَصَدتُك. وقيل: إنَّ ابن هُبيرة كان يُنْشئ كلَّ يومٍ مكاتباتٍ على لسان مَنْ بهَمَذَان من الأُمراء، ويعطيها للرِّكابية فيوصلونها إليهم بأَلطف حيلة بأنها قد وردتنا من هَمَذَان، وكُتُب من الأُمراء الذين مع محمد إلى ملك شاه فيوصلونها إليهم، حتى بلغ من أمره أنه أعطى ركابيًّا كُتُبًا، وقال له: اجعلها في ثيابك، واقْرُبْ من عبيدهم، واخلعْ ثيابك، ودعْها على جانب دِجْلة، واسبحْ إلى الجانب الشَّرقي. فَفَعَلَ، وجاء أصحابُ محمد فرأوا الثِّياب فقالوا: قد غَرِق صاحِبُها، نَزَلَ يسبح وبقيتْ هذه. ففتَّشوها، فظهرت الكتب، فحملوها إلى محمد شاه وهي من ملك شاه إلى أُمراء محمد شاه يقول: اعبروا إلى الجانب الشَّرقي في اليوم الفلاني، فأنا واصِل، وأمسكوا محمد شاه. فقال محمد شاه: وأين الذي كانت معه هذه الكتب؟ فقالوا: غرق وبقيت ثيابه. فتخيَّل من أُمرائه، فرحل.
وفيها قدم بغداد ابنُ الخُجَندي الفقيه، ومعه العالم الحنفي صاحب "التعليقة"، وخَرَجَ الموكب للقائهما.
وفيها قدم أبو الوقت بغداد، وأَسمَعَ البخاري عن الدَّاوودي، وألحقَ الصِّغار بالكبار.
وفيها كانت زلازلُ عظيمةٌ بالشَّام وحلب وحماة وشَيزَر وفامية وكَفرطاب والمعرَّة وحمص وأنطاكية وطرابُلس ودمشق وجميع العواصم، وهلك خَلْقٌ كثير حتى روي أَنَّ معلِّمًا كان بحماة في كُتَّابٍ، فقام من المكتب يقضي حاجة ثم عاد، وقد وقع المكتب على الصِّبيان، فماتوا بأَسْرهم، [وأعجب من هذا أنَّه لم] (١) يأتِ أحدٌ يسأل عن صبيِّ كان له في المكتب. ووقعت أبراجُ القِلاع بحلب وغيرها، وهَلَكَ جميعُ من في شَيزَر إلا امرأةً واحدة وخادمًا، وساخت (٢) قلعةُ فامية، وانشقَّ تل حَرَّان نصفين، وظهر فيه بيوتٌ وعمائر [و] نواوشى (٣)، وانشقَّ في اللاذقية موضع، فظهر فيه صَنَمٌ قائمٌ في الماء، وخَرِبَتْ صيدا وبيروت وطرابُلُس وعكَّا وصور، وجميعُ قِلاع الفرنج، فقال الصَّالح بن رُزِّيك يعرِّضُ بما نال أهلَ الشَّام والفرنج: [من الخفيف]
стр. 9918
كرِه الشَّامُ أَهْلَهُ فنفاهمُ … فحقيقٌ أَن لا يقيمَ لبيبُ
إنْ تجلَّت عنه الحروبُ قليلًا … خلَّفتها زلازِلٌ وخُطُوبُ
رَقَصَتْ أَرضُهُ عَشِيَّةَ غنَّى الر … عدُ في الجوِّ والكريمُ طَروبُ
وتَثَنَّتْ حِيطانُها فأمالتْـ … ــــــــــها شَمالٌ بزمرِها وجَنُوبُ
لا هُبُوب لنائمٍ قد أنامَتـ … ـــــــــــهُ والعاصفاتُ فيها هُبوبُ
وأرى البَرقَ شامتًا ضاحِكَ السِّـ … ــــــــــــنِّ والجوُّ بالغمام قَطُوبُ
ذكروا آيةً تذوبُ بها السُّحْـ … ــــــــــــب فما للصُّخور منها تَذْوب (١)
قال المهذَّب بن الزُّبير (٢) يخاطب الصّالح بن رُزِّيك في الزَّلزلة: [من الكامل]
ما زُلْزِلَتْ أرضُ العِدى بل ذاكَ ما … بقلُوبِ أَهليها من الخَفَقانِ
وأظنُّ أَنَّ حصونَهُمْ سَجَدَتَ لما … أُوتيتَ من مُلكٍ ومن سُلْطانِ
والنَّاسُ أَحْرى بالسُّجودِ إذا غدا … لعلاك يَسجُدُ شامخُ الجُدرانِ (٣)
وكان الصَّالح بن رُزِّيك قد خرج من مِصر بعساكرها إلى السَّاحل، وساعده نورُ الدِّين، فالتقوا على غزَّة، فكانت الدَّبرة (٤) على الفرنج، فلم يُفلت منهم أحد، فقال الجليس يخاطب الصَّالح بن رُزيك: [من البسيط]
رُعْتَ الفرنجَ بكسرٍ لا انجبارَ له … ذلَّتْ له بعدما عَزَّت جبابِرُها
حاشَت جنودُك بَرَّ المشركين فما … ينفكُّ من بعد مَرْماها يُغادِرُها
وقال شاعر دمشقي في الزلزلة (٥): [من الخفيف]
روَّعَتْنا زلازلٌ حادثاتٌ … بقضاءٍ قَضَاه رَبُّ السَّماءِ
стр. 9919
هَدَمَتْ حِصنَ شَيزَرٍ وحماةً … أهلَكَتْ أَهلَها بسوء القضاءِ
وبلادًا كثيرةً وحُصُونًا … وثغورًا موثَّقات البناءِ
وإذا ما رَنَتْ عيونٌ إليها … أَجْرتِ الدَّمْعَ عندها بالدِّماءِ (١)
وإذا ما قضى من الله أمرٌ … سابقٌ في عباده بالمَضَاءِ
حار قلبُ اللَّبيبِ فيه ومَنْ كا … نَ له فِطْنَةٌ وحُسنُ ذكاءِ
جَلَّ ربي في مُلكه وتعالى … عن مقالِ الجُهَّال والسُّفهاءِ
وفيها ملك نور الدين [محمود] (٢) حصن شَيزَر، وزال ملك بني منقذ الكِنانيين.
ذِكرُ أَيَّامهم: قد ذكرنا (٣) أَنَّ الأمير أبا الحسن عليَّ بن المقَلَّد بن نَصر بن منقذ ملكها سنةَ أربع وسبعين وأربع مئة، وتوفِّي سنةَ تسع وسبعين، وملكها ولده نَصر بنُ علي، وكان حَسَنَ السِّيرة، ولما احتُضر أوصى إلى أخيه أبي سلامة مُرشد بنِ علي فقال: والله لا وَليتُها، ولأخرجَنَّ من الدُّنيا كما دخلتُ إليها. وولاها أخاه أبا العساكر سلطان بن علي، وكان أصغر سِنًّا منه، فاتفقا مدَّة على أحسن صحْبة، فولد مرشد أولادًا ذكورًا، فكَبِروا، وسادوا، منهم: عِزّ الدَّولة أبو الحسن علي ومؤَيَّد الدولة أُسامة ابنا مُرْشد، وكانوا على ما قيل عشرين ولدًا، ولم يولد لسلطان ولدٌ ذكر إلى أن عَلَتْ سِنُّه، فجاءه أولادُه صغار، فحسد أخاه مُرْشدًا على أولاده، وخاف على أولاده الصِّغار منهم، وكانا فاضِلَين يقولان الشِّعْر، وسعى الوشاة بينهما، فتغيَّر كلُّ واحد منهما على صاحبه، والأمر بينهما مستورٌ إلى سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، فمات مرشد، فقوي أخوه سُلْطان على أولاد أخيه، فأخرجهم من شَيزر.
