← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

التنبيه الثاني: [قول (كرم الله وجهه) بعد أن يذكر علي بن أبي طالب] أقوله لأننا كنا بصدد الكلام عن الخليفة الراشد، علي بن أبي طالب ﵁ والتنبيه هو أن كثيرا من الناس يفضلون أن يقولوا بعد ذكر علي (كرم الله وجهه) ، بدلا من ﵁ ، وهذا غلط، لأن الترضي عنه هو دعاء له، أما (كرم الله وجهه) فهذا من باب الخبر الذي يغني معرفته وقوله مرة واحدة، ومعلوم أن الدعاء خير من الخبر وأنفع للناس، كما أن تبريرهم لهذا القول بأن عليّا لم يسجد لصنم قط، لذلك نقول: (كرم الله وجهه) ، هذا ليس بتبرير فكثير من الصحابة لم يرد أنهم سجدوا لصنم، فلماذا نختص عليّا ﵁ بهذا القول، بل لماذا نحرمه من الدعاء له برضوان الله- والكل في حاجة لهذا الدعاء ولو كانوا أصحاب رسول الله ﷺ . الدرس الحادي والثلاثون: في قول الرسول: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي» ، أي: من يلتمس لي العذر إن عاقبت رجلا على قبح ما صنعه معي، أو من ينصرني عليه، ففيه أن الرجل إذا أراد أن يعاقب أحدا على سوء فعله معه، خاصة إذا كان من أصحابه، فعليه أن يخبر القوم بما حدث حتى يعذروه فلا يلوموه، وينصروه ولا يخذلوه، وحتى لا يفاجأ القوم، خاصة أهل قرابة الخصم، بما سيحدث، كما أن في هذا الإبلاغ فائدة أخرى، وهي أنه قد يكون في القوم من يدله على أمر يكون أصوب مما يراه. وفي بقية كلامه ﷺ ثناء على عائشة، وعلى الصحابي صفوان بن المعطل- ﵃ جميعا-. الدرس الثاني والثلاثون: في قيام سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وفيما قالوه، فوائد منها: ١- ما كان عليه الصحابة من حب النبي، وفدائه ولو بأهل قرابتهم وعشيرتهم، والكل يعلم ما كان عليه العرب من المناصرة والدفاع حتى الموت عن أهل القرابة، فلم يقل سعد بن معاذ: من هو يا رسول الله، أو يقول خبّرنا عنه ونحن نستقصي أمره إن أخطأ حاسبناه، أو أي كلمة مشابهة، بل قال: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) : أيّا كان الرجل ومكانته في القوم، ما علينا يا رسول الله إلا أن نقتله، دون أن يستقصوا هل فعل أم لا، ألم يقل الصادق المصدوق: «بلغني أذاه في أهلي» أبعد قوله قول، كيف لا يصدقونه والله قد استأمنه على وحيه؟ أفلا نستأمنه نحن على خبره في رجل آذاه، وقد حكم سعد على الرجل

стр. 422

الذي آذى النبي ﷺ بأشد العقوبة، وهي القتل وكيف يحكم بأقل من ذلك في رجل آذى نبيهم وخليلهم وحبيبهم. ٢- فيه تحذير من الحمية أي العصبية، والتي ابتلي بها كثير من الناس حيث غضب سعد بن عبادة ﵁ وثار في حضرة النبي ﷺ على مقولة سعد بن معاذ، وما حمله على ذلك إلا العصبية، أعلمتم مغبة العصبية ماذا تفعل بالإنسان الصالح، الذي قالت عنه عائشة ﵂: (وكان قبل ذلك رجلا صالحا) ، أي: قبل أن تأخذه العصبية، وانظر أيضا ماذا يمكن أن يئول إليه الأمر بعد أن تدخل العصبية والغضب بعض أفراد الأمة الصالحين، تقول عائشة: (فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا) . ٣- في تنازع الأوس والخزرج، فائدة أخرى، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم بشر، يصدر منهم ما يصدر من بقية البشر كالعصبية والغضب والسب، وهذا ما كان يعالجه النبي ﷺ فيهم، ولو كانوا لا يخطئون ما كان من بعثة النبي فيهم من فائدة، ولحرمنا الكثير من أمور السنة التي تعلمناها مما وقعوا فيه من زلات، ولكن مع هذا فهم خير قرون الأمة، لما ثبت عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» «١» . فعباداتهم وجهادهم ومواساتهم ونصرتهم للرسول ﷺ ، لا تقارن أو تقاس بما صدر منهم من أمور صوّبت في وقتها بالكتاب أو السنة، وكفى ذلك شرفا لهم، فزلاتهم ولله الحمد هي ذرة في فلاة بالنسبة لحسناتهم. الدرس الثالث والثلاثون: قد يؤخذ من الحديث ، أن الحد الواجب على من آذى الرسول، هو القتل، لقول سعد بن معاذ: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) ، ولم يكن هذا من باب التهويل، وذلك لرد سعد بن عبادة وقوله: (كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك) ، وتأكيد أسيد بن حضير على عزمهم قتله، فقال: (والله لنقتلنّه) ، كل ذلك حدث أمام الرسول، ولو كان القتل فيه مخالفة شرعية، وأنه ليس حكم الله- لبينه الرسول في وقته، ولا يقال: إن الذي آذاه كان منافقا؛ لأن الصحابة لم تكن تعلم من الذي يقصده الرسول، بدليل قولهم: (إن كان من الأوس) ، ولو قال لي قائل لقد سمع النبي من سعد أنه إذا رأى أحدا مع أهله قتله بالسيف، ولم يعترض ولم يبين له أن هذا الحكم غير

стр. 423

موافق للصواب، بل أثنى النبي على غيرته، قلت: هناك زيادة في الحديث لا يذكرها عامة الشيوخ، تبين أن النبي قد وجه سعدا أن القتل خطأ، ويجب عليه التروي، لأن الله يحب العذر. وقد وردت الزيادة عند مسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منّي من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشّرين ومنذرين، ولا شخص أحبّ إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنّة» . الدرس الرابع والثلاثون: نستفيد من الحديث كيفية تربية الله لهذه الأمة حيث أراد الله- أن يربيها على المحن والشدائد والصعاب، ليس لأفراد الأمة فقط، بل كانت تلك هي تربية الله لمعلم هذه الأمة وقائدها وهو النبي ﷺ ، نأخذ ذلك من قول عائشة ﵂: (وقد مكث شهرا لا يوحى إليه) ، ترى ما فائدة انقطاع الوحي شهرا كاملا؟ في وقت يخوض الناس في عرض خير البرية وأخشاهم وأتقاهم، بل أحبهم لله، لماذا انقطع الوحي وامرأة حديثة السن شريفة عفيفة تمرض وتلازم الفراش شهرا، حتى تخاف على كبدها أن ينفلق من كثرة البكاء؟ لماذا انقطع الوحي والمنافقون يروجون لشائعة لو حاسبنا الله- على ترويجها لهلكت الأمة؟ وما ذلك إلا انتقاما لمقام النبوة، لم يتوقف الأمر على المنافقين، بل روج للشائعة بعض من زلّ من الصحابة وإن كانوا نفرا قليلا، لماذا انقطع الوحي والمدينة تصبح وتمسي وكأن زلزالا قد ضربها؟ والإجابة عن كل تلك الأسئلة هي تربية الله لهذه الأمة بالفتنة وبالابتلاء ليرفع الله بها درجات من عصمه، ويكون درسا قاسيا لمن تكلم وخاض، لعله يكون درسا للأمة إلى يوم القيامة كيف تعمل الكلمة في المجتمع، كيف ترجف به، كيف تجعل الحليم حيرانا، درس للأمة أن تتثبت ولا تروج للشائعات والأكاذيب، كما علّمنا القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: ٦] ، وكما ذكرت من قبل كان من الممكن أن تنزل براءة عائشة ﵂ قبل

стр. 424

الحادثة وليس عند الحادثة، ولكن كان سيفوت على الأمة كل تلك الدروس والعبر التي تعلمناها من هذا الحدث. الدرس الخامس والثلاثون: استحباب الشهادة قبل الكلام ، لقول عائشة ﵂: (فتشهد) ، أي نطق بالشهادتين. الدرس السادس والثلاثون: بدأ النبي كلامه بعد التشهد بقوله: «يا عائشة» ، فاستخدم حرف النداء ليسترعي انتباه عائشة، ثم ذكر اسمها ليعلمها أنه لم يهجرها ولم يهجر اسمها، ولو أنه عنفها من أول الحديث فقد تفقد صوابها، ولا تستطيع الرد الصحيح المؤدب، فاللطف في القول أولى ولو كان في مثل هذا الحدث الجلل، حتى يتبين الحق. الدرس السابع والثلاثون: عدم إلقاء التهم بغير بينة وتقديم حسن الظن، لقول النبي ﷺ : «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا» ، ولم يقل لها: أنت فعلت كذا وكذا، وهذا من عظيم التربية والخلق الحميد، ثم قال: «فإن كنت بريئة» ، فقدم حسن الظن خاصة أنه ليس ثمة دليل، ثم واساها إن كانت بريئة، وأمّلها في رحمة الله بصيغة الجزم لا التعليق، وهذا من حسن ظنه بالله وثقته به فقال: «فسيبرئك الله» ، ومن عظيم أدبه ﷺ أنه لم يصرح بما يقول الناس، بل قال في كلام عفيف: «وإن كنت ألممت بذنب» ، ثم نصحها ووجّهها بما يتوجب عليها إن فعلت شيئا، فقال لها: «فاستغفري الله وتوبي إليه» ، ثم أملها في رحمة الله الواسعة فقال لها: «فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» ، واختار ﷺ الستر على الفضيحة، فلم يقدم لها سؤالا محددا حتى لا يحرجها ويفضحها إن هي اقترفت- ونعوذ بالله من ذلك- فلم يقل لها: (أفعلت) . أرأيتم عظيم أدبه وفضل إحسانه وحسن معاشرته، مع ما لاقاه ﷺ طيلة شهر، وانظر ما أعطاه الله من جوامع الكلم، فتكلم بعبارات قصيرة تحمل معاني كثيرة. الدرس الثامن والثلاثون: كلام الناس- خاصة إذا كان في الأمور العظيمة - له تأثير كبير على القلوب، كالسحر في بعض الأحيان. انظر كيف سأل النبي ﷺ عائشة وهي الطاهرة المطهرة عن برائتها، وذلك لتأثر قلبه بما يقول الناس، بالرغم من أن الذي روج للشائعة هو رأس المنافقين في المدينة. الدرس التاسع والثلاثون: جواز أن يؤكد الإنسان كلامه ، وأن يحكم أن الله يعلم

