← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عند أبيه إبراهيم ﵊، يتبين ذلك من صيغة الدعاء وكيفية استجابة الله له ونجمل ذلك فيما يلي: ١- استفتح إبراهيم ﷺ دعاء بلفظ رَبَّنا استدرارا لرحمات الله ﵎ وأنه بمقتضى ربوبيته لخلقه التي تستلزم الرعاية والتربية والهداية يبعث في الأمة مثل هذا الرسول الكريم. وقد حذف الخليل من دعائه حرف النداء (يا) إشعارا بقربه من الرب جل في علاه. ٢- اختار إبراهيم ﷺ لنبينا محمد ﷺ أشرف نسب على وجه الأرض، وهي ذرية إسماعيل ﵇، قال صاحب التفسير الميسر في تفسير الآية: (ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق) . ٣- اختار إبراهيم ﷺ لختم الدعاء- وهذا من فقهه وعلمه- اسمين كريمين يتوسل بهما إلى الله تعالى لتحقيق دعائه على أحسن ما يكون، وهو العزيز الحكيم، فبعزته ﵎ أرسل رسولنا الكريم ونصره وأيده بالآيات الباهرات، الكونية والشرعية، فأظهر دينه على كل الأديان والملل والنحل، وبمقتضى حكمته ﵎ اختار خير خلقه أجمعين ليحقق به دعوة الخليل ﷺ . قال عز من قائل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] . ٤- من فضله ومنته ﵎ أن أجاب دعوة إبراهيم ﷺ على أحسن ما يكون، بل زاد عليها، بأن جعل النبي المبعوث شاهدا ومبشرا ونذيرا، وجعله خير الأولين والآخرين، وختم به سلسلة الأنبياء والمرسلين. الفائدة الثانية: كان دعاء الخليل ﷺ والذي استجابه الله ﵎ على أحسن ما يكون، خير تزكية لنبينا ﵊ من قبل بعثته بقرون طويلة، يتبين ذلك من: ١- أنه يكفيه ﷺ شرفا ورفعة أن تكون بعثته ببركة دعاء خير الأنبياء- بعد نبينا ﷺ الخليل إبراهيم ﷺ . ٢- أنه ﷺ سيأتي بكتاب يتعبّد لله ﵎ بتلاوته، وهو الذي سيعلم الأمة قرآنه ويعلمهم تلاوته، كما سيعلمهم السنة الشريفة، جاء في دعاء الخليل يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩] والحكمة هي السنة الشريفة، راجع ما قاله صاحب

стр. 72

التفسير الميسر والذي ذكرته آنفا، وكفى النبي ﷺ تزكية أن تطلق الحكمة على سنته الشريفة. ٣- أنه ﷺ سير بي هذه الأمة على خير الأخلاق والأقوال والأفعال، بما يضمن لها طهارة القلوب والعقول، ورد في دعاء إبراهيم ﷺ وَيُزَكِّيهِمْ. الفائدة الثالثة: وجوب امتنان هذه الأمة للخليل إبراهيم ﵊، الذي دعا ربه واجتهد- كما رأينا- في دعائه، فكان من بركة دعائه أن بعث الله فينا وإلينا خير خلقه أجمعين ﷺ . الفائدة الرابعة: ليس تأخير استجابة الدعاء أو عدم معاينة العبد لاستجابة الله دعائه، شاهد أو قرينة على رد دعاء المؤمن، كلا، فالله ﵎ قد استجاب دعاء الخليل كأحسن ما يكون ولم يعاين صاحب الدعاء الإجابة، ولكن تأخّر الإجابة كان لحكمة بليغة ترفع مقام الداعي الخليل فقد استجاب الله دعاءه في خاتم النبيين. الفائدة الخامسة: علو مكانة إبراهيم ﵇ عند ربه، وذلك بأن وفقه لمثل هذا الدعاء وألهمه إياه وجعل هذا الدعاء مقدمة لبعثة خير الأنبياء ﵊، ثم جعله أبا أكبر للمصطفى ﷺ ، بل جعل كل الأنبياء من بعده من ذريته، قال تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧] ، وهذا الذي جعل العلماء يقولون: إن إبراهيم ﷺ هو خير الأنبياء جميعا بعد نبينا ﷺ . ٢- ذكره ﷺ في التوراة والإنجيل: قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] . من نعم الله المتتالية والمتعاقبة على نبيه ﷺ أن جاء ذكره بل نعته وما يؤمر به وما ينهى عنه في التوراة والإنجيل. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: من دلائل رفع الله ﵎ ذكر النبي ﷺ أنّ ذكره قد ورد في

стр. 73

التوراة والإنجيل بأحسن الصفات وأتمها وكان ذلك بمثابة أعظم التزكية له قبل بعثته ﷺ ، والصفات هي: ١- صفة النبوة التي هي أعظم الصفات وأجلّها. ٢- صفة الأمية وهي ليست صفة يراد بها إثبات الذم والنقص، بل هي صفة يراد بها المدح والكمال، وموطن المدح في اللفظ، أن هذا النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب كان خير معلم للبشرية، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا يشك عاقل أن الأمي لا يأتي بكتاب عظيم مثل هذا القرآن إلا إذا أوحى الله له به. ٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الشيخ السعدي- ﵀: (المعروف هو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه، والمنكر هو كل ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم وصلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والنصيحة، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك) انتهى «١» . وأقول: إن من أوضح دلائل نبوة أي نبي، هو حسن ما يأمر به وقبح ما ينهى عنه، وبه استدل هرقل عظيم الروم على صدق النبي ﷺ . ٤- تحليله ﷺ الطّيّب من كل شيء، فيدخل فيه المطاعم والمشارب واللباس والأقوال والأخلاق والأفعال، وتحريمه الخبيث من كل شيء سواء من المطاعم أو المشارب أو العلاقات السيئة والأخلاق الرذيلة والمعاملات الفاسدة التي توقع في القلوب الحسد والبغضاء. ٥- رحمته الكبيرة بأمته؛ إذ كان من هديه ﷺ أن ييسّر لأمته أمر الدين وألا يكلفهم ما لا يطيقون، وضرب صاحب التفسير الميسر أمثلة على ذلك فقال: «ويذهب عنهم ما كلفوه من الأمور الشاقة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم والقصاص حتما من القاتل عمدا كان القتل أم خطأ» . أقول أخي الكريم: سبحان من ضمن لنبينا ﷺ الذكر الحسن والثناء الجميل في الكتب

стр. 74

المنزلة من عنده وأعظمها- بعد القرآن الكريم- التوراة والإنجيل. الفائدة الثانية: لم يتعبد الله هذه الأمة وحدها بالإيمان بخاتم النبيين ﷺ ، بل تعبد الله ﵎ أهل التوراة والإنجيل بالإيمان به ﷺ بصفته واسمه ونعته، والدليل على ذلك أنّ ذكره ﷺ قد جاء في كتبهم وفرض عليهم أن يؤمنوا بما أنزل من عند الله على وجه التفصيل ويتفرع عليه أن من كفر بالنبي ﷺ من أهل الكتاب فقد كفر أولا بالكتاب الذي أنزل على نبيه. الفائدة الثالثة: جواز أن ينسب التحليل والتحريم والأمر والنهي إليه ﷺ ، من جهة أنه مبلغ الشرع عن الله سواء بالقرآن أو السنة. ورد في الآية الكريمة: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [الأعراف: ١٥٧] . الفائدة الرابعة: فصاحة القرآن العظيم وبلاغته إذ قسّمت المهام، التي يضطلع بها النبي ﷺ إلى ثلاثة جوانب كلية بألفاظ قليلة جامعة مانعة وهي: أ- جانب دعوى: يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويتفرع عليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان هذا الدين، حيث ذكره الله- ﵎ كأول مهام النبي ﷺ ، ويتفرع عليه أيضا بيان شرف من يقوم بهذه المهمة من عموم المسلمين حيث هي وظيفة الأنبياء. ب- جانب تشريعي: يتمثل في التحليل والتحريم، ونأخذ من الآية قاعدة أصولية عظيمة تنسحب على كل أمر لم يأت فيه نص، وهي: كل أمر اجتمع أهل الاختصاص من المسلمين أنه طيب لا ضرر منه فهو حلال، وكلّ أمر اجتمعوا على أنه ضار مفسد للصحة أو للعقل والمال ولا نفع فيه فهو حرام ولا يحتاج الفتوى بحل القسم الأول أو تحريم القسم الثاني إلى دليل خاص من الشرع، بل يكفي هذا الدليل العام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فالدخان مثلا نقطع أنه حرام ويأثم شاربه، لاجتماع أهل الاختصاص كلهم جميعا على ضرره البالغ الذي لا يقاربه النفع المتوهّم من شربه. ج- جانب اجتماعي: ويتمثل في التخفيف عن الأمة تلك التكاليف التي كانت تشق على الأمم السابقة. ويؤخذ من هذا الجانب أن هذه الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ ليس فيها أبدا ما يشق على الأمة أو يسبب لها العنت والحرج، وأن كل أصول وفروع هذه الشريعة قائمة

