ينسى أن يعلمنا شيئا يتعلق بالإسراء والمعراج، وإن كان غفل أو نسي، فكيف بالذي لا يغافل ولا ينسى، لماذا لم ينبه نبيه على ذلك بل كيف لم يأمره بالاحتفال، ويبين له ما فيه من خير، أيترك الله شيئا ينفع نبيه وأمته من بعده فلا يبينه؟.
إن من اعتقد ذلك فقد أساء الأدب مع الله، وإذا كان الله سكت عنه، أفلا يسعنا نحن السكوت، وهل نرد قول الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] ، فالذي يرى أن الاحتفال بالإسراء والمعراج من الدين، ويؤجر العبد عليه وأن فيه خيرا لنا في الدنيا والآخرة، وأن هذا عمل يحبه الله ويرضاه، فكيف يوفق بين قوله هذا مع الآية التي أكدت إكمال الدين وإتمام النعمة، أيكذب بها؟ وكيف يرد ما (رواه البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ «١» » ، أيكون هذا العمل ردّا على صاحبه ويؤجر عليه، أيحكم الرسول بالرد، ويحكم الله بالقبول؟ هذا من أمحل المحال، وقد تم التنبيه على خطر البدعة، وكيف كان الصحابة يحافظون على السنة ولا يتجاوزونها بقول أو فعل، في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، تحذيرا منها.
وأقول: إن أدل دليل على عدم مشروعية الاحتفال بها، هو عدم علمنا بتاريخها على وجه التحديد، ولو كان الرسول شرع للصحابة الاحتفال بها، لتناقلوا تاريخها، وعلموه لمن بعدهم، فهم الذين لم يفرطوا في حفظ أي أمر من أمور السنة، وإذا لم يحافظوا هذا التاريخ، علمنا من ذلك أنهم لم يتوقفوا عنده، وما كان لهم فيه عبادة، انظر كيف حافظوا خبر الإسراء وتناقلوه، حتى بلغ حد التواتر؛ لأن لهم فيه دروسا وعبرا، فلنتبع أثرهم ونكتفي بعملهم، أليس لنا فيهم قدوة وفي رسولنا أسوة؟!
فإذا قال قائل: الأمة الآن مشغولة بأمور عظيمة، أولى أن نبحثها ونتفق عليها، بدلا من الاختلاف على أمور يسيرة مثل مشروعية الاحتفال أو عدم الاحتفال بليلة الإسراء.
أقول باختصار: إن التمسك بسنة الهادي البشير، والعمل بها، ونبذ البدع، لهو أقرب طريق إلى توحيد الأمة، واستنصار المولى، فالله تعالى قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
стр. 107
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى [النور: ٥٥] والبدعة أبعد ما تكون من العمل الصالح، الذي هو أحد شرطي الاستخلاف.
واعلم أخي المسلم، أن كل بدعة تعملها، تباعدك من الله خطوة، حتى تصير في شق، والله ورسوله في شق آخر، نعوذ بالله من ذلك. كما يجب أن تعلم أخي المسلم، أن أعظم احتفال بهذه الليلة المباركة، أن تحافظ على الصلوات المكتوبة، وتقيم فروضها ومسنوناتها، وتستشعر فيها أنك تعبد الله كأنك تراه، فتقرّ بها عينّك، وتهدأ بها نفسك، وتعلم أنها هدية الله إلى خلقه. فهذا بحق أعظم احتفال بهذه الليلة، احتفال يحبه الله ويرضاه.
أما الكلام عن شق صدره ﷺ ، في هذه الليلة المباركة، وملأه حكمة وإيمانا، فقد أفردت له بابا مستقلا، حتى أساعد القارئ، أن يتأمل هذه الواقعة العظيمة، ليستشعر فيها اعتناء الله بخاتم النبيين، وحتى لا تضيع الواقعة في زحمة الكلام، عن الرحلة المباركة.
٣- وصف بيت المقدس:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال:
فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الرسول ﷺ : «ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» .
هذه القصة، وهي سؤال قريش النبيّ ﷺ عن أوصاف بيت المقدس، غداة إخباره بحادثة الإسراء، كان من المفترض أن أثبتها في سياق الحديث عن الإسراء والمعراج، ولكني وددت أن أفرد لها حديثا خاصّا لعظيم شأن هذه القصة، ورغبتي أن يستشعر كل مسلم منة الله على عبده ورسوله، وحتى لا يضيع الكلام عنها في خضم الكلام عن معجزة الإسراء والمعراج التي أذهلت العقول وأخذت بالألباب.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم اعتناء الله بنبيه ﷺ وتأييده بالمعجزات الباهرات،
стр. 108
الخارقات للعقول والعادات، والتي هي للأعداء مفحمات ملزمات، وللأصحاب مقويات مثبّتات، ويتضح ذلك من:
١- سماع الله لتحدي الكفار لنبيه ﷺ ، وهو سماع تأييد ونصرة، ودليل ذلك أن ثبّته بمعجزة عظيمة على الفور، ترفع عنه ما وجده من كرب عظيم، ففي الحديث، قال رسول الله ﷺ : «فكربت كربة ما كربت مثله قط» .
٢- رفع الله بيت المقدس لنبيه ﷺ فرآه رؤية عين واضحة جلية لقوله:
«فرفعه الله لي أنظر إليه» وللعلماء في المسألة أقوال منها: أن الله كشف الحجاب بين نبيه وبين بيت المقدس، أو أنه حمل البيت كله ووضعه أمام النبي ﷺ حتى رآه ثم أعيد إلى مكانه، أو أنه مثل قريبا منه، ذكرها ابن حجر في الفتح، وكل تلك الأقوال لا نستغربها ولا نستبعدها في قدرة الله، ﵎، وما قصة إحضار عرش بلقيس- من اليمن إلى الشام مع عظمته في أقل من طرفة عين- منا ببعيد. ولكن اللافت للنظر والمثير للدهشة، قوله ﷺ : «فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» . فلا نتصور أنهم سألوا فقط عن أوصاف المسجد من الخارج كحدوده وأبوابه ونوافذه، ولكن من المؤكد أنهم سألوا عن أوصافه الداخلية، ليزيد تعجيزيهم للنبي ﷺ ولذلك أقول: إن النبي ﷺ كان ينظر إلى المسجد من مكانه الذي يقف عند الحجر بمكة، فيرى ما بداخل المسجد كما يرى خارجه سواء بسواء، من جميع الزوايا ومن كل المساقط، حتى يستطيع أن ينبئهم عن كل ما سألوه، فما خفي عليه أي جزء من المسجد. من يقدر على ذلك غير الله تعالى؟!.
٣- ومن مظاهر اعتناء الله بنبيه ﷺ الطريقة التي رفع الله بها عنه الكرب الذي ألّم به، فكان من الممكن أن يلهمه الله، ، إجابات شافية لكل ما سألوا عنه، أو يرسل له جبريل ﵇، ليلقنه إياها، أو يجعل نبيه ﷺ يثبتها ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، ولكن كل هذا لم يحدث مع إمكانيته؛ لأن الله، ، أحب أن يكون التأييد بمعجزة ظاهرة عظيمة تثبّت قلب نبيه ﷺ .
الفائدة الثانية:
خوف النبي ﷺ الشديد على هذه الأمة، ورد في الحديث: «فكربت كربة ما كربت مثله قط» ، فهذا الكرب كان من خوفه ألايرد على أسئلة المعاندين، فتفتن الأمة، ويكذّب الله ورسوله، ولكن الله، ، قد حول هذه الخوف إلى معجزة ظاهرة، وأعجز من أرادوا تعجيزه، وبدلا من أن يظهروا كذبه- حاشا لله- ظهر لهم كمال صدقه، وازداد الذين آمنوا إيمانا، بل وازداد هو يقينا من نصر الله له.
стр. 109
الفائدة الثالثة:
إثبات أن كفر المشركين يعود جلّه إلى العناد والاستكبار عن الحق، وليس إلى عدم رؤيتهم الآيات الدالة على صدق النبي ﷺ في التبليغ عن ربه.
فالحاصل أنهم كانوا يوقنون أن النبي ﷺ لم ير بيت المقدس من قبل، وإلا لما سألوه عن أوصافه، وإنما سألوه ليعجزوه ويظهروا عدم صدقه في خبر إسرائه، وكان من المفترض مع كل جواب للنبي ﷺ أن يزدادوا تصديقا به وتشككا فيما هم عليه من مسلك، ولكن هذا لم يحدث، لما انطويت عليه قلوبهم من الحسد والعناد.
والغريب أيضا في الأمر، أنه ما قال لهم: إنه مكث أياما في بيت المقدس، أو حتى يوما واحدا بل أخبرهم ﷺ أنه دخل المسجد وصلى بالأنبياء في جزء من الليل، فهل الذي يدخل مكانا مثل بيت المقدس في مثل هذا القدر من الزمان بهدف الصلاة، هل يقدر أن يجيب عن كل سؤال يوجّه له؟ خاصة إذا كان السائل يريد تعجيزه، بالطبع لا يستطيع.
فأقول: كان على الكفار لما سمعوا الإجابات الشافية عن كل أسئلتهم ألا يصدقوا فقط بصدق قصة الإسراء، بل كان عليهم أن يعتقدوا أن النبي ﷺ إنما أوحي إليه بأجوبة أسئلتهم، ولكن أين العقول؟.
الفائدة الرابعة:
ثبوت بشرية النبي ﷺ وأنه لا يعلم الغيب، في قليل أو كثير، وأن الله هو الذي يؤيده بالمعجزات، وأنه ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من عدم التثبت من أشياء رآها سريعا، ودليل كل ذلك، أن النبي ﷺ لما سئل عن أشياء لم يثبتها في حافظته كرب كربا شديدا، فكيف نثبت له علم أشياء لم يرها أصلا، أو لم يسمع بها من قبل؟. فكل ما يتكلم به النبي ﷺ من ماض أو مستقبل، أو حتى حاضر لم يره، فهو قطعا وحي من الله ، ولا داعي أن يقول النبي ﷺ في كل مرة: إن الله تعالى أوحى لي بكذا وكذا، ولكن هذا معلوم لنا من الدين بالضرورة، علمناه من صريح آيات الكتاب الكريم، مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩] ، وعلمناه أيضا من وقائع كثيرة حدثت في السنة الشريفة، مثل واقعة الحديث الذي معنا، وغير ذلك مما ذكرته متفرقا في هذا الكتاب.
٤- انشقاق القمر:
قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] .
عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل،
стр. 110
وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا» «١» .
وفي الحديث المتفق عليه، عن أنس بن مالك ﵁: (أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين حتّى رأوا حراء بينهما) «٢» .
قصة انشقاق القمر بلا شك من أعظم المعجزات الحسية التي أيد الله ﵎ بها نبيه ﷺ ، حيث شق الله له القمر فلقتين حتى ظهر بينهما جبل حراء، وهي من أعظم المعجزات للأسباب التالية:
١- حدثت المعجزة بناء على طلب من الكفار، لما ثبت عند الشيخين من رواية أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين» ، ولما ورد في حديث الباب أن رسول الله ﷺ قال: «اشهدوا» . والآية التي تكون على طلب المتحدي أبلغ في إظهار قوة المتحدّى وألزم للخصم.
٢- حدثت المعجزة في آية من أعظم الآيات الكونية وهي القمر، الذي يتعلق به قلوب الناس وأبصارهم كل ليلة، خاصة في مثل هذا الزمن- فكون المعجزة في القمر نفسه أفاد الأمور التالية:
أ- كانت معجزة عامة لا يسع أحدا أن ينكرها فقد شاهدها المسلم والكافر، والكبير والصغير، والحاضر والبادي، فهي بذلك تختلف عن بقية معجزات النبي ﷺ التي غالبا ما تقتصر رؤيتها على أصحابه ﵃، كتكثير الطعام.