وحكى مؤيد الدَّولة أسامة بن مرشد سبب إخراجهم، فقال: كنتُ من الشجاعة والإقدام على ما قد عَلِمَه النَّاس، فأُخبرت أَنَّ بدَخَلةٍ (٤) قَريبة من شَيزر أسدًا ضاريًا، فركبتُ فرسي، وأخذتُ سيفي، ولم أُخبر أحدًا من النَّاس لئلا يمنعوني عنه، فلما أتيتُ الدّخلة (٤) نزلتُ
стр. 9920
عن فرسي، وربطتُها، وشَهَرَتْ سيفي، فلمَّا رآني الأسد حَمَلَ عليَّ، فضربتُه بالسَّيف على رأسه، فقتَلتُه، ثم قطعتُ رأسه، وتركتُه في مخلاة وعدتُ إلى شَيزر، فألقيتُ الرأس بين يدي والدتي، وحدَّثتُها الحديث، فقالت: يا بنيَّ، تجهَّز للخروج من شَيزر، فوالله لا يمكِّنك عَمُّك من المقام فيها، ولا لأحدٍ من إخوتك وأنتم على هذه الحال من الإقدام والجُرْأة. وبلغ عَمِّي، فأمر من الغد بإخراجنا كلِّنا، فتفرَّقْنا في البلاد، وقَصَدْنا نورَ الدين (١) لينجدنا على عَمِّنا، فلم يمكنه قصده خوفًا أن يسلِّم الحِصن إلى الفرنج.
ثم توفي سُلطان وولي أولاده، فكاتبوا الفرنج، وبلغ نور الدين، فازداد عليهم حنقًا، واتفق مجيء الزَّلازل، فهدمت الحصن، وهَرَبَ أولاد عَمِّي سُلْطان، فجاء نور الدِّين، فوقف عليها وعمرها أحصن ما كانت، وهي مدينة حصينةٌ على حَجَرٍ عالٍ، وله طريقٌ منقور في الجبل في طرفه، وله جسر خشب، فإذا قُطع تَعذَّر الوصول إليه، والعاصي خندقه.
وقال العماد الكاتب: الأُمراء بنو منقذ الكنانيون ملوكُ شَيزر، أهل المجدِ والحَسَب، والفَضْلِ والأدب، والسَّماحة والفصاحة، والحماسة والحراسة، والإمارة والرِّياسة، اجتمعت فيهم أسباب السِّيادة، ولاحت من سيرتهم أسرار السَّعادة، وخلفوا المجدَ أولًا كآخر، وورثوا الفَضْلَ أصاغر عن أكابر، فأما الأدبُ فهم شموسُه المشرقة، ورياضُه المُوْنِقة، وحياضُه المُغدِقة، وأمّا النَّظْمُ فهم فُرْسان ميدانه، وشجعان فرسانه، وأرواح جُثْمانه، وما زالوا مالكي شَيْزر، معتصمين بحصانتها، ممتنعين بممانعتها حتى جاءت الزَّلزلة في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، فخرَّبت حِصنها، وأذهبَتْ حُسْنها، وتملَّكها نورُ الدين، فأعاد بناءها، وهذَّب أبناءها، وتشعَّبوا شُعَبا، وتفرَّقوا تفرقَ أيدي سبا (٢).
وحجَّ بالنَّاسِ من العراق قيماز.
стр. 9921
وفيها توفي
أحمد بن عمر أبو الليث السَّمَرْقَندي الحنفي (١)
كان حسنَ السَّمت، وصنَّف التَّصانيف الحِسان، وحَجَّ وعاد إلى بغداد، وودَّع الناس، وأنشد: [من مخلع البسيط]
يا عالم الغَيْب والشَّهادَه … منِّي بتوحيدك الشَّهادَهْ
أسأَل في غُربتي وكَرْبي … منك وفاتي على الشَّهادَهْ
وخرج في قافلةٍ، فلمَّا كان قريبًا من قُومِس، قَطَعَ قومٌ الطَّريق على القافلة، وقتلوا جماعةً من العلماء، وقتلوه شهيدًا، ﵀.
أحمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله (٢)
ولد سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة، ومن شعره دوبيت:
ساروا وأقام في فؤادي الكَمَدُ … لم يَلْقَ كما لقيتْ منهم أَحَدُ
شوقٌ وجَوًى ونارُ وَجْدٍ تَقدُ … ما لي جَلَدٌ ضَعُفْتُ ما لي جَلَدُ (٣)
وقال: [دوبيت]
هذا ولهي وكم كَتَمْتُ الولها … صَوْنًا لحديثٍ منْ هوى النَّفْس لها
يا آخِرَ محنتي ويا أوَّلها … أيامُ عنائي فيك ما أطولَها (٤)
стр. 9922
الحسن بن جعفر بن حمزة، البَعْلبَكي الأَنْصاري (١)
ويعرف بابن بُرَيك، من ولد النُّعْمان بن بشير، نَظَرَ في وقف جامع دمشق، ومن شعره: [من الطويل]
أَحِنُّ إليكمْ كلَّما هَبَّتِ الصَّبا … وأَسأَلُ عنكُمْ كلَّ غادٍ ورائحِ
وأذكُرُ ذاكَ المَوردَ العَذْبَ منكُمُ … فَيغْلِبُني ماءُ الجفونِ القرائحِ
وكمْ ليَ منكُمْ أَنَّةٍ بعد زفرةٍ … تُهيِّجُ وجْدًا كامنًا في الجوانحِ
كأنَّ فؤادي قد تذكَّر ما مضى … بقُربكمُ تَغتالُه (٢) كفُّ جارحِ
وقال: [من الطويل]
بقلبيَ داءٌ من فِراقِ الحبائِبِ … أَمرُّ مذاقًا من هجومِ المصائِبِ
وفي كبدِي من لوعةِ البَينِ حرمةٌ … لها في الحشا وخْزٌ كلدغِ العقارِب
فهل لفؤادي من جَوى البَينِ راحةٌ … أُبَرِّدُ أَشْجاني بها ومشاربي
فما ليَ والدَّهْرَ الخؤونَ كأنَّما … جَنَيتُ فجازاني ببُعدِ الأقاربِ
أبي الدَّهْرُ إلا شَتَّ شَمْلي وفُرقةً … وروعةَ مَصحوبٍ لغيبةِ صاحِبِ
حَبَانيَ من بعدِ الأَخِلاء جَفْوةً … ولا سيَّما كون الحسودِ مُناصبي
سأطلبُ وَصلًا أو أموتُ بحَسْرَةٍ … فَيَحمدُني بعد المذلَّة عائبي
سقى الله مَغْنى من شقيتُ لبينهمْ … من الوابلِ الوَسْميِّ أَعْذَبَ صايبِ
وقفتُ به أَذْري دموعًا كأنَّما … تحدَّرُ سُحْبًا من جُفُون السَّحائبِ
وكَمْ لي بِهِ منْ أَنَّةٍ بعد وقْفةٍ … يَرِقُّ بها لي كلُّ ماشٍ وراكبِ
يقولون صَبرًا علَّ ذا البَين ينقضي … ويَسْعَدُ مُشتاقٌ برؤية آيبِ
لعَمْريَ ما صَبْري مفيدِيَ راحةً … ولكنَّه للبَينِ ضَربةُ لازِبِ
سهامُ الرَّزايا دَهْرَها ترشُقُ الورى … وجُمْلَتُها ما بين مُخْطٍ وصائِب
يزيدُ غرامي كلَّما هَبَّتِ الصَّبا … وأَصبُو إليكُمْ يا مُنى كلِّ طالبِ (٣)
стр. 9923
وقال أيضًا من شعره: [من مجزوء الرمل]
قابلِ البَلْوى إذا حَلَّـ … ــــــــــتْ بصَبْرٍ ومَسرَّهْ
فلعلَّ الله أنْ يو … ليكَ بعد العُسْرِ يُسْرَهْ
كم عَهِدْنا نكبةً حلَّـ … ـــــــــــــتْ فولَّتْ بعد فتره
لن ينال الحازمُ النَّدْ … بُ (١) مُنَى نَفسٍ بقُدْرَهْ
لا ولا يَدْفَعُ عنهُ … من صروفِ الدَّهرِ ذَرَّهْ
كلَّ يوم لكَ من دُنْـ … ياكَ بُؤْسٌ وَمَضرَّهْ
والليالي ناتجاتٌ … للورى هَمًّا وفِكْرَهْ (٢)
وكانت وفاتُه ببَعلبك في المحرَّم.
