← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

رضي الله عنهن-. ٥- جميل عفو النبي ﷺ وتسامحه في كل ما يخصه، مع عدم غضبه وانتقامه لنفسه أبدا، وتركه اللوم والعتاب ولو كان الذي أمامه خادم، وفي مقابل ذلك غضبه الشديد والإنكار العظيم إذا انتهكت حرمة من حرمات الله- ولو كان أمرا يسيرا في نظرنا، وهذا جانب عظيم في أخلاقه ﷺ فكيف يجمع بشر مهما أوتي من حكمة وصبر، بين عدم الغضب إذا كان الأمر خاصا بنفسه، ولو كان أمرا عظيما، وبين شدة الغضب، إذا تعلق الأمر بحرمات الله، ولو كان أمرا يسيرا، إنها النبوة ونعمت. الفائدة الثانية: ما يجب أن يكون عليه الخادم من كتمان سر مخدومه؛ لأن أنسا لم يحك لنا طبيعة الحاجة التي أرسله إليها النبي ﷺ بل ورد عند البخاري أنه ما كان يفشي أسرار النبي ﷺ لأقرب الناس إليه، وهي أمه فعن أنس بن مالك قال: (أسرّ إليّ النّبيّ ﷺ سرّا، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أمّ سليم فما أخبرتها به) «١» ، وكتمان السر من الأمانة التي يجب أن يتمتع بها الخادم. وفيه أيضا ما يجب أن يكون عليه الخدم من الثناء على مخدومه بما هو أهله، وأن يقر بمعروفه الجميل، وألا يقابل طيب خلق المخدوم بعصيان أوامره، قال أنس: (نعم أنا ذاهب يا رسول الله) . ثالثا: ملاطفته ﷺ أصحابه: عن ابن عمر ﵄ قال: (كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: «أخبروني بشجرة تشبه، أو كالرّجل المسلم لا يتحاتّ ورقها، ولا تؤتي أكلها كلّ حين» . قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنّها النّخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلّمان، فكرهت أن أتكلّم، فلمّا لم يقولوا شيئا. قال رسول الله ﷺ : «هي النّخلة» . فلمّا قمنا. قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنّها النّخلة. فقال: ما منعك أن تكلّم؟ قال: لم أركم تكلّمون، فكرهت أن أتكلّم، أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا) «٢» . الشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ كان يلقي على مسامع أصحابه بعض المسائل التي تتطلب إعمال الفكر والعقل، وهذا من باب الملاطفة، وكذا زيادة العلم.

стр. 457

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: حسن تعليم النبي ﷺ أصحابه حيث ألقى عليهم المعلومة المراد تعليمهم إياها، عل هيئة لغز، ليجعل المتعلم يفكر ويتأمل ويعمل عقله، لمعرفة الحل، فإذا عجز عن الإجابة، كان أشد اشتياقا لمعرفة الجواب، فيكون ذلك أدعى لحفظ اللغز وما اشتمل عليه من أقيسة وتشبيهات، وهذا يحقق فائدة اكتساب العلم على أفضل وجه، بالإضافة إلى دفع الملل عن المتعلم، الذي قد يحدث إذا كانت كل أساليب التعلم على وتيرة واحدة، مع ما يحققه هذا الأسلوب من إدخال السرور والبهجة في نفوس السامعين. ويتضح من ذلك خطأ أسلوب التلقي البحت الذي ينتهجه بعض الشيوخ، ﵏، لأنه يصنع من طالب العلم آلة صماء، كل هدفه أن يحفظ ما يلقى عليه من المسائل، دون إعمال للعقل. الفائدة الثانية: عظيم بركة المسلم، وما يجب أن يكون عليه من نفع له ولغيره، في حياته وبعد مماته، والعجيب أن النبي ﷺ قد شبه النخلة بالمؤمن ولم يشبه المؤمن بالنخلة، وكأن المؤمن هو الأكمل في نفعه وبركته، والنخلة أقل منه نفعا، وقد وصف ابن حجر في الفتح النخلة بأوصاف جميلة حيث قال ما نصه: (وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته) «١» . أعلمت أخي القارئ، بعد هذا الوصف الجميل للنخلة، مقدار المسلم في ميزان الشرع، فعليك أن تقارن نفسك بأوصاف النخلة، لتعلم أين أنت في ميزان الشرع. الفائدة الثّالثة: ما ينبغي أن يكون عليه المسلم الأصغر سنا مع الأكبر منه سنا، من أدب واحترام وعدم الإكثار من الكلام، إذا لم يترتب على عدم الكلام كتمان علم أو تفويت مصلحة أو هضم حق، وحتى إذا بدت مصلحة وتكلم الصغير يجب عليه أن يراعي آداب الحديث المعروفة، فهذا ابن عمر ﵄ قد سمع المسألة التي ألقاها النبي ﷺ وقد ألقاها على مسامع كل الحاضرين، ولم يخص بها الكبير دون الصغير، وقد علمها ابن عمر، وكان هناك مصلحة أن يجاوب الرسول ﷺ ليظهر فضله ويقر عين الرسول ﷺ بما عليه أبناء الصحابة من علم وفكر، إلا أنه مع كل ذلك، آثر السكوت، كراهية التكلم في حالة سكوت أبي بكر