ب- يجمع أصحاب العقول السليمة والفطر السوية أنها معجزة لا يقدر عليها إلا الذي خلق الشمس والقمر، وهو الله ﵎، كما يجمعون على أنها معجزة لا تأتي عن طريق السحر والشعوذة والإيحاء، وهل قدر السحرة من قبل ومن بعد على مثلها؟!.
فهل يعقل أن الحكيم العليم يؤيد من يكذب عليه- حاشا لله أقولها فقط تنزلا مع الخصم- بمعجزة تكون في واحد من أعظم مخلوقاته وهو القمر، فيجعل عباده في شك وريب من أمرهم، إن أخف الناس عقولا يقرون أن حكمة الله تأبى ذلك.
قال الشيخ السعدي- ﵀: (فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما
стр. 111
جاء به وصدقه، أشار ﷺ إلى القمر بإذن الله تعالى فانشق فلقتين، فلق على جبل أبي قبيس، وفلق على جبل قيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها أو التخييل، فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه من قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك) «١» .
٣- هذه المعجزة هي المعجزة الحسية الوحيدة- فيما نعلم- القائمة بأمر الله إلى الآن، ذلك أن علماء الفلك في عصرنا هذا قد ضبطوا أثر الانشقاق في جسم القمر؛ لأن القمر بعد الانشقاق لم يلتئم تماما، فقد ترك الانشقاق أثرا فيه كالشرخ، والذي أفادنا بذلك هو أحد علماء الفلك الأمريكيين الذي أعلن إسلامه بعد رؤيته لهذا الأثر في جسم القمر وقد أسس هذا العالم جميعة للدعوة إلى الإسلام، وأقول: إن الله أراد أن تبقى هذه المعجزة ظاهرة للعيان أبد الدهر، ولو شاء الله لالتأم القمر تماما بعد الانشقاق.
٤- أثبت القرآن الكريم تلك المعجزة الحسية للنبي ﷺ دون بقية المعجزات.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تتجلى في هذه المعجزة العظيمة قدرة الله ، وليس هذا بعجيب، فالله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكل شيء في قدرته سواء، فليس في قدرته أصعب ولا أسهل، فكل ما يريده يكون بكلمة كن، قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] ، ثم إن القمر خلق من خلقه يفعل فيه وبه ما يشاء وقتما شاء.
الفائدة الثانية:
حب الله لنبيه ﷺ ، وإرادته إعلاء شأنه ودينه على كل من عاداه وتحداه، ولذلك أيده بمعجزة عظيمة مثل انشقاق القمر، ما سمعنا أنها كانت لأحد من الأنبياء من قبله عليهم جميعا الصلاة والسلام.
الفائدة الثالثة:
نجزم قطعا أن آية انشقاق القمر قد حدثت فعلا في مكة زمن
стр. 112
النبي ﷺ ، ولا حجة لمن قال: إنها من علامات يوم القيامة واستدلوا لقولهم بقول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] أي أن الانشقاق سيكون بعد قيام الساعة كتكوير الشمس وانشقاق السماء، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم، أما توجيه الآية القرآنية، فقد نقل القرطبي- ﵀ عن القراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر واستشهد بقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [النجم: ٨] ، كما أن قوله تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢] دليل واضح على أن الآية قد حدثت بالفعل؛ لأن الآيات المصاحبة ليوم القيامة لا يكون فيها تصديق ولا تكذيب، وليس المقصود بها إلزام المعاندين الحجة.
الفائدة الرابعة:
وهي فائدة متكررة مع كل معجزة حسية للنبي ﷺ وهي أن الكفار لا يعوزهم المعجزات حتى يسلموا، فقد رأوا من المعجزات الباهرات ما يلزمهم الحجة، وكانت بعضها بناء على طلبهم ومع ذلك أعرضوا واتهموا النبي ﷺ بالسحر، قال تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢] .
٥- حنين جذع الشجرة:
عن جابر بن عبد الله ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار- أو رجل-: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟ قال:
«إن شئتم» . فجعلوا له منبرا فلمّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النّخلة صياح الصّبيّ ثمّ نزل النّبيّ ﷺ فضمّه إليه تئنّ أنين الصّبيّ الّذي يسكّن قال: «كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذّكر عندها» «١» .
أقول بدون مبالغة أو مغالاة: إن هذه المعجزة البينة للنبي ﷺ هي أعظم من أن يتكلم عنها أحد مهما بلغ شأنه وشأوه، ومن تدبرها عرف جلالة قدر النبي ﷺ ليس عند ربه ﵎ وعند ملائكته الكرام وليس عند الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام الذين احتفوا به ﷺ ليلة الإسراء والمعراج غاية الحفاوة وسلموا له بالإمامة والسيادة، أو عند أصحابه وأزواجه ﵃ جميعا، ولكن يبين الحديث الشريف جلالة قدره عند الشجر الذي نظن أنه لا يسمع ولا يرى ولا يحس، والذي نضرب به المثل بالقسوة والغلظة والجفاء لأنه لا قلب له ولا شعور، ولكن هل كل الجمادات هكذا؟ لا والله! شتان بين حجر
стр. 113
نمر نحن عليه فلا يشعر بنا ولا نشعر به، وحجر يمر عليه النبي ﷺ فيسلم عليه معلنا الإيمان به ﷺ نبيّا ورسولا، شتان بين نخلة نرويها ونسقيها لننتفع من ثمرها الطيب ليس بيننا وبينها علاقة حب ومودة، وبين نخلة كان النبي ﷺ يتكئ عليها في خطبة الجمعة فكانت تسمع منه الذكر الحكيم وتعيه وتخشع له فأحبت النبيّ ﷺ وأحبت الذكر الذي كانت تسمعه أعظم الحب، ثم لما تركها ﷺ وخطب على المنبر اشتاقت إليه أشد الاشتياق وشعرت بفداحة المصيبة التي ألمت بها بفراق النبي ﷺ ، فلن يمسها- بعد صناعة المنبر- جسد النبي ﷺ بعد أن كانت تحظى بهذا الشرف وتنال من بركته ما لم يحظ به من جنسها أحد مثلها، فما كان منها إلا أن بكت بكاء الصبي، الذي أصابته مصيبة، وأقول: فارق كبير- والله- بين حبنا وحب النخلة، وأسأل هل قست قلوبنا فعجزت أن تحب النبي ﷺ وتشتاق إليه؟! كما أحبته الشجرة واشتاقت إليه؟! هل وصل بنا الأمر أن يكون غاية أملنا أن يصل حبنا كحب الشجرة وقليل منا من يبلغه، والله لا نملك أن نقول في مصيبتنا هذه إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها المسلمون هل يقبل عقلا أو شرعا أن يكون حبنا للنبي ﷺ أقل من حب الشجرة، وكان الأجدر والأولى هو العكس؛ لأننا الذين تنعمنا بخيره من كل وجه، حيث خرجنا به من الظلمات إلى النور؛ لأننا الذين استنقذنا الله به من النار ويدخلنا به الجنة إن شاء الله؛ لأننا الذين نطمع في شفاعته يوم الدين، ولأننا المقصودون أولا وآخرا ببعثته الميمونة ﷺ .
أيها المسلمون: بعد هذا البيان هل لنا أن نتصور حب الله له ﷺ ، وهو الذي اصطفاه على العالمين ورضي به خاتما لأنبيائه ومرسليه، وأمينا على أعظم كتبه وأكمل شرائعه، وكذا حب أصحابه وأزواجه له ﷺ .
وأختم بكلام جميل يؤكد ما ذكرته آنفا ويبين ما في نفسي من المعاني التى لم أستطع أن أعبر عنها، قال الإمام الشافعي- ﵀ فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعي» عن عمرو بن سواء عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى محمدا، فقلت:
أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك «١» .
فإن قال قائل: كيف يكون حنين جذع نخلة أعظم إعجازا من إحياء عيسى ﵇
стр. 114
الموتى، قلت: الأمر ظاهر من وجوه:
١- إحياء الموتى- في الدنيا- على يد نبي معجزة فعلا وهو أمر قد حدث وتكرر في الدنيا على مرأى ومسمع من الناس من قبل عيسى ﵇، قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ٥٦] وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣] أما بكاء جذع شجرة ثم تسكينها حتى سكونها هو أمر غير معهود ولم يحدث من قبل فيما نعلم.
٢- إحياء الموتى سنة من سنن الله في خلقه، فإن حدث في الدنيا فلا غرابة في ذلك، فالإحياء هو الإحياء سواء في الدنيا أو الآخرة، وهذا الذي بعث بعد موته على يد عيسى ﵇ كان في الأصل إنسانا يمشي ويتكلم ويعقل، وكل ما حدث أن الله رد له روحا خرجت منه، أما حنين الجذع فهو أمر مختلف، فلم يكن مجرد إحياء لموتى، حيث إنه استلزم أن يخلق في الجذع روحا جديدة- لم تكن موجودة أصلا- روحا أشبه ما تكون بروح الإنسان الذي له عقل يعي الذكر وأذن تسمعه وقلب يفرح برؤية وملامسة الحبيب ويحزن لفراقه، وما كان الجذع ليحزن ويئن إلا إذا توفر فيه ذلك على هيئة لا يعرفها إلا الله ﵎، وهذا قطعا يختلف تماما عن مجرد إحياء الموتى.
٣- إحياء عيسى ﵇ للموتى كان لإثبات نبوته، وأما حنين جذع النخلة وما بعث الله فيها من روح وغيره إنما كان لإثبات حبّ الشجر وحنينه للنبي ﷺ .
٦- يسمع ما لا يسمعه أحد:
عن زيد بن ثابت قال: بينما النّبيّ ﷺ في حائط لبني النّجّار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستّة أو خمسة أو أربعة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟» ، قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إنّ هذه الأمّة تبتلى في قبورها فلولا ألاتدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الّذي أسمع» «١» .
стр. 115
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «فلولا ألاتدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» فالصحابة ﵃ كانوا يمشون معه ﷺ وقد مروا على تلك القبور التي تعذب، ومع ذلك لم يسمعوا ما سمعه النبي ﷺ .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في النبي ﷺ :
١- عناية المولى به، إذ أسمعه ما لم يسمعه أحدا من الإنس والجن، وأظن أن الحكمة من ذلك أن يكون ﷺ أشد الناس خوفا من الله وأتقاهم له وأعلمهم به، وقد تحقق ذلك على أحسن ما يكون، فلله الحمد والمنة.
٢- رحمته ﷺ بالأمة وشفقته بها، وذلك أنه لم يسأل الله أن يسمع الأمة صوت عذاب القبر خوفا ألايدفن بعضهم بعضا.
٣- حكمته ﷺ ، إذ وازن بين المصلحة المترتبة على سماع الأمة صوت عذاب القبر والتي تتمثل في شدة خوفها من الله وتجنبها المعاصي، حسب طاقتها، والمفسدة المترتبة على السماع والمتمثلة في ترك الدفن، وهي بلا شك مفسدة عظيمة بل مفاسد بعضها أعظم من بعض، ويمكن الاحتجاج بهذا الحديث كأصل في القاعدة الشرعية الجليلة والتي تقول: إن درء المفاسد أولى من جلب المنافع.
٤- عدم علمه ﷺ الغيب- إلا ما أطلعه الله عليه- وتعليمه الأمة هذا الأمر، حيث قال ﷺ لأصحابه: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقد سأل عن أصحاب هذه القبور وزمن موتهم.