السُّلْطان سنجر بن ملك شاه (٣)
ابن ألب رسلان، أبو الحارث، وقيل اسمه أحمد، ويسمَّى بسنجر، لأنَّه ولد بسِنْجار في رجب سنة تسع وسبعين وأربع مئة حين توجَّه أبوه إلى غَزْو الرُّوم (٤)، ونشأ ببلاد الخَزَر، وسكَنَ خُراسان، واستوطن مَرْو، وكان قد دخل بغداد مع أخيه محمد على المستظهر بالله، قال سنجر: لما وقفنا بين يديه ظن أَنِّي أنا السُّلْطان، فافتتح كلامه معي، فخدمتُ وقلتُ: يا مولانا أميرَ المؤمنين السُّلْطان هو أخي. وأشرتُ إلى محمد، ففوَّض إليه السَّلْطنة، وجعلني ولي عهده.
فلما مات محمد خوطب سنجر بالسَّلْطنة، واستقام أمره، وكان عادلًا، وجلس على سرير الملك إحدى وأربعين سنة، وكان قبلها في مُلكٍ نحوًا من عشرين سنة، وخُطِبَ
стр. 9924
له على عامَّة منابر الإسلام، وأسره الغُزُّ أربع سنين، ثم خَلَصَ، فجَمَعَ إليه أطرافَه بمَرْو، وكاد مُلْكُه يرجع إليه، فأدركَته المنيَّة يوم الاثنين رابع وعشرين ربيع الأول، ودفن بمرو في قُبَّةٍ بناها لنفسه سماها دار الآخرة.
وقال أبو سَعد بنُ السَّمْعاني: دخلنا عليه في مَرَضِ موته في جماعةٍ من العُلَماء والمحدِّثين، فصافَحَنا بكلتا يديه، وسأَلنا الدُّعاء، وقال كلامًا بالفارسية معناه: ما يفي هذا بذاك. وبكى وبكينا لبكائه، ودُفِنَ في قُبَّته بمرو في مدرسته التي بناها.
وقيل: إنَّه مات بتِرْمِذ.
وروى الحديثَ عن النبيِّ ﷺ ، وأصابه صَمَمٌ في آخر عمره، ولما بلغ خبره إلى بغداد قطعوا خُطْبته، ولم يقعدوا له في العَزَاء، فقعدت امرأةُ سليمان شاه له يومًا، فبعث الخليفة، فعزاها فيه، وأقامها من العزاء، واستقرَّ المُلْك بعده لابنِ أخيه أبي القاسم محمود بن محمد بن ملك شاه (١).
عبد القاهر بنُ عليّ بن أبي جَرَادة (٢)
أبو البركات (٣)، مخلِّص الدِّين الحلبي.
كان فاضلًا أمينًا على خزائن نور الدِّين محمود بن زنكي، وتوفِّي بحلب في رمضان.
علي بن مَرْضي بن علي (٤)
أبو الحسن، المَعَرِّي التَّنُوخي.
стр. 9925
سكنَ دمشق، وعاد إلى حماة، فمات في الزَّلْزلة، ومن شِعْره: [من مجزوء الكامل]
لا تُقْدِمَنَّ على المظا … لِمِ واقصِ عنك الظُّلمَ بُعدا
فالدَّهْرُ قد يُعدِي على … مَنْ كان فيه قد تعدَّى (١)
محمد بن عبد اللطيف بن محمد (٢)
ابن ثابت، أبو بكر الخُجَنْدي، صَدْر الدِّين، من بيت الرِّياسة والفَضْل والتَّقْدمة بأصبهان.
قَدِمَ بغداد، ودَرَّس بالنِّظامية، ووعظ بها، وكان يجلس وحوله السُّيوف، وهو أشبه بالوزراء منه بالعلماء، وكان الملوك يَصدُرون عن رأيه.
خرج من بغداد يريد أصبهان، فبات بقريةٍ، فأصبح ميتًا في شوَّال، وحُمِلَ إلى أصبهان.
محمد بن عُبيد الله، أبو بكر بن الزَّاغُوني (٣)
ولد سنةَ ثمانٍ وستين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وكانت وفاتُه في ربيع الآخر، ودُفِنَ عند أخيه (٤) بباب حَرْب.
محمد بن أبي الهيجاء الأصبهاني (٥)
قَدِمَ بغداد أيَّام المقتفي، فولاه عَرْضَ العساكر، وكان ذا دهاء، ومن شعره: [من الطويل]
إذا لم أَنَلْ في دولة المَرْءِ غبطةً … ولم يَغْشَني إحسانُه ورعايتُهْ
فسِيَّان عندي موتُه وحياتُه … وسِيَّان عندي عَزْلُه وولايتُه (٦)
وكانت وفاته ببغداد.
стр. 9926
يحيى بن عيسى بن إدريس، أبو البركات الأنباري (١)
قرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، [وقرأ الأدب على الزّبيدي] (٢)، وتفقه [على القاضي الحرَّاني] (٢) وكان يعظ، فمن حين يَطْلُعُ المنبر إلى حين ينزل [الأرض] (٢) لا يزال يبكي، وتعبَّد في زاويته خمسين سنة، وكان وَرِعًا، عَطِشَ يومًا فجيء بماءٍ [بارد] (٢) من دور بعض القُضَاة، فلم يشرب.
وكانت له كراماتٌ، ودُعاء مستجاب، و [كانت له] (٢) زوجة صالحة، فكانا يصومان الدَّهْر، ولا يُفْطران إلى بعد العشاء، وأولدَها أربعة أولاد، فسمَّاهم بأسماء الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكانت وفاتُه في ذي القَعدة، فقالت زوجته: اللهم لا تبقني بعده. فعاشت خمسة عشرة يومًا وماتت، وكانت قارئةً للقرآن، وأقرأته هي ويحيى لأولادهم، [سمع يحيى من عبد الوهَّاب الأنماطي وغيره] (٢).
أبو العلاء بن [أبي] (٢) النَّدى المَعَرّي (٣)
كان شابًّا فاضلًا، [له مقطعات من الشعر] (٢)، اخترمته (٤) المنية، وله خمس وعشرون سنة، في الزَّلْزلة. وقيل: توفي سنة إحدى وخمسين [وخمس مئة] (٢).
