← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أسدى إلينا معروفا، وألا نتنكر لأصحاب الفضل بعد أن يقضي الله لنا حوائجنا بفضل شفاعتهم. الفائدة الثامنة: ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من رقة القلب، وهذا ما يجب أن يكون عليه حال المسلم؛ لأن النبي ﷺ ذم الفظ الغليظ، روى البخاري، عن معبد بن خالد قال: سمعت حارثة بن وهب الخزاعيّ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ كلّ ضعيف متضعّف لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر» «١» ، انظر إلى أبي هريرة بكى في الأولى من الحزن، وبكى في الآخرة من الفرح، وهذه عائشة ﵂ تحكي عن أبيها فيما (رواه البخاري) (إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس) «٢» ، والأسيف، هو رقيق القلب، كثير البكاء، ومن يرى في نفسه قلة البكاء، فعليه أن يبكي على حاله. الفائدة التاسعة: على المسلم أن يستزيد من الخير، خاصة إذا كان في حضرة الصالحين، وقد ذكرت ذلك، في حديث أم حرام، ويبدو هنا أن أبا هريرة قد أغراه استجابة الله دعاء نبيه بهداية أمه، فسأل النبي ﷺ أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين، ويحبب المؤمنين إليهم. الفائدة العاشرة: فضيلة الحب في الله ، وهو أن تحب المؤمنين، وأن يحبك المؤمنون، ليس لغرض دنيوي، ولكن لكونك مؤمنا وهم مؤمنون، وقد حث النبي ﷺ على هذا الحب، فروى البخاري، عن أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النّار» «٣» . والدليل على فضيلة الحب من الحديث، أن أبا هريرة، سأل النبي أن يحبب فيه المؤمنين وأن يحببه إلى المؤمنين، وما ذاك إلا لفضيلة الحب في الله، ولو لم يكن ذلك شيئا مستحبا شرعا، ما أقره النبي ﷺ على هذا الطلب، بل دعا له به، واستجاب الله الدعاء. الفائدة الحادية عشرة: على كل مؤمن أن يحب أبا هريرة وأمه، وأن يجد في قلبه أثر هذا الحب، ومن لم يجده، فعليه أن يقرأ مناقب أبي هريرة وأمه، حتى يتشبع قلبه بحبهما، فإن لم

стр. 177

يجد هذا الحب، فليعلم أن في قلبه شيئا وأن إيمانه لم يكمل؛ لأن النبي ﷺ دعا لهما أن يحبهما كل عباد الله المؤمنين، ولم يخص طائفة دون طائفة، ولا زمنا دون زمن، فكونك لا تحبهما فمعناه أن إيمانك ناقص، وأن دعوة النبي ﷺ لم تشملك. ١٦- تكثير الطعام والشراب: عن أبي هريرة كان يقول: (ألله الّذي لا إله إلّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثمّ مرّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثمّ قال: «يا أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «الحق» ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللّبن؟» قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: «أبا هر» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي» قال: وأهل الصّفّة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أحقّ أنا أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال: «يا أبا هر» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «خذ فأعطهم» قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح فيشرب حتّى يروى ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وقد روي القوم كلّهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسّم فقال: «أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله قال: «بقيت أنا وأنت» قلت: صدقت يا رسول الله قال: «اقعد فاشرب» فقعدت فشربت فقال: «اشرب» فشربت فما زال يقول: «اشرب» ، حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكا قال: «فأرني» فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة) «١» .

стр. 178

الشاهد في الحديث: أن قدح اللبن قد شرب منه سبعون من أهل الصفة كما ورد في روايات الحديث، وشرب منه أبو هريرة والنبي ﷺ ، وبقى منه، ويبدو أن القدح لم يكن مملوآ، لقول أبي هريرة (فوجد لبنا في قدح) ، ولم يقل: وجد قدحا مملوآ لبنا، وهي معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وانظر كيف شرب كل رجل عن جوع حتى روي. فوائد الحديث: الفائدة الأولى: فيما يخص النبي ﷺ : ١- فراسة النبي ﷺ ، حيث عرف ما في نفس ووجه أبي هريرة، دون أن يسأله عن شيء، فعلم أنه يريد أن يدعوه أحد إلى طعام يسد جوعه، وما في وجهه هو علامات الجوع، وأقول: إن ذلك كان فراسة من النبي ﷺ ؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄، قد مرّا على أبي هريرة وكلماه ولم يفطنا إلى ما يريد، أما الرسول ﷺ ، فعرف ما به دون أن يكلمه، ويتفرع على ذلك، أن الفراسة منحة من الله وأن الناس يتفاوتون فيها بين مكثر ومقل. ٢- تلطف النبي ﷺ مع أصحابه ، ولو كانوا خدما أو فقراء يتبين ذلك من المواقف التالية: أ-) تبسمه لأبي هريرة، حين رآه يجلس على الطريق، وذلك ليطمئنه أنه قد عرف ما به، ويبشره بالخير. ب) مناداته أبا هريرة، بكنيته، بل بصيغة التصغير «أبا هر» زيادة في التلطف، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المسلم، مع الخدم والفقراء، لا أن يترفع عليهم ويزدريهم، ويستكبر أن يناديهم بأسمائهم، فيشير إليهم إشارة، والبعض يترفع غاية الترفع، أن يأكل معهم، وكل ذلك مخالف للسنة. ج) تبسمه مرة أخرى لأبي هريرة، بعد أن شرب القوم جميعا، كأنه يقول له: كنت أعلم ما في نفسك وخوفك أن اللبن لن يبلغك، وتلطفه بقوله: «بقيت أنا وأنت» . ٣- تورعه ﷺ عن أكل الحرام وحرصه على ذلك، حيث سأل عن اللبن الذي وجده في القدح، ليعلم أهو صدقة أم هدية؛ لأن الأكل من الصدقة حرام على الأنبياء، ويتفرع على هذا أن المسلم إذا وجد مالا أو طعاما، واستشكل عليه أمره، يجب عليه أن يسأل عنه،

стр. 179

ولو كان في بيته، خاصة إذا اعتاد أن يضع الناس عنده أمانات، ولا يقول: الأصل الإباحة، وليعلم كل مسلم أن أكل الحرام يذهب تقوى القلب، ونضرة الوجه، وهو الذي يرد دعوة المسلم، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم وفيه: (ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟) «١» . ٤- مراقبة الله لأحوال نبيه ، وعدم إساءته في ضيفه، ولذلك رزقه اللبن، فالنبي دعا أبا هريرة لما رأى عليه علامات الجوع، وما كان النبي يعلم أن في البيت شيئا يطعمه ضيفه، قال أبو هريرة: (فوجد لبنا في قدح) ، وهذه تكرمة من الله لرسوله ﷺ . ٥- تواضعه ﷺ ، ويتبين ذلك من: أ) دعوته أبا هريرة إلى بيته، ولم يحله إلى أحد الصحابة الأغنياء، ليتولى ذلك، ثم دعوته بقية أهل الصفة الفقراء، ليشاركوه الشراب. ب) شربه من القدح، بعد أن شرب القوم جميعا، ولم يترفع عن ذلك، ولم يجد غضاضة أن يشرب من نفس القدح، ويقول أبو هريرة: (فشرب الفضلة) أي الذي بقي بعد شبع القوم. ٦- تربيته القولية والفعلية للأمة: تتمثل القولية في قوله ﷺ لأبي هريرة: «اقعد فاشرب» فأمره بأدب الشراب والطعام، وهو القعود، أما التربية الفعلية، فقد سمى قبل أن يشرب، فتعلمها أبو هريرة، وحفظها ونقلها للأمة، فكانت التسمية أدبا لها إلى يوم القيامة. ٧- إيثاره ﷺ : ويتبين ذلك من: أ- تعوده ﷺ أن يشاركه أهل الصفة الهدية، مع أنه كان يرسل إليهم كامل الصدقة، ولم يقل: الصدقة لهم، والهدية لي. ب- أمره أبا هريرة أن يشرب قبله، ويأمره أن يشرب عدة مرات، حتى غاية الشبع. ٨- كمال عبوديته لله ، حيث حمد الله، بعد أن شرب القوم كلهم، فثناؤه على الله، كان بمناسبة البركة التي جرت على يديه في اللبن، حتى شرب القوم عن آخرهم، وكان من دأبه ﷺ ، أن يرجع الفضل لله، ، ويثني عليه بذلك،

стр. 180

فتتعلم أمته هذا الهدي النبوي، قال أبو هريرة: (فحمد الله وأثنى عليه) . الفائدة الثانية: مناقب أبي هريرة: ١- استعفافه: حيث إنه لم يسأل الناس رغم شدة جوعه، حتى ظن من يمر به أن به صرعا أو جنونا، ومع ذلك استعفف ولم يسأل، والله قد رباهم على ذلك، حيث مدح في كتابه العزيز هذه الطائفة، فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣] ، كما رباهم النبي ﷺ على ذلك، فقد روى البخاري بإسناده عن الشّعبيّ قال: حدّثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من النّبيّ ﷺ فكتب إليه سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السّؤال» «١» ، فإذا كان أبو هريرة قد تعفف عن سؤال ينجيه من الهلاك، فمن باب أولى، أن يتعفف المسلم عن سؤال ما يكمل به حياته، وأن يتعفف من باب أولى في باب العبادات، ومثاله، الذين يطلبون الحج مع الناس لينفقوا عليهم، ولا يجدون في ذلك غضاضة في أنفسهم، أو يخرجون من بيوتهم قاصدين الحج، وليس معهم زاد، ويقولون نحن المتوكلون، وفي نيتهم النزول عالة على غيرهم، هذا كله مخالف لسنة الحبيب ﷺ . ٢- كمال طاعته للرسول ﷺ : يتبين ذلك من: أ- مسارعته إلى دعوة أهل الصفة، امتثالا لأمر النبي ﷺ ، مع ما كان يشعر به من جوع، واعتقاد أنه أولى الناس بهذا اللبن، ليتقوى به، فلم يجادل أو يراجع النبي ﷺ في أمره، بل لم يطلب منه أن يشرب من اللبن قبل دعوة أهل الصفة، ليذهب ما يجده من شدة الضعف، وهذا أدب ما بعده أدب، امتثلوا أمر الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١] ، وفهموا أن عدم التقديم يشمل كل شيء، في العبادات والعادات. ب- طاعته للرسول، في تكرار الشرب من القدح حتى امتلأت معدته، ولم يتوقف عن الشرب إلا بعد عدم وجود منفذ للزيادة، كأنه إذا زاد من اللبن، فلن يصل إلى معدته، وكان من أدبه أنه لم يردّ أمر النبي بزيادة الشرب تصريحا، بل قدّم العذر الخارج عن إرادته، فقال: ما أجد له مسلكا.

