← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي أو شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا) ، يقصد بذلك قسم النبي ﷺ في رواية مسلم. ٦- جمال آنيته: فجمال الآنية وتزيينها للكوثر كان بمثابة تزيين النجوم للسماء ورد عند مسلم: «كأن الأباريق فيه النجوم» فقد تكون كثرة الشيء- في الدنيا- تعيب منظره، ولكن كثرة الآنية ستعطي الحوض جمالا خلابا كما تعطي النجوم للسماء منظرا جميلا. ٧- نفاسة آنيته: حيث إنها مصنوعة من الذهب والفضة، ورد عند مسلم: «ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء» . ٨- مصدر مائه: ينبع ماؤه من جنات عدن، ورد في الحديث: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» . ٩- زينته الخارجية: اعتنى الله- بالشكل الخارجي للكوثر حتى يتمتع المؤمن يوم القيامة وهو يشرب منه بمنظره الجميل، حتى تشبع الروح كما يشبع الجسد، فقد جعل- على حافتي الكوثر قبابا مصنوعا من اللؤلؤ المجوف وهو أغلى المعادن وأنفسها، ورد عند البخاري عن أنس ﵁ قال: لمّا عرج بالنّبيّ ﷺ إلى السّماء قال: «أتيت على نهر، حافتاه قباب اللّؤلؤ مجوّفا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» «١» . ١٠- طيب طينته: إذا كان أصحاب البساتين والجنات في الدنيا لا يستطيعون أن يجملوا طينة البستان فهي دائما سيئة المنظر سيئة اللون وكذا الرائحة، إلا أن الله- من عنايته بكوثر الحبيب ﷺ جعل طينته مسكا أذفر، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عن النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف، قلت: ما هذا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر» «٢» . ١١- كفايته من الظمأ: وهي مزية لشراب الكوثر لا يشترك معه فيها أي شراب آخر في الدنيا والآخرة- فيما نعلم- ورد في الصحيحين: «فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» ، ويستفاد من ذلك أن كل شراب أهل الجنة بعد هذه الشربة الهنية لن يكون عن ظمأ، إنما سيكون الشرب على سبيل التفكه والتلذذ فقط، ويستفاد منه أيضا قدرة الله- سبحانه

стр. 212

وتعالى- العجيبة الذي وضع في هذه الشربة من الكوثر ما يقطع عن الإنسان الإحساس بالظمأ طوال حياته الأبدية في الجنة. ١٢- سلامة معتقدات وارديه: قد يكون الملك الداعي إلى الطعام في الدنيا تقيّا ورعا لا يحب أن يأكل طعامه إلا الأخيار من الناس فيدعوهم إلى مأدبته، ولكن لا يأمن أن يدخل معهم المنافقون وأصحاب الأهواء ومرضى القلوب، ولكن الله- من بالغ عنايته لكوثر نبيه حرسه وأمر ملائكته أن يردوا تلك الأصناف فلا يردون الكوثر، ورد عند البخاري عن سهل بن سعد يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بينني وبينهم، فأقول: إنّهم منّي!! فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» «١» . ويتفرع عليه: شؤم الابتداع في الدين حيث يحرم من ابتدع بركة الشرب من الكوثر، بل يحرم من ورود الحوض أصلا، ويا ليتهم حرموا الشراب من الكوثر فحسب، وإن كانت هذه مصيبة، ولكنهم حملوا معها المصيبة الأعظم، وهي دعاء النبي ﷺ عليهم. ١٣- اختيار الاسم: من أوجه عناية الله- لكوثر حبيبه ﷺ وجه قد يغافل عنه الكثير، ولكني أعتقد أنه ذروة الاعتناء، هو الاعتناء باسم النهر، فقد أكرم الله تسميته، حين جعل له اسما كريما يتضمن معاني كثيرة، فإن الكوثر معناه في اللغة: الخير الكثير، قال الإمام القرطبي: (والكوثر فوعل من الكثرة: مثل النوفل من النفل والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شي كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا، قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي: بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير) «٢» . وبعد أن ذكر ﵀ ستة عشر قولا لمعاني الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ﷺ ختمها بقوله: (وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه ﷺ تسليما كثيرا) «٣» . انتهى. ١٤- ذكره في القرآن العظيم: أختم أوجه اعتناء الله- لكوثر نبيه ﷺ بأعظم هذه الأوجه وأعلاها منزلة ألا وهي ذكر الكوثر في القرآن الكريم، بل نزول سورة باسمه، وهذا أبلغ التشريف للنبي ﷺ .

стр. 213

أخي المسلم: تعمدت بسط أوجه اعتناء الله- بالكوثر ليقف كل مسلم على منزلة الرسول الكريم عند ربه- ﵎ فيزداد لشخصه حبّا وإجلالا، ولرؤيته ﷺ شوقا وحنانا، ولسنته ﷺ تمسكا واتباعا، وللبدعة تجنبا ونفورا، وللصلاة عليه والتسليم فرحا وابتهاجا ولسماع سيرته العطرة انشراحا وسرورا. الفائدة الثالثة: وجوب الإيمان بالكوثر؛ وذلك لتضافر أدلة الكتاب والسنة على إثباته، وبصفته ونعته والتي ذكرت طرفا منها آنفا. الفائدة الرابعة: أن قلب النبي ﷺ لا ينام إذا نامت عيناه، ورد في الحديث: «إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما» «١» . ٣- شهادته على أمته: قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فيشهد هو ﷺ على أمته، بينما تطلب بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام شهادة أمته على أممهم. ٤- أول من تفتح له أبواب الجنة: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «آتي باب الجنّة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمّد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» . رواه مسلم «٢» . الشاهد في الحديث: قول خازن الجنة: (بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شخص النبي ﷺ : ١- علو منزلته ﷺ على الأنبياء كلهم جميعا، والشاهد على ذلك أنه آخرهم بعثة وأولهم دخولا للجنة، بل له ما هو أعظم من ذلك- قطعا- أن الجنة لا تفتح لأحد قبله. ولا أقول: إنه ﷺ سيشرف بأن يكون أول من يدخل الجنة، ولكن أقول: إن الجنة هي التي

стр. 214

تشرف بأن يكون أول من يطرق بابها ويدخلها هو النبي ﷺ . ٢- ثبت أن الله- ﵎ قد فضّل نبيه ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين من كل وجه، ولم يثبت أن أحدا يفضله ﷺ في أي وجه، ومن ثمّ نعلم أن النبيّ ﷺ أعبد الخلق لله- ﵎ وأعلمهم به وأطوعهم له. ٣- تواضعه ﷺ في وقت ومكان وحال لو أعطي أحد غيره معشار ما أعطيه لم يأمن على نفسه الفتنة، فمن تواضعه ﷺ أنه أجاب على الخازن بقوله: (محمد) فلم يذكر صفته ولا نعته، حتى لم يقل: (أنا محمد) ، منتهى التواضع والخشوع لله- ﵎. ٤- إرادة الله- إظهار فضل نبيه ﷺ وشرفه عند ملائكته وأنبيائه والناس أجمعين، فقد كان في مقدور الله- ﵎ أن تفتح الجنة أبوابها بمجرد أن يطرق النبي ﷺ بابها، أو يأمر الخازن أن يفتح لأول طارق ولن يتجرأ أحد أن يطرق قبله ﷺ ، ولكن الله- ﵎ أراد أن يعلم الثقلين أن أبواب الجنة مغلقة وأن أول من يطرقها هو النبي ﷺ ، وأن الخازن عنده أمر من الله تعالى ألا يفتح إلا له ﷺ فتزداد بذلك فضائل النبي ﷺ . ٥- كما أن للنبي ﷺ منّة على الناس أجمعين بالشفاعة العظمى عند ربه، أراد الله- أن يكون له منّة أخرى على المؤمنين، وهي أن الجنة ما كانت لتفتح لهم إلا بعد طرقه أبوابها. وهل يمكن أن ينسى كل ساكني الجنة مهما طال عليهم العمر فيها، أن الذي فتح لهم أبوابها هو النبي ﷺ . الفائدة الثانية: أدب خازن الجنة مع سيد المرسلين ﷺ من جهتين: الجهة الأولى: أنه بدأ حديثه مع النبي ﷺ بقوله: (بك) للدلالة على اختصاصه ﷺ وحده بذلك الأمر، ولإشعاره باستحالة فتح الباب لأحد قبله، وكان يمكن أن يقول الخازن: (أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) . الجهة الثانية: إعلام النبي ﷺ أن الخازن مأمور بألا يفتح لأحد قبله. الفائدة الثالثة: عناية الله- بالجنة إذ جعل لها أبوابا، وجعل على الأبواب خازنا. ٥- أول من تنشق عنه الأرض: عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهوديّ فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك. فقال: «من؟» قال: رجل من الأنصار. قال: «ادعوه» . فقال: «أضربته؟» قال: سمعته بالسّوق يحلف: والّذي اصطفى موسى على البشر.

стр. 215

قلت: أي خبيث، على محمّد ﷺ ؟! فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النّبيّ ﷺ : «لا تخيّروا بين الأنبياء فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من تنشقّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى» . رواه البخاري «١» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فأكون أول من تنشق عنه الأرض» . وقد مر شرح هذا الحديث مبسوطا. ٦- أنه ﷺ صاحب الوسيلة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ؛ فإنّه من صلىّ عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» . رواه مسلم «٢» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ : ١- علو منزلته ﷺ على سائر الأنبياء في الآخرة- كما هو الحال في الدنيا- حيث إنه ﷺ أرفعهم منزلة في الجنة، ويدل هذا على عظيم حب الله له ﷺ ، وأنه أخشى الناس وأتقاهم لله- . ٢- في الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يفضّل على الأنبياء بخمس أو ست خصال فقط، وهي المذكورة في الحديث الذي رواه الشيخان «٣» ، وأن هذه الخصال الخمس ليست على سبيل الحصر، والدليل على ذلك أن درجة الوسيلة لم تذكر في هذا الحديث، وقد ذكرت العديد من تلك الصفات والخصال في كتابي هذا.