ومن شعره في وصف شريفٍ لقبه بهاء الدِّين: [من الكامل]
من أين كان لكُنَّ يا حَدقَ المَهَا … عِلْمٌ بنَفْثِ السِّحْرِ في عُقَدِ النُّهى
أَمْ مَنْ أعانَ البانَ في مُهَجِ الورى … فَتْكًا فأصبحَ بالقنا مُتَشَبها
يبدو بوَجْهٍ كلَّما قابَلْتَه … أهدى إليك من المحاسنِ أَوْجُها
فله على القمر المنير فضيلةٌ … كفضيلةِ القمر المُنيرِ على السُّها
البَدْرُ يَقصُر أَنْ أُشَبِّهَهُ به … والشَّمسُ تَصغُرُ أَنْ أُشَبِّهَهُ بها
أنتمْ بني الزَّهراءِ أَهْلُ الحُجَّةِ الز … هْراءِ إنْ فَطِنَ المعانِدُ أَوسها
فإلامَ يُجحدُ في البَرِيَّة حقُّكمْ … قدآنَ للوَسْنان أَنْ يَتَنَبَّها
стр. 9927
ماذا أقولُ وما لوَصفِ علاكُمُ … حَدٌّ ولا لنُهاكُمُ من مُنتهى
منكُمْ بدا الشَّرفُ الرَّفيعُ جميعُهُ … وإلى بهاءِ الدِّين بعدكُمُ انتهى (١)
وقال أيضًا: [من البسيط]
لا غَرْوَ إن كان مَنْ دوني يفوزُ بكم … وأَنْثني عنكُمُ بالوَيلِ والحَرَب
يُدْنى الأراكُ فَيُمْسي وهو مُلْتثمٌ … ثَغْرَ الفتاةِ ويُلْقى العُودُ في اللَّهَبِ (٢)
وقال في مروحة (٣): [من المتقارب]
وقابضةٍ بعنانِ النَّسيمِ … تُصَرِّفُه كيفَ شاءَتْ هُبوبا
إذا أقبلَ القَرُّ كانتْ عدوًّا … وإنْ أقبلَ الصَّيفُ كانت حبيبا (٤)
السَّنة الثالثة والخمسون وخمس مئة
فيها اتَّفق محمد شاه، وأخوه ملك شاه، وأمدَّه بعسكرٍ، فسار إلى خُوزستان ففتحها، وأبعد عنها شملة التُّرْكماني.
وخَرَجَ الخليفةُ إلى مشهد الحسين ﵇، فزاره، وأحسن إلى المقيمين به، ومضى إلى واسط، وأزال المكوسَ عنها، ونَظَر في أمر الرَّعية، وعاد إلى بغداد، وخَلَعَ على قويدان، وبعثه إلى بلاد البقش، فنافق، ومضى إلى ملك شاه، وقَبَضَ الخليفة على منكورس نائب السُّلْطان سنجر ببغداد، واستصفى أمواله، وأموال سنجر، وكانت عظيمةً.
وفيها نازل نورُ الدِّين قلعة حارم، وأقام عليها أيَّامًا، فلم يَقْدر عليها، فرحل عنها، ثم عاد بعد ذلك، فحصرها وفتحها، [وسنذكره] (٥).
وفي سَلْخ صفر نزلتِ الفرنج على داريَّا، فأحرقوها ونهبوها، وكانوا جاؤوا بغتةً، وخرج إليهم أحداثُ دمشق فقاتلوهم، فأقاموا إلى الليل ورحلوا، وأحرقوا جامعها، وعادوا على الأقليم.
وحَجَّ بالنَّاس قيماز.
стр. 9928
[قال جدي: كنت في الحج، وتكلمت في مكة والمدينة، ووقفت العرب للحجِّ في الطريق، فسار بنا الدَّليل على طريق خَيْبر، فرأيت من الجبال وغيرها العجائب (١).
قلتُ: ﵀، ما رأى جبل لبنان ولا جبل الثَّلْج، ولا عَقَبَة فِيْق وإبريق وأَيلة (٢) وغيرها] (٣).
وفيها توفي
أحمد بن إسماعيل بن أحمد (٤)
أبو علي المكين، العارض، الأَصبهاني، وزير يرنقش الزَّكوي (٥)، ثم صار عارِضَ جيش مسعود، وترشح لوزارته، فقصده وزيره، فلحق بخراسان، وأقام عند سنجر، فلمَّا تَمَّ على سنجر ما تم (٦)، عاد إلى أصبهان، وأقام بها، ووقف كُتُبَه بجامعها، ومن شعره: [من الكامل]
إني وإنْ شَطَّ المَزَارُ وبدَّدَتْ … أيدي النَّوائِبِ شَمْلَنا المَنْظُوما
لم أَخْلُ من حُسْنِ الثَّناء عليكُمُ … مُذْ غبتُ عنكم ظاعِنًا ومقيمًا (٧)
وكانت وفاتُه بأَصبهان، وهو شيخٌ كبير.
ومدحه إسماعيل ابن أبي نَصر بن عَبْديل الأصبهاني (٨)، فقال: [من المجتث]
لله شِعْبُ البِطاحِ … مغروزًا بالأقاحي
رياضُهُ بالنُّعامى … مُعَطَّراتُ النَّواحي
стр. 9929
يسيل في ساحتَيها … سَلْسالُ ماءٍ قَرَاحِ
وأيكةُ الوَرْدِ تُزْهي … بخاطباتٍ فِصاحِ
وللغُصُونِ اختيالٌ … مِثْلُ اختيالِ المِلاحِ
والنَّرْجِسُ الغَضُّ يحكي … أَعْطافَ سكرانَ صاحِ
عزائمٌ هي أمضى … من القَضَاءِ المُتاحِ
لمَّا مدحتُ عُلاه … قَرَعْتُ بابَ النَّجاحِ
قد رامَ شأوَك قومٌ … فما احتَظَوْا بفلاح
أَأَعْزلٌ يتمنَّى … إقدامَ شاكي السِّلاحِ (١)
عبد الأَوَّل بن عيسى (٢)
ابن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت، الهَرَوي المَنْشأ، السِّجزي (٣) الأصل.
ولد سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة، وحمله أبوه من هَرَاة إلى بُوشَنْج (٤) على [عاتقه] (٥)، فسمع "صحيح البخاري" وغيره. وقَدِمَ بغداد، فألحق الصِّغار بالكبار، وكان كثير التَّعبد والتهجُّد والبكاء، على سَمْتِ السَّلَف، وعَزَمَ على الحج في هذه السنة، وهيّأ ما يحتاج إليه، فأصبح ميتًا.
قال أبو عبد الله [محمد بن] (٦) الحسين التكريتي: أَسْنَدْتُه في مرضه إليَّ، فكان آخرَ كلمةٍ قالها: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧].
ودُفِنَ بالشُّونِيزية عن نيف وتسعين سنة.
стр. 9930
عبد الرَّحمن بن مُدْرِك (١)
ابن علي، أبو سَهْل التَّنوخي.
كان فاضلًا، شاعرًا، فصيحًا، قَدِمَ دمشق ومصر، وعاد إلى حماة، فأقام بها إلى أن توفي بها في الزَّلْزلة، ومن شعره: [من الوافر]
كأنَّ دمشقَ أفلاكٌ تدورُ … تلوحُ بها الشُّموسُ أو البدورُ
وأيَّ محلَّةٍ قابلتَ منها … رأيت كواكبًا فيها تدورُ (٢)
قال أبو اليُسْر شاكر بن عبد الله (٣): كَتَبَ إليَّ أبو سَهْل من حماة وأنا بالمعرَّة: [من مجزوء الكامل]
لا بُدَّ أَنْ أشكو الذي … لاقيتُ من ألم الفِراقِ
وأبثُّ وَجْدي ما استطعـ … ـــــــــــــــتُ وطولَ وَجْدي واشتياقي
فلعلَّ علَّامَ الغُيو … بِ وخالقَ السَّبعِ الطِّباقِ
يقضي لنا بتجمُّعٍ … أبدًا على الأَيَّامِ باقِ
ويعيدُ أيَّامَ المسـ … ــــــــــــــــــــرَّةِ بالمَعرَّةِ والتَّلاقِ
وعساه يأذَنُ لي إليـ … ـــــــــها عن قريبٍ بانطلاقِ
ما للمعرَّة مُشْبِهٌ … في أرضِ مِصرَ ولا العِراقِ (٤)
قال أبو اليُسْر: فكتبتُ إليه: وقفتُ -أطال الله بقاء حضرة مولاي القاضي الأجل- على ما سَنَحَ به خاطره الشَّريف من نفائس دُرَره، وغرائبِ غُرره، فقلتُ عَجِلًا، وتنهدتُ مرتجلًا، وإن لم تكن مثل أبياته الوافية، ومعانيه الشَّافية، فقد لزمت الوزن والقافية: [من مجزوء الكامل]
стр. 9931
يا شاكيًا ألمَ الفِراقِ … هيَّجْتَ وجَدْي واشْتياقي
وقدَحْتَ زَنْدَ صبابتي … أفما اتقَيتَ من احتراقي
وأَفَضْتَ من تامور (١) قَلْـ … ـــــــبي كالعقيقِ من المآقي
قد نالني للبَين ما … نال الهِلال من المُحَاقِ
فاحْرِص بأنْ تُحيي وَلِيَّـ … ــــــــــكَ عن قريبٍ بالتَّلاقِ
من أبيات (٢).