стр. 425

ذلك، أو يشهد على ذلك وهو من أساليب التوكيد، كالقسم بالله، تعلمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة) ، ولكن حذار أن يستخدم المسلم مثل هذا الأسلوب من التوكيد وهو كاذب، أو غير متأكد من حديثه، لأنه إن كان كاذبا، وقال: الله يعلم صدق حديثي، فكأنه حكم أن علم الله لا يطابق الواقع، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المؤكد حيث قال الله تعالى: قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] ، وقد أكدت الأنبياء صدق رسالتهم، بأن أكدوا علم ربهم بإرسالهم، وهذا من المؤكدات المعنوية، وقد حفلت هذه الآية الكريمة بكثير من المؤكدات اللفظية أيضا فتأمل. الدرس الأربعون: تعظيم الصحابة للقرآن الكريم ، وأن له منزلة عظيمة في نفوسهم، فهم يشعرون أنه كلام الله- الذي له شأن عظيم، علمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولأنا أصغر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري) ، فهي ترى أن شأن القرآن أعظم بكثير من أن ينزل ببراءتها، وكل ما كانت ترجوه أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا تبرئها، ثم ما لبث أن نزل الوحي قبل أن يخرج أحد من البيت. ويتفرع على ما سبق مسائل منها: المسألة الأولى: تواضع عائشة ﵂ حيث إنها وهي زوجة خاتم النبيين، وأحب الناس إليه، ترى أنها أصغر من أن ينزل فيها قرآن يتلى. المسألة الثانية: عظيم قدر أمهات المؤمنين عند الله- - والاعتناء بهن. والدليل على ذلك نزول قرآن يتلى إلى يوم القيامة لتبرئة عائشة ﵂ في آيات عديدة، في سورة سماها الله- بسورة النور، مع أن عائشة لم تتمن ذلك، ونستدل على عظيم اعتناء الله بهن، من عظيم قدر القرآن، والذي كانت عائشة تعظمه وترى أنه أعظم قدرا من أن ينزل ليتكلم ببرائتها. المسألة الثالثة: في الحديث علم الصحابة وتيقنهم أن رؤيا الأنبياء حق ، وتعظيمهم لها، وإلا ما كانت عائشة ﵂ تتمنى أن يرى الرسول ﷺ رؤيا فينكشف بها كل هذا الغم والكرب الذي أرجف المدينة أكثر من شهر. المسألة الرابعة: يستفاد من الحديث وجوب أن يعظم كل مسلم القرآن الكريم ، فيقف عند كل آية، وينتهي عند كل نهي، ويمتثل كل أمر، ويكفيه أن يقال: إن ذلك الأمر أو النهي قد ورد بالقرآن، علمنا ذلك من تعظيم عائشة لأمر القرآن الكريم، لا

стр. 426

أقول: إنه يقف عند صريح الآيات، بل يجب عليه أن يقف حتى على التلميحات، فإن فيها علما كثيرا، فإذا كنى بألفاظ عفيفة، وقفنا عند هذا الأدب الرباني، فلا نصرح أبدا بكلمات تخدش الحياء، فتعف بذلك ألسنتنا وأسماعنا، ومثاله قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] ، فهذا تلميح من القرآن ليأدبنا في كلامنا وانتقاء ألفاظنا، فلا ينبغي لمسلم إلا أن يكني في كلامه، لا لأن القرآن أمر بذلك، بل لأنه لمح تلميحا، فهذا شأن الذين يعظمون آيات الله، يعلمون أنه ليس فيه آية أو كلمة، بل ولا حرف، إلا وله معنى ومغزى، وفيه تشريع وتربية للأمة، بشرط ألانلوي الآيات، ولا نحملها معاني غير ظاهرة من سياق الآيات، وليس لها شواهد في اللغة العربية، فلنتق الله في كلام الله- . الدرس الحادي والأربعون: ما كان النبي ﷺ يعانيه عند نزول الوحي ، وقد تحدثت في ذلك من قبل، ونشير هنا فقط إلى رحمة الله- بهذه الأمة حيث يسّر لها قراءة القرآن وحفظه، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] ، ذلك بالرغم من ثقل القرآن عند نزوله على النبي ﷺ قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] ، أرأيت رحمة الله بعباده المؤمنين؟!. الدرس الثاني والأربعون: ما حبى الله نبيه ﷺ من جمال في كل شيء، حتى عرقه، والذي في العادة يتقذره الناس، لما يسببه من رائحة كريهة، واسمع لعائشة ﵂ ماذا تقول: (ليتحدر منه مثل الجمان) ، أي كان عرقه ﷺ مثل حبات اللؤلؤ، لصفاء العرق وحسنه، ولم ينس الصحابة ﵃، أن يصفوا حتى حبات عرقه. الدرس الثالث والأربعون: جواز الضحك، عند حدوث ما يسرّ العبد ، مثل نزول نعمة أو كشف غمة، بشرط ألايكون ضحك المعجب بنفسه، أو الناسي لنعمة الله عليه. الدرس الرابع والأربعون: حرص النبي ﷺ على تربية أمته على شكر نعم الله- والتي تظهر كمال عبودية العبد لله، حتى في الأحوال الخاصة جدّا، ويظهر ذلك، أن أول كلمة تكلم بها النبي ﷺ عند نزول الوحي ببراءة عائشة ﵂ أن أمرها بالقيام بحمد الله، وما شغله الفرح الشديد عن شكر المنعم. الدرس الخامس والأربعون: قول عائشة ﵂: (لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد

стр. 427

إلا الله) ، فهذا من دلالها وعتبها على رسول الله ﷺ وليس لغيرها أن يقول مثل هذه المقولة. الدرس السادس والأربعون: عدم معرفة النبي ﷺ بالغيب ، كثيره ولا قليله، وما ذكرته في هذا الكتاب من معرفته لأمور كثيرة من الغيب، فقد أطلعه الله عليها، والدليل على ذلك، أن هذه زوجته يقال عنها ما قيل، وترجف المدينة من ذلك، ويقلق ويتحير الرسول ﷺ ، ولا يعلم ببراءتها إلا بعد نزول الوحي إليه. الدرس السابع والأربعون: جواز القيام لمن أسدى لك معروفا وشكره، وأن هذا لا ينافي العبودية لله، ولا يتعارض مع شكر الله، والدليل على ذلك قول عائشة ﵂: (فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ ، ولو كان مثل هذا القيام ممنوعا شرعا، لبين ذلك النبي ﷺ ، ولكن يجب التنبيه أن على العبد ألا يبالغ في المدح وإظهار الامتنان لأحد، بحيث يدخل العجب والغرور على الممدوح، أو ينسى شكر المنعم الأصلي وهو الله . الدرس الثامن والأربعون: في قسم أبي بكر الصديق ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، ثم رجوعه عن هذا القسم، لما أنزل الله- : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢] . وفي هذه الآية لطائف كثيرة نذكر منها: ١- أن المسلم، مهما بلغ من التقوى والخوف والورع، يمكن أن يتأثر قلبه ممن أساء إليه، حتى يدفعه ذلك إلى الامتناع عن بعض أعمال الخير التي يتقرب بها إلى الله- لكن الذي ينبغي على المسلم أن يحسن إلى من أساء إليه، وهذا الخلق الكريم نحتاج إليه جميعا، لأن كثيرا منا لا يستطيع أن يتمثل به. ٢- في الآية جواز أن يحنث المسلم في قسمه، ويفعل الذي هو خير، يصدّق ذلك قوله: (إني والله لا أحلف على شيء) «١» ، وقد ذكر مبسوطا في موضع آخر. ٣- في الآية مدح وثناء على أبي بكر الصديق ﵁ حيث وصفته الآية أنه من أولي الفضل، كما أن الآية تثبت عناية الله بصديق الأمة وإرادة الخير له حيث إنه لما حلف على

стр. 428

شيء، وكان غيره خيرا منه، نزلت الآية لإرشاده إلى أحسن الأفعال وأفضل الأخلاق، وكان يمكن أن يوجهه النبي ﷺ لذلك، ولكن نزل قرآن يعلمه ويربيه، كما أن له فضلا آخر، أنه أعاد النفقة إلى مسطح، دون إنقاص شيء، لقول عائشة ﵂: (فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه) ، مع أن أبا بكر كان يجد غضاضة في نفسه من تلك النفقة، ولكن ليس عندهم غضاضة في أمر الله ورسوله، امتثلوا حقّا لقول الله: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٥١] . ولم يقل أبو بكر- ولكن- وهي الكلمة التي ابتلينا بها في هذه الأيام. وفيه أيضا وجوب أن يظهر العبد افتقاره إلى الله- وحاجته للمغفرة، فالله يحب ذلك. قال الصديق: «والله إني لأحب أن يغفر الله لي» . ٤- نتلمس في الآية لطيف خطاب القرآن الكريم مع الصحابة، حتى في العتاب والإرشاد، قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: ٢٢] . فجاء الإرشاد الرباني بصيغة الحث والتحريض، ثم ختمت الآية بتبشيرهم برحمة الله ومغفرته إن هم فعلوا ذلك، وهذا أيضا من لطيف الخطاب حيث لم يتوعدهم بالعقوبة إن لم يفعلوا، بل توعدهم بالمغفرة إن فعلوا، والمغفرة هي أعظم ما يبشّر به المسلم، إذ هي تقي تبعات الذنوب، وتضمن سترها يوم القيامة وهي مأخوذة من المغفر الذي يلبسه المحارب، يستر وجهه فيقيه من ضربات الأعداء، فالمغفر يستر ويقي. الدرس التاسع والأربعون: حب الله- للصدقة والإنفاق حيث إنه كافأ صاحبها بالمغفرة والرحمة. الدرس الخمسون: في الحديث منقبة عظيمة لأم المؤمنين زينب بنت جحش ، فبالرغم من أنها كانت تسامي عائشة، في حب الرسول ﷺ وكانت تلك فرصة لها أن تستأثر بالحبيب ﷺ إلا أنها كانت ورعة تقية، لم تتحمل أذنها وبصرها، سماع كلمة تسيء لأم المؤمنين، ولم تجد الغيرة التي تجعل الإنسان أعمى البصر والبصيرة، تجاه من يغار منه إلى قلبها سبيلا، ولكن كما قالت عائشة ﵂: (فعصمها الله بالورع) ، وكفى بالله عاصما. الدرس الحادي والخمسون: بقدر الورع الذي يكون مع المسلم بقدر ما يعصمه الله- من الزلات والسيئات، وإذا أراد المسلم أن يعلم قدر ما عنده من الورع،

стр. 429

فعليه أن ينظر في حاله، في النميمة والغيبة والحسد، والخوض في أعراض الناس، وقول الكذب، وعدم الوفاء بالوعود والعهود، وخيانة الأمانة، وإفشاء الأسرار، وحب الاطلاع على عورات الناس، وأكل أموالهم بالباطل، فإن كان بعيدا عن تلك المعاصي والكبائر، فرح وحمد الله- على ما عنده من الورع، ويسأل الله أن يزيده ورعا، وأما إن كان يجترئ عليها ولا يبالي، بل لا يشعر أنه قد أذنب، ويجد لكل معصية يرتكبها مبررا، فليعلم أنه ليس معه من الورع شيء. هذا ما فتحه الله عليّ من الفوائد والعبر في حديث الإفك، وقد يكون فيه من الدروس والعبر شيء لم أقف عليه، والذي يهمنا ألاتذهب هذه الفوائد أدراج الرياح، وكأن هذه القصة لا تعنينا في شيء، وكأن القرآن الذي نزل فيها قد نسخ، أو أنه نزل فقط في حق الصحابة ﵃، وكيف نضيع هذه العبر والدروس، من حادثة عانى منها النبي ﷺ أشد المعاناة، وربى الله- فيها الأمة أحسن تربية. والله أعلى وأعلم. ١٥- غضبه ﷺ عن أبي مسعود ﵁: أنّ رجلا قال: والله يا رسول الله إنّي لأتأخّر عن صلاة الغداة من أجل فلان، ممّا يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشدّ غضبا منه يومئذ، ثمّ قال: «إنّ منكم منفّرين، فأيّكم ما صلّى بالنّاس فليتجوّز فإنّ فيهم الضّعيف والكبير وذا الحاجة» «١» . وقد أتيت بهذا الباب في الشمائل لفائدة جليلة، وهي إثبات أن النبي ﷺ كان يغضب، ويشتد في الموعظة، ويعلو صوته، ويحمر وجهه أحيانا، وأن الغضب لا يتنافى مع ما عرف منه ﷺ من اللين والرفق في الأمر كله، كما أردت أن أثبت للناس، أن الغضب ليس دائما صفة مذمومة، بالشروط التي سأذكرها- إن شاء الله تعالى-. والشّاهد في هذا الحديث: قول أبي مسعود الأنصاري ﵁: (فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ) .