стр. 75

على التيسير والتسهيل. الفائدة الخامسة: حددت الآية الكريمة أربعة شروط لفلاح العبد في الدنيا والآخرة، والشروط هي: ١- الإيمان بالنبي ﷺ ، إيمان به وبكل ما جاء به من أصول وفروع، ومن عقائد وشرائع. ٢- تعظيمه ﷺ وتبجيله: تعظيمه في نفسه وفي كل ما جاء به من كتاب وسنة، وتبجيله، وتبجيل كل ما يتعلق به، من أزواج وأولاد وأهل بيت كرام، وكذا من اتبعه ونصره من المهاجرين والأنصار. شريطة أن يظهر هذا التعظيم في أقوالنا وسلوكنا وجميع تصرفاتنا. ٣- نصرته ﷺ ، وتشمل نصرة كتابه- القرآن الكريم- ونصرة سنته بالعمل بها والدفاع عنها وتطهيرها مما يشوبها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ٤- اتباعه ﷺ ، أي التقيد بكل ما ورد بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وعدم الابتداع في الدين. وتلحظ في الآية الكريمة أن كل أسباب الفلاح جاءت مطلقة غير مقيدة، لتشمل جميع ما ذكر، فالإيمان به مثلا يجب أن يشمل جميع أوجه الإيمان التي يمكن أن تتعلق به ﷺ وكل ما جاء به، حتى يشمل الإيمان بشمائله ﷺ وحسن صفاته الخلقية والخلقية ومعجزاته الكونية والشرعية. قال صاحب التفسير الميسر: (فالذين صدقوا بالنبي الأمي محمد ﷺ وأقروا بنبوته ووقروه وعظموه ونصروه واتبعوا القرآن المنزل عليه وعملوا بسنته أولئك هم الفائزون بما وعد الله به عباده المؤمنين) . ٣- تبشير عيسى ﵇ به ﷺ : قال تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] . البشرى: هي ما يفرح به العبد ويسرّ له، وسميت بهذا الاسم لتغير بشرة الإنسان بسماعها. فعيسى ﵇ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل زفّ إلى قومه ومن سمعه من غير قومه خبرا سعيدا وهو مقدم النبي المصطفى والرسول المجتبى ﷺ .

стр. 76

بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تزكية النبي ﷺ في الإنجيل، حيث ذكر باسم طيب جميل يدل على ثناء الناس عليه لكثرة بركته ووفرة خيره، وأحمد هو الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره) . الفائدة الثانية: اشتهار أمر بعثته ﷺ في الأولين والآخرين باسمه الصريح، وخصاله الخلقية وشريعته السمحة، بل والكتاب الذي سيأتي به، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] قال الإمام ابن كثير- ﵀: (والمقصد أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حيث دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم وكذا على لسان عيسى ابن مريم) «١» . الفائدة الثالثة: واجب على كل مسلم ومسلمة أن يفرح بالنبي ﷺ وبعثته، وبكل ما جاء به، ومن لم يفعل فقد رد بشرى الله ﵎ على لسان نبيه عيسى ﷺ . الفائدة الرابعة: بيان أخوة الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام مع اختلاف الأعراق والأجناس، فهذا عيسى ﵇ وهو من أنبياء بني إسرائيل يبشر بمقدم الرسول العربي نبينا محمد ﷺ . الفائدة الخامسة: ليس بين عيسى ﵇ ونبينا محمد ﷺ نبي آخر، لقوله تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] . الفائدة السادسة: تعدد أسمائه ﷺ فقد ورد في القرآن، محمد وأحمد، وورد عند البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ لي أسماء: أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدمي، وأنا العاقب» «٢» . ٤- ذكره في كتب الأولين: قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] . وقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ

стр. 77

يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] . والزبر اسم جنس لجميع الكتب المنزلة. إن كان قد ثبت بالأدلة التفصيلية ذكر النبي ﷺ على لسان إبراهيم وكذلك في التوراة والإنجيل، كما ذكرت سابقا، فقد أوردت هذا الباب للدلالة على أن ذكره ﷺ قد ورد في جميع الكتب المنزلة من الله على أنبيائه عليهم جميعا الصلاة والسلام، بدليل عام وهو قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] ، وإن كان هناك خلاف بين المفسرين على من المقصود بالآية، هل هو النبي ﷺ في كتب الأنبياء السابقين، أم القرآن الكريم، فالأمر لا يختلف أبدا، فإن ذكر القرآن يتضمن ذكر من نزل عليه هذا الكتاب العزيز. قال الإمام ابن كثير- ﵀: (وإنّ ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين) «١» وقال الإمام القرطبي- ﵀ (أي أنّ ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني الأنبياء، وقيل: أي أن ذكر محمد ﷺ في كتب الأولين، والزبر الكتب، والواحد منها زبور) «٢» وقال صاحب المنتخب: (وإن ذكر القرآن والإخبار عنه بأنه من عند الله نزل على محمد ﷺ لثابت في كتب الأنبياء السابقين) . ٥- أخذ العهد على الأنبياء بنصرته ﷺ : قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] . قال الإمام الطبري- ﵀: (هذا ميثاق أخذه الله على النبيين، أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلّغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه وينصروه) «٣» وقال صاحب التفسير الميسر: (واذكر- يا محمد- إذ أخذ الله العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لئن آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهد

стр. 78

بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم، وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد ﷺ ، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك) . انتهى. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إرادة الله إظهار فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء كلهم جميعا، إذ أخذ عليهم العهود والمواثيق أن ينصروه ويتبعوه، كما ذكر في تفسير الآية. فإن قال قائل: إذا كان هذا الميثاق قد أخذه الله على جميع الأنبياء فلماذا فضّل النبي ﷺ على سائر الأنبياء بهذا الميثاق؟ قلت: فضل الله ﵎ على نبيه ﷺ في أخذ هذا الميثاق أظهر مقارنة بإخوانه من الأنبياء، وذلك لسببين: السبب الأول: إذا كان كل نبي أخذ الله عليه العهد بنصرة من يدرك من الأنبياء، فإن نبينا ﷺ ، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلن يبعث معه ولا بعده نبي آخر، لذلك أقول: إنه لم يؤخذ عليه هذا الميثاق، ولو فرض- على سبيل الفرض- أنه أدرك نبيّا آخر فسيكون هو ﷺ المتبوع المنصور وليس التابع الناصر. ألم تر أنه ﷺ صلى بالأنبياء إماما ليلة الإسراء؟!. السبب الثاني: إذا كان الله ﵎ قد أخذ الميثاق على كل نبي بنصرة من سيأتي بعده من الأنبياء، علمنا أن الأنبياء كلهم جميعا قد أخذ عليهم العهد بنصرة نبينا محمد ﷺ ، حيث إنه ﷺ آخرهم بعثة، فيكون هذا من دلائل فضله ﷺ . قال الشيخ السعدي- ﵀: (وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد ﷺ «١» . الفائدة الثانية: من مظاهر اعتناء الله بنبيه ﷺ ، أن جعل العهد الذي أخذه على الأنبياء بالإيمان به ونصرته في غاية التوكيد، يتبين ذلك من: ١- تسمية العهد (ميثاق) ، وهي كلمة تدل على إحكام العهد وشدته والمبالغة في تعظيمه. ٢- ذكرهم الله بمنته عليهم، إذ أعطاهم الكتاب والحكمة، ليرغبهم في الوفاء بهذا الميثاق فيكونوا أشد حرصا على الالتزام به. قال الشيخ السعدي- ﵀: (هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم بسبب ما أعطاهم ومنّ به عليهم

стр. 79

من الكتاب والحكمة المقتضى القيام بحق الله) «١» . ٣- حث الله أنبياءه على اتباع النبي ﷺ ونصرته بإثبات أن الذي سيأتي به موافق لما في أيديهم من كتاب ربهم. قال تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] وقوله تعالى: مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ هي صفة كاشفة وليست صفة مقيدة يمكن أن تتخلف. ٤- ورد التوجيه الرباني بوجوب الاتباع والنصرة، بلام التوكيد، في قوله تعالى: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١] . ٥- طلب الله إقرارهم على كل ما جاء بالميثاق، قال تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا [آل عمران: ٨١] ، قال صاحب التفسير الميسر: (فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك) . ٦- لتعظيم الميثاق في قلوب الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- بل وفي قلوب أتباعهم، أشهد الله بعضهم على بعض بما جاء فيه وبإقرارهم على الوفاء به، قال تعالى: فَاشْهَدُوا. قال صاحب تفسير الميسر: (قال: فليشهد بعضكم على بعض واشهدوا على أممكم بذلك) . ٧- من أعظم أوجه تعظيم هذا الميثاق، أن الله ﵎ شهد عليه، فهي شهادة الحق على من أرسلهم بالحق، وفي هذا أبلغ التخويف من نقض هذا العهد، وكذا أبلغ الترغيب في الوفاء به. الفائدة الثالثة: دعوة الأنبياء كلها واحدة من لدن آدم إلى نبينا محمد ﷺ وإن اختلفت شرائعهم وسننهم، قال تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] . الفائدة الرابعة: إذا كان على جميع الأمم نصرة نبينا ﷺ ، فمن باب أولى تكون نصرتنا له ﷺ أولى وأوجب، والحساب على عدم نصرته أشد وأبقى.

