← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحديث الثاني: عن عمرو بن أخطب قال: (صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت الظّهر فنزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى غربت الشّمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) «١» . رواه مسلم. وعند البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قام فينا النّبيّ ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتّى دخل أهل الجنّة منازلهم وأهل النّار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه «٢» . وعنده أيضا، عن حذيفة ﵁ قال: لقد خطبنا النّبيّ ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام السّاعة إلّا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشّيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرّجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه «٣» . ١٥- استجابة دعائه ﷺ : أ- استجابة دعائه ﷺ للمؤمنين: المثال الأول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصّامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله ﷺ ثمّ استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة- أو مثل الملوك على الأسرّة» - شكّ إسحاق- قالت فقلت: يا رسول الله؟ ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ثمّ وضع رأسه ثمّ استيقظ وهو يضحك، فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله ... » كما قال في الأوّل قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت من الأوّلين» فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابّتها حين خرجت من البحر فهلكت.

стр. 142

الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ دعا للصحابية أم حرام بنت ملحان، أن تركب البحر غازية في سبيل الله فدعا لها، واستجاب الله دعاءه فغزت هذه الصحابية في زمن الخليفة الراشد- على أحد القولين- عثمان بن عفان، وصرعت عن دابتها في قبرص، وكان معها زوجها الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقيل: غزت في زمن معاوية ﵁، ولا يهمنا في هذا البحث في أي زمن غزت، ولكن الذي يهمنا أن الله استجاب دعاء نبيه، ونالت المرأة شرف الغزو في سبيل الله، ثم الشهادة في سبيل الله . وفي الحديث فوائد منها: الفائدة الأولى: نجزم قطعا أن أم حرام، كانت محرّمة تحريما أبديّا على النبي ﷺ ، فلذلك كان يدخل عليها، وينام عندها، بل كانت تفلي رأسه ﷺ ، والذي جعلنا نجزم بذلك حديث عائشة ﵂ عن بيعة النبي للنساء، والذي رواه مسلم «١» وفيه: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشّرط منهنّ قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلاما يكلّمها به، والله ما مسّت يده يد امرأة قطّ في المبايعة وما بايعهنّ إلّا بقوله. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، كما ذكر النووي في شرحه للصحيح، وقد ذكر أيضا اختلاف العلماء في سبب التحريم. الفائدة الثانية: رؤيا الأنبياء حق، وليس للشيطان فيها مجال؛ لأن النبي رأى- وهو نائم- ناسا من أمته يغزون، فقام وهو يضحك، وما كان ذلك إلا لعلمه أن هذا وحي من الله، وهو متحقق لا محالة. الفائدة الثالثة: فرح النبي بما سيفعله أفراد من أمته- من بعده- من أنواع الطاعات، والدليل على ذلك أنه ضحك فرحا وسرورا، ورضى بهذا الغزو والذي يحبه الله، ولا شك أن من أسباب فرحه بطاعة من بعده، أن له في ذلك أجرا ومثوبة من الله، وأن كل نصر لأمته فهو نصر له. الفائدة الرابعة: حرص الصحابة على التعلم من النبي ﷺ واهتمامهم بجميع شئونه؛ لأنهم يعلمون أن كل أعماله لهم فيها سنة وتأسّ، بل كان ذلك وحيا من الله، حتى نقلوا للأمه ضحكه ﷺ .

стр. 143

الفائدة الخامسة: ما كان عليه الصحابة من الأدب مع رسول الله، فهذه المرأة محرم للنبي ﷺ ، وينام عندها، فقد تتساهل في الكلام معه، خاصة وقت الانبساط، ولكن هذا لم يحدث من جهة الصحابة، ﵃، لما يعلمون من عظيم حقه، وأنهم تأدبوا بتأديب الله إياهم، لما قال لهم في محكم التنزيل: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] . ودليله من الحديث أن أم حرام قد نادت الرسول أربع مرات في هذه المحادثة القصيرة جدّا، وفي كل مرة تقول له: (يا رسول الله) ولم تناده ولو مرة واحدة خطأ (يا محمد) أو (يا ابن عبد الله) كما يحلو للبعض أن يسميه، وفي هذا الأخير مجافاة وسوء أدب مع مقام النبوة. الفائدة السادسة: أطلع الله نبيّه على كثير من أمور الغيب، ومنها ما حدث بعد مماته؛ بعضها رآها وعلمها على وجه التفصيل لا الإجمال، كما سيأتي- إن شاء الله- في بابه. الفائدة السابعة: يشترط للغزو أن يكون في سبيل الله، حتى يرضى الله عنه، ويرضاه نبيه ﷺ حيث إنه علل ضحكه أنهم يغزون في سبيل الله، ولو لم تكن النية والاحتساب شرطا لصحة الأعمال وقبولها ما كان لذكرها في الحديث فائدة، وهذا مما يعلم من الدين بالضرورة. الفائدة الثامنة: بيان الأمانة التي كان عليها رواة الأحاديث النبوية، الذين بهم حفظ الله سنة نبيه، فقد شك فيه الراوي، هل قال النبي: ملوكا على الأسرة أو قال: كالملوك على الأسرة؟ فلم يستح الراوي أن يقرّ أنه قد شك في اللفظ، ولم يدفعه حب ثناء الناس على حفظه، ألا ينص على الشك، حتى لا يكذب على نبيه، تخوفا أن يشمله وعيد الكذب عليه، لما (رواه البخاري) في صحيحه. عن عليّ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا تكذبوا عليّ فإنّه من كذب عليّ فليلج النّار» «١» . مع أن الاختلاف في هذا اللفظ الذي شك فيه الراوي يسير جدّا بالنسبة لعقولنا، ولكن دفع الرواة إلى ذلك حرصهم على حفظ سنة نبيهم، وعلى أداء الأمانة التي حملوها على أكمل وجه، فما بالنا بأقوام، يشار إليهم بالبنان، لا يتحرجون من الكذب الصريح على رسول الله ﷺ ويأتون بأحاديث أبعد ما تكون عن كلام النبوة بل عن كلام الصحابة، ولا

стр. 144

عذر لهم في كونهم لا يعلمون أن هذا ليس بحديث؛ لأن عليهم أن يتحروا الصدق في الرواية عن الرسول ﷺ ، ويثبتوا قبل أن يتكلموا، وإلا ضاعت السنة بحجة عدم علمنا بالصحيح من الموضوع. فعلى الشيوخ وطلبة العلم، بل وعوام الناس، أن يتقوا الله فيما ينسبونه إلى رسول الله ﷺ ، فالكذب عليه ليس كالكذب على غيره. كما ورد في الصحيح. الفائدة التاسعة: حرص الصحابة أن تنالهم بركة دعاء النبي، لعلمهم أن دعاءه مستجاب من الله ، وقد حدث هذا من الصحابة في مواضع كثيرة. الفائدة العاشرة: في الحديث الحكم للصحابية أم حرام بالشهادة في سبيل الله حيث إنها طلبت من النبي أن يدعو الله أن يجعلها منهم، أي من الذين يغزون في سبيل الله، فلما قال لها النبي: إنها من الأولين، علمنا أنها ستغزو سيكون غزوها في سبيل الله لأن مجرد الخروج للغزو ليس له فضيلة إلا أن يكون في سبيل الله، وفي الجملة فهي منقبة عظيمة لأم حرام لأنها غزت، وكان غزوها في سبيل الله، والأجمل أن هذا كان ببركة دعائه ﷺ . الفائدة الحادية عشرة: في الحديث تلميح من النبي أن أم حرام ستموت في الغزوة الأولى؛ لأنها لما طلبت من النبي الدعاء لها أن تشهد الغزوة الثانية قال لها: «أنت من الأولين» أي أنها لن تحضر الغزوة الثانية. فما السبب؟ السبب هو الشهادة في الغزوة الأولى. الفائدة الثانية عشرة: على المسلم أن يستكثر من الخير، والزيادة في الطاعات، وعليه أن يدعو الله كثيرا، ويعلم أن الله لن يمل بدعائه؛ لأن أم حرام لم يقتصر طلبها على شهود الغزوة الأولى، بل طلبت الثانية، وأمّلت في الله خيرا، فعلمنا أن طلب الزيادة من الخير مشروع، بل نقول: إنه محبوب إلى الله . الفائدة الثالثة عشرة: جواز أن نقول على الذي يموت في سبيل الله، ومن هو أدنى منه، من باب أولى: هلك أو صرع، وهذه اللفظة ليست للكافر أو الذي يموت عاصيا. المثال الثاني: عن الجعيد قال: (سمعت السّائب يقول: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع؛ فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه وقمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة) «١» .

стр. 145

وفي إحدى روايات البخاري أيضا: (عن الجعيد بن عبد الرّحمن رأيت السّائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا فقال: قد علمت ما متّعت به سمعي وبصري إلّا بدعاء رسول الله ﷺ ؛ إنّ خالتي ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي شاك، فادع الله له، قال: فدعا لي) «١» . الشاهد في الحديث: قول السائب بن يزيد: (فمسح رأسي ودعا لي بالبركة) ، والمناسبة التي قال فيها السائب هذا الكلام، أن الجعيد بن عبد الرحمن رآه وقد بلغ السائب الأربع والتسعين سنة، وهو ما زال جلدا معتدلا، فبرر له ذلك بأن النبي ﷺ قد دعا له. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- عظيم بركة دعاء النبي ﷺ حيث دعا للسائب بالبركة، فكان من أثر ذلك الدعاء، أن بلغ السائب أربعا وتسعين سنة، وهو ما زال جلدا (أي قويّا صلبا) معتدلا، أي لم تظهر عليه علامة من علامات الشيخوخة، مثل انحناء الظهر وضعف السمع والبصر أو تجاعيد الوجه، ودليله ما قاله التابعي، الجعيد بن عبد الرحمن: (رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا) . ٢- ثبوت بركة النبي ﷺ في يديه الشريفتين ودعائه وفضلة وضوئه، وهو بقية الماء الذي يغترف فيه ليتوضأ منه، ولولا بركة هذا الماء، ما أقر النبيّ ﷺ الصحابة الشرب منه. ٣- شفقته بالأطفال، خاصة المرضى منهم، حيث مسح ﷺ على رأس السائب بن يزيد، وكان عمر السائب وقتها ثمان سنين، والمسح على رأس الصبي فيه اللفتة الحانية مع حدوث البركة منه ﷺ ، وما اكتفى النبي ﷺ بذلك بل جمع له مع المسحة الدعاء بالبركة، وهي شفقة على شفقة، ولا يخفى على أحد تواضعه ﷺ في مثل هذه الواقعة، وأشباهها كثير. الفائدة الثانية: مناقب السائب بن يزيد ﵁: ١- نال في جزء يسير من الزمن عدة بركات من النبي ﷺ ، وهي المسح على الرأس والدعاء له بالبركة وشرب فضلة وضوء النبي ﷺ ، فكم من الصحابة تجمع له كل ذلك