стр. 430

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- حكمته ﷺ وتتبين من: أ- أنه كان ﷺ يغضب في المواضع التي تستدعي وجود الغضب، لأن الحكمة هي وضع الأمور في نصابها، فمعالجة كل الأمور باللين ليس من الحكمة، بل هو من الضعف المذموم، ومعالجة كل الأمور بالشدة نتيجة الغضب ليس من الحكمة، بل هو من غلظة القلب المذمومة. ب- أن غضبه ﷺ لم يكن كله بنفس القدر، بل يختلف الغضب، وتختلف لهجته ﷺ في الموعظة، على قدر ما حدث من مخالفات شرعية، وهذا أيضا منتهى الحكمة، قال الراوي: (فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ) . ج- من أجلّ مظاهر حكمته ﷺ أن هذا الغضب الذي تملكه أثناء الموعظة، لم يخرجه عن المألوف عنه في حسن التوجيه والإرشاد والعدل في الموعظة، ويتبين ذلك من: أنه ﷺ لم يسمّ من وقع منه التطويل في الصلاة فقال: «أيها الناس» . كما ورد في إحدى روايات البخاري. أنه ﷺ في حال غضبه لم يتهم الناس كلهم بالتنفير، بل قال: «إن منكم منفرين» . وصفة العدل عند الغضب، يحتاج إليها كثير من الناس، فنجد على سبيل المثال، أنه إذا أخطأ أحد الأبناء في البيت، وجدت الرجل يغير من معاملته لكل أهل البيت، حتى زوجته، ويوجه لهم جميعا العتاب واللوم، وهذا يحدث من بعض المدراء، فقد يقوم بمعاقبة الجميع، ويقول مقولة ظالمة: (الحسنة تخص والسيئة تعم) ، وكل هذا مخالف للسنة النبوية. د- أنه ﷺ لم يأمر المشتكي أن يصبر إذا طول الإمام به، مع أن في تطويل الوقوف والركوع والسجود الأجر العظيم، ولا أمره أن يصلي في بيته، بل أمر الإمام ألا يطول، ومظاهر الحكمة في اختيار هذا التوجيه دون غيره: أنه ﷺ وازن بين المفاسد المترتبة على صلاة أحدهم في بيته، وما يضيع عليه من أنواع الأجور المختلفة، وبين مصالح تطويل الإمام في الصلاة، فترجح عنده ﷺ أن عدم تطويل

стр. 431

الإمام هو الأخف ضررا، فالأجر الذي سيضيع على المصلي من عدم حضوره الجماعة أعظم بكثير من الأجر الذي سيفوت من تطويل الصلاة، خاصة إذا أضيف إليها مفسدة هجر المسلم لجماعة المسلمين، كما أن ثواب التطويل لن يفوت المسلم بالكلية، لإمكانية أن يصلي في بيته النوافل ويطيل فيها ما شاء، أما فضيلة حضور الجماعة فستفوت بالكلية إذا صلى المسلم في بيته. أنّ القضية ليست مقصورة على المشتكي، ولكنها ستتكرر في جميع الأزمنة، وسيزيد عدد المرضى وأصحاب الحاجات، وهو المشاهد اليوم، فأمر الإمام بالتخفيف هو الأولى والأنسب. علم النبي ﷺ أن المسلم لن ينتفع بتطويل الإمام، وسيخرج عن خشوعه في الصلاة، إذا كان مريضا أو صاحب حاجة، فليس من الحكمة أن يؤمر بالصبر. ٢- رحمته وشفقته ﷺ بأمته وتتبين من: أ- غضبه كل ذلك الغضب، لسماعه أن إماما يطيل في الصلاة. مع ملاحظة أن الرجل الذي اشتكى، لم يؤكد شرّاح الحديث أن تأخره عن حضور صلاة الجماعة كان للمشقة التي تلحقه من التطويل، بل الرأي القوي في المسألة، والله تعالى أعلم، كما قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: (أن الرجل كان يتشاغل عن المجيء في أول الوقت وثوقا بتطويل الإمام وكأنه يعتمد على تطويل الصلاة فيتشاغل ببعض شغله ثم يتوجه فيصادف أنه تارة يدرك الإمام وتارة لا يدركه) ، ودليله ما ورد في إحدى الروايات: «لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان» «١» . ومع ذلك كان كل هذا الغضب من النبي ﷺ . ب- من مظاهر الرحمة والشفقة، أن النبي ﷺ قد أمر بتخفيف الصلاة لوجود (ذا الحاجة) ، وهو الذي يكون عنده شغل سواء كان ذلك قضاء مصلحة لنفسه أم لأهله، أم يريد الضرب في الأرض للتكسب، وهذا يدل على أن هذا الدين، قد جمع بين المصالح الشرعية والمصالح الدنيوية، وأنه لا يصطدم مع الواقع، ولا يلغي احتياجات الناس، بل العكس، يطلب من الإمام التخفيف في أعظم ركن من أركان الإسلام، ليستطيع كل أحد أن يقضي مصالحه المباحة أيّا كانت، وهذا ينسجم مع قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ

стр. 432

مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] ، فخفف الله عن الأمة بهذه الآية ما افترضه عليهم أول الأمر من قيام الليل. وتخيل أخي القارئ لو أن مأموما، ذهب إلى أحد الأئمة، الذين ليس لهم باع طويل في علم السّنة، وسأله التخفيف في الصلاة؛ لأن عنده شغلا، لقام الإمام يخطب الناس، أنهم قد باعوا دينهم بعرض من الحياة الدنيا، وأن أمر الدين هو آخر ما يشغلهم وغير ذلك من أساليب التوبيخ والتأنيب. ٣- حسن تقسيم النبي ﷺ لأصناف الناس أصحاب الأعذار: فالأول: صاحب العذر المؤقت الطارئ والذي قد يظهر على صاحبه، وهو الضعيف. والثاني: صاحب العذر الملازم له والذي يظهر دائما على صاحبه، وهو الكبير. والثالث: صاحب العذر غير الملازم له والذي لا يظهر على صاحبه، وهو ذو الحاجة. قال ﷺ : «فأيكم صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» ، وهذا من جوامع كلمه ﷺ حيث جمع أمثال كل أصناف الناس بذكر هؤلاء الثلاثة. ولما كان الغالب، ألايخلو جماعة المصلين من وجود أحد أصحاب الأعذار، صدر أمر النبي ﷺ بالتخفيف دائما، ولذلك أقول: إن الشرع دائما يحكم على الأمور بالغالب الأعم وليس بالنادر، ولا يعتد بما يشذ، وهي من الحكم العظيمة لهذا الدين. وأود أن أنبه هنا، ألا يكون هذا الحديث حجة لبعض أئمة المساجد، هداهم الله، للإخلال بركن الطمأنينة بالصلاة، والذي تبطل الصلاة بالإخلال به، فعليهم التمييز بين وجوب الطمأنينة في كل أركان الصلاة، وبين التخفيف الذي أمر به النبي ﷺ . الفائدة الثانية: على ولي الأمر أن يقتدي في كل شئونه، بالأضعف من الناس وأصحاب الحاجات الخاصة، وأن يراعي حالهم ومصلحتهم أولا، ولو كانوا قلة في الأقوياء من الناس؛ لأن النبي ﷺ لما شرع التخفيف في الصلاة، راعى مصلحة الضعفاء دون مصلحة الأقوياء، والذين قد يتلذذون بتطويل الصلاة، ولا يجدون في ذلك أي مشقة، ولكن لما استحال الجمع بين مصلحة الفريقين، قدم ﷺ مصلحة الضعفاء.

стр. 433

١٦- كمال أدبه ﷺ مع الله أ- نسبته الخير إلى الله تعالى دون الشر: قال النبي ﷺ : «لبّيك وسعديك والخير كلّه في يديك والشّرّ ليس إليك» «١» . من حديث طويل عن علي بن أبي طالب ﵁. الشّاهد في الحديث: قوله ﷺ «والخير كلّه في يديك والشّرّ ليس إليك» ، واعتقاد أن الخير كله- كما سيأتي- في يديه، والشر ليس إليه، منتهى الأدب مع الله. ومن فوائد الحديث: الفائدة الأولى: إثبات أن كل أنواع الخير- بلا استثناء- هو في يدي الله- ، وهذا يشمل خيري الدنيا والآخرة، خير المال النافع والولد الصالح والزوجة البارة، كل الخير من عند الله، لقوله ﷺ «والخير كلّه» . الفائدة الثّانية: لفظ «في يديك» يشير إلى أن الله وحده هو صاحب هذا الخير والمتصرف فيه، يعطيه من يشاء وقتما يشاء، ويمنعه من يشاء، لأننا إذا أردنا أن نعبر عن تملكنا لشيء غاية التملك، قلنا: (هو في أيدينا) ، فهو أجمل معنى وأتم فائدة فيما لو قال: (والخير كله عندك) . يتفرع عليه: وجوب أن نتوجه إلى الله، ، بالدعاء والتضرع الدائمين، لنستجلب ما عنده من الخير، وألا نركن لأنفسنا في تحصيل أي خير مهما قلّ، لأن الخير كله، صغيره وكبيره، في يد الله، ولا أقول: عنده، فشتان بين التعبيرين. الفائدة الثّالثة: أما قوله ﷺ «والشّرّ ليس إليك» ، فهو من تمام الأدب النبوي، أنه لم ينسب الشر إلى الله- مع اعتقادنا أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرها، فيكون تأويل الحديث أن الشر المحض لم يخلقه الله- ﵎ فالله قد قدّر الكفر- وإن لم يرضه لعباده-، ولكنه ليس شرّا محضا، لأن به يقوم سوق الجهاد والتضحية في سبيل الله، فيميز الله به الصادقين من عباده عن غيرهم، وكذا جميع الذنوب، ليست شرّا محضا، لأن بها يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة النفس والاستغفار والإنابة، ولولا ها لما ظهر للعباد فضل الله عليهم وامتنانه، ولما كان للجنة ولا

стр. 434

للنار من معنى. ولكن المعاصي تكون شرّا محضا لمن ارتكبها، وأصر عليها فمات والله عليه غضبان، ووقتها لا يكون هذا الشر من الله- لأن الله لا يأمر بالشر ولا يرضى به. وإضافة الخير إلى الله- دون الشر هو أدب رباني علمه الله لنبيه ﷺ قال تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠] ، فأمر الله نبيه ﷺ أن ينسب- الضلالة وهي غير حادثة قطعا- إلى نفسه، وأن ينسب الهداية إلى وحي الله- ، قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله- من الوحي، والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه) «١» . ويتفرع عليه: سوء أدب من يفعل المعاصي، ويبرر ذلك بأن الله قد كتبها عليه، فهو يشابه بقوله هذا قول الكفار حيث احتجوا على كفرهم بمشيئة الله، قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل: ٣] . ب- الخروج من حوله وقوته ﷺ : عن جابر بن عبد الله السلميّ قال: كان رسول الله ﷺ يعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلّها، كما يعلّمهم السّورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمّ ليقل: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللهمّ فإن كنت تعلم هذا الأمر، ثمّ تسمّيه بعينه، خيرا لي في عاجل أمري وآجله» قال: «أو في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسّره لي، ثمّ بارك لي فيه. اللهمّ وإن كنت تعلم أنّه شرّ لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري» - أو قال: «في عاجل أمري، وآجله» - فاصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثمّ رضّني به» «٢» . الشّاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب» .