стр. 80

ثالثا: تأييده ﷺ بالمعجزات الباهرات ١- معجزة القرآن العظيم: إذا كانت معجزة الإسراء بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى ومعراجه إلى السماوات السبع وإلى ما بعدها حتى سمع صريف الأقلام هي أعظم معجزاته الحسية، وإذا كانت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ يوم القيامة هي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الملائكة الكرام والأنبياء العظام، ويحمده عليه أهل السماوات السبع والأرضين، فإن أعظم ما امتن الله به على عبد من عباده على مر العصور وتتابع الدهور، هو إنزال القرآن العظيم على نبينا محمد ﷺ ، فو الله إنه لتشريف يتضاءل عنه وعنده كل تشريف، ويتقاصر عنه وعنده كل تكريم، واعتقد اعتقادا جازما- والله أعلى وأعلم- أنها منزلة لا تساميها ولا تزاحمها، بل لا تدانيها أية منزلة بل أقول بملء الفم: إنها نعمة لا يقدر قدرها إلا الذي أنعم بها- جل في علاه- على خليله وصفيه من خلقه، وإذا كنا لا نتصور تلك المنة العظيمة وتلك المعجزة الخالدة فلا أقل لنا وبنا أن نلتمس بعض ما فيها من المعجزات والأسرار والدلائل؛ لعلنا نقترب من تصور تلك النعمة. وقد قال الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى- كلاما جميلا نفيسا في تفسير صدر سورة «النمل» حيث قال: «هي أعلى الآيات، وأقوى البيانات، وأوضح الدلالات، وأبينها على أجلّ المطالب وأفضل المقاصد، وخير الأعمال وأزكى الأخلاق آيات تدل على الأخبار الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل عمل وخيم، وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها للبصائر النيرة مبلغ الشمس للأبصار، آيات دلت على الإيمان، ودعت للوصول إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ويكون. آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه، ووصفتهم حتى كأننا ننظر إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين، ولم يهتد بها جميع المعاندين؛ صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح، ولا ذكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها، من خصهم الله بالإيمان، واستنارت بذلك قلوبهم، وصفت سرائرهم» انتهى. وقد جمعت ما يوضح عظيم شأن هذا الكتاب الكريم من كلام رب العالمين دون تعليق، حيث إن التعليق والشرح يحتاج إلى مجلد قد يتصدى- إن شاء الله- له مستقبلا أهل الخبرة والاختصاص.

стр. 81

فأقول وبالله التوفيق: كتاب لا ريب ولا شك: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] . وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ٣٧] . لا يقدر على إنزاله إلا الله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ٣٧] . وصف من أنزله بأحسن الصفات: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السجدة: ٢] . الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] . وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦] . وصف من نزل به بأحسن الصفات: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٠٢] . هو أحسن الحديث: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] . عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى» ، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» . (رواه مسلم) .

стр. 82

إنزاله في أحسن الشهور وأفضل الليالي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان: ٣] . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] . فيه الهدى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢] . فيه البشرى: هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٢] . فيه الرحمة: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان: ٣] . فيه الشفاء: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] . فيه الموعظة والتذكرة: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [يوسف: ١٠٤] . كتاب مبارك: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [الأنبياء: ٥٠] . بيّن الدلالات والمعاني: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] . وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ [البقرة: ٩٩] . وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور: ٣٤] . كتاب يرقق القلوب: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ

стр. 83

جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] . وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٩] . محكم الآيات: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣] . وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢] . بشّرت به الكتب السابقة: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] . فيه بيان كل شيء: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩] . يفترق في سماعه أهل الحق وأهل الباطل: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف: ٥٧] . وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢] . إثبات أحسن الصفات لمن يؤمن به: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الأنعام: ٩٢] . إثبات أحسن الصفات لمن ينتفع به: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] .

стр. 84

الأمر بالعمل به: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥] . الحث على تدبره وذم من غفل عن ذلك: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] . أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] . أحسن الجزاء على تلاوته: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩] . نزول الملائكة والسكينة عند قراءته: هكذا بوب الإمام البخاري لهذا الحديث: عن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من اللّيل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس فسكت وسكتت الفرس، ثمّ قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلمّا اجترّه رفع رأسه إلى السّماء حتّى ما يراها فلمّا أصبح حدّث النّبيّ ﷺ فقال: «اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير» قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي فانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السّماء فإذا مثل الظّلّة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتّى لا أراها قال: «وتدري ما ذاك؟» قال: لا. قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر النّاس إليها لا تتوارى منهم» ، قال ابن الهاد: وحدّثني هذا الحديث عبد الله بن خبّاب عن أبي سعيد الخدريّ عن أسيد بن حضير) «١» . عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» «٢» . (رواه مسلم) .

стр. 85

أحسن الجزاء على حفظه: عن عائشة عن النّبيّ ﷺ قال: «مثل الّذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السّفرة الكرام البررة ومثل الّذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» «١» . (رواه البخاري) . عن زيد أنّه سمع أبا سلّام يقول: حدّثني أبو أمامة الباهليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤا القرآن فإنّه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤا الزّهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو كأنّهما غيايتان أو كأنّهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤا سورة البقرة؛ فإنّ أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» قال معاوية: بلغني أنّ البطلة السّحرة «٢» . (رواه مسلم) . أحسن الجزاء على الإيمان والعمل به (في الدنيا والآخرة) : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٦] . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ [محمد: ٢] . فيه الإنذار والوعيد: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ٢] . يهدي إلى أحسن الطرق وأقومها: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] . نزل بأحسن اللغات وأفصحها: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣] . وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢] . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] .

стр. 86

كتاب معظّم في الملأ الأعلى: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٨] . رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة: ٢] . وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) [عبس: ١٣- ١٥] . أعظم الوعيد لمن كتم شيئا منه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٤] . أعظم الوعيد لمن لم يؤمن به: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء: ٤٧] . الوعيد الشديد لمن كرهه، والثناء على من فرح به: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [محمد: ٩] . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: ٤] . الوعيد الشديد لمن ادعى قدرته على الإتيان بمثله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣] . فيه الحكم بين الناس: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥] . فيه بيان كل ما اختلف فيه: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤] .

стр. 87

فيه أحسن القصص: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣] . تعظيم الجهة التي جاء منها: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢] . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان: ٢٣] . العزة لمن عمل به واتبعه: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] . وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ٧١] . كفى به حجة على العباد: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١] . كتاب تتصدع منه الصم الشامخات: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] . وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد: ٣١] . هو نور: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨] . تعظيمه من حيث شهادة الله على إنزاله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء: ١٦٦] . تعظيمه من حيث علم الله بنزوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود: ١٤] .

стр. 88

تعظيمه من حيث وجوب الإنصات إليه: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤] . هو القيم على بقية الكتب والمصدق لما فيها: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨] . سلامته من العيوب والخلل والاختلاف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١] . قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٨] . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] . أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] . فيه خبر من قبلنا: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤] . تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩] . ثناء الجن عليه ومبادرتهم بالإيمان به: قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] . قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الجن: ١- ٢] . ثناء المؤمنين عليه: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: ٣٠] .

стр. 89

وصفه بأحسن الصفات وأتمها: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] . تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١] . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] . وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧] . هدايته إلى أحسن الأخلاق والأقوال والأفعال: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء: ٩] . وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤] . كتاب تحدى الله به الإنس والجن فأعجزهم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣] . قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨] . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: ١٣] . تكفل الله ﵎ بحفظ من قرأه: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥] . تيسير الله ﵎ قراءته للتالين له: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] . تكفل الله بحفظه على الوجه الأتم الأكمل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] .

стр. 90

جعل الله آدابا لقراءته وحمله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] . إنزاله منجما خلافا لبقية الكتب: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] . فيه الأمثال وتصريف الآيات: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [طه: ١١٣] . وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [الإسراء: ٨٩] . لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] . أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧] . اعتراف الكفار أن للقرآن الغلبة: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] . تهافت الكفار على سماعه: (ثمّ بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه) «١» . (رواه البخاري) من حديث عائشة ﵂ الطويل عن الهجرة. المنافق لا يعدم بركة تلاوة القرآن . عن أبي موسى عن النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن الّذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّب، والمؤمن الّذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتّمرة طعمها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن كالرّيحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مرّ أو خبيث وريحها مرّ» .

стр. 91

نعم الرقية هو: عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: (أنّ ناسا من أصحاب النّبيّ ﷺ أتوا على حيّ من أحياء العرب فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنّكم لم تقرونا ولا نفعل حتّى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيعا من الشّاء فجعل يقرأ بأمّ القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ فأتوا بالشّاء فقالوا: لا نأخذه حتّى نسأل النّبيّ ﷺ فسألوه فضحك وقال: «وما أدراك أنّها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم» «١» . (رواه البخاري) . ٢- الإسراء والمعراج: عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرّ يحدّث أنّ رسول الله ﷺ قال: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكّة فنزل جبريل ﷺ ففرج صدري ثمّ غسله بماء زمزم ثمّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثمّ أطبقه ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدّنيا فلمّا جئت إلى السّماء الدّنيا قال جبريل لخازن السّماء: افتح قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمّد ﷺ فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم فلمّا فتح علونا السّماء الدّنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنّة، والأسودة الّتي عن شماله أهل النّار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، حتّى عرج بي إلى السّماء الثّانية فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأوّل ففتح قال أنس: فذكر أنّه وجد في السّماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت كيف منازلهم غير أنّه ذكر أنّه وجد آدم في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السّماء السّادسة قال أنس: فلمّا مرّ جبريل بالنّبيّ ﷺ بإدريس قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس ثمّ مررت بموسى فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى ثمّ مررت بعيسى فقال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ثمّ مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم ﷺ قال ابن