стр. 146

الفضل في يوم واحد؟ وهي منقبة عظيمة للسائب بن يزيد، وللأسف الشديد فإن كثيرا من المسلمين الآن يجهلون حتى اسمه. ٢- عظيم البركة التي حلت في حياة السائب بن يزيد، من يوم أن دعا له النبي ﷺ ، وعمره أقل من ثمان سنوات حتى بلغ الرابعة والتسعين من عمره، ونعتقد أن البركة حلت في عمله وصحته وماله، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ دعا له بالبركة، هكذا عامة، فشملت جميع أنواع البركة، حيث إن طول العمر بدون صلاح العمل وبركة المال، لا ينفع صاحبه، ويكفي للدلالة على ذلك أنه بلغ هذا السن وما زال يروي الحديث. ونلفت انتباه القارئ الكريم إلى أن الصحة التي تمتع بها السائب بن يزيد مع طول عمر في قوة واعتدال، لم تكن معروفة في زمن الصحابة، وإلا ما قال التابعي، الجعيد بن عبد الرحمن: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا، ولما برر السائب أسباب هذه القوة. ٣- حسن وفائه للنبي ﷺ واعترافه بفضله بعد أن بلغ مثل هذا السن، لقوله: (لقد علمت ما متّعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ﷺ . ويتفرع عليه، جواز نسبة النتائج إلى مسبباتها الظاهرة، ولا يحتاج الأمر في كل مرة أن نقول مثلا: (بفضل استجابة الله لدعاء النبي ﷺ خاصة إذا كان السامع يوقن تماما أن النبي ﷺ إنما دعا الله وحده، وأن الله هو مقدر كل شيء، وهو وحده الذي يسمع الدعاء ويجيب النداء، وأنه لا يقدر أحد غيره على إيصال نفع أو دفع ضر. الفائدة الثالثة: ما كان عليه الصحابة، ﵃، من الحرص على الخير لهم ولمن يعولون، لقول السائب: (إن خالتي ذهبت بي ليلة فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي شاك فادع الله له) ، مع يقينهم الراسخ بنبوة النبي ﷺ ، وأن الله يستجيب له كل دعاء في المسلمين. ويظهر من ذلك أيضا عقيدتهم الصافية في علمهم أن المدعو هو الله وحده لقولها: (فادع الله له) ، فقد تعلموا أن على العبد الدعاء وعلى الله الإجابة، وأن الناس تتفاوت في استجابة الله لدعائهم بقدر ما عندهم من الإيمان وشدة اليقين والتقرب إلى الله بما يحب من الطاعات، ولولا علمهم بذلك ما ذهبوا للنبي ﷺ بطلب الدعاء، ولدعوا لأنفسهم، ولا يعني هذا أن المسلم لا يدعو لنفسه خاصة بعد انقضاء زمن النبوة

стр. 147

المبارك، بل على المسلم أن يدعو الله بيقين وإخلاص، وأن يقدم بين يدي دعوته كل عمل صالح يحبه الله ويرضاه، فهذا أرجى لاستجابة الدعاء، وقد مر ذلك مبسوطا في مواضع أخرى من هذا الكتاب. أما الكلام عن خاتم النبوة، فقد ذكرته في موضعه. المثال الثالث: عن أنس بن مالك يذكر أنّ رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السّبل فادع الله يغيثنا قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: «اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا» . قال أنس: ولا والله ما نرى في السّماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التّرس فلمّا توسّطت السّماء انتشرت ثمّ أمطرت. قال: والله ما رأينا الشّمس ستّا، ثمّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السّبل فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثمّ قال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا، اللهمّ على الآكام والجبال والآجام والظّراب والأودية ومنابت الشّجر» ، قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشّمس. قال شريك: فسألت أنس بن مالك، أهو الرّجل الأوّل. قال: لا أدري «١» . (رواه البخاري) . الشاهد في الحديث: لما اشتكى الأعرابي قلة المطر، وما نتج عن ذلك من هلاك المواشي والزروع، وجوع العيال لعدم وجود ما يتيعشون عليه من الأقوات، رفع النبي ﷺ يديه إلى السماء يدعو الله بالغيث، ولم يكن في السماء سحاب مجتمع ولا متفرق، ولا أي شيء من علامات المطر، كما ورد في بقية روايات البخاري، فهاجت ريح شديدة، أنشأت سحابا ثم اجتمع، فصار من كثرته كأمثال الجبال، واستمر المطر أسبوعا، وذلك بفضل بركة دعائه ﷺ . وكذلك لما اشتكى الأعرابي من الجمعة المقبلة كثرة المطر دعا النبي ﷺ أن يكون المطر على الآكام ومنابت الشجر، فاستجاب الله دعاءه، وهذا الحديث من أعظم دلائل النبوة، حيث استجاب الله الدعاء، وأنشأ السحاب وأمطرت السماء، ليس مع انتهاء الدعاء ولكن مع الدعاء، وهذا من عظيم بركته ومنزلته العالية الرفيعة، عند مولاه .

стр. 148

فوائد الحديث: الفائدة الأولى: الجدب وقلة الزرع والجوع، قد يحدث مع صلاح الحال وقلة الذنوب والمعاصي، كما يحدث بسبب ابتعاد الناس عن منهج الله ، لقول أنس: (أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، ولقول الأعرابي: هلك المال وجاع العيال، ولا شك أن قرن الرسول هو خير القرون، وقد حدث فيه الجدب الشديد. الفائدة الثانية: بعض آداب خطبة الجمعة: ١) جواز حديث المأموم مع الإمام، وهو يخطب، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمصلحة المسلمين العامة، لقول الأعرابي للرسول ﷺ : (هلك المال وجاع العيال) ، ولكن يحظر كلام الناس بعضهم مع بعض، لما (رواه البخاري) أنّ أبا هريرة أخبره أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» «١» ، ويستوي في ذلك الكلام، وما يقوم مقامه كالإشارة؛ لأنها تفضي إلى ما يفضي إليه الكلام، من انشغال الناس عن الخطبة. ٢) يجب على الإمام أن يخطب واقفا، لقول الله تعالى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] ، ولما ورد في بعض طرق الحديث عند البخاري، (ورسول الله قائم يخطب) . ٣) جواز أن يتكلم الإمام أثناء الخطبة، في أمر خارج عن موضوع الخطبة، ولا يعد ذلك ناقضا للخطبة، كما فعل النبي ﷺ في حديث الباب والحديث الذي رواه مسلم، عن جابر بن عبد الله قال: جاء سليك الغطفانيّ يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: «يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما» ، ثمّ قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما» «٢» . وعجبت من بعض الأئمة، لا يقطعون الخطبة أبدا لأي مصلحة، فيرون الرجل يدخل أثناء الخطبة، ويتعدى رقاب المصلين جميعا، فلا يأمرونه بالأدب الواجب، ويرون الرجل يقف يصلي ركعتين، أثناء جلسة الإمام بين الخطبتين، فلا يبينون عدم مشرعيتها، وكذلك يرون بعض الأولاد، يتكلمون ويشوشون عليه وعلى المصلين، فلا ينهونهم، وهذا كله مخالف للسنة، ويضيع مصالح كبيرة.

стр. 149

الفائدة الثالثة: كان الصحابة الذين يعيشون مع النبي ﷺ في المدينة يتحرجون من سؤال النبي، بينما لا يتحرج الأعراب من ذلك، وذلك لتأثرهم بالبيئة التي يعيشون فيها، وقلة صحبتهم للنبي، وكان الصحابة يفرحون أن يأتي الأعرابي فيسأل النبي عن أشياء، وهم جلوس يستمعون، كما قال أنس بن مالك ﵁: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن أشيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ... الحديث «١» . الفائدة الرابعة: في الدعاء: أ- بيان أنّ الدعاء لا يكون إلا لله ، فهو القادر وحده على جلب النفع، ودفع الضر، فمع قلة علم الأعراب وفقههم، يدخل الأعرابي المسجد، ويقول للرسول: (فادع الله لنا) ، ولو كان أحد يمكن أن يدعى من دون الله، لكان أولى الناس بأن يدعى، هو النبي ﷺ ؛ لعظيم فضله، ولكان أولى الناس أن يتوجهوا له بالدعاء، هم أصحابه لأنهم أعلم الناس بمكانته، فلما لم يفعل الصحابة ذلك، مع وجود النبي ﷺ بينهم، علمنا قطعا أن الدعاء لا يكون إلا لله وحده؛ لأنه من العبادة، بل هو من أعظم العبادة، قال تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] فأطلق العبادة على الدعاء، من باب إطلاق الكل على الجزء؛ لبيان عظيم شأنه، ولو كان أحد يدعى مع الله، لبينت الآية ذلك، ولكن الله قال: ادْعُونِي. كما بينت الآية أن الدعاء من مقتضيات الربوبية، فالرب هو الذي خلق ورزق وربى، فكيف نتوجه لغيره بالدعاء؟! لا شك أن ذلك من نواقض توحيد الرب ﵎. كما بينت الآية الكريمة الجزاء العظيم لمن يستكبر عن دعاء الرب ﵎: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: ٦٠] . ويتفرع على عدم جواز دعاء النبي ﷺ ، عدم جواز دعاء غيره من باب أولى، وقد بين الله ﵎ سخف من يدعو غيره، فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ [الإسراء: ٥٧] ، فبينت الآية أن هؤلاء الذين يتوجه الناس إليهم بالدعاء، هم أنفسهم يتقربون إلى الله بكل أنواع الطاعات تزلفا إليه وقربى، كما بين الله في آية أخرى ضلال من يدعو أحدا غيره، وذلك في قوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ

стр. 150

دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف: ٥- ٦] فبينت الآيتان ضلالهم من عدة وجوه: ١- أنهم يدعون من هو دون الله، فقد تركوا الغني من كل الوجوه ودعوا الفقير من جميع الوجوه، تركوا من يخلق ودعوا من لا يخلق، قال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] ، فكل أحد غير الله هو دون الله. ٢- أنهم يدعون من لا يستجيب لهم بجلب نفع أو دفع ضر، ولو استمر دعاؤهم إلى يوم القيامة، وهم- مع عدم استجابتهم- غافلون عمن يدعونهم، لعدم سماعهم الدعاء. ٣- أنهم يدعون من يناصبهم ويظهر لهم العداوة يوم القيامة، وينكرون عليهم دعاءهم، ويتبرؤن إلى الله من ذلك، وانظر كيف أطلقت الآية الكريمة العبادة على الدعاء، قال تعالى: وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف: ٦] . أخيرا أهمس في أذن كل من يذهب إلى القبور لدعوة أموات، يرجون منهم الرزق والولد، وحل العقد، وأقول لهم: كيف تعرضون عن الله، وتتوجهون لمن هو دونه؟! إنّ من تدعونه هو في أشد الحاجة إلى من يدعو الله له- ولو كان من أهل بيت النبوة ﵃ جميعا- وأقول لهم: هذا العمل يخرجكم من ملة الإسلام بالكلية، لماذا تضيعون عليكم الدنيا والآخرة؟ لماذا لا تتلذذون بدعاء الغني الحميد وحده؟ فإذا قلتم: إنهم واسطة لنا عند الله ، قلت لكم: هذه حجة كفار قريش في عبادة الأصنام، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] ، والعبد لا يحتاج إلى واسطة لدعوة خالقه، قال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦] ، فإن السؤال مع أنه كان موجها إلى النبي، فقد جاءت الإجابة مباشرة من الله ، إلى السائلين عنه بغير واسطة، فلم يقل الله تعالى: قل: إني قريب، فإذا جاءت إجابة السؤال بغير واسطة، فكيف يشرع الدعاء بواسطة، وهذا إيذان بأنه لا واسطة أبدا لمخلوق عند دعاء المولى . وتدبر أخي القارئ بقية أسئلة القرآن، مثل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] ، وقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: ٢٢٢] ، وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩] ، فإذا قال قائل: أريد واسطة بيني وبين الله، لكثرة ذنوبي وقلة طاعتي، قلت له: ألم تسمع لقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً

стр. 151

إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] ، فالله نسب الذين أسرفوا في ارتكاب المعاصي والكبائر إلى نفسه الكريمة، فقال: يا عِبادِيَ ، وتأمل مواطن رحمة الله العظيمة في هذه الآية، وكيف تلطّف الله بأصحاب الكبائر؟ بأن وجه إليهم النداء، ووصفهم بأعظم الصفات، صفة العبودية، ونسبهم إلى نفسه، ونهاهم عن اليأس والقنوط من رحمته التي وسعت كل شيء، وفتح لهم باب التوبة ورغبهم فيها بأن بين لهم أنه يغفر جميع الذنوب، ويدخل في ذلك الشرك، ثم ختم الآية بأن ذكرهم بصفتين كريمتين من صفاته، المغفرة والرحمة، توكيدا لكل ما ذكر بالآية، وليعلمهم أن يتوسلوا بهما، إذا أرادوا الإنابة إليه والاستغفار، أبعد كل ذلك يزين لنا الشيطان أن نترك دعاءه سبحانه وحده لا شريك ونذهب إلى غيره؟! أما من يقول: إنه يذهب إلى القبور، لا ليدعو أهلها، ولكن ليدعو عندها، أقول له: إنها بدعة منكرة؛ لأن القبور ليست مكان دعاء، وليس الغرض من زيارة القبر الدعاء، بل الغرض المشروع هو التذكرة بالموت، والدعاء لصاحب القبر، ولو كان الدعاء للنفس عند القبر أرجى في القبول لبينه النبي ﷺ ، ولفعله ولأمرنا به، إذ كيف يخفي علينا شيئا فيه مرضاة للرب جل وعلا وفيه خير لنا، وهو الناصح الأمين، وإذا كان ذلك مشروعا، لفعله الصحابة، وهم يمرون على قبر سيد البشر في الغداة والعشي، فهل عرفوا أن هذا خير ولم يفعلوه؟! وأقول لمن يذهب إلى القبر، ليدعو الله: كيف تذهب إلى مكان يشرك فيه بالله، وينذر فيه لغير الله؟ ويطاف بصاحب القبر، وتقال فيه أوراد وأذكار ما شرعها لنا الله ورسوله، ويختلط فيه الرجال والنساء، ويكثر فيه المشعوذون، وهذه كلها منكرات تغضب الله ورسوله، كيف تقول: إن هذا مكان يستجاب فيه الدعاء؟ هذا مكان أبعد ما يكون لاستجابة الدعاء. فائدة: قد يحدث أن يدعو الرجل عند القبر، أو يدعو صاحب القبر، وتتحقق في اعتقاده الدعوة، أقول: إن دعوة الرجل صادفت قدر الله برفع النقمة أو حدوث النعمة، ويكون ذلك ابتلاء من الله للرجل الذي ظلم نفسه بابتداعه في الدين، قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] . ب- الدعاء لا يناقض التوكل ، ولا يناقض اليقين بأن الله يرى حاله، ويعلم حاجته، كما أن الدعاء لا يشغل المسلم عن عبادة الله؛ لأن الدعاء هو العبادة، وأدلة ذلك

стр. 152

كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: ١- أمرنا الله بالدعاء في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وقد وضحت بعضها في الفقرة السابقة، وكفى أنه سمى الدعاء عبادة، وأكثر من ذلك أن الله وضح أن التوجه إليه بالدعاء والتضرع هو استجابة له وإيمان به، قال تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦] ، كما أن ذم الذين يصرفون الدعاء لغير الله، والتشنيع بهم هو في ذاته مدح وثناء لمن يدعو الله مخلصا له الدين. ٢- إن الله يحب أن يظهر العبد الافتقار إليه، والتذلل بين يديه، والثناء عليه ومدحه بما هو أهله، وإنما يتحقق ذلك بوضوح وجلاء إذا رفع العبد يديه إلى السماء، معلنا بالغ عجزه، وكمال قدرة الله ، وأبلغ ما يدلل على حب الله للدعاء، الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مضى شطر اللّيل- أو ثلثاه- ينزل الله ﵎ إلى السّماء الدّنيا فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتّى ينفجر الصّبح» «١» . فالنزول الإلهي- على الوجه الذي يليق بالعلي القدير- الحكمة منه أن يتفضل الرب ﵎، على السائل وعلى الداعي وعلى المستغفر، ولولا رضى الله ، على هؤلاء ما توجه إليهم خطاب المولى في هذا الوقت المبارك، ولو أن أحدا أفضل منهم لتوجه إليه الخطاب بدلا منهم، أو معهم؛ لأنه لا يعقل من الشارع الحكيم أن يتفضل على هؤلاء، وفيه من هو أفضل منهم، ولا يتوجه إليه الخطاب. ٣- الدعاء هو سبيل الأنبياء كلهم جميعا، دعوا الله بخيري الدنيا والآخرة، منهم من دعاه أن يرزقه الذرية الصالحة، قال تعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [الأنبياء: ٨٩] ، ومنهم من دعاه بالملك العظيم، قال تعالى على لسان سليمان ﵇: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥] ، ومنهم من دعاه بأن يكتب له الذكر الحسن، قال تعالى على لسان إبراهيم ﷺ : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٤] ، ومنهم من دعاه بالجنة ومرافقة الصالحين، قال تعالى على لسان يوسف: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] ، ومنهم من دعاه بهلاك الكافرين، قال تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ، ومنهم

стр. 153

من دعاه بالنجاة من الهلاك، قال تعالى على لسان يونس ﵇: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ [الأنبياء: ٨٧] ، ومنهم من دعاه بمغفرة الذنوب، قال تعالى على لسان موسى ﵇: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص: ١٦] ، ولو كان عدم الدعاء أولى، لكان أولى الناس بذلك صفوة الخلق، وكيف يذكر الله في كتابه الكريم كل هذه الأدعية للأنبياء في سياق المدح والثناء عليهم، ولا يبين لنا أن الأولى في حقهم عدم الدعاء، ولا يختلف اثنان أن الأولى في حق الأنبياء هو فعل الأولى من كل الطاعات. ٤- ما زال النبي ﷺ يدعو- وبغير طلب من أحد- خاصة في أوقات المحن والشدائد، كدعائه في غزوة بدر، وإلحاحه الشديد على الله بطلب النصرة، وكدعائه على قريش لما آذته، ووضعوا على ظهره الشريف سلى الجزور، وكما كان النبي ﷺ يدعو لأصحابه بخيري الدنيا والآخرة بطلبهم كدعوته لأنس بن مالك في الحديث الذي (رواه البخاري) عن أنس، وفيه: (فقالت أمّ سليم: يا رسول الله إنّ لي خويصة قال: «ما هي؟» ، قالت: خادمك أنس فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلّا دعا لي به قال: «اللهمّ ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه» ) «١» ، وبغير طلبهم، كان النبي يدعو ربه ويجتهد في الدعاء، ويعلم أمته ذلك، مع كامل توكله على الله، ورضاه بقضائه وقدره، وهو أعلم الأمة، بل أعلم الأنبياء، بما ينبغي أن يسلكه مع الله من الأدب. ٥- يتفرع على ما ذكر، أن نقطع بأفضلية الدعاء، وأنه عبادة مستقلة، وأن الذي يدعو مع الصبر على البلاء، والشكر على النعماء- خير من الذي لا يدعو مع صبره وشكره، فعلينا جميعا أن نتوجه إلى الله بالدعاء بكل ما نرجوه ونأمله من أمري الدين والدنيا، والأولى والآخرة، فالله يحب أن يسمع صوت عبده. فإن احتج أحد بحديث المرأة التي سألت الرسول ﷺ الدعاء لها بالشفاء من الصرع، فخيّرها بين الشفاء أو الصبر ودخول الجنة، فاختارت الصبر والجنة، هذا الحديث ليس بحجة في عدم الدعاء، وذلك لأن النبي عرض عليها الدعاء، وهذا حجة في مشروعيته، ولو كان عدم الدعاء لها أولى لبين ذلك لها، ولكنه عرض عليها الصبر مقابل أن تدخل الجنة، فوجدت المرأة أن الصبر والجنة أعظم مما تلاقيه من شدة الصرع، ومع هذا فقد طلبت

стр. 154

من النبي الدعاء لها بألا تتكشف، فدعا لها. والحاصل أن النبي ﷺ لم يطلب منها ترك الدعاء بالكلية، والحديث (رواه البخاري) عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عبّاس: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السّوداء أتت النّبيّ ﷺ فقالت: إنيّ أصرع وإنّي أتكشّف فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» «١» . فقالت: أصبر. فقالت: إنّي أتكشّف فادع الله لي ألاأتكشّف. فليس في هذا الحديث حجة للمخالف كما ترى بل هو حجة عليه. ج- آداب الدعاء: للدعاء آداب وشروط، يجب أن يتحلى بها الداعي، حتى يكون دعاؤه أقرب للإجابة، ومن تلك الآداب والشروط ما يلي: ١- أن يستحضر أثناء الدعاء تعظيم الله في نفسه، وأنه قريب منه، قال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة: ١٨٦] ، وأن يكون قلبه حاضرا، فلا ينبغي أن يكون الدعاء من قلب لاه، وعيون زائغة، ولسان يتمتم، دون أن يفقه ما يقول، وأنّى للرجل الذي ينشغل في الدعاء بكل صور الشعر من طباق وجناس وغيرها، من حضور وخشوع القلب، بل كيف يخشع من خلفه من المأمومين، فقد روى مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٢» . وينبغي أن يتيقن الداعي أن الله يسمع كلامه ويرى مكانه ويعلم حاله، وأن يكون الدعاء في حقه عبادة وليست عادة، وقد بدأت بهذا الأدب في الدعاء لتقصير كثير من الناس فيه. ٢- أن يطيّب الداعي مأكله ومشربه، فإن من أعظم أسباب رد الدعاء أن يأكل الداعي أو يشرب من مال حرام؛ لما رواه مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: ٥١] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه

стр. 155

إلى السّماء، يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنّى يستجاب لذلك؟!» «١» . ٣- أن يتخير من الدعاء جوامعه، فلا يقول مثلا في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من النار ومن سعيرها ومن أغلالها ومن زقومها) يكفيه ما كان يدعو به النبي ﷺ من التعوذ من النار، لما رواه مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النّار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدّجّال» «٢» . واسمع إلى جامع الدعاء الذي دعا به الخليل إبراهيم ﵇، قال تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [إبراهيم: ٤١] ، وقد أمر الله المؤمنين بعدم التعدي في الدعاء في قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] ، ومن أوجه التعدي: الدعاء بمحرم مثل قطيعة الرحم، أو التفريق بين الزوجين، أو الدعاء بما لا يمكن حدوثه، كطلب منازل الأنبياء في الجنة. ٤- أن يتخير الداعي الأوقات والأحوال الفاضلة التي يرجى فيها القبول، كدعاء الصائم عند الإفطار، وعند السفر، وعند المرض، وعند لقاء العدو، وفي الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، ونزول المطر، وكل ذلك وردت به السنة الصحيحة. ٥- ألايتعجل الإجابة، لما ورد في البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» «٣» ، ومن علامات تعجّل الإجابة أن يملّ العبد فيترك الدعاء بالكلية. ٦- على الداعي أن يبدأ دعاءه بالحمد والصلاة على النبي ﷺ ، وأن يكثر أثناء الدعاء من الثناء على الله بما هو أهله، فإن الله يجب الثناء عليه، لما ورد في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله ؛ من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش. وليس أحد أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرّسل» «٤» .

стр. 156

٧- على الداعي أن يظهر في الدعاء شدة الافتقار إلى الله ، وأن يظهر ما هو فيه من الحاجة، قال تعالى في معرض الثناء على دعاء زكريا: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: ٣- ٤] ففي الآية بعض آداب الدعاء التي يجب التأدب بها مثل: التيقن أن الذي تدعوه هو ربك، الذي خلقك ورزقك ورباك على نعمائه وآلائه، وأن تثبت له كل ما يتعلق بصفات الرب ﵎، من الخوف والرجاء والتوكل وحسن الظن والطمع فيما عنده، وأنه الغني عن السؤال وأنت الفقير إلى الجواب، وأنه سميع عليم مجيب، وبغير التيقّن من ذلك أثناء الدعاء، فلا يرجى للدعوة الإجابة، علمنا ذلك من قوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ [مريم: ٣] فلولا أن زكريا قد استشعر أن الذي يناديه ويدعوه هو الرب ﵎، وأنه تيقن في نفسه كل ما ينبغي للرب، ما زكاه الله بأنه كان يدعو ربه؛ لأن الدعوة إذا كانت باللسان دون القلب لا يعول عليها. الإخلاص لله في الدعاء، وألا ترى غيره إلها نافعا ضارّا لأنه لا يملك من الأمر شيئا، فزكريا ﵇ إنما نادى ربه، وأخلص في ذلك، ولو أنه كان يرجو أحدا مع الله، ما قال الله ﵎: إِذْ نادى رَبَّهُ. إخفاء الدعاء، فإن السر يعين على تحقيق الإخلاص في الدعاء، والبعد عن المراآة والسمعة، قال تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. إظهار شدة الافتقار إلى الله ، وما يوجد في الداعي من علامات الضعف الخفية والجليلة، قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، ووهن العظم هو من علامات الضعف الخفية، واشتعال الرأس بالشيب من العلامات الجلية، فلم يترك سببا لإظهار افتقاره إلا بذكره، حتى ضعف زوجته، فقال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً [مريم: ٥] . التوسل إليه أثناء الدعاء بصفاته وسابق إنعامه وفضله، حيث بدأ زكريا دعاءه بذكر صفة الربوبية التي بها ينعم الرب على عباده، قال تعالى: قالَ رَبِّ، ثم توسل إليه بقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: ٤] فهذا توسل بإقراره أن الله قد سمع كل دعواه السابقة، وأنه بفضله ورحمته استجاب لها كلها، وكان من فضل الاستجابة أنها رفعت عن زكريا كل أسباب الشقاء، وهذا كله كان استدرارا من زكريا لرحمات الله المتتابعة.