стр. 216

٣- أدبه الجم ﷺ مع مقام الألوهية، حيث قال ﷺ في أدب رفيع عن درجة الوسيلة: «لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو» . مع أنه ﷺ يعلم أنه أحب العباد إلى الله وأقربهم منه منزلة يوم القيامة، ولكنه الأدب الذي يليق بمقامه ﷺ . ٤- حسن تعبده ﷺ لله رب العالمين وشعوره الدائم بالافتقار إلى خالقه ومسدي النعم إليه- ، حيث لم يركن إلى عمله، بل سأل كل أحد من أمته أن يدعو الله له بإحراز تلك المرتبة العالية الرفيعة في الجنة. ٥- عظيم ما أعده الله- لنبيه المختار المجتبى ﷺ في دار كرامته، فإذا كان الله- ﵎ أعد لعموم عباده المؤمنين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فماذا أعد- لمن كان السبب في هداية هؤلاء العباد المؤمنين، فماذا أعد الله لمن ثقلت موازينه بأجور متساوية مع أجور الأمة بأكملها ويزيد. والله إن العقل ليقصر عن تصوّر ذلك. الفائدة الثانية: ليست الجنة كلها منزلة واحدة، بل هي منازل، وأعلاها درجة الوسيلة، التي لا تنبغي إلا للحبيب ﷺ ، وتلك المنازل متفاوتة جدّا، ودليله ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنّه أوسط الجنّة وأعلى الجنّة» «١» . الفائدة الثالثة: ورد في هذا الحديث شروط يجب توفرها في هذا العمل لنيل شفاعة المصطفى ﷺ (ولقد اخترت فيها الأحوط من كلام العلماء) وهي: ١- الاستماع للأذان وترديده. ٢- الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان. ٣- طلب الوسيلة للنبي ﷺ ، وقد علّمنا النبيّ ﷺ صيغة الدعاء في الحديث الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي عنهما الله: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الّذي، وعدته، حلّت له شفاعتي يوم القيامة» «٢» . وهو بلا شك عمل قليل (في وقته

стр. 217

وجهده) ولكن يترتب عليه فضل عظيم، وهذا من بركاته ﷺ على هذه الأمة الفاضلة. تنبيه: في الحديث دليل على أن المؤذن لا يصلي على النبي بصوت مرتفع بعد الانتهاء من الأذان كما يحدث في بعض الدول الإسلامية- لما ورد في الحديث: «فقولوا مثل ما يقول المؤذن ثم صلوا علي» «١» . فلو كان المؤذن يصلي على النبي ﷺ بصوت مرتفع ما قال النبي ﷺ : «ثم صلوا علي» . واكتفى بقوله: «فقولوا مثل ما يقول» . ٧- أنه ﷺ أول من يمر على الصراط: ورد في حديث أبي هريرة أنّ النّاس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تمارون في الشّمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنّكم ترونه كذلك يحشر النّاس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبع فمنهم من يتّبع الشّمس ومنهم من يتّبع القمر ومنهم من يتّبع الطّواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا فيدعوهم فيضرب الصّراط بين ظهراني جهنّم، فأكون أوّل من يجوز من الرّسل بأمّته ولا يتكلّم يومئذ أحد إلّا الرّسل وكلام الرّسل يومئذ: اللهمّ سلّم سلّم، وفي جهنّم كلاليب مثل شوك السّعدان، هل رأيتم شوك السّعدان؟ قالوا: نعم. قال: فإنّها مثل شوك السّعدان غير أنّه لا يعلم قدر عظمها إلّا الله، تخطف النّاس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل «٢» ثمّ ينجو حتّى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النّار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم باثار السّجود وحرّم الله على النّار أن تأكل أثر السّجود، فيخرجون من النّار، فكلّ ابن آدم تأكله النّار إلّا أثر السّجود فيخرجون من النّار قد امتحشوا «٣» فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل ثمّ يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنّة والنّار وهو آخر أهل النّار دخولا الجنّة مقبل بوجهه قبل النّار فيقول: يا ربّ اصرف وجهي عن النّار قد قشبني ريحها «٤» وأحرقني ذكاؤها «٥»

стр. 218

فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزّتك. فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النّار فإذا أقبل به على الجنّة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثمّ قال: يا ربّ قدّمني عند باب الجنّة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألاتسأل غير الّذي كنت سألت؟ فيقول: يا ربّ لا أكون أشقى خلقك. فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك ألاتسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربّه ما شاء من عهد وميثاق فيقدّمه إلى باب الجنّة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النّضرة والسّرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا ربّ أدخلني الجنّة فيقول الله ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألاتسأل غير الّذي أعطيت فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله- منه ثمّ يأذن له في دخول الجنّة، فيقول: تمنّ. فيتمنّى حتّى إذا انقطع أمنيّته قال الله- من كذا وكذا، «١» أقبل يذكّره ربّه حتّى إذا انتهت به الأمانيّ، قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه» . قال أبو سعيد الخدريّ لأبي هريرة ﵄: أما إنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله» . قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلّا قوله: «لك ذلك ومثله معه» . قال أبو سعيد: إنّي سمعته يقول: «ذلك لك وعشرة أمثاله» . رواه البخاري «٢» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته» . هذا فضل عظيم للرسول ﷺ ، يشهده يوم القيامة الداني والقاصي، فيعرف له فضله، ويشهد له بقدره ويسلم له بعلو مكانته وتميزه على الخلق أجمعين، والعجيب في الأمر أنه ﷺ لن يمر وحده على الصراط لجلال قدره، بل سيأخذ أمته معه، فتكون بذلك أول من يمر من الأمم، بل تمر قبل الأنبياء، مع أن الأنبياء أفضل من آحاد الأمة قطعا، ولكنها نالت ذلك ببركة إيمانها واتباعها للنبي ﷺ وكونها أمته ﷺ ، ولا أستبعد أن يتمنى كل أحد في ذلك الوقت أن يكون من أمته ﷺ ليعبر الصراط أولا، ولكني لا أجزم به لعدم وجود نص- حسب علمي- يدل عليه. فيا أمة النبي محمد ﷺ افرحوا بهذا الحديث واقدروا لنبيكم ﷺ قدره واتبعوا دينه ولا تبتدعوا في سنته حتى تفوزوا بالمرور معه على الصراط وتهون عليكم أهوال يوم القيامة.

стр. 219

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: ظهور فضل الرسول ﷺ على بقية الرسل وفضل أمته ﷺ على بقية الأمم جميعا، ودليله من الحديث: المرور على الصراط أولا، ليس هذا فحسب، بل إن الأفضلية تؤخذ أيضا من قوله ﷺ : «ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» . في الوقت الذي يذهب فيه النبي ﷺ إلى العرش ويسجد تحته ليشفع للخلق كلهم أجمعين كما ورد في باب حديث الشفاعة العظمى. ويتفرع عليه بيان فضل هذه الأمة على بقية الأمم، من جهة أنها أقل الأمم تعرضا لأهوال يوم القيامة، وهو من لوازم مرورها على الصراط أولا. الفائدة الثانية: رحمة الله العظيمة يوم القيامة بعباده الموحدين، ويظهر ذلك جليّا من كلامه- مع آخر من يخرج من النار وفيه: ١- تلطفه- مع هذا الرجل الذي يعطى كل مرة العهود والمواثيق لله تعالى ثم لا يبر بها- وهو واضح من قوله تعالى: «أليس قد أعطيت العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي كنت تسأل؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك ... » . والغريب أن الرجل في كل مرة يقسم بصفة عظيمة من صفات الله وهي: العزة، ثم يعود لما قال. ويحلم الله عليه. بل يقول- له: «ويحك يا ابن آدم ما أغدرك» . ٢- ومن تلطفه- مع الرجل أنه لا يكتفي بإدخاله الجنة، بل يأمره أن يتمنى على الله ما يريد فيقول له الرب- ﵎: «تمنّ» بل لم يقتصر الأمر على ذلك أيضا، ولكن الله يذكره من الأماني ما نسي، ورد في الحديث: (حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله- : من كذا وكذا، أقبل يذكره ربه) . ٣- أما جوده- ﵎ فواضح في قوله للرجل: «لك ذلك وعشرة أمثاله» . وأقول: لو لم يكن لله على هذا الرجل الذي لم يعمل صالحا قط إلا اعتقاده التوحيد- من فضل إلا إدخاله الجنة: لكفى، فكيف والحال كما ذكرت. الفائدة الثالثة: في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة: ١- ثبوت رؤية الله تعالى يوم القيامة وهي أعظم ما يفيض الرب- ﵎ على عباده المؤمنين، وإثبات هذه الرؤية هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال الإمام النووي ﵀: (مذهب أهل السنة أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ممكنة، ونفتها المبتدعة