٥- قوته ﷺ في الحق ورباطة جأشه، حيث كان يدفن أصحابه ويباشر ذلك بنفسه مع علمه بما في القبر من بلاء وفتن ومحن بل قد سمع ذلك، أما غيره من الناس- بما فيهم الصحابة- فيخشى عليهم إذا سمعوا ما يحدث في القبر ألا يتدافنوا. لذلك ما كان هناك من ضرر من سماع النبي ﷺ لعذاب القبر.
٦- تواضعه ﷺ حيث كان يركب البغلة ولا يترفع عن ذلك.
الفائدة الثانية:
إثبات سماع الحيوانات وغيرها عذاب القبر، ودليله أن بغلة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 116
انحرفت به عن الطريق وكادت أن تلقي النبي ﷺ ، وما ذلك إلا لسماعها صوت عذاب القبر، كما أن فيه دليلا على أن تلك الحيوانات تتأثر بما تسمع بل تتجنب مثل هذه الأصوات، ولا أقول: إن الحيوانات فقط تسمع، بل ورد في الحديث الصحيح الذي (رواه البخاري) وغيره: «ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصبح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» «١» أي أن كل شيء يسمع ذلك إلا الإنس والجن، وبذلك يثبت السماع للجمادات والجبال والحيوانات في البر والبحر وكذا النباتات.
الفائدة الثالثة:
في عذاب القبر:
١- هو من الأمور الغيبية، حيث لم يسمعه ولم يره أحد من عموم هذه الأمة، ولكن أخبر به الصادق المصدوق ﷺ .
٢- وجوب الإيمان به؛ لقوله ﷺ : «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» والإيمان بعذاب القبر يدخل في عموم الإيمان بالغيب الذي زكى الله ﵎ صاحبه بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] .
٣- عذاب القبر أمر مادي حيث ثبت في الحديث أن له صوتا، وأخطأ من قال: إنه أمر معنوي.
٤- هو عذاب مستمر مع الكافر، فلا ينقطع عنه بعد السؤال كما لا ينقطع عنه بتحلل رفاته فيما نرى- لأن أصحاب هذه القبور التي سمع النبي ﷺ عذابهم قد مر على وفاتهم سنوات.
٥- حياة البرزخ لا تقاس على الحياة الدنيا بأي وجه من الوجوه، لذلك فلا مدخل للعقل في تصور كيفيتها، فلا يعلم ما فيها إلا بالنقل، وعلى العقل والقلب التسليم المطلق، فهذا صوت العذاب في هذه الحياة الغيبية يسمعه كل أحد إلا الثقلين، ويعذب فيها صاحب القبر عذابا أليما مع أنك إذا فتشت في قبره فلن تجد إلا بقايا رفات أو لن تجد شيئا أبدا إلا الأثر.
٦- عظيم عذاب القبر، يدلك على ذلك أن الناس إذا سمعوا صوته فقط هان عليهم أن يتركوا ذويهم وأصحابهم بدون دفن، على أن يدفنوهم، مسّهم ذلك العذاب أو لم يمسهم، بالرغم من المفاسد العظيمة المترتبة على عدم الدفن. ومما يدلل أيضا على عظيم عذاب القبر أن النبي ﷺ كان يتعوذ منه كثيرا خاصة بعد التشهد وقبل السلام من الصلاة ويعلم أصحابه ذلك، فعن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن أبي الزّبير عن طاوس عن ابن عبّاس أنّ
стр. 117
رسول الله ﷺ كان يعلّمهم هذا الدّعاء كما يعلّمهم السّورة من القرآن يقول: قولوا:
«اللهمّ إنّا نعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» قال مسلم بن الحجّاج: بلغني أنّ طاوسا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك. لأنّ طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة «١» .
وكأن طاوسا ﵀ كان يرى أن ذلك الدعاء واجب تبطل الصلاة بتركه.
الفائدة الرابعة:
الناس الذين وصلتهم دعوة نبي، قبل بعثة النبي ﷺ ، وماتوا على الشرك يعذبون في قبورهم، وهم من أهل النار؛ لأن هؤلاء الذين سمع النبي ﷺ عذابهم قد ماتوا في زمن الشرك.
٧- يرى ما لا يراه أحد:
عن ابن عبّاس قال وذلك في حديث الكسوف: قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثمّ رأيناك كففت؟ فقال: «إنّي رأيت الجنّة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا. ورأيت النّار فلم أر كاليوم منظرا قطّ ورأيت أكثر أهلها النّساء» ، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ» قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «بكفر العشير وبكفر الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ» «٢» .
وعن جابر قال: انكسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال النّاس: إنّما انكسفت لموت إبراهيم، فقام النّبيّ ﷺ فصلّى بالنّاس ستّ ركعات بأربع سجدات بدأ فكبّر ثمّ قرأ فأطال القراءة ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الثّانية، ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ثمّ انحدر بالسّجود فسجد سجدتين ثمّ قام فركع أيضا ثلاث ركعات ليس فيها ركعة إلّا الّتي قبلها أطول من الّتي بعدها وركوعه نحوا من سجوده ثمّ تأخّر وتأخّرت الصّفوف خلفه حتّى انتهينا وقال أبو بكر «٣» : حتّى انتهى إلى النّساء ثمّ تقدّم وتقدّم النّاس معه حتّى قام في مقامه فانصرف
стр. 118
حين انصرف وقد آضت الشّمس فقال: «يا أيّها النّاس إنّما الشّمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا ينكسفان لموت أحد من النّاس» - وقال أبو بكر: «لموت بشر- فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي، ما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنّار وذلكم حين رأيتموني تأخّرت مخافة أن يصيا بني من لفحها، وحتّى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في النّار كان يسرق الحاجّ بمحجنه فإن فطن له قال: إنّما تعلّق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتّى رأيت فيها صاحبة الهرّة الّتي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتّى ماتت جوعا، ثمّ جيء بالجنّة وذلكم حين رأيتموني تقدّمت حتّى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثمّ بدا لي ألاأفعل، فما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه» «١» .
الشاهد في الحديثين: أن النبي ﷺ قد رأى هو يصلي، الجنة شاخصة أمامه، ورأى النار، وأطلع على أهلها وهم يعذبون، والصحابة خلفه ينظرون إليه، فلا يرون جنة ولا نارا، بل يرون النبي ﷺ ، وهو يتناول شيئا، كما يرونه وهو يتكعكع. وهذا دليل على ما بوّبت به، أنه يرى ما لا يراه أحد، وقد أثبتّ هذين الحديثين للاستزدادة من الفوائد، وإن كان أحدهما يكفي في الاستشهاد.
بعض فوائد الحديثين:
الفائدة الأولى:
اجتهاد النبي ﷺ في العبادة، علمناه من تطويله جدّا، في جميع أركان صلاة الكسوف، بما في ذلك الركوع والسجود.
الفائدة الثانية:
جواز أن يطيل الإمام الصلاة جدّا، وأن النهي عن الإطالة ليس في كل الأحوال، إنما هو في حال خشية وجود من يتأذى من ذلك التطويل، كالضعيف والمريض وذي الحاجة، فقد كان النبي ﷺ يدخل الصلاة يريد التطويل، فيعرض له عارض فيتجوز فيها، روى البخاري عن أبي قتادة عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّي لأقوم في الصّلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه» «٢» .
الفائدة الثالثة:
الحركة الخفيفة في الصلاة لا تبطلها؛ لأن النبي ﷺ تناول عنقودا، وتكعكع، واستمر في صلاته، كما أن مسارقة النظر لا تبطلها أيضا، لقول الصحابة:
стр. 119
(رأيناك تناولت شيئا) ولكن يجب أن يدافع المسلم نفسه في الصلاة، فيلزم بصره موضع سجوده؛ لأن ذلك أدعى للخشوع في الصلاة.
الفائدة الرابعة:
في شمائل النبي ﷺ :
١- رؤيته الجنة والنار في الحياة الدنيا، وكانت رؤية واضحة لا التباس فيها، بدليل أنه ميّز في هذه الفترة الوجيزة، أن أكثر أهل النار النساء، كما رأى امرأة تخدشها هرة، وقال ﷺ كما ورد في مسلم: «وحتى رأيت صاحب المحجن، يجر قصبه في النار» ونجزم أنها ما كانت رؤية بالقلب، بل كانت رؤية بالعين، لقوله: «لقد جيء بالنار حيث رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيا بني من لفحها» ، ورؤية القلب ما يتضرر الإنسان منها، كما أنه لا يمد يده ليتناول ما يراه بقلبه. والحاصل أنها كانت رؤية يقظة واضحة بينة.
٢- ظهور خوفه ﷺ من الله تعالى، حيث قال: لما دنت منه النار: وأنا معهم، وفي رواية عند مسلم: «لقد جيء بالنار حيث رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيا بني من لفحها» ولولا خوفه من الله ، وأنه لا يأمن مكر الله، ما تكعكع من مكانه، وما أعلن للناس خوفه من عذاب الله ويتفرع على ذلك جهل من يقول: إني أعبد الله ليس طمعا في جنته ولا خوفا من عذابه: (فهذا النبي ﷺ يخاف فقط أن يصيبه لفح جهنم) وقد بينا سفه هذا القول فيما تقدم.
ومن علامات خوفه ﷺ أنه هرع إلى الله بالصلاة والدعاء، لما رأى الكسوف والخسوف، ويصلي فيطيل الصلاة حتى تنجلي الشمس.
٣- أدبه مع الله؛ لأن عنقود الجنة كان في متناول يده، وكان يود أن يأخذه ليراه الصحابة، فيزدادوا بالله ورسوله إيمانا ويقينا، ولكن لم يفعل، ورد في رواية مسلم: «وقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي ألاأفعل» وأظن أن عدم فعله قد يكون بسبب عدم الإذن له بقطف العنقود، وفي رواية عند البخاري: «قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها» «١» . وإن صح هذا الاستنباط فيكون فعله هذا هو منتهى الأدب مع الله سبحانه، وقد يكون عدم التناول لحكم أخرى.
٤- إطلاعه على كل ما وعدت به هذه الأمة إلى قيام الساعة، لما ورد عند مسلم «فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه» «٢» أي أن الرؤية لم تقتصر على الجنة والنار، ولا
стр. 120
يخفى على أحد ما تنطوي عليه هذه المعجزة من تكريم للنبي ﷺ وإظهار لفضله وسبقه على الأولين والآخرين.
٥- ظهور حرصه ﷺ على نصح الأمة، وتعبيدها لله وبيان ما وقعت فيه من خطأ حال وقوعه، وذلك أن الناس ظنوا أن كسوف الشمس حدث بسبب موت ابنه إبراهيم ﵇ فقام فيهم فقال: «يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس» .
الفائدة الخامسة:
بيان عظيم قدرة الله ، ويتمثل ذلك في رؤية النبي ﷺ الجنة والنار في مكانه، ورؤية كل ما توعد به الأمة إلى يوم القيامة، يرى ذلك ويعقله، ولا يراه أحد غيره، ممن يقف وراءه حتى دنت منه النار بلهيبها وحرها، كما أن قدرته، ، تتمثل أيضا في قصر الوقت الذي استغرقته تلك المعجزة العظيمة، خاصة أنه رأى كل ما وعدت به الأمة، يتفرع على ذلك، أن قدرة الله ، لا يعقلها عقل، ولا يحدها وصف، ولا يعجزها شيء، فعلى المسلم ألايقيس تلك الأخبار على قدرة الإنسان المحدودة، بل يسلم بكل ما ورد بالكتاب والسنة دون إدخال العقل، اللهم إلا في التفكر في عظيم قدرة الله .