стр. 157

- الأدب في الدعاء وعدم ذكر ما يفيد التضجر من قضاء الله وقدره، فزكريا ﵇، قد بلغ منه الضعف ما ذكرت، وليس عنده ذرية، وامرأته عاقر، ومع ذلك لم يذكر في الدعاء ما يفيد عدم الرضا بقضاء الله وقدره، بل أقر بين يدي ربه أن دعاءه قد رفع عنه الشقاء. إظهار المصلحة في إجابة الدعاء، أو المفسدة الحاصلة من عدم الإجابة، قال تعالى على لسان زكريا: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم: ٥] . وقال: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم: ٦] . عدم استعظام أي دعاء على قدرة الله ﵎، حيث دعا زكريا بالولد، مع انقطاع كل الأسباب، وكأن قوله في الدعاء: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم: ٥] هو اعتراف بانقطاع كل الأسباب، وأن الولد سيكون هبة خالصة من الله. دعاء المضطر أرجى في الإجابة، خاصة إذا كان في أمور الدنيا، فزكريا ما دعا بالولد إلا بعد كبر سنه وخوفه على ضياع الدين من بعده، وقد يكون هذا من أدب الأنبياء في الدعاء، أنهم ما يدعون إلا مضطرين، وبما يرفع الحرج عنهم، انظر إلى دعوة موسى ﵇ لما أرسل إلى فرعون: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي [طه: ٢٧] ، فما طلب فك كل عقد لسانه بل طلب واحدة، يحصل معها أن يفقه المرسل إليهم قوله، وما دعا قبل الرسالة، إنما دعا بعد الإرسال مضطرا. قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢] . وانظر أخي القارئ، إنه عندما استوفى الدعاء غاية الكمال، كيف تحقق به غاية المنال؟! ٨- أن يتوسل إلى الله في الدعاء بأسمائه وصفاته التي تناسب الدعاء، قال تعالى على لسان زكريا: قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ [آل عمران: ٣٨] ، وتوسل سليمان فقال: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥] ودعا إبراهيم متوسلا ربه بصفتين من صفاته فقال: وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٢٨] ، وكان النبي يتوسل إلى الله بأنه هو الشافي المعافي روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ : يعوّذ بعضهم يمسحه بيمينه «أذهب الباس ربّ النّاس، واشف أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» «١» . ٩- أختم آداب الدعاء، بأدب عظيم، وهو أن على المسلم أن يبذل وسعه في الأخذ

стр. 158

بالأسباب، مع دعائه، وألا يركن للدعاء ويترك الأسباب، لمنافاته لعمل النبي ﷺ ، فكان النبي يستطبّ ويرقي نفسه، وكان يقاتل المشركين في بدر، ويبتهل بالدعاء، واعلم- يا من تريد التفريط في الأخذ بالأسباب- أن لله في خلقه سننا ما نقضها لأحب الخلق إليه، ولن ينقضها لمن هو دونه من باب أولى، ومن سنن الله في هذا الكون الأخذ بالأسباب، فإذا عجز العبد عن ذلك، فعليه بالدعاء، والله يعذره، لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] ، وقد بينت ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب. الفائدة الخامسة: عظيم اعتناء المولى بنبيه، ومن ذلك استجابة دعائه قبل الانتهاء منه، علمناه من قول أنس: (فو الذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال) «١» . فقبل الدعاء كانت السماء صافية كالزجاجة ليس فيها أي شيء من علامات المطر لا فوق المسجد، ولا فوق جبل سلع، قال أنس: (والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار) ، وأثناء الدعاء ظهرت سحابة صغيرة، ورد في رواية أنها مثل رجل الطائر، فانتشرت وأصبحت مثل الجبال، وقبل أن ينزل من المنبر كان المطر المبارك الذي رآه الصحابة يتقطر من لحيته ﷺ ، وتكررت استجابة دعاء الرسول أثناء الدعاء في الجمعة التالية، فقط رفع يديه إلى السماء يدعو بأن يكون المطر حول المدينة، فأمسك الله المطر في وقته، وتمزق السحاب، وطلعت الشمس بعد أن غابت جمعة كاملة لا يراها أحد فوق المدينة، بل الأعظم من ذلك، أنه كان يشير إلى كل ناحية من نواحي السحاب، فيتحول بإشارته ﷺ ، ورد عند البخاري (فما يشير بيده إلى ناحية من نواحي السحاب إلا انفرجت) ، وفي رواية عند مسلم: (ولقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملاءة حين تطوى) «٢» . قال ابن حجر- ﵀: فانظر كيف امتثل السحاب أمره بمجرد الإشارة «٣» ، انتهى. وأظن أن السحاب كان مأمورا بطاعته، كما أمر الله ملك الجبال أن يمتثل أمره، فعند البخاري من حديث عائشة: «فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها

стр. 159

جبريل فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت» «١» . وقلت: إن السحاب مأمور بطاعته؛ لأن السحاب آية من آيات الله مسخر بأمره، قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ [فاطر: ٩] ، وقد بسطت الحديث هنا مرة أخرى عن هذه التكرمة العظيمة من الله لرسوله ﷺ ، كي يستشعر كل مسلم، ويتيقن منزلة النبي عند ربه، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية. الفائدة السادسة: إذا علمت أخي المسلم عظيم حب الله لنبيه الكريم، مع أن الله هو الذي تفضل عليه بكل نعمة وتكرم عليه بكل منّة، أما سألت نفسك أخي القارئ، أين أنت من حب النبي ﷺ ؟ والنبيّ ﷺ هو الذي دلّك على كل خير لتفعله، وبيّن لك كل شر لتتجنبه، ودعا الله لك بكل خير دون أن يراك أو يعرفك، وخبأ دعوته العظيمة إلى يوم القيامة، لينالك من بركتها فتفوز بالمطلوب، وتنجو من المرهوب، ولن تقر عينه وتهدأ نفسه حتى يخرج آخر مسلم من أمته من النار، أخي المسلم هل بادلت نبيك هذا الحب؟ هل شكرت معروفه؟ هل رددت له جميله؟ هل همّك أمره كما همّه أمرك؟ إن كانت الإجابة ب «لا» ، فأسرع أخي المسلم لتعوض ما فاتك، فإذا كان الإنسان مجبولا على حب الخير، وحب من يسدي الخير، حتى وإن لم يصل إليه هذا الخير، فكيف بالذي أسدى إليك الخير، وأخرجك- بفضل الله- من ظلمات الوثنية إلى نور الوحدانية. ومن علامات حبه ﷺ ، اتباعه وطاعته فيما نحب ونكره، وتعظيم أمر سنته في نفوسنا، والتأدب معه، والتسليم لكل ما أمر ونهى، وأن نفتديه بأموالنا وأنفسنا وأهلينا، وأن نود رؤيته- في المنام- بالدنيا وما فيها، وأن نغضب لكل ما يؤذيه، وأن نحرص على كل ما يرضيه، وأن نقدم أهل بيته الميامين الأطهار على كل أحد، وأن نحب أصحابه الأخيار الأبرار، ونود لو أن نفتديهم بالنفس والنفيس. واعلم أخي المسلم، أنك لو فعلت ذلك ما كافأته على معروفه، ولا وفّيته حقه، فحقه أعظم من ذلك بكثير، والحمد لله الذي لم يكلفنا ما لا نطيق، ولكن معذرة إليه على تقصيرنا في حق نبينا، والله من فضله ورحمته يقبل القليل ويبارك فيه، ويعذر

стр. 160

عباده، فما من أحد أحب إليه العذر من الله. واعلم أخي المسلم أن كل ما ستفعله في حق نبيك وسنته وأصحابه، ستجده في موازين حسناتك أضعافا كثيرة، ستكون أول من يفرح بها يوم القيامة، مثال ذلك ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا علّي؛ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» «١» . وأقول أخيرا: إن كل من يحب يبذل من وقته وجهده وعقله لمن أحب، وكلما زاد الحب زاد البذل، فانظر أخي السلم كم تبذل لتعرف كم تحب، والسعيد هو الذي أحب وبذل، أما النبي ﷺ فقد وعده الله المقام المحمود واللواء المعقود والكوثر المقصود، والله سيفي له بالوعد ولو لم يؤمن به أحد إلى يوم القيامة. والذي ذكرت في هذه الفائدة هو مقصودي الأول من هذا الكتاب. الفائدة السابعة: الأدب الجمّ الذي كان عليه نبينا ﷺ مع ربه في الدعاء، حيث لم يدع بإمساك المطر، لما هدم البناء وغرق المال؛ لأن المطر نعمة من الله، وهو رزق السماء، فكيف ندعو بتوقفه، ولكن الأدب أن ندعو بالسلامة من أضراره، مع الانتفاع من إدراره، فكانت دعوته ﷺ : «اللهم حوالينا ولا علينا» ، وتحقق المراد من الدعوة. ويتفرع على ذلك عدم تأدب من يدعو على أولاده بالهلاك، وهم نعمة من الله ، فإن رأى منهم شيئا، فعليه أن يدعو لهم بالصلاح والتقوى، ويجتهد في الأسباب العملية لهدايتهم مع الدعاء. الفائدة الثامنة: مشروعية التوسل إلى الله بأهل الفضل والصلاح، لقول الأعرابي: (فادع الله لنا) ، ولو كان دعاء الأعرابي والنبيّ سواء، لأعلم النبيّ الأعرابيّ بذلك، وحيث لم يأت أن التوسل لله، خاص بالنبي ﷺ ، علمنا مشروعية طلبه من جميع أهل الصلاح والتقوى، ولكن بشرطين عظيمين: الشرط الأول: أن يكون المتوسّل به إلى الله حيّا وليس بميت، لما (رواه البخاري) عن أنس بن مالك: (أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى

стр. 161

بالعبّاس بن عبد المطّلب فقال: اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون) «١» . فهذا أعلم الأمة، الذي وافق كلامه كلام الرب ، يستسقي بالعباس ﵁، ولو كان التوسل بغير الأحياء جائزا، لتوسل بالنبي ﷺ ؛ لأنه أعظم قدرا من العباس، ولكن عدل الصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ بعد موته، يقول عمر في الحديث: (إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا) ، وقول عمر ﵁: «كنا» تفيد أن ذلك كان في حياته، وأنهم توقفوا عن ذلك بعد مماته، وإذا كان التوسل به ﷺ غير جائز بعد مماته، فهو غير جائز بمن دونه بعد مماته من باب أولى. وأهمس في أذن من يتوسل الآن بالنبي أو بغيره من الأموات، فأقول لهم: أأنتم أعلم بقدر النبي من عمر؟ أأنتم أعلم بمشروعية التوسل من أصحاب النبي؟ أأنتم أشد تعظيما للنبي منهم؟ كيف تتوسلون إلى الله بمحرّم؟ أكان عمر ﵁ يعلم أن التوسل بالنبي بعد موته جائز، ويعدل إلى من هو دونه؟ أم كان يجهل أن التوسل به ﷺ بعد موته جائز، ويقره على هذا الجهل- عياذا بالله- كبار الصحابة؟ أيها الناس عودوا إلى رشدكم، وتمسكوا بسنة نبيكم، إن كنتم حقّا تحبونه، فكذب من ادعى الحب بغير اتباع، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] . الشرط الثاني: أن يتخير العبد من يتوسل به إلى الله ، فيشترط فيه الصلاح والتقوى والامتثال للكتاب والسنة، فمن العبث أن نتوسل بأصحاب البدع، كالذين يطوفون بالقبور، ويتوسلون بالأموات، ويتمسحون بالأحجار، وفي المقابل ليتهم تمسكوا بالسنة، فقد ضيعوا صلاة الجماعة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانظر إلى عمر بمن توسل إلى الله بعد نبيه، توسل بعم النبي، فنعم المتوسّل به هو، وهي فائدة جليلة، أن الصحابة ﵃، كانوا يجلّون أصحاب بيت النبي ﷺ ؛ لأن عمر سأل العباس أن يستسقي لهم، بصفته عم النبي ﷺ . ومن أنواع التوسل الشرعي: ١- التوسل بالأعمال الصالحة ، فقد روى البخاري «٢» ، حديث الثلاثة الذين سدّ عليهم فم الغار، فتوسلوا بالأعمال الصالحة، والشاهد في الحديث أن النفر الثلاثة،

стр. 162

كانوا في أشد الحاجة إلى استجابة الله لدعائهم، فهم في ضر، ما بعده ضر، إذ لا حول لهم ولا قوة في دفع ما هم فيه ونجاتهم من الموت إلا الدعاء، فرأوا أن أرجى ما يتوسّل به إلى الله أعمالهم الصالحة، ولو كانوا يرون شيئا أنفع وأرجى في استجابة الدعاء لتوسلوا بها. ٢) التوسل بأسماء الله وصفاته: قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف: ١٨٠] ، وقد مر قريبا ضرب الأمثلة على ذلك في سياق الحديث عن آداب الدعاء، وهنا أقول: إن على الداعي أن يلتمس المناسب من أسماء الله وصفاته للدعاء الذي يدعو به، فلا يدعو ويقول: (اللهم أهلك الكافرين إنك أنت الغفور الرحيم) . والمناسب أن يتوسل في هذا الدعاء بصفات العزة والحكمة والقوة، فيقول: إنك أنت القوي الحكيم، أو العزيز الحكيم، وهكذا. الفائدة التاسعة: من آداب الدعاء، رفع العبد يديه إلى السماء؛ لأن ذلك من علامات الخضوع والذل والافتقار، كالفقير الذي يمد يديه إلى أحد الأغنياء، وقد وردت أحاديث برفع اليدين بالدعاء، كحديث الباب، والحديث الذي رواه مسلم عن عمر بن الخطاب، وفيه: (فاستقبل نبيّ الله ﷺ القبلة ثمّ مدّ يديه فجعل يهتف بربّه: «اللهمّ أنجز لي ما وعدتني اللهمّ آت ما وعدتني» «١» ، وهذه حجة أن النبي ﷺ لم يكن يقتصر على رفع يديه في دعاء الاستسقاء فقط، بل في دعاء الباب أنه رفع يديه بطلب الاستصحاء، وعلمنا من هذا الأدب أن السماء هي قبلة الداعي. المثال الرابع: عن أنس ﵁ قال: دخل النّبيّ ﷺ على أمّ سليم فأتته بتمر وسمن قال: «أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإنّي صائم» ثمّ قام إلى ناحية من البيت فصلّى غير المكتوبة فدعا لأمّ سليم وأهل بيتها فقالت أمّ سليم: يا رسول الله إنّ لي خويصة قال: «ما هي؟» قالت: خادمك أنس فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلّا دعا لي به قال: «اللهمّ ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه» فإنّي لمن أكثر الأنصار مالا وحدّثتني ابنتي أمينة أنّه دفن لصلبي مقدم حجّاج البصرة بضع وعشرون ومائة) «٢» .

стр. 163

الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ قد دعا لخادمه أنس، ﵁، فاستجاب الله دعاءه، كأحسن ما تكون الاستجابة، كما سنرى مفصلا، إن شاء الله، في الفوائد التالية. [فوائد الحديث] الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ : ١- تواضعه ﷺ ، حيث كان يزور خادمه في منزله، ويأكل عنده، بل يصلي غير المكتوبة. ٢- تلطف النبي ﷺ مع من يقدم له شيئا لا يستطيع أن يقبله لعلة شرعية، ففي هذا التلطف تطييب للخاطر وتهدئه للنفس، وحتى لا يظن مقدم الهدية أو غيره أن علة عدم القبول يرجع للزهد في الهدية، أو عدم ملائمتها والترفع عنها، أو عدم الرضا من الشخص الذي قدمها، علمناه من قول النبي ﷺ : «أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم» ، ومع أن هناك مصلحة لإخفاء النبي ﷺ صومه؛ لأنه عبادة، إلا أن دفع الضرر الذي قد يقع على المضيف، مقدم عن تلك المصلحة، وهذا أدب رفيع، يجب أن نتحلى به في تعاملنا مع الناس خاصة من هم دوننا، فلا عبوس في الوجه، ولا ترفع عن قبول هديتهم، ولا رد لقولهم بدون إبداء مبررات، ولا تحقير لشأنهم، وهذا الأمر نقع فيه صباحا ومساء، مع مخالفته لسنة المصطفى ﷺ . كما أن من تلطفه أيضا، أنه استجاب لطلب أم سليم لما طلبت منه أن يدعو لأنس، فما رد سؤالها بحجة أنه قد دعا لكل أهل البيت، وأنس من ضمن أهل البيت وستصله قطعا الدعوة. ٣- ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم حتى في الدعاء؛ لأنه في هذا المقام قد دعا لأنس بكل أنواع الخير قال أنس: (فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به) «١» . ٤- عظيم بركة دعاء النبي ﷺ ، حيث رزق أنس- بهذا الدعاء- أولادا كثيرين، أحصت ابنته من مات من صلبه بضعا وعشرين ومائة، ولا ندري كم إجمالي ما رزقه الله من أولاد وكم عدد أحفاده، أما المال فحدث ولا حرج عن البركة التي شملته بدعاء النبي ﷺ ، يقول أنس: (فإني لمن أكثر الأنصار مالا) فهل كان يظن أنس عندما سمع دعاء النبي ﷺ أن ماله وولده سيبلغان هذا القدر؟!، وهو الذي لم يقدم للنبي عندما زاره في بيته إلا التمر والسمن.

стр. 164

الفائدة الثانية: في أنس وأم سليم: ١- حب النبي ﷺ لهما، حيث زارهما في منزلهما، وصلى ودعا فيه، لتعم البركة البيت بالصلاة، والأهل بالدعاء، ثم خص أنسا بالدعاء، بناء على طلب الأم. ٢- إيثار أم سليم أنسا بدعاء مخصوص من النبي ﷺ وكأن الأم من حنانها وحبها العظيم لأولادها تؤثرهم حتى في أمور الآخرة، ونلمح أيضا من قولها: إنها كانت تحب أنسا حبّا خاصّا، عن بقية أولادها، وهذا جائز لأن النبي ﷺ ما عتب عليها هذا المسلك في تفضيل أنس، وأعتقد أن سبب هذا الحب قرب أنس من النبي ﷺ . ٣- فصاحة أم سليم، حيث وصفت أنسا أنه خويصة لها، وأبهمت بادئ الأمر اسمه للنبي ﷺ ، حتى يسأل هو عنه، وأظن أن إبهام اسمه، إما لتسترعي انتباه النبي ﷺ ، أو حتى لا تحرجه، فتجعله في فسحة من أمره، وتدبر كيف سيكون حال أنس إذا ذكرت أم سليم اسمه للنبي ابتداء ولم يلبّ النبي طلبها بالدعاء؟! ومن فصاحتها أيضا أنها ذكرت صفة أنس قبل اسمه فقالت للنبي ﷺ : (خادمك أنس) وذلك حتى تستدر عطف النبي ﷺ بذكر منزلة أنس منه. فكل من عاصر النبي ﷺ يشترك في فضل الصحبة، ولكن كم منهم نال شرف الخدمة والقرب، كما نال هذا الشرف العظيم أنسا؟ وما التمسته أم سليم في قولها: (خادمك أنس) قد تحقق بجوامع كلم النبي ﷺ في الدعاء. ٤- حب أم سليم، ﵂ للاستزادة من الخير، حيث طلبت من النبي ﷺ أن يدعو لأنس، وهو يدل أيضا على علمها ببركة دعاء النبي ﷺ ، وأن دعاءه مستجاب، وأن الله حفيّ به يسمع دعاءه ويحقق رجاءه. ٥- تعظيم الصحابي أنس ﵁ لأمور الآخرة، وتقديمها عن أمور الدنيا، حيث قال: (فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به) . ٦- منزلة أنس، ﵁، في الدنيا والآخرة: ففي الدنيا رزق المال الوفير الذي استخدمه في طاعة المولى ، والأولاد الكثر الصالحين البارين بأبيهم، وعلمنا أن هذا المال وهؤلاء الأولاد كانوا على هذا النحو من الخير والبركة؛ لأن دعاء النبي قيد بالبركة، لقوله ﷺ : «اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه» ولولا بركة المال والأولاد لكان الدعاء عليه لا له، فنعتقد أن البركة قد حلت في كل أوجه مال وأولاد أنس ﵁.

стр. 165

ولك أخي القارئ أن تتخيل بركة هذا الدعاء في آخرة أنس، وماذا أعد الله له من الثواب العظيم، فإذا كان بركة الدعاء جاءت على هذا الوجه في الدنيا- وهي دار وضيعة عند الله- فمن باب أولى أن يبلغه الدعاء في الآخرة على أكمل ما يكون، ويكفيه أن سيكون له أكثر من مائة وعشرين ابنا، نرجو الله أن يكونوا فرطه على الحوض، أرأيتم فضل خادم النبي ﷺ في الدنيا والآخرة. ٧- حفظ أنس ﵁ لسنة النبي ﷺ ، وحرصه على نشرها وتفقد أحواله التي تثبت تحقق دعاء النبي ﷺ والذي هو من دلائل نبوته، علمنا ذلك لأنه بعد عدة عقود- وقد بلغ أكثر من مائة عام- يحدث حديث النبي ﷺ ، ويقول فيه: (فإني لمن أكثر الأنصار مالا وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة) ونستفية أيضا من الحديث كيف بارك الله لأنس في صحته، حتى يكون له مثل هذا العدد من الأولاد والأحفاد، وفي عقله حتى يقص علينا من أخبار النبي ﷺ رغم تعديه المائة عام. ومن تعجّب من حفظ أنس لكل تلك الأحاديث النبوية، وروايته لها كما سمعها لم يبدل منها شيئا حتى بعد تعديه مائة عام، فليقرأ ما (رواه البخاري) ، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: يقولون: إنّ أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه، وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق بالأسواق، وإنّ إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني؛ فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النّبيّ ﷺ يوما: «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتّى أقضى مقالتي هذه ثمّ يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا» فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها حتّى قضى النّبيّ ﷺ مقالته ثمّ جمعتها إلى صدري، فو الّذي بعثه بالحقّ ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدّثتكم شيئا أبدا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى إلى قوله: الرَّحِيمُ [البقرة: ١٥٩- ١٦٠] «١» . الفائدة الثالثة: الأمر بعدم تعريض الطعام للتلف، وذلك بوضعه في الإناء أو المكان الذي يحفظه، وهو فرع من حفظ المال وهذا الأمر للوجوب لقوله ﷺ : «أعيدوا سمنكم