стр. 220

والخوارج، وهو جهل منهم، فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين) «١» . ٢- هذه الرؤية المباركة رؤية واضحة جلية لا ارتياب فيها ولا شك، رؤية لا مشقة فيها ولا اختلاف عليها، ولا تزاحم فيها بين العباد، لا يضارون بها من أي جهة، وما ذكرت هو لوازم الألفاظ التي وردت في الروايات المختلفة للحديث ومنها: «هل تمارون» ، «هل تضامون» ، «هل تضارون» . ٣- علم الصحابة- المقرر عندهم- أن رؤية الله- غير ممكنة في الدنيا، وإن كانت ثمة رؤية فستكون في الآخرة، وهذا من فقههم ﵃، ورد في الحديث: (يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟) . الفائدة الرابعة: عظيم أمر إقامة الصلوات الخمس والمحافظة عليهن، ورد في الحديث: (أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم باثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود) . وأقول للذي فرط في الصلاة وتهاون فيها: كم ستندم وتبكي طويلا وتعض على شفتيك إذا رأيت أهل الصلاة يخرجون من النار وتحبس أنت لتفريطك فيها، فتدارك الأمر قبل فوات الأوان. ويتفرع عليه ظهور قدرة الله- إذ يأمر النار أن تأكل كل جسد العبد إلا أثر السجود، فتطيع النار أمر ربها، ويكون لها من التمييز ما تعرف به أثر السجود من جسد العبد، مع وجود جسده كله في النار. فسبحان الله العظيم. الفائدة الخامسة: جعل الله الأنبياء رحمة لأممهم، ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا، ومن علامات ذلك أن كل نبي لا يجوز الصراط إلا بقومه. ب- تفضيله في الدنيا ٨- إعطاؤه ﷺ نورين (فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) : عن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النّبيّ ﷺ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: «هذا باب من السّماء فتح اليوم لم يفتح قطّ إلّا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل

стр. 221

إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، فسلّم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة؛ لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته» . رواه مسلم «١» . الشاهد في الحديث: قول الملك: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: بيان تعدد نعم الله- ﵎ على نبيه ﷺ بما يميزه عن الأنبياء جميعا، ودليله من الحديث: ١- حب الله ﵎ أن يدخل السرور والفرح على قلب نبيه ﷺ ، إذ أرسل إليه الملك بالبشارة بنورين عظيمين، ورد بالحديث: «أبشر بنورين» . ٢- تفضيل كتابه ﷺ على كل الكتب السماوية، ودليله أن سورة واحدة وخواتيم سورة أخرى يعتبران وحدهما نورين لم يعطهما أي نبي من قبل، فكيف لو اجتمع معهما بقية كتاب الله الكريم. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٤٨] . ٣- إرادة الله- أن يبين لنبيه ﷺ ولأمته، بل ولملائكته ﵈ شدة اعتنائه بمصطفاه وبما أنزل عليه من كتاب عظيم، فأنزل عليه بعض آي الذكر الحكيم من باب لم يفتح من قبل وبملك لم ينزل إلى الأرض من قبل، وهذا غاية التشريف والبر. الفائدة الثانية: فضل فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة على بقية القرآن الكريم، ليس في أجر التلاوة فحسب، بل من جهة أنهما نوران، ومن جهة الكيفية التي نزلا بها. الفائدة الثالثة: بيان ما أعطاه الله- ﵎ للملائكة من قوة علمية وسمعية وبصرية وخوارق للعادات، يتبين ذلك من: ١- سماع جبريل ﵇ صوت الباب، ورؤيته للملك الذي نزل، وهو جالس مع النبي ﷺ في الأرض. ٢- سعة علم جبريل ﵇، فقد عرف أن هذا الملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل ذاك اليوم، مع كثرة عدد الملائكة، كما علم أن هذا الباب لم يفتح أيضا من قبل. ٣- نزول الملك من السماء إلى الأرض، في مدة زمنية يسيرة جدّا، وهذا أمر عجيب

стр. 222

يدل على مدى عظمة الله تعالى وقدرته القوية. الفائدة الرابعة: فضيلة السلام، حيث كانت هي تحية الملك للنبي ﷺ ، ولو كانت هناك تحية أفضل منها لذكرها الملك تشريفا للنبي ﷺ ، ويؤخذ أيضا أن السلام سنة متبعة عند الملائكة وفي الملأ الأعلى، قال تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] . الفائدة الخامسة: وجوب استبشار المؤمنين وفرحهم بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، ومن لم يفعل ذلك، فقد رد بشرى الله- ﵎ له، أو أنه قد جهل فضل تلك الآيات المباركات. الفائدة السادسة: وجوب شكر هذه الأمة لنبيها ﷺ واعترافها بفضله؛ لأن هذا الخير العميم الذي نزل من السماء كان المقصود الأول به هو النبي ﷺ ، وأعطيت الأمة هذا النور ببركة اتباعها له ﷺ ، قال الملك: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك» . ولم يقل الملك: «بشر أمتك بنورين أوتيتهما الأمة» . ٩- جعلت له الأرض مسجدا وطهورا: عن جابر بن عبد الله: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي، نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى النّاس عامّة» «١» . مما امتن الله- ﵎ على هذه الأمة ببركة نبيها ﷺ ، أن جعل لها الأرض كلها طهورا ومسجدا، بمعنى أن الرجل إذا فقد الماء تيمم، وإذا أراد أن يصلي فليصل في أي بقعة من الأرض شاء، لا يختص الصلاة فيها بمكان دون مكان فكلها موضع سجود. وينبني على هذه المنة العظيمة عدة أمور نذكرها على هيئة فوائد: الفائدة الأولى: عظيم أمر الصلاة في شرع نبينا محمد ﷺ وأنها ملازمة للعبد ولا تنفك عنه أبدا- إلا بجنون أو موت- ولتأصيل هذا الأصل ما ألزمنا الله- بالصلاة في مكان معين ولا ألزمنا لرفع الحدث- الأصغر والأكبر- استخدام الماء إذا فقدناه.

стр. 223

الفائدة الثانية: إرادة الله- التخفيف الشرعي على هذه الأمة، وتظهر رحمة الله جلية إذا تعلق التخفيف بفريضة كالصلاة الملازمة للعبد في نهاره وليله، في صحته ومرضه، وفي حله وسفره، في كل أيامه وأحواله، ولو وكل أمر التشريع إلى عقولنا القاصرة، لكنا ضيقنا حدود التخفيف الشرعي كلما عظم أمر الفريضة، ولكن الله الأرحم بنا من أنفسنا وسع حدود التخفيف الشرعي جدّا في أهم وأعظم فرائض الإسلام وهي الصلاة، تخفيف في هيئتها للمريض وتخفيف في عدد ركعاتها، واختصار أوقاتها للمريض والمسافر، وتخفيف في شرط الطهارة لمن فقد الماء أو أضر بجسده، كما وسع في مكان أدائها لكل مسلم ومسلمة. الفائدة الثالثة: الأصل في الأرض الطهارة إلا ما ثبت نجاسته، بدليل قوله ﷺ : «وجعلت لي الأرض طهورا» . الفائدة الرابعة: فيه سعة المكان الذي سيشهد للمسلم بعبادة ربه- ﵎ حيث أبيح له أن يصلي في كل بقعة من الأرض، ولو حصر الشرع الصلاة في أماكن محدودة لشهدت له هذه الأماكن فقط. وفيه أيضا سعة علم الله- وإحاطته بالأرض كلها، إذ لن يصلي عبد في أي مكان من الأرض إلا وقد أحاط به علم الله تبارك تعالى. الفائدة الخامسة: فيه حث من الشارع الحكيم لكل مسلم على كثرة الصلاة ولو كان في سفره حيث إنه لن يفقد طهوره ولا مسجده. ١٠- أحلت له الغنائم: قال تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال: ٦٩] . عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحلّت لي الغنائم» «١» . لم يأذن الله- لنبي من أنبيائه أن يأكل من المغانم إلا للنبي ﷺ ، قال الإمام ابن حجر ﵀ نقلا عن الخطابي قوله: (كان من تقدّم على ضربين: فمنهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن لهم غنائم، ومنهم من أذن له فيه لكن إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته) «٢» . انتهى.

стр. 224

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: فيه إشعار للأمة أن الجهاد سيأخذ منها وقتا ومالا ودماء وأنفسا غالية وأنه باق معها إلى يوم القيامة، ولذلك كان من المناسب أن يعوضها الله عن ذلك- في الدنيا- بإحلال الغنائم. الفائدة الثانية: إرادة الله- أن يوسع على هذه الأمة أبواب رزقه، فأحل لها غنائم أعدائها. الفائدة الثالثة: فيه ترغيب للأمة للجهاد في سبيل الله، بإحلال الأكل من الغنائم. الفائدة الرابعة: الحكم الشرعي- وبعد العمل به دهورا طويلة- قد ينسخ بالكلية، ويأتي الله- بحكم جديد مخالف تماما للحكم الأول، ألا وهو إحلال الغنائم لهذه الأمة بعد تحريمها على الامم السابقة. ١١- ﷺ إلى الناس جميعا: قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] . ويؤخذ من الآية ألاأحد من الناس يسعه الخروج عن شرعه ﷺ من وقت بعثته إلى يوم القيامة، وأنه لن يقبل دين إلا دينه. عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار» . رواه مسلم «١» . ١٢- بعثه ﷺ إلى الثقلين الإنس والجن: قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] . من أعظم ما فضّل به نبينا ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين أنه أرسل إلى الخلق كافة: العرب منهم والعجم، الأبيض منهم والأسود، الداني منهم والقاصي، بل أرسل ﷺ أيضا إلى الجن. قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : قُلْ يا محمد يا أَيُّهَا النَّاسُ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والأعجمي إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً، أي: جميعكم. وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة، كما قال

стр. 225

تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ، والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تعدّ وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه ﷺ أرسل إلى الناس كلهم) «١» . عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النّبيّون» «٢» . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار» «٣» . بعض فوائد الحديثين: الفائدة الأولى: تفضيل الله- ﵎ لنبيه ﷺ على سائر الأنبياء- من جهة من أرسل إليهم؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن كل نبي كان يبعث في قومه خاصة، وبعث النبي ﷺ إلى الناس عامة. قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨] . الوجه الثاني: أنه ﷺ أرسل إلى الجن. قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] . الفائدة الثانية: كثرة أعباء الرسالة التي تحملها النبي ﷺ ، دون سائر الأنبياء والمرسلين، إذ بعث إلى الخلق كافة، إنس وجن. ويتفرع عليه أن له ﷺ من الأجر ما ليس لغيره. ومن أدلة كثرة أعبائه ﷺ أن وفود الجن كانت تأتيه ويسألونه ما يحتاجون إليه. روى البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة ﵁: أنّه كان يحمل مع النّبيّ ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه بها فقال: «من هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة. فقال: «ابغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة» . فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتّى وضعتها إلى جنبه ثمّ انصرفت حتّى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والرّوثة!