стр. 181

٣- فقهه ﵁: أ- جعل طاعة الرسول من طاعة الله ، ولم يفرق بينهما، ورأى أن ذهابه بأمر الرسول لدعوة أهل الصفة، هو طاعة لله فيكون عدم ذهابه، معصية لله ، هكذا كانوا يرون طاعة الرسول من طاعة الله، ، في كل كبير وصغير، قال أبو هريرة: ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدّ. يتفرع على ذلك، أن نحكم على كل من يفرق بين طاعة الله وطاعة رسوله، بالضلال المبين، فتارة يقولون: ما كان في كتاب الله أخذنا به، وما كان في السنة ففيه نظر، وتارة يقولون: أوامر القرآن واجبة، أما أوامر السنة فهي على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، وفهم الصحابة حجة على هؤلاء، بل قول الله تعالى حجة على الجميع، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء: ٨٠] ، فمن فرق بين أمر الله وأمر الرسول ﷺ فقد كذب بهذه الآية الكريمة. ب- تعظيمه لأمر الوحي، من جهتين: الأولى: أقسم به ليغلظ القسم. الثانية: وصفه بالحق، فقال: (لا والذي بعثك بالحق) . ٤- خبرته وعلمه بأحوال النبي ﷺ ، حيث يعلم أن أهل الصفة إذا جاؤا سيأمره النبي ﷺ أن يناولهم القدح، وذلك من كثرة ملازمته للنبي ﷺ ودخوله عليه، قال: (فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم) . ٥- كمال أدبه مع النبي ﷺ ، حيث كان يرد نداءه بقوله: (لبيك يا رسول الله) ، وأرى أن ذلك يدل على كمال الأدب، مع عظيم الحب، وليس الأدب وحده، ويتفرع على ذلك أن جملة (لبيك وسعديك) لا يختص بها الله ، ويجوز أن يردّ بها الرجل دعوة أهل العلم والفضل، حيث لم يثبت أنها من خصوصيات الرسول، ولكن ينبغي ألا نتوسع فيها، حتى لا تصبح كلمة فارغة عن محتواها فتكون كلمة لا معنى لها ولا قيمة، كما يمشي الرجل فيقول لكل من يقابله: (ادع الله لي) . الفائدة الثالثة: وجود الفقراء وأهل العوز في المجتمع الإسلامي، وهذا علقت عليه بالتفصيل في حديث: «ذهب أهل الدثور» ولكن أزيد هنا، أن على أفراد المجتمع أن يطعموهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، خاصة الوالي لقول أبي هريرة: (إذ أتته صدقة بعث

стр. 182

بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم) . الفائدة الرابعة: لا حرج أن يجد المسلم في نفسه شيئا، إذا علم أن أحدا سيشاركه طعاما أو شرابا هو أحوج الناس إليه، وهذا الأمر مجبول عليه الناس، يتبين ذلك، من قول أبي هريرة لما أمره النبي ﷺ أن يدعو أهل الصفة (فساءني ذلك) ، وقوله أيضا: (كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن) ، وما ذهب ودعا أهل الصفة ليشاركوه في اللبن إلا اضطرارا، ولو كان الأمر بيده ما ذهب، وقال مبررا ذهابه لأهل الصفة: (ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد) ، وعلمنا أن ما شعر به أبو هريرة ليس فيه مذمة له؛ لأن النبي ﷺ علم ما شعر به أبو هريرة، ولم يلمه على ذلك، أو يبين له أن ما شعر به خطأ، قال أبو هريرة بعد ما شرب القوم: (فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسم) وتبسمه ﷺ لعلمه بما كان يجول في خاطر أبي هريرة. يتفرع على ذلك أن الإسلام دين فطرة، لا يصطدم مع طبيعة الإنسان البشرية، وما تشعر به في بعض الأوقات، مثل إيثار النفس على الغير عند مشارفة الهلاك ليس فيه شيء. وتعاليم الإسلام تهذب مشاعر الإنسان وتطوعها وتربيها، ولكن لا تلغيها وتقضي عليها. وأضرب مثلا لذلك للتقريب، ما يشعر به الشاب المسلم من غريزة تجاه الجنس الآخر، وقد تكون في بعض الأحيان قوية جدّا، لم يحرم الإسلام ما يجده الشاب من هذه الغريزة، ولم يجعل وجودها محرما، بل أرشد إلى العلاج الناجع، فقد روى البخاري، عن علقمة قال: بينا أنا أمشي مع عبد الله ﵁ فقال كنّا مع النّبيّ ﷺ فقال: «من استطاع الباءة فليتزوّج فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء» «١» . وسبحان الذي جعل الإسلام وسطا، بين الإباحية التي دمرت العالم، حيث أعطت للإنسان حرية أن يقضي شهوته بأي وسيلة كانت، حتى ولو كانت الوقوع على المحارم، أو زواج الجنس الواحد، وبين التبتل والرهبنة، والتي تفضي على قطع الحرث والنسل، وقبل ذلك وبعده، تصطدم مع فطرة الله التي فطر الناس عليها. الفائدة الخامسة: وجوب الاستئذان، حتى لو كان الضيف مرافقا لصاحب البيت، فعليه أن يستأذن منه قبل أن يدخل، والاستئذان شأنه عظيم، علمنا ذلك، أن الله أمرنا به في القرآن الكريم، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا

стр. 183

وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: ٢٧] ، قال المفسرون: الاستئناس يشمل الاستئذان، بل هو خلق أعلى من مجرد الاستئذان؛ لأننا لن ندخل بيتا، حتى نعلم استعداد أهل البيت لاستضافتنا، فقد يكون الوقت غير مناسب، أو عندهم ما يشغلهم فلا تجوز الزيارة أصلا، ومن كمال الاستئناس أن نستأذن حتى يأخذ أهل البيت أهبتهم. والحكمة من الاستئذان، هو النظر، حتى لا يقع بصر الضيف إلى عورات الناس، أو إلى ما يكره، ومن تمام أدب الاستئذان ألا يتعدى ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع. ومن آداب الاستئذان، أن يرجع الضيف إذا قيل له: ارجع، قال تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ [النور: ٢٨] وهذا الأدب الأخير ندر من يعمل به، رغم أننا نقرأه في القرآن صباحا ومساء، فيستحي صاحب البيت أن يقول للضيف: ارجع، ويشق على الضيف أن يسمعها. الفائدة السادسة: أدب الضيافة، أن يناول المضيف القدح ضيفا ضيفا، فلا يجعلهم يتناولونه فيما بينهم، قال أبو هريرة: (فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد عليّ القدح فأعطيه الرجل) هكذا فعل أبو هريرة حتى شرب أهل الصفة عن آخرهم، وهذا الأدب هو حق للأضياف، ولو كانوا فقراء، انظر إلى أدب إبراهيم ﵇ مع أضيافه كيف قرّب إليهم الطعام، ولم يقل لهم: هلموا إلى الطعام، قال تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧] . والذي يدلنا على حب الله لهذا الأدب ذكره في القرآن في معرض الثناء على ابراهيم ﷺ . الفائدة السابعة: ذم امتلاء المعدة من الأكل والشرب، والحث أن يجعل المسلم جزآ لطعامه وجزآ لشرابه وجزآ لنفسه هو الأصل، ولكن يجوز في بعض الأحوال أن يشبع المسلم حتى الامتلاء، وذلك في حالة جوعه الشديد، خاصة إذا علم أنه قد لا يجد بعد ذلك طعاما أو شرابا، أو في حالة معرفته وجود بركة في الطعام المقدم له، وأن الذي يأمره بالزيادة، هو من أهل الصلاح والتقوى. الأحاديث التي وردت في هذه المعجزة الظاهرة، وهي تكثير الطعام والشراب ببركة يد الرسول ﷺ أو دعائه كثيرة جدّا، أورد بعض الأمثلة منها: الحديث الأول: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد- شكّ الأعمش- قال: لمّا كان غزوة تبوك أصاب

стр. 184

النّاس مجاعة قالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنّا!! فقال رسول الله ﷺ : «افعلوا» قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قلّ الظّهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثمّ ادع الله لهم عليها بالبركة؛ لعلّ الله أن يجعل في ذلك فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قال: فدعا بنطع فبسطه ثمّ دعا بفضل أزوادهم قال: فجعل الرّجل يجيء بكفّ ذرة قال: ويجيء الآخر بكف تمر قال: ويجيء الآخر بكسرة حتّى اجتمع على النّطع من ذلك شيء يسير قال: فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة ثمّ قال: «خذوا في أوعيتكم» قال: فأخذوا في أوعيتهم حتّى ما تركوا في العسكر وعاء إلّا ملئوه قال: فأكلوا حتّى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ : «أشهد ألاإله إلّا الله وأنّي رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنّة» «١» . (رواه مسلم) . الحديث الثاني: عن أمّ مالك كانت تهدي للنّبيّ ﷺ في عكّة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء فتعمد إلى الّذي كانت تهدي فيه للنّبيّ ﷺ فتجد فيه سمنا فما زال يقيم لها أدم بيتها حتّى عصرته فأتت النّبيّ ﷺ فقال: «عصرتيها؟» قالت: نعم. قال: «لو تركتيها ما زال قائما» «٢» . (رواه مسلم) . الحديث الثالث: عن سالم بن أبي الجعد قال سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشّجرة فقال: لو كنّا مائة ألف لكّفانا كنّا ألفا وخمس مائة «٣» . رواه مسلم مختصرا من حديث طويل. هذا مختصر من الحديث الصحيح في بئر الحديبية، ومعناه أن الصحابة لما وصلوا الحديبية وجدوا بئرا إنما تنزّ مثل الشراك فبصق النبي فيها، ودعا فيها بالبركة وكأن السائل في هذا الحديث علم أصل الحديث والمعجزة في تكثير الماء ولم يعلم عددهم فأخبره جابر أنهم كانوا ألفا وخمسمائة ولو كانوا مائة ألف لكفاهم الماء. ١٧- الشفاء بالتفل عن أبي حازم قال أخبرني سهل بن سعد ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الرّاية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»