стр. 166

في سقائه وتمركم في وعائه» ، ولولا أن هذا الأمر كان لحكمة حفظ الطعام، فما الحكمة منه إذن؟ الفائدة الرابعة: في دعاء النبي ﷺ : ١- مشروعية التوسل إلى الله، بدعاء الصالحين، لقول أم سليم: (إن لي خويصة) ، وقد مر من قبل. ٢- مشروعية الدعاء لشخص باسمه، ودليله قول أم سليم: (خادمك أنس) . ٣- مشروعية الدعاء بخير الدنيا، وأن هذا الدعاء لا يعارض التوكل، أو الرضا بقضاء الله وقدره، مع ملاحظة أن أم سليم لم تطلب من الرسول الدعاء لأنس بخير الدنيا، ولكنه دعا له بذلك من تلقاء نفسه مما يؤكد مشروعية الحكم. ٤- مشروعية تمني كثرة المال، والدعاء بذلك، وأن كثرة المال من خير الدنيا شريطة أن يكون مالا مباركا، يأتي من حلال ويصرف في طاعة وقد يؤخذ منه تفضيل كثرة المال المبارك على الفقر. ب- استجابة دعائه ﷺ على الكافرين بالهلاك: المثال الأول: عن مسروق قال: كنّا عند عبد الله فقال: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رأى من النّاس إدبارا قال: «اللهمّ سبع كسبع يوسف» ، فأخذتهم سنة حصّت كلّ شيء حتّى أكلوا الجلود والميتة والجيف وينظر أحدهم إلى السّماء فيرى الدّخان من الجوع فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمّد إنّك تأمر بطاعة الله وبصلة الرّحم وإنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [الدخان: ١٠] إلى قوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٥- ١٦] فالبطشة يوم بدر وقد مضت الدّخان والبطشة واللّزام وآية الرّوم «١» . الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ لما رأى إبطاء قريش عن الدخول في الإسلام، وصدهم عن سبيل الله كثيرا، دعا الله أن ينزل عليهم عذابا من جنس ما نزل على قوم يوسف ﵇، وهو الجفاف الذي يسبب هلاك الزرع وموت الضرع، فاستجاب الله دعاءه، وكانت سنة سوداء

стр. 167

على قريش، حتى اضطروا إلى أكل ما يستقبح أكله كالجلد والحيوانات التي ماتت ونتنت، ثم استجاب الله لنبيه مرة أخرى فأنزل عليهم الغيث. [فوائد الحديث] وفي الحديث فوائد منها: الفائدة الأولى: حفاوة الله بنبيه إذ استجاب دعاءه وأنزل على قريش عذابا من جنس ما طلب النبي، بل زاد الأمر إلى أكلهم كل ما يتقذر ويستقبح، وهذا انتقام من الله لمن كذب وآذى النبي ﷺ ، ويتفرع على ذلك تهديد كل الأمم التي تكذب بالكتاب والسنة بأن ينزل بهم ما نزل بقريش لما آذوا الله ورسوله، وما يحدث من جفاف أو أعاصير شديدة، وأوبئة وزلازل تدمر كل شيء، ليس ذلك ببعيد، ولو هلك في هذه الكوارث مسلمون صالحون، فإنهم يبعثون يوم القيامة على نياتهم، ولن يضرهم- إن شاء الله- أنهم أخذوا مع الكافرين، شريطة أن يكونوا قد أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر قدر استطاعتهم، وتغيرت وجوههم مما رأوا من المعاصي. الفائدة الثانية: إقرار كفار قريش باستجابة الله لدعاء النبي، مما يعني إقرارهم بصدقه؛ لأن الله لا يستجيب أبدا لمن يكذب عليه، أو من يريد أن يضلّ عباده، وذلك أنهم أقروا أن ما حدث لهم من جفاف كان بدعوته ﷺ ، كما أنهم طلبوا منه مرة أخرى أن يدعو الله بكشف ما هم فيه، فهذا إقرار آخر منهم، ويتفرع على ذلك، إيمانهم بوجود الله ، الذي يسمع الدعاء ويجيبه، وهذا ما وضحته في الحديث اللاحق. الفائدة الثالثة: وجوب أن يرى المسلم فضل الله في إنزال رزق السماء، وهو المطر، وإخراج رزق الأرض، وهو النبات، وعلى العبد أن ينظر إلى حال من يفتقد هاتين النعمتين العظيمتين، وألايكون إيلافهما سببا في عدم رؤية فضل الله والشكر الجزيل عليهما، وأسوا ما في الأمر ألايشعر الإنسان بنعمة المولى إلا بعد أن يفقدها. الفائدة الرابعة: إقرار كفار قريش بحسن ما جاء به النبي ﷺ ، وما كان يأمر به من طاعة الله وفضائل الأعمال والأقوال، لقول أبي سفيان: (يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم) وهذا يدل على أن كفرهم به ﷺ إنما كان استكبارا عن الحق. الفائدة الخامسة: جواز الدعاء على الكافرين، بما قد يضر بعض المسلمين معهم، خاصة لو كان هذا الدعاء فيه مصلحة ترجح على الضرر الواقع بالمسلمين، وفيه أيضا؛

стр. 168

جواز الدعاء لرفع الضرر الواقع على الكافرين، وكل ذلك تحكمه المصلحة، سواء الدعاء لهم بالهداية، أو الدعاء عليهم بالهلاك. الفائدة السادسة: لا يريد الله، ، إيمانا جبريّا؛ لأن هذا الإيمان إيمان القالب وليس القلب، ولا قيمة له، والدليل من الحديث أن الرسول ﷺ ما اشترط على أبي سفيان إيمان كفار قريش حتى يرفع عنهم القحط، ولكن دعا لهم واستجاب الله الدعاء، ويكفي ذلك في إقامة الحجة على الكفار، بصدق دعوة النبي ﷺ ، قال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤] ، ونشير هنا إلى أن قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] ليس المراد منه، تخيير العباد بين الإيمان أو الكفر، كما يفهم ذلك الكثير من الناس، ولكن الفهم الصحيح للآية أنها من باب التهديد والوعيد لمن لا يؤمن، وأن العبد ليس مخيرا بين الإيمان والكفر. والدليل من نفس الآية قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف: ٢٩] . الفائدة السابعة: في الحديث بيان للمقصود من قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [الدخان: ١٠] ، وقوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٦] ، فالآيتان يقصد بهما ما حدث للكفار- في حديث الباب- من المجاعة والهزيمة العظيمة التي لحقت بهم في غزوة بدر، وكثير من الناس يفهم أن هاتين الآيتين- الدخان والبطشة- هما من علامات يوم القيامة، وهذا خطأ. الفائدة الثامنة: بيان ما عليه الكفار من النكوص على الأعقاب ونقض الوعود؛ لأن الكفار قد وعدوا النبي ﷺ بالإيمان، لو كشف عنهم ما وقع بهم من القحط، ولكنهم أصروا على الكفر بعد أن كشف الله عنهم، قال تعالى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [الدخان: ١٥] ، وهى سنة من قبلهم، قال تعالى على لسان بني إسرائيل لنبيهم موسى ﵇: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ [الزخرف: ٤٩- ٥٠] . الفائدة التاسعة: قد يستجيب الله ، ويكشف العذاب عن الكافرين لو وعدوا أنهم سيؤمنون، مع أن الله يعلم كذبهم، كما حدث مع اليهود، ومع كفار قريش، ويكون هذا من باب الاستدراج لهم، وتسجيل مواقف تبين كذبهم وعنادهم، وتقيم عليهم الحجة الدامغة، لأنهم قد رأوا من الآيات ما يجعلهم يؤمنون، ولكنهم أبوا. المثال الثاني: عن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت وأبو جهل

стр. 169

وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلمّا سجد النّبيّ ﷺ وضعه بين كتفيه قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنّبيّ ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتّى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت- وهي جويرية- فطرحته عنه ثمّ أقبلت عليهم تشتمهم، فلمّا قضى النّبيّ ﷺ صلاته رفع صوته ثمّ دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا ثمّ قال: «اللهمّ عليك بقريش» ، ثلاث مرّات، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضّحك وخافوا دعوته، ثمّ قال: «اللهمّ عليك بأبى جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأميّة بن خلف وعقبة بن أبي معيط» وذكر السّابع ولم أحفظه، فو الّذي بعث محمّدا ﷺ بالحقّ لقد رأيت الّذين سمّى صرعى يوم بدر ثمّ سحبوا إلى القليب قليب بدر) «١» . الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ قد دعا على سبعة من كفار قريش لما آذوه، فاستجاب الله دعاءه في السبعة كلهم جميعا، فهلكوا في غزوة بدر الكبرى، ودفنوا في القليب، والقليب هو البئر. فوائد الحديث: الفائدة الأولى: بيان عظيم الأذى الذي لاقاه النبي من كفار قريش، يتبين ذلك من: ١- إلقاء سلا الجزور على ظهره في أشرف الأماكن- في البيت الحرام- وهو في أشرف الأوضاع- ساجدا لله- مما يؤذيه أكثر وأكثر. ٢- ضحك الكفار عليه بعد إلقاء القاذورات، وهم أحقر الناس عند الله وعند رسوله، حتى مال بعضهم على بعض من كثرة الضحك. مما يزيد الإيذاء، فالإيذاء هنا نفسيّ وبدني. ٣- لم يجد النبي ﷺ أحدا من أصحابه يدافع عنه، في هذا الموقف فبقي ساجدا صابرا حتى جاءت فاطمة ﵂ فطرحت عنه الأذى. ومما كان يزيد البلاء على النبي ﷺ ، أنه ما اعتاد الأذى والاستهزاء قبل نبوته، بل كان

стр. 170

معززا مكرما، حسيبا نسيبا في قومه، يتحدث الناس عنه ويثنون عليه خيرا، فيكون الضرر الواقع عليه بسبب أذى الناس بعد النبوة مضاعفا، ويحتاج تحمله إلى صبر مضاعف، ورباطة جأش أكبر مما لو كان مهينا بين الناس قبل البعثة. الفائدة الثانية: مناقب فاطمة ﵂: ١- حضورها من بيتها، لما سمعت ما وقع للنبي ﷺ ، وتجرؤها على طرح الأذى، وكان طرحه يحتاج إلى شجاعة؛ لأن عبد الله بن مسعود لم يجترأ أن يفعله، وقد تمنى أن لو كان له منعة وقوة يركن إليهما ليطرحه، تجرأت فاطمة، مع أنها كما ذكر الراوي، جويرية، أي حديثة السن. ٢- كما تجرأت فاطمة مرة أخرى، بأن سبت أكابر قريش، وتدبر أنها لم تسبهم خفية في نفسها، ولم تسبهم مدبرة عنهم ولكن أقبلت عليهم تشتمهم، وكما ذكرت من قبل كانت جارية حديثة السن. ٣- حبها العظيم للنبي ﷺ ، مما دفعها إلى طرح الأذى عنه، وسبها لمن فعل ذلك، معرّضة حياتها للخطر؛ لأن قيام الكفار بإيذائها كان أمرا واردا. ٤- حفظ الله لها عرضها وشرفها، بأن وقاها من رد صناديد الكفار عليها، ولو باللسان، بالرغم أنها قد سبتهم في وجوههم، وأعتقد أن الله قد ألقى في قلوبهم الرعب منها، وإلا فما الذي يمنعهم من رد سبها، مع أنهم آذوا النبي ﷺ أبلغ الايذاء. الفائدة الثالثة: بعض شمائله ﷺ : ١- شجاعته وصدعه بالحق، وعدم خوفه من أذى الكفار، حيث كان يصلي عند البيت على مسمع ومرأى من الكفار، وهو يعلم تربصهم به، وحرصهم على إيذائه. ٢- ومن شجاعته أنه دعا عليهم بصوت عال حتى يسمعوا، ولو كان خائفا لأسر بالدعاء. بل إنه دعا عليهم ثلاثا، كعادته في سائر دعائه، فلم يكتف بواحدة اتقاء لشرهم. ٣- انتقام الله من الذين أغضبوه وآذوه وألقوا عليه سلى الجزور، بأن أهلكهم جميعا في أول موقعة بينه وبين المشركين، وأذلهم بعد موتهم غاية الإذلال، بأن نتنت أجسادهم وكان مثواهم الأخير أن قلبوا في البئر.