стр. 458

وعمر- ﵃ فهلا علمنا أولادنا هذا الأدب الرفيع من آداب المجالس والحديث، أم تركناهم يتجادلون ويتخاصمون بل ويحتدون في الكلام معنا، قال ابن عمر: (ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) . الفائدة الرّابعة: حرص الآباء على إظهار فضل أولادهم، خاصة في مجالس العلم وبحضرة أهل الفضل، وأن يكون ذلك أحب عند الأب من الدنيا وما فيها، قال عمر لابنه ﵄: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا) . الفائدة الخامسة: التفاوت بين أهل العلم في ملكة الاستنباط والفهم، وقد مر ذلك مبسوطا في موقع آخر من الكتاب، ودليله من حديث الباب، أن ابن عمر فهم مراد الرسول ﷺ من المثل المضروب، بينما استشكل حله على بقية الصحابة الحاضرين، مع أن فيهم من هو أعلم كأبي بكر وعمر ﵃ جميعا. ٢٠- همته ﷺ : أولا: همته العالية في حفظ التنزيل: عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، قال: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، وكان ممّا يحرّك شفتيه، فقال ابن عبّاس: فأنا أحرّكهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحرّكهما، وقال سعيد: أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما، فحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه. قال: فاستمع له، وأنصت، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ثمّ إنّ علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النّبيّ ﷺ وسلّم كما قرأه) «١» . الشّاهد في الحديث: قول ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل وكان مما يحرك شفتيه) . والحكمة من تحريك الشفتين، خوفه ﷺ أن ينفلت منه شيء من القرآن. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: همة النبي ﷺ العالية في حفظ القرآن، وذلك أنه كان يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن الذي ينزل به جبريل ﵇ مخافة أن ينسى منه شيئا بعد انقضاء قراءة جبريل ﵇ بالرغم أن تحريك الشفتين فيه مشقة بالغة عليه ﷺ لقول ابن عباس رضي الله

стр. 459

عنهما: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه) ، وأعتقد أن هذه الشدة التي كان يعانيها ليست من مجرد تحريك الشفتين، بل مما كان يشعر به من خوف واضطراب من تفلت القرآن، بالإضافة إلى استجماع كل قوته الذهنية لتحصيل الحفظ من أول سماع للآيات، فمن الطبيعي حدوث مثل هذه المشقة ووجه بيان همته العالية هنا، أنه ﷺ حمل نفسه عملا فيه مشقة بالغة، مع أن الله- لم يكلفه به. الفائدة الثانية: عناية الله- بنبيه الكريم ﷺ ، وتتبين مظاهر هذا الاعتناء في: ١- رؤية المولى- لكل أحواله ﷺ وهي رؤية خاصة، أي رؤية عناية لا رؤية إحاطة، ودليله أن الله- إذا رأى منه تحريك اللسان والشفتين، فمن باب أولى قد رأى ما هو أكثر من ذلك وأعظم. ٢- إنزال المولى- قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يثبت للنبي ﷺ تلك المعالجة، والعجيب أن الآية الكريمة لا تثبت المشكلة- وهي استعجال النبي ﷺ حفظ القرآن- وحلها فحسب، بل تثبت قيام النبي ﷺ بتحريك لسانه، ولولا علو شأنه ﷺ عند ربه، ما ذكرت الآية أقل الأمور- في نظرنا-، وهو تحريك اللسان. ٣- إرادة المولى- رفع تلك المشقة عن نبيه ﷺ قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ فلم يأمره- أن يحفظ القرآن بعد انصراف جبريل ﵇ بل وعده أن يجمعه له في صدره ويقرأه كما قرأ جبريل ﵇ دون أدنى كلفة أو معاناة من النبي ﷺ ، يقول ابن عباس ﵄: (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذ آتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ كما قرأه) . يتفرع على ذلك: عظيم عناية المولى- بالقرآن العظيم حيث تكفل بحفظه في صدر النبي ﷺ ولم يوكل هذا الحفظ لمخلوق سواء من البشر أو من الملائكة لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فالجمع في الصدر من الله، أو في أقل تقدير بأمر الله- أما قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ ، أي تلوناه، فالتلاوة قطعا من جبريل ﵇ وإن كان نسب القراءة إليه سبحانه، وذلك لبيان أنه سبحانه هو الآمر بها. وبذلك ضمن الله- لهذه الأمة عدم وجود أي اختلاف بين القرآن الذي في اللوح المحفوظ، وبين ما جمع في صدر النبي ﷺ فالذي نزل به من اللوح المحفوظ، هو