стр. 92

شهاب: فأخبرني ابن حزم أنّ ابن عبّاس وأبا حبّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النّبيّ ﷺ : «ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» . قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النّبيّ ﷺ : «ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتّى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمّتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك فراجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها فقال: راجع ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق فراجعت فوضع شطرها فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدّل القول لديّ فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربّك فقلت: استحييت من ربّي، ثمّ انطلق بي حتّى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة فإذا فيها حبايل اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك» «١» . لا شك أن معجزة الإسراء والمعراج، هي من أعظم معجزات النبي ﷺ ، حيث رأى فيها من آيات ربه الكبرى، وكانت فيها إمامته الأنبياء، ورفعه بعد السماوات السبع حتى سمع صريف الأقلام، واطلاعه على النار، وما يجري فيها من عذاب الكفار وأهل المعاصي، ودخوله الجنة، وما رأى فيها من الحسن والجمال، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها كلم الله تكليما. وقبل البدء في التعليق على حديث الباب نذكر بعض النقاط الرئيسة المهمة في حادثة الإسراء: ١- مناسبتها: جمهور العلماء أنها جاءت تسرّي عن النبي ﷺ ، همه وحزنه بعد وفاة خديجة بنت خويلد، والتي كانت خير معين له في مسكنه، تصبره وتواسيه بمالها، وكذلك وفاة عمه أبي طالب، والذي حماه من كيد المشركين، فكان خير معين له خارج المسكن، وأيضا كانت تسلية له بعد أن رده أهل الطائف، فقد كذبوه وعابوه وأغروا صبيانهم به، فجاءت حادثة الإسراء لتزيل عنه كل تلك الأحزان والأشجان، وتؤكد له أن الأرض إذا ضاقت به وبدعوته، فإن له في السماء منزلة عالية، بين الأنبياء والملائكة، وأن الله يسمع ويرى ما يحدث له، من تكذيب وإيذاء وأنه هو الذي يقدر على نصرته وإعلاء دينه، وبحق كانت تلك الحادثة، مظاهرة في إكرام النبي وإعلاء شأنه في السماوات السبع وما بعدها. ٢- ثبوت القصة: وردت حادثة الإسراء- أي الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد

стр. 93

الأقصى- صريحة في القرآن، فالتكذيب بها كفر بلا شك، قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] . والآية الكريمة فيها فوائد منها: أ- بدأت الآية بتنزيه الله- وتمجيده ، ليستقر في قلب السامع أنه قادر على كل شيء، فإذا استقر ذلك، أخبر أنه أسرى بعبده، فيرد الخبر على قلب لا يتعجب من خرق النواميس الكونية، بقدرة الله العظيمة، كما أنه لا مجال لتكذيب النبي ﷺ ؛ لأنه لم يدّع أنه هو الذي سرى، بل أسري به، والذي أسرى به هو الله، فالذي يستبعد الواقعة فإنما يكذب الله ويستعظم ذلك على قدرته. ب- أثبتت الآية أن وقت الإسراء هو الليل، وهذا أدعى لحضور القلب ، ومصداق ذلك قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: ٦] ، كما بينت الآية بداية الإسراء وهو المسجد الحرام، ونهايته وهو المسجد الأقصى، وبذلك يكون المسجد الأقصى هو بادية المعراج بلا خلاف. ج- أثبتت الآية أن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح لقوله تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] ولفظة: «العبد» لا تطلق على الروح فقط، كما نقطع أنها لم تكن رؤية منام، لقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] ، ولا أحد يقول: إن رؤيا المنام فتنة، فكل إنسان يرى في المنام ما يتصوره العقل وما لا يتصوره، ولا أحد يتهمه بالكذب، كما أن الكفار لو فهموا من كلام النبي أن الحادثة كانت رؤيا في المنام، ما كذبوه، وما طلبوا الدليل على صدقه، حيث سألوه أن يصف لهم بيت المقدس، كما ورد في الصحيح- وبوبت له بابا- وما ارتد بسبب ذلك بعض الناس، بل كانت فضيلة ظاهرة لأبي بكر وذلك أنه صدقها بمجرد معرفته أن النبي هو الذي أخبر بها. د- مقام العبودية، هو أعظم مقامات الأنبياء بلا شك، علمنا ذلك من الآية حيث ذكرت النبي، بصفة العبودية، وهي في معرض الحديث عن أعظم معجزاته، وأرقى مقاماته، فقطعنا أن العبودية لأي مسلم، خاصة الأنبياء، هي أشرف المنازل؛ ولذلك ذكرها الله في الآية، لتناسب أعظم أحواله ﷺ ، فكلما زاد المسلم في تحقيق عبوديته لله، زاد من الله قربا، يصدق ذلك، أن الله قد أتى بنفس الصفة، وهي صفة العبودية

стр. 94

في معرض الحديث عن أعظم نعمة أنعمها على النبي ﷺ ، وهي نعمة إنزال القرآن وذلك في أكثر من موضع بالقرآن الكريم، مثاله قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١] . هـ- كما بينت الآية الحكمة والسبب في الإسراء ، أما الحكمة فهي أن يرى النبي من آيات ربه، قال تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١] ، فكل ما رآى النبي في تلك الحادثة، فهو من آيات الله، الدالة على قدرته وإعجازه. أما السبب فقد أشار الله تعالى إليه بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] فأشعرت الآية، أن الحدث جاء بسبب ما سمعه الله من نبيه من دعاء، وما سمعه من الكفار من تكذيب واستهزاء، جاءت الحادثة لبيان إحاطة علم السميع البصير بحال النبي ﷺ ، عند موت أحب الناس إليه، وأكثرهم عليه شفقة، وأشدهم له ناصرا ومعينا، فتأمل كم في الآية من فوائد، غير ما خفي علينا، هذا بالنسبة لثبوت الإسراء في القرآن. أما المعراج فقد قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) [النجم: ١٣- ١٦] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] . فالحمد لله، الذي أقر أعيننا وأسماعنا، بإكرام نبينا في الدنيا والآخرة، وأما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة في الحادثة بلغت بحمد الله حد التواتر، فلا يسع أحدا إنكارها أو التشكيك فيها. [فوائد الحديث] أما فوائد الحديث فلا أظن أني أستطيع الإحاطة بها؛ وذلك لكثرتها ودقتها؛ ومن ثم أورد بعضها: الفائدة الأولى: القدرة العجيبة التي منحها الله ملائكته، فجبريل ﵇، قد فرج عن سقف بيت النبي ﷺ ونزل منه، دون معول ولا خراب ولا ترميم، كما أنه أسرى وعرج بالنبي على البراق، وأراه من آيات ربه الكبرى، ثم عاد به إلى بيته بمكة، في جزء من الليل، وقد قص الله ﵎ علينا في القرآن أمثلة من ذلك، ألم تر كيف أتى جبريل ﵇ بالعرض العظيم لبلقيس ملكة سبأ، قبل أن يرتد طرف نبي الله سليمان ﵇؟ قال تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠] ، ألم تر كيف حمل قرية لوط فجعل عاليها سافلها، قال تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود: ٨٢] ، وهذا ليس بمستغرب؛ لأننا لا ننظر إلى عظم المخلوق، ولكن ننظر إلى عظم الخالق ، الذي خلق هذه

стр. 95

المخلوقات العظيمة وأودع فيها هذه القدرات العجيبة. الفائدة الثانية: تلطف جبريل مع النبي ﷺ لقوله: «ثم أخذ بيدي يعرج بي إلى السماء الدنيا» وكيف لا يتلطف وهو أعلم الخلق بقدر النبي ﷺ ومقامه. الفائدة الثالثة: السماء الدنيا غير السماء الأولى، التي عليها خازن ولا تفتح أبوابها إلا بإذن، وفيها آدم ﵇، وأما السماء الدنيا، فهي التي زينها الله بالمصابيح، قال تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً [فصلت: ١٢] . وذلك لقوله: «فيعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح» ثم قال: «فلما فتح علونا السماء الدنيا» . الفائدة الرابعة: عظيم أمر السماء قدرا وخلقا، ويتبين عظيم قدرها حيث جعل الله لها أبوابا مغلقة، وعلى كل باب خازن لا يفتح الباب حتى يعلم من الطارق ومن معه، وهل أرسل إليه أم لا، فالخازن مأمور ألايفتح إلا لمن أرسل إليه، والذي يخبره أنه أرسل إليه أم لا، هو جبريل ﵇ لأنه الأمين، علمنا ذلك من قوله: «قال جبريل لخازن السماء: افتح» وقد تكرر ذلك في كل سماء، حسب ما ورد في طرق أخرى صحيحة للحديث. أما عظم السماء خلقا، فبينتها بعض طرق الحديث، وفيها أن ما بين كل سماء وأخرى خمسمائة عام، وعلمنا من عظم السماء قدرا وخلقا عظم خالقها ، فعظم الخلق- كما قلت سابقا- يدل على عظم الخالق، لا أمرنا الله أن نتفكر في هذا الخلق العظيم، خاصة السموات والأرض، لنستدل به على قدرة المولى ، وعظيم صنعه، وإحكام خلقه، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران: ١٩٠] . الفائدة الخامسة: واجب على كل مسلم، أن يفرح بالطاعة ويحزن بالمعصية، خاصة إذا كانت في نفسه أو ذريته، يدل على ذلك قوله: «فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى» . الفائدة السادسة: العجيب في الواقعة، أن آدم وبقية الأنبياء استقبلوا النبي ﷺ ، استقبال من يعرفه، فيحتمل أن الأنبياء عرفوه من أوصافه المذكورة في كتبهم، أو أن هذا المكان لا يصعد إليه إلا نبي، وليس نبي بعد إلا محمد، أو أن الله أوحى إليهم بقدومه ﷺ ، ليستقبلوه استقبالا يليق به، وهذا الذي حدث، فما من نبي رآه إلا قال له: مرحبا بالنبي