стр. 435

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- حرصه ﷺ على تعليم الصحابة ما ينفعهم من فرائض العبادات وغيرها، ففي الحديث أنه ﷺ كان يعلمهم القرآن سورة سورة، ويعلمهم أيضا صلاة الاستخارة، ويهتم بتعليمهم إياها كما يهتم بتعليمهم القرآن، وهذا يدل على عظيم حب النبي ﷺ لهذه الأمة وحرصه على إبلاغهم كل ما ينفعهم. ويتفرع عليه: بيان الأهمية البالغة لصلاة الاستخارة، وذلك لحرص الرسول ﷺ على تعليمها لأصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، ومعلوم مدى أهمية القرآن بالنسبة للمسلم، فعلى كل مسلم، الحرص على هذه العبادة وعدم التفريط فيها. فمن الفوائد العظيمة لهذه الاستخارة: أ- أن يتذكر العبد دائما حاجته إلى الله- ، وأن يبقى في صلة دائما بخالقه ومولاه. ب- أن يتعلم المسلم حسن التضرع والتوجه إلى الله- . ج- أن يوطن العبد نفسه على التواضع بين يدي الرب- ﵎ فهو مهما بلغ فقير إلى علم الله وقدرته وفضله، مع إعلان عجزه الكامل. د- أن يرضى العبد دائما بقضاء الله وقدره، وألايتسخط على ما جاء به القضاء، لعلمه أنه من عند الله، وأنه قد اجتهد قبل العمل، بسؤال ربه التوفيق والبركة. ٢- حسن تعبيده ﷺ الناس لرب الناس حيث أمرهم ﷺ وحثهم على الاستخارة في الأمور كلها، ليتيقنوا أنهم مفتقرون إلى الله- في كل أمر، صغير وكبير، عظيم وحقير، وهذا يزرع في قلب المسلم العقيدة الصحيحة، بأن الأمر كله يرجع إلى الله، وأن الله لم يوكل لغيره شيئا من الملك ولو كان أدنى الأمور، ولو أن الله وكل لغيره أي أمر، لعلّمنا النبيّ ﷺ أن نتوجه لهذا الغير بالدعاء في الأمور الموكول بها، فلله الحمد والمنة، أن جعل قبلتنا في الدعاء واحدة، قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود: ١٢٣] ، فأوضحت الآية أن صاحب الأمر كله هو الله- ﵎؛ ولأن الأمر كله بيده لا يشاركه فيه أحد، فيجب على العباد صرف العبادة كلها له، وضربت الآية مثالا لأعظم هذه العبادات التي يجب صرفها إليه- وهي التوكل، والذي يبدأ بالدعاء مع حسن الثقة،

стр. 436

وينتهي بالأخذ بالأسباب المشروعة، وانظر إلى جمال الآية حيث بدأت الآية بقوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهي حيثية أن الأمر كله لله، واختتمت الآية بقوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وهي حث وتطمين لكل من يتوكل عليه أن الله يرعى حاله ويسمع نداءه، وفيها أيضا تخويف وترغيب لمن أساء القول والعمل. ٣- كمال أدبه ﷺ مع ربه ومولاه ، ويتبين ذلك من: أ- طلب العون من الله- ﵎ - لقوله ﷺ : «اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك ... » ، مع ذكر أسباب طلب العون هي قدرة الله وعلمه الواسع مع افتقار العبد لتلك القدرة وذلك العلم، لقوله ﷺ : «فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب» ، ولا يخفى ما في ذلك من حسن الثناء على الله- ﵎ بمقابلة قدرته وعلمه إلى عجزنا وجهلنا. ب- الإقرار بأمور عظيمة وهي: أن علم الله- ﵎ قد وسع كل شيء، فهو يعلم عاقبة كل أمر على حدة، عاقبته إذا حدث، وعاقبته إذا لم يحدث، ويعلم العاقبة في الحالين من جميع النواحي في دين العبد ودنياه، وفي معاشه وآخرته، وهذه العاقبة، يعلمها- ﵎ لكل عبد على حدة، وتختلف العاقبة للعبد الواحد، فالأمر الذي يسعده اليوم لو حدث، قد يشقيه غدا، ولولا إحاطة الله بكل ذلك، ولولا تغير عاقبة كل أمر لكل عبد على حدة، ما كان للاستخارة من فائدة قال ﷺ «فإن كنت تعلم هذا الأمر خيرا لي في عاجل أمري وآجله ... » . أن الله- ﵎ هو الذي يقدّر كل شيء، وأن كل ما يحدث في هذا الكون فبتقديره وعلمه، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩] ، وقال ﷺ في الحديث الذي معنا: «فاقدره لي» . أن تيسير الأمر منه وحده- ﵎، وهو من النعم المكملة لتقدير الخير، لقوله ﷺ : «فاقدره لي ويسره لي» . أن البركة من الله- وهي تأتي بعد تقدير الخير وتيسيره، وهو من تمام نعمة الله على عبده، فقد يعدد الله وييسر سبل الرزق الواسع، ثم لا يكون في الرزق بركة، فيصرفه العبد فيما لا ينفعه في الدنيا والآخرة، فعلى العبد أن يهتم ويحرص على الدعاء بالبركة.

стр. 437

- أن القلوب بيد الله وحده، يرضي من يشاء بما شاء، فقد يتسخط الرجل بالرزق الوفير لأنه يطلب المزيد، وقد يرضى الآخر بما هو أقل لأنه يقنع بالقليل، وإرضاء القلوب لا يقدر عليه إلا الله، ورد في الحديث «ثم رضّني به» . أن الله يحول بين المرء وما يريد ويشتهي لقوله ﷺ واصرفني عنه. ج- تسليم الأمر في النهاية لله- - وترك التقدير له قال ﷺ : «واقدر لي الخير حيث كان» . د- ثقته المطلقة بالله من حيث علم أنه- هو الذي يعلم عاقبة كل أمر، في كل حال، وهو الذي يقدر على التقدير والصرف والتيسير. وفي كل ما ذكر يظهر بجلاء كمال أدب النبي ﷺ مع ربه، من حيث خروجه من حوله وقوته، وإعلانه أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، فهذا إعلان منه ﷺ أنه لا يملك شيئا ولا يعرف ما يضره وما ينفعه وأن التيسير والبركة من الله وحده وهو القادر على أن يختار للعبد ما ينفعه ويجعل الرضا يتملك قلبه. الفائدة الثانية: وهي متفرقات: ١- ثبوت كمال قدرة الله- فهو لازم ما ذكر في الحديث، من تقدير الله لكل شيء وتيسيره للأمور وإحلال البركة أو نزعها وكذا صرف العبد عما يريد ويقصد وجعل الرضى في قلبه، ومن يقدر على إيجاد الرضا، يقدر على نزعه وإحلال نقيضه مكانه. ويخطئ من يقول: (الله يقدر على ما يشاء) ، والصحيح أن يقال: (الله قادر على كل شيء) ، أولا لمطابقته الذي ورد بالقرآن، وثانيا لأنه هو المطابق للواقع فهو سبحانه يقدر على ما يشاء وما لا يشاء. ٢- عظيم أمر الدعاء، كما ذكرت في مواضع كثيرة، لأن الاستخارة ما هي إلا دعاء، وبهذا الدعاء المخصوص يستجلب العبد الخير، ويدفع الشر. ٣- بيان جوامع كلمه ﷺ حيث جمع متعلق الخير والشر للإنسان في ثلاث كلمات وهي: الدين، والمعاش وعاقبة الأمر. وعاقبة الأمر تشمل كل نتائج سعي الإنسان في الدنيا والآخرة. ٤- على المسلم ألايحكم على أي أمر أنه خير أو شر من ظاهر الأمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 438

كان يستخير ويعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما أنه ﷺ وكل العلم ببواطن الأمور من حيث خيرها أو شرها بعلم الله للغيب. ويستثنى من ذلك، أن يكون الأمر مأمورا به العبد شرعا، فنعلم أنه خير يجب فعله، أو منهي عنه شرعا، فنعلم أنه شر يجب تركه، وفي هذين الأمرين، وهما يمثلان دائرة الأمر والنهي لا تشرع الاستخارة أبدا. ٥- يؤخذ من قوله ﷺ : «فاقدره لي» ، ومن قوله: «فاصرفني عنه» ، أن هناك محوا وإثباتا في الكتب التي مع الملائكة، ويكون الأمر بعد الإثبات والمحو موافقا لما هو في اللوح المحفوظ، والذي لا يحدث فيه تغيير أبدا إلى قيام الساعة، وقد بينت ذلك تفصيلا عند التعليق على حادثة الإسراء والمعراج. ٦- يعلمنا الحديث عظيم أمر الصلاة، وشدة قرب العبد من ربه أثناء الصلاة وبعدها، نقل ابن حجر في الفتح عن ابن أبي جمرة قوله: (الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مالا وحالا) «١» . وأقول: لو أن هناك ما هو أعظم قربة إلى الله- من الصلاة لفعلها النبي ﷺ بين يدي دعاء الاستخارة، كما يمكن أن يقال: إنه بقدر ما يكون العبد قريبا من ربه في هذه الصلاة مستشعرا الذلة والمسكنة والتواضع والافتقار إلى ربه، بقدر ما يمكن أن يوفّق في الدعاء، وبقدر ما يكتب الله له الخير في عاقبة أمره، لأن الصلاة كانت بمثابة المقدمة والمفتاح لذلك الدعاء. ج- حسن الثناء على الله- -: عن ابن عبّاس ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ إذا قام من اللّيل يتهجّد قال: «اللهمّ لك الحمد، أنت قيّم السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السّماوات والأرض، ولك الحمد، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ، والجنّة حقّ، والنّار حقّ، والنّبيّون حقّ، ومحمّد ﷺ حقّ، والسّاعة حقّ، اللهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما

стр. 439

قدّمت وما أخرّت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلّا أنت- أو لا إله غيرك-» «١» . الشّاهد في الحديث: كل جملة، بل كل كلمة في الحديث تنضح بحسن ثناء النبي ﷺ على الله جل في علاه، كما سيأتي في الفوائد- إن شاء الله تعالى. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: مظاهر ثناء النبي ﷺ على ربه: ١- إثبات أن الحمد كله لله، والحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال والجمال، وبأفعاله الحميدة الدائرة بين الفضل والعدل، قال الإمام القرطبي في تفسير الفاتحة: (الحمد في كلام العرب: معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا) «٢» . ٢- إثبات أن الله- هو القائم على أمر السماوات والأرض فهو- الذي يحفظهما ويدبر أمرهما ويتولى رعايتهما، بل هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [فاطر: ٤١] . ويحفظ السماوات أن تقع على الأرض قال تعالى وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، كما أن الله قائم على أمر السماوات والأرض، فهو قائم أيضا على أمر من في السماوات والأرض، من أجرام سماوية وكائنات حية وبحار ومحيطات، منها ما نعلمه وكثير منها لا نعلمه. وأقول: إن أجناس هذه الكائنات والمخلوقات لا يمكن حصرها أنواعا فضلا عن حصرها أعدادا، وتدبر أخي القارئ قدرتنا بالنسبة لقدرة الخالق البارئ، فنحن لا نستطيع أن نحصر الكائنات الحية أنواعا أو أعدادا، مجرد حصر فقط، على كوكب واحد وهو الأرض، والله- يحصرها أعدادا أو أصنافا، بل يقدر آجالها وأعمالها وأرزاقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ويرى مكانها ولا يخفى عليه حالها، يسمع كلامها باختلاف لهجاتها، ولا يشغله سبحانه أمر كوكب عن كوكب.