стр. 226

قال: «هما من طعام الجنّ، وإنّه أتاني وفد جنّ نصيبين- ونعم الجنّ- فسألوني الزّاد فدعوت الله لهم ألايمرّوا بعظم ولا بروثة إلّا وجدوا عليها طعاما» «١» . وفي رواية عند مسلم عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشّعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فلمّا أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فقال: «أتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» . قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزّاد؟ فقال: «لكم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكلّ بعرة علف لدوابكم» . فقال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنّهما طعام إخوانكم» «٢» . الفائدة الثالثة: أنه لن يسمع ببعثته ﷺ أحد ثم لم يؤمن إلا دخل النار خالدا مخلدا فيها، لقوله ﷺ : «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ... » . قال الإمام ابن حجر ﵀: (وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) «٣» . الفائدة الرابعة: التكاليف الشرعية لا تثبت في حق المكلف ولا يحاسب عليها، إلا بعد سماعه أو إبلاغه بها، ورد في الحديث: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة» . يصدق ذلك قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. قال الإمام النووي ﵀: (فيه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جاء على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، والله أعلم) «٤» . الفائدة الخامسة: ببعثته ﷺ يبطل اتباع الأمم لأي ملة أو شريعة أو دين، ويتوجب على كل أحد أن يؤمن به ﷺ ، قال الإمام النووي ﵀: (وفيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ .

стр. 227

الفائدة السادسة: كمال رسالته ﷺ وعلو قدرها على جميع الرسالات السماوية السابقة، ذلك أن كل رسالة أنزلها الله- جعلها صالحة لزمن معين ولطائفة مخصوصة من الناس، أما رسالته ﷺ فإنها رسالة صالحة للخلق كلهم جميعا تصلح لمعادهم ومعاشهم ودنياهم وأخراهم، لأول الزمان وآخره، لسنوات الأمن وسنوات الفتن، لأيام الرخاء وأيام الشدة، رسالة لا تعرف أي نوع من الحدود، لا حدود في زمان ولا مكان ولا جنس ولا لغة. الفائدة السابعة: اتساع أمة الدعوة الخاصة بالنبي ﷺ وهي الأمة الموجه لها الأمر الرباني بالدخول في الإسلام والإيمان ببعثته ﷺ حيث إن الخطاب توجه لكل أحد بلغته دعوة النبي ﷺ من يوم بعثته ﷺ إلى يوم القيامة. ويؤخذ من الحديث أيضا أن النبي ﷺ هو أكثر الرسل أتباعا يوم القيامة وقد بوبت لذلك بابا خاصّا. ١٣- أعطي ﷺ جوامع الكلم: عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النّبيّون» . هذا الحديث من الأحاديث التي جمعت بعض ما فضّل به النبي ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين، مما يدل على تفصيل الله- ﵎ له وحبه إياه ﷺ . وقوله ﷺ : «فضلت على الأنبياء بست» ، لا يدل على أنه لم يفضل بغيرهن، لورود أحاديث صحيحة تثبت غيرهن من الفضائل، وقد أوردت طرفا منها في هذا الفصل، وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري «١» في كتاب شرف المصطفى أن عدد ما اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء ستون خصلة. فلعل الله- ﵎ أوحى إليه أولا بأنه فضّل بتلك الفضائل الستة الواردة في حديث الباب، ثم تتابع الوحي عليه بفضائل أخرى متفرقة.

стр. 228

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: فصاحته البالغة ﷺ وحسن بيانه لما ورد في الحديث: «أعطيت جوامع الكلم» . نقل الإمام النووي عن الهروي قوله: (يعني به القرآن: جمع الله في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة وكلامه ﷺ كان بالجوامع، قليل اللفظ كثير المعاني) «١» . ويتفرع على ذلك: وجوب اعتقاد أن جميع الخلق أقل من النبي ﷺ فصاحة وبيانا. الفائدة الثانية: من أوتي شيئا من جوامع الكلم، فقد أوتي خيرا كثيرا، فهي من الخصال المحمودة في الإنسان. والدليل على ذلك، أن الله- ﵎ فضّل بها خير خلقه ﷺ على الخلق أجمعين. ١٤- خاتم النبيين ﷺ : عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللّبنة؟ قال: فأنا اللّبنة وأنا خاتم النّبيّين» . رواه الشيخان «٢» . سبق الحديث على ما تفضل به الله- على نبيه بأن جعله خاتم النبيين في فضل (مظاهر حب الله- لنبيه ﷺ ، وذكرت به الفوائد المتعلقة بهذا التفضيل والأحكام المترتبة عليه. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: تواضعه ﷺ إذ جعل نفسه كاللبنة الواحدة في بناء جميل جمع كل الأنبياء. الفائدة الثانية: لو تدبر أصحاب العقول السوية منظومة الأنبياء، بدون النبي ﷺ لعلموا أن هذه المنظومة تنقصها لبنة واحدة، وهو النبي ﷺ ولتمنوا بعثته ﷺ لتكتمل المنظومة، ودلالة ذلك واضحة من الحديث حيث شبه النبي ﷺ منظومة الأنبياء كالبيت الناقص لبنة واحدة.

стр. 229

الفائدة الثالثة: جمال وحسن منظومة الأنبياء وما بعثوا به من عند ربهم، لما ورد بالحديث: «كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله» . الفائدة الرابعة: فيه دليل على أن عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل- قبل يوم القيامة- لن ينزل بصفته نبيّا من أنبياء بني إسرائيل يحكم بشريعتهم، ولكن سينزل حكما بين الناس يحكم فيهم بشريعة النبي ﷺ . ورد عند البخاري: «ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا» «١» . قال ابن حجر ﵀: (المعنى أنه ينزل حاكما بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى ﵇ حاكما من حكام هذه الأمة) «٢» . ١٥- أحلت له مكة: عن أبي شريح العدويّ: أنّه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكّة: (ائذن لي أيّها الأمير أحدّثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلّم به: أنّه حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنّ مكّة حرّمها الله ولم يحرمها النّاس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشّاهد الغائب» . فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إنّ الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارّا بدم ولا فارّا بخربة) «٣» . رواه البخاري «٤» . الشاهد في الحديث: «إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم» . وهذه أيضا من خصائصه ﷺ التي لم يشاركه فيها أحد من الأولين والآخرين. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: شرفه ﷺ وعلو منزلته عند ربه أن أحل له القتال بمكة ساعة من

стр. 230

النهار، ولم يحلّ ذلك لأحد غيره، وحتى نتصور كم تعدّ هذه مكرمة للنبي ﷺ يلزم أن نعرفه حرمة مكة، وهي الفائدة التالية. الفائدة الثانية: عظيم حرمة مكة، ويتبين ذلك من الأمور التالية: ١- أن الله- هو الذي حرم مكة، لما ورد في الحديث: «إن مكة حرمها الله» ، أي: لم يكن تحريمها باجتهاد من أحد، وإضافة تحريمها إلى الله- يدل على تعظيم هذا التحريم وغضب الله- لمن انتهكه، وقد أكد النبي ﷺ هذا الأمر بقوله: «ولم يحرمها الناس» . قال الإمام ابن حجر ﵀: (وما ذكر من حديث أنس في البخاري: «إن إبراهيم حرم مكة» . فمعناه: أنه حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو أن المعنى: أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس) «١» . ٢- لم تكن مكة في يوم من الأيام حلّا قطّ فتحريمها كان مع خلق السماوات والأرض كما أنها لن تكون حلا أبدا إلى يوم القيامة، ورد في إحدى روايات البخاري: «فإن هذا بلد حرم الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» «٢» . ٣- لم يكن إحلال مكة للنبي ﷺ باجتهاد منه لضرورة الفتح، وإنما كان بإذن من الله ، وقد نص الحديث على ذلك: «إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم» . ٤- مما يوضح عظيم حرمة مكة- حفظها الله وزادها شرفا- أن الله لما أذن لرسوله ﷺ بالقتال فيها لم يكن الإذن مفتوحا بل كان إذنا مقيدا بوقت معين للضرورة فقط ثم عادت حرمتها مباشرة، ورد بالحديث: «وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» . ٥- إرادة الله- الشرعية إبلاغ الأمة كلها أن حل الحرام لساعة من نهار إنما كان أمرا خاصّا بالنبي ﷺ وعادت بعدها حراما إلى يوم القيامة، مع إقامة الحجة على كل من أراد الترخص بما حدث للنبي ﷺ ، ورد في الحديث: «وليبلغ الشاهد الغائب» . وورد أيضا: «فإن أحد ترخص لقتال الرسول ﷺ فيها فقولوا....» .

