← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

حَنَّتْ فأَذْكَتْ لوعتي حنينا … أشكو من البَينِ وتشكو البِينا (١) قد عاثَ في أَشْخاصها طُوْلُ السُّرى … بقَدْرِ ما عاثَ الفِراقُ فينا فَخَلِّها تمشي الهوينى طالما … أَضْحتْ تباري الرِّيح في البُرينا وكيف لا نأوي (٢) لها وهي التي … بها قَطَعْنا السَّهْلَ والحزونا ها قد وَجْدنا البَرَّ بحرًا زاخرًا … فهل وَجَدْنا غيرَها سَفِينا إنْ كُنَّ لم يُفْصِحْنَ بالشكْوى لنا … فهُنَّ بالإِرْزام (٣) يَشْتكينا قد أَقْرحَتْ مما تُجِنُّ كَبِدِي … إنَّ الحزينَ يُسْعِدُ الحزينا وقد تياسَرْتَ بهِنَّ جائرًا … عن الحِمى فاعدْل بها يمينا نُحيِّ أَطْلالًا عفا آياتِها … تعاقُبُ الأَيَّامِ والسِّنِينا يقول صَحْبي أَتَرى آثارَهُمْ … نَعَمْ ولكنْ لا أَرى القَطِينا لو لم تَجِدْ رُبوعُهُمْ كَوَجْدنا … لِلْبَينِ لم تَبْلَ كما بَلِينا ما قَدَرَ الحيُّ على سَفْكِ دمي … لو لم تكنْ أَسْيافُهُمْ عُيونا أكلَّما لاحَ لعيني بارقٌ … بكَتْ فأَبدتْ سرِّيَ المَصُونا لا تأخذوا قَلْبي بذنبِ مُقْلَتي … وعَذبوا الخائِنَ لا الأَمينا أقسمتُ ما الرَّوْضُ إذا ما بَعَثتْ … أرجاؤُه الخِيرِيَّ (٤) والنِّسْرينا وأَدْركتْ ثمارُهُ وَعَذُبَتْ … أَنهارُهُ وأَبْدَتِ المكْنُونا وقابلتْه الشَّمْسُ لما أَشرقتْ … وانقطعتْ أفنانُهُ فنونا أذكى ولا أَحلى ولا أَشْهى ولا … أَبْهى ولا أَوفى (٥) بعيني لينا

стр. 9942

مِنْ نَثْرها وثَغْرها ووَجْهها … وقَدِّها فاسْتَمِعِ اليقينا [ما اسْتَتَرَتْ بالوَرَق الوَرْقاءُ كي … تَصدُقَ لما عَلَتِ الغُصونا] (١) هذا بُكاها والقرينُ حاضِرٌ … فكيفَ مَنْ قد فارَقَ القرِينا يا خائفًا عليَّ أسباب الرَّدى … أَمَا عَرَفْتَ حِصنيَ الحَصِينا إنِّي جَعَلْتُ في الخُطُوبِ موئلي … محمدًا والأَنْزَعَ البَطِينا (٢) أحببتُ ياسينَ وطاسين ومن … يتلوه في طاسين أو ياسينا يا تائهين في أضاليل الهوى … وعن سبيلِ الرُّشْد ناكبينا تجاهكم دار السَّلام فابتغوا … في نَهْجها جبريلَها الأَمينا لجوا معي الباب وقولوا حِطَّةٌ … تُغْفَرْ لنا الذُّنوبُ أجمعينا ديني الولاءُ لستُ أبغي غيره … دِينًا وحَسْبي بالولاءِ دِينا ظَنَّ بيَ الأعداءُ إذْ مَدَحْتُهُمْ … ما لم أكنْ بمِثْله قَمِينا يا وَيحهم وما الذي يَريبُهُمْ … منِّي حتى رَجَموا الظُّنونا وإنَّما أَطلبُ مَدْحًا نافعًا … يومَ يكونُ غيريَ المَغْبُونا سِجْنُكُمُ سِجِّينَ إنْ لم تَتْبعوا … عَلِيَّنا دليل عِلِّيِّينا (٣) وقال: [من البسيط] على ذوي الحُبِّ آياتٌ مُتَرجِمةٌ … تُبينُ مِنْ أَجْلهِ عن كل مُشْتَبِهِ عَرْفٌ يفوحُ وآثارٌ تلوح وأَسْـ … ـرارٌ تبوحُ وأَحشاءٌ تنوحُ بِهِ (٤) وقال: [من المتقارب]

стр. 9943

غَرِيقَ الذُّنوبِ أسيرَ الخَطَايا … تَنَبَّهْ فَدُنْياك دارُ الدَّنايا تَغُرُّ وتُعْطي ولكنَّها … مكدِّرة تَستَرِدُّ العَطَايا أَمَا وَعَظَتْك بأَحداثها … وما فَعَلَتْ بجميعِ البرايا فيا راحلًا وَهْو ينوي المُقَام … تزوَّدْ فإنَّ الليالي مطايا ترى المرْءَ في أَسْرِ آفاتِها … حبيسًا على الهمِّ نُصبَ المنايا (١)

стр. 9944

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الحادي والعشرون [٥٥٤ - ٥٨٧ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه إبراهيم الزيبق

стр. 9945

السَّنة الرابعة والخَمسون وخمسُ مئة فيها في المحرَّم وصل ترشك وحده إلى بغداد، فرمى بنفسه تحت التَّاج، ومعه سَيفٌ وكَفَن، وأُخبر الخليفة به، فأُحضر إلى الدِّيوان، ورضي عنه، ووقَّع له بمالٍ. وفيها وَرَدَتْ رسلُ محمد شاه إلى بغداد، فوصلوا شَهْرابان (١)، فبعث الوزير مَنْ مَنَعَهم من الدُّخول، فأقاموا أيامًا، وعادوا، ومات محمد شاه في آخر السَّنة. وفيها خَرَجَ الخليفةُ إلى واسط، ودَخَلَ جامعها، ومضى إلى الغَرَّاف (٢)، فزلَّت به فَرَسُه في بعض الطَّريق، فوقع، وشُجَّ جبينه بقبيعة [سيف] (٣) الرِّكاب، فاستنقذه مملوكٌ من مماليك الوزير ابنِ هُبيرة، فأَعْتقه الوزيرُ، وخَلَع عليه، وخاطه ابنُ صفية الطَّبيب، فحصل له مالٌ، وتصدَّق الخليفة بمالٍ جزيل. ووقَعَ بالعراق بَرَدٌ، وَزْنُ البردة تسعةُ أرطال بالعراقي، فأتلفتِ الغِلال. وفيها غرقت بغداد، وصارت تلالا (٤) [مثل الغَرَقِ الأول. قال جدِّي ﵀: فخرجتُ من داري بدربِ القيَّار، وعبرتُ إلى الجانب الغربي، وعدت بعد يومين فلم أجد حائطًا قائمًا، ولم يعرف أحد موضع داره إلا بالحَزْرِ والتَّخْمين، وصارتِ الكُلُّ تلالًا، وما استدللت على درب القيَّار إلا بمنارة المسجد، فإنها لم تقع. وغرقت كتب جدِّي وغيرها]. وفيها حَشَدَ ملك الرُّوم [العساكر] (٥) وجَمَعَ، ووصل إلى الشَّام، وجَمَعَ نورُ الدِّين عليه العساكر، وقلَّت مِيرتُهم، فعادوا راجعين، وغنمهم المسلمون.

стр. 9946

وفيها نزل نورُ الدِّين [محمود] (١) على حَرَّان، وأخذها من أخيه أمير أميران [وأعطاها لزين الدين عليّ إقطاعًا، وسببه أن نور الدين لما مرض وقع الإياس منه، فَكاتَبَ أخوه أمير أميران] (١) الجُنْدَ، وطَمِعَ في الملك، فشقَّ على نور الدِّين. وحَجَّ بالناس قيماز. وفيها توفي إبراهيم بن سعيد (٢) أبو إسحاق الشَّاتاني، وزير خلاط، وكان فصيحًا، ومن شعره: [من المتقارب] ولو أَنَّ دِجْلَةَ ثُمَّ الفراتَ … وسيحونَ والبحر كانوا مِدادِي وجيحون والنِّيل ما بلغَتْ … عُشَيْرَ الذي يحتويه فؤادي من الشَّوقِ يا مَنْ حوى مُهْجتي … وصيَّر طَرْفي حليفَ السُّهادِ فشَوقي يزيدُ وصَبْري يَبْيِدُ … ووَجْدي شديدٌ لِطُولِ البِعادِ أفيحاءُ حُيِّيتِ من بلدةٍ … سَقَتْك الغيومُ وصَوْبُ الغوادي فمنكِ الحبيبُ وفيكِ القريبُ … ومَنْ حَلَّ مني مَحَلَّ السَّوادِ (٣) [وفيها توفي يحيى بن نزار المنبجي (٤) كان فاضلًا، شاعرًا، نزل في أُذُنه طرشٌ، فاستدعى أحد الطَّرْقية، فامتصَّ أُذُنَه، فما زال حتى خرج شيءٌ من مُخِّه، فمات، فليحذر العاقل من مثل هذا] (١).

стр. 9947

عبد الواحد بن جَهِير (١) بن مفرِّج الدِّمَشْقي (٢) شاعرٌ مجيد، ومن شعره: [من الرمل] ظالمي في الحُبِّ أضحى حَكَمي … كيفَ لا يأثَمُ في سَفْكِ دمي كم كتمتُ الحبَّ عن عاذلتي … حَذَرَ البَينِ فلم يَنْكَتِمِ هل ترى لذةَ أيامِ الصِّبا … تجمعُ الشمْلَ بوادي الحَرَمِ إذْ وقَفْنا ليلةَ البَينِ وقد … غَرَّدَ الحادي بذات العَلَمِ ليتهم إذْ ودَّعوا حَنُّوا على … مُسْلم في حُبِّهِمْ لم يَسْلَمِ وكانت وفاته بدمشق في ذي القعدة. السُّلطان محمد بن محمود بن [محمد بن] ملك شاه (٣) ابن ألب رسلان. قد ذكرنا سيرته في السِّنين. ولما حاصر بغداد كان مريضًا، وبلغه وفاة سنجر، فزاد به المرض، فتوفي على باب هَمَذَان في ذي الحِجَّة، واختلفَ الأُمراء بعد موته، فمنهم من مال إلى أخيه ملك شاه، ومنهم من مال إلى سليمان شاه، ومنهم من مال إلى رسلان شاه. ثم اتفقوا على سليمان شاه -وكان محبوسًا بالمَوْصِل- فجهَّزه زين الدِّين بإشارة نور الدِّين محمود، فأجلسوه على سرير الملك بهَمَذَان، وكان قَصدُهم أن يأكلوا به البلاد، لأَنَّه كان مشغولًا باللهو واللَّعِب، واستوزر شهاب الدِّين محمود بن عبد العزيز النَّيسابوري. وكان فاضلًا جَوَادًا، مشفقًا أَمينًا.