محمد بن يوسف بن عمر (٣)
أبو عبد الله الكَفْرطابي، نزيل شيزر، ومن شِعْره: [من مجزوء الرجز]
يا قوم خابَ مَطْلبي … لا واخَذَ الله أبي
لأَنَّه دَرَّسني … أصنافَ عِلْمِ الأَدَب
وعنده أَنِّي بها … أحوي جزيلَ النَّشَب (٤)
فما أفادَتْني سوى … حِرْفَةِ (٥) أهلِ الأَدَبِ
فليته دَرَّبني … في الطِّينِ أو في الحطبِ
وليتَهُ عَلَّمني … صنعتَهُ وَهْو صبي
زكالش (٦) الحاكةِ لا … مسائِلَ المُقْتَضَبِ (٧)
стр. 9932
تبًّا لدَهْرٍ أصبحتْ … صروفُه تلعبُ بي
كأنَّه وليدةٌ … لاعبةٌ باللُّعَبِ (١)
وقال يهنِّئُ ابنَ مُنْقِذ صاحب شَيْزَر بمولود: [من البسيط]
يا من هو الليثُ لولا حُسْنُ صوريهِ … ومَنْ هو الغَيْثُ إلا أَنَّه بَشَرُ
ومَنْ هو السَّيفُ إلا أَنَّ مَضْرِبَهُ … لا يَنْثني ويَكِلُّ الصَّارِمُ الذَّكَرُ
ومَنْ هو البحر إلا أَنَّ نائِلَهُ … سَهْلُ المَرَامِ وهذا نَيلُه عَسِرُ
هُنِّيتَ بالولدِ الميمونِ طائرُهُ … وعاشَ في ظِلِّ عَيشٍ ماله قِصَرُ
فقد تباشرتِ الخيلُ العِتاقُ به … والمَشْرَفِيَّةُ والعَسَّالةُ السُّمُرُ
عِلْمًا بأَنْ سوفَ يُوليها بخِدْمتِهِ … فَخْرًا يُقصِّرُ عنه البَدْو والحَضَرُ
أليسَ مولدُهُ فيكُمْ ومنشؤه … منكُمْ وذلكَ فَخْرٌ دونه مُضَرُ
لا زال عِزُّكُمُ ينمو ومَجْدُكُمُ … يَسْمو وفَضْلكُمُ في النَّاس مُشْتَهِرُ (٢)
وكانت وفاته في رمضان
محمود بن محمد بن مسلم الشروطي البغدادي (٣)
له ديوان، ومن شعره: [من الرجز]
أَلِفتُها وللحُدا تغريدُ … عن رامةٍ (٤) إنْ وَصَلَتْ زَرُوْدُ (٥)
ولاحَ بَرْقٌ من ثَنِيَّاتِ الحِمى … تُشِيمُهُ للأَعْيُنِ الرُّعودُ
فمالتِ الأعناقُ منه طَرَبًا … كما يُميلُ النَّاشِدَ المَنْشُودُ
في كلِّ يومٍ للفراقِ روعةٌ … وللرِّكابِ سائِقٌ غِرِّيد
هيهاتَ يُخفي ما به مُتَيَّمٌ … دموعُهُ بوجدِهِ شهودُ
مجتمعُ الأضْدادِ من جُفُونِهِ … بحرٌ ومِنْ أحشائِهِ وَقُودُ
عادَ الهوى فليتَ أيامَ الصِّبا … مِثْلُ الهوى كما مَضَتْ تعودُ
стр. 9933
رُدُّوا الصِّبا كرَدِّ طَرْفِ لحظةٍ … إنَّ الصِّبا زمانُهُ حميدُ
وخلِّصُوني مِنْ تكاليفِ الهوى … إنَّ الهوى عذابُهُ شديدُ
أَوْ لا فنادُوا ثُمَّ بيعوا مُهْجتي … بنظرةٍ فيمن عسى يزيدُ (١)
وقال في المشيب: [من الطويل]
تعمَّمَ رأسي بالمشيبِ فساءَني … وما سرَّني تَفْتيحُ نَوْرِ بياضِهِ
وقد أبصرتْ عيني خطوبًا كثيرةً … فلم أَرَ خَطْبًا أسودًا كبياضِهِ
وكانت وفاة محمود في رجب.
وقال أيضًا: [من الكامل]
أعنِ العقيقِ سألتَ بَرْقًا أوْمضا … أأقام حادٍ بالرَّكائِبِ أو مضى
إنْ جاوز العَلَمَينِ من سِقْطِ اللِّوى … بالعِيسِ لا أفضى إلى ذاك الفضا (٢)
وقال أيضًا: [من المديد]
حَيِّ جيرانًا لنا رحلوا … فَعَلوا بالقَلْبِ ما فعلوا
رحلوا عنَّا فكم أَسَروا … بالنَّوى صَبًّا وكمْ قَتَلُوا
مَنْ لِصَبِّ ماتَ من كَمَدٍ … طَرْفُهُ بالدَّمْعِ مُنْهَملُ
فَهْو من شَدْوِ الهوى طَرِبٌ … وَهْو من خَمْر الهوى ثمِلُ
واقِفٌ بالدَّارِ يَسْأَلُها … سَفَهًا لو يَنطِقُ الطَّلَلُ
لو تُجيبُ الدَّارُ مُخْبرة … أينَ حَلَّ القومُ وارْتحلوا
لتشاكينا على مَضَضٍ … نحن والأوطانُ والإبلُ
غَرَّدَ الحادي بِبَينهُمُ … فله يومَ النَّوى زَجَلُ
يا شموسًا في القِباب ضحًى … حَجَبَتْها دوننا الكِلَلُ (٣)
عُجْنَ بالصَّبِّ المَشُوقِ فقد … شَفَّه يومَ النَّوى خَبَلُ (٤)
стр. 9934
وكان لمحمود أخٌ يقال له أبو المعالي بن محمد (١)، مات بعد سنة خمسٍ وأربعين وخمس مئة، وهو القائل: [من الكامل]
نادى منادي البَينِ بالتَّرْحالِ … فلذلك المعنى تغيَّر حالي
زُمَّتْ ركابِّهُمُ فلمَّا ودَّعوا … رفعوا على الأجمال كلَّ جَمالِ
فَجَرَتْ دموعٌ في خدودٍ خلْتُها الـ … ـياقوتَ قد نُثِرَتْ عليه لآلي
وتفرَّقَ الشَّمْلُ المَصُونُ وقبلَ ذا … لم يخطُرِ البَينُ المُشِتُّ ببالي (٢)
نَصر بن منصور بن الحسين (٣)
ابن أحمد، أبو القاسم، الحَرَّاني، والد ظهير الدِّين أُستاذ دار المستضيئ.