стр. 460

جبريل ﵇ الذي لا يضيّع ما استحفظ عليه، لأمانته وقوته، والذي جمعه في صدر النبي ﷺ هو الله القادر على كل شيء، وتدبر قول ابن عباس، ﵄: (فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه) ، فقوله: (كما قرأه) ، يفيد المثلية في كل شيء، من لفظ وإعراب ووقف ووصل، ولبيان قدرة الله- ننبه القارئ الكريم أن بعض سور القرآن الكريم كانت تنزل دفعة واحدة. كما يتفرع عليه: أن من زعم أن شيئا من القرآن- مهما قلّ- تفلت من صدر النبي ﷺ بالكلية فقد كذّب بظاهر القرآن، لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، وقلت: (بالكلية) تحرزا مما وقع منه ﷺ من نسيان آية أثناء صلاته. الفائدة الثّالثة: كذب من ادعى من بعض الفرق أن النبي ﷺ كان يعلم القرآن ويحفظه، قبل أن ينزل به جبريل ﵇ ويروون في ذلك حديثا منكرا، ملخصه أن النبي ﷺ طلب من جبريل أن يستأذن ربه بكشف الستار في حال تلقيه القرآن، فلما أذن الله لجبريل بكشف الستار رأى النبي ﷺ هو الذي يلقنه القرآن، فنزل جبريل إلى الأرض، فسأله النبي ﷺ وهو يضحك: «ماذا وجدت يا جبريل؟ فقال جبريل: يا رسول الله منك وإليك» ، وقد سمعت هذا الكلام السمج يقال في المساجد وعلى المنابر في خطب الجمعة، في إحدى البلاد الإسلامية، فأين عقول الناس التي تصدق مثل هذه السخافات، الواضح فيها الكذب على الله ورسوله وأعظم ملائكته. وكل حجة المبطلين في هذا الكذب، أن النبي ﷺ كان يحرك شفتيه بالقرآن ففسروا ذلك أنه كان يحفظه عن ظهر قلب قبل تلقيه من جبريل، وغضوا الطرف عما جاء في القرآن وبقية الحديث الشريف، وتفسير حبر الأمة لهذا الحديث. وأقول لهؤلاء: اتقوا الله فيمن تدّعون حبّه، وإياكم والكذب عليه، فإن الكذب عليه ﷺ ليس كالكذب على غيره، ويكفي قبحا لأفعالكم وأقوالكم أن الرسول ﷺ سيردكم عن حوضه، لما يعلم ما بدلتم، بل سيكون خصمكم يوم القيامة، فضلا عما هو أعظم من ذلك، وهو غضب الرب- ﵎ فعليكم بظاهر الكتاب الكريم وصحيح السنة الشريفة وفهم الصحابة لها، ففيها العصمة من كل شبهة، ودعوا الخرافات والخزعبلات التي تشوه هذا الدين الحنيف. الفائدة الرّابعة: حرص الصحابة والتابعين على نقل العلم، ونقل كل صورة توضحه، ما أمكنهم ذلك، ودليله من الحديث قول ابن عباس ﵄: (فأنا أحركهما لكم كما كان