стр. 185

قال: فبات النّاس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله ﷺ كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين عليّ بن أبي طالب» فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الرّاية فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا فقال: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» «١» . (رواه البخاري) . الشاهد في الحديث: أن عليّا ﵁ قد اشتكى عينه، فبصق فيها النبي ﷺ ، ودعا له، فطابت مباشرة، ورجعت كما كانت قبل الوجع، وهي معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ومن دلائل نبوته، ويبدو أن الوجع كان شديدا، لمعرفة الصحابة أنه يشتكي عينيه، ولو كان أمرا عارضا بسيطا، ما اشتهر وتناقله الصحابة ولما تخلف عليّ عن حضور مجلس النبي ﷺ ، والذي سيبشر فيه أصحابه بمن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال الراوي: «فقال أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. ولفظ: (أتي به) يدل على الوجع الشديد، ففي الحديث فضل ريق النبي ﷺ التي تشفي- بإذن الله- من الأمراض، بمجرد أن تصيب مكان الداء، وسبحان من قضى أن يجعل في كل ما يتعلق برسوله ﷺ البركة، حتى بصاقه، حيث كان من الممكن أن يضع النبي يديه الشريفتين على عينيه فتبرأ، أو يكتفي بالدعاء فتشفى، ولكن الله ، أراد أن يظهر لنا عظيم قدر نبيه، واعتناءه به، فنوع له المعجزات وجعل كل شيء منه وفيه مباركا، فيزداد الذين آمنوا إيمانا. وفي الحديث فوائد: الفائدة الأولى: إطلاع الله ، نبيه ﷺ ببعض أمور الغيب، وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، حيث أعلم أصحابه ﵃ أنه ستكون مواجهة بين المسلمين واليهود، وستكون الغلبة فيها للمسلمين، قال: «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه» ، وأقول: إنها من دلائل نبوته؛ لأن المعركة لا يعلم المنتصر فيها والمهزوم، إلا الله ، الذي بيده الأمر كله، والغيب عنده حاضر، فمن أوحى لنبيه بنتيجة الموقعة

стр. 186

إلا الله ، ولو لم يكن نبيّا، ما تجرأ أن يقول لأصحابه ما سيحدث في الغد القريب، بل إنه لم يستثن، أي لم يقل: «إن شاء الله» لأن الذي أخبره بالنصر غدا لن يخلف وعده، فكأنه يخبر بما أوحى الله إليه. الفائدة الثانية: تعليم النبي ﷺ أصحابه أن الفتح والنصر بيد الله ، لا بيد غيره، وهي من أمور العقيدة، التي ينبغي أن نتعلمها جميعا، ونعلمها أولادنا. فإذا كان الأمر كذلك، وجب على المسلمين أن يستنصروا الله وحده على أعدائهم، وألا يأملوا في وجه أحد غيره، قال رسول الله ﷺ : «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه» ، يصدق ذلك قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٦٠] ، فبينت الآية غاية البيان، أن النصر بيد الله، وإذا كان الله مع فئة ونصرها، فلن يغلبها أحد، حيث لا قوة تنفع مع قوته، ، وكما يكون النصر من عنده، فالخذلان وعدم التوفيق أيضا بيديه، وإذا حدث، فلا ينفع أبدا نصر أحد لنا مع عدم توفيق المولى جل في علاه. يتفرع على ما سبق، وجوب طاعة الله ، بالتزام أوامره واجتناب نواهيه، وكذا سنة نبينا ﷺ ؛ لأن هذا شرط في نصرة الله لنا، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد: ٧] ، وما عند الله لا يؤخذ إلا بطاعته وإرضائه. الفائدة الثالثة: مناقب علي ﵁: ١- جعل الله فتح خيبر على يديه، وهذه تكرمة عظيمة من الله له؛ لأن الفتح عمل يحبه الله ورسوله، لما فيه من انتشار الإسلام وعلو كلمة التوحيد. ٢- ثبوت حب الله ورسوله لعلي، وثبوت حب علي لله ورسوله، وهما معا منقبتان عظيمتان لعلي ﵁. الفائدة الرابعة: الحث على حب علي، لكون الله يحبه وكذلك رسوله، ولا يسع أحدا من المسلمين ألا يحب أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، خاصة الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل العقبة الأولى والثانية، ثم بقية الأصحاب رضوان الله عليهم جميعا، الذين اصطفاهم الله ، لنصرة نبيه، وحمل راية الإسلام، ونشر الدعوة، وهم الذين مات النبي ﷺ ، وهو عنهم راض. الفائدة الخامسة: حرص الصحابة ﵃ على الخير ومعرفة أهل الفضل،

стр. 187

وحبهم أن ينالهم شرف حب الله ورسوله وأن يكون النصر على أيديهم، لقوله: (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها) ، وقوله: (فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها) ومعنى «يدوكون» أي يخوضون في الحديث، كأنهم قضوا ليلتهم كلها، كل منهم يخمن من ينطبق عليه شروط إعطاء الراية، ويمكن أن نستدل بقوله: (كلهم يرجو أن يعطاها) أنهم كانوا جميعا يحبون الله ورسوله، كما يأملون حب الله ورسوله لكل واحد منهم، لذا رأى كل منهم الشرط ينطبق عليه، وهذه فضيلة ظاهرة لهم. الفائدة السادسة: تغليب جانب الدعوة لغير المسلمين على جانب القتال، وقد ذكر ابن حجر، بأن تالف الكافر حتى يسلم، أولى من المبادرة إلى قتله، لقوله: «فو الله لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» . ويتفرع على التبشير بهذا الأجر العظيم، المترتب على هداية أحد الناس، حث المسلمين على الدعوة إلى الله، وترغيبهم في ذلك، وأن على المسلم أن يبذل غاية جهده ليتحقق مراد الله وهو هداية الناس. الفائدة السابعة: الهداية بيد الله، ، يهدي من يشاء وقتما شاء، وأن الداعي إلى الله، هو سبب فقط في تلك الهداية، لقوله: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا» ، ونأخذ منه أيضا، حب الله ، أن يعود الناس لحظيرة الإسلام، وأن رحمته قد سبقت غضبه، وأن العفو عنده مقدم على العقاب، ودليله، أنه رتب الأجر العظيم على هداية رجل واحد. ١٨- طيب عرقه وكفه ﷺ : عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ أزهر اللّون كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى تكفّأ، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ «١» . (رواه مسلم) . الشاهد في الحديث: قول أنس ﵁: (كأن عرقه اللؤلؤ) وقوله: (ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ .

стр. 188

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- جمال وجهه ﷺ لقول أنس ﵁: (كان رسول الله ﷺ أزهر اللون) ، ومعناه الأبيض المستنير، وهي أحسن الألوان، ذكره ابن حجر «١» . وجمال وجهه ﷺ دلت عليه أحاديث كثيرة، منها ما (رواه البخاري) ، عن أبي إسحاق قال: سئل البراء أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر، كما ورد في حديث الثلاثة الذين خلفوا في الصحيحين: (وكان رسول الله ﷺ إذ سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر) ، ولم يحرمه الله ، من هذا الجمال في الوجه، حتى يوم موته فعند البخاري من حديث أنس بن مالك: (فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنه وجهه ورقة مصحف) . ويتفرع عليه، أن حسن الوجه وجماله، شيء محمود في المرء، يشكر العبد ربّه عليه. ٢- جمال عرقه: لقول أنس: (كأن عرقه اللؤلؤ) ، فهذا وصف جمال شكل العرق فهو كاللؤلؤ في الصفاء والبياض، وورد في حديث الإفك عند البخاري من حديث عائشة «٢» : حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، والجمان حبات اللؤلؤ، أما عن جمال الرائحة، فيقول أنس: (ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . قال ابن حجر: الأول معروف، والثاني طيب معمول من أخلاط يجمعها الزعفران وقيل: هو الزعفران نفسه. انتهى «٣» . والدليل أن عرقه ﷺ أطيب وأجمل رائحة من كل أنواع العطر، أن الصحابة كانوا يخلطون عرقه بطيبهم، فقد روى مسلم، عن أم سليم أن النبي كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي ﷺ : «يا أم سليم، ما هذا؟» قالت: عرقك أدوف به طيبي. ومعنى أدوف به طيبي، أي أخلطه به، وأظن أنها كانت تفعل ذلك ليزداد الطيب طيبا على طيبه، بخلاف البركة التي تحل به. وتأمل أخي القارئ كم يصرف أصحاب المناصب والوجاهة من أموال لتكون لهم

стр. 189

رائحة زكية عطرة تعجب الناس فلا يتقززون منهم، وكم تمكث هذه الرائحة الزكية، ثم ما تلبث أن تذهب وتخرج الرائحة الكريهة إذا لم يتدارك الإنسان نفسه، فضلا عن اضطراره إلى الاغتسال صباحا ومساء ليحافظ على رائحته الجميلة، ولكن الله، ، قد كفى نبيه ﷺ مؤونة ذلك، فما كان يزيده العرق إلا جمالا في الوجه وطيبا في الرائحة، إذن ما احتاج النبي ﷺ أبدا أن يغتسل ليذهب أثر العرق، كما يفعل بقية الخلق، ولا نعلم أحدا يشابهه في ذلك إلا أهل الجنة الذين سلموا من كل سوء ومكروه، حيث ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة عن بعض صفات أهل الجنة: «ورشحهم المسك» «١» . فسبحان الله العظيم، الذي جمع لنبيه ﷺ ، حسن الخلق والخلقة، وجمال الباطن والظاهر. ٣- لين كفه ﷺ ، لقول أنس: ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ : (والديباج نوع من أنواع الحرير) ، قال ابن حجر في الفتح: لا تعارض بين هذا الحديث وما رواه أنس أنه كان ضخم اليدين والقدمين وأنه كان شئن الكفين والقدمين أي غليظهما في خشونة، والجمع بينهما، أن المراد اللين في الجلد والغلظ في العظام فيجتمع له نعومة البدن وقوته أو حيث وصف باللين واللطافة حيث لا يعمل بهما شيئا كان بالنسبة إلى أصل الخلقة وحيث وصف بالغلظ والخشونة فهو بالنسبة إلى امتهانها بالعمل. انتهى كلامه ﵀. وأعتقد أن من ضمن ما حبا الله كف نبيه ﷺ بما يلائم ليونته، ويزيد الكف جمالا على جماله، أن جعل الله هذا الكف أبرد من الثلج، فقد روى البخاري: «عن أنس ﵁ قال: ولا مسست خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله ﷺ » فاليد أطيب من المسك والجلد ألين من الحرير والملمس أبرد من الثلج، فهل بقي بعد ذلك شيء. وهذا أيضا من أنواع الكمال والجمال البشري الذي حبا الله به نبيه ﷺ ، فلو اقتصر الأمر على ليونة ونعومة اليد لكان نقصا في الكمال، ولو اقتصر على الغلظ في العظام لكان نقصا في الجمال، وفيه أيضا إظهار لكمال قدرة الله في الخلق، إذ خلق الأشياء في أحسن صورة وأجملها مع مناسبتها تماما لما خلقت من أجله، وهذا يتحقق في خلقه الناس على تفاوت. الفائدة الثانية: كيف كان النبي ﷺ في عيون الصحابة ﵃: ما كانوا