стр. 96

الصالح والأخ الصالح، إلا آدم قال له: مرحبا بالابن الصالح لأنه أبوه الأول، وكذا إبراهيم لأنه جده الأكبر، حيث أن النبي ﷺ من بطن إسماعيل، وبقية الأنبياء من ذرية إسحاق ﵇، أما النبي ﷺ فلم يعلمهم قطعا؛ لأنه كان يسأل جبريل في كل مرة، عن اسم النبي الذي يسلم عليه، علمنا من ذلك أنه لم يوح إليه بأوصاف إخوانه من الأنبياء، كما أنه لا يعرف الغيب وإلا ما سأل جبريل عنهم. الفائدة السابعة: ثبوت حياة البرزخ، وهي الحياة التي بين موت الإنسان ونشوره بعد النفخ، وهي حياة غيبة، لا نعلم منها شيئا، إلا ما علمناه من الكتاب أو السنة، والذي نقطع به أن المؤمن فيها ينعّم ويرى مقعده من الجنة، والكافر فيها يعذب ويرى مقعده من النار، يصدق ذلك قوله تعالى حاكيا عن عذاب آل فرعون في حياة البرزخ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦] ، ويؤيده ما ورد في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولّي وذهب أصحابه حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة قال النّبيّ ﷺ فيراهما جميعا وأمّا الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول النّاس فيقال لا دريت ولا تليت ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» «١» . فرؤية المؤمن مقعده في الجنة، هو من النعيم، لما فيه من الرؤية والبشارة العظيمة، بالإضافة إلى إفساح القبر، أما عذاب الكافر، فهو واضح في الحديث، وإذا كان للناس كلهم حياة برزخية، المؤمن منهم والكافر، فإن للأنبياء أيضا حياة برزخية ولكنها أكمل وأتم، ويدلنا على ذلك حديث الباب. الفائدة الثامنة: أن الجنة والنار، موجودتان الآن، ولا عبرة لمن ينكر ذلك، ويرد الأحاديث الصحيحة الصريحة، لشبهة عقلية، وهي أنه لا حكمة لوجودها الآن، فيرد النقل بالعقل، وهذا أسخف ما يكون، وأدلة ذلك كثيرة، لا يمكن استقصاؤها، في هذا الكتاب، ولكن نذكر ببعضها، لعل المنكر يعود لرشده، روى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين

стр. 97

رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم» : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١» . كما روى عن ابن عبّاس قال قال النّبيّ: ﷺ «أريت النّار فإذا أكثر أهلها النّساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قطّ» «٢» . وروى أيضا، عن عمران بن حصين ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النّار فرأيت أكثر أهلها النّساء» «٣» . وعنده عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثمّ رأيناك تكعكعت قال: «إنيّ أريت الجنّة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا» «٤» . فيجب علينا أن نؤمن يقينا أن الجنة والنار موجودتان، ومن ينكر وجود الحكمة من خلقهما الآن، أقول له: نؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة، سواء علمنا الحكمة أم جهلناها، مع تسليمنا أن كل ما يقضي به الله إنما يكون لحكمة بالغة، فحاشاه عن اللهو والعبث، ومع ذلك أقول: إن حكمة وجودهما ظاهرة، ولله الحمد، فمن ذلك، أن الكفار يعذبون في قبورهم بعرضهم على جهنم، صباحا ومساء، والمؤمنين ينعّمون برؤية مقاعدهم في الجنة، قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] ، كما أن الترهيب والترغيب بالشيء الموجود، أعظم أثرا من الشيء غير الموجود، وهذا يدركه كل عاقل، وانظر أثر ما قصّه النبي علينا من مشاهد الجنة والنار، على نفوس المؤمنين. الفائدة التاسعة: فضل التيامن، فأهل الإيمان والطاعات، على يمين آدم، أما أهل الكفر والمعاصي، فهم على شماله، وقد كان النبي ﷺ يحب التيامن في أمره كله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عائشة قالت: (كان النّبيّ ﷺ يعجبه التّيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره وفي شأنه كلّه) «٥» ، والله قد سمى أهل الجنة بأصحاب اليمين، وسمى أهل النار بأصحاب الشمال.

стр. 98

الفائدة العاشرة: وهي فائدة جليلة، وهي أن الأمر قد ينسب إلى الأمر به، وقد ينسب إلى الموكول بتنفيذه، قال تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] ، فنسب سبحانه، الفعل إلى نفسه؛ لأنه هو الذي أمر جبريل بالإسراء بالنبي ﷺ . وقد ينسب الفعل إلى من باشر القيام به، قال: «ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا» فنسب الفعل هنا إلى جبريل؛ لأنه هو الذي باشر العروج بالنبي، مأمورا من الله، وهذه القاعدة، تحل إشكالات قد يقع فيها القارئ. فيقول مثلا: كيف ينسب الله توفي الأنفس إلى نفسه فيقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] وينسب ذلك في موضع آخر إلى الملائكة فيقول: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: ١١] ، فالأمر كما أسلفت، أن الله هو الآمر بقبض الروح، وهو الذي جعل لها أجلا تقبض عنده، أما ملك الموت، فهو الذي وكلّ بقبض الروح، عند حلول الأجل المسمى. الفائدة الحادية عشرة: بيان علو منزلة نبينا محمد ﷺ ، وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بلغ ما بلغ من ملكوت السموات، وهو دليل على علو درجته وإبانة فضله، هكذا قال القاضي عياض، حيث ورد في الحديث: «حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» . وأقول: عجبت أشد العجب، لمن يتقولون على الله ورسوله، ويذكرون أحاديث موضوعة، ويختلقون حكايات هي أشبه بالأساطير، يريدون بذلك، أن يرفعوا من مكانة النبي ﷺ ، وهم في الحقيقة يتبغضون إليه بتلك الحكايات والأقاويل، ويعدون لأنفسهم مقاعد في النار، بشرى النبي ﷺ لهم في قوله: «من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار» . أقول لهم: إن لم يكن للنبي فضيلة، في كتاب ولا سنة، إلا أنه ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، لكفاه ذلك رفعة وسؤددا، وإثباتا لفضله وشرفه ومكانته، عند ربه ، فما بالكم بما يحتويه الكتاب من شمائل عظيمة في كل ما يخصه وفي كل شئونه، ما ترك الله له من شيء، حتى جعل له من ذلك آية على شرفه، من شعر رأسه إلى أصابع قدمه، ومن ولادته حتى مماته، ومن أحبائه حتى أعدائه، ومن دنياه حتى آخرته، كل ذلك ولله الحمد ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فلماذا التقول على الله بغير علم؟ قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] .

стр. 99

الفائدة الثانية عشرة: في سماعه ﷺ صريف الأقلام مسائل نذكر منها: ١- إثبات كتابة الملائكة المستمرة إلى قيام الساعة؛ لأن صريف الأقلام هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، ففيه إثبات كتابة الملائكة، وأنها تكتب بأقلام، وأن هذه الأقلام عند كتابتها لها صوت مسموع ويتفرع على ذلك أن الكتابة كتابتان: الأولى: هي التي في اللوح المحفوظ، وفيه ما كتبه الله وقدره قبل الخلق، لما (رواه البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: آنت الّذي أشقيت النّاس وأخرجتهم من الجنّة؟ قال آدم: أنت موسى الّذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التّوراة؟ قال: نعم قال: فوجدتها كتب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجّ آدم موسى» «١» . وعن اللوح المحفوظ قال تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] ، فالذي باللوح المحفوظ، لا يتبدل ولا يتغير أبدا، إذ فيه الأمر الثابت في كل شيء، إلى قيام الساعة، قال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] . الثانية: الكتب التي في أيدي الملائكة الكرام وهي التي تكون فيها كتابة ما يجري الآن في ملكوت الله، وهي التي ذكرت في حديث الباب، وهي التي يكون فيها المحو والإثبات، وقد جمع الله ، ما في اللوح المحفوظ، وما في أيدي الملائكة من كتب في قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩] . ٢- كتابة الله لكل شيء في اللوح المحفوظ، ليس لأنه سبحانه تعالى قد ينسى أو يغافل، سبحانه فإنه منزه عن ذلك، قال تعالى في قصة موسى مع فرعون: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه: ٥١- ٥٢] ، فأثبتت الآية أن الكتابة ليست لغافلة قد تحدث أو نسيان، ولكن الله يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فلعل حكمة الكتابة إظهار عظمة الله ، وقدرته التي أعجزت العقول، وحيرت الفحول، فالكتابة هي زائدة عن العلم، فالذي علم كل شيء وقدر على كتابة كل شيء، أقدر وأعظم وأحكم من الذي علم ولم يكتب، خاصة إذا كانت الكتابة لا تنقص ولا تزيد عن الذي قدّره وقضاه، وقد تكون الكتابة ليطمئن العبد، ويتأكد أن الذي