стр. 231

وأضيف أن النبي ﷺ بيّن لأمته أمر تحريم مكة بعد حلّها في اليوم التالي للفتح مباشرة، مما يدلل على أهمية الأمر، ورد في الحديث: (قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح) ، وكأنه ﷺ خاف أن يعتقد الناس أن أمر الترخص بالقتال بمكة أمر مستمر. الفائدة الثالثة: التأدب مع الإمام أو من ينوب عنه، قال الإمام ابن حجر: (ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبولهم النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان أمر يعترض به عليه، وترك ذلك والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه) «١» . ورد في الحديث: (ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا) . الفائدة الرابعة: أفادنا الصحابي الجليل، أبو شريح الخزاعي، بأفضل وسائل تحمل العلم وأتمها، وهي السماع بالأذن وحضور القلب ورؤية المعلم بالعين، ورد في الحديث: (سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي) . وينبني على ذلك: أن تخلف حاسة من تلك الحواس يؤثر سلبا على استيعاب العلم وتحصيله. ١٦- إنزال الكتاب منجما: مما اختص الله- به نبيه ﷺ دون سائر الأنبياء والمرسلين، أن أنزل عليه الكتاب العظيم، القرآن الكريم، منجما على حسب الأحداث والوقائع، وما كان ذلك إلا عناية بقلب النبي ﷺ . قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إرادة الله- تعظيم هذا الكتاب الكريم، ورفع منزلته على جميع الكتب السماوية المنزلة من لدنه جل في علاه، فكان من أوجه العناية به، أن الله- اختصه دون غيره بأحسن طرق التنزيل، وهو التنزيل على مراحل، ومن بركة هذه الطريقة أن تكون قلوب المؤمنين أوعى لحفظه وفهمه، والدليل من الآية الكريمة أن الكتب السابقة قد نزلت كلها دفعة واحدة، أن الله- رد على شبهة الكفار بعدم نزول القرآن جملة واحدة، بأن هذا كان لغرض تثبيت قلب النبي ﷺ ، ولو كانت الكتب السابقة

стр. 232

نزلت مثل نزول القرآن الكريم، لكان الرد القرآني على الكفار أن هذه هي سنة الله في جميع الكتب السابقة، وهي النزول على دفعات، ولكان هذا الرد أكثر إفحاما للمعترضين؛ لأنه بيّن أن هذا القرآن ليس بدعا من الكتب، كما بين جهل المعترضين، بكيفية نزول الكتب السابقة. والدليل على ما قلت من كتاب الله- ، أن الكفار لما اعترضوا على مشي النبي ﷺ في الأسواق وأكله الطعام رد الله- هذه الشبهة بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠] . قال الشيخ السعدي ﵀: (وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن، وبرسوله محمد ﷺ حيث جعل إنزال كتابه جاريا على أحوال الرسول ﷺ ومصالحه الدينية) «١» . الفائدة الثانية: عظيم عناية الله- بقلب نبيه ﷺ ، فقد أراد أن يثبته غاية التثبيت، قال الإمام القرطبي ﵀: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ: أي نقوي به قلبك فتعيه وتحمله؛ لأن الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤن، والقرآن أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى للنبي ﷺ وأيسر على العامل به، فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوة قلب) «٢» . وهو كلام جميل من الإمام العالم، ولكني أعتقد أنه لا مدخل لأمية النبي ﷺ في نزول القرآن منجما؛ لأن الآية أوضحت سبب النزول مفرقا أوضح بيان. الفائدة الثالثة: بيان ما كان عليه قلب النبي ﷺ من قوة وثبات ورسوخ، وهذا ظاهر وجلي لمن تتبع سيرته ﷺ ، قال الشيخ السعدي ﵀: (لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن، ازداد طمأنينة وثباتا، وخصوصا عند ورود أسباب القلق، فإن نزول القرآن عند حدوث السبب، يكون له موقع عظيم، وتثبيت كثير، أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك، ثم تذكّره عند حلول سببه) «٣» . ويؤخذ منه أيضا ثبات قلوب المؤمنين من أصحاب النبي ﷺ أكثر من غيرهم من أتباع

стр. 233

الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام. الفائدة الرابعة: كثرة اعتراضات الكفار فيما لا يعنيهم ومحاولتهم رد الحق بشبهة باطلة، قال الإمام ابن كثير ﵀: (يقول تعالى مخبرا عن كثرة اعتراض الكفار وتفننهم وكلامهم فيما لا يعنيهم حيث قالوا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) . وأنبه إخواني المسلمين أن الاعتراضات على شرع الله نهج غير المسلمين، أما المسلمون فنهجهم واضح بيّن، مدحهم الله به في كتابه العزيز قال تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: من الآية ٢٨٥] . كما يؤخذ من الآية الكريمة سفاهة عقول الكافرين غاية السفاهة؛ لأنهم لو أعملوا عقولهم لعلموا أن ما اعترضوا عليه هو غاية الجمال والكمال والحكمة الإلهية، ولكن حبّ الاعتراض يعمي القلوب والعقول عن الحق الواضح الجلي. الفائدة الخامسة: حاجة القلوب دائما إلى التذكرة وسماع الذكر الحكيم، وهو أعظم ما يثبّت القلوب ويقوي الإيمان. الفائدة السادسة: من الحكمة أن يختار الواعظ عند وعظه، الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تراعي المقام وتناسب الأحداث التي تمر بالناس، فإن هذا أوعى للقلوب وأكثر تثبيتا لها. ١٧- تعدد أسمائه ﷺ : من أظهر دلائل علو قدر النبي ﷺ وسمو مكانته، هو تعدد أسمائه، فإن كثرة الأسماء مع حسنها تدل على كثرة الصفات والمحامد والوظائف التي يقوم بها المسمى بتلك الأسماء، ولما كان النبي ﷺ قد بلغ الغاية في الكمال الإنساني فقد اختصه الله- بتعدد أسمائه وصفاته، والتي تظهر بجلاء شمائله وخصائصه ونعوته التي تفضّل الله بها عليه في الدنيا والآخرة. وقد جعلت تعدد أسمائه وصفاته ﷺ مما اختص الله به نبيه ﷺ دون سائر الأنبياء والمرسلين لسببين: السبب الأول: أننا لا نعرف من الكتاب والسنة نبيّا من الأنبياء له من الأسماء ما لنبينا ﷺ . السبب الثاني: على سبيل الفرض، لو تعددت أسماء نبي من الأنبياء، فإن الصفات المشتقة منها أسماء النبي ﷺ ، لا تنبغي لنبي غيره، كما سنرى في معاني تلك الأسماء.

стр. 234

عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، وأحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدمي، وأنا العاقب» «١» . وعنه ﵁ في رواية مسلم: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على عقبي، وأنا العاقب» . والعاقب الّذي ليس بعده نبيّ «٢» ، وعند مسلم أيضا، من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: كان رسول الله ﷺ يسمّي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمّد، وأحمد، والمقفّي، والحاشر، ونبيّ التّوبة، ونبيّ الرّحمة» «٣» . بعض فوائد الأحاديث: الفائدة الأولى: حب الله- للنبي ﷺ ، بأن شرّفه بتعدد أسمائه وصفاته، والتي تدل على كثرة خيره ووفور بركته وعلو مكانته وتعدد شمائله، كما أن من علامات هذا الحب أن بعض تلك الأسماء والصفات قد ادخرها الله- لنبيه ﷺ فلم يشاركه فيها أحد من الأولين والآخرين. قال الإمام ابن حجر ﵀ في شرحه لقوله ﷺ : «إن لي خمسة أسماء» ما نصه: (والذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء اختّص بها لم يسمّ بها أحد قبلي أو معظمة أو مشهورة في الأمم الماضية) . كما نقل ﵀ عن القاضي عياض قوله: (حمى الله هذه الأسماء أن يسمى بها أحد قبله، وإنما تسمى بعض العرب محمدا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيّا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمدا، فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك) «٤» . الفائدة الثانية: بعض أقوال العلماء في معاني أسمائه ﷺ : ١- محمد: قال الإمام القرطبي ﵀ (محمد منقول من صفة، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة، كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدّح ونحو ذلك، فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة

стр. 235

بالشفاعة فقد تكرر معنى الحمد- يقصد أسباب الحمد- كما يقتضي اللفظ) «١» . ٢- أحمد: قال الإمام القرطبي ﵀: (هو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد أي أحمد الحامدين لربه، والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون لله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا) «٢» . لطيفة: لماذا سمي النبي ﷺ في التوراة والإنجيل باسم أحمد وليس باسم محمد ، قال القرطبي ﵀: (ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى ﵇ فقال: اسمه أحمد) . وأضاف ﵀: (إن حمده ﷺ لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل، وكذلك بالشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته) «٣» . ٣- الماحي: فسرها الحديث بقوله ﷺ : «الذي يمحو الله بي الكفر» ، قال الزرقاني: (أي يزيل الله به الكفر، لأنه بعث والدنيا مظلمة بغياهب الكفر، فأتى بالنور الساطع حتى محاه، قال عياض: أي من مكة وبلاد العرب وما زوى له من الأرض، ووعد أنه يبلغه ملك أمته قال- أي القاضي عياض- أو يكون المحو عامّا بمعنى الظهور والغلبة ليظهره على الدين كله) «٤» . انتهى. ٤- الحاشر: ويحتمل معنيين، الأول: أن الناس يحشرون على أثره ﷺ يوم القيامة فيكون أول من يحشر، لقوله ﷺ : «أنا أول من تنشق عنه الأرض» . ومن ثم يحشر الناس بعده، فهم له في ذلك تبع، والثاني: أنه ﷺ من علامات الحشر، فليس بعده نبي ولا شريعة، فإن قال قائل: النبي ﷺ لن يحشر الناس ولكنه يحشر قبلهم، فلماذا سمي الحاشر وهو اسم فاعل؟ قال الإمام ابن حجر ﵀: (لما كان لا أمة بعد أمته لأنه لا نبي بعده نسب الحشر إليه لأنه يقع عقبه) «٥» ، أي أن الحشر نسب إليه مجازا لأنه سبب فيه، فالناس لن يحشروا إلا بعد بعثته ﷺ . ٥- العاقب: أي الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، كما ذكر في رواية مسلم: «وأنا العاقب» . والعاقب: (الذي ليس بعده نبي) ، ويبدو أن هذه الزيادة في الحديث من إدراج الرواة.