стр. 461

رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما) . فالحاصل: أن أحد الصحابة بلغ ابن عباس كيف كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، لأن هذه الحادثة كانت بمكة قطعا، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولما حكى ابن عباس ذلك للتابعين، ومنهم سعيد بن جبير، حرك شفتيه بيانا لما كان يفعله النبي ﷺ ولما حكى سعيد هذا الحديث لمن بعده، حرك لهم شفتيه كما رأى ابن عباس يحركهما، وهذا من أبلغ الأدلة على حفظ الصحابة ﵃ للسنة النبوية وأدائها على الوجه الأكمل والأتم، وكذا التابعين وتابعيهم. ثانيا: همته ﷺ العالية في العبادة: عن حذيفة ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة. فافتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المئة، ثمّ مضى. فقلت: يصلّي بها في ركعة، فمضى. فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح (النّساء) فقرأها، ثمّ افتتح (آل عمران) فقرأها يقرأ مترسّلا، إذا مرّ باية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، ثمّ ركع، فجعل يقول: «سبحان ربّي العظيم» ، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثمّ قال: «سمع الله لمن حمده» ، ثمّ قام طويلا قريبا ممّا ركع، ثمّ سجد. فقال: «سبحان ربّي الأعلى» ، فكان سجوده قريبا من قيامه «١» . الشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ صلى ركعة واحدة من صلاة الليل بسورة البقرة وسورة النساء وسورة آل عمران، قرأ بهم مترسلا. الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- همته ﷺ العالية في العبادة حيث صلى ركعة واحدة من صلاة الليل، بثلاث سور طوال [البقرة/ آل عمران/ النساء] ، ولا يخفى على أحد طول الوقت الذي تستغرقه تلك السور الطويلة، خاصة إذا أضيف إلى تلك القراءة الطويلة جدّا الأمور التالية: أ- كون القراءة بتمهل وترتيل، وليست حدرا. ب- الوقوف عند كل آية وعمل ما يناسبها، فإذا كانت الآية تحث على التسبيح أو تأمر به سبح، وإذا كان فيها ذكر للجنة أو نعم الله تعرض لتلك النعم بالسؤال، أما إذا كان فيها ذكر لعذاب الله تعوذ وسأل الله العافية والسلامة. ج- تطويل الركوع والرفع منه والسجود جدّا، حتى تتناسب تلك الأركان مع طول القيام.

стр. 462

كل هذا التطويل، ولم يجلس النبي ﷺ في هذه الصلاة، لأنه لو جلس لأخبرنا راوي الحديث، حذيفة ﵁. ٢- قراءته ﷺ القرآن بخشوع وتدبر للمعاني، أما الخشوع، فدليله: (يقرأ مترسلا) ، وأما تدبر المعاني (إذا مر باية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ) . يتفرع على ذلك: قلة نفع الصلاة التي يقرأ فيها الإمام بسرعة (دون تدبر وخشوع) وكذا تكون كل حركات الصلاة من ركوع ورفع وسجود، ويكون كل همّ الإمام أن يختم القرآن في صلاة التراويح خلال شهر رمضان المبارك، ولو أنه تأنى وصلى ولو بنصف القرآن أو ربعه في الشهر، بتدبر وخشوع وطمأنينة، كما كان يفعل رسول الله ﷺ ، لكان متبعا للهدي والسنة ومحصلا للخير والبركة، فليس الشأن كثرة القراءة، ولكن الشأن خشوع القلب وتدبر الآيات، وكثرة التسبيح، واستحضار عظمة المولى- أثناء الصلاة والقرب منه، والحكم على تحصيل هذه الأمور، ألا ترى أنه يستوي إيماننا قبل دخول الصلاة وبعد الخروج منها؟. ويتفرع على ذلك أيضا، خطأ بل سوء أدب، من يحب أن يستمع للقرآن كحبه للاستماع إلى الطرب، بتمايل عند سماعه من حسن صوت القارئ، وينشغل عن تدبر القرآن بعبارات المدح والاستحسان لصوت القارئ، فأين هو من سنة النبي ﷺ في تدبر القرآن، وينطبق هذا الكلام على من يكون كل همه في رمضان أن يذهب ليصلي خلف الأئمة المعروفين بحسن أصواتهم، دون الاهتمام بأي أمر آخر، كاتباع الإمام للسنة أو خشوعه في الصلاة والاطمئنان فيها. الفائدة الثانية: وهي متفرقات في حديث الباب: ١- جواز أن يشق الإنسان على نفسه في العبادة، ولو أضر بدنه، شريطة ألايدخل على الإنسان الملل، أو تأخذه سنة أو نوم أثناء الصلاة، لما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النّبيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين السّاريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلّقت. فقال النّبيّ ﷺ : «لا، حلّوه؛ ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» «١» .