стр. 100

أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الذي أخطأه لم يكن ليصيبه؛ لأن الكتابة عند الناس أبلغ وآكد بكثير من العلم وحده، ألم تسمع لقولهم إذا أصابهم شيء، ويريدون أن يخففوا وقعه على قلوبهم يقولون (هذا مكتوب) ، ولا يقولون: معلوم، وقد تكون الكتابة لحكم أخرى لا يعلمها إلا الله سبحان وتعالى. ٣- نتعلم مما سبق، أن العلم يجب أن يوثّق بالكتابة، فإذا كان الله قد كتب، وهو الذي لا يلحقه نسيان ولا غفلة، فكيف بنا، فالذي نتعلمه اليوم قد ننساه غدا، وقد سمي الإنسان إنسانا لكثرة نسيانه، والكتابة سنة العلماء قديما وحديثا. ٤- إذا تيقن العبد أن الله علم كل شيء، وكتب كل شيء، وأن الذي كتبه الله كائن لا محالة، وجب عليه الرضا والتسليم، وعدم الجزع للمصائب، وألا يندم على شيء فاته، ولا يحزن على شيء أصابه، فتخفّ بذلك همومه وتقل غمومه، وكلما يتقين العبد من أنّ كل شيء مكتوب، كلما كان لقضاء الله أرضى، وعند نزول المصائب أصبر. ٥- إذا احتج العبد بالقدر، وقال: لم يحاسبنا الله، وقد كتب كل شيء علينا؟، قلت له: تدبر ما يلي: أ- إن الله الذي كتب كل شيء وقدر كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، هو الذي أمر ونهى، ووعد المطيع بالثواب، وتهدد المسيء بالعقاب، فهل تتصور أن الله سيحاسبنا على ما أجبرنا على فعله، أو ما اضطرنا لتركه؟ والذي يظن ذلك، فقد أساء الأدب مع الله ؛ لأنه تصور أن الله يصدر منه الظلم- حاشاه جل في علاه- وهو الذي قال في محكم التنزيل: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] ، وقال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم، في سياق المتمدح لنفسه على أفعاله عن أبي ذرّ عن النّبيّ ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنّه قال: «يا عبادي إنيّ حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا» «١» . أتصدق الله أم تكذبه؟ فالذي يحتج بالقدر فهو بلسان حاله وبلسان مقاله في بعض الأحيان، يشكك في عدل الله، بل يدعي كذبا أنه يظلم العباد، وهذا منكر عظيم يصل بالإنسان للكفر، وهو أعظم من التكاسل عن العمل، احتجاجا بالقضاء والقدر. ب- أنت لا تعلم ما كتبه الله لك أو عليك، فمن رحمته أن حجب ذلك عن العباد. لذلك لا ينبغي لك أن تحتج بالقدر.

стр. 101

وأسأل سؤلا يبين لك مدى سخف هذه المقولة، وهذا السؤال هو: لماذا إذا وفقت للطاعة لا تحتج بالقدر، بل تطلب الثواب من الله، وتحتج به فقط على المعاصي والذنوب؟ وهل إذا هممت بالطاعة وجدت من يمسك بتلابيبك عنها؟ ولماذا لم تتقاعس مرة واحدة في أمور دنياك بحجة أن الله كتب كل شيء، فتجتهد في كل أمور الدنيا، ولا تركن لما كتب الله؟ بل إنك إذا احتج عليك ولدك بقضاء الله، فترك المذاكرة أو الذهاب إلى الاختبار، عاقبته عقوبة شديدة، بل تتهمه بالجنون، أو الاستخفاف بك، بل لماذا تأمره بالاجتهاد والمصابرة على طلب العلم، وأنت الذي تحتج على الله بالقدر؟. والمشاهد في الدنيا أن الذي يسهر ويتعب يفوز بالمطلوب، وأن الذي يتقاعس ويكسل يفوته المرغوب. فهل هي سنة الله في أمور الدنيا دون أمور الدين؟ لا والله، وهذا أكبر دليل على أن ذلك الاحتجاج السخيف من نزغات الشيطان، فهو الذي يزين للعبد كل ما يحول بينه وبين طاعة الرب . ج- أنت باحتجاجك بالقدر، قد سلكت مسلك الكفار في احتاجهم به، وكفى بذلك قبحا وتشنيعا لمقولتك، والله قد حكى عنهم ذلك في سياق الذم والإنكار فقال سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا [الأنعام: ١٤٨] ، فقد سمى الله احتجاجهم بالقدر كذبا، وأثبت أن هذه الحجة إنما هي حجة الكفار في عصر البعثة المحمدية والعصور الأولى، وجعل مغبّة ذلك وجزاءه، أنهم ذاقوا بأس الله أي عذابه الشديد، فهل ينتظر هذا المحتج بقضاء الله أن يحل عليه العذاب وينزل به الانتقام؟ ولو كانت هذه الحجة حقّا، فحاشا لله أن يذمها؛ لأنه هو الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق، وحاشاه أن يعاقب عليها، فهو العدل ولا يحكم إلا بالعدل، قال : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥] . فضلا عن أن هذا الاحتجاج من الكفار بالقدر يكون في الدنيا فقط، أما في الآخرة فلن يحدث؛ لأنه لم تأت آية واحدة في القرآن، تثبت أنهم سيحتجون بالقدر يوم القيامة، ولو علموا أنها حجة مفيدة يعتذرون بها إلى الله لقالوها، ولو قالوها لحكاها الله لنا ليدحضها ويبين بطلانها، فلما لم يحكها الله تعالى علمنا أنهم لن يحتجوا بها، ولما لم يحتجوا بها علمنا أنها حجة باطلة، وإذا كانت باطلة في الآخرة فبطلانها في الدنيا التي هي زمن الأعمال والإمهال من باب أولى فتدبر. د- الذي يرى أن القضاء والقدر، حجة على الله في ترك الأعمال، وعدم

стр. 102

الحساب، قد كذب بظاهر القرآن؛ لأن الله بين في كتابه العزيز، أنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، قد قطعت حجة العباد على الله، قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: ١٦٥] ، فقد بينت الآية، أن حجج العباد، قد انقطعت، وأن أعذارهم قد ردت، بعد إرسال الرسل، فالذي يقول أو يعتقد أن القضاء والقدر حجة له على الله ، فقد ادعى أن الله لم يقطع حجج الناس، وبهذا فقد كذب ظاهر القرآن؛ لأن الآية تنفي أي حجة بعد إرسال الرسل، وإذا كانت الآية قد ختمت بإثبات صفة الحكمة لله، بقطع الحجج للناس، فالذي يحتج بالقدر، ويرى أن ذلك حجة، فقد طعن- بل كذب- بحكمة الله؛ لأنه ادعى بقاء حجة للناس لم يستطع الله أن يقطعها أو يردها. هـ- وأقول للمحتج بالقضاء: إذا كان عقلك لا يتصور أن الله كتب كل شيء، ولم يجبر أحدا على شيء، فسلّم أمرك لله، وبادر بالعمل وترك الشبهات، وأحسن الظن بالله في كل ما قدره وقضاه، وأسألك في النهاية سؤالا واحدا، أتريد من الله أن يخلق الخلق، ويجهل ماذا سيفعلون في الغد؟ أيكون إلها ولا يعلم سلفا ماذا سيفعل العباد! ولو فرض من باب التنزل معك حدوث ذلك، لاحتججت بذلك على عدم العمل؛ لأن الذي لا يعلم لا يستحق أن يكون إلها أبدا، والعاقل هو الذي يرى في علم الله وقدرته وكتابته، بالغ حكمته وعظيم قدرته، فيدفعه ذلك دفعا لطاعته وابتغاء مرضاته. الفائدة الثالثة عشرة: فرض الصلاة على أمة محمد ﷺ في تلك الحادثة وفي ذلك المقام الشريف الأعلى يستحق منّا وقفة نقول فيها: ١- كان النبي ﷺ ضيفا على الملأ الأعلى في هذه الليلة المباركة، وقد مدح الله من يكرم ضيفه، قال تعالى مادحا إبراهيم ﵇: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] ، ويقولون: لكل ضيف قرى، ويختلف القرى بغنى المضيف وكرمه، وكذلك بمكانة الضيف عنده، فالمضيف هنا هو الله ، أغنى من عبد، وأكرم من سئل، وأجود من أعطى، والضيف هنا هو أحب الخلق إلى الله، الخليل محمد ﷺ ، فأراد الله سبحانه تعالى أن يكرم زائره، بل يكرم كل أمته من بعده، فأمره بعبادة تكون له ولأمته، عزّا في الدنيا وذخرا في الآخرة، يرفع الله بها الدرجات، ويمحو بها الزلات، ويكفر بها السيئات، ويعلي به الدرجات في الجنات العاليات، فكانت هذه الصلوات- وهي الركن الركين في هذا الدين الحنيف- خير تكليف في هذا المكان الشريف، الذي لا

стр. 103

يقبل الله ممن تركها صرفا ولا عدلا، نقول الركن الركين؛ لأن كل الأركان الباقية، الزكاة والصوم والحج، قد تسقط على المسلم كليّا أو جزئيّا، بسبب سفر أو مرض أو فقر، إلا الصلاة، فتفرض على المسافر والمقيم، والصحيح والعليل، والغني والفقير، تلازمه في يومه وليلته، لا تنفك عنه أبدا، في شغله وفراغه، يؤديها الإنسان قائما، فإن لم يستطع فجالسا أو متكأ أو على جنبه أو نائما، بخلاف الأركان الآخرى، فالزكاة تخرج مرة في العام، وتسقط عن الفقير، والصيام شهر واحد في السنة، ويسقط عن بعض المرضى طوال عمرهم، ويأتي الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا، أما الصلوات فهى، خمس مرات في اليوم والليلة، فهي بحق هدية الله لهذه الأمة. ٢- أما كونها فرضت بغير وحي ولا واسطة، بل كانت تكليفا مباشرا من الله إلى رسوله، فهذا يعطينا دلالة واضحة على عظيم قدرها، ومكانة منزلتها، فمن أراد أن يكلم الله بغير واسطة فليصلّ، فالله يسمعه ويراه، بل يردّ عليه، كما ورد في صحيح مسلم قال الله تعالى: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرّحمن الرّحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدّين، قال: مجّدني عبدي- وقال مرّة: فوّض إليّ عبدي- فإذا قال: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصّراط المستقيم صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «١» . فإذا كان الله قد عرج بنبيه إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وكلمه تكليما، فهو سبحانه من كرمه لم يحرم هذه الأمة من هذا الفضل الكبير، فعوضهم بالصلاة، فالذي لا يصلي، إنما رد على الله هديته وأبى فضله، ورفض لقاءه، ومن فعل ذلك، فقد أساء الأدب مع خالقه وسيده وولي نعمته من كل جهة، من ذا الذي يدعوه الله فلا يقبل دعوته، ويفتح له الباب فلا يدخل، ويأذن له بمناجاته بغير واسطة فيعرض، أفبعد هذا الذنب من ذنب؟ بل لا أعلم جفاء بعد هذا الجفاء، فضلا عما ورد في الأحاديث الصحيحة من كفر تارك الصلاة، فقد روى مسلم عن أبي سفيان قال: سمعت جابرا يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلاة» «٢» ، فمن حرم نفسه