стр. 9948

محمد بن أبي عَقَامة (١) أبو عبد الله، القاضي بزَبِيد، كان حاكمًا على اليمن، ولما تغلَّبَ ابنُ مهدي (٢) على اليمن قتله، وقتل ولده، وكانا فاضِلَين، ومن شعر محمد: [من البسيط] للمَجْدِ (٣) عنكم رواياتٌ وأخبارُ … وللعُلا نحوكُمْ حاجٌ وأَوْطارُ وحيث كنتمْ فثغر الرَوْضِ مُبْتَسِمٌ … وأين سِرْتُمْ فدَمْعُ العينِ مِدْرارُ لله قومٌ إذا حَلُّوا بمنزلةٍ … حَلَّ النَّدى ويسير الجُودُ إنْ ساروا تشتاقُكُمْ كلُّ أرضٍ تنزلون بها … كأنكمْ لبقاعِ الأَرْضِ أَمطارُ لا يَعْجَبُ النَّاسُ منكمْ في مسيركُمُ … كذلك الفَلَكُ العُلْويُّ دَوَّارُ والبَدْرُ مُذْ صِيغَ لا يرضى بمنزلةٍ … فيها يخيِّمُ فَهْوَ الدَّهْرَ سَيَّارُ (٤) السَّنة الخامسة والخمسون وخمس مئة فيها في يوم الجُمُعة، سَلْخ صفر، أُرجف على المقتفي بالموت، فانزعج النَّاسُ، فوقَّع إلى الوزير بعافيته، فطابت قلوب الناس، فلما كان صبيحة الأحد ثاني ربيع الأَوَّل، أصبحت دار الخليفة مغلقةً إلى الظُهْر، وركبت العساكر لحِفْظ البلد، [فتحقَّق النَّاسُ موته] (٥)، فلما كان قريب الظهر فُتحتِ الأبواب، ودُعي النَّاس إلى بيعة ولي العَهْد.

стр. 9949

الباب الثاني والثلاثون في بيعة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن محمد المقتفي (١) ولد في ربيع الأَوَّل سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وأُمه أُم ولد يقال لها طاوس، أدركت خلافته، وتوفِّيت هذه السنة. ولما توفي أبوه دَخَلَ إلى الحُجْرة التي كان يقعد فيها أبوه، فهجمت عليه أُم أخيه أبي علي الحسن ومعها جواريها بأيديهن السكاكين ليقتلنه، وتبايع لابنها، فَذُعِرَ منها، وقال: يا أُمَّاه، ما الذي صنعتُ حتى تستحلِّين دمي؟ راقبي الله فيَّ. فتوقَّفَتْ عن قَتْله، وخَرَجَ من الحُجْرة، وجاء أصحابه، فأحدقوا به [وبايعه] (٢) أهلُه وعَمَّاه: أبو طالب وأبو جعفر، والوزير ابنُ هُبيرة، وقاضي القُضَاة، وأرباب الدَّوْلة. وقال ابنُ هُبيرة: كان المستنجد بالله قد بَعَثَ إليَّ خادمًا، ومعه مكتوبٌ في حياة أبيه أراد أن يستره عنه، فأخذته وقبَّلْتُه، وقلت للخادم: والله ما يمكني أَنْ أقرأه ولا أن أُجيب عنه. فأخذ في نفسه عليَّ، فلما كان في يوم المبايعة قلتُ له: يا أمير المؤمنين، أكبر الدَّليل علي نُصحي أَنَّني ما حابيتُك نُصحًا لأمير المؤمنين. فقال: صدقت، أنتَ الوزير. قلتُ: إلى متى؟ قال: إلى الممات. قلتُ: أحتاج إلى تقبيل اليد الشَّريفة، فأعطاه يده، فقبَّلها، وأَحْلَفْتُهُ على ما ضَمِنَ لي. ثم إن الوزير خَدَمَ بعد ذلك بخيلٍ وسلاح وغِلْمانٍ ومال فيها أربعة عشر فرسًا، ومنها فرسٌ أَشْهب قيمته أربع مئة دينار، وست بغلات مثمنات، وعشر مماليك تُرْك، وثلاثة خَدَم، وعشر زَرَدِيَّات، وعشر تخوت من الثّياب، وأسفاط فيها عُود، وعنبر، ونَدٌّ ومِسْك وكافور، وسَفَط ملآن دنانير، فقَبِلَها منه، وطَيَّب قلبه. وقبض المستنجد على أخيه أبي علي الحسن، وهو صبيٌّ، ولم يُضيِّق عليه، بل كان في ترفيه وسَعَة، وانتقم من الجواري اللواتي أَرَدْن قَتْلَه، و [لما تولى] (٣) أسقط الضَّرائب

стр. 9950

والمكوس، وما كان يؤخذ من سوق الجمال والغنم، والخيل والتَّمْر والسَّمك وغيره، وبَسَطَ العَدْل، وكَفَّ الناس عن الظُلْم، وعَمِلَ العزاء في بيت النوبة ثلاثة أيام. قال المصنِّف ﵀: وتقدَّم إلى جدِّي بالكلام، فتكلَّم في يومٍ من الأيام على كُرْسي لطيف، وبرز توقيعُ الخليفة في اليوم الثَّالث، مضمونُهُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] تسليمًا لأمر الله وقضائه، وصبرًا لحكمه النَّافذ وبلائِهِ، في الإمام السَّعيد الذي عَظَّم الله مُصابه، واعتاض حُلْو العيش صابه، إنَّ الصبر عليه لبعيد، والتَّلهُّفَ عليه كل يوم جديد، فجدَّد الله له من كرامته الرَّاجحة، وتحياته الغادية والرَّائحة ما يُحِلُّه بُحْبُوحة جِنانه، ويُنيلُه مبتغاه من إحسانه، فلقد كان رحمةً للعِباد، ونعمةً على البلاد، وليس إلا التسليم للمقدور، والتفويض إلى الله في جميع الأمور، وإن السَّعيد مَنْ كان عمله في دنياه لأُخراه، ومرجوعه إلى الله تعالى في بدايته وعقباه، والله يوفّق أميرَ المؤمنين لما يرضاه، ويُصلح على يديه رعاية رعاياه، ليعود النِّظام إلى اتِّساقه، ويرجع نور الإمامة إلى إشراقه، فانهضْ إلى الدِّيوان لتنفيذ المهام، واثقًا بشمول الإنعام، ولتأمر المتصرِّفين بالانكفاء إلى الخدمات، وليتقدَّم بضرب النَّوبة في أوقات الصَّلوات، إنْ شاء الله تعالى. وفي هذا اليوم أمر الخليفة بالقَبْض على ابن المُرَخِّم القاضي الظالم، واستصفيتْ أمواله، ورَدَّ منها على أربابها ما ارتشاه، وما أخذه بغير حَقّ، وقيَّده وحبسه، ولم يزل في حَبْسه حتى مات. وكان يُنْسَبُ إلى الزَّنْدقة، فَفُتِّشت كتُبُه، فوجدوا فيها كُتُب ابن سينا: "الشِّفاء" و"النَّجاة" و"الإرشادات" و"رسائل إخوان الصَّفا"، وكتب الفلاسفة. فأمر الخليفةُ بإحراقها في الرحبة بعد صلاة الجمعة بمحضر من العلماء، فأُحرقت، وتضاعفت عليه اللَّعْنة، وكَثُرَ ضجيجُ النَّاسِ بالدُّعاء للخليفة. ولما انقضى شهرٌ للمقتفي، خَلَعَ الخليفة على الوزير والقضاة وأبي الفرج بن الجوزي وأبي النَّجيب وعبد القادر، وغيرهم من الأعيان، فأَذِن للوعَّاظ في الجلوس، فجلس [أبو جعفر بن] (١) سعيد بن المشاط، فكان يقول إذا قَصَّ: هذا كلام موسى، هذا كلامُ النَّمْلة، فقيل له ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، كلام الله؟ قال: لا. فأُخرج من بغداد.

стр. 9951

وفي جُمادى الآخرة عُزل أبو الحسن عليُّ بن الدَّامَغَاني قاضي القضاة، وولي مكانه عبد الواحد بن الثقفي (١)، وسبب عَزْله أن الثَّقفي كان إذا دخل عليه لم يقم له. فقيل له: قُمْ له، فقال: ما جرت عادة أَنَّ قاضي القضاة يقوم لأحدٍ (٢). فقيل له: فقد كنتَ تقوم لابنِ المُرَخِّم، فأنكر، فأشهد عليه العدول بذلك، فَعُزِلَ. وكان رجلٌ يرفع إلى المقتفي أخبارَ البلد، فلما ولي المستنجد، كَتَبَ إليه على العادة، فقال [المستنجد] (٣): ما هذا؟ فقالوا: صاحبُ خبر، فأَمَرَ به فَضُرِبَ حتى سال دمُه، [ثم أمر به فحبس] (٤). وفي شوال اتَّفق الأُمراء بباب هَمَذَان على خَلْع سليمان شاه، لما كان عليه من البُخْل والغَفْلة واللهو، وكتبوا إلى شمس الدين إيلدكز يطلبون أرسلان شاه بن طُغْريل ابن السُّلْطان محمد، واتَّفق أَنَّ سليمان شاه ركب يومًا فرسًا، وهو مخمور، فسقط عن الفرس، فأصابه صَرْعٌ، فقبضوا عليه، وحبسوه في حُجْرة بقصر هَمَذَان، وجاء إيلدكز ومعه أرسلان شاه بن طُغْريل بن محمد بن ملك شاه بن ألب رسلان، وذلك في ذي القعدة، وتولى أتابكية العسكر إيلدكز، وكان زوج أُمه، وله منها أولاد، فأجلسوا أرسلان شاه على التَّخْت، وتقرَّرَت الوزارة لشهاب الدين الثِّقة، وأما سليمان شاه، فكان الموكلين به أطلقوه، فهرب، وانضم إليه جماعةٌ، وسار طالبًا بغداد، فاجتاز بأرض الموصل، فَقَبَضَ عليه زين الدِّين، وأدخله المَوْصِل، وبعث القاضي فخر الدين الشَّهْرُزُوري رسولًا يطلب السَّلْطنة لسليمان شاه وهو بالمَوْصل، ولا تَعَلُّق له ببغداد. وقَدِمَ زين الدِّين علي كوجك حاجًّا في هذه السنة، وجلس له الخليفة، وأوصله إليه، وخَلَعَ عليه خِلْعة طويلة، فأخرج منديلًا وشَدَّ وسطه، فَقَصُرَتِ الجُبَّة، فأَعجب الخليفة،