стр. 463

وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي، فليرقد حتّى يذهب عنه النّوم، فإنّ أحدكم إذا صلّى وهو ناعس لا يدري لعلّه يستغفر فيسبّ نفسه» «١» . ٢- جواز قطع القراءة بالتسبيح والسؤال والاستعاذة، وإذا جاز ذلك في الصلاة، فيجوز من باب أولى خارجها. ٣- جواز تطويل القيام بعد الرفع من الركوع لقول حذيفة: (ثم قام طويلا قريبا مما ركع) . ٤- جواز أن يحدث الإنسان نفسه في الصلاة، لقول حذيفة: (فقلت يصلي بها ركعة فمضى فقلت يركع بها) ، والمراد بالقول هنا حديث النفس، لأن القول في الصلاة يبطلها إجماعا، وترك حديث النفس في الصلاة أولى، لأنه أدعى للخشوع والتدبر. ٥- جواز أن يجتهد المسلم في العبادة أمام الغير، إذا كان هذا دأبه وأمن على نفسه الفتنة والرياء، وإلا فالإسرار بها أولى، فالنبي ﷺ طول جدّا في الصلاة في حضرة حذيفة ﵁. ٦- مشروعية أن يذكر الإنسان أسماء سور القرآن، بدون ذكر لفظ (سورة) لقول حذيفة ﵁: (فافتتح البقرة) ، وقوله: (ثم افتتح النساء) فلا يشترط أن نقول: (سورة البقرة) . ٧- جواز عدم التقيد بترتيب سور القرآن عند القراءة، لأن النبي ﷺ قرأ بالنساء ثم آل عمران، وهما في ترتيب المصحف الذي بين أيدينا، آل عمران ثم النساء ولا يعتبر ذلك من التنكيس. وبالمناسبة فإني أعتقد خطأ من يقول: إن ترتيب السور في القرآن ليس توقيفيّا، وإنما كان باجتهاد الصحابة، والدليل على ذلك أن المتأمل في ترتيب السور على النحو الموجود في المصحف الآن يجد فيه إعجاز كبيرا. ٨- جواز أن يطيل الإمام جدّا في الصلاة، إذا أمن عدم تضرر المأمومين، خاصة في صلاة الليل. ٩- جواز أن يحدّث المسلم الناس، بما فعل من عبادات حسنة، شريطة أن يكون بغرض تعليم الناس السنة، وأن يأمن المتحدث الرياء على نفسه، وإن لم يكن هناك مصلحة

стр. 464

شرعية فعدم التحدث أولى. - لم تكن همة النبي ﷺ عالية فقط في قيام الليل، ولكن كانت كذلك في كل أنواع العبادات، ولنأخذ أمثلة سريعة لتلك الهمة العالية لنتأسى بها ونقتفي أثرها فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ . أ- همته العالية في حضوره صلاة الجماعة: روى البخاري عن عمرو بن أميّة: (أنّه رأى رسول الله ﷺ يحتزّ من كتف شاة، فدعي إلى الصّلاة، فألقى السّكّين، فصلّى ولم يتوضّأ) «١» . و الشّاهد في الحديث: أنه لم يتم أكلته، ولكن فور سماعه الداعي، ألقى السكين وذهب إلى الصلاة، وما أخره أكل الذراع التي يحبها عن صلاة الجماعة، فحبه ﷺ للصلاة كان أكبر وأعظم. وعن عائشة قالت: (لمّا ثقل النّبيّ ﷺ واشتدّ به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي فأذنّ له، فخرج النّبيّ ﷺ بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين عبّاس ورجل آخر) «٢» . والشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ ومع وجعه الشديد الذي كان يعاني منه في مرضه الذي توفي فيه، تحامل على نفسه بمشقة بالغة، لحضور صلاة الجماعة، تقول عائشة ﵂: (فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض) ، أي ما كان يستطيع ﷺ أن يقيم صلبه، ولو بمساعدة رجلين، وما استحى، وهو الذي عرفه أصحابه بالقوة الجسمانية، أن يراه أحد على هذه الصورة، مع أنه ﷺ قد أعذر المريض في حضور صلاة الجماعة مع حصوله على الأجر الكامل، ولكنه ﷺ ألزم نفسه العزيمة. ب- همته العالية في صيام رمضان: روى مسلم عن أبي الدّرداء ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة) «٣» . فبالرغم أن النبي ﷺ كان مسافرا، ويجوز