ولد بحرَّان سنة أربعٍ وثمانين [وأربع مئة] (٤)، وكان تاجرًا، كثير المال، غزيرَ النَّوال، قارئًا للقرآن، محافظًا على الجماعات، يكسو العُراة، ويَفُكُّ الأسارى، ويَبَرُّ العلماء والفُقَراء، ويتفقَّدُ أربابَ البيوت، ويسمعُ الحديث، ويزور الصالحين، [وكان خِصِّيصًا بجدِّي ﵀، ويحسن إليه] (٤)، ومات ببغداد.
[وله وقائع ذكر جدِّي في "المنتظم" منها واقعة، فقال: حدثني (٥)] أبو محمد العُكْبري: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ في المنام: فقلتُ: يا رسولَ الله، امسح بيدك على عيني، فإنَّها تؤلمني. فقال: اذهب إلى نَصر بن العَطَّار يمسح على عينك. فقلتُ في نفسي: أَدَعُ رسولَ الله ﷺ ، وأمضي إلى رجلٍ من أبناء الدُّنْيا! وعاوَدْتُه القولَ، وقلتُ: يا رسول الله، امسح على عيني. فقال لي: أما سَمِعْتَ الحديث "إنَّ الصدقة لتقع بيد الله قبل أن تقع بيد السَّائل (٦) " وهذا نَصرٌ قد صافحت يدُه يدَ الحق، فامضِ إليه، [قال] (٤): فانتبهتُ، ومضيتُ إليه، فلما رآني قام
стр. 9935
حافيًا، وقال: الذي رأيته في المنام قد تقدَّم في حقِّك بشيء. وقرأ على عيني الفاتحة، والمعوِّذتين، فسكَنَ الألم، ووجدتُ العافية.
[قلتُ: وحكى لي جماعة من مشايخنا أن إحدى عيني نَصر ذهبت] (١) قال: فخرجت يومًا إلى جامع السُّلْطان لأصلي الجمعة، فجلست على جانب دِجْلة لأتوضأ، وإذا بفقيرٍ عليه أطمارٌ رثة، وهو جالسٌ على دِجْلة، فتقدَّمْتُ إليه، وقلتُ: امسحْ على عيني الذاهبة، فمسح على عيني الذاهبة، فعادت صحيحة كما كانت. [قال] (٢): وفي كُمِّي مِنْديلٌ فيه دنانير، فأخرجتُ المِنْديل، ودفعتُه إليه، فقال: ما لي به مِنْ حاجةٍ، إنْ كان معك رغيفُ خُبْز فَنَعَمْ. [قال] (٢): فقمتُ واشتريتُ له خُبزًا، ورجعت، فلم أره. فكان نَصرٌ بعد ذلك لا يمشي إلا وفي كُمِّه الخبز إلى أن مات.
[ومنها أنه] (٢) كان يأتي إليه في كلِّ سنة فقيرٌ في دار القَزّ، فيعطيه من الزَّكاة خمسة دنانير، ومَضَتْ مُدَّة، فلم يذهب إليه، فعَبَر ذلك الفقيرُ يومًا إلى خان الخشبة وتحت يده مِنْديل فيه ثيابٌ عتَابي (٣)، ونَصر جالسٌ في الخان، فناداه: يا فقير، تعال خُذْ رسمك، فقال له: أنا اليوم لا تجب عليَّ الزكاة. قال: وكيف؟ قال: الخمسة دنانير التي أعطيتني اتَّجرت بها، فصارت عشرين دينارًا. فبكى نصر، وقال: الحمد لله على هذه النِّعْمة.
[قلت] (٤): وسمعتُ جماعةً من أهل بغداد يحكون أَنَّ نَصرًا اشترى مملوكًا بألف دينار، وأعطاه بضاعة بألف دينار، وجهزه إلى بلاد الترك، وكان جدي قد صنف
стр. 9936
"كتاب المُغَفَّلين" فكتَبَ نَصرًا فيه، وبلغ نَصرًا، فعاتبه، وقال: أنا من جُمْلة المحبِّين والمتعصِّبين لك، وأنتَ تلحقني بالمُغَفَّلين! فقال له جَدِّي: بلغني كذا وكذا، وكيف يعود إليك المملوك، وقد صار ببلاده ومعه ألف دينار! فقال نَصر: فإن عاد. فقال جَدِّي: أمحو اسمك وأكتُبُ اسْمَه.
يحيى بن سلامة (١)
ابن الحسين بن محمد، أبو الفَضْل الحَصكَفي [الشَّاعر الفاضل] (٢).
ولد بطَنْزَة -مدينة صغيرة بديار بكر-[بعد الستين وأربع مئة] (٢)، ونشأ بحِصن كَيفا، وانتقل إلى مَيَّافارقين، وكان إمامًا في كلِّ فن، [وكان يفتي] (٢) في المذاهب، ويقول الشِّعر [اللطيف] (٢)، ويترسَّل [لرَّسائل البليغة] (٢)، وله مدائح في أهل البيت ﵈، وقَدِمَ بغداد، وقرأ شيئًا من شعره ومقاماته على الخطيب أبي زكريا التِّبْريزي، فكَتَبَ على كتابه: قرأ عليَّ الرَّئيس الفاضل ما يدخل الأذُن بلا إذن.
وكانت وفاته في ربيع الأول بميافارِقِين [من هذه السنة، والله أعلم] (٢).