الفائدة السادسة:
بيان أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، ولله الحكمة البالغة في ذلك، بل فيهما من يعذب وينعم، لما ورد في هذا الحديث من تعذيب صاحبة الهرة، أما التنعيم في الجنة، فقد روى البخاري: عن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإنّي سمعت دفّ نعليك بين يديّ في الجنّة؟» قال: ما عملت عملا أرجى عندي أنّي لم أتطهّر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلّا صلّيت بذلك الطّهور ما كتب لي أن أصلّي «١» .
أما كيف دخلت هذه المرأة النار قبل يوم القيامة، فهذا غيب، ليس عندنا علم به من كتاب أو سنة، فلا نخوض فيه.
الفائدة السابعة:
بطلان قول من يقول: إن الكسوف والخسوف ظواهر طبيعية، لا علاقة لها بأعمال العباد، وأنه لا ينبغي لنا أن نخاف من حدوثها أو كثرة تكرارها، فقد ورد في رواية عند البخاري: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله تعالى يخوف بها عباده» ، وفي رواية عنده أيضا: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى
стр. 121
الصلاة» ، وعنده: «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» . ومعرفة موعدها لا يخرجها عن كونها آية يخوّف الله بها عباده.
الفائدة الثامنة:
عظيم ما أعده الله لعباده المؤمنين في الجنة، وأن ما فيها يختلف تماما عما نعرفه في الدنيا، لقوله ﷺ عند البخاري: «فتناولت منه عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» فلو أن الناس كلهم جميعا من عهد الصحابة إلى قيام الساعة، أكلوا من هذا العنقود، كفاهم من الجوع ولم ينفد، أي أن نعيم الجنة وما فيها لا ينتهي، قال تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ٩٦] ، وهذا أيضا من دلائل عظيم قدرة الله .
الفائدة التاسعة:
عظيم ما أعده الله ، للكافر من عذاب أليم موجع، لقوله ﵊: «ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط» في رواية البخاري.
ونلحظ في النار أيضا عظيم قدرة الله من جهة أن أهلها يذوقون هذا العذاب فلا يموتون، بل إن أجسادهم تتضخم، لما روى البخاري عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع» «١» .
الفائدة العاشرة:
عدم الاستهانة بأي ذنب مهما صغر في عين العبد؛ لأن المرأة دخلت النار في قطة حبستها، كما لا نقلل من أي عمل صالح فقد دخل رجل الجنة في سقاية كلب ظمان، فعند البخاري، عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ : «أنّ رجلا رأى كلبا يأكل الثّرى من العطش فأخذ الرّجل خفّه فجعل يغرف له به حتّى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنّة» «٢» .
يتفرع على ذلك أن يكون المسلم دائما على حذر من أدنى الذنوب، فلعله يطيع ويكثر من الخيرات، ويقع في ذنب صغير يأخذه الله به، أو يختم له به فيكون من المعذبين في النار، كما أن عليه ألا يترك عملا صالحا إلا ويفعله ويحرص عليه قدر استطاعته، فلعله يختم له به فيكون من أصحاب الجنة، أو يقع هذا العمل الصالح موقع رضى من الله فيغفر له به ذنوبا عظيمة، ويتبين من ذلك أن من يقترف السيئات دون مبالاة ودون توبة في خطر عظيم.
الفائدة الحادية عشرة:
وفيها أن المرأة دخلت النار لأنها حبست الهرة ولم تطعمها، أي أنها لو أطعمتها مع حبسها لم يتوجه إليها اللوم.
стр. 122
الفائدة الثانية عشرة:
في قوله: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط» ، وانظر إلى مقابلة إحسان الدهر، بقولها: «ما رأيت منك خيرا قط» .
وإذا كان هذا الوعيد للزوجة التي تجحد فضل زوجها، وهو بشر مثلها، ولم يكن هذا المعروف من محض فضله، كما أنها ولا شك أسدت إليه في مقابل هذا المعروف معروفا، ولو قليلا، فما بالكم بالذي يجحد فضل الله عليه، وفضله هو أصل كل فضل، يصل إلى العبد قديما وحديثا، فضله الذي لا ينقطع، بل هو مع الإنسان من يوم أن كان نطفة في رحم أمه، إلى أن تفيض روحه إلى بارئها، بل إن فضله عليه من قبل ذلك وبعده، وهو فضل لا يقابله فضل من العبد. أظن أن من يجحد فضل الله عليه أن عذابه سيكون أشد وأشد، مقارنة بعذاب من جحدت فضل زوجها فحذار أن يجحد المسلم فضل ربه، وألا يقرّ به آناء الليل وآناء النهار، وألا يقابله بالشكر والعمل الصالح، حتى وإن تعرض لبعض المحن والابتلاآت، والمجال لا يتسع أن نذكر طرفا من أفضال الله المتتابعة وآلائه المتوالية ورحماته المتعاقبة استدلالا على ما ذكر، ولكن يكفي أن نتذكر قوله تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] .
الفائدة الثالثة عشرة:
قوله: «ورأيت أكثر أهلها النساء» ولم يقل: (ورأيت النساء أهلها) ، وهذا هو المشاهد لأن بعض النساء مهما رأين من أزواجهن لا يجحدون فضلهم ومعروفهم.
الفائدة الرابعة عشرة:
وهي في كيفية شد انتباه السامعين: حيث قال ﷺ لما سئل عن سبب أن أكثر أهل النار من النساء «يكفرن» وسكت ولم يبين أي أنواع الكفر يقصد، حتى يسترعي انتباه الجميع، ويجعلهم يخافون من كلمة (يكفرن) حتى ظنوا أنهن يكفرن بالله، فيأتي بعد ذلك البيان من الرسول ﷺ بالمقصود من قوله «يكفرن» على قلوب وعقول قد سألت عن المقصود، وقد شدّ انتباهها.
الفائدة الخامسة عشرة:
ما كان عليه الصحابة من فقه وأدب، أما الفقه، فقد علموا أن هناك سببا ظاهرا لكون أكثر أهل النار من النساء، فقالوا: (بم يا رسول الله) ، وأما أدبهم فيتضح من صيغة السؤال عن علة الحكم، فلم يكن سؤال المتشكك أو المعترض أو الطاعن في حكمة الله، بل كان سؤال من يريد التعلم فقالوا: «بم يا رسول الله» ، فالذي يقر أنه رسول الله، ويناديه بصفته في السؤال، يوحي بإيمانه بالحكم وتسليمه له، وعدم اعتراضه، وأنه يريد معرفة العلة، حتى لا يقع فيها.
стр. 123
يتفرع على ذلك وجوب أن يتأدب المسلم عند السؤال عن علة أي حكم من أحكام الدين، ويظهر من كلامه أن يسلم بحكمة الله البالغة في كل أمر ونهي، وأنه يسأل سؤال المتعلم لا المتشكك، وأن الأمر عنده لا يختلف كثيرا إذا علم أو جهل حكمة الحكم؛ لأن عنده مطلق الإيمان بالله ورسوله.
ومن أمثلة رؤية النبي ﷺ ما لا يراه أحد، ما رواه الشيخان بإسناديهما عن أسامة ﵁ قال: أشرف النّبيّ ﷺ على أطم من آطام المدينة فقال: «هل ترون ما أرى؟ إنّي لأرى؟ مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» «١» .
قال الإمام ابن حجر- ﵀ (أشرف) أي نظر من مكان مرتفع، قوله: (مواقع) أي مواضع السقوط (خلال) أي نواحيها.
قد شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم.
وهذا من علامات النبوة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان ﵁ وهلم جرا ولا سيما يوم الحرة، والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم أو رؤية العين، بأن تكون الفتن مثّلت له حتى رآها، كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي «٢» .
وقال- ﵀ في موضع آخر: (والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا) «٣» .
وأقول: هذا هو الصحيح- إن شاء الله- لسؤال النبي ﷺ أصحابه: «هل ترون ما أرى؟» والأقرب أن يكون هذا الاستفهام من النبي ﷺ لشيء يراه ويبصره بالعين لا لشيء يعلمه، كما أنه لا حاجة لتأويل الرؤية بالعلم حيث إن النقل أثبتها والعقل لا ينفيها، والقول بظاهر النص هو الأسلم.
٨- رؤيته ﷺ غيره من وراء ظهره:
روي البخاري بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هل ترون قبلتي ها هنا؟
فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إنّي لأراكم من وراء ظهري» «٤» .
стр. 124
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «إني لأراكم من وراء ظهري» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كثرة المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ ، وهذه واحدة من أجل تلك المعجزات، وهي أنه ﷺ يرى من وراء ظهره. وإليك بعض حكم هذه الرؤية:
١- إظهار الله للناس فضله وتأييده لنبيه ﷺ ، وإظهار مكانته على الأولين والآخرين، وذلك بخرق العادات الكثيرة له، ومنها أنه يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، وأقول: إن الرؤية من الأمام والخلف تستوي في حقه ﷺ ؛ لأن الحديث بدأ بقوله:
«هل ترون قبلتي هنا» وهو سؤال يستنكر فيه النبي ﷺ على من يظن أنه يرى الذي أمامه فقط، واختتم حديثه بقوله: «إني لأراكم من وراء ظهري» ، وهذا الإظهار لفضل الله، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، إيمانا بقدرة الله على خرق العادات والنواميس، وأن هذه العادات والنواميس إنما هي ملزمة للناس فقط، ولا يمكن عقلا أن تكون ملزمة للذي خلقها، كما يزداد الذين آمنوا إيمانا بنبوة المصطفى ﷺ وهذه الحكمة هي حكمة مشتركة في جميع المعجزات.
٢- تطمين الله لنبيه ﷺ أن الله ناصره ومؤيده بمعجزة ملازمة له، يراها ويشعر بها صباحا ومساء.
٣- إطلاع النبي ﷺ على ما يحدث خلفه، كإطلاعه على خشوع أصحابه، ﵃، في الصلاة، وكذا جميع حركاتهم وسكناتهم، فقد يحتاج الأمر إلى تصويبها وتعديلها، وتنبه أخي القارئ إلى أن رؤيته ﷺ توسع دائرة تكليفه من حيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو لا يكلف بالذي يراه أمامه فحسب، بل بما يراه من خلفه أيضا.
كما أن رؤيته ﷺ من وراء ظهره، تضمن له ألا يغتال غيلة، كما يزيده شجاعة وإقداما، على عدوه في الحروب، وهو ما كان يحدث بالفعل.
الفائدة الثانية:
في كيفية تلك الرؤية، فقد ذكر ابن حجر، ﵀، في الفتح عدة أقوال عن غيره من العلماء، وقد أبطلها جميعا بدون محاجة أصحابها، ولذلك أحب أن أسردها هنا وأذكر حجتي في إبطالها فأقول وبالله التوفيق:
١- الرأي الأول: انطباع الصورة في حائط الجدار الذي أمامه ﷺ ، وهذا مردود عليه، بأنه لن يرى طالما ليس أمامه جدار، والحديث لم يقيد الرؤية بالجدار أو غيره، بل لم
стр. 125
يقيد الرؤية بالصلاة أصلا.
٢- الرأي الثاني: أنها رؤية لمن عن يمينه وشماله، ممن تدركه عينه من التفات يسير في النادر، وهذا القول يتعارض مع ظاهر الحديث؛ لأن الرؤية الناشئة عن التفاتة يسيرة عن اليمين أو الشمال، ليس فيها بالتأكيد رؤية من يقف في الخلف تماما، وليس فيها أيضا إلا رؤية أجزاء من الصف الأول، أما رؤية ما يلي الصف الأول، فهي مفقودة قطعا، وهذا تقييد بلا دليل ولا مسوغ؛ وذلك لعموم الرؤية التي وردت في الحديث، كما هو مناقض لرواية مسلم وفيها: «فو الله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم» فالذي يرى من خلفه بالتفاتة يسيرة لن يرى قطعا الساجدين خلفه في أثناء سجوده هو.