стр. 171

الفائدة الرابعة: تسلية كل من يتعرض للإيذاء في سبيل الله، وأن هذا سبيل الأنبياء، الابتلاء والصبر على الإيذاء، وتكفل الله أن تكون العاقبة لهم ولأتباعهم. الفائدة الخامسة: في أبي جهل وأصحابه: ١- الذي يباشر المعصية، أعظم خطرا، وأكبر وزرا، من الذي يدل عليها أو يرضى بها، فأبو جهل هو الذي اقترح إلقاء سلا الجزور، وبقية القوم رضوا عن هذا العمل وضحكوا منه، ولكن راوي الحديث، حكم على عقبة بن أبي معيط، أنه أشقى القوم؛ لأنه هو الذي باشر تلك الفعلة. ٢- يعلم كفار قريش، خاصة المدعو عليهم، أن لهذا الكون إلها، حيث ورد في رواية البخاري (فشق عليهم إذ دعا عليهم) ، دل ذلك على إيمانهم بالرب ، وأنه يسمع الدعاء ويلبي النداء، وينتصر للمظلوم. ٣- علم هؤلاء الأشقياء صدق نبوة الرسول، لأنهم خافوا أن يستجيب الله دعاءه، ولولا يقينهم بأنه رسول الله حقّا ما خافوا دعاءه لأن الله لا يستجيب دعاء من يكذب عليه، ويدعي النبوة. ٤- تعظيم الكفار لبيت الله الحرام، وأنهم يرون فضله وشرفه على بقية البقاع، حيث ورد في رواية البخاري: (وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة) «١» . الفائدة السادسة: جواز الدعاء على الكافرين بالهلاك وسوء الخاتمة، مع تعيين أسمائهم، وإن كان الرسول قد دعا لبعض الكافرين بالهداية، فنتعلم من ذلك أن النبي كان يرجح بين المصالح والمفاسد، ويختار الأصلح في كل واقعة، وهذا يدل على حكمته وتوسّطه في الأمر. الفائدة السابعة: سفاهة الكافرين، وخفة عقولهم، حيث استعجلوا نزول العذاب من الله، بالتطاول على النبي ﷺ بالاستهزاء والإيذاء، وكان من العقل والحكمة، حتى وإن كفروا، ألا يبالغوا في العداوة والبغضاء، ويجعلوا لأنفسهم مجالا للعودة والتوبة، بدلا من أن يحكموا على أنفسهم في فترة الإمهال بسوء الخاتمة، ولكن انطبق في حقهم قوله تعالى: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء: ٢٠٤] . يتفرع على ذلك، أن على كل مسلم، أن يأخذ من الحديث الدرس والعبرة، فلا

стр. 172

يستعجل عذاب الله، فلا جدال في آيات الله بغير حق، ولا إنكار لما جاء في الكتاب والسنة، ولا استهزاء بحرمات وشعائر الله، فهذا كله يعجل عذاب الله، ولا أحد يقدر عليه، انظر ماذا فعل الله بالمستهزئين برسوله، وقد كانوا في فسحة من أمرهم، ولكن بالضحك والهزل وبكثير من الكبر، أذلهم الله بعد أن كانوا أكابر، وجعلهم أحاديث بعد أن كانوا أساطير، ولا أحد يتصور ما أعده الله لهم من العذاب الأليم يوم الدين، فلو لم يعذبهم الله على أي عمل اقترفوه، غير هذه الفعلة النكراء، فسيرون من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وليحذر كل مسلم يستهزئ بالكتاب والسنة أن تصيبه شؤم دعوة النبي ﷺ . الفائدة الثامنة: التحذير من رفقاء السوء، فالظاهر من الحديث، أن بعضهم حرّض بعضا على هذه الفعلة، ولو أن فيهم صالحا أو عاقلا لنهاهم عن هذا المنكر ولنصحهم بالمعروف. الفائدة التاسعة: اعتناء الصحابة بسنة نبيهم، حيث حفظ الصحابي، عبد الله بن مسعود، أسماء من دعا عليهم النبي بمكة، ولما حضر غزوة بدر بعد الهجرة، كأنه راقب الذين آذوا رسول الله، وتأكد برؤية العين أنهم قتلوا وألقوا في القليب، وهذا أيضا من اهتمامهم بكلام النبي ﷺ ، يريدون أن يعرفوا مال من دعا عليهم النبي ﷺ . ويماثله ذلك أيضا مراقبة أحد الصحابة للرجل الذي أبلغهم النبي أنه من أهل النار، فراقبه حتى علم سر كلام النبي ﷺ ، وكانت هذه الأمور تزيدهم إيمانا ويقينا بالله ورسوله. ج- استجابة دعائه في هداية الكافرين: عن أبي هريرة قال: (كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» فخرجت مستبشرا بدعوة نبيّ الله ﷺ فلمّا جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمّي خشف قدميّ فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثمّ قالت: يا أبا هريرة أشهد ألاإله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا

стр. 173

رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال: قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا، قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمّه إلى عبادك المؤمنين وحبّب إليهم المؤمنين» فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبّني) «١» . (رواه مسلم) . الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ ، قد دعا لأم أبي هريرة، بأن يهديها الله للإسلام، فما بلغ أبو هريرة البيت، إلا وقد أسلمت أمه، بعد أن كانت منذ وقت قصير جدّا، تقول في النبي ﷺ ما نكره جميعا، فاستجاب الله دعوة نبيه على الفور، وأسلمت المرأة وهي وحدها في بيتها، دون أن يدعوها أحد للإسلام، أي أسلمت بالدعاء وحده. ولنقف- أخي المسلم- على عظيم بركة دعاء النبي ﷺ ، اسمع لقول أبي هريرة آخر الحديث لما دعا النبي ﷺ له أن يحببه وأمه إلى عباد الله المؤمنين، قال: (فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) ، أي أن دعاء النبي ﷺ لم يقتصر على المؤمنين في وقت الدعاء، ولم يقتصر على المؤمنين الذين رأوا أبا هريرة وتعاملوا معه، بل عم الدعاء كل المؤمنين في زمن النبوة وما بعدها، وشمل كل من سمع عن أبي هريرة، حتى وإن لم يره، وهذا مشاهد لا ينازع فيه أحد. وعلى المسلم أن يقف مليّا عند هذا الدعاء ليتدبره ويزيد به إيمانه. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: وجوب دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، خاصة ذوي القربى؛ لأنهم أولى بالمعروف، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ، وعلى المسلم ألا يمل من دعوتهم، ويكرر عليهم الدعوة ما أمكنه، لقول أبي هريرة: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشكرة فدعوتها يوما) وعلى المسلم أيضا أن يدعو لغير المسلمين بالهداية، كما فعل أبو هريرة. الفائدة الثانية: ما يجب أن يكون عليه المسلم من غيرة على محارم الله، خاصة الأنبياء، وأن يحزن لما يسوءهم وينال من أعراضهم، وعليه أن يظهر ذلك؛ لأن أبا هريرة كان يدعو

стр. 174

أمه دائما، لكنه لما سمع ما يكره في حق النبي، بكى، وهو الذي لم يبك من قبل لرفضها دعوته للإسلام، وما ذهب للنبي ﷺ يشكو حال أمه إلا هذا اليوم، كل ذلك يدل على غيرته على رسول الله وأن يمسه أحد بسوء، ولو كانت أمه. كما أن على المسلم أن يحزن ويبكي إذا سمع أحد ينتقص من قدر الله ورسوله، ويكون ذلك خوفا على المتكلم من سوء الخاتمة، وكل من لا يظهر ذلك ولا يتأثر به، ففي قلبه شيء حال بينه وبين هذا الحزن، فعليه أن يفتش في نفسه ويتدارك أمره. الفائدة الثالثة: ما يجب أن يكون عليه المسلم من تعظيم لأبويه، ولو كانا مشركين؛ لأن أبا هريرة سمع من أمه ما يكره ويبكيه في حق أحب الخلق إليه، ولم ينهرها أو يوبخها عما قالت، والدليل على صحة ما فعله أبو هريرة، أن الرسول ما لامه عن سكوته لما سمع ما يؤذي النبي ﷺ . وكان هذا هو التوجيه الرباني لهم، قال تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [لقمان: ١٥] ، فأمرنا الله بمصاحبتهما بالمعروف في حال كونهما كفارا، يبذلون ما في وسعهم لدعوتنا للشرك، وترك ما نحن عليه من الإيمان، فما بالكم لو كان الوالدان كفارا ولم يصدّانا عن الإيمان، أو كانا مسلمين لكن فيهم بعض المعاصي، وكيف يجب أن يكون حالنا معهم، إذا كانا مسلمين طائعين بارين، كيف تكون معاملتنا معهم؟ أرى أن كثيرا من المسلمين قد فرطوا في هذا الجانب أشد التفريط، حتى وقع فيه من يبدو عليه علامات الصلاح والتقوى، ووالله إنه لنذير شؤم على الأمة كلها، فعلى الجميع أن يتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ألا يعقل المسلم صاحب الدين كيف قرن الله بين الشرك وعقوق الوالدين؟! قال تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [الإسراء: ٢٣] ، وقد عدّ النبي العقوق من أكبر الكبائر، وتأمل أخي المسلم حديث الثلاثة الذين مالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة، فتوسلوا إلى الله بأحسن أعمالهم حتى ينجيهم من الموت، فما وجد أحدهم لنفسه عملا أعظم من أنه أتى ذات ليلة باللبن ليسقي والديه، فوجدهما نائمين، فكره إيقاظهما من نومهما، وكره أن يبدأ بالصبية، وهم يتضاغون تحت رجليه ليسقيهم اللبن فأبى، حتى طلع الفجر، وهو واقف يحمل اللبن والأولاد يبكون، لقول الرجل في الحديث: (فما زال ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر) «١» وتقبل الله دعاءه بسبب هذا

стр. 175

العمل، وانفرجت فرجة في باب الغار، والغريب في الحديث، أن الله قد قبل منه العمل، مع ما لقاه الأطفال من شدة، وكان يمكن أن يسقيهم ويبقي ما يكفي والديه، ولكنه كره فقط أن يقع في شبهة تقديم أولاده على والديه ولو صوريّا. من منا الآن يقدر على بر والديه مثل هذا أو حتى قريبا منه؟ وقد أطلت في العرض لخطورة الأمر. الفائدة الرابعة: ثقة الصحابة، ببركة دعاء النبي، لقول أبي هريرة: (فخرجت مستبشرا بدعوة النبي ﷺ . وفيه جواز طلب الدعاء من أهل الدين، ومن نظن فيهم خيرا، وفيه رعاية النبي ﷺ لأصحابه، إذ كانوا يذهبون إليه ويشتكون إليه ما يجدون حتى من أقرب الناس إليهم، ولا يتحرجون أن يقولوا له عظيم الأمور، يقول أبو هريرة: (فأسمعتني فيك ما أكره) ، ولا يجد هو ﷺ في نفسه غضاضة من هذا القول، بل يدعو الله لها بالهداية فتهتدي، وهذا من عظيم رحمته ﷺ وشفقته بالناس، مؤمنهم وكافرهم، وصدق الله الذي يقول: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] . الفائدة الخامسة: عدم غضب النبي ﷺ لنفسه والانتقام لها، حيث دعا لمن قالت في حقه السوء، ودعا لها في نفس المجلس، ولو أنه شعر في نفسه غضبا منها، ما دعا لها حتى يذهب ما في قلبه. الفائدة السادسة: ما كان عليه الصحابة من تحقيق أمر العقيدة الصحيحة، وكانوا على علم وبصيرة بالأمور التي تخص الله وحده، ولا يشاركه فيها أحد، حتى أحب الخلق إليه، هو النبي ﷺ والذي علمهم ورباهم على التوحيد الخالص، قال أبو هريرة: (فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة) . ثم لما أسلمت أمه عاد إلى النبي ﷺ فقال له: (قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة) . فعلم الصحابي الجليل، أبو هريرة، رغم حداثة سنه، أن الدعاء للنبي ﷺ ، والهداية لله وحده، فلم يخلط بين الأمرين، كما خلط كثير من الناس هذه الأيام. الفائدة السابعة: من السنة حمد الله والثناء عليه، عند نزول النعم ورفع النقم، خاصة إذا كان بسبب استجابة الله لدعاء العبد، وعلى العبد ألا ينسى بعد استجابة الدعاء وتفريج الكروب صاحب الفضل ، قال أبو هريرة حاكيا عن النبي: (فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا) ، كما لم ينس أبو هريرة أن يبشر من دعا له وأجرى الله الخير على يديه، فبعد إسلام أم أبي هريرة، رجع إلى الرسول ﷺ كأنه يشكره (فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح) . وهذه السنة يجب أن نتمثل بها، وألا ننسى من