стр. 9952

وكان كوجك بخيلًا، كانت هديته إلى الخليفة عشر سكاكين، حَلَّها من وسطه، وجعل يبوس كل واحدة ويتركها بين يدي الخليفة، ولما حَجَّ ما فعل خيرًا قط، ولا تصدَّق بدِرْهم (١). وحجَّ في هذه السنة أسد الدِّين شيركوه، فتصدَّق وفعل كلَّ خير، وأغنى أهل الحرمين، وأمر ببناء رباطه في مدينة النَّبي ﷺ ، وأَوْصى إذا مات أن يُحملَ ويدفنَ فيه. وفيها انتهى تاريخ ابنُ القلانسي، ومات. وفيها توفي أحمد بن محمد بن سُمَيعة البغدادي (٢) من شعره: [من الخفيف] وُدُّ أَهْلِ الزَّوْراءِ زُوْرٌ فلا يَسـ … ـكُنُ ذو خِبْرةٍ إلى ساكنيها هيَ دارُ السَّلام حَسْبُ فلا يُطْ … ـمَعُ فيها في غيرِ ما قيل فيها الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرالة (٣) أبو علي ثقة الملك الحلبي سافر إلى مِصر، وتَقدَّم عند الصَّالح بن رزِّيك، وكان يحترمه لفَضْله، وبيته، وتوفِّي بمِصر في هذه السَّنة، وقيل: سنة إحدى وخمسين (٤)، ومن شعره: [من البسيط] يا صاحبيَّ أَطيلا في مُؤَانستي … وذكِّراني بخُلَّاني وعُشَّاقي وحَدِّثاني حديثَ الخَيفِ إنَّ به … رَوْحًا لرُوحي وتَسْهيلًا لأخلاقي (٥)

стр. 9953

ما ضَرَّ ريحَ الصَّبا لو ناسَمَتْ حُرَقي … واستنقذت مُهْجتي من أَسْر أشواقي داءٌ تقادمَ عندي مَنْ يعالجُهُ … ونَفْثَةٌ بلغتْ منِّي إلى الرَّاقي (١) يفنى الزَّمانُ وآمالي مُصَرَّمةٌ … ومن أُحِبُّ على مَطْلٍ وإملاقِ وَاضيعةَ العُمْرِ لا الماضي انتفعتُ به … ولا حَصَلْتُ على شيءٍ من الباقي (٢) وقال: [من البسيط] ما ضَرَّهُمْ يوم جَدَّ البينُ لو وقَفَوا … وزَوَّدوا كَلِفًا أَوْدَى به الكَلَفُ تخلَّفوا عن وَدَاعي ثُمَّتَ ارتَحلُوا … وأَخلفوني وعُودًا ما لها خَلَفُ أستودعُ اللهَ أحبابًا أَلِفْتُهُمُ … لكنْ على تَلَفي يوم النَّوى ائْتَلَفُوا عَمري لئن نَزَحَتْ بالبَيْنِ دارُهُمُ … عنِّي فما نزحوا دَمْعي ولا نَزَفوا (٣) وقال: [من الكامل] قالوا تركتَ الشِّعر قلتُ لهمْ … فيه اثْنتانِ يعافُها حِبِّي أما المديح فكلُّه كَذِبٌ … والهَجْو شيءٌ ليس يَحْسُنُ بي (٤) حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التَّميمي (٥)، العميد الدِّمَشْقي، ويعرف بابن القلانسي كان فاضلًا، أديبًا، مترسِّلًا، جمع تاريخ دمشق، وسماه "الذيل" (٦)، وذكر في أوله طَرَفًا من أخبار المِصْريين وبعض حوادث السِّنين، وإلى هذه السنة انتهى غايته، وكانت وفاته يوم الجمعة سابع ربيع الأول، ودُفِنَ يوم السبت بقاسيون.

стр. 9954

ومن شعره: [من الكامل] إياك تَقْنَطُ عند كلِّ شديدةٍ … فشدائِدُ الأيامِ سوف تهونُ وانظرْ أوائلَ كلِّ أمرٍ حادثٍ … أبدًا فما هو كائنٌ سيكونُ (١) عيسى الملقب بالفائز (٢) ابن الظَّافر، صاحب مصر. أمه أم ولد، يقال لها زين الكمال (٣)، ومولده في المحرَّم سنة أربعٍ وأربعين وخمس مئة، وتوفي وهو ابن إحدى عشرة سنة وشهور، وكانت أيامه ستَّ سنين وستة أشهر وسبعة عشر يومًا، وبين وفاته ووفاة المقتفي أربعة أشهر وأيام (٤). وقام بعده أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يلِ أبوه الخلافة، وأمه أم ولد تُدْعى ست المُنَى (٥)، ولقب بالعاضد، ولد سنة أربع وأربعين (٦)، وبويع لعشر بقين من رجب، وهو ابن إحدى عشرة سنة وشهور، وقيل: تسع سنين، والأول موافق لمولده، وتولى تدبير الأمور الصَّالح بن رُزِّيك. قيماز الأُرْجُواني (٧) أمير الحاجِّ بعد نَظَر الخادم.

стр. 9955

كان شجاعًا عادلًا، رفيقًا بالحاجّ، مُحْسِنًا إليهم، دَخَلَ ميدان دار الخلافة يلعب بالكُرة، فسقط من الفرس على رأسه، فخرج من أُذُنه [دم] (١)، فمات، فحزن الخليفةُ عليه والنَّاس [لخيره وحُسْنِ سيرته] (١) وأمر أرباب الدولة أن يمشوا في جِنازته، فمشوا إلى الشُّونِيزِيَّة، فدُفِنَ بها، وحَجَّ بالنَّاسِ مدَّة سنين. المُقْتفي بالله أمير المؤمنين (٢) أبو عبد الله محمد بن المستظهر، وسبب وفاته أنَّه خرج إلى بعض متنزَّهاته في حَرٍّ شديد، يقال: إنه أكل رُطَبًا كثيرًا أيامًا متواترة، فَحُمَّ حُمَّى حادَّة، وعاد مريضًا، فاتصل به المرض حتى صار تراقيا، وهو دُمَّلٌ يخرج في العُنُق، وبه مات أبوه المستظهر، وماتا جميعًا في ربيع الأول. [وبين وفاة المقتفي والسُّلْطان محمد ثلاثة أشهر، وكذا السُّلْطان محمود مات قبل المستظهر بثلاثة أشهر، وكذا المقتدي مات قبل ملك شاه بثلاثة أشهر، ومات المقتفي بعد غرق بغداد بسنة، وكذا القائم (٣). وكانت وفاة] (١) المقتفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول عن ستٍّ وستين سنة، وقيل: خمس وستين وأحد عشر شهرًا، ومولده سنة تسعٍ وثمانين وأربع مئة، وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، وواحدًا وعشرين يومًا، وأُمُّه أم ولد، تدعى بُغْية النُّفوس -وقيل: نسيم- ودُفِنَ في داره بعد أن صَلَّى عليه المستنجد، وكبَّرَ أربعًا، ثم نُقِلَ بعد ذلك إلى الرُّصافة. [وحجَّ في أيامه بالناس نظر الخادم وقيماز الأُرجواني، وسمع المقتفي الحديث من أبي الفرج واسمه عبد الوهاب بن هبة الله بن السِّيبي] (١).

стр. 9956

وقال عفيف النَّاسخ، وكان صالحًا: رأيت في المنام قائلًا يقول: إذا اجتمعتْ ثلاث خاءات كان آخر خلافته، فقلت: خلافة مَنْ؟ قال: [خلافة] (١) المقتفي. فلما دخلت سنة خمس وخمسين وخمس مئة مات. محمد بن يحيى بن علي (٢) أبو عبد الله الزَّبيدي [شيخ الوزير ابن هُبيرة] (١). ولد بزبيد اليمن سنة ثمانين وأربع مئة (٣)، وقدم بغداد سنة تسع عشرة وخمس مئة (٤)، فصحبه ابنُ هُبيرة، وانتفع به، وكان يعرف النَّحو والأدب، زاهدًا عابدًا، يركب الجمل إلى بغداد وهو مخضوبٌ بالحِنَّاء، ويعظ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصبر على الفقر، ولا تأخذه في الله لومة لائم. [وحكي أنه] (١) دخل على الوزير ابنِ هُبيرة، وقد خلع الخليفةُ عليه خِلْعة حرير، والناس يهنئونه، فقيل: هذا يوم عزاء لا يوم هناء، أَيُهنَّى الوزير على لبس الحرير! فبكى [الوزير] (١) ابن هبيرة، وقال: صدق. [وكانت له سياحاتٌ باليمن ورياضات] (١) قال: خرجتُ من زَبِيد أُريد المدينة على الموحدة، فآواني الليل إلى جبل، فصَعِدْتُ عليه، وناديتُ: اللهم إنِّي الليلة ضيفك، فنوديت: مرحبًا بك يا ضيف الله، الضيافة عند طلوع الشَّمس. فلما صلَّيتُ الصُّبْح مشيتُ، فأتيتُ وقت طلوع الشمس إلى بئر، وعندها قومٌ يستقون الماء، وقد جلسوا يأكلون خُبْزًا وتَمْرًا، فقالوا: بسم الله، هَلُمَّ إلى الضِّيافة. فأكلتُ معهم، وتعجبتُ. [وفي رواية: نُوديت في الليل: إنك تأتي على قوم عند طلوع الشمس على بئر يأكلون خبزًا وتمرًا، فإذا دعوك فكُلْ] (١). وكانت وفاته في ربيع الأَوَّل [في الشهر الذي

стр. 9957

مات فيه المقتفي] (١)، ودفن بباب الشام، غربي بغداد، وصلى عليه الوزير وأربابُ الدولة. السنة السادسة والخمسون وخمس مئة في المحرَّم قُطعت خُطْبة سليمان شاه من المنابر في جوامع بغداد، وضَعُفَ أمره. وفي ربيع الأَول نُقِلَ المقتفي إلى الرُّصافة ليلة الأربعاء، وأُنزل تابوته في الزَّبْزَب (٢)، ومعه جميعُ أرباب الدولة. [وفيها قتل طلائع بن رزِّيك بمصر] (١). وفيها اجتمع خَلْقٌ من التركمان في البَنْدَنيجَين (٣) ليقصدوا بغداد، فجهَّز إليهم الخليفة عسكرًا، وقدَّمَ عليهم ترشك، فلما قربوا منهم امتنع ترشك من لقائهم، وكان يُظْهر أَنَّه مع الخليفة، وهو مع التركمان باطنًا، فلما عَلِمَ عسكر الخليفة نِفاقه، وَثَبوا عليه، فقتلوه، وبعثوا برأسه إلى بغداد في مخلاة. وفيها قَدِمَ أبو الخير القزويني (٤) بغداد، وجلس بالنِّظامية، وذكر مذهب الأشعري، وثارتِ الحنابلةُ عليه. وفيها توفي إبراهيم بن دينار (٥) أبو حكيم النَّهْرواني، الفقيه الحنبلي، [شيخ جدي في القرآن والمذهب والحديث والفرائض] (١).