стр. 190

يرون أحدا أجمل منه وجها، ولا ألين منه كفا، ولا أطيب منه رائحة. ورؤيتهم له على هذا الوجه، يدل على حبهم الشديد له وصفاء قلوبهم؛ لأن القلب الصافي من الشبهات هو الذي يرى الأشياء على حقيقتها، انظر إلى كفار مكة لظلمة قلوبهم لم يروا النبي ﷺ ، كما رآه الصحابة، ألم تسمع إلى قول الصحابي الجليل عمرو بن العاص، ﵁: (وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه) «١» وقد ذكرت الحديث بطوله في باب (تعظيمه ﷺ في نفوسهم) . ١٩- نبع الماء من بين أصابعه ﷺ : عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قد رأيتني مع النّبيّ ﷺ وقد حضرت العصر وليس معنا ماء غير فضلة، فجعل في إناء فأتي النّبيّ ﷺ به فأدخل يده فيه وفرّج أصابعه ثمّ قال: «حيّ على أهل الوضوء البركة من الله» فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه فتوضّأ النّاس وشربوا فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه فعلمت أنّه بركة قلت لجابر كم كنتم يومئذ قال ألفا وأربع مائة) «٢» . (رواه البخاري) . الشاهد في الحديث: هو قول جابر بن عبد الله: (فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: بيان ما حبى الله رسوله ﷺ من عظيم المعجزات، فالمعجزة هنا تختلف جدّا عن بقية المعجزات التي وردت في تكثير الطعام والشراب؛ لأن زيادة الماء هنا ما جاءت من دعاء الرسول على الماء بالبركة، بل جاءت المعجزة من تفجر الماء من بين أصابعه الشريفة، ولفظ يتفجر، يشعر بكثرة الماء جدّا، وخروجه بقوة، وهذا هو الذي حدث، فقد توضأ من هذا الماء ألف وأربع مائة رجل، ولك أن تتصور كمية الماء التي تكفي لوضوء هذا العدد من الرجال، بل ولشربهم أيضا. الفائدة الثانية: علم الصحابة، ﵃، أن هذا الماء فيه بركة عظيمة، لذلك حرصوا على الشرب منه، بل إن راوي الحديث، جابر بن عبد الله، استكثر جدا ما استطاع

стр. 191

من الشرب، وقد ذكرت في حديث أنس مع أهل الصفة، أنه يجوز أن يشرب ويأكل المسلم حتى الامتلاء مما يعلم أن فيه البركة. الفائدة الثالثة: حرص النبي ﷺ أن يرى أصحابه ﵃ فضل الله في كل شيء، وأن يوصلهم دائما بخالقهم، وأن يعلموا أن مسبب هذه المعجزات الظاهرات هو الله وحده، لقوله ﷺ : «البركة من الله» . ٢٠- حب الصم الشامخات له ﷺ : الحديث الأول: عن أنس بن مالك ﵁ يقول: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر أخدمه فلمّا قدم النّبيّ ﷺ راجعا وبدا له أحد قال: هذا جبل يحبّنا «١» . الحديث الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: صعد النّبيّ ﷺ إلى أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه برجله قال: «اثبت أحد؛ فما عليك إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيدان» «٢» . بعض فوائد الحديثين: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- إن كان عجيبا أن يحب النبيّ ﷺ ما فيه روح مما لا يعقل، كالشجر الذي كان يعرفه ويسلم عليه، وجذع النخلة التي تشتاق إليه ﷺ وتبكي لفراقه، فالأعجب حقّا، أن يحب النبيّ ﷺ ما ليس فيه روح ولا عقل، شيء إن نظرت إليه ظننت أنه لا يعقل ولا يسمع ولا يرى، ولكنه في الحقيقة يحب، مما يستدعي أن يكون له إحساس، إنه جبل أحد الذي أحب النبي ﷺ . وقد رجح الإمام ابن حجر- ﵀ أن حب النبي ﷺ لأحد وحب الجبل له هو على حقيقته فقد قال ما نصه: «الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره، وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: اسكن أحد» ، وقد نقل- ﵀ عن السهيلي سبب حب النبي ﷺ للجبل ما نصه: «كان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية» «٣» .

стр. 192

وقال الإمام النووي- ﵀: «الصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة جعل الله فيه تمييزا يحب به، كما قال: .: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: ٧٤] وكما حن الجذع اليابس، وكما فر الحجر بثوب موسى ﷺ » «١» . ٢- بيان ما أعطاه الله- نبيه ﷺ من القدرة على مخاطبة الجمادات، ولولا أنها تعقل كلامه ﷺ ما كان لتوجيه الكلام لها من معنى، ورد في الحديث: «فضربه برجله قال: اثبت أحد؛ فما عليك إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيدان» ، وهو من جنس تسليم الشجر عليه ﷺ . قال الإمام ابن حجر- ﵀: «فضربه برجله وقال: «اثبت» بلفظ الأمر من الثبات وهو الاستقرار، وأحد: منادى ونداؤه وخطابه يحتمل المجاز، وحمله على الحقيقة أولى» «٢» . ٣- فرح جبل أحد بصعود النبي ﷺ حتى إنه ارتجف، ورد في الحديث: «فرجف بهم» ، وما يكون الرجف إلا فرحا واستبشارا، ولا يتصوّر عظيم هذا الأمر إلا من رأى هذا الجبل الضخم الشامخ الراسي فيتخيل كيف أنه اهتز واضطرب. ٤- في الحديث معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهو إخباره أن عمر وعثمان. ﵄. سينالان الشهادة في سبيل الله. تعالى. وقد وقع الأمر كما قال وأخبر ﷺ . الفائدة الثانية: بيان قدرة الله : والتي بلغت المنتهى في الكمال، فهذا جماد أصم جعل الله فيه إحساسا يحب به، وجعل له إدراكا يشعر ويعرف من يقف عليه فيضطرب لذلك. وفي الحديث أيضا بيان عظيم حبّ الله لنبينا ﷺ إذ ألقى في الجمادات حبه ﷺ . الفائدة الثالثة: الحديث منقبة عظيمة لأبي بكر وعمر وعثمان. ﵃. جميعا: فأبو بكر أثبت له النبيّ ﷺ منزلة الصّدّيقيّة، أما عمر وعثمان- ﵄،

стр. 193

فأثبت لهما النبي ﷺ منزلة الشهادة، ويتفرع عليه أن هؤلاء قد أفضوا إلى ربهم وهو راض عنهم تمام الرضا، وأن عثمان بن عفان ﵁ كان مأجورا في قتاله الذي استشهد فيه، وأنه كان يبتغي به وجه الله- ﵎، وإلا لما أثبت له النبي ﷺ درجة الشهادة. الفائدة الرابعة: إذا كان جبل أحد يحب النبي ﷺ حبّا على سبيل الحقيقة لا المجاز، والنبي ﷺ لم يبعث إليه، وليس له عليه منة ظاهرة كمنته ﷺ على جميع الأمة، فكيف يجب أن يكون حبنا للنبي ﷺ والذي شملتنا منّته ﷺ من كل وجه، كما أن من السنة أن نحب جبل أحد لحب النبي ﷺ إياه.

стр. 194

الباب الثالث في خصائص أفضل المخلوقين وسيد الأنبياء وخاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم

стр. 195

تقديم بادئ ذي بدء أود أن أقر أمرا هامّا ينبغي على كل أحد أن يعلمه ويضعه نصب عينيه ألا وهو أن خصوصيات النبي ﷺ تنقسم إلى فروع كثيرة ونواح شتى وأذكر هنا أربعة أصناف يندرج تحتها بقية الأنواع من وجه أو من آخر، وتلك الأربعة هي: الأول: فيما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات، وهذا الصنف له أربعة أقسام: ١- خصوصيات في فضائله وكرامات في ذاته المباركة في الدنيا. ٢- خصوصيات في فضائله وكرامات في ذاته في الآخرة. ٣- خصوصيات في فضائله وكرامات في أمته وشريعته في الدنيا. ٤- خصوصيات في فضائله وكرامات في أمته وشريعته في الآخرة. بأن جعل أمته شهداء على الناس يوم القيامة. الثاني: فيما اختص به ﷺ من المباحات والتخفيفات، وذلك تعظيما له وكرامة بأن فعل المباحات لا يلهيه عن واجبات الرسالة، وهذا أكثر ما تراه وتجده يكون في أمور الزواج والنكاح. الثالث: فيما اختص به ﷺ من المحرمات وذلك تكرمة له، كما قال ابن الملقن: (فإن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه وفعل المندوب، إذ المحرم في المنهيات كالواجب في المأمورات) «١» . وذلك مثل الزكاة فإنها محرمة عليه ﷺ وكذلك الصدقة، وكذلك حرم عليه إذا لبس عدة الحرب (لأمته) أن ينزعها حتى يلقى عدوه ويقاتله. الرابع: فيما اختص ﷺ به من الواجبات. والحكمة في ذلك رفع الدرجات وزيادتها، حيث إن الفريضة أفضل من النافلة اتفاقا. وذلك مثل وجوب قضائه ﷺ دين من مات من المسلمين معسرا، وذلك عند وجود السعة، كما ورد في الصحيحين. وبعد ذكر هذا التقسيم أنبه إلى أنني لم ألتزم هذا الترتيب في كتابي؛ وذلك أني قد أجد الخاصة من خصائصه تشتمل على أكثر من صنف مما سبق فاثرت أن أورد الخصائص بدون الترتيب السابق الذكر، وإنما ذكرت هذا الترتيب بداية حتى يستحضر المسلم أنواع خصائصه ﷺ فيسهل عليه حفظها أو استحضارها وقتما يريد بأسهل طرق، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 196

أولا: تفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين أ- تفضيله في الآخرة ١- الشفاعة العظمى: قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] . والمقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الخلائق كلهم جميعا (حتى الأنبياء) ، وهو مقام الشفاعة العظمى وقد تواترت بذلك الأحاديث الشريفة. عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله ﷺ يوما بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة، فقال: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الدّاعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشّمس، فيبلغ النّاس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض النّاس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض النّاس لبعض: ائتوا آدم. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنّ ربّي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشّجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أوّل الرّسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنّ ربيّ قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضّلك الله برسالاته وبتكليمه