стр. 176

أسدى إلينا معروفا، وألا نتنكر لأصحاب الفضل بعد أن يقضي الله لنا حوائجنا بفضل شفاعتهم. الفائدة الثامنة: ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من رقة القلب، وهذا ما يجب أن يكون عليه حال المسلم؛ لأن النبي ﷺ ذم الفظ الغليظ، روى البخاري، عن معبد بن خالد قال: سمعت حارثة بن وهب الخزاعيّ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ كلّ ضعيف متضعّف لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر» «١» ، انظر إلى أبي هريرة بكى في الأولى من الحزن، وبكى في الآخرة من الفرح، وهذه عائشة ﵂ تحكي عن أبيها فيما (رواه البخاري) (إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس) «٢» ، والأسيف، هو رقيق القلب، كثير البكاء، ومن يرى في نفسه قلة البكاء، فعليه أن يبكي على حاله. الفائدة التاسعة: على المسلم أن يستزيد من الخير، خاصة إذا كان في حضرة الصالحين، وقد ذكرت ذلك، في حديث أم حرام، ويبدو هنا أن أبا هريرة قد أغراه استجابة الله دعاء نبيه بهداية أمه، فسأل النبي ﷺ أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين، ويحبب المؤمنين إليهم. الفائدة العاشرة: فضيلة الحب في الله ، وهو أن تحب المؤمنين، وأن يحبك المؤمنون، ليس لغرض دنيوي، ولكن لكونك مؤمنا وهم مؤمنون، وقد حث النبي ﷺ على هذا الحب، فروى البخاري، عن أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النّار» «٣» . والدليل على فضيلة الحب من الحديث، أن أبا هريرة، سأل النبي أن يحبب فيه المؤمنين وأن يحببه إلى المؤمنين، وما ذاك إلا لفضيلة الحب في الله، ولو لم يكن ذلك شيئا مستحبا شرعا، ما أقره النبي ﷺ على هذا الطلب، بل دعا له به، واستجاب الله الدعاء. الفائدة الحادية عشرة: على كل مؤمن أن يحب أبا هريرة وأمه، وأن يجد في قلبه أثر هذا الحب، ومن لم يجده، فعليه أن يقرأ مناقب أبي هريرة وأمه، حتى يتشبع قلبه بحبهما، فإن لم

стр. 177

يجد هذا الحب، فليعلم أن في قلبه شيئا وأن إيمانه لم يكمل؛ لأن النبي ﷺ دعا لهما أن يحبهما كل عباد الله المؤمنين، ولم يخص طائفة دون طائفة، ولا زمنا دون زمن، فكونك لا تحبهما فمعناه أن إيمانك ناقص، وأن دعوة النبي ﷺ لم تشملك. ١٦- تكثير الطعام والشراب: عن أبي هريرة كان يقول: (ألله الّذي لا إله إلّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثمّ مرّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثمّ قال: «يا أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «الحق» ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللّبن؟» قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: «أبا هر» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي» قال: وأهل الصّفّة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أحقّ أنا أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال: «يا أبا هر» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «خذ فأعطهم» قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وقد روي القوم كلّهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسّم فقال: «أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «بقيت أنا وأنت» قلت: صدقت يا رسول الله قال: «اقعد فاشرب» فقعدت فشربت فقال: «اشرب» فشربت فما زال يقول: «اشرب» ، حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكا قال: «فأرني» فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة) «١» .

стр. 178

الشاهد في الحديث: أن قدح اللبن قد شرب منه سبعون من أهل الصفة كما ورد في روايات الحديث، وشرب منه أبو هريرة والنبي ﷺ ، وبقى منه، ويبدو أن القدح لم يكن مملوآ، لقول أبي هريرة (فوجد لبنا في قدح) ، ولم يقل: وجد قدحا مملوآ لبنا، وهي معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وانظر كيف شرب كل رجل عن جوع حتى روي. فوائد الحديث: الفائدة الأولى: فيما يخص النبي ﷺ : ١- فراسة النبي ﷺ ، حيث عرف ما في نفس ووجه أبي هريرة، دون أن يسأله عن شيء، فعلم أنه يريد أن يدعوه أحد إلى طعام يسد جوعه، وما في وجهه هو علامات الجوع، وأقول: إن ذلك كان فراسة من النبي ﷺ ؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄، قد مرّا على أبي هريرة وكلماه ولم يفطنا إلى ما يريد، أما الرسول ﷺ ، فعرف ما به دون أن يكلمه، ويتفرع على ذلك، أن الفراسة منحة من الله وأن الناس يتفاوتون فيها بين مكثر ومقل. ٢- تلطف النبي ﷺ مع أصحابه ، ولو كانوا خدما أو فقراء يتبين ذلك من المواقف التالية: أ-) تبسمه لأبي هريرة، حين رآه يجلس على الطريق، وذلك ليطمئنه أنه قد عرف ما به، ويبشره بالخير. ب) مناداته أبا هريرة، بكنيته، بل بصيغة التصغير «أبا هر» زيادة في التلطف، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المسلم، مع الخدم والفقراء، لا أن يترفع عليهم ويزدريهم، ويستكبر أن يناديهم بأسمائهم، فيشير إليهم إشارة، والبعض يترفع غاية الترفع، أن يأكل معهم، وكل ذلك مخالف للسنة. ج) تبسمه مرة أخرى لأبي هريرة، بعد أن شرب القوم جميعا، كأنه يقول له: كنت أعلم ما في نفسك وخوفك أن اللبن لن يبلغك، وتلطفه بقوله: «بقيت أنا وأنت» . ٣- تورعه ﷺ عن أكل الحرام وحرصه على ذلك، حيث سأل عن اللبن الذي وجده في القدح، ليعلم أهو صدقة أم هدية؛ لأن الأكل من الصدقة حرام على الأنبياء، ويتفرع على هذا أن المسلم إذا وجد مالا أو طعاما، واستشكل عليه أمره، يجب عليه أن يسأل عنه،

стр. 179

ولو كان في بيته، خاصة إذا اعتاد أن يضع الناس عنده أمانات، ولا يقول: الأصل الإباحة، وليعلم كل مسلم أن أكل الحرام يذهب تقوى القلب، ونضرة الوجه، وهو الذي يرد دعوة المسلم، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم وفيه: (ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟) «١» . ٤- مراقبة الله لأحوال نبيه ، وعدم إساءته في ضيفه، ولذلك رزقه اللبن، فالنبي دعا أبا هريرة لما رأى عليه علامات الجوع، وما كان النبي يعلم أن في البيت شيئا يطعمه ضيفه، قال أبو هريرة: (فوجد لبنا في قدح) ، وهذه تكرمة من الله لرسوله ﷺ . ٥- تواضعه ﷺ ، ويتبين ذلك من: أ) دعوته أبا هريرة إلى بيته، ولم يحله إلى أحد الصحابة الأغنياء، ليتولى ذلك، ثم دعوته بقية أهل الصفة الفقراء، ليشاركوه الشراب. ب) شربه من القدح، بعد أن شرب القوم جميعا، ولم يترفع عن ذلك، ولم يجد غضاضة أن يشرب من نفس القدح، ويقول أبو هريرة: (فشرب الفضلة) أي الذي بقي بعد شبع القوم. ٦- تربيته القولية والفعلية للأمة: تتمثل القولية في قوله ﷺ لأبي هريرة: «اقعد فاشرب» فأمره بأدب الشراب والطعام، وهو القعود، أما التربية الفعلية، فقد سمى قبل أن يشرب، فتعلمها أبو هريرة، وحفظها ونقلها للأمة، فكانت التسمية أدبا لها إلى يوم القيامة. ٧- إيثاره ﷺ : ويتبين ذلك من: أ- تعوده ﷺ أن يشاركه أهل الصفة الهدية، مع أنه كان يرسل إليهم كامل الصدقة، ولم يقل: الصدقة لهم، والهدية لي. ب- أمره أبا هريرة أن يشرب قبله، ويأمره أن يشرب عدة مرات، حتى غاية الشبع. ٨- كمال عبوديته لله ، حيث حمد الله، بعد أن شرب القوم كلهم، فثناؤه على الله، كان بمناسبة البركة التي جرت على يديه في اللبن، حتى شرب القوم عن آخرهم، وكان من دأبه ﷺ ، أن يرجع الفضل لله، ، ويثني عليه بذلك،

стр. 180

فتتعلم أمته هذا الهدي النبوي، قال أبو هريرة: (فحمد الله وأثنى عليه) . الفائدة الثانية: مناقب أبي هريرة: ١- استعفافه: حيث إنه لم يسأل الناس رغم شدة جوعه، حتى ظن من يمر به أن به صرعا أو جنونا، ومع ذلك استعفف ولم يسأل، والله قد رباهم على ذلك، حيث مدح في كتابه العزيز هذه الطائفة، فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣] ، كما رباهم النبي ﷺ على ذلك، فقد روى البخاري بإسناده عن الشّعبيّ قال: حدّثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من النّبيّ ﷺ فكتب إليه سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السّؤال» «١» ، فإذا كان أبو هريرة قد تعفف عن سؤال ينجيه من الهلاك، فمن باب أولى، أن يتعفف المسلم عن سؤال ما يكمل به حياته، وأن يتعفف من باب أولى في باب العبادات، ومثاله، الذين يطلبون الحج مع الناس لينفقوا عليهم، ولا يجدون في ذلك غضاضة في أنفسهم، أو يخرجون من بيوتهم قاصدين الحج، وليس معهم زاد، ويقولون نحن المتوكلون، وفي نيتهم النزول عالة على غيرهم، هذا كله مخالف لسنة الحبيب ﷺ . ٢- كمال طاعته للرسول ﷺ : يتبين ذلك من: أ- مسارعته إلى دعوة أهل الصفة، امتثالا لأمر النبي ﷺ ، مع ما كان يشعر به من جوع، واعتقاد أنه أولى الناس بهذا اللبن، ليتقوى به، فلم يجادل أو يراجع النبي ﷺ في أمره، بل لم يطلب منه أن يشرب من اللبن قبل دعوة أهل الصفة، ليذهب ما يجده من شدة الضعف، وهذا أدب ما بعده أدب، امتثلوا أمر الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١] ، وفهموا أن عدم التقديم يشمل كل شيء، في العبادات والعادات. ب- طاعته للرسول، في تكرار الشرب من القدح حتى امتلأت معدته، ولم يتوقف عن الشرب إلا بعد عدم وجود منفذ للزيادة، كأنه إذا زاد من اللبن، فلن يصل إلى معدته، وكان من أدبه أنه لم يردّ أمر النبي بزيادة الشرب تصريحا، بل قدّم العذر الخارج عن إرادته، فقال: ما أجد له مسلكا.
следующие страницы →