٣- الرأي الثالث: يقول: إن المراد بالرؤية هنا العلم، إما بوحي أو إلهام. وهذا أيضا فيه منافاة لظاهر الحديث؛ لأن النبي ﷺ بين أن عدم خفاء الركوع والسجود إنما هو ناتج عن الرؤية، وقد قيد هذه الرؤية أنها من وراء ظهره، والإلهام والوحي إنما ينزل على القلب وليس من وراء الظهر، والغريب أن النبي ﷺ قد أكد أن الرؤية إنما هي من وراء ظهره بمؤكدين، هما «إنّ» في قوله «إني» ، واللام الموطئة للقسم في قوله: «لأراكم» ، كأنه ﷺ يرد على من يتأول الرؤية.
كما أن الرؤية لا تنزل منزلة الوحي، حتى تطلق إحداهما على الآخرى، فالوحي- بلا شك- أعظم من مجرد الرؤية، سواء في الإعلام بمنزلة النبي ﷺ ، أو من جهة تعظيم الصحابة ﵃ لها، فالحاصل أنها لو كانت وحيا لكان ذكرها أولى ووقعها أعظم.
وبعد تفنيد هذه الأقوال، نجزم قطعا، أن النبي ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، سواء بسواء.
الفائدة الثالثة:
في عضو الرؤية، أي هل كان النبي ﷺ يرى بعين محسوسة من وراء ظهره.
أقول: إن البحث في هذا الأمر من التكلف؛ لأنه من الغيب، الذي ليس فيه نص من كتاب ولا سنة، ولو كنا متعبدين أن نعرف عضو الإبصار، لبينته لنا السنة، غاية البيان كما بينت لنا الرؤية، ولكني هنا أرد على من قال: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما، وعلى من قال: كانت له عينان بين كتفيه. وقد ذكر هذين القولين ابن حجر، ولم
стр. 126
يعلق عليهما، وأنا أستبعد أن يكون هذا الكلام صحيحا، للأسباب التالية:
١- ورد في الصحيحين من حديث عائشة، ﵂، قول الرسول ﷺ «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» «١» ، ولو كان للنبي ﷺ ، أكثر من عينين، لقال (إن أعيني تنام) وكيف لا يذكر ذلك، والكلام في سياق إظهار فضل الله عليه ﷺ ، كما أن الكلام سيكون مخالفا للواقع.
٢- لو كانت له ﷺ عينان وراء ظهره، لو صفهما الصحابة ﵃ ولنقل لنا وصفهما، فإنهم لم يتركوا شيئا يتعلق به ﷺ إلا وصفوه، فكيف يصل إلينا وصف عرقه وشعره، ولا يصل إلينا وصف ما هو أعظم من ذلك، عينان هما له معجزتان ظاهرتان، ألم يصفوا لنا خاتم النبوة، وكان وراء ظهره، ﷺ ؟!
ولو كانت له عينان محسوستان، ما احتاج النبي ﷺ لإخبار الصحابة ﵃ بهما بل وتوكيد الخبر- كما بينت- بمؤكدين لتتيقن قلوبهم.
٣- لو كان عضو الإبصار هما عينان في ظهره أو بين كتفيه ﷺ لتعذر عليه رؤية أصحابه أثناء سجوده وركوعه؛ لأن الظهر يكون في هذه الحالة متوجها إلى السماء، ولا يقابل من خلفه، بل ما استطاع ﷺ أن يرى جميع من يصلي خلفه.
ولذلك نقطع أن النبي ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، رؤية عين حق، ونفوض تلك الكيفية لعلم الله، ، فقد يكون الأمر أعظم من مجرد عينين من حيث قوة الإدراك وتمام الإحاطة، فمن حيث قوة الإدراك فهي ترى كل من يصلي بالخلف ولو كثروا، ومن حيث تمام الإحاطة، فهي عين لا يشترط فيها مقابلة المرأي.
ولا يسعنا إلا أن نقول: سبحان الذي أبدع كل شيء خلقه وأحكم كل شيء شرعه.
الفائدة الرابعة:
إجلال وإكبار الصحابة، ﵃، للنبي ﷺ وذلك لزيادة خشوعهم وسكونهم في الصلاة، لعلمهم أن خشوعهم لا يخفى على النبي ﷺ ولولا ذلك ما كان هناك داع أن يعلمهم النبيّ ﷺ بأن خشوعهم وركوعهم لا يخفى عليه، بل يقسم لهم بالله على ذلك.
ولا يقال: إن في هذا منافاة للإخلاص ومراقبة الله ، فأحدنا قد يصلي بجوار أحد الأئمة الذين يجلهم فيشعر في نفسه بزيادة الخشوع والرهبة في الصلاة مما لو كان
стр. 127
يصلي بجوار صاحبه، وتحدث هذه الخشية والرهبة ولو كان هذا الإمام أعمى لا يبصر، وهذا- والله- مشاهد، عاينته بنفسي.
الفائدة الخامسة:
مع أن الخشوع محله القلب، إلا أن أثره يظهر على الجوارح؛ لأن النبي ﷺ لما قال: «لا يخفى عليّ خشوعكم» ، ما كان قطعا يقصد اطّلاعه على خشوع القلب بل على أثره الذي يظهر على الجوارح.
يتفرع عليه، أن على المصلي أن يحافظ على سكون جوارحه؛ لأن ذلك يساعده على خشوع قلبه. وأما من يدعي خشوع قلبه، وجوارحه لا تسكن أثناء صلاته، فادعاؤه ادعاء كاذب وهو يدل أيضا على عدم تعظيمه للرب، ﵎.
الفائدة السادسة:
لا يؤثر على خشوع النبي ﷺ رؤيته ومراقبته للصحابة في ركوعهم وسجودهم أثناء صلاته، وأعتقد أن هذه مزية خاصة للنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد.
٩- تسليم الحجر عليه ﷺ :
عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إنّي لأعرفه الآن» «١» .
هذا بلا شك معجزة ظاهرة للنبي ﷺ أن يسلّم عليه الحجر، خاصة أن هذا السلام كان قبل البعثة، وحكمة ذلك- والله أعلم- هي تهيئة النبي ﷺ للنبوة وأن تكون تلك الأمور بمثابة إرهاصات النبوة، وأن يوطن النبي ﷺ نفسه على أن الله قد خلقه لأمر عظيم وأنه ليس كبقية البشر، وقد بينت ذلك عند الحديث عن الرؤية الصالحة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عناية الله بنبيه ﷺ ليس بعد البعثة فحسب، ولكن قبل البعثة أيضا، وتدبر أخي القارئ أن سلام الحجر على النبي ﷺ لم يكن مرة واحدة، ولكن يبدو أنه تكرر كثيرا لقوله ﷺ : «كان يسلم علي» .
الفائدة الثانية:
إرادة الله إظهار قدرته لنبيه ﷺ خاصة، ولجميع خلقه عامة، إذ جعل حجرا يسلم على نبيه ﷺ ، فقد جعل الله لهذا الحجر تمييزا خاصّا يتعرف به على شخص النبي ﷺ ، وجعل له صوتا مسموعا لإلقاء السلام يفهمه البشر، وأعتقد أن
стр. 128
الاختيار الإلهي لحجر يسلم على النبي ﷺ كان لهذه الحكمة البالغة، وهي أن يعلم النبيّ ﷺ قبل البعثة- بقدرة الله التي لا يمكن أن يتصورها البشر، ويوقن النبي ﷺ أن الله على كل شيء قدير.
قال الإمام النووي- ﵀ في شرح الحديث ما نصه: (وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤] . وقوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤] وفي تفسير هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقة ويجعل الله تعالى فيه تمييزا بحسبه، ومنه الحجر الذي فرّ بثوب موسى ﷺ ، وكلام الذراع المسمومة، ومشي إحدى الشجرتين إلى الآخرى حين دعاهما النبي ﷺ وأشباه ذلك) . انتهى كلامه- ﵀ «١» .
وإن تعجب أخي القارئ من حجر يسلم على النبي ﷺ فالعجب أن جذع شجرة يئن كالطفل الرضيع من فراق النبي ﷺ كما بينت في باب- حنين جذع الشجرة.
١٠- رؤيته جبريل على هيئته:
عن مسروق قال: كنت متّكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هنّ قالت: من زعم أنّ محمّدا ﷺ رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية قال: وكنت متّكئا فجلست فقلت: يا أمّ المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إنّما هو جبريل لم أره على صورته الّتي خلق عليها غير هاتين المرّتين رأيته منهبطا من السّماء سادّا عظم خلقه ما بين السّماء إلى الأرض» . فقالت: أو لم تسمع أنّ الله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] أو لم تسمع أنّ الله يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] «٢» .
стр. 129
الشاهد في الحديث:
هو قول النبي ﷺ : «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
هناك اختلاف كبير بين سلف هذه الأمة في ثبوت رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإسراء، فعائشة ﵂ تنفي ثبوت الرؤية، بينما يثبتها حبر الأمة، ابن عباس، ﵄، على اختلاف عند العلماء بقصده بالرؤية، هل هي رؤية عين، أم رؤية قلب، ولست ممن يستطيع الخوض في هذا الأمر ولكن أقول ردّا على من شكك في حجة عائشة ﵂ في نفي الرؤية:
١- سؤال عائشة ﵂ النبيّ عن هاتين الآيتين: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] إنما كان القصد منه التثبت من رؤية النبي لمولاه؛ لأن ظاهر الآيتين يوحي بذلك، كما فهمها مسروق راوي الحديث، وكان رد النبي، أن المرئي، هو جبريل ﵇، ولو كان النبي رأى ربه، لأخبر عائشة بعد أن أعلمها بالمقصود من الآيتين؛ لأنه من المؤكد أن النبي ﷺ كان يعلم مقصود عائشة من السؤال، وهناك اتفاق على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ ، ولماذا يخفي النبي ﷺ مثل ذلك الأمر العظيم على أقرب الناس إليه، بل أحبهم إلى قلبه، وحديث الباب كان بعد وفاة النبي، فهل يعقل ألا يحدثها بذلك طوال حياته، وهي أول من سأل النبي ﷺ عن الرؤية.
٢- حجة عائشة، ﵂، في عدم الرؤية، لم تأخذه من قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] وإنما كان من إجابة النبي ﷺ عن سؤالها، وأظن أنها أتت بهذه الآية للاستئناس فقط، أو أنها حملت الإدراك هنا على معنى الرؤية لاعتقادها الجازم باستحالة الرؤية في الدنيا، لتأكدها أنها لم تقع لخير البشر، وهذا ما جعلها تشتد على من يقول بها، أما استدلالها، ﵂، بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ [الشورى: ٥١] فهو استدلال في محله، ويقوي ما نعتقده.
٣- يقوي ما ذهبت إليه عائشة ﵂ ما رواه مسلم عن أبي ذرّ قال سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربّك؟ قال: «نور أنّى أراه» «١» .
стр. 130
ولا نستبعد رؤية النبي ربه في الدنيا، والله ، قادر على أن يخلق فيه ما يجعله قادرا على تحمّل هذه الرؤية، ولكن نحتاج إلى دليل صحيح صريح، يثبت الرؤية ويقوى على معارضة حديث الباب الصحيح الصريح.
الفائدة الثانية:
رؤية الله في الآخرة، ثابتة في الكتاب والسنة، ولا ينكرها إلا مبتدع، أما في الكتاب، ففي قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] فنفي الأعلى يدل على إثبات الأدنى، فالآية بنفيها إدراك الله ، فقد أثبتت الرؤية؛ لأنها دون الإدراك، ولو أن الرؤية محالة في الآخرة، لنفاها الله ، ودخل الإدراك في النفي من باب أولى لأنه أعظم من الرؤية.