стр. 440

وأضرب مثالا بسيطا ليتصور القارئ سعة خلقه- سبحانه- وكثرة مخلوقاته، ورد في الصحيحين نبأ البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا، قال ﷺ : «فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» «١» فكم هو عدد الملائكة، الذين هم جنس واحد من مخلوقات الله- وكم سعة هذا البيت الذي يستوعب هذا العدد الهائل من جنس عظيم الخلقة كالملائكة، وقس على ذلك بقية الأكوان والمخلوقات. ومن لوازم قيومته- كمال قدرته، وتنزيهه عن أي نقص في ذاته وحياته- مثاله أن الله الذي يقوم بأمر السماوات والأرض لا ينبغي له أن ينام بل ولا تعرض له مقدمات النوم، قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] ، وتدبر الآية كيف ذكرت تنزيهه- عن النوم والسّنة بعد ذكر قيومته. ٣- إثبات أن الله ملك السماوات والأرض ومن فيهن، والملك هو الذي خلق، وهو الذي يربي خلقه على نعمه وآلائه، ومن لوازم ملكه للسماوات والأرض ومن فيهن، أن الأمر كله يرجع إليه، وأن يكون له التصرف المطلق فيهن وبمن فيهن، وألايحدث فيهن شيء إلا بعلمه وإذنه، وأن من لوازمه أيضا أن نتوجه إليه بجميع العبادات صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، فهو الملك . ٤- إثبات أن الله- ﵎ هو نور السماوات والأرض، وهو موافق لقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥] ، قال ابن حجر في الفتح: (أي منوّرها وبك يهتدي من فيها، وقيل: المعنى: أنت المنزه عن كل عيب، يقال: فلان منوّر، أي مبرأ من كل عيب، ويقال: هو اسم مدح تقول: فلان نور البلد أي مزيّنه) «٢» . ٥- إثبات أن الله- ﵎ هو الحق، والحق هو الذي لا يتغير ولا يتبدل، وهو الذي لا يحول ولا يزول، وجاء اللفظ هكذا مطلقا غير مقيد، ليفيد العموم، فهو- حق في ذاته وأسمائه وصفاته وفي أفعاله وكلامه، وهذا أبلغ في الثناء والمدح، وإذا كان الله هو الحق فكل ما ينزل منه حق، وكل ما يعد به حق، ولذلك قال ﷺ بعد قوله «أنت الحق» قال: «ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والنار حق،

стр. 441

والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق» . ٦- ومن مظاهر الثناء أيضا، تقديم الخبر وتأخير المبتدأ في كل جملة، لإفادة التوكيد والحصر، ومثاله «لك ملك السماوات والأرض» ، أي الملك لك وحدك لا لغيرك ولا يشاركك فيه أحد. ومن مظاهر الثناء أيضا، أن النبي ﷺ قد عقّب كل جملة بقوله «ولك الحمد» ليثبت أن كل ما ذكر لله- فهو محل للثناء والحمد. الفائدة الثانية: بيان ما أوتيه النبيّ ﷺ من جوامع الكلم، ويظهر ذلك في تقسيمه ﷺ الثناء على الله- ﵎ إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: القسم الأول: ثناء يتعلق بذات الله العلية، وصفاته البهية، من حيث سعة خلقه وتمام ملكه وعظيم نوره وجمال هديه وكمال قدرته. القسم الثاني: ثناء يتعلق بما وعد الله به وأرسل، فقد وعد باللقاء ورغب فيه بالجنة وتوعد منه بالنار، وأرسل النبيين مبشرين ومنذرين من هذا اللقاء. القسم الثالث: الثناء عليه- ﵎ بما ينبغي أن يفعله العبد تجاهه ، من الإسلام والإيمان والعبادات القولية، كالمخاصمة به والمحاكمة إليه. ثم إن ورود هذه الأقسام بهذا التسلسل المنطقي، يدل على كمال فصاحته ورجاحة عقله ﷺ حيث بدأ بذكر عظيم صفات الله بما يحبّب الخلق في خالقهم- جل وعلا- وهو مفتاح الإيمان وعموده، وهو الذي يجعل العباد يقبلون على خالقهم طوعا وكرها، فإذا آمنوا به وأحبوه، كانوا على استعداد للإيمان بأنبيائه وما جاؤا به من وعد ووعيد ليطمعوا في كرمه ويخافوا من عذابه، فإذا حدث لهم ذلك وجب عليهم إعلان كمال الانقياد والتسليم وصرف كل العبادات الظاهرة والباطنة لله وحده. الفائدة الثّالثة: وجوب تعظيم النبي ﷺ ، قال ابن حجر في الفتح قوله: « (ومحمد ﷺ حق) خصه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانا بالتغاير، بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة، وجرده من ذاته كأنه غيره فوجب عليه الإيمان به وتصديقه مبالغة في إثبات نبوته كما في التشهد» «١» . الفائدة الرّابعة: الحث على كثرة الحمد، وبيان فضله حيث إن النبي ﷺ قد بدأ صلاة الليل بهذا الحمد الجميل، وكان يداوم عليه لقول الراوي: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل

стр. 442

يتهجد قال: «اللهم لك الحمد» . فلو أن هناك ما هو أثقل في الميزان وأحب إلى الله من الحمد لبدأ به، فقد ورد عن أبي مالك الأشعريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن- أو تملأ- ما بين السّماوات والأرض» «١» . الفائدة الخامسة: كمال عبوديته ﷺ لله- حيث ذكر في الحديث: ١- أن كل جوارحه ﷺ قد انقادت وخضعت لله «اللهم لك أسلمت» . ٢- أن قلبه وعقله ﷺ قد ملأه اليقين والتصديق التام بالله «وبك آمنت» . ٣- أن كل أموره قد استعان على قضائها بالله «وعليك توكلت» . ٤- أنه يرجع إلى الله في تدبير أمره كله «وإليك أنبت» . ٥- أن كل مخاصماته مع الغير، قد اعتمد فيها على برهان ربه وما أعطاه من الحجج الدامغات «وبك خاصمت» . ٦- أن الذي يحكم بينه ﷺ وبين أعدائه، هو الله الحكم العدل. ٧- أن كل ما فعله من ذنوب- إن حدثت- في حاضره وآجله وسريرته وعلانيته، فإن الله هو الذي يغفرها ويمحوها. ماذا ترك ﷺ لنفسه؟ لا شيء، قلبه وجوارحه وأمره وخصامه وحكمه لله وبالله. ولذلك كان الله له خير كاف ومعين وناصر. ١٧- شدة حب النبي ﷺ لأمته: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبيّ دعوته، وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة، فهي نائلة- إن شاء الله- من مات من أمّتي لا يشرك بالله شيئا» «٢» . الشّاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» .

стр. 443

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ : ١- عظيم حفاوة الله- بنبيه ﷺ حيث أذن- أن تكون دعوة النبي ﷺ المستجابة شفاعة لكل فرد من أفراد الأمة يموت على التوحيد. ٢- بركة دعوته المستجابة ﷺ فهي بلا شك أكثر بركة من دعوة أي نبي من قبل، حيث إنها ستنال كل فرد من أفراد الأمة، من عصر الصحابة إلى آخر من يموت منها، في وقت يكونون في أشد الحاجة لهذه الدعوة، قال الإمام النووي ﵀: (أخّر ﷺ دعوته في أهم أوقات حاجتهم) . ٣- حبه ﷺ لأمته، وتقديمها على خاصة نفسه وأهل بيته، ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ نقلا عن بعض العلماء كلاما جميلا يوضح فضله ﷺ حيث قال ما نصه: (قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم، وقال ابن الجوزي: هذا من حسن تصرفه ﷺ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ومن كثرة كرمه لأنه آثرا أمته على نفسه ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين) «١» . وقال النووي: (في الحديث بيان كمال شفقته ﷺ على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم) «٢» . تنبيه: في قول الإمام ابن الجوزي: (لأنه جعلها للمذنبين من أمته) نظر؛ فإن المفهوم أن الطائعين ليس لهم حظ في شفاعته ﷺ وليس الأمر كذلك، إذ نص الحديث يدل على أن الشفاعة ستنال كل من مات لا يشرك بالله شيئا، فستكون تلك الشفاعة للطائعين- بإذن الله تعالى برفع درجاتهم. ويتفرع عليه: وجوب امتنان جميع الأمة للنبي ﷺ والعمل على رد جزء من جميله الموفور حيث ببركة دعائه ﷺ لن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد. وأقول أخي القارئ الكريم: هذا شيء يسير من حبّ النبي ﷺ لك وترجمة ذلك الحب إلى عمل تسعد به، فسل نفسك كيف حبّك للنبي ﷺ وهل ترجمت هذا الحب إلى عمل ينفعك

стр. 444

أنت يوم القيامة، وتسعد به نبيك ﷺ . الفائدة الثانية: ليس معنى أن لكل نبي دعوة مستجابة أنها دعوة واحدة فقط وبقية الدعوات لا تستجاب، ولكن المقصود أن لكل نبي دعوة عظيمة لا ترد، وبقية الدعوات يوكل أمرها إلى الله- وليس بلازم أن تستجاب، فالأنبياء قد دعوا لأنفسهم بدعوات كثيرة قد استجيبت، وقد أوردت في هذا الكتاب دعوات للنبي ﷺ وقد استجيبت كلها بفضل الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (قد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ﷺ وظاهر الحديث أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهي على رجاء الإجابة) «١» . الفائدة الثّالثة: من مات من أهل التوحيد لا يشرك بالله شيئا لم يخلد في النار، لما ورد في الحديث: «فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» . قال الإمام النووي ﵀: (فيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر) «٢» . الفائدة الرّابعة: قد يقول قائل: في الحديث دليل على أنه يمكن أن يخلد في النار- من الأمم السابقة من مات على التوحيد- من أصحاب الكبائر مثلا، لأنه لو كان مقررا أن كل من مات على التوحيد لم يخلد في النار ما كان هناك حاجة أن يخبئ النبي ﷺ دعوته المستجابة لأمته يوم القيامة، ولكن يمكن أن يرد على هذا الاحتمال أن أهل التوحيد من أمته ﷺ سيخرجون بفضل شفاعته من النار قبل استيفاء ما توجب عليهم من العذاب، بعكس من مات على التوحيد من الأمم السابقة فإنه قد يعذب بقدر سيئاته ولا يعجل له الخروج من النار. ١٨- حسن معاشرته ﷺ لأزواجه: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان له جار مسلم يقول: «كنّا نتناوب النّزول على النّبيّ ﷺ فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله، وكنّا معشر قريش نغلب النّساء، فلمّا قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم

стр. 445

نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟! فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وإنّ إحداهنّ لتهجره اليوم حتّى اللّيل فأفزعني، فقلت: خابت من فعل منهنّ بعظيم، ثمّ جمعت عليّ ثيابي فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة أتغاضب إحداكنّ رسول الله ﷺ اليوم حتّى اللّيل؟! فقالت: نعم. فقلت خابت وخسرت، أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله ﷺ فتهلكين؟! لا تستكثري على رسول الله ﷺ ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك ولا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحبّ إلى رسول الله ﷺ ، يريد عائشة» «١» . الشاهد في الحديث: قول زوجة عمر ﵂: «فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في حسن معاشرة النبي ﷺ لأزواجه ﵅ ويتبين ذلك من: ١- إذنه ﷺ لأزواجه بمراجعته وعدم كفهن عن ذلك، لأنني أعتقد أنه ﷺ لو نهرهن أو أمرهن بعدم مراجعته لانتهين وما فعلن. ٢- تحمّله ﷺ أن تهجره أي من أمهات المؤمنين طوال اليوم، وهذه أعظم من الأولى، ويدل ذلك على أنه كان ﷺ يعاملهن معاملة الزوج لزوجه، وليس بمعاملة النبي لأتباعه، وإلا ما استطاعت إحداهن مراجعته أو هجرانه ﷺ ، وهذا من كريم خلقه وحسن معاشرته لأزواجه. الفائدة الثانية: تعظيم عمر- ﵁ للنبي ﷺ ، وهو ظاهر جلي في الحديث، ويتبين ذلك من النقاط التالية: ١- الخوف الشديد الذي انتاب عمر لما علم أن أزواج النبي ﷺ يراجعنه في الأمر، بل قد يتعدى الأمر إلى هجره ﷺ طوال اليوم، ويدل على خوف عمر ﵁ قوله في الحديث: «فأفزعني» .