стр. 9958

ولد سنة ثمانين وأربع مئة، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، [وتفقه] (١) وناظر وأفتى، وانفرد بعلم الفرائض. [وأعطي مدرسة ابن الشمحل بباب الأزج (٢)، ثم أعطيت لجدي بعده] (٣). ورأى الخضر ﵇ في منامه، فقال له: [من الوافر] تأهَّبْ للذي لا بُدَّ منه … من الموت الموكَّل بالعبادِ قال: فأردتُ أن أقول له: متى؟ فقال: قد بقي من عمرك كذا وكذا سنة، فكان كما قال. وكانت وفاتُهُ في جُمادى الآخرة، ودُفِنَ قريبًا من بِشْر الحافي، وكان صالحًا متواضعًا حليمًا جدًّا، صبورًا، صدوقًا، ثقة، صائمًا، قائمًا. [وعاش نيفًا وسبعين سنة] (٣). أحمدُ بن الحسن (٤) أبو السعود بن قُضَاعة، البغدادي. ومن شعره: [من البسيط] وشادِنٍ فاترِ الأَلحاظ مُشْتَمِلٍ … ثوبَ الملاحةِ في ثَوبٍ من الخَفَرِ كأنَّه قمرٌ أضحتْ مغارِسُهُ … في دِعْص رَمْلٍ على غُصنٍ من الشَّجرِ يميسُ مُشْتملًا ثوب الشَّباب وقد … حافت عليه بقايا الكأس في السَّحَرِ فَظَلْتُ منهُ بصُبْح من محاسنِهِ … مع المُدَام وفي ليلٍ من الشَّعَر حتى إذا لاحَ مِصباحُ الصَّباحِ رَمَتْ … بنا الظُّنونُ إلى هَوْلٍ من الخَطَرِ فقمتُ أَنْفُضُ ثوبًا باتَ مُشْتملًا … على العفافِ نقيًّا طاهرَ الأُزُرِ

стр. 9959

حمزة بن علي بن طلحة أبو الفتوح (١) حاجب باب المسترشد والرَّاشد والمقتفي، ترك الدُّنيا عن قُدْرة، وحَجَّ، ولبس القميص القُطُن عند الكعبة، وعاهد الله أن لا يخدم أحدًا، وقَدِمَ من الحج إلى بغداد، والتقاه النَّاس يبكون على فَقْده [لأنَّه كان لطيفًا بهم] (٢)، وأنشده أبو الحسين (٣) الشَّاعر: [من السريع] يا عَضُدَ الإسلامِ يا مَنْ سَمَتْ … إلى العُلا هِمَّتُهُ الفاخِرَهْ كانت لك الدُّنيا فلم تَرْضَها … مُلْكًا فأَخْلَدْتَ إلى الآخرهْ وكان تزهُّده في زمان المقتفي، فأقام عشرين سنة على هذا، وكان محترمًا في زمان عزلته أعظم مما كان في زمان خدمته، وكان يغشاه أربابُ الدولة وغيرهم، وكان يتعبَّد في داره، ويسمع الحديث؛ [سمع من أبيه ومن ابن بيان وغيرهما] (٤). وكانت وفاته في رمضان، فحمل إلى الحربية، فدفن في تربته مقابل أبي الحسن القَزْويني، وكان يومًا مشهودًا. الصالح طلائع بنُ رُزِّيك (٥) أبو الغارات، [وزير الديار المصرية، وقد ذكرناه] (٢). أقام وزيرًا بمِصر سبع سنين على أحسن الوجوه، [وبسطَ] (٦) العَدْلَ والإحسان، فلما كان في العاشر من رجب وَثَبَ عليه باطنيٌّ بين القَصرين، فضربه بسكِّينٍ في رأسه، ثم في تَرْقُوته، فحمل إلى داره، وقُتِلَ الباطني، ومات طلائع من الغد، فحزن النَّاسُ عليه، وبكوا، وأُقيمت المآتم بين القصرين، وفي المشارع، ومِصر، لأَنَّه كان كثيرَ

стр. 9960

الإحسان جَوَادًا، مشفقًا على الرعية، دَيِّنًا، صالحًا كما سمِّي، كثيرَ الصَّدقات، حَسَنَ الآثار، بنى جامعًا على باب زُويلة، وآخر بالقرافة، وتُرْبة إلى جانبه، وهو مدفونٌ بها، وعَمَرَ المساجد، وكان يتفقَّد أربابَ البيوت، وكان فاضلًا، شاعرًا، وله ديوان [مليح] (١)، ورثاه الشُّعراء. وقام بعده ولدُه رُزِّيك بن طلائع بأمر الوزارة، ولقب بمجد الإسلام. ومن شعر الصَّالح يجيب مؤيد الدولة أُسامة بن منقذ: [من الطويل] هي البَدْرُ لكن الثُّريا لها قُرْطُ … ومن أَنْجُمِ الجوزاء في نَحْرها سِمْطُ مَشَتْ وعليها للغمامِ ظلائِلٌ … تُظِلُّ ومن نَسْجِ الرَّبيع لها بُسْطُ فما اخْضَرَّ ثوبُ الأَرْض إلا لأَنَّها … عليه إذا زارت بأقدامها تَخْطُو [وهي أبيات طويلة (٢). قال: وحكي أنَّه] دَخَلَ الحَمَّام، فخرج فقال: [من الخفيف] نحن في غَفْلَةٍ ونومٍ وللمو … تِ عيونٌ يقظانةٌ لاتنامُ قد دخلنا الحَمَّامَ عامًا ودَهْرًا … ليتَ شِعْرِي متى يكونُ الحِمامُ (٣) فقتل بعد ثلاثة أيام. وكَتَبَ إلى صديق له إلى الشَّام يقول: [من البسيط] أحبابَ قلبي إنْ شَطَّ المَزَارُ بكمْ … فأنتُمُ في صميمِ القَلْبِ سُكَّانُ وإنْ رَجَعْتُمْ إلى الأوطانِ إنَّ لكُمْ … صدورَنا عِوَضَ الأَوْطانِ أَوْطانُ جاورتمُ غيرنا لما نأتْ بكُمُ … دارٌ وأنتم لنا بالودِّ جيرانُ فكيف ننساكُمُ يومًا لبعدكُمُ … عنَّا وشخصكُمُ للعينِ إنسانُ (٤)

стр. 9961

وقال زين الدين بن نُجَيَّة: عمل الصَّالح لأخيه دعوة، ودفع إلي هذه الأبيات يوم الدَّعوة، وهي: [من الطويل] أَنِسْتُ بكم دَهْرًا فلمَّا ظَعَنْتُمُ اسـ … ـتقرَّتْ بقلبي وَحْشةٌ للتفرُّقِ وأعجبُ شيءٍ أَنَّني يومَ بَينكُمْ … بقيتُ وقلبي بين جنبيَّ ما بقي ألا جَدِّدي يا نفسُ وَجْدًا وحسرة … فهذا فراقٌ بعدَه ليس نلتقي (١) [قال ابنُ نُجية] (٢): فقتل في رمضان، ولم يلتقيا بعد ذلك. وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل] يا راكبًا ظهر المعاصي … أوَمَا تخافُ من القِصَاص أَوَما ترى أسباب عمـ … ـركَ في انتقاضٍ وانتقاص (٣) محمد بن أحمد بن محمد أبو طاهر الكَرْخي (٤) وليَ قضاء واسط وباب الأَزَج وحريم دار الخلافة، وولي لخمسة من الخلفاء: المستظهر، والمسترشد، والرَّاشد، والمقتفي، والمستنجد، وهو الذي حكم بفَسْخ ولاية الرَّاشد، وكانت وفاتُه في ربيع الأول. عبد الكريم بن عبد الله (٥) ابن محمد، أبو الفضائل، التنوخي، المعرِّي، أخو القاضي أبو اليُسْر شاكر [بن عبد الله] (٢)، ولد سنة ثماني عشرة وخمس مئة بحماة، وبها نشأ، [وربَّاه جده القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله وأخوه أبو اليُسْر] (٢)، وكان جَوَادًا، زاهدًا، فاضلًا شاعرًا، كثير الصدقة، مواظبًا على قراءة القرآن [(٦) قال الحافظ ابن عساكر: أنشدني

стр. 9962

أبو اليُسْر شاكر، أنشدني أخي أبوالفضائل لنفسه، وقد اجتاز بجسر ابن شوَّاش (١) في زمان الربيع هذه الأبيات]: [من السريع] مررتُ بالجسر وقد أَينَعَتْ … رِياضُهُ بالخُرَّدِ العِينِ جسرِ ابنِ شَوَّاش الذي لم تَزَلْ … فيهِ العيونُ النُّجْل تَسْبيني ونشر عِطْرٍ فاغم لم أَزَلْ … أموتُ من شوقٍ فيحييني وكان قلبي في الهوى طائعي … وعاصيًا من كان يغريني (٢) ولم يُجبه للذي سامه … من الخنا قلبي فيصبيني فسرتُ عنهنَّ سُرى مُسْرعٍ … مخافةً منها على دِيني فالحمدُ لله الذي لم يزل … إلى سبيل الرُّشْد يهديني (٣) وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن بقاسيون. وقال [لأخيه لما احْتُضر] (٤): يا أخي قد حضرني قومٌ حِسانُ الوجوه، نظافُ الثِّياب، طَيِّبُو الرَّائحة، مستبشرين. فقلتُ: هذه الملائكة، [وكانت وفاته في هذه السنة كما ذكرنا] (٥). أبو البركات القاضي الأعز بن أبي جرادة (٦) أخو القاضي ثقة الملك الحسن بن علي بن أبي جرادة [الذي ذكرناه في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة] (٧).