ومن شعره يمدَحُ أهلَ البيت ﵈ والرحمة (٣): [من الرجز]
أَقوتْ مغانيهم فأقوى الجَلَدُ … رَبْعان كلٌّ بعد سَكْنٍ فَدْفَدُ
أسأَلُ عن قلبي وعن أَحبابِهِ … ومِنْهُمُ كلُّ مُقِرِّ يَجْحَدُ
فهل تُجيبُ أَعْظُمٌ باليةٌ … وأرْسُمٌ خاليةٌ مَنْ يَنْشُدُ
كأَنَّني بين الطُّلولِ واقِفٌ (٤) … أَنْدُبُهُنَ الأَشْعَثُ المُقَلّدُ
стр. 9937
صاحَ الغُرابُ فكما تحمَّلوا … مشى بها كأَنَّه مُقَيَّدُ
يَحْجُلُ في آثارهمْ بَعدَهُمْ … بادي السِّماتِ أَبْقَعٌ وأَسْوَدُ
لبِئْسَ ما اعْتاضَتْ وكان قَبْلَها … يَرْتَعُ فيها ظَبياتٌ خُرَّدُ
ليتَ المطايا للنَّوى ما خُلِقَتْ … ولا حَدا مِنَ الحُداةِ أَحَدُ
رُغاؤهم وحَدْوُهُمْ ما اجْتَمَعا … للصَّبِّ إلا ونَجَاه (١) الكَمَدُ
تقاسموا يومَ الوداعِ كَبِدِي … فليس لي منذ تولَّوْا كَبِدُ
عن (٢) الجفونِ رَحَلوا وفي الحشا … تقيَّلوا (٣) وماءَ عَيني وَرَدُوا
فأَدْمُعي مسفوحةٌ وكَبِدِي … مقروحةٌ وغُلَّتي ما تَبْرُدُ
وصَبْوتي دائمةٌ ومُقْلتي … داميةٌ ونَوْمُها مُشَرَّدُ
تَيَّمني منهمْ غزالٌ أَغْيَدُ … يا حبَّذا ذاكَ الغَزَالُ الأَغْيَدُ
حُسامُهُ مجرَّدٌ وصَرْحُهُ … مُمَرَّدٌ وخَدُّه مُوَرَّدُ
أيقنتُ لمَّا أَنْ حدا الحادي بهمْ … ولم أَمُتْ أَنَّ فؤادي جَلْمَدُ
كنتُ على القُرْبِ كئيبًا مُغْرمًا … صَبًّا فما ظنُّكَ بي إذْ بَعُدُوا
هُمُ الحياةُ أعرقوا أَمْ أشْأَموا … أم أَيمنوا أم أَتهموا أم أَنجدُوا
ليَهْنِهِمْ طِيبُ الكرى فإنَّه … حَظُّهُمُ وحَظُّ عَيني السَّهَدُ
نَعَم تولَّوا بالفؤادِ والكَرَى … فأين صَبْري بعدَهُمْ والجَلَدُ
لولا الضَّنى جَحَدْتُ وجَدي بهُمُ … لكنْ نُحولي بالغَرَامِ يَشْهَدُ
ليس على المُتْلِفِ غُرْمٌ عندهُمْ … ولا على القاتلِ عَمْدا قَوَدُ
وسائِل عن حُبِّ أَهْلِ البَيتِ هل … أقرُّ إعلانًا به أَمْ أَجْحَدُ
هيهاتَ ممزوجٌ بلحمي ودمي … حُبُّهُمُ وهْو الهُدى والرَّشَدُ
стр. 9938
حَيْدَرةُ والحَسَنانِ بعده … ثُمَّ عليٌّ وابنُهُ محمَّدُ
وجعفرُ الصَّادِقُ وابنُ جعفر … موسى ويَتْلُوه عليُّ السَّيدُ
أعنِّي الرِّضا، ثم ابنُهُ محمدٌ … ثُمَّ عليٌّ وابنُهُ المُسَدَّدُ
والحسن التالي ويتلو تِلْوه … محمدُ بنُ الحسنِ المُفْتَقَدُ
فإنَّهم أَئِمَّتي وسادتي … وإنْ لحاني مَعْشرٌ وفنَّدوا
هُمْ حُججُ الله على عبادِهِ … وهُمْ إليه مَنْهَجٌ ومَقْصِدُ
قوم أتى في ﴿هل أتى (١)﴾ مديحُهُمْ … ما شَكَّ في ذاك إلا مُلْحِدُ
قومٌ لهم في كلِّ أرضٍ مشهدٌ … لا بل لهمْ في كلِّ قَلْبٍ مَشْهَدُ
قومٌ مِنى والمَشْعرانِ لهُمُ … والمَرْوتان والصَّفا والمَسْجِدُ
قومٌ لهمْ مكَّةٌ والأَبْطحُ والـ … ـخَيفُ وجَمْعٌ والبقيعُ الغَرْقَدُ
ما صَدَقَ النَّاسُ وما تصدَّقوا … ما نَسكُوا أو أَفْطَروا أو عَيَّدوا
لولا رسولُ الله وهو جَدُّهُمْ … وحَبَّذا الوالِدُ ثُمَّ الوَلَدُ
ومَصرع الطَّفِّ (٢) فلا أذكُرُه … ففي الحشا منه لهيبٌ يقِدُ
يرى الفراتُ ابنَ البَتُولِ ظامئًا … يلقى الرَّدى وابنُ الدَّعيِّ يَردُ
حَسْبُك يا هذا وحَسْبُ من بغى … عليهمُ يومَ المَعَادِ الصَّمَدُ
يا أهلَ بيتِ المُصطَفى يا عُدَّتي … ومنْ على حُبِّهمُ أَعْتَمِدُ
أنتمْ إلى الله غدًا وسيلتي … فكيف أشقى وبكم أَعْتَضِدُ
وليُّكُمْ في الخُلْد حيٌّ خالدٌ … والضدُّ في نارِ لظًى مُخَلَّدُ
ولستُ أَهْواكُمْ ببُغْضِ غيرِكُمْ … إنِّي إذًا أشقى بكُمْ لا أَسعَدُ
محمدٌ والخلفاءُ بعده … أفضلُ خَلْقِ الله فيما أَجِدُ
стр. 9939
هُمْ أَسَّسُوا قواعِدَ الدِّينِ لنا … وهُمْ بنوا أَرْكانَهُ وشَيَّدُوا
ومَنْ يَخُنْ أحمدَ في أصحابِهِ … فخَصمُهُ يومَ المَعَادِ أَحْمَدُ
هذا اعْتقادي فالْزَمُوه تُفْلِحُوا … هذا طريقي فاسْلُكُوه تهتدوا
والشَّافعيُّ مذهبي مَذْهَبُهُ … لأَنَّه في قوله مؤَيَّدُ
أَتْبَعُهُ في الأَصلِ والفَرْعِ معًا … فَلْيَتَّبعني الطَّالبُ المُسْتَرشِدُ
إنِّي بحمدِ الله ناجٍ سابقٌ … إذا ونى الظَّالم والمُقْتَصدُ (١)
وقال يرثي أبا نَصر بنَ الحسن بنِ سلامة: [من الكامل]
لما نعى النَّاعي أبا نَصرِ … سُدَّتْ عليَّ مطالعُ الصَّبْرِ
وجرتْ دموعُ العينِ ساجمةً … مُنْهَلَّة كتتابعِ القَطْرِ
ولَزِمْتُ قلبًا كاد يَلْفِظُهُ … صَدْري لفُرقة ذلك الصَّدْرِ
ولَّى فأضحى العصر في عَطَلٍ … منه وكان قِلادَةَ العَصرِ
حفروا له قَبرًا وما عَلِمُوا … ما خلَّفوا في ذلك القَبْرِ
ما أفردوا في التُّرْبِ وانصرفوا … إلا فريدَ النَّاسِ والدَّهْرِ
تَطْويه حُفْرَتُه فَيَنْشُرُهُ … في كلِّ وقتٍ طَيِّبُ النَّشْرِ
تبًّا لدارٍ كلُّها غُصَصٌ … يأتي الوصال بنيَّةِ الهَجْرِ
تُنْسي مرارتُها حلاوتها … وتُكرُّ بعد العُرْفِ بالنُّكْرِ (٢)
وقال: [من البسيط]
واللهِ لو كانت الدُّنْيا بأَجْمَعِها … تُبْقي علينا ويأتي رِزْقُها رَغَدا
ما كان مِنْ حَقٍّ حُرٍّ أن يَذِل لها … فكيفَ وهْي متاعٌ يَضْمَحِلُّ غدا (٣)
وقال: [من المتدارك]
стр. 9940
أَتُرى سأَلوا لمَّا رَحَلُوا … ماذا فعلوا أَمْ مَنْ قَتَلوا
خدعوا بالمَينِ (١) قتيلَ البَيـ … ـنِ فَسُحْبُ العَينِ لهم ذُلُلُ
فمتى وَصَلُوا حتى قطَعوا … ومتى سَمَحوا حتى بَخِلُوا
أشكوا زَمَنًا أوْلى مِحَنًا … وجنى حَزَنًا فَعَفَتْ سُبُلُ