ومن أدلة القرآن أيضا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] ، وقوله تعالى موبخا الكافرين: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] ، ولو حجب المؤمنون أيضا عن رؤية ربهم، لاشتراك المؤمنون والكافرون في هذا التوبيخ.
ومن أدلة السنة، ما رواه البخاري عن جرير بن عبد الله قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ فنظر إلى القمر ليلة- يعني البدر- فقال: «إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته؛ فإن استطعتم ألاتغلبوا على صلاة قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها فافعلوا ثمّ قرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩] » «١» .
الفائدة الثالثة:
تعظيم عائشة ﵂ لحرمات الله؛ لأنها لما سمعت ما تعتقد أنه ينافي تنزيه الرب ﵎، قالت في رواية في الصحيح: (لقد قفّ شعري) ، وقالت في الرواية التي معنا (لقد أعظم على الله الفرية) ، أي أنها اتهمته بأعظم القبائح وما ذلك إلا لتعظيمها ربّها.
الفائدة الرابعة:
حرص عائشة ﵂، على تعلم العلم والسؤال عما يستشكل عليها، وأنها تسبق الأمة في السؤال، لقولها: (أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، كما أن من فقهها أيضا استدلالها على عدم الرؤية بقول الله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] ، فرأت أن الآية عامة في كل أحد، فلا يمكن إثبات الرؤية في الدنيا
стр. 131
إلا بدليل من كتاب أو سنة، فلما انعدم الدليل عندها انعدمت الرؤية.
الفائدة الخامسة:
عظم خلق الملائكة، خاصة جبريل ﵇، وذلك من قوله:
«سادّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض» ، ويتفرع على ذلك أن نعلم عظيم قدرة الله على الخلق والإيجاد، وإذا كنا لا نستطيع أن نتصور قدرته في خلق جبريل على هذا القدر من العظم، فكيف لنا أن نتصور ذاته أو حتى نتفكر فيها. فسبحان الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
الفائدة السادسة:
رؤية النبي لجبريل على هيئته التي خلقه الله بها، من صور إكرام الله لنبي هذه الأمة؛ لأن الآيات ذكرت هذه الرؤية في معرض الحديث عما تفضل الله به على نبيه، ومن ثمّ فقد أتيت بها ضمن شمائله ﷺ .
١١- أعطي مفاتح خزائن الأرض:
عن عقبة بن عامر أنّ النّبيّ ﷺ خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت ثمّ انصرف إلى المنبر فقال: «إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض- أو مفاتيح الأرض- وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض» .
قال الإمام النووي- ﵀ وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتد جملة، وقد عصمها الله من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا، وقد وقع كل ذلك. انتهى «٢» .
وأقول: في الحديث بشرى عظيمة لأمة الإسلام، وهي أنها ستفتح كل أقطار المعمورة، بلا استثناء، وأعتقد أن ذلك بتمامه لم يقع بعد، فهناك بعض الأقطار لم يفتحها المسلمون.
كما أن في الحديث دلالة على منزلة النبي ﷺ عند ربه من وجوه وهي:
١- إعطاؤه مفاتيح خزائن الأرض في حياته ﷺ ، مع أن هذه الفتوحات وهذا التمكين
стр. 132
لم يحدث إلا بعد وفاته ﷺ ، إعلاما له ولأمته ﷺ أن هذا التكريم والفتح العظيم هو إكرام له في الحقيقة.
٢- رؤيته ﷺ الحوض، وهو على منبره، قال الإمام ابن حجر- ﵀ في قوله ﷺ : «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» : هو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة «١» .
٣- حفظ الله لنبيه ﷺ أمته من الشرك بعده، وهي بشرى عظيمة له ﷺ في حياته بأنه دينه سيبقى إلى يوم القيامة.
وغير ذلك من قبول الله لشهادته ﷺ في كل أمته من رآه ومن لم يره. مع إذن الله له أن يسبق أمته إلى الحوض ليكون كالمستقبل لهم والمرحّب بهم، إكراما لعموم هذه الأمة.
١٢- إمامة الأنبياء:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قطّ، قال:
فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلّي فإذا رجل ضرب جعد كأنّه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلّي أقرب النّاس به شبها عروة بن مسعود الثّقفيّ، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلّي أشبه النّاس به صاحبكم- يعني نفسه- فحانت الصّلاة فأممتهم، فلمّا فرغت من الصّلاة قال قائل: يا محمّد هذا مالك صاحب النّار فسلّم عليه فالتفتّ إليه فبدأني بالسّلام» «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «فحانت الصلاة فأممتهم» .
وهذه الواقعة قد حدثت في ليلة الإسراء والمعراج حيث إنها وردت في سياق حديث النبي ﷺ عن سؤال المشركين له عن أوصاف بيت المقدس، كما ورد في حديث الباب، ولا يهمني هنا أن أسرد كلام العلماء عن توقيت هذه الواقعة في تلك الليلة المباركة، أي: هل حدثت الصلاة بالأنبياء جماعة بعد عروج النبي ﷺ إلى السماء أم قبل العروج، ولكن الذي
стр. 133
يهمني هو أن يعلم كل مسلم أن نبيه ﷺ قد صلى بالأنبياء إماما، وفيهم من فيهم من أولي العزم من الرسل، حيث ورد في الحديث أن فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، ومعلوم أنّ من السنة أن يؤم القوم أعلمهم، فهو دليل قطعي على أن النبي ﷺ هو أفضل الرسل جميعا، وقد بينت ذلك في مواضع مختلفة من هذا الكتاب فلله الحمد والمنة على ما تفضل به على نبينا ﷺ .
وإذا كانت كل أمة من الأمم السابقة قد ادعت كذبا وزورا انتسابها إلى الخليل إبراهيم ﷺ ، لشرفه وإمامته، فحقيق بأمة الإسلام أن تفتخر وتتباهى وترفع عقيرتها بين سائر الأمم أنها تنتسب صدقا إلى أمة خاتم النبيين ﷺ الذي صلى الخليل وراءه مأموما، شريطة أن يكون هذا الانتساب بالقول والعمل لا بالقول وحده.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
حياة البرزخ وأحوالها تختلف تماما عن الحياة الدنيا وأحوالها، فلا تقاس حياة البرزخ على حياة الدنيا، ولذلك لا مجال لإيراد إشكالات قد تدور في أذهان بعض المسلمين مثل: كيف رأى النبيّ ﷺ موسى يصلي في قبره ثم رآه في السماء الخامسة ثم صلى به إماما ببيت المقدس.
وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة.
الفائدة الثانية:
للأنبياء- ﵈ حياة خاصة بعد انتقالهم من الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الصالحة تتواصل ولا تنقطع بانقطاعهم عن الحياة الدنيا وهذا من فضل الله عليهم وتميزهم عن سائر الخلق.
ويتفرع على ذلك أن الأنبياء لا يدخلون في عموم قوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة» «١» ، وأن أعمالهم الصالحة لا تقتصر على أعمالهم في حياتهم الدنيا.
الفائدة الثالثة:
في الحديث فضيلة ظاهرة لإبراهيم ﷺ ، وهى أن أشبه الناس به نبينا محمد ﷺ ، وبالمناسبة أقول: إن للخليل ﷺ فضيلة أخرى عظيمة، وهى أن الله ، ما أمر نبيه محمدا ﷺ باتباع ملة نبي بعينه إلا إبراهيم الخليل حيث قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] .
стр. 134
فإن قيل: ولماذا لا يكون العكس هو الصحيح؟ بمعنى: أن الشبه في الخلقة والأمر بالاتباع في الملة هما فضيلتان لنبينا محمد ﷺ ، قلت: لا، لأن نبينا ﷺ أفضل من الخليل ﷺ إجماعا، فتكون الفضيلة للمفضول إذا كان الفاضل يشبهه أو أمر باتباعه.
الفائدة الثالثة:
إرادة الله الشرعية والكونية في إظهار فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث أمر النبي ﷺ أن يصلي بهم إماما، وفي ذلك غاية التشريف والتكريم له ﷺ ، كما تتضمن هذه الإرادة الإلهية إعلام الأنبياء أن محمدا ﷺ هو إمامهم وأتقاهم وأعلمهم بالله ﵎.
ويتفرع على ذلك أن الأنبياء لو قدر لهم أن يجتمعوا في عصر واحد ما وسعهم إلا أن يتبعوا النبي محمدا ﷺ ، حيث رضى الله وقدر أن يكون ﷺ هو إمامهم في أعظم وأجل العبادات وهى الصلاة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] .
وأكتفي بنقل ما ذكره الشيخ السعدي- ﵀ في تفسير الآية، حيث قال ما نصه: (فكل الأنبياء لو أدركوا محمدا ﷺ لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم ﷺ . انتهى.
وأقول: لا استبعد أن يكون رضى الأنبياء بالصلاة مأمومين خلف النبي ﷺ وتسليمهم بأحقيته ﷺ في الإمامة يدخل ضمن الميثاق الذي أخذه الله ﵎ عليهم.
وأود أن أبين ما عناه الشيخ السعدي- ﵀ بقوله: (فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته..) فالشاهد في الآية أن كل نبي من لدن آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام قد أخذ الله عليهم العهد بنصرة واتباع نبينا ﷺ ، إلا هو ﷺ فلم يؤخذ عليه مثل هذا العهد، فلم يؤمر باتباع أو نصرة أي نبي حيث إنه ﷺ خاتمهم.
الفائدة الرابعة:
قال القاضي عياض- ﵀ في صلاة إبراهيم ﵇:
(وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهي من أعمال الآخرة) «١» . انتهى، ولكني أرجح- والله تعالى أعلم- أنها صلاة حقيقية وذلك لقوله ﷺ : «وإذا إبراهيم قائم يصلي»
стр. 135
فالقيام هو ألصق صفة بالصلاة المعروفة لقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] عكس الدعاء والذكر لا يشتهر عنهما تلك الصفة، ثم إن لفظ الحديث يجب ألا يصرف عن معناه الشرعي إلى المعنى اللغوي إلا بدليل أو مسوغ، وحيث فقد الدليل أو المسوغ في الحديث وجب الأخذ بالمدلول الشرعي للفظ.
الفائدة الخامسة:
بيان أن شريعة النبي ﷺ ناسخة لكل شرائع الأنبياء من قبله، حيث إنه ﷺ صلى بهم قطعا بالصلاة التي علمه الله إياها وفرضها عليه، فدل ذلك أن شريعة الإسلام قد هيمنت على كل الشرائع السابقة، وقد تكون من حكمة صلاة النبي ﷺ بالأنبياء بيان هذا النسخ وإعلامه للخلق، وقد تكون من ضمن حكم هذه الصلاة تعليم النبي ﷺ الأنبياء الصلاة التي فرضها الله عليه، ليتقربوا بها إلى الله، والدليل أن هذه الصلاة هي الصلاة المفروضة علينا- في أول البعثة- قوله ﷺ : «فحانت الصلاة» أي أنها صلاة لها وقت محدد، ولا نعلم في الشرع صلاة لها وقت محدد إلا الصلاة المفروضة.
الفائدة السادسة:
بيان أن مالك- ﵇ هو خازن النار، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] ، وفيه فضيلة السلام وأن المفضول هو الذي يبدأ الفاضل بالسلام وأن للملائكة أسماء يسمون بها، أطلعنا الله على بعضها، ولكن لا نجزم أن لكل واحد منهم اسما لعدم ورود دليل على ذلك.
١٣- قتال الملائكة معه ﷺ :
قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .
عن سعد قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل ﵉ «١» . رواه مسلم، وفي رواية «يقاتلان عنه أشد القتال» .
وعند البخاري: عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشدّ القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد «٢» .
стр. 136
قال الإمام النووي- ﵀.: (فيه بيان كرامة النبي ﷺ على الله تعالى وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه وبيان أن الملائكة تقاتل، وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر. وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه، وفيه فضيلة الثياب البيض وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء بل يراهم الصحابة والأولياء وفيه منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة) .
انتهى «١» .
وإن كان لي أن أضيف شيئا إلى كلام الإمام النووي- ﵀ فأود أن ألقي الضوء على مظاهر تشريف الله لنبيه والتي تظهر جليلة في:
١- قتال جبريل وميكائيل- ﵉ عن يمين وشمال النبي ﷺ ، أبلغ دليل على مدى اعتناء المولى بنبيه ﷺ ، كما أنه دليل على أن الملكين- ﵉ نزلا خصيصا لحمايته والدفاع عنه، وإلا لقاتلا في أي من صفوف الجيش، ودليله قول الراوي (ومعه رجلان يقاتلان عنه) .
٢- كان يمكن أن يعمي الله أعين الكفار عن النبي ﷺ في المعركة، فلا يحتاج لمن يقاتل دونه، ولكن الله أراد أن يؤيد النبي ﷺ بمعجزة حسية يثبّت بها فؤاده ويعلم بها رعاية الملأ الأعلى له، ويراها الصحابة عيانا فيعرفوا قدر نبيهم ﷺ عند ربهم ويزدادوا بها إيمانا مع إيمانهم ويتحقق نفس الشيء بالنسبة لنا. فالحمد على ما أنعم به وتفضل.
٣- لم تكن غزوة أحد هي الغزوة الوحيدة التي قاتلت فيها الملائكة مع النبي ﷺ ، ولكنها قاتلت من قبل في غزوة بدر الكبرى، ونزل بذلك قرآن يتلى، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .
وأود أن أبين بعض اللفتات الجميلة في تلك الآية الكريمة ليتبين للقارئ مدى اعتناء المولى بالنبي ﷺ وأمته.
اللفتة الأولى:
بدأ الله الآية بإثبات معية الله الخاصة للملائكة المأمورين بالقتال في الغزوة، قال تعالى: أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال: ١٢] وإعلام الله الملائكة بهذه المعية الخاصة قبل أمرهم بالقتال، إما لحثهم على القتال أبلغ الحث أو طمئنتهم أن الله ناصرهم، وأن هذه
стр. 137
الغزوة هي لله وبأمر الله وهي تجري على أعين الله، وأن الله يريد أن ينصر فيها محمدا ﷺ وصحبه، وقد يكون نزول الملائكة لأسباب وحكم أخرى يعلمها هو .
اللفتة الثانية:
بينت الآية أن قتال الملائكة في الغزوة كان بأمر من الله ، لقوله تعالى: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢] بل الغريب في الآية أن يوضح المولى للملائكة المواضع التي تضرب من هامات المشركين، فلا يترك للملائكة الاجتهاد في ذلك، وهذا من أظهر مواطن اعتناء المولى بتلك الغزوة. وحدوث البركة قطعا في ضرب الملائكة لتلك المواضع من هامات المشركين لأنها بأمر الله.
اللفتة الثالثة:
بيّن الله في الآية الكريمة عمل الملائكة، وهو تثبيت المؤمنين والقتال معهم، وعمله ، هو إلقاء الرعب في صفوف المشركين، ولنا أن نتخيل خصمين في غزوة واحدة، الخصم الأول قد ثبّت الله أركانه وقوّى عزائمه بأن جعل الملائكة تقاتل معه أشد القتال وذلك بضرب رقاب ومفاصل عدوه، والخصم الثاني قد ثبط الله عزائمه وزلزل أركانه بأن ألقى في قلبه الرعب، فلأي الفريقين تكون الغلبة والنصر؟!.
١٤- إعلامه ﷺ بكثير من أمور الغيب:
عن سهل بن سعد السّاعديّ: أنّ رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلمّا مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذّة إلّا اتّبعها يضربها بسيفه فقالوا: ما أجزأ منّا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله ﷺ : «أما إنّه من أهل النّار» فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدا قال فخرج معه كلّما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال: فجرح الرّجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت؛ فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثمّ تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرّجل إلى رسول الله ﷺ فقال أشهد أنّك رسول الله قال: «وما ذاك؟» قال:
الرّجل الّذي ذكرت آنفا أنّه من أهل النّار، فأعظم النّاس ذلك فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه حتّى جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثمّ تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «إنّ الرّجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للنّاس وهو من أهل النّار وإنّ الرّجل ليعمل عمل أهل النّار فيما يبدو للنّاس وهو من أهل الجنّة» «١» . (رواه مسلم) .
стр. 138
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ حكم على رجل، أعجب أصحابه بقتاله وشجاعته أنه من أهل النار، وقد تحققت علامات ذلك عيانا للصحابة، وهذا من أعظم دلائل نبوته، أن ينبّأ بخاتمة أحد، ظن الناس أنه من أهل الجنة لعمله الصالح فيما يبدو لهم، وقد فهم الصحابة أن هذا الحكم على الرجل، بفعل سيفعله قبل موته يوجب له النار، لذلك اتبعه أحد الصحابة ليعلم أسباب سوء خاتمة الرجل، ولو لم يكن النبي ﷺ ، يوحى إليه من ربه، ما تجرأ وحكم على الرجل في حياته بأنه من أهل النار.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
قد يوفق الإنسان إلى أعمال تتشابه صورتها مع الأعمال التي يحبها الله ويرضاها، سواء في غزو أو نصح أو قراءة للقرآن أو بذل مال للمحتاجين والمساكين أو إعانة ضعيف، ولكن مع أن هذه الأعمال تشابه صورتها الأعمال الطيبة، وينظر الناس إليها نظر المعجبين بها، والمثنين على صاحبها، الغابطين له، إلا أن الله ، لا يحبها ولا يتقبلها، بل يردها في وجه صاحبها، لتخلف أحد شروط العمل الصالح المقبول، بل يعاقبه عليها.
ونتعلم من ذلك عدم الحكم بأن الله يحب فلانا لأعماله الكثيرة الخيرة، أو أن نثني عليه ونبالغ في الثناء جازمين، بل قد نتجرأ ونحكم أنه من أهل الجنة، كما نتعلم ضرورة أن نفتش في أعمالنا ونياتنا دوما، لنصلح من الاتباع والإخلاص، ونعلم أن الشيطان حريص على أن يفسد علينا أعمالنا، خاصة أهل العلم والتقوى والصلاح.
الفائدة الثانية:
على المسلم أن يعمل، ويجتهد في عمله، ويسأل الله، ، دوما الثبات في الأمر وحسن الخاتمة، وألا يعجب بعمله ولا يركن له، ويعتقد أن عمله سيدخله الجنة، وينجيه من النار؛ لأنه ورد في رواية عند البخاري: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» «١» ويصدق ذلك ما (رواه البخاري) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن ينجّي أحدا منكم عمله» قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة؛ سدّدوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدّلجة، والقصد القصد
стр. 139
تبلغوا» «١» ، وما زال النبي ﷺ وإخوانه من الأنبياء، يدعون الله لأنفسهم بدخول الجنة والنجاة من النار، وهم الذين يعلمون مكانتهم عند الله، ولكنه التزام الأدب، وإعلان كامل الافتقار لله .
الفائدة الثالثة:
إعلام النبي ﷺ ببعض أمور الغيب، كان سببا في زيادة إيمان الصحابة ﵃، حيث قال الصحابي لما عاين وتحقق مما قال النبي ﷺ في حق الرجل الذي قتل نفسه، (أشهد أنك رسول الله) ، وعلم النبي ﷺ أن الصحابي إنما قال تلك المقولة بسبب زيادة إيمانه بما رأى من معجزاته.
الفائدة الرابعة:
يتفرع على ما سبق، أن على المؤمن أن ينظر ويتأمل ويتدبر، في المعجزات التي وردت في السنة الصحيحة باختلاف أنواعها؛ لأنها من أسباب تقوية إيمان العبد، وقد يكون هذا الجانب من أسباب قوة يقين الصحابة أكثر من غيرهم؛ لأن من رأى ليس كمن سمع.
الفائدة الخامسة:
على المؤمن أن يعمل على تقوية إيمانه، ويجعله عملا بعد علم، وأن يقره في قلبه بعد أن استقر في عقله، ويعود نفسه وجسمه على تحمل الصعاب، ويبتعد عن الترف الزائد، ولو لفترات من حياته، وعليه ألا يهتم بالظاهر دون الباطن، تعويدا لنفسه لما قد يلاقيه من محن وابتلاآت من الله ، ويحرص أن تأتي هذه المحن على قلب ثابت راسخ عامر بالإيمان؛ لأن هذا الرجل الذي ذكر في حديث الباب، قد استعجل الموت وقتل نفسه لمجرد أنه ابتلي، فكان من أهل النار، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١] ، فذم الله ﵎ هذا الصنف من الناس، الذي يرتد على عقبيه مع نزول الفتنة، وبينت الآية عاقبته في الدنيا والآخرة، وما ذلك إلا أنه ضعفت عبادته فضعف إيمانه، ومن ضعف إيمانه، كان حاله كمن يقف على شفير، مع أول هزة يهوي في الهاوية، وهذا درس لنا جميعا أن العبادة لها عامل عظيم في تربية النفس، فكلما كانت خالصة لوجه الله ﵎، لا يريد بها ثناء الناس، ولا وجاهة الدنيا، مع موافقة تلك العبادة لسنة المصطفى ﵊، أدّت تلك العبادة إلى تقوية الإيمان في القلوب.
الفائدة السادسة:
هل من علامات يعرفها العبد من نفسه يستدل بها على ثباته إذا تعرض للفتنة؟
стр. 140
أقول: يجرب العبد نفسه فيما يقدر عليه الآن، فإذا رأى نفسه لا يستطيع أن يصدق القول إن كان على نفسه، ولا يمسك لسانه عن الخوض في أعراض الناس، ويجد شهوته في أكل لحوم إخوانه بالغيبة والنميمة، ولا يفي بالوعد، ولا يعطف على الصغير ولا يوقر الكبير، وإذا رأى من نفسه عدم الصبر على الأمور البسيطة، التي لا تتطلب أدنى مجاهدة، وإذا شح بحقوق الآخرين التي في ذمته، ومن قبل ومن بعد، إذا تكاسل عن أداء العبادات، فلا يؤمل أن يصبر عند الشدائد، أو يثبت عند المصائب؛ لأن الإنسان إذا سقط في السهل كان سقوطه في الصعب آكد.
الفائدة السابعة:
لا يجوز للأطباء أن يستعجلوا وفاة أحد المرضى، مهما بلغ وجعه، ولو كان ميؤسا من شفائه؛ لأن الرجل الذي معنا ما أقدم على الانتحار، إلا لأنه جرح جرحا شديدا، فكان انتحاره من علامات سوء الخاتمة.
وشواهد إخبار النبي بأمور الغيب- التي أطلعه الله عليها- أكثر من أن تحصى، وقد ورد في ثنايا هذا الكتاب أحاديث كثيرة تشهد بذلك، وسأورد هنا مثالين اخترتهما لبيان أن إخبار النبي بأمور الغيب كان من أعظم صدق دلائل نبوته، ف الحديث الأول والذى أخبر فيه النبي بانتشار الإسلام وظهوره وتمكنه في الأرض كان قبل الهجرة، والمسلمون في غاية الضعف، بل يعذبون وينكل بهم غاية التنكيل، أما الحديث الثاني فقد أخبر فيه النبي بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، في خطبة استغرقت نهارا كاملا، من صلاة الفجر حتى صلاة المغرب، ولا شك أن الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي قد عاينوا وعايشوا الكثير من وقائع تلك الأخبار، خاصة ما يتعلق بالفتن، ولولا صدق النبي فيما يخبر به عن ربه، وتأييد المولى له، لحدث اختلاف كثير بين ما قال وما حدث.