стр. 9963

كان أبو البركات أمينًا على خزانة نور الدين [محمود] (١). وكان فاضلًا [شاعرًا، وله إلى أخيه مكاتبة وأجوبة، منها ما نذكر، وهي هذه الأبيات] (٢): [من الطويل] أأحباب قَلْبي والذين أَوَدُّهُمْ … وأَشْتاقُهُمْ في كل صُبْحٍ وغَيهَبِ بغيرِ اختياري فاعْلَموا وإرادتي … نزلتُ على حُكْم النَّوى والتَّجنُّبِ رحلتُ بقلبٍ عنكُمُ غيرِ راحل … وعِشْتُ بعيش بعدكم غيرِ طَيِّبِ لقد فَلَّ غَرْبي غربتي عن بلادكم … وأجرى غُروبَ العين مني تغرُّبي فلا تحسبوا أَنِّي تسلَّيتُ عنكُمُ … فما الهَجْرُ من شَأْني ولا الغَدْرُ مَذْهبي لعَمْري لقد أبليتُ نفسيَ عُذْرها … وإن كنتُ لم أظفر بغايةِ مطلبي وقد كنتُ قبل البَينِ جَلْدًا على النَّوى … فهدَّ الأسى رُكْني وضَعْضَع منكبي لحا اللهُ دَهْرًا فرَّقتنا صروفُه … فَشَعَّبَ منا الشَّمْلَ في كل مَشْعب ولكنني أرجو من الله أَنَّه … سَيُنْعِمُ بالي منكُمُ بالتقرُّبِ (٣) [قال العماد الكاتب: توفي بعد سنة خمس وخمسين وخمس مئة] (٤). أبو المكارم الآمِدِي (٥) ويلقب بالكامل. ومن شعره يمدح الوزير ابنَ هُبيرة: [من الطويل] وزير يضمُّ الدَّسْتُ منه جمالهُ … كما ضَمَّتِ الحسناءَ حاشيتَا بُرْدِ تقضَّتْ أحاديثُ الورى ولفِعلِهِ … أحاديثُ تروى بين غَوْر إلى نَجْدِ حديث كنَشْرِ الرَّوْضِ يجري نسيمُهُ … على صفحة النَّادي بأذكَّىَ من النَّدِّ إذا هبطت زهر النجوم فنجمُهُ … مقيمٌ على الإشراق في طالع السَّعدِ فَدُمْ وابقَ للإسلامِ والمُلْكِ ما شَدَتْ … مطوَّقَةٌ واشتاقَ ظامٍ إلى الورْد

стр. 9964

هبة الله بن الفَضْل (١) ابن عبد العزيز، أبو القاسم البغدادي. الغالب على شعره الهجو، ومن شعره (٢): [من الوافر] يا مَنْ هَجَرَتْ فما تُبالي … هل ترجعُ دولةُ الوصالِ ما أطمَعُ يا عذابَ قلبي … أن ينعَمَ في هواكِ بالي الطَّرْفُ كما عهدت باكٍ … والجسمُ كما تَرَينَ بالِ ما ضرَّكِ أن تُعَلِّليني … في الوَصل بموعدٍ مُحالِ أهواكِ وأنتِ حَظُّ غيري … يا قاتلتي فما احْتيالي أيَّامُ عَنَايَ فيكِ سودٌ … ما أشبَههُنَّ باللَّيالي العُذَّلُ فيك يزجروني … عن حُبِّك ما لهم وما لي يا مُلْزِميَ السُّلُوَّ عنها … الصَّبُّ أنا وأنتَ سالِ والقولُ بتركها صوابٌ … ما أَحْسَنَهُ لو استوى لي في طاعتها بلا اختياري … قد صَحَّ بعِشْقها اختبالي طلَّقْتُ تجلُّدي ثلاثًا … والصَّبْوةُ بَعدُ في حبالي (٣) وقال يمدح ابنَ هبيرة، من أبيات: [من البسيط] أهلًا وسهلًا بمولانا فأَوْبتُهُ … لكلِّ شاكٍ بها من رِفْدِهِ فَرَجُ لا أعدَمَ الله فيك الخَلْقَ راحتهم … يا من به تَفْخَرُ الدُّنيا وتَبْتَهِجُ ودامَ جُودُك عونَ الدِّين يَغْمُرُنا … يا مَنْ تعيشُ بما تسخو به المُهَجُ

стр. 9965

مولايَ قد قَصُرَتْ بي نهضتي كِبرًا … فما عليَّ بشكوى فاقةٍ حَرَجُ يا مُحْسِنًا طَرَدَتْ آلاؤه كرمًا … ما في فؤادي من اللأواء يعتلجُ طيِّبْ بقيةَ عُمْري بالتعهُّد لي … يا مَنْ له طيبُ ذِكْرٍ نَشْرُهُ أَرجُ فإنَّ من جاوز العُمْرين قد خَرِبَتْ … بالعجز منه أعالي القَصر والأَزَجُ ففيم تخدَعُني الدُّنيا بزينتها … والحَينُ قد حان والأحبابُ قد دَرَجوا (١) وتوفي في هذه السنة، وقيل: سادس وعشرين رمضان سنة ثمانٍ وخمسين (٢)، ودفن بمقبرة معروف الكرخي. [فصل، وفيها توفي يوسف بن مكي، أبو الحجاج الحارثي (٣) الشَّافعي، إمام جامع دمشق بعد أبي محمد بن طاوس. كان صالحًا، ورعًا، لا يأخذ على الإمامة أجرة، وتوفي بدمشق، سمع ببغداد ابن الطُّيوري وطبقته، وروى عنه أبو الحسن السُّلمي (٤)، والحافظ ابن عساكر وغيرهما، وكان ثقة] (٥). السَّنة السَّابعة والخمسُون وخمسُ مِئَة في رجب ذكر يوسف الدِّمَشْقي الدَّرس في النِّظامية، وخُلِعَ عليه، وصُرِفَ ابن النِّظام بسبب تزويجه امرأة، عَقَدَ العَقْدَ عليها فقيه يقال له الأَشْتري سِرًّا، فأُدِّب الفقيه بباب النّوبي، وكانت المرأةُ قد ادَّعت أنه تزوَّجها وأنكر، ثم اعترف، فَعُزِلَ عن النِّظامية، وأُلزم بيته.

стр. 9966

وفيها تكاملتِ المدرسةُ التي بناها الوزير ابن هُبيرة بباب البَصرة، ورتَّب بها الفقهاء، ودرَّس بها أبو الحسن البَرَانْدِسي الحَنْبَلي (١)، ثم خربت بعد الوزير، وذهبت أوقافها، وبها دُفنَ الوزير. وفيها حاصر نور الدين [محمود بن زنكي] (٢) حِصن حارم، واجتمع الفرنج، وراسلوه، ولاطفوه، وكانوا خَلْقًا عظيمًا، فرجع إلى حلب، وكان معه مُؤَيَّد الدِّين أُسامة بن مُرْشد بن منقذ [الذي أخرجه عمه من شيزر] (٢)، فنزل بدار إلى جانبها مسجد، وكان قد نزل بها عام أَوَّل، وحَجَّ، ثم عاد، فدخل المسجد بعد عوده من الغَزَاة، فكتَبَ على [حائط المسجد أبياتًا لنفسه، وهي] (٣): [من الطويل] لك الحمدُ يا مولاي كم لكَ مِنَّةٍ … عليَّ وفَضْلٍ لا يحيطُ به شُكْري نزلتُ بهذا المسجد العامَ قافلًا … من الغزو موفورَ النَّصيب من الأَجْرِ ومنه رَحَلْتُ العيْسَ في عاميَ الذي … مضى نحو بيتِ الله والركن والحِجْرِ فأديتُ مفروضي وأسقطتُ ثِقْلَ ما … تحمَّلْتُ من وزْرِ الشَّبيبة عن ظَهْرِي (٤) وحجَّ النَّاسُ من العراق، ووقفوا بعرفة، فلما نزلوا الخَيف خرجَ إليهم عبيد مكَّة فنهبوهم، فرحلوا إلى المدينة، ولم يَطُفْ أحد بالبيتِ، ولم يَسْعَ [خوفًا من العبيد] (٢). [وفيها توفي خُطْلُخ بن عبد الله (٥) أبو محمد، الأتابكي، الطُّغْتكيني الحنفي، ويسمى بعبد الهادي.

стр. 9967

تفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث، وكان إمام جامع النَّيْرب -قرية غربي دمشق- وكانت وفاته بها، سمع أبا طاهر الحِنَّائي وطبقته، وروى عنه أبو سعد بن السمعاني وغيره، وكان فاضلًا ثقة] (١). وفيها توفي الحسين بن علي بن القاسم (٢) ابن المُظَفَّر، أبو علي الشَّهْرُزُوري، قاضي قضاة المَوْصِل والجزيرة. كان عظيم الشأن، فاضلًا، قاضيًا بالحقِّ، بعثه صاحب المَوْصِل إلى المقتفي في رسالةٍ، فتوقف الغَرَضُ الذي بُعث لأجله، فأقام ببغداد، وولاه المقتفي القضاء في إحدى جانبي بغداد مع أبي البركات الثقفي. زُمُرُّد خاتون بنت جاولي (٣) أُخت الملك دُقاق لأمه [ابن تاج الدولة تُتُش بن ألب رسلان] (١) وهي أمُّ شمس الملوك إسماعيل، وشهاب الدِّين محمود ابني بُوري بن طُغْتِكِين. قرأت القرآن [على أبي محمد بن طاوس، وأبي بكر القرطبي، وسمعت الحديث من نَصر بن إبراهيم المقدسي وغيره] (٤)، وكانت محبةً للعلماء وأهل الخير، حنفية المذهب، وهي التي بنت مسجد خاتون على الشرف القبلي ظاهر دمشق بأرض صَنْعاء ووقفت عليه الأوقاف الكثيرة. [وليست خاتون التي بنت خانقاه الصوفية على الشرف القِبْلي قريبًا من القبلة، تلك بنت معين الدين أُنر زوجة نور الدين محمود بن زنكي، وتزوجها صلاح الدين، وسنذكرها بعد الثمانين وخمس مئة، ودفنت بجبل قاسيون، وهي التي بنت مدرسة خاتون بدمشق.