стр. 197

على النّاس، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ : إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّي قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلّمت النّاس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله- ولم يذكر له ذنبا- نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمّد ﷺ . فيأتونّي فيقولون: يا محمّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فاتي تحت العرش فأقع ساجدا لربّي، ثمّ يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثّناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثمّ يقال: يا محمّد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقال: يا محمّد أدخل الجنّة من أمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب. والّذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة لكما بين مكّة وهجر، أو كما بين مكّة وبصرى» . [رواه البخاري] «١» . وفي رواية عند البخاري: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة ماج النّاس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربّك. فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم، فإنّه خليل الرّحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنّه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنّه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمّد ﷺ . فيأتوني فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربّي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخرّ له ساجدا فيقول: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثمّ أعود فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرّة أو خردلة من إيمان فأخرجه. فأنطلق فأفعل ثمّ أعود فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا، فيقول: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقول: انطلق

стр. 198

فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبّة خردل من إيمان فأخرجه من النّار. فأنطلق فأفعل» «١» . وعنده أيضا: «قال ثمّ أعود الرّابعة فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمن قال لا إله إلّا الله فيقول: وعزّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لآخرجنّ منها من قال لا إله إلّا الله» «٢» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ يوم القيامة: ١- أنه سيد الناس يومئذ، وهو سيدهم، في الدنيا أيضا، لقوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وهذا الحديث لم يقيد التسييد بالدنيا أو الآخرة، ولكن في الحديث الذي معنا قيّد الأمر بيوم القيامة، لسببين: أولهما: أنه في ذلك اليوم لن ينازعه أحد أنه سيد الناس، بخلاف الأمر في الدنيا، حيث كذب المنافقون والكافرون بنبوته وأنه سيد ولد آدم. ثانيهما: أن فضل النبي ﷺ وسيادته للبشر أظهر وأعظم يوم القيامة، لحاجة الأولين والآخرين إليه في أن يرفع عنهم ما هم فيه، وهذا الذي ذكرته يشبه قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، مع أنه- ، يملك أمر الدنيا والآخرة، ولكن الآية ذكرت الآخرة دون الدنيا، للأسباب التي ذكرتها آنفا. ٢- ظهور فضل النبي ﷺ يوم القيامة على بقية البشر كلهم أجمعين، حيث يبلغ الناس غمّ وكرب، لا يطيقونه ولا يحتملونه، ويسلم هو من هذا الغم والكرب، بل يأتي معززا مكرما، لقوله ﷺ : «فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون» . ٣- ظهور فضل النبي ﷺ على بقية الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث إنهم لم يجترئوا على التقدم للشفاعة، وأحال كل منهم الأمر إلى غيره، وما قبل ذلك إلا المصطفى ﷺ ، حتى يقول: أنا لها. فكفى بذلك بيانا لفضله وشرفه ﷺ ، وتدبر أخي المسلم، حال الأنبياء يوم القيامة، إذ

стр. 199

يقول كل منهم: نفسي، نفسي، نفسي، وينطلق الرسول ﷺ إلى ربه، لا يسأله نفسه، ولا أمته، بل يسأله أن يفرج ما الناس كلهم ملاقوه في هذا اليوم العظيم، ولا يفهم أحد، أن هذا الكلام يراد به التقليل من شأن الأنبياء، عليهم جميعا الصلاة والسلام، فهذا منكر عظيم، ولكن هذا الكلام بيان لفضل الحبيب ﷺ وهو فضل الله يؤتيه من يشاء. ٤- ظهور ما كان عليه النبي ﷺ من عصمة في الدنيا، ما بعدها عصمة، حيث إن كل نبي من الأنبياء قد ذكر شيئا يمنعه من الشفاعة، إلا عيسى ﵇، ولأنه لم يذكر شيئا فعله يمنعه من الشفاعة، فقد ذكر أن الذي يمنعه منها، وجود من هو أحق بها، وهو العبد الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك أحال- ﵇ الناس إلى النبي ﷺ . ويجب الإشارة هنا إلى أن مكانة النبي ﷺ في الآخرة، ترجع إلى أنه ما اقترف أي شيء في الدنيا، يلام عليه، ويحتاج فيه إلى مغفرة ربه، ﵎، وأن قول الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [سورة الفتح: من الآية ٢] ، إنما هو من باب رفع شأنه ومنزلته وطمأنته أنه وإن فعل شيئا، يحتاج إلى مغفرة، فإن هذه المغفرة حاصلة. والدليل على ذلك، أن موسى قد قتل نفسا، واستغفر ربه، فغفر له وجاء يوم القيامة مشفقا من هذا الذنب، وذكره على سبيل المانع من القيام بالشفاعة، ولو أن النبي ﷺ ، قد ارتكب أي شيء، وغفره الله له، لاستوى الأمر مع موسى ومحمد- عليهما الصلاة والسلام- يوم القيامة، ولكن هذا لم يحدث، بل فضل النبي ﷺ ظاهر من جهتين، الأولى: أنه لم يفعل شيئا مطلقا يلام عليه، صغيرا أو كبيرا، يحتاج فيه إلى التوبة، والثانية: أنه لو صدر منه شيء، فإن الله- قد وعده بمغفرته ومحو الذنب قبل أن يقع الذنب، وقبل أن يحدث التوبة، وهذا أعظم المقامات، بل منتهاها، ولعلم عيسى ﵇ بهذا المقام العظيم، لم يجرؤ على الشفاعة، مع أنه لم يذنب ذنبا. ٥- عظيم منزلة النبي ﷺ يوم القيامة عند ربه، تظهر هذه المنزلة في النقاط التالية: أ- أنه اختصه بالشفاعة العظمى في ذلك اليوم العظيم، وهو المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه ﷺ به، في القرآن الكريم، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] . ب- جعل الله- ﵎ الناس يذهبون للأنبياء، فيتعذرون عن الشفاعة، حتى يذهبوا آخر المقام إلى خاتم النبيين، وكان من الممكن أن يقدّر الله ذهابهم إليه ابتداء، ولكن قد يظن ظان أنه يوجد مع النبي أحد يقدر على الشفاعة العظمى، أو أن أحدا يزاحمه

стр. 200

هذه المكانة، فأراد الله- ، أن يبين فضله مقرونا باعتذار الأنبياء جميعا، وأقول جميعا، لأن الذي اعتذر، هم أولو العزم من الرسل، فمن باب أولى أن غيرهم كان سيعتذر إذا طلب منه الشفاعة، فكأن الجميع قد اعتذر. كما أن الاعتذار للناس عن الشفاعة، من قبل الأنبياء نبيّا من بعد نبي، يجعل الناس في كل مرة أشد حزنا، وأعظم كربا، ويجعلهم يتعلقون أكثر وأكثر بالنبي الذي بعده، فلا يصلون إلى خاتم النبيين إلا بعد أن يصل الغم والكرب بهم أبلغ الحد، كالمريض الذي طاف على الأطباء بمرضه العضال، فلم يجد عندهم الدواء، ولم يبق أمامه إلا طبيب واحد، إما أن يجد عنده الدواء، أو يموت بمرضه، فإذا وجد عند الطبيب الأخير الدواء، كان أكثر له امتنانا، وأشد يقينا بفضله وسبقه، عمن سواه وهكذا ستكون حال النبي ﷺ ، مع الناس يوم القيامة، أرأيت أخي القارئ، الحكمة من سؤال الناس الأنبياء الشفاعة واحدا بعد الآخر، أعلمت أخي القارئ فضل هذا النبي ﷺ الكريم يوم القيامة، ففي الوقت الذي لا يسمع فيه إلا الهمس كما قال تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه: ١٠٨] ، ترى النبي ﷺ يشفع عند ربه أن يقضي بين الناس، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟. ج- تظهر أيضا منزلته ﷺ عند ربه- إذا تدبرنا وتأملنا أحد أسباب اعتذار الأنبياء عن الشفاعة، في قول كل منهم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» ، ومجال التأمل أنه في مثل هذا الغضب العظيم، من الرب- ﵎، ينطلق النبي ﷺ ، حتى يأتي العرش ويخر ساجدا لله، حتى يأذن الله له بالشفاعة بقوله: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه ... د- ومن عظيم منزلته ﷺ أنه يؤذن له بالسجود تحت العرش، وهذا أبلغ القرب، بل هو القرب نفسه، ولم يأت دليل أن أحدا من المخلوقين سينزل هذه المنزلة، وهو السجود تحت العرش، من الأولين والآخرين. ويتفرع على السجود بعض الأمور وهى: أن السجود لله، هو أعظم مظاهر العبودية لله- ، وهي الهيئة التي يكون فيها العبد أقرب ما يكون لله- والدليل قوله ﷺ : «فاتي تحت العرش فأقع ساجدا» ، ولو أن هناك هيئة أشرف من السجود، وأقرب إلى الله- ، لبينها الله لنبيه، ﷺ ، خاصة في هذا المقام الرفيع.