стр. 236

٦- نبي التوبة ونبي الرحمة: قال الإمام النووي ﵀: (ومقصوده أنه ﷺ جاء بالتوبة والتراحم، قال تعالى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، وقال تعالى: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. الفائدة الثالثة: أما الأسماء التي وردت له ﷺ في القرآن الكريم، فهي كثيرة، وهي في الحقيقة صفات له ﷺ ، قال الإمام ابن حجر ﵀: (ومما وقع من أسمائه في القرآن بالاتفاق: (الشاهد، المبشر، النذير المبين، الداعي إلى الله، السراج المنير) ، وفيه أيضا: (المذكّر والرحمة والنعمة والهادي والشهيد والأمين والمزمل والمدثر، أما من أسمائه المشهورة: المختار والمصطفى والشفيع المشفع والصادق المصدوق) «١» . وأضاف الحافظ ﵀ (الحكمة في الاختصار على الخمسة المذكورة في الحديث أنها أشهر من غيرها وموجودة في الكتب السابقة وبين الأمم السالفة) «٢» . تنبيه هام: قال الإمام ابن حجر ﵀: (نقل ابن العربي في شرح الترمذي عن بعض الصوفية أن لله ألف اسم ولرسوله ﷺ ألف اسم) «٣» . انتهى. وهذا الكلام فيه مبالغة شديدة لا تخفى على أحد، والذي أريد أن أنبه عليه، هو التذكير بأن أسماء الله- وكذا أسماء النبي ﷺ توقيفية تعلم بالدليل الصحيح، ولا مجال للاجتهاد فيها، ولا ينبغي إطلاق اسم على النبي ﷺ لم يرد به حديث صحيح، توقيرا وإجلالا لمقام النبوة، ومن ذلك إطلاق البعض اسم يس وطه على النبي ﷺ . ١٨- مغفرة ما تقدم وما تأخر من ذنبه: وهي منزلة عظيمة رفيعة لم يشارك فيها النبيّ ﷺ أحد من الأولين والآخرين، وهي منزلة ادخرها الله- لأحب الخلق إليه وأكرمهم عليه، قال الإمام ابن كثير: (هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح أحد غيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، وهو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو ﷺ أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة) «٤» . قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: ١- ٢] .

стр. 237

بعض فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: نزلت الآيتان الكريمتان عند عودة النبي ﷺ من الحديبية، روى البخاري في صحيحه عن قتادة أنّ أنس بن مالك حدّثهم قال: لمّا نزلت: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ... إلى قوله: فَوْزاً عَظِيماً مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكابة وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» «١» . أما مناسبة نزول الآيات بعد صلح الحديبية، فقال الإمام القرطبي ﵀: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة فيجمع الله لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة) «٢» ، وقال صاحب التفسير الميسر: (فتحنا لك ذلك الفتح ويسرناه لك ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات الكثيرة وبما تحملته من المشقات، ويتم نعمته عليك بإظهار دينك ونصرك على أعدائك ويرشدك طريقا مستقيما من الدين لا عوج فيه) «٣» . الفائدة الثانية: الفتح المبين الذي ذكر في القرآن هو صلح الحديبية، وليس فتح مكة كما يتبادر للذهن، ودليله ما رواه البخاري عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: (تعدّون أنتم الفتح فتح مكّة وقد كان فتح مكّة فتحا ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحديبية) «٤» . قال الإمام ابن كثير ﵀: (فتحا مبينا: أي بينا ظاهرا والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خير جزيل وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض وتكلم المؤمن مع الكافر وانتشر العلم النافع والإيمان) «٥» . الفائدة الثالثة: الآيتان الكريمتان ما هما إلا ظاهرة قرآنية في الاحتفاء بالنبي المجتبى والرسول المصطفى، تدلل على عظيم حب الله لنبينا ﷺ ، يتبين ذلك من:

стр. 238

١- أوضحت الآيتان أن الله- ﵎ قد يسر وهيأ الفتح المبارك ليكون مقدمة وسببا في مغفرة ذنوب النبي ﷺ ، وهي منزلة عظيمة لم ينلها أحد من العالمين غيره ﷺ كما بينت من أقوال العلماء. ٢- إرادة الله- ﵎ أن يطمئن نبيه ﷺ أنه مغفور له كل شيء ، فيطمئن ﷺ على ما فات من حياته المباركة- قبل النبوة وبعدها- ويسعد بما يستقبل في بقية حياته، فلا حزن على ما فات ولا خوف على ما سيأتي، وهذا يحقق غاية السعادة وراحة القلب. ويتفرع عليه: أن النبي ﷺ أمن الخوف من سؤال ربه- ﵎ في الدنيا والآخرة، وليس ذلك لأنه أمن مكر الله- حاشا لله- ولكن بسبب تصديقه ﷺ لخبر ربه- . ٣- لم تقتصر البشرى العظيمة على مغفرة الذنب كله ، بل ضم إلى ذلك إتمام النعمة والهداية إلى الطريق المستقيم. قال الإمام الطبري في معنى: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ما نصه: (بإظهاره إياك على عدوك ورفعة ذكرك في الدنيا وغفرانه ذنوبك في الآخرة) «١» . ويتفرع على هذا أمران عظيمان وهما: أ- أن نعم الله- على نبيه ﷺ في الدارين الدنيا والآخرة، وفي أمري الدين والدنيا، وفي أمره خاصة وأمر أمته: قد بلغت الغاية والمنتهى في الكمال والجمال، وهذا مقتضى قوله تعالى: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ. ب- كمال عصمته ﷺ ، لقوله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، فمن شكك في عصمته فلا يخرج أمره عن حالين، إما أن يكون مكذبا لكلام الله- ، وإما أن يظن بالله ظنّا سيئا، حيث ظن أن هدى الله فيه الخطأ والزلل. الفائدة الرابعة: هل يعني قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ أن النبي ﷺ قد أصاب شيئا يستحق معه المغفرة؟ أقول: لا، بل نجزم أن النبي ﷺ لم يقترف في حياته- قبل البعثة وبعدها- صغيرة فضلا عن كبيرة، وقد بينت ذلك في أكثر من موضع في هذا الكتاب، ولكن أقول: إن تلك المغفرة هي درجة عالية رفيعة، حتى مع كونه ﷺ معصوما، وقال آخرون: مغفرة ذنبه ﷺ يكون على تركه الأولى من الأمور أو فعله

стр. 239

غير الأولى، بالنسبة لمقامه ﷺ ، فيعدّ إتيانه خلاف الأولى من الأمور ذنبا في حقه ﷺ يستحق عليه المغفرة، أما في حق غيره من عموم المسلمين فلا يعتبر ذنبا، قال صاحب المنتخب: (ليغفر الله لك ما تقدم مما يعدّ لمثل مقامك ذنبا وما تأخر منه) «١» . أدلة على عظم أمر غفران الله- للنبي ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ١- من جهة نبينا ﷺ : روى مسلم في صحيحة عن قتادة أنّ أنس بن مالك حدّثهم قال: لمّا نزلت إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ [الفتح: ١- ٢] ... إلى قوله: فَوْزاً عَظِيماً، مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكابة وقد نحر الهدي بالحديبية فقال: «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» «٢» . ٢- من جهة عيسى ﵇: ورد في حديث الشفاعة الطويل أن عيسى قال للناس لما طلبوا منه الشفاعة: (ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ، فلم يذكر عيسى ﷺ في حق نبينا ﷺ أنه خاتم النبيين أو أنه خليل الرحمن أو أنه سيد ولد آدم، ولكن ذكر فيه ما يعتقد أنه أعظم صفاته التي تؤهله ﷺ للوقوف بين يدي ربه- ﵎ للشفاعة العظمى، وهي أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فتدبر. ٣- من جهة المسلمين: ما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، فلقد هنّئوا النبي ﷺ على هذا التشريف الإلهي العظيم لما علموا من شرف هذه المنزلة. ١٩- النصر بالرعب: قال تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] . ٢٠- النصر بالصبا: عن ابن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ أنّه: «قال نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» . رواه البخاري «٣» .