стр. 9968

وأما صاحبة هذه الترجمة فهي التي] (١) ساعدت على قَتْلِ ابنها شمس الملوك إسماعيل، لما كَثُرَ فساده، وسَفْكُه للدِّماء، وقَتْله خواص أبيه، ومصادرات النَّاس، ومواطأة الفرنج على بلاد المسلمين، [فأراحت منه العباد، وطهرت منه البلاد، قال الحافظ ابن عساكر: دبرت عليه حتى قتل بحضرتها،] (٢) وأقامت أخاه محمودًا مكانه [وقد ذكرناه] (٢). وتزوجها أتابك زَنْكي طمعًا في دمشق، فلم يظفر بطائل، ونقلها إلى حلب، فلما قُتِلَ [أتابك] (٣) على قلعة جَعْبر عادت إلى دمشق، فأقامت مُدَّة، ثم حَجَّت على طريق العراق، ودخلت بغداد. وعادت إلى الحج، فجاورت بمكة سنةً، ثم جاءت إلى المدينة، فجاورت بها حتى توفيت، ودُفِنَت بالبقيع، وكان قد قَلَّ ما بيدها [فبلغني أنها كانت] (٤) بالمدينة تغربل القمح والشَّعير، وتتقوَّت بأُجرتهما، وكانت كثيرة البِرِّ والصَّدقات والصِّلات، والصَّوم والصَّلاة، [رحمها الله تعالى] (٣). صدقة بن وزير الواسطي (٥) [ذكره جدِّي في "المنتظم"، وقال:] (٦) دخل بغداد [ولبس الصوف] (٣)، ولازم التقشُّفَ زائدًا على الحد، ووعظ، وكان يصعد المنبر، وليس عليه فرش، فأخذ قلوب العوام، وكان يميل إلى مذهب الأشعري، وعنده رِفْض. [قال: وبلغني أَنَّه] (٣) لما مرض كان يُحْضِرُ الطَّبيبَ بالليل لئلا يقال عنه إنَّه يتداوى، وكان إذا جاءه فتوح يقول: أنا لا آخذ شيئًا، سَلِّموه إلى أصحابي. فَتَمَّ له ما أراد، وبنى

стр. 9969

رباطًا بقَرَاح القاضي، فاجتمع إليه جماعةٌ، وتوفي يوم الخميس ثامن ذي القعدة، وصُلّي عليه في ميدان الخيل داخل السُّور، ودفن في رباطه. [وبنى يزدن لرباطه منارةً، وتعصَّب له، لأجل ما كان يميل إليه صدقة من التشيع، وصار رباطه مقصودًا بالفتوح، وفيه دفن، هذا صورة ما ذكر جدِّي في "المنتظم"] (١). وقال ابن الدُّبَيثي: صدقة بن الحسين بن أحمد بن محمد بن وزير، أبو الحسن الواسطي، من أهل قرية خُسَّابور (٢)، كان أبوه من تُنَّائها (٣)، وبها ولد صدقة، فأَحبَّ الاشتغال بالعِلْم، والزُّهْد في الدنيا، فترك ما كان فيه، وصار إلى واسط، فحفِظَ القرآن وقرأ بالعشر قراءات، وتكلَّم في الوعظ، فصار له بها قَبولٌ كبير، وأخذ نفسه بالمجاهدة، والرِّياضة وإدامة الصَّوم، والعبادة (٤). قال المصنِّف ﵀: حكى لي مَنْ أدركه ببغداد، أَنَّه كان من الأولياء الأفراد، أقام سنين لم يدخل حَمَّامًا، ويقطع نهاره صيامًا، وليله قيامًا. واتَّفق وعَّاظ العراق على ثَلْبه على المنابر، ورميه بالصَّغائر والكبائر، ولم يُنْقل عنه أَنَّه ذكر أحدًا منهم بلفظةٍ، ولا ثَلَمَ مال مسلم ولا ثَلَبَ عِرْضه، وكلَّما وقعوا فيه قد زاد قبوله. [ولقد حكى لي تلميذُه الشيخ مُصَدِّق النَّحْوي] (٥) أَنَّه منذ دخل العراق إلى أن توفي لم يأكل من حِنْطَةٍ زُرِعَتْ بأرض بغداد، وإنَّما كان يُحمل إليه من غَلَّةِ واسط من مُلْكه ما يتقوَّتُ به، ولم يأكل من أوساخ أهل بغداد، وأقام عليه ثوب واحد ثلاثين سنة شتاءً وصيفًا ما غَيَّره. [وذكر مصدق عنه عجائب من زُهْده وورعه وأمانته وديانته] (٦).

стр. 9970

عبد الله بن علي بن أحمد (١) ابن علي بن الحسن بن عبد الله بن فارس، أبو القاسم، الشاهد، الدِّمَشْقي، ويعرف بابن السيرجي. وكان شيخًا صالحًا، ثقةً، أمينًا، قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتوفي بدمشق في ربيع الأول. عَبد الرَّحمن بن مروان (٢) ابن سالم، أبو محمد، التَّنوخي، المَعَرِّي، الواعظ. قال العماد الكاتب: اجتمعتْ له الفصاحة والصَّباحة، ومواعظه مُبْكية مُضْحكة، وكلماته بالوَعد منجية، وبالوعيد مُهْلكة، إذا وعظ كانت عباراته أَرَقَّ من عبرات الباكين، وإذا أنشد كانت غُرره مثل ثغور الضَّاحكين، حَضَرْتُ مجلسه ببغداد، وشهِدْتُ محاسنه، فألفيته جوهريَّ الوقت، جَهْوَري الصَّوت، فهو كما قال الحريري: يقرعُ الأسماعَ بزواجر وَعْظِهِ، ويطبع الأسجاع بجواهر لفظه. وكان شحاذًا، نتاشًا، حَوَّاشًا، قلما يخلو يومًا شَرَكُه من صيد، حتى لو رآه الحريري لم يذكر أبا زيد. ورأيتُه قائمًا يعظ في عزاء صدر الدين إسماعيل شيخ الصُّوفية ببغداد، وهو ينشد: [من المديد] يا أخِلَّائي بحقكُمُ … ما بقي من بعدكم فَرَحُ أيُّ صَدْرٍ في الزَّمانِ لنا … بعد صَدْرِ الدِّين يَنْشَرحُ

стр. 9971

وأثرى ببغداد، وحسنت حاله، وكان مُغْرًى بالنِّسوان، وله قَبولٌ حسنٌ عند الحِسان، ومن شعره: [من مجزوء الرمل] أفّ للدنيا وأَفّ … كلُّ من فيها يَلُفُّ مثل خيَّاطٍ حريصٍ … كلما شلَّ يكُفُّ (١) وقال ابنُ عساكر: كان أبوه منجِّمًا، رأيتُه يجلس على الطَّريق، وكان عبد الرحمن هذا ينشد على الطريق، وفي الأسواق على الدَّكاكين، وكان في صوته شجًى، وخرج عن دمشق وهو شابٌّ، فغاب عنها مدَّة وعاد، وكان يعظ في الأعزية، ثم وعظ بعد ذلك على الكُرْسي، ورُزِق قَبولًا، واكتسب من الوعظ مالًا، ثم خرج إلى العراق، فأقام ببغداد مدة، وأظهر الزُّهد، وظهر له بها سوق، ثم رجع إلى دمشق، ووعظ، وصَعِدَ إليه يومًا إلى المنبر طفلٌ صغير، فأخذه على يده، وقال: [من الرجز] هذا صغيرٌ ما جنى صغيرةً … فهل كبيرٌ يركب الكبائرا فضجَّ المجلس بالبكاء. وحضرنا عزاء المقتفي في جامع (٢) وصدر المجلس القاضي أبو الفَضْل محمد بن عبد الله الشَّهْرُزُوري (٣)، فرثى الخليفة بأبياتٍ، فَخَلَعَ القاضي عليه ثوبه، فتذكر عادته في الكُدْية، فخرج عما كان فيه من العزاء إلى استدعاء موافقة الحاضرين في خَلْع ثيابهم، فخلع بعضهم، فقال: أنا المُعَرِّي لا المعزي، وذكر أشياء فأضحك القوم، فلما خرجنا، قلتُ له: أخرجتَ العزاء عن معناه، وجعلته مضحكة، فقال بعض مَنْ أراد التقرُّب إليه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]. فقلت: لكلِّ مقامٍ مقال، وليس هذا موضعه. فسكت (٤). وكانت وفاته يوم الجمعة من رجب، ودفن بقاسيون.

стр. 9972

ومن شعره: [من الهزج] ولما أصبح الوصلُ … صحيحًا ما به داءُ أتى الهَجْرُ فلا ميمٌ … ولا راءُ ولا حاءُ ولا باءٌ ولا سينٌ … ولا هاءٌ ولا لاءُ يعني لا مرحبًا ولا سهلًا بالهجر (١). [عَدِي بن مسافر] (٢) قلتُ: ذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خَلِّكان ﵀ في "وفيات الأعيان" (٣): الشيخ عَدِي بن مسافر، الهَكَّاري مسكنًا، العبد الصَّالح المشهور، سار ذكره في البلاد، وتبعه خَلْقٌ كثير، وجاوز حسنُ اعتقادهم فيه الحدَّ، وجعلوه ذخيرتهم في الآخرة، وكان قد صَحِبَ جماعةً من أعيان المشايخ والصُّلحاء، ثم انقطع إلى جبل الهكَّارِيَّة من أعمال المَوْصِل، وبنى له هناك زاويةً، ومال إليه أهل تلك النَّواحي كلها ميلًا لم يُسْمع بمثله. وكان مولده في قرية يقال لها بيت فار من أعمال بَعْلَبَك، والبيتُ الذي ولد فيه يزار إلى الآن، وتوفي سنة سبع، وقيل: خمس وخمسين وخمس مئة، ودفن ببلده بزاويته، وقبره عندهم من المزارات المعدودة، وحَفَدَتُه بموضعه يقتفون آثاره والنَّاسُ معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد، وتعظيم الحُرْمة، وكان مُظَفَّر الدِّين صاحبُ إِرْبل يقول: رأيتُ الشيخ عدي بن مسافر، وأنا صغير بالمَوْصِل، وهو شيخٌ، رَبْعَةٌ أسمرُ اللَّون، وكان يحكي عنه صلاحًا كثيرًا، وعاش تسعين سنة.