стр. 201

- ثبوت عرش الرحمن، وكذب من ادعى، أن العرش، إنما يراد به الملك، وثبوت أن العرش له مكان معلوم، فوق السماوات السبع، لقوله ﷺ : «فأنطلق فاتي تحت العرش» ، وأن العرش شيء مادي محسوس، يقع تحته العبد ساجدا، يصدق ذلك ما ورد عند البخاري، عن أبي سعيد ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور» «١» . ثبوت استواء الله- على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله، ودليله: «فأقع ساجدا لربي- » . ولولا استواء الله على العرش، ما كان للسجود تحت العرش من معنى، ولكان السجود للعرش، وليس لله المستوي على عرشه، ومع اعتقادنا هذا، فإننا ننزه الله من مشابهة خلقه، وأن كل أسمائه وصفاته إنما هي على وجه يليق بعظمته وكبريائه، ولا يجب الخوض في مثل هذه الأمور، لأنه يستحيل على العبد تصورها، وذلك لقصور العقل وعدم وجود النقل. عدم خروج النبي ﷺ عن صفة العبودية، التي هي أعظم المنازل، ودليله: «فأقع ساجدا لربي- » . فالسجود لا يكون إلا من العبد للمعبود، وقوله: «لربي» إقرار أنه- هو الرب، وأن النبي ﷺ هو المربوب، وكفى ذلك شرفا له، والذين يثبتون للنبي ﷺ أمورا لم يثبتها هو لنفسه، ويريدون بذلك أن يرفعوا من قدره، هم في الحقيقة قد جهلوا قدر الله- ، لأنهم لو عقلوا قدر الله، لعلموا أن إثبات عبودية النبي ﷺ الكاملة لله- ، هي من أجل المقامات، وأعظم التشريفات، ولا نحتاج معها لإثبات ما لا ينبغي إثباته للنبي ﷺ . هـ- من أعظم مظاهر، حب الله- لنبيه ﷺ أن يختصه من دون الأنبياء والملائكة، بفتوحات مباركة من المحامد وحسن الثناء عليه، قال ﷺ : «ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتح على أحد قبلي» . و «شيئا» هنا جاءت نكرة لتعظيم أمر الفتح الرباني. ويتفرع على هذا الفتح من المحامد والثناء علمنا بعظيم قدر الله- ﵎، فمع كل هذا الثناء وتلك المحامد، التي ذكرها الأنبياء في الدنيا، خاصة نبينا ﷺ وكذا

стр. 202

الملائكة بالملأ الأعلى، لم يصل أحد منهم، إلى الثناء على الله بما هو أهله، حتى يفتح الله يوم القيامة على النبي ﷺ بالكثير من أنواع المحامد والثناء. والشيء اللافت للنظر هنا أن النبي ﷺ وصف تلك المحامد والثناء، بأنها شيء لم يفتحه الله على أحد قبله، ولم يصف تلك المحامد بأنها المحامد والثناء التي يستحقها الله- ، أو أنها المحامد التي تبلغ ذات الله الأعز والأكرم، مما يدل على أن كل المحامد والثناء مهما بلغت، لن تبلغ ما يستحقه الله- ، وما الله أهل له. كما يتفرع عليه أيضا حب الله- للثناء والمحامد، وأنها تذهب غضب الرحمن، وأنه ينبغي أن يبدأ بها العبد مسألته؛ لأن تلك المحامد، كانت السبيل لاستدرار رحمات الله الرؤف الرحيم في هذا اليوم العظيم، وإطفاء غضبه- ﵎ ولو كان شيء أحب إلى الله من المحامد والثناء، لالتمسه النبي ﷺ . وومن دلائل حب الله- لنبيه: بعثه ﷺ صيغة إجابة المولى- لدعائه ﷺ حيث قال- عز من قائل-: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع» . ونلحظ فيها: أن الله- قد بدأ خطابه للنبي ﷺ ، بأداة النداء، وهذا مبلغ الاعتناء، ولما ناداه كانت المناداة باسمه: «يا محمد» ، وهذا شرف على شرف، وأعتقد أن المناداة كانت بالاسم، وليست بالصفة؛ لأن زمن التكليف قد انتهى، وزمن التشريف قد ابتدى. قوله: «ارفع رأسك» دليل على علو منزلته ورفعة شأنه بين الخلائق يوم القيامة، وتدبر أنه كان أول أمر من الرب- وكان يمكن أن يأمر الله نبيه، أن يسأل ما يريد، حال سجوده، ودون أن يرفع رأسه، أو يأمره فيقول له: (قم يا محمد) . كانت الإجابة قبل السؤال؛ لقوله تعالى: «سل تعطه واشفع تشفع» فوعده الله- بإجابة كل سؤله، وقبول كل أنواع شفاعته، قبل أن يبين النبي ما يريد، وهو قول يوضح مكانة النبي ﷺ من ربه، ولا يحتاج الأمر إلى شرح وإسهاب، لأجعل القارئ يتدبر ويتأمل، فقد تعجز الكلمات عن الشرح والبيان. ويكفي أن ننبه إلى أن الأمر بالسؤال، كان مفتوحا غير مقيد بشيء، فقال له- : «سل» دون تحديد مجال السؤال، وستكون الإجابة- إن شاء الله تعالى- على كل ما سأل، وذكرت المشيئة هنا للتبرك، وليس للتعليق.

стр. 203

ويتفرع على ذلك، أن نحكم بكمال علم وأدب النبي ﷺ ، فمن كمال علمه، أنه لن يسأل ممنوعا، ومن كمال أدبه أنه لن يتعدى في السؤال، ولو كان من الممكن أن يصدر عنه شيء من ذلك ولو في أقل من القليل- حاشا لله- ما توجه إليه الخطاب الإلهي بالسؤال والإجابة بدون تقييد لماهية السؤال، ومجال الإجابة- فسبحان من علمه وأدبه، وجعله حقيقا بهذا المقام الرفيع. وتشرف النبي ﷺ بكل هذا الكلام والحوار، مع ربه- ﵎ بغير واسطة، ويكون كل الكلام على وجه الرضى والامتنان، بالإضافة إلى أن النبي ﷺ يكون أول من حظي بشرف الكلام مع ربه يوم القيامة. ز- أمر الله- نبيه ﷺ ، أن يقوم هو بإدخال من لا حساب عليه من أمته الجنة، ومباشرة النبي ﷺ إدخال المؤمنين الجنة، شرف عظيم له، وحكمته- والله أعلم- أن يشعر المؤمنون في الآخرة بنعم الله التي أجراها على يد النبي ﷺ ، كما شعروا بذلك في الدنيا، وأن يعلموا أن طاعتهم للرسول، واجتهادهم في اقتفاء أثره، كانت موصلة لهم على يديه لجنات الحنّان المنّان، وانظر كيف أضاف المولى- أول طائفة تدخل الجنة إلى النبي ﷺ قال تعالى: «أدخل من أمتك» كأن هذا الشرف لهذا الطائفة إنما كان لكونها من أمته ﷺ . ح- ومن الأمور التي تبين منزلته ﷺ أن الله- ، قد نوع له الشفاعات الممنوحة له، فمنها: الشفاعة العظمى، التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي مختزلة في هذا الحديث، حيث لم يرد ذكرها، وإنما انتقل الحديث من طلب الناس شفاعة النبي ﷺ ليزاح عنهم الغم والكرب، إلى الشفاعة في المؤمنين. الشفاعة في إدخال أمته الجنة، وهي أنواع تبدأ من إدخال من لا حساب له من الباب الأيمن من الجنة، وتتدرج حتى تنتهي إلى إدخال من قال لا إله الله، لما ورد عند البخاري: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لآخرجنّ منها من قال: لا إله إلا الله، وهذا منتهى إكرام نبي هذه الأمة ﷺ ، كما أن كثرة مرات سجوده تحت العرش وتكرار الثناء والمحامد على الله- والإذن له كل مرة أن يخرج من النار طائفة من أمته كان

стр. 204

لبيان شرفه، وعظيم منزلته عند ربه، لأنه لا يمكن أن يتردد على الملك ويكثر عليه في الطلب، إلا من يحبه الملك أشد الحب. شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب؛ لما ورد عند البخاري، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ وذكر عنده عمّه فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» «١» . ط- ومن أتم الأمور التي تبين منزلة النبي ﷺ عند ربه، أنه أخبره في حياته بكل ما خبأه له يوم القيامة، من شرف ورفعة وسؤدد على الخلق كلهم جميعا، وذلك على وجه التفصيل لا الإجمال، وما كان هذا الإخبار ليحدث، لولا علم الله التام، بأدب النبي ﷺ ، مع ربه، وبالغ خوفه وتقواه وخشيته لله- ، ومن فوائد ذلك الإخبار: أن يزداد النبي ﷺ شكرا لله، على هذه المنزلة العظيمة، وتقرّ عينه في الدنيا، بعلمه القرب من خالقه، ومنزلته يوم القيامة. أن تعلم الأمة منزلة نبيها، ﷺ ، في الآخرة، كما علمت منزلته في الدنيا، فيزداد حبها واتباعها له، طمعا أن ينالها شفاعته في الآخرة. ٦- رحمة وشفقة النبي ﷺ بهذه الأمة، حيث كان أول سؤال له في أمته، قال: «فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب» ، فاجتهاده في السؤال والتوسل إلى الله، يدل على حبه لأمته، وكذا تكرار الشفاعة، حتى يرضى بخروج من قال لا إله إلا الله من النار، ويجب أن ننتبه إلى أنه ﷺ أضاف الأمة إلى نفسه، من باب التوسل إلى الله- أن يرحمها، فبهذه الإضافة تتنزل رحمات الله المتتابعة، ولو كان هناك إضافة أعظم من نفسه، لأضاف الأمة إليها، كأن يقول مثلا: (يا رب أمة الإسلام) أو (يا رب خير أمة أخرجت للناس) ؛ لأن الموقف يستلزم تأدبا مع الله أن يتوسل بأعظم الأمور حتى ينفرج الكرب والهم. ومن دلائل شفقته ورحمته ﷺ ، أنه خبأ دعوته شفاعة لأمته في هذا الموقف العظيم، فلكل نبي دعوة مستجابة، وقد استنفذ هذه الدعوة نوح، ولذلك اعتذر عن الشفاعة، وقد ورد عند البخاري، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمّتي في الآخرة» «٢» .

стр. 205

الفائدة الثانية: مظاهر إكرام أمته ، وهو فرع من إكرام الله له ﷺ . ١- أنها أول أمة، تدخل الجنة، ولا تفتح الأبواب لأمة قبلها. ٢- أن طائفة كبيرة منهم تدخل الجنة، بلا حساب، لقوله تعالى: «أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة» . ٣- تخصيص باب لهذه الطائفة في الجنة، لا يشاركهم فيه أحد، وهو الباب الأعظم من الأبواب، لوصفه أنه الأيمن من الأبواب، ومعلوم في الدين، أن الأيمن من الأشياء هو المكرم، أما اختصاصهم بهذا الباب فيعلم من قوله تعالى: «وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب» . ٤- عدم تخليد أحد من هذه الأمة في النار، شريطة أن يكون مات على التوحيد الخالص. الفائدة الثالثة: في منزلة الأنبياء المذكورين في الحديث ، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام، يتبين ذلك من: ١- عصمة الله- لهم، ودليله: أن كلّا منهم، قد ذكر في هذا الموقف العظيم، أكبر ما فعله ويلام عليه، ليعتذر إلى الناس عن عدم قدرته على الشفاعة، ولو كان بدر منه ما هو أكبر من ذلك لذكره، لأنه مقام ذل وخضوع لله- ، فماذا فعلوا: أ- أكل آدم من الشجرة وكان هذا قبل أن يكون نبيّا، وقد تاب وقبل الله- توبته. ب- دعا نوح ﵇ على قومه، قال تعالى ذاكرا دعاءه: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ، وقد جاء دعاؤه بعد أن أعلمه الله بعدم إيمان أحد من قومه، قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦] ، فلم يصدر الدعاء إلى على من يئس من إيمانه، فضلا أنه لم ينه عن الدعاء على قومه. ج- ذكر إبراهيم ﵇، أنه كذب ثلاث كذبات، تمنعه من الشفاعة، ومعلوم أنه لم يصرح فيهن بالكذب ولكنه استخدم المعاريض، وفيها مندوحة عن الكذب، وكانت اثنتان منهن في الله، والثالثة ليحفظ عرضه ﷺ ، روى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 206