стр. 104

الصلاة، فقد حرم نفسه فضل حادثة المعراج، وخرج منها صفر اليدين، فكانت للناس فضلا وإكرما، وكانت عليه حسرة ووبالا، الناس فيها وبها قد سعدوا، وهو بسبب تركها- مع من يماثله- قد خسروا، ولو كان في الإسلام ركن أعظم من الصلاة، أو يساميها لفرض في هذه الليلة المباركة، ولكن لم يزاحمها شيء من عظائم التكاليف. ٣- فرض خمسين صلاة ابتداء، ثم تخفيفها إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، مع ثبوت أجر الخمسين نأخذ منه: أولا: بيان مكانة النبي عند ربه. ثانيا: علم النبي بهذه المكانة العظيمة. فالأولى: نعرفها من كون الله سبحانه تعالى قبل سؤال النبي التخفيف حتى جعلها خمس صلوات. والثانية: من كون النبي تجرأ وراجع ربه عدة مرات، وهو في هذا المكان المقدس، ويراجعه في ماذا؟ في أمر عظيم كالصلاة، لم يفعل ذلك، إلا وهو يعلم أن الله حفيّ به، ولن يخزيه ولن يسوءه، ألم يقل الله له: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] ، ولا أظن أن هذه المراجعة تحدث بين وزير وملك من ملوك الدنيا، حتى ولو كان الوزير مفضلا، والملك متفضلا، فنحمد الله أولا وآخرا، على ما أنعم به على نبينا في الدنيا والآخرة. ثالثا: إرادة الله رفع الحرج عن هذه الأمة، والتخفيف عنها، مع شفقه النبي عليها، نأخذه من مراجعة النبي ﷺ ربّه عدة مرات واستجابة الله له في مراجعته. رابعا: عظيم امتنان الله على نبيه وعلى أمته، حيث خفف الصلاة عنها، من خمسين إلى خمس صلوات، مع ثبوت أجر الخمسين، وهذا الفضل شمل الضعيف صاحب الهمة المحدودة، الذي لا يستطيع الخمسين، كما شمل هذا الفضل صاحب الهمة العالية، الذي قد يتمنى أن تبقى الخمسين لينال أجرها، فعمّ خير الله ووسع فضله الجميع، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. خامسا: حكم موسى ﵇ على هذه الأمة أنها لا تستطيع الخمسين، رغم أن الفريضة لم يعمل بها بعد، والأمة لم يعالجها من قبل، قياسا على معالجته لأمة بني إسرائيل. ونحن نمتن لموسى ﵇ هذا الصنيع، ونشكره على هذا المعروف، فهكذا أهل الخير، خاصة الأنبياء من أولي العزم، ينفع الله بهم العباد حتى بعد وفاتهم، فهم رحماء بعباد الله، حتى بعد انقطاع تكليفهم ولو لم تكن الأمة أمتهم، فمن اعتاد على بذل الخير

стр. 105

وإسداء النصح، وأصبح هذا الخلق له سمة وهذا الطبع له صفة، لا يعرف للمعروف، زمانا ولا مكانا، ولا أمة دون أمة، انظر إلى مؤمن القرية الذي تمنى بعد وفاته أن لو علم قومه ماذا أعد الله له من النعيم المقيم، حتى يؤمنوا بالله وحده، قال تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: ٢٦- ٢٧] ، فإن كنا نحن من الذين يعرفون للناس فضلهم، ولا يجحدون معروفهم، فقد وجب علينا أن نشكر موسى ﵇، عرفانا منا بهذا الجميل، كما علّمنا نبينا ﷺ . الفائدة الرابعة عشرة: الذي نعرفه من الجنة والنار أسماء فقط، ولكن طبيعة الأشياء تختلف عما نعرفه ونعلمه في الدنيا، وما هي إلا تشابه أسماء، وذلك من قول النبي ﷺ : «حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي» فالنبي قد رأى وعلم أن السدرة قد تجملت وتزينت بألوان، ولكنها ألوان لا يعلمها ولا يعرف أسماءها، ولكن يعلم فقط أنها ألوان. الفائدة الخامسة عشرة: يوضح الحديث طرفا يسيرا مما أعده الله لعباده المؤمنين في جنته دار كرامته فالنبي ﷺ يقول: «فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» ، فإذا كان التراب الذي هو في الدنيا أرخص ما يكون، لا يبالي الناس به يكون في الجنة مسكا، فإذا كان الذي يمشي عليه المؤمنون في الجنة مسكا، فما بالكم بالأسرّة والفرش، والمأكل والمشرب، واللباس والحور العين. إنه- والله- لنعيم مقيم لا يزول ولا يحول، فهل من العقل، أن نبيع جنة عرضها السماوات والأرض، النعيم فيها دائم، والسرور فيها قائم، والأمن فيها شامل، والغل فيها زائل، بدنيا النعيم فيها يزول، والسرور فيها يحول، والغل فيها يطول، وما من صحة إلا بعدها مرض، وما من فرح إلا بعده ترح. الفائدة السادسة عشرة: هل الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج مشروع أما لا؟ أقول: ١- لم يثبت أن النبي احتفل بهذه الليلة، وهو أولى من يحتفل ويحتفي بها؛ لأنه المقصود بها، وليكون الاحتفال سنة، فيأخذ بذلك الأجر على تعليم الأمة، بل تكون مناسبة- كما يدعي البعض- أن يشكر الرسول ربّه على هذه النعمة العظيمة، ويتذكرها ويذكر أصحابه بها، وحيث أن النبي ﷺ لم يحتفل، ولم يأمر الأمة بالاحتفال، علمنا قطعا أن ذلك غير مشروع، ولو كان في ذلك خير لدلنا النبي عليه، وكيف لا يدلنا على هذا الخير، وهو الذي علمنا كيف نصلي وكيف نصوم، وكيف يأتي الرجل أهله، وعلمنا أيضا كيف نأكل ونشرب، حتى شمل التعليم دخول الغائط والخروج منه، كيف يعلمنا كل ذلك، ويغافل أو

стр. 106

ينسى أن يعلمنا شيئا يتعلق بالإسراء والمعراج، وإن كان غفل أو نسي، فكيف بالذي لا يغافل ولا ينسى، لماذا لم ينبه نبيه على ذلك بل كيف لم يأمره بالاحتفال، ويبين له ما فيه من خير، أيترك الله شيئا ينفع نبيه وأمته من بعده فلا يبينه؟. إن من اعتقد ذلك فقد أساء الأدب مع الله، وإذا كان الله سكت عنه، أفلا يسعنا نحن السكوت، وهل نرد قول الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] ، فالذي يرى أن الاحتفال بالإسراء والمعراج من الدين، ويؤجر العبد عليه وأن فيه خيرا لنا في الدنيا والآخرة، وأن هذا عمل يحبه الله ويرضاه، فكيف يوفق بين قوله هذا مع الآية التي أكدت إكمال الدين وإتمام النعمة، أيكذب بها؟ وكيف يرد ما (رواه البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ «١» » ، أيكون هذا العمل ردّا على صاحبه ويؤجر عليه، أيحكم الرسول بالرد، ويحكم الله بالقبول؟ هذا من أمحل المحال، وقد تم التنبيه على خطر البدعة، وكيف كان الصحابة يحافظون على السنة ولا يتجاوزونها بقول أو فعل، في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، تحذيرا منها. وأقول: إن أدل دليل على عدم مشروعية الاحتفال بها، هو عدم علمنا بتاريخها على وجه التحديد، ولو كان الرسول شرع للصحابة الاحتفال بها، لتناقلوا تاريخها، وعلموه لمن بعدهم، فهم الذين لم يفرطوا في حفظ أي أمر من أمور السنة، وإذا لم يحافظوا هذا التاريخ، علمنا من ذلك أنهم لم يتوقفوا عنده، وما كان لهم فيه عبادة، انظر كيف حافظوا خبر الإسراء وتناقلوه، حتى بلغ حد التواتر؛ لأن لهم فيه دروسا وعبرا، فلنتبع أثرهم ونكتفي بعملهم، أليس لنا فيهم قدوة وفي رسولنا أسوة؟! فإذا قال قائل: الأمة الآن مشغولة بأمور عظيمة، أولى أن نبحثها ونتفق عليها، بدلا من الاختلاف على أمور يسيرة مثل مشروعية الاحتفال أو عدم الاحتفال بليلة الإسراء. أقول باختصار: إن التمسك بسنة الهادي البشير، والعمل بها، ونبذ البدع، لهو أقرب طريق إلى توحيد الأمة، واستنصار المولى، فالله تعالى قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ

стр. 107

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى [النور: ٥٥] والبدعة أبعد ما تكون من العمل الصالح، الذي هو أحد شرطي الاستخلاف. واعلم أخي المسلم، أن كل بدعة تعملها، تباعدك من الله خطوة، حتى تصير في شق، والله ورسوله في شق آخر، نعوذ بالله من ذلك. كما يجب أن تعلم أخي المسلم، أن أعظم احتفال بهذه الليلة المباركة، أن تحافظ على الصلوات المكتوبة، وتقيم فروضها ومسنوناتها، وتستشعر فيها أنك تعبد الله كأنك تراه، فتقرّ بها عينّك، وتهدأ بها نفسك، وتعلم أنها هدية الله إلى خلقه. فهذا بحق أعظم احتفال بهذه الليلة، احتفال يحبه الله ويرضاه. أما الكلام عن شق صدره ﷺ ، في هذه الليلة المباركة، وملأه حكمة وإيمانا، فقد أفردت له بابا مستقلا، حتى أساعد القارئ، أن يتأمل هذه الواقعة العظيمة، ليستشعر فيها اعتناء الله بخاتم النبيين، وحتى لا تضيع الواقعة في زحمة الكلام، عن الرحلة المباركة. ٣- وصف بيت المقدس: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به» «١» . الشاهد في الحديث: قول الرسول ﷺ : «ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» . هذه القصة، وهي سؤال قريش النبيّ ﷺ عن أوصاف بيت المقدس، غداة إخباره بحادثة الإسراء، كان من المفترض أن أثبتها في سياق الحديث عن الإسراء والمعراج، ولكني وددت أن أفرد لها حديثا خاصّا لعظيم شأن هذه القصة، ورغبتي أن يستشعر كل مسلم منة الله على عبده ورسوله، وحتى لا يضيع الكلام عنها في خضم الكلام عن معجزة الإسراء والمعراج التي أذهلت العقول وأخذت بالألباب. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- عظيم اعتناء الله بنبيه ﷺ وتأييده بالمعجزات الباهرات،

стр. 108

الخارقات للعقول والعادات، والتي هي للأعداء مفحمات ملزمات، وللأصحاب مقويات مثبّتات، ويتضح ذلك من: ١- سماع الله لتحدي الكفار لنبيه ﷺ ، وهو سماع تأييد ونصرة، ودليل ذلك أن ثبّته بمعجزة عظيمة على الفور، ترفع عنه ما وجده من كرب عظيم، ففي الحديث، قال رسول الله ﷺ : «فكربت كربة ما كربت مثله قط» . ٢- رفع الله بيت المقدس لنبيه ﷺ فرآه رؤية عين واضحة جلية لقوله: «فرفعه الله لي أنظر إليه» وللعلماء في المسألة أقوال منها: أن الله كشف الحجاب بين نبيه وبين بيت المقدس، أو أنه حمل البيت كله ووضعه أمام النبي ﷺ حتى رآه ثم أعيد إلى مكانه، أو أنه مثل قريبا منه، ذكرها ابن حجر في الفتح، وكل تلك الأقوال لا نستغربها ولا نستبعدها في قدرة الله، ﵎، وما قصة إحضار عرش بلقيس- من اليمن إلى الشام مع عظمته في أقل من طرفة عين- منا ببعيد. ولكن اللافت للنظر والمثير للدهشة، قوله ﷺ : «فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» . فلا نتصور أنهم سألوا فقط عن أوصاف المسجد من الخارج كحدوده وأبوابه ونوافذه، ولكن من المؤكد أنهم سألوا عن أوصافه الداخلية، ليزيد تعجيزيهم للنبي ﷺ ولذلك أقول: إن النبي ﷺ كان ينظر إلى المسجد من مكانه الذي يقف عند الحجر بمكة، فيرى ما بداخل المسجد كما يرى خارجه سواء بسواء، من جميع الزوايا ومن كل المساقط، حتى يستطيع أن ينبئهم عن كل ما سألوه، فما خفي عليه أي جزء من المسجد. من يقدر على ذلك غير الله تعالى؟!. ٣- ومن مظاهر اعتناء الله بنبيه ﷺ الطريقة التي رفع الله بها عنه الكرب الذي ألّم به، فكان من الممكن أن يلهمه الله، ، إجابات شافية لكل ما سألوا عنه، أو يرسل له جبريل ﵇، ليلقنه إياها، أو يجعل نبيه ﷺ يثبتها ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، ولكن كل هذا لم يحدث مع إمكانيته؛ لأن الله، ، أحب أن يكون التأييد بمعجزة ظاهرة عظيمة تثبّت قلب نبيه ﷺ . الفائدة الثانية: خوف النبي ﷺ الشديد على هذه الأمة، ورد في الحديث: «فكربت كربة ما كربت مثله قط» ، فهذا الكرب كان من خوفه ألايرد على أسئلة المعاندين، فتفتن الأمة، ويكذّب الله ورسوله، ولكن الله، ، قد حول هذه الخوف إلى معجزة ظاهرة، وأعجز من أرادوا تعجيزه، وبدلا من أن يظهروا كذبه- حاشا لله- ظهر لهم كمال صدقه، وازداد الذين آمنوا إيمانا، بل وازداد هو يقينا من نصر الله له.

стр. 109

الفائدة الثالثة: إثبات أن كفر المشركين يعود جلّه إلى العناد والاستكبار عن الحق، وليس إلى عدم رؤيتهم الآيات الدالة على صدق النبي ﷺ في التبليغ عن ربه. فالحاصل أنهم كانوا يوقنون أن النبي ﷺ لم ير بيت المقدس من قبل، وإلا لما سألوه عن أوصافه، وإنما سألوه ليعجزوه ويظهروا عدم صدقه في خبر إسرائه، وكان من المفترض مع كل جواب للنبي ﷺ أن يزدادوا تصديقا به وتشككا فيما هم عليه من مسلك، ولكن هذا لم يحدث، لما انطويت عليه قلوبهم من الحسد والعناد. والغريب أيضا في الأمر، أنه ما قال لهم: إنه مكث أياما في بيت المقدس، أو حتى يوما واحدا بل أخبرهم ﷺ أنه دخل المسجد وصلى بالأنبياء في جزء من الليل، فهل الذي يدخل مكانا مثل بيت المقدس في مثل هذا القدر من الزمان بهدف الصلاة، هل يقدر أن يجيب عن كل سؤال يوجّه له؟ خاصة إذا كان السائل يريد تعجيزه، بالطبع لا يستطيع. فأقول: كان على الكفار لما سمعوا الإجابات الشافية عن كل أسئلتهم ألا يصدقوا فقط بصدق قصة الإسراء، بل كان عليهم أن يعتقدوا أن النبي ﷺ إنما أوحي إليه بأجوبة أسئلتهم، ولكن أين العقول؟. الفائدة الرابعة: ثبوت بشرية النبي ﷺ وأنه لا يعلم الغيب، في قليل أو كثير، وأن الله هو الذي يؤيده بالمعجزات، وأنه ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من عدم التثبت من أشياء رآها سريعا، ودليل كل ذلك، أن النبي ﷺ لما سئل عن أشياء لم يثبتها في حافظته كرب كربا شديدا، فكيف نثبت له علم أشياء لم يرها أصلا، أو لم يسمع بها من قبل؟. فكل ما يتكلم به النبي ﷺ من ماض أو مستقبل، أو حتى حاضر لم يره، فهو قطعا وحي من الله ، ولا داعي أن يقول النبي ﷺ في كل مرة: إن الله تعالى أوحى لي بكذا وكذا، ولكن هذا معلوم لنا من الدين بالضرورة، علمناه من صريح آيات الكتاب الكريم، مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩] ، وعلمناه أيضا من وقائع كثيرة حدثت في السنة الشريفة، مثل واقعة الحديث الذي معنا، وغير ذلك مما ذكرته متفرقا في هذا الكتاب. ٤- انشقاق القمر: قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] . عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل،

стр. 110

وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا» «١» . وفي الحديث المتفق عليه، عن أنس بن مالك ﵁: (أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين حتّى رأوا حراء بينهما) «٢» . قصة انشقاق القمر بلا شك من أعظم المعجزات الحسية التي أيد الله ﵎ بها نبيه ﷺ ، حيث شق الله له القمر فلقتين حتى ظهر بينهما جبل حراء، وهي من أعظم المعجزات للأسباب التالية: ١- حدثت المعجزة بناء على طلب من الكفار، لما ثبت عند الشيخين من رواية أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين» ، ولما ورد في حديث الباب أن رسول الله ﷺ قال: «اشهدوا» . والآية التي تكون على طلب المتحدي أبلغ في إظهار قوة المتحدّى وألزم للخصم. ٢- حدثت المعجزة في آية من أعظم الآيات الكونية وهي القمر، الذي يتعلق به قلوب الناس وأبصارهم كل ليلة، خاصة في مثل هذا الزمن- فكون المعجزة في القمر نفسه أفاد الأمور التالية: أ- كانت معجزة عامة لا يسع أحدا أن ينكرها فقد شاهدها المسلم والكافر، والكبير والصغير، والحاضر والبادي، فهي بذلك تختلف عن بقية معجزات النبي ﷺ التي غالبا ما تقتصر رؤيتها على أصحابه ﵃، كتكثير الطعام. ب- يجمع أصحاب العقول السليمة والفطر السوية أنها معجزة لا يقدر عليها إلا الذي خلق الشمس والقمر، وهو الله ﵎، كما يجمعون على أنها معجزة لا تأتي عن طريق السحر والشعوذة والإيحاء، وهل قدر السحرة من قبل ومن بعد على مثلها؟!. فهل يعقل أن الحكيم العليم يؤيد من يكذب عليه- حاشا لله أقولها فقط تنزلا مع الخصم- بمعجزة تكون في واحد من أعظم مخلوقاته وهو القمر، فيجعل عباده في شك وريب من أمرهم، إن أخف الناس عقولا يقرون أن حكمة الله تأبى ذلك. قال الشيخ السعدي- ﵀: (فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما
следующие страницы →