стр. 9973

قلتُ (١): وقد وقعتُ على مجموعٍ فيه أخباره، وهو للشيخ شرف الدِّين أبي الفضائل: عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان بن الحكم بن مروان الأُموي (٢)، استوطن لالش من جبل الهَكَّار إلى أن مات بها سنة ثمانٍ وخمسين وخمس مئة، ودفن بزاويته، وقبره بها ظاهرٌ يزار، وكان عالمًا، فقيهًا، صالحًا ظريفًا، متواضعًا، حسنَ الأخلاق مع كثرة الهيبة، وهو أحدُ أركانِ الطَّريقة، وأعلام العلماء بها، وسَلَكَ في المجاهدة وأحوال البداية طريقًا صَعْبًا، بعيدًا، عزيز المنال، تعذَّر على كثيرٍ من المشايخ سلوكه، وكان سيِّدُنا شيخ الإسلام محيي الدِّين عبد القادر ينوِّه بذكره، ويُثْني عليه كثيرًا، وشَهِدَ له بالسَّلْطنة، يعني على الأولياء. وقال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر. وكان في أول أمره في الصَّحارى والجبال، مجردًا سائحًا، يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات مدَّةً مديدة، وكانت الحَيَّات والسِّباع تألفه فيها، وتتلمذ له خَلْقٌ كثير من الأولياء، وتخرَّج بصحبته غيرُ واحد من ذوي الأحوال، وانتمى إليه عالمٌ عظيم، وكان له كلامٌ نفيس على لسان أهل الطَّريق. ومن كلامه في توحيد الباري : لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، لا مثل الأشكال، صفاته قديمة كذاته، ليس جسمٌ في صفاته، جَلَّ أن يشبهه بمبتدعاته، أو أنْ يضاف إلى مخترعاته ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لا سميَّ له في أرضه وسماواته، ولا عديل له في حكمه وإرادته، حرام على القلوب أن تَمثَّلَ الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحدَّه، وعلى الظنون أن تقطع وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الفكر أن يحيط، وعلى العقول أن تصور إلا ما وصف به ذاته في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . ومنه: أول ما يجب على سالك طريقنا هذه ترك الدعاوى الكاذبة، وإخفاء المعاني الصادقة.

стр. 9974

وقال إسرائيل بن عبد المقتدر: أقمتُ مدَّة ثلاث سنين سائحًا مجردًا في جبل الهَكَّار، وجبل لبنان وجبال العراق والعجم، وكانت الأحوال تطرقني، فأَخِرَّ لوجهي، فَتَسْفي عليَّ الرِّياح إلى أن ترى فوق جِلْدي جِلْدًا آخر من الوسخ، فجاءني ذئب ونظر إليَّ متبسمًا، ولَحِسَ جِلْدي كله حتى تركه كالجُمَّارة (١)، فتداخلني العُجْب، فإذا هو قد شَزَرني مُغْضَبًا، وبال عليَّ، فأتيتُ إلى عين ماء، فاغتسلتُ، ودخلتُ قُبَّة في وسط الصحراء، بيني وبين النَّاس مسيرة عشرة أيام من كل قطر، ولا يمرُّ بي أحد، ولا أسمع صوتَ أحد البتَّة، فقلتُ في نفسي: لو قيَّضَ الله لي بعضَ العارفين. فإذا الشيخ عدي بن مسافر إلى جانبي، ولم يُسَلِّمْ عليَّ، فأرعدت من هيبته، وقلتُ في نفسي: ولِمَ لَمْ يُسَلِّمْ علي؟ فقال لي: إنا لا نلتقي بالسَّلام والترحاب من تبول عليه الذِّئاب. ثم ذكر لي جميعَ ما جرى لي في سياحتي، وواجهني بجميع خواطري، وبكلِّ شيءٍ اختلج في سِرِّي، وأضمره قلبي، واقعة واقعةً، حتى ذكَّرني بأشياء أُنْسِيتُها. فقلتُ له: يا سيدي، أشتهي الانقطاع في هذه القُبَّة، فلو كان عندي ما أشرب منه وما أقتاتُ به. فقام إلى صخرتين كانتا في تلك القُبَّة، ووكز إحداهما برجله، فانفجرت منها عينُ ماءٍ حُلْو عَذْب من ماء النِّيل، ووكز الأُخرى، فنبتَتْ فيها شجرة رُمَّان، وقال لها: أيتها الشجرة أنا عدي بن مسافر، أَنْبتي بإذن الله تعالى يومًا رُمَّانًا حُلْوًا ويومًا رمانًا حامضًا. وقال لي: أقم هنا، وكُلْ من هذه الشجرة، واشرب من هذه العين، وإذا أردتني اذكر اسمي آتك. فأقمتُ في تلك القبة سنين، فكنت آكل من تلك الشجرة يومًا رُمَّانًا حُلْوًا، ويومًا حامضًا، أحسن رمان في الدنيا وأطيبه، وما ذكرتُه قَطُّ إلا وجدتهُ حاضرًا عندي، وينبئني بما يختلج في صَدْري في مُدَّة غيبته عني، ثم بعد سنتين أتيت إلى بلالش، وبتُّ عنده ليلة، فأحرقني بأنفاسه، ومكثت أربعين يومًا أصبُّ عليَّ الماء البارد كل يوم، وإني لأجِدُ النَّار الشديدة في باطني، من هَبَّة أنفاسه.

стр. 9975

قال: وودَّعْتُه مرةً مسافرًا إلى عَبَّادان، فقال لي: إذا رأيت سَبُعًا تخاف منه، فقل له: يقول لك عدي بن مسافر اذهب ودَعْني، وإذا رأيت هولَ البحر، فقل: أيتها الأمواج المتلاطمة يقول لك عدي بن مسافر اسْكُني بإذن الله. فكنتُ إذا لقيت شيئًا من الوحوش، قلت: يقول لك الشيخ عدي بن مسافر اذهب وَدَعْني، فينكِّس رأسه، ويذهب. ولما اشتدَّ علينا البحر، وأشرفنا فيه على الغرق، قلتُ ما أمرني به، فما تمَّ كلامي حتى سكن الريح، وصار كأنه عين ديك. وقال الشيخ عمر بن محمد: خدمتُ الشيخ عدي بن مسافر سبع سنين، شَهِدْتُ له فيها خارقات في نفسي، إحداها أنني صببتُ على يديه ماء، فقال لي: ما تريد؟ فقلت: أُريد تلاوة القرآن، فإني لا أحفظ منه سوى الفاتحة وسورة الإخلاص، وحِفْظُه عليَّ عسيرٌ جدًّا. فضَرَبَ بيده في صدري، فحفظت القرآن كلَّه في وقتي، وخرجتُ من عنده، وأنا أتلوه بكماله، لا تتوقف علي منه آية واحدة، وأنا إلى الآن من أجودِ النَّاس تلاوةً له، وأقدرِهم على دَرْسه. وقال لي يومًا: اذهب إلى الجزيرة السَّادسة من البحر المحيط تجدْ بها مسجدًا، فادْخُلْه تَرَ فيه شيخًا، فَقُلْ له: يقول لك عدي بن مسافر احذرِ الاعتراض، ولا تختر لنفسك أمرًا لك فيه إرادة. فقلتُ: يا سيدي وأنَّى لي بالبحر المحيط؟ فدفعني بين كتفي، وأنا بظاهر زاويته بلالش، فإذا بجزيرةٍ بالبحر المحيط، فلا أدري كيف جِئْتُ، فدخلت المسجد، فرأيتُ شيخًا مهيبًا مفكِّرًا، فسلَّمْتُ عليه، وبَلَّغْتُه الرِّسالة، فبكى وقال: جزاه الله خيرًا. فقلتُ: يا سيدي وما هذا؟ فقال: يا بني إنَّ أحد السبعة الخواص في النَّزْع الآن، وإني طَمَحَتْ بي إرادتي أن أكون مكانه، وإنَّ خطرتي لم تكمل في نفسي حتى أتيتني، وقد جئتَ إليَّ وأنا مفكر في ذلك. فقلتُ: يا سيدي، وأنَّى لي بالوصول إلى جبل الهَكَّار؟ فدفعني بين كتفي، وإذا أنا بزاوية الشيخ عدي، فقال لي: هو من العشرة الخواص (١).

стр. 9976

السَّنة الثامنة والخمسون وخمس مئة فيها بُني كشك الخليفة والوزير على باب المُظَفَّرية ظاهر بغداد، وأنفق على ذلك مالًا عظيمًا، وسُمِّي المكان الحُطَمِيَّة، وكان الخليفة والوزير يخرجان فيقيمان فيه، ويصلِّيان الجُمعة في جامع الرُّصافة مدَّة إقامتهما فيه، ويخرج أهل بغداد أيام الجُمَع، ويقفون صفوفًا يتفرَّجون، ويعبر الخليفة بينهم، وكان له حاجبٌ يقال له أحمد النوبي، وكان المستنجد سمينًا، فاجتاز بامرأتين، فقالت إحداهما للأُخرى: ما ترين ما أسمن الخليفة؟ فقالت لها: إنَّك باردة، مَنْ يكون بين يدي النوبي ما يسمن! وفيها كانت وقعة عظيمة بين أتابك إيلدكز والخَزَر، خرجوا من باب الأبواب، وأغاروا على البلاد، ونهبوا وسَبَوْا وأسروا وقتلوا، وأيقن المسلمون بالهلاك، فجمع إيلدكز عساكره والمُطَّوِّعة وأهلَ البلاد، فقيل له: لا طاقةَ لك بهم، هؤلاء في ثلاث مئة ألف، وأنتَ ما يبلغ جمعك ثلاثين ألفًا! فقال: ألقاهم بالله وببركات الصَّالحين، فالتقوا على أَذْرَبيجان، واقتتلوا قتالًا لم يعهد مثله إلا قتال الغُزّ وسنجر، وظهروا على المُسْلمين أول النَّهار، فترجَّل إيلدكز والعساكر، وهبَّت ريحٌ عاصف، فَسَفَتْ في وجوه الخَزَر التُّراب، فهزمهم الله تعالى، وسار إيلدكز في آثارهم قَتْلًا وأَسْرًا، وأُسر ملوكهم، وقُتِلَ أبطالهم، وأُخذ منهم صليب الصَّلبوت، وكان مرصعًا بالجواهر واليواقيت ما قيمته مئة ألف دينار، وبعث بالملوك والأعيان والرؤوس إلى بغداد والصَّليب، وخرج الموكب بأَسْره، ولم يتخلَّف سوى الوزير، وجَلَسَ الخليفة في الكشك، وعبروا بهم عليه، فَسُرَّ سرورًا كثيرًا، وخلع على الرُّسُل، وأعطاهم الأموال، وبعث إلى إيلدكز بخِلَعٍ تقارب خِلَع السَّلْطنة، ومراكب الذهب والكوسات والأعلام ومال كثير. وفيها قَبَضَ قُطْبُ الدِّين مودود صاحب المَوْصِل على جمال الدِّين الوزير الأَصفهاني، وحَبَسَه في قلعة المَوْصِل، واستصفى أمواله.