رسول الله ﷺ : «لم يكذب إبراهيم ﵇ إلّا ثلاث كذبات ثنتين منهنّ في ذات الله- قوله: إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا. وقال: بيننا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له: إنّ ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن النّاس فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي» «١» . د- أما موسى ﵇، فقد ذكر أنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها، وهو في الحقيقة، لم يقتلها عمدا، لقوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص: من الآية ١٥] ، فكان القتل خطأ، وعموم المؤمنين يعذرون فيما بدر منهم على سبيل الخطأ. هـ- أما عيسى ﵇، فلم يذكر شيئا، ولو بدر منه أقل شيء، لذكره في هذا الموقف العظيم. ٢- شدة تقوى الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لله- ، وخوفهم العظيم منه- وعلمهم الكامل بقدره- ، حيث لما بدر منهم مثل هذه الأمور البسيطة في نظر عموم المسلمين، استعظموها في حق الله، فكانت بالنسبة إليهم كالجبال، وتظهر مظاهر هذا الخوف من: أ- عدم تجرئهم على الشفاعة العظمى، وقولهم جميعا: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» . ب- قولهم جميعا: «نفسي نفسي نفسي» ، مما يدل على استعظامهم ما فعلوه. يتفرع على ذلك، علمنا بكمال عصمة نبينا ﷺ ، فقد ثبت أنه لم يفعل شيئا يلام عليه قبل النبوة، مثل آدم، ولم يفعل شيئا عن طريق الخطأ يلام عليه، مثل موسى، وأنه لم يستخدم حتى المعاريض في كلامه، مثل إبراهيم، عليهم جميعا الصلاة والسلام. الفائدة الرابعة: عظيم أهوال يوم القيامة ، يتبين ذلك من: ١- دنوّ الشمس من الخلائق، حتى يغرق الناس في عرقهم، لقوله ﷺ : «وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون» . يتفرع على ذلك، أن أمور الآخرة، تختلف عن أمور الدنيا، فلو أن الشمس دنت، في الدنيا من الناس قليلا، لاحترقوا، أما في الآخرة، فيكون بينها وبين الرؤس شبرا، ولا

стр. 207

يموتون، وهكذا يقال عن عذاب القبر وعذاب النار، أعاذنا الله من ذلك بفضله وكرمه. ٢- من أعظم دلائل وجود الأهوال يوم القيامة، أن الرب- ﵎، يغضب غضبا شديدا، قال ﷺ على لسان جميع الأنبياء: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» . ويتفرع على هذا أمران هما: الأول: ثبوت صفة الغضب لله- ﵎ قال تعالى عن قوم فرعون: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥] ، ومعنى آسفونا: أغضبونا، فما دامت الصفة قد ثبتت لله- في القرآن والسنة، علمنا أنها صفة كمال، لأن كل صفات العزيز الحميد صفات كمال، وأقول: كيف ننفي عن الله ما أثبته لنفسه من صفات، وتزول الشبهة عن المنكرين لهذه الصفات إذا نزهوا الله- ﵎ عن مشابهة الخلق، وإذا علموا أن تشابه الصفات بين الله وخلقه، كالضحك والغضب والفرح، لا يستلزم تشابه الخالق مع الخلق، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] . الثاني: الخوف من هذا اليوم العظيم، الذي يغضب فيه الرب مثل هذا الغضب الشديد، وذلك بكثرة التوبة والاستغفار وتجنب المعاصي، والإكثار من الطاعات، وفعل كل ما يحبه الله ويرضاه، فكيف يأمن الإنسان المسلم مهما بلغ من التقوى والعلم والصلاح يوما يغضب فيه الرب، وعجبت ممن يسرف على نفسه من المعاصي والكبائر، مع قلة الطاعات أو انعدامها، بحجة أن الله غفور رحيم، ماذا يفعلون مع هذا الحديث الشريف، كيف يأمنون يوما يقول فيه الأنبياء المقربون: نفسي نفسي نفسي. ومن علامات الخوف الذي سينتاب الخلائق يوم القيامة، أنهم سيذهلون عن كون النبي ﷺ هو صاحب الشفاعة العظمى، وأن الأنبياء كلهم سيعتذرون عنها ودليله، أن المؤمنين من هذه الأمة يعلمون بالأخبار المتواترة من صاحب الشفاعة، ومع ذلك لا يذهبون إليه ابتداء وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الفتح. الفائدة الخامسة: ثبوت دخول طائفة من أهل التوحيد النار ، يعذبون فيها على ما اقترفوا من المعاصي والذنوب، وهذا رد على المرجئة. الفائدة السادسة: عظيم قدرة الله- التي تذهل العقول ، وتحير

стр. 208

الألباب، ومن دلائلها في الحديث: ١- أن الله تعالى يجمع الناس، كلهم جميعا، في هذا اليوم العظيم، من لدن آدم حتى آخر نفس منفوسة عند قيام الساعة، لا يغيب منهم أحد نسيانا أو سهوا من الله، ولا يهرب منهم أحد عجزا من الله، قال تعالى: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: ٩٤] ، فأيّ قدرة هذه التي تقدر على ذلك، بغير تعب ولا تكلف، وإنما بكلمة كن. وتدبر أخي القارئ وتأمل قوله- : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤] ، فلم يقتصر علمه- ، على ما يحدث فوق الأرض للأحياء، بل نفذ بصره ووسع علمه فيما يحدث للكائنات تحت الثرى والتراب، فالأمر بالنسبة إليه سواء ودليله من الحديث: «يجمع الله الناس الأولين والآخرين» . ٢- أن الجمع سيكون، في صعيد واحد، فأي صعيد يتسع لهذا الجمع العظيم، فلن يكون الجمع، على فترات وكذا الحساب، وقد يظن ظان، أن أحدا قد يخفى على الله- ؛ لكثرة الخلق، الذي لا يحصي عددهم إلا هو- ، فيقول ﵎: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [الحاقة: ١٨] ، ولم يقل لا يخفى منكم أحد، فمن لا يخفى عليه أدنى الأمور التي ستكون في الصدور يوم القيامة، كيف يغيب عنه شخص بأكمله؟! ٣- قدرة الله تعالى في الخلق ويتبين ذلك من قوله ﷺ : «يسمعهم الداعي» . والداعي ملك، إذا تكلم أسمع الأولين والآخرين، وهي قدرة عجيبة خارقة، وعظم المخلوق يدل على عظم الخالق وبديع صنعه وإحكام خلقه. ٢- الكوثر: قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. وورد عند مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثمّ رفع رأسه متبسّما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة» ، فقرأ: بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: ١- ٣] ثمّ قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّه نهر وعدنيه ربّي- عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمّتي يوم القيامة، آنيته عدد النّجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: ربّ إنّه من أمّتي!! فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك» .

стр. 209

مما أفاض الله- ﵎ على نبيه ﷺ من النعم العظيمة المتوالية والآلاء الجسيمة المتتابعة- ليرضيه كما وعده- ﵎ في الدنيا والآخرة- والتي يغبطه عليها الأنبياء والمرسلون والخلق كلهم أجمعون: نعمة الكوثر، الذي لا يعلم جمال منظره وصفاء لونه وحلاوة طعمه وكثرة أكوابه وعظم اتساعه إلا الله- ﵎، وإذا كانت أقصى أماني الخلق يوم القيامة هو عفو الله وصفحه ومقعد في الجنة، فإن الله- ﵎ لم يضمن لنبيه ﷺ ذلك فحسب، بل أعطاه الدرجة العالية الرفيعة في الجنة والشفاعة العظمى والكوثر، وهي كلها عطايا لا تنبغي إلا له ﷺ ، قال الشيخ السعدي ﵀: (يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي: الخير الكثير والفضل الغزير الذي من جملته ما يعطيه الله لنبيه ﷺ من النهر الذي يقال له: الكوثر ومن الحوض طوله شهر وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا) «١» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: حب الله- لنبيه ﷺ (وهي فائدة مشتركة في جميع نعم الله على خير عباده ﷺ وتظهر صور هذا الحب من تنوع عطاياه- لنبيه ﷺ يوم القيامة أبلغ تنويع، فقد رفع شأنه عند الخلق كلهم جميعا بسؤاله الشفاعة، ورفع قدره ومكانه في الجنة فجعل له الوسيلة، ورفع شأن زيارته والورود عليه فقصده المؤمنون طمعا في الشراب الهنيء والطعم اللذيذ والكفاية من الظمأ أبد الآبدين. وصدق من قال: وأنت حقّا حبيب باريكا ... يا صاحب الحوض من يدانيكا الفائدة الثانية: بلغت عناية الله- بحوض نبيه ﷺ أتم العناية وأكملها فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال النّبيّ ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللّبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا» «٢» . وعند مسلم عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال

стр. 210

رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السّماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» «١» . وعنده أيضا عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: «والّذي نفس محمّد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السّماء وكواكبها ألا في اللّيلة المظلمة المصحية آنية الجنّة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنّة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمّان إلى أيلة، ماؤه أشدّ بياضا من اللّبن وأحلى من العسل» «٢» . وبذلك تكون مظاهر اعتناء المولى- ﵎ بكوثر رسوله ﷺ قد شملت الأوجه التالية: ١- اللون: فهو أبيض من اللبن، لما ورد عند مسلم: «أشد بياضا من اللبن» ، واللون الأبيض يعطي منظرا أجمل للشراب، كما أنه يوضح صفاء الشراب ونقاءه. ٢- الريح: فهو أطيب من ريح المسك، وإذا كان النبي ﷺ قد أخبر أن ريح المكلوم «٣» في سبيل الله هي ريح مسك، كما ورد في صحيح البخاري «٤» ، إلا أن الله فضل شراب الكوثر بأن جعل ريح مائه أجمل من ريح المسك. ٣- الطعم: هو أحلى مذاقا من العسل، فعند مسلم: «لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل» . ٤- سعته: لما رواه مسلم في صحيحه: «حوضي مسيرة شهر» . وسعة الحوض هكذا يدل على سعة ملكه- ﵎، ويدل على إكرامه نبيه ﷺ . ٥- وفرة آنيته: وأعتقد أن كثرتها تكفي كل الأمة لو وفدت عليه ﷺ دفعة واحدة، ونرى في الدنيا أن الملك الكريم إذا صنع طعاما وأعد مأدبة فإنه يجهزها بحيث لو ورد عليه كل من دعاه كفتهم المأدبة، ورد عند مسلم: «والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها» . قال الإمام النووي ﵀ «٥» : (المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره

стр. 211

وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي أو شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا) ، يقصد بذلك قسم النبي ﷺ في رواية مسلم. ٦- جمال آنيته: فجمال الآنية وتزيينها للكوثر كان بمثابة تزيين النجوم للسماء ورد عند مسلم: «كأن الأباريق فيه النجوم» فقد تكون كثرة الشيء- في الدنيا- تعيب منظره، ولكن كثرة الآنية ستعطي الحوض جمالا خلابا كما تعطي النجوم للسماء منظرا جميلا. ٧- نفاسة آنيته: حيث إنها مصنوعة من الذهب والفضة، ورد عند مسلم: «ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء» . ٨- مصدر مائه: ينبع ماؤه من جنات عدن، ورد في الحديث: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» . ٩- زينته الخارجية: اعتنى الله- بالشكل الخارجي للكوثر حتى يتمتع المؤمن يوم القيامة وهو يشرب منه بمنظره الجميل، حتى تشبع الروح كما يشبع الجسد، فقد جعل- على حافتي الكوثر قبابا مصنوعا من اللؤلؤ المجوف وهو أغلى المعادن وأنفسها، ورد عند البخاري عن أنس ﵁ قال: لمّا عرج بالنّبيّ ﷺ إلى السّماء قال: «أتيت على نهر، حافتاه قباب اللّؤلؤ مجوّفا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» «١» . ١٠- طيب طينته: إذا كان أصحاب البساتين والجنات في الدنيا لا يستطيعون أن يجملوا طينة البستان فهي دائما سيئة المنظر سيئة اللون وكذا الرائحة، إلا أن الله- من عنايته بكوثر الحبيب ﷺ جعل طينته مسكا أذفر، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عن النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف، قلت: ما هذا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر» «٢» . ١١- كفايته من الظمأ: وهي مزية لشراب الكوثر لا يشترك معه فيها أي شراب آخر في الدنيا والآخرة- فيما نعلم- ورد في الصحيحين: «فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» ، ويستفاد من ذلك أن كل شراب أهل الجنة بعد هذه الشربة الهنية لن يكون عن ظمأ، إنما سيكون الشرب على سبيل التفكه والتلذذ فقط، ويستفاد منه أيضا قدرة الله- سبحانه

стр. 212

وتعالى- العجيبة الذي وضع في هذه الشربة من الكوثر ما يقطع عن الإنسان الإحساس بالظمأ طوال حياته الأبدية في الجنة. ١٢- سلامة معتقدات وارديه: قد يكون الملك الداعي إلى الطعام في الدنيا تقيّا ورعا لا يحب أن يأكل طعامه إلا الأخيار من الناس فيدعوهم إلى مأدبته، ولكن لا يأمن أن يدخل معهم المنافقون وأصحاب الأهواء ومرضى القلوب، ولكن الله- من بالغ عنايته لكوثر نبيه حرسه وأمر ملائكته أن يردوا تلك الأصناف فلا يردون الكوثر، ورد عند البخاري عن سهل بن سعد يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بينني وبينهم، فأقول: إنّهم منّي!! فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» «١» . ويتفرع عليه: شؤم الابتداع في الدين حيث يحرم من ابتدع بركة الشرب من الكوثر، بل يحرم من ورود الحوض أصلا، ويا ليتهم حرموا الشراب من الكوثر فحسب، وإن كانت هذه مصيبة، ولكنهم حملوا معها المصيبة الأعظم، وهي دعاء النبي ﷺ عليهم. ١٣- اختيار الاسم: من أوجه عناية الله- لكوثر حبيبه ﷺ وجه قد يغافل عنه الكثير، ولكني أعتقد أنه ذروة الاعتناء، هو الاعتناء باسم النهر، فقد أكرم الله تسميته، حين جعل له اسما كريما يتضمن معاني كثيرة، فإن الكوثر معناه في اللغة: الخير الكثير، قال الإمام القرطبي: (والكوثر فوعل من الكثرة: مثل النوفل من النفل والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شي كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا، قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي: بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير) «٢» . وبعد أن ذكر ﵀ ستة عشر قولا لمعاني الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ﷺ ختمها بقوله: (وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه ﷺ تسليما كثيرا) «٣» . انتهى. ١٤- ذكره في القرآن العظيم: أختم أوجه اعتناء الله- لكوثر نبيه ﷺ بأعظم هذه الأوجه وأعلاها منزلة ألا وهي ذكر الكوثر في القرآن الكريم، بل نزول سورة باسمه، وهذا أبلغ التشريف للنبي ﷺ .

стр. 213

أخي المسلم: تعمدت بسط أوجه اعتناء الله- بالكوثر ليقف كل مسلم على منزلة الرسول الكريم عند ربه- ﵎ فيزداد لشخصه حبّا وإجلالا، ولرؤيته ﷺ شوقا وحنانا، ولسنته ﷺ تمسكا واتباعا، وللبدعة تجنبا ونفورا، وللصلاة عليه والتسليم فرحا وابتهاجا ولسماع سيرته العطرة انشراحا وسرورا. الفائدة الثالثة: وجوب الإيمان بالكوثر؛ وذلك لتضافر أدلة الكتاب والسنة على إثباته، وبصفته ونعته والتي ذكرت طرفا منها آنفا. الفائدة الرابعة: أن قلب النبي ﷺ لا ينام إذا نامت عيناه، ورد في الحديث: «إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما» «١» . ٣- شهادته على أمته: قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فيشهد هو ﷺ على أمته، بينما تطلب بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام شهادة أمته على أممهم. ٤- أول من تفتح له أبواب الجنة: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «آتي باب الجنّة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمّد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» . رواه مسلم «٢» . الشاهد في الحديث: قول خازن الجنة: (بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شخص النبي ﷺ : ١- علو منزلته ﷺ على الأنبياء كلهم جميعا، والشاهد على ذلك أنه آخرهم بعثة وأولهم دخولا للجنة، بل له ما هو أعظم من ذلك- قطعا- أن الجنة لا تفتح لأحد قبله. ولا أقول: إنه ﷺ سيشرف بأن يكون أول من يدخل الجنة، ولكن أقول: إن الجنة هي التي

стр. 214

تشرف بأن يكون أول من يطرق بابها ويدخلها هو النبي ﷺ . ٢- ثبت أن الله- ﵎ قد فضّل نبيه ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين من كل وجه، ولم يثبت أن أحدا يفضله ﷺ في أي وجه، ومن ثمّ نعلم أن النبيّ ﷺ أعبد الخلق لله- ﵎ وأعلمهم به وأطوعهم له. ٣- تواضعه ﷺ في وقت ومكان وحال لو أعطي أحد غيره معشار ما أعطيه لم يأمن على نفسه الفتنة، فمن تواضعه ﷺ أنه أجاب على الخازن بقوله: (محمد) فلم يذكر صفته ولا نعته، حتى لم يقل: (أنا محمد) ، منتهى التواضع والخشوع لله- ﵎. ٤- إرادة الله- إظهار فضل نبيه ﷺ وشرفه عند ملائكته وأنبيائه والناس أجمعين، فقد كان في مقدور الله- ﵎ أن تفتح الجنة أبوابها بمجرد أن يطرق النبي ﷺ بابها، أو يأمر الخازن أن يفتح لأول طارق ولن يتجرأ أحد أن يطرق قبله ﷺ ، ولكن الله- ﵎ أراد أن يعلم الثقلين أن أبواب الجنة مغلقة وأن أول من يطرقها هو النبي ﷺ ، وأن الخازن عنده أمر من الله تعالى ألا يفتح إلا له ﷺ فتزداد بذلك فضائل النبي ﷺ . ٥- كما أن للنبي ﷺ منّة على الناس أجمعين بالشفاعة العظمى عند ربه، أراد الله- أن يكون له منّة أخرى على المؤمنين، وهي أن الجنة ما كانت لتفتح لهم إلا بعد طرقه أبوابها. وهل يمكن أن ينسى كل ساكني الجنة مهما طال عليهم العمر فيها، أن الذي فتح لهم أبوابها هو النبي ﷺ . الفائدة الثانية: أدب خازن الجنة مع سيد المرسلين ﷺ من جهتين: الجهة الأولى: أنه بدأ حديثه مع النبي ﷺ بقوله: (بك) للدلالة على اختصاصه ﷺ وحده بذلك الأمر، ولإشعاره باستحالة فتح الباب لأحد قبله، وكان يمكن أن يقول الخازن: (أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) . الجهة الثانية: إعلام النبي ﷺ أن الخازن مأمور بألا يفتح لأحد قبله. الفائدة الثالثة: عناية الله- بالجنة إذ جعل لها أبوابا، وجعل على الأبواب خازنا. ٥- أول من تنشق عنه الأرض: عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهوديّ فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك. فقال: «من؟» قال: رجل من الأنصار. قال: «ادعوه» . فقال: «أضربته؟» قال: سمعته بالسّوق يحلف: والّذي اصطفى موسى على البشر.

стр. 215

قلت: أي خبيث، على محمّد ﷺ ؟! فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النّبيّ ﷺ : «لا تخيّروا بين الأنبياء فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من تنشقّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى» . رواه البخاري «١» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فأكون أول من تنشق عنه الأرض» . وقد مر شرح هذا الحديث مبسوطا. ٦- أنه ﷺ صاحب الوسيلة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ؛ فإنّه من صلىّ عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» . رواه مسلم «٢» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ : ١- علو منزلته ﷺ على سائر الأنبياء في الآخرة- كما هو الحال في الدنيا- حيث إنه ﷺ أرفعهم منزلة في الجنة، ويدل هذا على عظيم حب الله له ﷺ ، وأنه أخشى الناس وأتقاهم لله- . ٢- في الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يفضّل على الأنبياء بخمس أو ست خصال فقط، وهي المذكورة في الحديث الذي رواه الشيخان «٣» ، وأن هذه الخصال الخمس ليست على سبيل الحصر، والدليل على ذلك أن درجة الوسيلة لم تذكر في هذا الحديث، وقد ذكرت العديد من تلك الصفات والخصال في كتابي هذا.
следующие страницы →