العِلْمُ يُهانُ وليس يُصا … نُ فأيُّ لسانٍ يَرْتَجِلُ
وَعَدُوا فطَمِعْتُ غداةَ سَمِعْـ … ـتُ متى وَقَنِعْتُ بما بذلوا
أحليفَ اليومِ أَقِلَّ اللَّوْ … مَ فعندي اليومَ بهمْ شُغُلُ
وبسَمْعي ثوَّرَ (٢) سائِقُهُمْ … وبعَيني قُرِّبَتِ البُزُلُ
أذكى جَزَعي لم يبقَ معي … قلبًا فيعي منذ احتملوا (٣)
وقال: [من الطويل]
إذا قَلَّ مالي لم تجدْنيَ ضارِعًا … كثيرَ الأسى مُغْرًى بعَضِّ الأناملِ
ولا بَطِرًا إنْ جَدَّدَ الله نِعْمةً … ولو أنَّ ما أُوتي جميعُ الأنامِ لي (٤)
وقال: [من مخلع البسيط]
جُدَّ ففي جِدِّكَ الكمالُ … والهَزْلُ مِثْلُ اسْمِهِ هُزالُ
فما تنالُ المرادَ حتى … يكونَ معكوسَ ما تنالُ (٥)
وقال: [من الطويل]
وعَتْبي له عَتْبُ البريء وخِيفَتي … لحِرْصي على عُتباه خِيفَةُ جانِ
فإنْ يكُ لي ذنبٌ فأَينَ وسائلي … وإنْ لم يكن ذنبٌ ففيمَ جفاني (٦)
وقال: [من الرجز]
стр. 9941
حَنَّتْ فأَذْكَتْ لوعتي حنينا … أشكو من البَينِ وتشكو البِينا (١)
قد عاثَ في أَشْخاصها طُوْلُ السُّرى … بقَدْرِ ما عاثَ الفِراقُ فينا
فَخَلِّها تمشي الهوينى طالما … أَضْحتْ تباري الرِّيح في البُرينا
وكيف لا نأوي (٢) لها وهي التي … بها قَطَعْنا السَّهْلَ والحزونا
ها قد وَجْدنا البَرَّ بحرًا زاخرًا … فهل وَجَدْنا غيرَها سَفِينا
إنْ كُنَّ لم يُفْصِحْنَ بالشكْوى لنا … فهُنَّ بالإِرْزام (٣) يَشْتكينا
قد أَقْرحَتْ مما تُجِنُّ كَبِدِي … إنَّ الحزينَ يُسْعِدُ الحزينا
وقد تياسَرْتَ بهِنَّ جائرًا … عن الحِمى فاعدْل بها يمينا
نُحيِّ أَطْلالًا عفا آياتِها … تعاقُبُ الأَيَّامِ والسِّنِينا
يقول صَحْبي أَتَرى آثارَهُمْ … نَعَمْ ولكنْ لا أَرى القَطِينا
لو لم تَجِدْ رُبوعُهُمْ كَوَجْدنا … لِلْبَينِ لم تَبْلَ كما بَلِينا
ما قَدَرَ الحيُّ على سَفْكِ دمي … لو لم تكنْ أَسْيافُهُمْ عُيونا
أكلَّما لاحَ لعيني بارقٌ … بكَتْ فأَبدتْ سرِّيَ المَصُونا
لا تأخذوا قَلْبي بذنبِ مُقْلَتي … وعَذبوا الخائِنَ لا الأَمينا
أقسمتُ ما الرَّوْضُ إذا ما بَعَثتْ … أرجاؤُه الخِيرِيَّ (٤) والنِّسْرينا
وأَدْركتْ ثمارُهُ وَعَذُبَتْ … أَنهارُهُ وأَبْدَتِ المكْنُونا
وقابلتْه الشَّمْسُ لما أَشرقتْ … وانقطعتْ أفنانُهُ فنونا
أذكى ولا أَحلى ولا أَشْهى ولا … أَبْهى ولا أَوفى (٥) بعيني لينا
стр. 9942
مِنْ نَثْرها وثَغْرها ووَجْهها … وقَدِّها فاسْتَمِعِ اليقينا
[ما اسْتَتَرَتْ بالوَرَق الوَرْقاءُ كي … تَصدُقَ لما عَلَتِ الغُصونا] (١)
هذا بُكاها والقرينُ حاضِرٌ … فكيفَ مَنْ قد فارَقَ القرِينا
يا خائفًا عليَّ أسباب الرَّدى … أَمَا عَرَفْتَ حِصنيَ الحَصِينا
إنِّي جَعَلْتُ في الخُطُوبِ موئلي … محمدًا والأَنْزَعَ البَطِينا (٢)
أحببتُ ياسينَ وطاسين ومن … يتلوه في طاسين أو ياسينا
يا تائهين في أضاليل الهوى … وعن سبيلِ الرُّشْد ناكبينا
تجاهكم دار السَّلام فابتغوا … في نَهْجها جبريلَها الأَمينا
لجوا معي الباب وقولوا حِطَّةٌ … تُغْفَرْ لنا الذُّنوبُ أجمعينا
ديني الولاءُ لستُ أبغي غيره … دِينًا وحَسْبي بالولاءِ دِينا
ظَنَّ بيَ الأعداءُ إذْ مَدَحْتُهُمْ … ما لم أكنْ بمِثْله قَمِينا
يا وَيحهم وما الذي يَريبُهُمْ … منِّي حتى رَجَموا الظُّنونا
وإنَّما أَطلبُ مَدْحًا نافعًا … يومَ يكونُ غيريَ المَغْبُونا
سِجْنُكُمُ سِجِّينَ إنْ لم تَتْبعوا … عَلِيَّنا دليل عِلِّيِّينا (٣)
وقال: [من البسيط]
على ذوي الحُبِّ آياتٌ مُتَرجِمةٌ … تُبينُ مِنْ أَجْلهِ عن كل مُشْتَبِهِ
عَرْفٌ يفوحُ وآثارٌ تلوح وأَسْـ … ـرارٌ تبوحُ وأَحشاءٌ تنوحُ بِهِ (٤)
وقال: [من المتقارب]
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء الحادي والعشرون
[٥٥٤ - ٥٨٧ هـ]
حقق هذا الجزء وعلق عليه
إبراهيم الزيبق
стр. 9945
السَّنة الرابعة والخَمسون وخمسُ مئة
فيها في المحرَّم وصل ترشك وحده إلى بغداد، فرمى بنفسه تحت التَّاج، ومعه سَيفٌ وكَفَن، وأُخبر الخليفة به، فأُحضر إلى الدِّيوان، ورضي عنه، ووقَّع له بمالٍ.
وفيها وَرَدَتْ رسلُ محمد شاه إلى بغداد، فوصلوا شَهْرابان (١)، فبعث الوزير مَنْ مَنَعَهم من الدُّخول، فأقاموا أيامًا، وعادوا، ومات محمد شاه في آخر السَّنة.
وفيها خَرَجَ الخليفةُ إلى واسط، ودَخَلَ جامعها، ومضى إلى الغَرَّاف (٢)، فزلَّت به فَرَسُه في بعض الطَّريق، فوقع، وشُجَّ جبينه بقبيعة [سيف] (٣) الرِّكاب، فاستنقذه مملوكٌ من مماليك الوزير ابنِ هُبيرة، فأَعْتقه الوزيرُ، وخَلَع عليه، وخاطه ابنُ صفية الطَّبيب، فحصل له مالٌ، وتصدَّق الخليفة بمالٍ جزيل.
ووقَعَ بالعراق بَرَدٌ، وَزْنُ البردة تسعةُ أرطال بالعراقي، فأتلفتِ الغِلال.
وفيها غرقت بغداد، وصارت تلالا (٤) [مثل الغَرَقِ الأول.
قال جدِّي ﵀: فخرجتُ من داري بدربِ القيَّار، وعبرتُ إلى الجانب الغربي، وعدت بعد يومين فلم أجد حائطًا قائمًا، ولم يعرف أحد موضع داره إلا بالحَزْرِ والتَّخْمين، وصارتِ الكُلُّ تلالًا، وما استدللت على درب القيَّار إلا بمنارة المسجد، فإنها لم تقع. وغرقت كتب جدِّي وغيرها].
وفيها حَشَدَ ملك الرُّوم [العساكر] (٥) وجَمَعَ، ووصل إلى الشَّام، وجَمَعَ نورُ الدِّين عليه العساكر، وقلَّت مِيرتُهم، فعادوا راجعين، وغنمهم المسلمون.