стр. 9977

وفيها سارَ نورُ الدِّين إلى قتال قليج رسلان (١) ابن السُّلْطان مسعود، صاحب الروم، وسببه أن قليج رسلان حاصر ذا النون الدانْشَمَنْد صاحب مَلَطية وسيواس، وأخذهما منه، فجاء إلى نور الدِّين، فأرسل إلى صاحب الرُّوم يقول: هذا ملكٌ، وقد استجار بي، فَرُدَّ عليه بلاده. فلم يلتفت، فسار نورُ الدِّين، فاستولى على أطراف الرُّوم بَهَسْنا ورَعْبان وكَيسوم والمَرْزُبان والقلاع المتاخمة للرُّوم، وقَصَدَ مَلَطْية، فتأخر قليج رسلان إلى وسط بلاده لأَنَّه ما كان له طاقة بنور الدِّين، وبينا نور الدِّين على ذلك القَصد جاءه خبر الفرنج أَنَّه قد وصلوا إلى بلاد المُسْلمين، فرجع إلى حِمْص، وأقام بها أيامًا، ثم دخل بلاد الفرنج، فنزل بالبقيعة تحت حِصن الأكراد عازمًا على حِصار طرابُلُس، ومعه خَلْقٌ عظيم، وضَرَبَ النَّاس خيامهم، ولم يكن لهم يَزَك (٢) ظنًّا من نور الدِّين أنهم لا يقدمون عليه، فبينا النَّاس وسط النَّهار في خيامهم لم يَرُعْهم إلا ظهور الصُّلبان من وراء الجبل الذي عليه الحِصن، فالسَّعيد من رَكِبَ فرسه، ونجا، وخرج نورُ الدِّين وعليه قَبَاء، فركب فرس النَّوْبة، وفي رِجْله شِبْحة (٣)، فقطعها كرديٌّ ونجا نور الدِّين، وقُتِلَ الكردي، وقَتَلَ الفرنجُ، وأسروا خَلْقًا عظيمًا، واستولوا على العسكر بما فيه [وكان من قِلَّة الحَزْم حيث غفلوا عن العدو، ولم يستظهروا باليَزَك والطلائع] (٤)، وجاء نورُ الدِّين إلى حِمْص، فلم يدخُلْها، ونزل على البحيرة، واجتمع إليه من نجا من المعركة، وأرسل إلى دمشق وحلب، وأحضر الخيام والسِّلاح والخيل، وفرَّقها في النَّاس، ومَنْ قتل أبقى إقطاعه على ولده وإلا فأهله. وكان [من] (٤) عَزْمِ الفرنج قَصد حِمْص، فلما بلغهم نزول نورِ الدِّين على البحيرة، قالوا: ما فعل هذا إلا عن قوة، فتوقفوا.

стр. 9978

وفرَّق في يومٍ واحد مئتي ألف دينار، وجاء رجلٌ فادَّعى أَنَّه ذَهَبَ له شيءٌ كثير، وكان الأمر بخلافه، وكتب النُّواب إلى نور الدين يخبرونه بأَنه مُبْطل [في دعواه] (١)، فكتب إليهم: لا تكدِّروا عطاءنا، فإنِّي أرجو الأجْر من الله على القليل والكثير. وكتَبَ إليه النُّواب بأنَّ الإدرارات كثيرة في البلاد للفقراء والفقهاء والصُّوفية، فلو حملناها إليك في هذا الوقت لاستعنتَ بها، ثم تعيد العوض، فَغَضِبَ، وكتب إليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وهل أرجو النَّصر إلا بهؤلاء، وهل تُنْصرون إلا بضُعفائكم (٢)؟ فكتب إليه النُّواب: فإذا لم تغيِّر عليهم شيئًا، وقد وقعتَ في هذه الورطة العظيمة، فلو أمرتنا لاقترضنا من أرباب الأموال ما تستعين به على جهاد العدو، فقد نَفِدَتْ الخزائن، ويطمع العدو في الإسلام. فبات مفكِّرًا، وقال في نفسه: نقترض، ثم ندفع العوض. ثم قال: ما أفعل. وباتَ قلقًا إلى وقت السَّحر، فنام، فرأى إنسانًا يُنْشِد: [من المديد] أَحْسِنُوا ما دامَ أمركُمُ … نافذًا في البَدْو والحَضَر واغْنموا أَيَّام دَوْلتكُمْ … إنّكُمْ منها على خَطَرِ فقام مرعوبًا مستغفرًا مما خَطَرَ له، وعَلِمَ أَنَّ هذا تنبيه من الله، فكتب إليهم: لا حاجة لي بأموال النَّاس. وعاد الفرنج إلى بلادهم. وفيها ظهر شاور بن مجير السَّعدي من الصَّعيد، وجَمَعَ أوباش الصَّعيد والعبيد، وجاء إلى القاهرة، فخرج إليه رُزِّيك بن الصَّالح فهزمه، ودخل القاهرة، فأخرب دار الوزارة، ودار بني رُزِّيك ونهبها، وبَعَث إليه العاضد بخِلْعة الوزارة، ولقبه أمير الجيوش، وتتبَّع رُزِّيكَ بنَ الصَّالح، وكان مختفيًا عند بعض اللَّخْميين، فجاؤوا به إليه فقتله، وأقام شاور، فأساء السِّيرة، فخرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن ثعلبة (٣) من الصَّعيد، وحشد، فخرج إليه شاور،

стр. 9979

فهزمه ضرغام، وقتل ولده، وخذل أهلُ القاهرة شاور، فانهزم إلى الشَّام، وكان نورُ الدِّين بدمشق، فالتقاه وأكرمه، وأقام عنده أيامًا، ثم طلب منه العسكر، وقال: أكون نائبك بالدِّيار المِصرية، وأقنع بما تعين لي من الضياع، والباقي لك، فأجابه نور الدين. [فصل وفيها توفي طلحة بن علي أبو أحمد الزَّينبي (١) نقيب النقباء، وله نقابة العباسيين، وناب في الوزارة، وحضر مجالس جدِّي مرارًا، بات معافى، فأصبح في منزله ميتًا، فذكر أنه أكل لبًّا وأرزًا وجمارًا، ودخل الحَمَّام، فعرضت له سكتة، فتوفي في ربيع الأول، ودفن بباب حرب] (٢). وفيها توفي عبد المؤمن بن علي صاحب المغرب (٣) [وقد ذكرنا ولايته وبدايته] (٢)، وأقام بعده ولده يوسف [بن عبد المؤمن] (٢)، وتوفي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة (٤)، وكان عبد المؤمن فاضلًا في فنون العلوم الشرعية والأحاديث [النبوية. وأجرى نهرًا من الجبل إلى جامع مرَّاكُش من مسافة بعيدة، وكان مشددًا في أمر الصلاة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، قتل كثيرًا من تاركي الصلاة، وكان يأمر الناس بحفظ عقيدة ابن تومرت، وقد ذكرناها (٥)، وتسمى المرشدة، وضرب الدينار الوازن الخالص، ويسمى المؤمني إلى اليوم، وكان إمامًا في كل فن، وكانت أيامه منذ مات ابن تومرت إلى أن توفي عبد المؤمن ثلاثًا وثلاثين سنة، وخلف من الولد خمسة

стр. 9980

عشر ولدًا، وخمس بنات، وحمله ابنه أبو يعقوب يوسف القائم بعده في محفة، ودفنه عند محمد بن تومرت، وسار ابنه يوسف في الناس سيرة أبيه، وسنذكره] (١). محمد بن عبد الكريم أبو عبد الله (٢) سديد الدولة، ابن الأنباري، كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، أقام كاتبًا به نيفًا وخمسين سنة، وناب في الوزارة، وكان فاضلًا، ومن شعره: يا قلبُ إلامَ لا يُفيدُ النُّصحُ … دَعْ مَزْحك كم هوًى جناه المَزْحُ ما جارحة منك خلاها جرحُ … ما تشعر بالخُمار حتى تَصحو (٣) وكانت بينه وبين الحريري صاحب "المقامات" مكاتبات ومراسلات مدوَّنة، وخَرَجَ مع المسترشد لما سافر إلى لقاء مسعود، وأُسر، وترسَّل عن الخليفة إلى الملوك، وكانت وفاته في رجب عن تسعين سنة، وصَلَّى عليه الوزير ابن هُبيرة بجامع القَصر، ودُفِنَ بمقابر قريش. محمد بن محمد أبو الفتح (٤) الكاتب البغدادي الفاضل. ولد سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، ومن شعره: [من البسيط] ما لي وللبَرْقِ مجتازًا على إِضَمِ … يُبْدي تألُّقَهُ عن ثَغْرِ مُبْتَسِمِ سهرتُ والليلُ مكحولُ الجفونِ به … كأنَّه ضَرَمٌ قد دَبَّ في فَحَمِ أمُخْبِرِي أنتَ عن وادي العقيق وهل … حلَّتْ مجاورةً سَلْمى بذي سَلَمِ حَمَّلْتُكَ العِبْء من شوقي لتحملَهُ … رسالةً لم تكن فيها بمُتَّهَمِ فما لهم عَلِموا ما قد كتبتُ به … على لسان الهوى عن بانة العَلَمِ
следующие страницы →