стр. 446

٢- الحكم على من فعلت هذا من أزواج النبي ﷺ بالخيبة والخسران، ولو كانت ابنته، ورد في رواية أخرى عند البخاري: «قد خبت وخسرت» . ٣- حكمه ﵁، بل أقول: اعتقاده، أن من أغضب الرسول ﷺ فقد أغضب الله ومن ثمّ يهلك، ورد في إحدى روايات البخاري: «أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكين» . ٤- مبادرته للذهاب إلى ابنته لمراجعتها في سلوكها مع النبي ﷺ ، ورد في الحديث: «ثم جمعت عليّ ثيابي فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة أتغاضب إحداكن رسول الله ﷺ اليوم حتى الليل؟!» «١» . بل تعدى الأمر إلى إنكار الفاروق ﵁ على أم المؤمنين عائشة ﵂، ورد عند مسلم: (فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟! فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب عليك بعيبتك) . تقصد حفصة ﵂. ٥- تقديمه ﵁ رضى النبي ﷺ على رضى كل أحد، ولو كانت ابنته، ولو وصل الأمر أن إرضاء النبي ﷺ لا يكون إلا بقتل ابنته حفصة، لقتلها وباشر ذلك بنفسه، ورد عند مسلم: (فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها) . ٦- حرصه ﵁ ألايصيب النبيّ ﷺ أدنى إيذاء من جهة ابنته حفصة ﵂، مع حرصه أيضا على نصحها أبلغ نصيحة في كيفية معاملة النبي ﷺ ، حتى تضمن رضاه عنها، فقال لها- كما ورد في رواية البخاري-: (لا تستكثري على رسول الله ﷺ ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك) . وأعتقد أن عمر ﵁ كان يريد من أمهات المؤمنين- ﵅ أن يعاملن النبي ﷺ المعاملة التي تنبغي له كنبي من عند الله، لا معاملة زوج لزوجه، وأكبر دليل على ذلك أنه ربط غضب النبي ﷺ بغضب الله- ومن ثم الهلاك، ورفض مبدأ المراجعة أو الهجر، وقد أطلت في الكلام عن الفاروق ﵁؛ ليعلم القارئ الكريم كيف كان الصحابة- ﵃ جميعا يرون النبي ﷺ في أعينهم، ومهما قلت وحاولت التقريب فحقيقة الأمر أجل وأعظم

стр. 447

من أن ندركها. الفائدة الثالثة: وهي متفرقات: ١- علم الصحابة بفضل عائشة- ﵂، وحب النبي ﷺ لها، ورد عند البخاري قول عمر ﵁ لابنته: (ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ . ٢- حرص الصحابة على تحصيل العلم ومعرفة كل أحوال النبي ﷺ أولا بأول، فإن لم يستطيعوا حضور مجلس النبي ﷺ تناوبوا الحضور، ورد في الحديث: (إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم وغيره، وإذا نزل فعل مثله) . ٣- تعظيم الصحابة للنبي ﷺ ، ودليله من الحديث أن زوجة عمر ﵄ حاجّته بمشروعية مراجعته بأن أزواج النبي ﷺ يراجعنه، وكأنها تريد أن تقول له، الزوجات يراجعن من هو خير منك وهو الرسول ﷺ . ١٩- ملاطفته ﷺ من حوله: أولا: ملاطفته ﷺ زوجاته وإدخال السرور عليهن: المثال الأول: عن عائشة ﵂ قالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان عند رسول الله ﷺ ؟! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما» . فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السّودان بالدّرق «١» والحراب، فإمّا سألت رسول الله ﷺ وإمّا قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم. فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» ، حتّى إذا مللت. قال: «حسبك؟» قلت: نعم. قال: «فاذهبي» «٢» . الشّاهد في الحديث: الشاهد الأول: أن النبي ﷺ دخل على عائشة في يوم عيد، وعندها جاريتان تغنيان، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فلما دخل أبو بكر ﵁ وانتهر الجاريتين، قال له

стр. 448

رسول الله ﷺ : دعهما. والشاهد الثاني: أن النبي ﷺ كان يقيم عائشة ﵂ وراءه تنظر إلى بعض أهل الحبشة وهم يلعبون في المسجد. تنبيه: الحديث يشتمل على واقعتين، واقعة غناء الجاريتين في حجرة عائشة، وواقعة رؤية عائشة لوفد الحبشة وهم يلعبون بالحراب في المسجد، وقد ذكر ابن حجر ﵀ أن بعض الرواة قد جمعوا الواقعتين في حديث واحد، وبعضهم أفردهما في حديثين منفصلين. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- حكمته ﷺ في التعامل مع المرأة صغيرة السن، ولو كانت زوجته، وتتجلى حكمته في علمه بما تحتاجه صغيرة السن فيتلمس رغباتها وما تتشوق نفسها إليه، فلا ينكر عليها حبّها لرؤية وفد الحبشة وهم يلعبون في المسجد، أو حبها لسماع غناء الجارية يوم عيد، بحجة أنها قد تزوجت، وتزوجت بمن؟ بقائد الأمة وقدوتها ﷺ . ونعلم من ذلك: أن تعاليم ديننا الحنيف، لا تصطدم مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، حتى في اللعب واللهو، ورد في إحدى روايات البخاري «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو» «١» ، وهذا والله لأبلغ دليل على كمال وجمال الشريعة، وأنها حقّا من عند الله- ﵎ الذي يعلم حاجات من خلق، قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] . ٢- ملاطفته لزوجاته وحب إدخال السرور عليهن، ويتبين ذلك من: أ- إقراره ﷺ عائشة ﵂ لسماعها غناء الجاريتين، ورد في الحديث: (دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه) ، ثم أمره ﷺ أبا بكر أن يدع الجاريتين تغنيان، بل بلغ اهتمامه بالأمر أن أقبل على أبي بكر بوجهه ليأمره بذلك، ورد في الحديث: فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟! فأقبل عليه رسول الله ﷺ قال: «دعهما» . ب- عرضه ﷺ على عائشة أن تقوم تنظر إلى لعب أهل الحبشة بالدرق والحراب في

стр. 449

المسجد، بل ويقف أمامها يسترها بردائه حتى تقضي هي وطرها، ورد في الحديث: (فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال: «تشتهين تنظرين» ، وورد أيضا: حتى إذا مللت قال: «حسبك؟» أي: أنه ﷺ كان يقف لها طويلا حتى يصل بها الحال إلى الملل، وهو شعور يأتي بعد الإشباع، وفي رواية عند مسلم: (ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف) «١» ، ولا يخفى من هذا الواقعة مدى دلال عائشة على النبي ﷺ . ج- ومن عظيم التلطف أن يقيم النبي ﷺ عائشة وراءه في حال كون خدها على خده، ﷺ قالت عائشة ﵂: (فأقامني وراءه خدي على خده) ، ويظهر في كل ما ذكر، ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع الجم. ٣- رفيع مقام النبي ﷺ ، ودليله ما قاله ابن حجر في [الفتح] : (وأما التفافه ﷺ بثوبه ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك) «٢» . الفائدة الثانية: ما كان عليه الصحابة من تعظيم جانب النبي ﷺ وحبه والأدب معه، يتبين ذلك من: ١- زجر أبي بكر الصديق ﵁ لابنته الحبيبة عائشة ﵂ لإذنها بالغناء في حضرة رسول الله ﷺ . وهذا يدل على كبير حبه للنبي ﷺ وتقديمه على كل أحد، ولو كانت ابنة حديثة السن، قالت عائشة: (فدخل أبو بكر فانتهرني) . ٢- دل كلام أبي بكر ﵁ أن من دواعي غضبه على ابنته أن هذا الغناء والزمر يحدث في بيت رسول الله ﷺ فكأنه ﵁، يحكم بحرمة الغناء واللهو، ولكن اشتدت الحرمة عنده؛ لأنها في بيت النبي ﷺ لذلك أقبل النبي ﷺ بوجهه وأوضح له سبب إقراره لهذا الغناء، وهو أنه يوم عيد، ورد عند البخاري: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» «٣» . ٣- أما الأدب، فانظر إلى قول عائشة ﵂: (فلما غفل غمزتهما فخرجتا) لماذا لم تأمرهما بالخروج بالقول؟ أعتقد أن الغمز كان لحكمة، فقد يكون بسبب حرصها على عدم إزعاج النبي ﷺ لقولها: (فلما غفل) ، وقد يرجع الغمز إلى أن عائشة أرادت أن تتوسط بين زوجها النبي ﷺ وأبيها، فلا تشعر النبي ﷺ أنها هي التي أمرت الجاريتين بالذهاب،

стр. 450

وكيف تفعل ذلك والنبي ﷺ أمر أباها أن يدعهما، كما أرادت أن تراعي إنكار أبيها بوجود الجاريتين في بيت النبي ﷺ فجمعت بين المصلحتين بالغمز. الفائدة الثّالثة: ليس في الحديث حجة على من توسع في أمور الغناء والزمر، بل الواقع أن الحديث حجة عليهم لا لهم، ويتبين ذلك من استعراض النقاط التالية: ١- كانت الجاريتان تغنيان بغناء بعاث، وعند البخاري: (بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث) أي: من الفخر والهجاء، ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، والشاهد هنا أن ما كانت تتغنى به الجاريتان، لم يكن كلاما محرما، ولا حتى مكروها، بل كلام قيل في سياق المدح والذم؛ فلا يقاس ذلك بالكلام الذي يهيج الغرائز ويثير المشاعر ويحث على الرذيلة، فشتان بين الغناءين. ٢- لم يصاحب غناء الجاريتين آلات الموسيقى والعزف، بل كان كل الذي معهما، الدف؛ لقول عائشة ﵂ في رواية مسلم: (تغنيان بدف) ، فيبقى تحريم المعازف هو الأصل، لما ورد عن أبي مالك الأشعريّ: أنه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف» «١» . ٣- الجاريتان لم تكونا محترفتين للغناء، قالت عائشة ﵂ (وليستا بمغنيتين) . قال القرطبي: (أي ليستا ممن يعزف الغناء كما يعزفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عن المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرها من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه) «٢» . وأقول: لولا أن عائشة ﵂ ترى فرقا عندها وعند الناس، بين المغنية وبين الجارية التي كانت تغني عندها، من حيث الخلق والدين وطريقة الغناء، ما تحرزت بقولها: (وليستا بمغنيتين) . ٤- المغنيتان كانتا من الجواري لا من الحرائر، وما يتجوّز في حق الجواري، قد لا يتجوز فيه في حق الحرائر. ٥- هذا الغناء الذي وقع من الجاريتين، على هذا النحو، في التحفظ في الأداء

стр. 451

والكلمات وما يرافقهما من آلة، الأصل فيه التحريم، فالاستثناء هو الطارئ وليس الأصل، ودليله: أ- أن أبا بكر حكم بالأصل لما رأى الجاريتين تغنيان، قالت عائشة ﵂: (فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟!) ولو كان غناء الجاريات هو الأصل ومعروفا عند الصحابة، ما نهر أبو بكر ﵁ ابنته. ب- الدليل على صحة ما قاله أبو بكر ﵁ أن النبي ﷺ لم ينكر عليه حكمه أن هذا الدف من مزامير الشيطان، ولكن صوب ﷺ اعتقاده بأن الغناء لا يجوز مطلقا بقوله ﷺ «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» . ج- لو كان الأصل في الغناء الإباحة مطلقا، ما تنزه النبي ﷺ عن سماعه بل إن من مبالغته في عدم السماع أنه تسجّى بثوبه- أي التف به- وحوّل وجهه، وكأنه غير حاضر لهذا المجلس. وجملة القول: أن الغناء لا يكون- بنص الحديث- إلا في عيد أو ما شابهه من مناسبات كالأعراس، وبالشروط المذكورة، فهل بعد هذا البيان يستطيع أحد أن يكابر فيقول: إن الغناء حلال ليس فيه شيء، ويستدل ظلما بحديث الباب؟! وأقول لمن ابتلي بهذا المرض العضال، وهو حب الغناء والمعازف: إذا لم تستطع الإقلاع عن هذه المعصية، فلا أقل من أن تقر بتحريمها، وتسأل الله- المعافاة منها، فذلك خير لك من أن تجادل في أحكام لله، فتحل حراما أو تحرم حلالا، فتقع في محظور أعظم، وتنسحب هذه النصيحة إلى كل من وقع في معصية لا يستطع الفكاك منها، إياك أن تحل الحرام لوقوعك فيه. الفائدة الرّابعة: الأعياد مناسبة لإدخال الفرحة والسرور على المسلمين، ويباح فيه ما لا يباح في بقية الأيام، كلعب الأولاد في المسجد بالحراب، لقول عائشة ﵂ (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) . ويتفرع عليه خطأ بعض الناس الذين اعتادوا الذهاب إلى القبور أول أيام العيد، فهذا عمل مذموم، لأن الناس يعملونه وينتظمون عليه كأنه سنة بل كأنه من شعائر أول أيام العيد، التي يتقرب بها إلى الله- بالإضافة إلى منافاته حكمة الله من سن الأعياد لأن زيارة القبور تجدد الأحزان والعيد قد شرع ليدخل الفرحة والسرور.