стр. 240

والصّبا: هي الريح التي تهب من مشرق الشمس، ونصرته بها ﷺ كانت يوم الخندق، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الأحزاب: ٩] ، فقد أرسلها الله- ﵎ على الأحزاب باردة في ليلة شاتية، فقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وقلبت قدورهم، فكان ذلك سبب انهزامهم، أما الدبور: فهي ريح تهب من مغرب الشمس، وبها كان هلاك قوم عاد، وصفها الله القوي العزيز في كتابه الكريم بالريح الشديدة، قال- عز من قائل-: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: ١٩] . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: عجيب قدرة الله- ﵎ فقد جعل الريح: (وهو هواء قوي لا يرى بالعين) جندا من جنده، يهزم به أعداءه وينصر به أولياءه، ومن عجيب قدرته أيضا أن نوّع بين أصناف هذه الريح، فهذه ريح تأتي من المشرق تسمى الصّبا، وأخرى تأتي من المغرب تسمى الدبور، وأخرى تأتي من الشمال والجنوب، بل إن هناك ريحا تأتي من بين جهتين، ويقال لها: النكباء. كما ذكر الإمام ابن حجر ﵀. الفائدة الثانية: حب الله- ﵎ لنبيه ﷺ ، إذ نوّع له أسباب نصره على عدوه، ليبين له ولأمته شدة اعتنائه به ﷺ ، فتارة ينصره بالريح، وتارة ينصره بالرعب، وأخرى ينصره بالملائكة والروح القدس. بل نصره بأن أراه عدوه ﷺ في منامه وكأنه فئة قليلة. قال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الأنفال: ٤٣] . وكان يمكن أن يكون سبيل النصر واحدا. الفائدة الثالثة: كان النبي ﷺ حقّا رحمة للعالمين إنسهم وجنهم، مسلمهم وكافرهم، ودليله أن الله- ﵎ لما أرسل على الأحزاب ريحا لم يجعلها تستأصلهم، بخلاف الريح التي أرسلت على قوم عاد فقد أهلكتهم عن بكرة أبيهم، قال الإمام ابن حجر ﵀: (ولما علم الله رأفة نبيه ﷺ بقومه رجاء أن يسلموا سلط الله عليهم الصبّا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لما أصابهم بسببها من الشدة، ومع ذلك لم تهلك منهم أحدا ولم تستأصلهم) «١» .

стр. 241

الفائدة الرابعة: النصر على العدو لا يشترط فيه المنازلة والالتحام، بل قد يحدث دون التقاء الفريقين، فالله- قد أرسل على الأحزاب ريحا جعلتهم ينسحبون من حول المدينة بدون منازلة، وقد سمى النبي ﷺ ذلك نصرا، ورد بالحديث: «نصرت بالصبا» . ٢١- تعظيم بيعته ﷺ : قال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: ١٠] . مظاهر تعظيم بيعته ﷺ : ١- جعل الله- ﵎ بيعة النبي ﷺ كالبيعة معه ﵎، سواء بسواء، قال صاحب المنتخب: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ أيها النبي بيعة الرضوان يوم الحديبية على الثبات في الجهاد وقتال قريش إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) . وقال صاحب تفسير الزيد: (إن عقد الميثاق مع رسول الله ﷺ كعقده مع الله- من غير تفاوت) . ولتأكيد القرآن لهذا المعنى قال تعالى عند ذكر الثواب المترتب على الوفاء بهذه البيعة: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ. فقد جعل البيعة كلها عهدا معه- . ٢- إثبات مباركة الله لهذه البيعة وأنه مطلع عليها وكذلك رضاه عنها، لقوله- تعالى-: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. ٣- ذكر تلك البيعة في القرآن العظيم في سياق المدح والثناء عليها. ٤- ترتيب أعظم الأجر والثواب لمن وفّى بتلك البيعة، قال تعالى: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: شرف النبي ﷺ عند ربه- ﵎ وعلو منزلته، حيث شرف بيعته ﷺ من كل وجه كما رأينا. الفائدة الثانية: أن بيعة النبي ﷺ ليست كالبيعة مع غيره- ممن يقوم مقامه- كالوالي والخليفة، فإن كانت مبايعة المؤمنين للسلطان عبادة، فلا شك أن مبايعة النبي ﷺ أعظم وأشرف وأكثر بركة، والدليل على ذلك أن الله- ﵎ أضاف البيعة إلى نفسه المقدسة.

стр. 242

الفائدة الثالثة: حث الصحابة ﵃ على مبايعة النبي ﷺ والوفاء بها بإعلامهم أن هذه البيعة إنما هي بيعة مع الله ﵎. الفائدة الرابعة: من بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان يوم الحديبية ووفّى بهذه البيعة، فقد نال بركة مبايعة الله- ﵎ له في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة. وهذا بلا شك فضل لا يدانيه فضل. الفائدة الخامسة: من نقض العهد مع الله- ﵎ أو نكص على عقبيه أو فرط في جنب الله فلن يضر الله شيئا، فهو سبحانه الغني الحميد، فوبال المعصية وشؤمها يرجع على صاحبها وحده، قال- تعالى-: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠] ..

стр. 243

ثانيا: تفضيل أمته ﷺ على سائر الأمم في الدنيا والآخرة ١- أمة مصطفاة: قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [فاطر: ٣٢- ٣٣] . الشاهد في الآية الكريمة: هو قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فكل من آمن بالله ورسوله وحقق بقية أركان الإيمان، ولم يأت بشيء ينقض تلك الأركان، فهو من الأمة المصطفاة، أي التي اختارها الله تعالى وفضلها على جميع الأمم السابقة. [فضائل الأمة الإسلامية] بينت الآية بعض فضائل هذه الأمة العظيمة ومنها: ١- إيراث الكتاب: قال القرطبي ما نصه: (الكتاب- هاهنا- يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله لما أعطى أمة محمد ﷺ القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورّث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا (. انتهى كلامه «١» . فكأن الله- قد جمع لهذه الأمة في القرآن كل الكتب المنزلة السابقة، وجعل ذلك بمثابة الميراث الذي منحها إياها، وكفى بذلك شرفا وفضلا. ٢- أضاف الله- ، كل طوائف هذه الأمة إلى ذاته الشريفة فقال: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، كما وصفهم بأشرف الأوصاف وهي العبودية، واسمع بماذا وصف الله منحته للأمة، أي توريث الكتاب والاصطفاء، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، ولك أن تتخيل أن الله الكبير الغنيّ، إذا وصف الفضل بأنه كبير، كيف يكون كبير هذا الفضل؟ فسيكون كبيرا في قدره صفة ووصفا، وفي حجمه عددا وكمّا. ٣- دخول جميع طوائف الأمة الجنة، بل جنات وصف ساكنيها بأحسن الأوصاف، ووصف ما فيها بأحسن الصفات قال تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] . وفي الآيتين فوائد منها: الفائدة الأولى: كل ما أعطاه الله- لعباده المؤمنين، هو محض فضل

стр. 244

منه، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، كما أن قيام المسلم بأداء العبادة، والمسابقة في ميادين الخير، إنما هو بإذن الله، قال تعالى: وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢] ، يتفرع على ذلك أن على العبد المسلم ألا يرى لنفسه فضلا في عبادة الله، وأن يرجع الفضل كله لله، ويسأله دوما التوفيق لعمل الطاعات، وإذا وفّق كان عليه شكر المنعم المتفضل، الذي أذن له بالطاعة ووفقه لها. الفائدة الثانية: وجوب امتنان هذه الأمة لخالقها ومصطفيها- ، إذا امتن عليها بواسع فضله، في الدنيا بالاصطفاء والكتاب، وفي الآخرة بالجنات العاليات. ويجب أن يكون هذا الامتنان بالعلم والعمل. الفائدة الثالثة: لا ينبغي لأحد أبدا من المؤمنين، أن يعتقد بأن ما عند غير المسلمين أفضل مما عنده، وكذلك من أعطاه الله الكتاب علما ودراية وعملا وحفظا، أن يعتقد أن غيره من المسلمين ممن هو أقل منه في العلم والعمل بالقرآن أنه أفضل منه وإن كان ذا حظ في المال والجاه والنسب، لأن هذا وذاك تكذيب لصريح الآية، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، فجاء الإخبار بالجملة الاسمية التي تفيد الاستمرار والثبوت، مما يوجب الاعتقاد أن غير ذلك ليس بالفضل الكبير. والحاصل أن كل فضل في الدنيا، يحتقر مقارنة بفضل الكتاب والاصطفاء، أما في الآخرة فلا فضل إلا في الجنة. الفائدة الرابعة: تعظيم القرآن الكريم؛ لأن الله- قد جمع لهذه الأمة فيه كل الكتب المنزلة من قبل، فيجب على المسلمين الاهتمام به غاية الاهتمام، وألاتكون نعمة تداول القرآن بيسر وسهولة في طبعات مزينة مزخرفة، وأنه متوفر في كل بيت ومسجد ومكتب، سببا في عدم الشعور بهذه المنة العظيمة من الله، ومن غره ذلك، فليعلم أنه أتى على الناس زمن، كانوا يشترون القرآن بمئات الجنيهات من العملات الصعبة، ويوزعونه بينهم خفية، ويقسمونه على عدة أجزاء لصعوبة الحصول على نسخة كاملة، ومن ضبط عنده شيء منه يحكم عليه بالسجن أو القتل. الفائدة الخامسة: الحكم بتخليد أهل الكبائر من المسلمين في النار- أو أنه في منزلة بين منزلتين أو أنه كافر- تكذيب بظاهر القرآن، حيث إن الآية قسمت المصطفين من عباد الله إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، فإذا لم يكن أصحاب الكبائر من الظالمين لأنفسهم، فليس في الدنيا ظالم لنفسه، كما أن الآية حكمت للفئات الثلاثة أنهم