الحديث الأول:
عن خبّاب بن الأرتّ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصدّه ذلك عن دينه والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا الله والذّئب على غنمه ولكنّكم تستعجلون» «١» .
стр. 141
الحديث الثاني:
عن عمرو بن أخطب قال: (صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت الظّهر فنزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى غربت الشّمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) «١» . رواه مسلم.
وعند البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قام فينا النّبيّ ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتّى دخل أهل الجنّة منازلهم وأهل النّار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه «٢» .
وعنده أيضا، عن حذيفة ﵁ قال: لقد خطبنا النّبيّ ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام السّاعة إلّا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشّيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرّجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه «٣» .
١٥- استجابة دعائه ﷺ :
أ- استجابة دعائه ﷺ للمؤمنين:
المثال الأول:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصّامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله ﷺ ثمّ استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة- أو مثل الملوك على الأسرّة» - شكّ إسحاق- قالت فقلت: يا رسول الله؟ ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ثمّ وضع رأسه ثمّ استيقظ وهو يضحك، فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله ... » كما قال في الأوّل قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت من الأوّلين» فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابّتها حين خرجت من البحر فهلكت.
стр. 142
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ دعا للصحابية أم حرام بنت ملحان، أن تركب البحر غازية في سبيل الله فدعا لها، واستجاب الله دعاءه فغزت هذه الصحابية في زمن الخليفة الراشد- على أحد القولين- عثمان بن عفان، وصرعت عن دابتها في قبرص، وكان معها زوجها الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقيل: غزت في زمن معاوية ﵁، ولا يهمنا في هذا البحث في أي زمن غزت، ولكن الذي يهمنا أن الله استجاب دعاء نبيه، ونالت المرأة شرف الغزو في سبيل الله، ثم الشهادة في سبيل الله .
وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
نجزم قطعا أن أم حرام، كانت محرّمة تحريما أبديّا على النبي ﷺ ، فلذلك كان يدخل عليها، وينام عندها، بل كانت تفلي رأسه ﷺ ، والذي جعلنا نجزم بذلك حديث عائشة ﵂ عن بيعة النبي للنساء، والذي رواه مسلم «١» وفيه:
قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشّرط منهنّ قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلاما يكلّمها به، والله ما مسّت يده يد امرأة قطّ في المبايعة وما بايعهنّ إلّا بقوله. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، كما ذكر النووي في شرحه للصحيح، وقد ذكر أيضا اختلاف العلماء في سبب التحريم.
الفائدة الثانية:
رؤيا الأنبياء حق، وليس للشيطان فيها مجال؛ لأن النبي رأى- وهو نائم- ناسا من أمته يغزون، فقام وهو يضحك، وما كان ذلك إلا لعلمه أن هذا وحي من الله، وهو متحقق لا محالة.
الفائدة الثالثة:
فرح النبي بما سيفعله أفراد من أمته- من بعده- من أنواع الطاعات، والدليل على ذلك أنه ضحك فرحا وسرورا، ورضى بهذا الغزو والذي يحبه الله، ولا شك أن من أسباب فرحه بطاعة من بعده، أن له في ذلك أجرا ومثوبة من الله، وأن كل نصر لأمته فهو نصر له.
الفائدة الرابعة:
حرص الصحابة على التعلم من النبي ﷺ واهتمامهم بجميع شئونه؛ لأنهم يعلمون أن كل أعماله لهم فيها سنة وتأسّ، بل كان ذلك وحيا من الله، حتى نقلوا للأمه ضحكه ﷺ .
стр. 143
الفائدة الخامسة:
ما كان عليه الصحابة من الأدب مع رسول الله، فهذه المرأة محرم للنبي ﷺ ، وينام عندها، فقد تتساهل في الكلام معه، خاصة وقت الانبساط، ولكن هذا لم يحدث من جهة الصحابة، ﵃، لما يعلمون من عظيم حقه، وأنهم تأدبوا بتأديب الله إياهم، لما قال لهم في محكم التنزيل: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] . ودليله من الحديث أن أم حرام قد نادت الرسول أربع مرات في هذه المحادثة القصيرة جدّا، وفي كل مرة تقول له: (يا رسول الله) ولم تناده ولو مرة واحدة خطأ (يا محمد) أو (يا ابن عبد الله) كما يحلو للبعض أن يسميه، وفي هذا الأخير مجافاة وسوء أدب مع مقام النبوة.
الفائدة السادسة:
أطلع الله نبيّه على كثير من أمور الغيب، ومنها ما حدث بعد مماته؛ بعضها رآها وعلمها على وجه التفصيل لا الإجمال، كما سيأتي- إن شاء الله- في بابه.
الفائدة السابعة:
يشترط للغزو أن يكون في سبيل الله، حتى يرضى الله عنه، ويرضاه نبيه ﷺ حيث إنه علل ضحكه أنهم يغزون في سبيل الله، ولو لم تكن النية والاحتساب شرطا لصحة الأعمال وقبولها ما كان لذكرها في الحديث فائدة، وهذا مما يعلم من الدين بالضرورة.
الفائدة الثامنة:
بيان الأمانة التي كان عليها رواة الأحاديث النبوية، الذين بهم حفظ الله سنة نبيه، فقد شك فيه الراوي، هل قال النبي: ملوكا على الأسرة أو قال:
كالملوك على الأسرة؟ فلم يستح الراوي أن يقرّ أنه قد شك في اللفظ، ولم يدفعه حب ثناء الناس على حفظه، ألا ينص على الشك، حتى لا يكذب على نبيه، تخوفا أن يشمله وعيد الكذب عليه، لما (رواه البخاري) في صحيحه. عن عليّ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا تكذبوا عليّ فإنّه من كذب عليّ فليلج النّار» «١» .
مع أن الاختلاف في هذا اللفظ الذي شك فيه الراوي يسير جدّا بالنسبة لعقولنا، ولكن دفع الرواة إلى ذلك حرصهم على حفظ سنة نبيهم، وعلى أداء الأمانة التي حملوها على أكمل وجه، فما بالنا بأقوام، يشار إليهم بالبنان، لا يتحرجون من الكذب الصريح على رسول الله ﷺ ويأتون بأحاديث أبعد ما تكون عن كلام النبوة بل عن كلام الصحابة، ولا
стр. 144
عذر لهم في كونهم لا يعلمون أن هذا ليس بحديث؛ لأن عليهم أن يتحروا الصدق في الرواية عن الرسول ﷺ ، ويثبتوا قبل أن يتكلموا، وإلا ضاعت السنة بحجة عدم علمنا بالصحيح من الموضوع. فعلى الشيوخ وطلبة العلم، بل وعوام الناس، أن يتقوا الله فيما ينسبونه إلى رسول الله ﷺ ، فالكذب عليه ليس كالكذب على غيره. كما ورد في الصحيح.
الفائدة التاسعة:
حرص الصحابة أن تنالهم بركة دعاء النبي، لعلمهم أن دعاءه مستجاب من الله ، وقد حدث هذا من الصحابة في مواضع كثيرة.
الفائدة العاشرة:
في الحديث الحكم للصحابية أم حرام بالشهادة في سبيل الله حيث إنها طلبت من النبي أن يدعو الله أن يجعلها منهم، أي من الذين يغزون في سبيل الله، فلما قال لها النبي: إنها من الأولين، علمنا أنها ستغزو سيكون غزوها في سبيل الله لأن مجرد الخروج للغزو ليس له فضيلة إلا أن يكون في سبيل الله، وفي الجملة فهي منقبة عظيمة لأم حرام لأنها غزت، وكان غزوها في سبيل الله، والأجمل أن هذا كان ببركة دعائه ﷺ .
الفائدة الحادية عشرة:
في الحديث تلميح من النبي أن أم حرام ستموت في الغزوة الأولى؛ لأنها لما طلبت من النبي الدعاء لها أن تشهد الغزوة الثانية قال لها: «أنت من الأولين» أي أنها لن تحضر الغزوة الثانية. فما السبب؟ السبب هو الشهادة في الغزوة الأولى.
الفائدة الثانية عشرة:
على المسلم أن يستكثر من الخير، والزيادة في الطاعات، وعليه أن يدعو الله كثيرا، ويعلم أن الله لن يمل بدعائه؛ لأن أم حرام لم يقتصر طلبها على شهود الغزوة الأولى، بل طلبت الثانية، وأمّلت في الله خيرا، فعلمنا أن طلب الزيادة من الخير مشروع، بل نقول: إنه محبوب إلى الله .
الفائدة الثالثة عشرة:
جواز أن نقول على الذي يموت في سبيل الله، ومن هو أدنى منه، من باب أولى: هلك أو صرع، وهذه اللفظة ليست للكافر أو الذي يموت عاصيا.
المثال الثاني:
عن الجعيد قال: (سمعت السّائب يقول: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع؛ فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه وقمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة) «١» .
стр. 145
وفي إحدى روايات البخاري أيضا: (عن الجعيد بن عبد الرّحمن رأيت السّائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا فقال: قد علمت ما متّعت به سمعي وبصري إلّا بدعاء رسول الله ﷺ ؛ إنّ خالتي ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي شاك، فادع الله له، قال: فدعا لي) «١» .
الشاهد في الحديث:
قول السائب بن يزيد: (فمسح رأسي ودعا لي بالبركة) ، والمناسبة التي قال فيها السائب هذا الكلام، أن الجعيد بن عبد الرحمن رآه وقد بلغ السائب الأربع والتسعين سنة، وهو ما زال جلدا معتدلا، فبرر له ذلك بأن النبي ﷺ قد دعا له.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم بركة دعاء النبي ﷺ حيث دعا للسائب بالبركة، فكان من أثر ذلك الدعاء، أن بلغ السائب أربعا وتسعين سنة، وهو ما زال جلدا (أي قويّا صلبا) معتدلا، أي لم تظهر عليه علامة من علامات الشيخوخة، مثل انحناء الظهر وضعف السمع والبصر أو تجاعيد الوجه، ودليله ما قاله التابعي، الجعيد بن عبد الرحمن: (رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا) .
٢- ثبوت بركة النبي ﷺ في يديه الشريفتين ودعائه وفضلة وضوئه، وهو بقية الماء الذي يغترف فيه ليتوضأ منه، ولولا بركة هذا الماء، ما أقر النبيّ ﷺ الصحابة الشرب منه.
٣- شفقته بالأطفال، خاصة المرضى منهم، حيث مسح ﷺ على رأس السائب بن يزيد، وكان عمر السائب وقتها ثمان سنين، والمسح على رأس الصبي فيه اللفتة الحانية مع حدوث البركة منه ﷺ ، وما اكتفى النبي ﷺ بذلك بل جمع له مع المسحة الدعاء بالبركة، وهي شفقة على شفقة، ولا يخفى على أحد تواضعه ﷺ في مثل هذه الواقعة، وأشباهها كثير.
الفائدة الثانية:
مناقب السائب بن يزيد ﵁:
١- نال في جزء يسير من الزمن عدة بركات من النبي ﷺ ، وهي المسح على الرأس والدعاء له بالبركة وشرب فضلة وضوء النبي ﷺ ، فكم من الصحابة تجمع له كل ذلك