стр. 452

المثال الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية، وإذا كنت عليّ غضبى» ، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: «أما إذا كنت عنّي راضية فإنّك تقولين: لا وربّ محمّد، وإذا كنت عليّ غضبى قلت: لا وربّ إبراهيم» . قالت: قلت: أجل. والله يا رسول الله ما أهجر إلّا اسمك) «١» . وهذا دليل آخر على جميل معاشرة النبي ﷺ لأزواجه ﵅ وحرصه على مداعبتهن وإدخال السرور عليهن. و الشّاهد في الحديث: واضح: وهو قوله ﷺ لعائشة ﵂: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى» . ونذكر سريعا بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: مدى حب الرسول ﷺ لعائشة ﵂ حتى يقسم أحوالها معه (وهو النبي المجتبى) ، إلى حالة رضى وحالة غضب، ولا يستحي ﷺ أن يذكر أن زوجة من زوجاته قد تغضب عليه، وتظهر بكلامها أنها في حالة غضب. الفائدة الثانية: في أم المؤمنين عائشة ﵂: ١- علمها ﵂ بمدى حب النبي ﷺ لها، حتى تتدلل عليه مثل هذا الدلال، ويصل بها الأمر أن تهجر اسمه، أما كانت تخشى أن يغضب ﷺ عليها؟!، بالقطع ما كانت تخشى ذلك، وإلا ما فعلت. ٢- أدبها الجم ﵂ مع النبي ﷺ ويتبين ذلك من: أ- إذا غضبت من النبي ﷺ ما تزيد على أن تقسم برب إبراهيم بدلا من أن تقسم برب محمد ﷺ ولو كانت تفعل في حال الغضب أكثر من ذلك لذكره النبي ﷺ . ب- إخبارها النبيّ ﷺ أنها إذا كانت غضبى منه تقسم برب إبراهيم، فإنها لا تهجر إلا اسمه، أي لا يزيد الأمر بالنسبة إليها إلا هجر لسان ولا يزيد هجر اللسان إلا للاسم فقط، أما عقلها وقلبها وبقية جوارحها فلا تتأثر بهذا الغضب، الحب هو الحب، والإجلال والإكبار لا يتأثران، وأسأل هل هذا يطلق عليه أنه غضب؟ وإذا كان هذا حالها ﵂ في حال الغضب فكيف كان حالها في الرضى؟ أقصد أنها بعد أن أفصحت للنبي ﷺ أنها لا تهجر إلا اسمه في حال الخصام فإنها في المستقبل لن ينفعها مثل هذا الهجر بعد أن

стр. 453

عرف النبي ﷺ الذي يكون في قلبها. ٣- فقهها ﵂ ويتبين ذلك من: أ- أنها إذا كانت في حالة الرضا، وأرادت أن تعظم قسمها ذكرت في القسم رسول الله ﷺ أكرم وأحب الخلق إلى الله- . ب- أنها في حالة عدم الرضى، وأرادت أن تعدل إلى ذكر أحد غير رسول الله ﷺ عدلت إلى إبراهيم ﷺ إما لعلمها أنه خير الأنبياء وخير أولي العزم من الرسل بعد النبي ﷺ أو لأنه الجد الأكبر للنبي ﷺ . وقال ابن حجر ﵁ في الفتح كلاما نفيسا نصه: (وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم ﵇ دون غيره من الأنبياء دليل على فطنتها؛ لأن النبي ﷺ أولى الناس به كما نص عليه القرآن فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة) «١» . تنبيه: الغضب الذي كان يمتلك عائشة ﵂ لم يكن لأمور شرعية، بل هو لأمور حياتية، لأن الغضب لأمور شرعية يقدح في إيمان العبد، وننزه عائشة ﵂ عن ذلك، وهي الفقيهة الورعة. ٣- ما حدث في بيت النبوة الكريم من غضب عائشة ﵂ وهي التي سلم عليها جبريل ﵇ فمن باب أولى لن يخلو بيت من النزاعات والشجار، مما يغضب الرجل والمرأة، ولكن يجب أن يتم النزاع في الحدود الشرعية. ثانيا: ملاطفته ﷺ الخادم: عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيّ الله ﷺ فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: «يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟» قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلّا فعلت كذا وكذا؟ «٢» . الشّاهد في الحديث: قول أنس ﵁: (فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من

стр. 454

ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- حسن خلق النبي ﷺ ؛ لقول أنس ﵁ (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا) ، وقد مرت شواهده كثيرا في الكتاب. ٢- ملاطفته ﷺ للخدم ويتبين ذلك من: أ- إمساكه بقفا أنس بن مالك ﵁ وهذا منتهى التلطف قال أنس: (فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي) . ب- ضحكه ﷺ لأنس في حالة كان من المفترض أن يكون فيها في أشد حالات الغضب، لأن الخادم لم يذهب لقضاء حاجته، ولم يكن يمنعه من الذهاب عارض من مرض أو غيره، ولكن اللعب مع الصبيان في السوق، قال أنس: (فنظرت إليه وهو يضحك) . ج- نداؤه ﷺ لأنس بالتصغير لإدخال السرور عليه، ولضمان عدم ترويعه قال أنس: فقال: «يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟» . وتدبر أخي القارئ: كل هذا التلطف من النبي ﷺ قد حدث مع عدم توجيه أي كلمة عتاب أو توبيخ أو نصح بألا يفعل ذلك مرة أخرى، ولم يقل النبي ﷺ : أضربه هذه المرة، حتى لا يكررها، أو أحرمه من الطعام حتى يعتبر مستقبلا، أكانت هذه الملاطفة من النبي ﷺ عن ضعف أو عجز، كلا والله، بل عن قلب رؤف رحيم. ٣- مراعاة النبي ﷺ للحاجات النفسية للغلام الصغير، فهو أحوج ما يكون إلى اللعب مع أقرانه، ولو على حساب تخلّفه عما كلف به من عمل، فهو يحتاج إلى اللعب ولو كان أجيرا خادما، كما يحتاج عند تعليمه إلى الملاطفة والبشاشة في وجهه، يفعل النبي ﷺ هذا مع خادمه، وأحدنا والله لا يستطيع أن يفعله مع أولاده الذين هم من صلبه، وعليكم أيها المسلمون اتباع السنة النبوية حتى مع أولادكم، في حال جدهم ولعبهم، لأننا مسئولون عن ذلك لا محالة، ولا يسعنا اتباع السنة في أمور ومخالفتها في أمور، والحذار الحذار أن يقول أحدنا: هم أولادي وأنا حر فيهم، فأقول: لا لست حرّا، سيسألك الله، ﵎ عنهم، هل طبقت فيهم السنة، فالحرية لفظ وشعار لا يعرفه المسلمون، فالمسلمون عبيد عند خالقهم ورازقهم، والعبد مملوك وليس حرّا، ونحن نفتخر بذلك، بل وندعو ليل

стр. 455

نهار، أن يتقبلنا الله عنده عبيدا، لا أن نمن عليه بعبوديتنا، قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الحجرات: ١٧] . وللتتمة أقول: للعبد المسلم حيز من الحرية، وهو نطاق المباح شرعا. ٤- حسن معاشرة النبي ﷺ لخادمه، ولو استمرت تلك المعاشرة عقدا كاملا من الزمان، وكانت من علامات حسن المعاشرة: أ- عدم توجيه أدنى كلمات الضجر وهي كلمة أف لأنس، ورد في إحدى روايات البخاري: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أف) «١» . ب- ترك معاتبته بالكلية، فلم يصدر من النبي ﷺ أدنى معاتبة على المفعول أو المتروك، قال أنس: (ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته هلّا فعلت كذا وكذا) «٢» . وعند البخاري: (فما قال لي أف ولا «لم صنعت» ولا «ألا صنعت» ) «٣» . وأسأل من كان عنده خادم، ألم يفعل أنس ما يستوجب العقاب، ولو مرة واحدة، طيلة عقد من الزمان؟ كلا والله لقد فعل، ودليله حديث الباب، وفيه أنه لعب مع أقرانه وتأخر عن قضاء حاجة رسول الله ﷺ . هذه الأولى. أما الثانية فإنه لو لم يقصر، ما كان هناك وجه لتوجه أنس بالثناء على النبي ﷺ في الحديث الذي معنا، ولكان هو- أي أنس- الأولى بالثناء، لعدم تقصيره في عمله، اسمع أول ما بدأ به أنس حديثه (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا) . فشتان ما بيننا وبين سنة المصطفى ﷺ والتي ندعي كلّنا التمسك بها، فأحدنا لا يستطيع أن يمر عليه يوم واحد دون توجيه كلمة لوم أو عتاب لخادمه، بل يحب من قلبه أن يقول للخادم على كل شيء فعله: «لم فعلت» ؛ لرؤيته أن كل ما يقوم به الخادم خطأ، أو لشعوره أن هذا اللوم والعتاب من مستلزمات الظهور على الخادم، والأدهى والأمرّ أن يبخل كثير من المخدومين بتوجيه كلمة شكر وثناء للخادم، بحجة أن ذلك يجعله يقصر في عمله، حتى نشعره دائما بالتقصير والإهمال. وأقول: إذا كان هذا هو مسلك النبي ﷺ مع خادمه، فكيف كان سلوكه مع زوجاته-

стр. 456

رضي الله عنهن-. ٥- جميل عفو النبي ﷺ وتسامحه في كل ما يخصه، مع عدم غضبه وانتقامه لنفسه أبدا، وتركه اللوم والعتاب ولو كان الذي أمامه خادم، وفي مقابل ذلك غضبه الشديد والإنكار العظيم إذا انتهكت حرمة من حرمات الله- ولو كان أمرا يسيرا في نظرنا، وهذا جانب عظيم في أخلاقه ﷺ فكيف يجمع بشر مهما أوتي من حكمة وصبر، بين عدم الغضب إذا كان الأمر خاصا بنفسه، ولو كان أمرا عظيما، وبين شدة الغضب، إذا تعلق الأمر بحرمات الله، ولو كان أمرا يسيرا، إنها النبوة ونعمت. الفائدة الثانية: ما يجب أن يكون عليه الخادم من كتمان سر مخدومه؛ لأن أنسا لم يحك لنا طبيعة الحاجة التي أرسله إليها النبي ﷺ بل ورد عند البخاري أنه ما كان يفشي أسرار النبي ﷺ لأقرب الناس إليه، وهي أمه فعن أنس بن مالك قال: (أسرّ إليّ النّبيّ ﷺ سرّا، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أمّ سليم فما أخبرتها به) «١» ، وكتمان السر من الأمانة التي يجب أن يتمتع بها الخادم. وفيه أيضا ما يجب أن يكون عليه الخدم من الثناء على مخدومه بما هو أهله، وأن يقر بمعروفه الجميل، وألا يقابل طيب خلق المخدوم بعصيان أوامره، قال أنس: (نعم أنا ذاهب يا رسول الله) . ثالثا: ملاطفته ﷺ أصحابه: عن ابن عمر ﵄ قال: (كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: «أخبروني بشجرة تشبه، أو كالرّجل المسلم لا يتحاتّ ورقها، ولا تؤتي أكلها كلّ حين» . قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنّها النّخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلّمان، فكرهت أن أتكلّم، فلمّا لم يقولوا شيئا. قال رسول الله ﷺ : «هي النّخلة» . فلمّا قمنا. قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنّها النّخلة. فقال: ما منعك أن تكلّم؟ قال: لم أركم تكلّمون، فكرهت أن أتكلّم، أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا) «٢» . الشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ كان يلقي على مسامع أصحابه بعض المسائل التي تتطلب إعمال الفكر والعقل، وهذا من باب الملاطفة، وكذا زيادة العلم.