стр. 245

يدخلون الجنة، قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، ولو لم يكن الظالم لنفسه سيدخل الجنة برحمة الله، فلماذا ذكر في الآية التي يعدد الله- ، فيها أفضاله على هذه الأمة؟ وكيف تختم الآية الأولى والتي ذكر فيها الظالم لنفسه بقوله: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ؟ وإذا كان الظالم لنفسه سيخلد في جهنم، فلماذا لم يذكر في الآية التالية، قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: ٣٦] . ومعلوم أنه لن يخلد في النار إلا كافر، كما ورد في أحاديث الشفاعة الصحيحة، وحديث أبي ذرّ المشهور والذي رواه البخاري، عن أبي ذرّ ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثمّ أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلّا الله ثمّ مات على ذلك إلّا دخل الجنّة» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: «وإن زنى وإن سرق» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: «وإن زنى وإن سرق» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ» «١» . ويصدق ذلك كله قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] ، وهذه الآية إنما هي للدار الآخرة، لأن في الدنيا يغفر الله الشرك والمعاصي لمن تاب وأناب، أما قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] ، فإنما هي للدار الدنيا وليست للدار الآخرة. وقد بينت في موضع آخر من الكتاب، أنه لا ينبغي لأحد من المسلمين، أن يستمرئ المعاصي والذنوب لعلمه بأن الله لن يخلده في النار، وأن ماله بعد التطهير من الذنوب إلى الجنة، وقد بينت أن هذا من سوء الأدب مع الله- ، كما ألاأحد يضمن لهذا العاصي المستبيح لحرمات الله- ، أن يموت على الإسلام، وألا يختم له بخاتمة السوء، والعياذ بالله. ٢- هي خير الأمم: قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . هي خير أمة أخرجها الله- للعالمين بما استودع الله فيها من صفات

стр. 246

الخيرية، والتي نصت عليها الآية الكريمة، وهي أنهم أنفع الناس للناس بما يقومون به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما استقر في نفوسهم من الإيمان بالله- ، قال- تعالى-: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: في الآية بيان فضل النبي ﷺ على هذه الأمة، قال الإمام ابن كثير ﵀: (وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ ، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم بالقليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه) . انتهى «١» . الفائدة الثانية: بيان فضل الإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث إن الآية لما أخبرت أن أمة محمد ﷺ هي خير الأمم، أتت بوصفين هما بمثابة القيد لهذه الخيرية، لذا قال الإمام ابن كثير ﵀: (فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٩] ؛ ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة بهذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ. انتهى «٢» . ويتفرع على هذه عدة أمور؛ منها: أ- هذه الخيرية لا تثبت لكل أمة الإسلام على مر العصور بنفس القوة، وإنما تقوى وتضعف على حسب ما تقوم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ب- لا ينبغي لأحد أن يتباهى بهذه الآية ويفرح بها إلا إذا اتصف بهاتين الصفتين، وإلا كانت الآية حجة عليه. ج- الحث على التمسك بهاتين الصفتين لتحقيق الخيرية التي منّ الله- بها على هذه الأمة. الفائدة الثالثة: لا ينبغي أبدا لأحد من المسلمين أن يظن أن أي أمة (غير أمة الإسلام)

стр. 247

هي خير من أمتنا أو أن ما عندها هو خير مما عندنا- مما يتصل بأمور العقيدة والشريعة وما يتفرع منهما وما ينبغي عليهما-؛ لأن في ذلك تكذيبا لصريح القرآن الكريم، فلو قال قائل: إن هذه الخيرية قد نزعت منا لتقصيرنا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت له: بحمد الله لم تنزع منا لأن معنا أصل الإيمان بالله ورسوله، وهذا الأصل لا يشاركنا فيه أحد ألبتة في كل أنحاء المعمورة. الفائدة الرابعة: في الآية دليل واضح على أن الصحابة ﵃ كانوا أفضل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله، فمنهم نتعلم وبهم نقتدي؛ لأن الآية الكريمة قيدت الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان، عن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» . قال عمران: لا أدري أذكر النّبيّ ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة «١» . الفائدة الخامسة: إرادة الله- الشرعية أن تكون هذه الأمة هي خير الأمم، ولذلك يجب على هذه الأمة أن تأخذ بكل أسباب العزة والقوة والتقدم المحمود تحقيقا لإرادة الله- . الفائدة السادسة: يجب على كل مؤمن أن يربي نفسه على أن يكون نفعه متعديا لغيره وألا يقتصر على نفسه، تعلمنا ذلك من أمر الله لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أعظم أبواب إيصال الخير إلى الغير. الفائدة السابعة: تختلف الأمم في الأفضلية والخيرية اختلافا بينا بحسب تفاضل أنبيائها وكتبها وشرائعها، ولما كان نبينا ﷺ هو خير الأنبياء، وكتابنا القرآن الكريم هو خير الكتب وشريعة الإسلام هي أفضل الشرائع وأكملها، كانت هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس. ٣- أمة وسط شاهدة على بقية الأمم: قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] .

стр. 248

قال الشيخ السعدي ﵀ في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: (عدلا خيارا) ، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة لا تشديدات اليهود وآصارهم ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم ولا يطهرهم الماء من النجاسات وقد حرّمت عليهم طيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج) . انتهى «١» . وقال الإمام ابن كثير ﵀: (إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع يعترفون لكم بالفضل، والوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] . انتهى «٢» . وقال الإمام القرطبي ﵀: (ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء، ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي أن هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) . وفيما قاله علماؤنا ﵏ الكفاية وزيادة لبيان ما منّ الله- به على هذه الأمة من فضائل لا تحصى، سواء كان ذلك في العقائد أم في الشرائع، وكذا حفظها من الزيغ والضلال، وضمان عدم اجتماعها على الباطل، كما سيأتي في الفوائد. وخلاصة القول: أن الله- ما امتن منة على أمة من الأمم إلا امتن علينا بأحسن ما يكون من جنس هذه النعمة، فعلى سبيل المثال امتن على الأمم السابقة بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع، ولكن خصّنا دون الأمم السابقة بأفضل أنبيائه وأشرف كتبه وأحكم شرائعه، فضلا عما أولاه لنا من نعم كثيرة وآلاء جسيمة لم يكن لأمة من قبلنا ما يناظرها أو حتى يقاربها، وقد

стр. 249

بينت طرفا من هذه النعم في هذا الفصل من الكتاب، فلله الحمد كله وإليه يرجع الفضل كله. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: في الآية دليل على أن الإجماع حجة شرعية، قال الشيخ السعدي ﵀: (وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: وَسَطاً، فلو قدر اتفاقهم على الخطأ لم يكونوا وسطا إلا في بعض الأمور، وقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه فإنها معصومة في ذلك) «١» . الفائدة الثانية: أن أمة الإسلام، أمة المصطفى ﷺ ، تعلو على جميع الأمم، ولا تعلو عليها أي أمة، حيث إنها تشهد على جميع الأمم وتقبل شهادتها عند ربها- ويدخل بهذه الشهادة طوائف كثيرة النار، وفي المقابل لا تشهد عليها أي أمة من الأمم. ويتفرع عليه وجوب أن تعتز هذه الأمة بنفسها وأن تعتقد اعتقادا جازما أنها عالية- بفضل الله- على جميع الأمم. الفائدة الثالثة: وجوب توفر شرط العدالة في كل من يشهد أو يحكم بين الناس، لأن الله- لما أراد تفضيل هذه الأمة بالشهادة على الأمم السابقة، جعلها أمة وسطا لتكون شهادتها مقبولة، قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ، فاللام في لِتَكُونُوا هي لام التعليل، ويتفرع على تلك الفائدة الفائدة التالية. الفائدة الرابعة: حرمان أهل البدع والزيغ والضلال- من أمة الإسلام- من الشهادة على الأمم السابقة، وذلك لعدم توفر شروط الوسطية فيهم ولوقوعهم إما في الغلو أو التقصير، كما أنهم يحرمون من الشهادة على الذين ماتوا في الدنيا من أهل القبلة. الفائدة الخامسة: هي منقبة عظيمة لهذه الأمة حيث إن الأنبياء هم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله- وأعلى الناس شأنا وقدرا، يحتاجون إلى عموم هذه الأمة للشهادة لإثبات قيامهم بتبليغ أممهم، وكفى بذلك شرفا لهذه الأمة، روى البخاري في صحيحه: عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبّيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته، فتشهدون أنّه قد بلّغ وَيَكُونَ

стр. 250

الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، فذلك قوله- جلّ ذكره-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. والوسط العدل «١» . كما يتفرع على ذلك أيضا علم الأنبياء كلهم جميعا بأن أمة نبينا محمد ﷺ أمة عادلة مقبولة شهادتها عند الله- ولولا ذلك ما طلبوا- صلوات الله عليهم جميعا- شهادتها، وهي منقبة أخرى، تختلف عن سابقتها، فتدبر. الفائدة السادسة: يقين هذه الأمة بكل ما جاء في القرآن العظيم من الأخبار الغيبية سواء الماضية أو المستقبلية، وقد بلغ هذا اليقين بالغيب درجة المشاهدة، ودليله أن أحدا من هذه الأمة المحمدية لم يعاصر نوحا أو غيره من الرسل- ﵊ ولكننا علمنا ما دار بينهم وبين أقوامهم من القرآن العظيم، فصدقنا القرآن وآمنا بما جاء به من هذه الأمور الغيبية وشهدنا بها أمام رب العزة كأننا شاهدناها وعاصرناها، ولولا هذا اليقين ما رضي الله- بتلك الشهادة. الفائدة السابعة: قبول الله- لشهادة هذه الأمة، لا يقتصر على شهادتها على بقية الأمم يوم القيامة، بل تعدى ذلك، فقد قبل الله- شهادتها على من مات من المؤمنين في الدنيا، ودليله ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مرّ بجنازة فأثني عليها خيرا، فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّا، فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . قال عمر: فدى لك أبي وأمّي، مرّ بجنازة فأثني عليها خير فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّ فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . فقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شرّا وجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» «٢» . ٤- أمة لا تجتمع على ضلالة: قال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥] . عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمّتي قائمة
следующие страницы →