стр. 457

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: حسن تعليم النبي ﷺ أصحابه حيث ألقى عليهم المعلومة المراد تعليمهم إياها، عل هيئة لغز، ليجعل المتعلم يفكر ويتأمل ويعمل عقله، لمعرفة الحل، فإذا عجز عن الإجابة، كان أشد اشتياقا لمعرفة الجواب، فيكون ذلك أدعى لحفظ اللغز وما اشتمل عليه من أقيسة وتشبيهات، وهذا يحقق فائدة اكتساب العلم على أفضل وجه، بالإضافة إلى دفع الملل عن المتعلم، الذي قد يحدث إذا كانت كل أساليب التعلم على وتيرة واحدة، مع ما يحققه هذا الأسلوب من إدخال السرور والبهجة في نفوس السامعين. ويتضح من ذلك خطأ أسلوب التلقي البحت الذي ينتهجه بعض الشيوخ، ﵏، لأنه يصنع من طالب العلم آلة صماء، كل هدفه أن يحفظ ما يلقى عليه من المسائل، دون إعمال للعقل. الفائدة الثانية: عظيم بركة المسلم، وما يجب أن يكون عليه من نفع له ولغيره، في حياته وبعد مماته، والعجيب أن النبي ﷺ قد شبه النخلة بالمؤمن ولم يشبه المؤمن بالنخلة، وكأن المؤمن هو الأكمل في نفعه وبركته، والنخلة أقل منه نفعا، وقد وصف ابن حجر في الفتح النخلة بأوصاف جميلة حيث قال ما نصه: (وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته) «١» . أعلمت أخي القارئ، بعد هذا الوصف الجميل للنخلة، مقدار المسلم في ميزان الشرع، فعليك أن تقارن نفسك بأوصاف النخلة، لتعلم أين أنت في ميزان الشرع. الفائدة الثّالثة: ما ينبغي أن يكون عليه المسلم الأصغر سنا مع الأكبر منه سنا، من أدب واحترام وعدم الإكثار من الكلام، إذا لم يترتب على عدم الكلام كتمان علم أو تفويت مصلحة أو هضم حق، وحتى إذا بدت مصلحة وتكلم الصغير يجب عليه أن يراعي آداب الحديث المعروفة، فهذا ابن عمر ﵄ قد سمع المسألة التي ألقاها النبي ﷺ وقد ألقاها على مسامع كل الحاضرين، ولم يخص بها الكبير دون الصغير، وقد علمها ابن عمر، وكان هناك مصلحة أن يجاوب الرسول ﷺ ليظهر فضله ويقر عين الرسول ﷺ بما عليه أبناء الصحابة من علم وفكر، إلا أنه مع كل ذلك، آثر السكوت، كراهية التكلم في حالة سكوت أبي بكر

стр. 458

وعمر- ﵃ فهلا علمنا أولادنا هذا الأدب الرفيع من آداب المجالس والحديث، أم تركناهم يتجادلون ويتخاصمون بل ويحتدون في الكلام معنا، قال ابن عمر: (ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) . الفائدة الرّابعة: حرص الآباء على إظهار فضل أولادهم، خاصة في مجالس العلم وبحضرة أهل الفضل، وأن يكون ذلك أحب عند الأب من الدنيا وما فيها، قال عمر لابنه ﵄: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا) . الفائدة الخامسة: التفاوت بين أهل العلم في ملكة الاستنباط والفهم، وقد مر ذلك مبسوطا في موقع آخر من الكتاب، ودليله من حديث الباب، أن ابن عمر فهم مراد الرسول ﷺ من المثل المضروب، بينما استشكل حله على بقية الصحابة الحاضرين، مع أن فيهم من هو أعلم كأبي بكر وعمر ﵃ جميعا. ٢٠- همته ﷺ : أولا: همته العالية في حفظ التنزيل: عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، قال: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، وكان ممّا يحرّك شفتيه، فقال ابن عبّاس: فأنا أحرّكهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحرّكهما، وقال سعيد: أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما، فحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه. قال: فاستمع له، وأنصت، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ثمّ إنّ علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النّبيّ ﷺ وسلّم كما قرأه) «١» . الشّاهد في الحديث: قول ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل وكان مما يحرك شفتيه) . والحكمة من تحريك الشفتين، خوفه ﷺ أن ينفلت منه شيء من القرآن. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: همة النبي ﷺ العالية في حفظ القرآن، وذلك أنه كان يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن الذي ينزل به جبريل ﵇ مخافة أن ينسى منه شيئا بعد انقضاء قراءة جبريل ﵇ بالرغم أن تحريك الشفتين فيه مشقة بالغة عليه ﷺ لقول ابن عباس رضي الله

стр. 459

عنهما: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه) ، وأعتقد أن هذه الشدة التي كان يعانيها ليست من مجرد تحريك الشفتين، بل مما كان يشعر به من خوف واضطراب من تفلت القرآن، بالإضافة إلى استجماع كل قوته الذهنية لتحصيل الحفظ من أول سماع للآيات، فمن الطبيعي حدوث مثل هذه المشقة ووجه بيان همته العالية هنا، أنه ﷺ حمل نفسه عملا فيه مشقة بالغة، مع أن الله- لم يكلفه به. الفائدة الثانية: عناية الله- بنبيه الكريم ﷺ ، وتتبين مظاهر هذا الاعتناء في: ١- رؤية المولى- لكل أحواله ﷺ وهي رؤية خاصة، أي رؤية عناية لا رؤية إحاطة، ودليله أن الله- إذا رأى منه تحريك اللسان والشفتين، فمن باب أولى قد رأى ما هو أكثر من ذلك وأعظم. ٢- إنزال المولى- قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يثبت للنبي ﷺ تلك المعالجة، والعجيب أن الآية الكريمة لا تثبت المشكلة- وهي استعجال النبي ﷺ حفظ القرآن- وحلها فحسب، بل تثبت قيام النبي ﷺ بتحريك لسانه، ولولا علو شأنه ﷺ عند ربه، ما ذكرت الآية أقل الأمور- في نظرنا-، وهو تحريك اللسان. ٣- إرادة المولى- رفع تلك المشقة عن نبيه ﷺ قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ فلم يأمره- أن يحفظ القرآن بعد انصراف جبريل ﵇ بل وعده أن يجمعه له في صدره ويقرأه كما قرأ جبريل ﵇ دون أدنى كلفة أو معاناة من النبي ﷺ ، يقول ابن عباس ﵄: (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذ آتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ كما قرأه) . يتفرع على ذلك: عظيم عناية المولى- بالقرآن العظيم حيث تكفل بحفظه في صدر النبي ﷺ ولم يوكل هذا الحفظ لمخلوق سواء من البشر أو من الملائكة لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فالجمع في الصدر من الله، أو في أقل تقدير بأمر الله- أما قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ ، أي تلوناه، فالتلاوة قطعا من جبريل ﵇ وإن كان نسب القراءة إليه سبحانه، وذلك لبيان أنه سبحانه هو الآمر بها. وبذلك ضمن الله- لهذه الأمة عدم وجود أي اختلاف بين القرآن الذي في اللوح المحفوظ، وبين ما جمع في صدر النبي ﷺ فالذي نزل به من اللوح المحفوظ، هو

стр. 460

جبريل ﵇ الذي لا يضيّع ما استحفظ عليه، لأمانته وقوته، والذي جمعه في صدر النبي ﷺ هو الله القادر على كل شيء، وتدبر قول ابن عباس، ﵄: (فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه) ، فقوله: (كما قرأه) ، يفيد المثلية في كل شيء، من لفظ وإعراب ووقف ووصل، ولبيان قدرة الله- ننبه القارئ الكريم أن بعض سور القرآن الكريم كانت تنزل دفعة واحدة. كما يتفرع عليه: أن من زعم أن شيئا من القرآن- مهما قلّ- تفلت من صدر النبي ﷺ بالكلية فقد كذّب بظاهر القرآن، لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، وقلت: (بالكلية) تحرزا مما وقع منه ﷺ من نسيان آية أثناء صلاته. الفائدة الثّالثة: كذب من ادعى من بعض الفرق أن النبي ﷺ كان يعلم القرآن ويحفظه، قبل أن ينزل به جبريل ﵇ ويروون في ذلك حديثا منكرا، ملخصه أن النبي ﷺ طلب من جبريل أن يستأذن ربه بكشف الستار في حال تلقيه القرآن، فلما أذن الله لجبريل بكشف الستار رأى النبي ﷺ هو الذي يلقنه القرآن، فنزل جبريل إلى الأرض، فسأله النبي ﷺ وهو يضحك: «ماذا وجدت يا جبريل؟ فقال جبريل: يا رسول الله منك وإليك» ، وقد سمعت هذا الكلام السمج يقال في المساجد وعلى المنابر في خطب الجمعة، في إحدى البلاد الإسلامية، فأين عقول الناس التي تصدق مثل هذه السخافات، الواضح فيها الكذب على الله ورسوله وأعظم ملائكته. وكل حجة المبطلين في هذا الكذب، أن النبي ﷺ كان يحرك شفتيه بالقرآن ففسروا ذلك أنه كان يحفظه عن ظهر قلب قبل تلقيه من جبريل، وغضوا الطرف عما جاء في القرآن وبقية الحديث الشريف، وتفسير حبر الأمة لهذا الحديث. وأقول لهؤلاء: اتقوا الله فيمن تدّعون حبّه، وإياكم والكذب عليه، فإن الكذب عليه ﷺ ليس كالكذب على غيره، ويكفي قبحا لأفعالكم وأقوالكم أن الرسول ﷺ سيردكم عن حوضه، لما يعلم ما بدلتم، بل سيكون خصمكم يوم القيامة، فضلا عما هو أعظم من ذلك، وهو غضب الرب- ﵎ فعليكم بظاهر الكتاب الكريم وصحيح السنة الشريفة وفهم الصحابة لها، ففيها العصمة من كل شبهة، ودعوا الخرافات والخزعبلات التي تشوه هذا الدين الحنيف. الفائدة الرّابعة: حرص الصحابة والتابعين على نقل العلم، ونقل كل صورة توضحه، ما أمكنهم ذلك، ودليله من الحديث قول ابن عباس ﵄: (فأنا أحركهما لكم كما كان
следующие страницы →