стр. 465

للمسافر إذا كان سفره في رمضان أن يفطر ويقضي، وكان الجو شديد الحرارة، لم يحتمل الصحابة حره مع إفطارهم، يقول الراوي: (حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر) ، إلا أنه ﷺ كان صائما، ولم يكن صائما معه إلا عبد الله بن رواحة ﵁ ومما يؤكد أن صوم هذا اليوم كان فيه مشقة بالغة، أن الصحابة ما استطاعوا أن يصوموه مع حبهم الشديد لموافقة النبي ﷺ في كل أفعاله وكراهيتهم الشديدة لمخالفته، خاصة في أمر كالصيام. ج- همته العالية في إحياء العشر الأخيرة من رمضان: عن عائشة ﵂ قالت: (كان النّبيّ ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) «١» . كان ﷺ يخص العشر الأخيرة بالاعتكاف الذي فيه اعتزال النساء، وإحياء الليل كله، ويحث ﷺ أهله على صلاة الليل، والحاصل أن النبي ﷺ كان يجتهد في العبادة العشر الأخيرة من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها، وذلك التماسا لليلة القدر. د- همته العالية في استدراك ما فاته من العبادات: عن عائشة ﵂: (أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصّلاة من اللّيل من وجع أو غيره صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة) «٢» . فمع أن صلاة الليل قد فاتت النبي ﷺ لعذر شرعي، كوجع أو غيره، إلا أنه لم يعذر نفسه ﷺ فكان يصلي في نهار اليوم التالي اثنتي عشرة ركعة كاملة، وهو ما اعتاده ﷺ من صلاة الليل، وما كان يفعل ذلك إلا ليدرك ما فاته من الخير، ويبذل كل ما في وسعه لاسترضاء الرب ﵎. وأحب أن ألفت نظر القارئ أن ما ذكرته في هذا الباب ما هو إلا أمثلة على همته العالية ﷺ وإلا فإن همته ﷺ كانت عالية في كل أمر من الأمور التي يحبها الله- ، كالزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم وعيادة المريض وغيره.

стр. 466

٢١- وفاؤه ﷺ : أولا: وفاؤه ﷺ لأنبياء الله: عن أبي هريرة ﵁: أنه قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله من أكرم النّاس؟ قال: «أتقاهم» . فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فيوسف نبيّ الله، ابن نبيّ الله، ابن نبيّ الله، ابن خليل الله» . قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «١» . الشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ لما سئل عن أكرم الناس فقال: «يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: أولا: وفاؤه بثنائه على الأنبياء: أ- ثناؤه على يوسف ﵇ حيث إنه لما سئل عن أكرم الناس، ذكر يوسف ﵇ من حيث كونه نبيّا ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فهو يوسف بن إسحاق بن يعقوب ابن إبراهيم، عليهم جميعا الصلاة والسلام. ويتفرع عليه: أن نبي الله يوسف ﵇ هو أفضل الناس على الإطلاق نسبا، من حيث اجتمع له شرف الأب والجد وجد الجد، ولو اجتمع لأحد غيره مثل هذا الشرف لذكره النبي ﷺ خاصة أنه ذكر لفظ (أكرم) بصيغة أفعل التفضيل. وفي الحديث أيضا إثبات نبوة يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم- عليهم جميعا الصلاة والسلام.. ب- ثناؤه ﷺ على النبي الكريم، إبراهيم ﵊ حيث أثبت له الخلة، بقوله «ابن خليل الله» ، وقد ثبتت هذه الخلة له في كتاب الله العزيز بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) [النساء: ١٢٥] . ويؤخذ منه عظيم قدر إبراهيم، ﵊ حيث إنه اتصف بصفة، وهي الخلة، لم يشاركه فيها أحد إلا نبينا محمد ﷺ ، وقد ذكرت من قبل أن إبراهيم، ﵊ هو النبي الوحيد الذي تتنازع فيه كل أمة لإثبات انتسابها إليه، ولقد رد الله عليهم

стр. 467

بقوله: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) [آل عمران: ٦٧] وبذلك تكون الأمة الوحيدة الآن المنتسبة بحق إلى إبراهيم ﵇ هي أمة الإسلام، قال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] . ٢- طهارة ونقاء قلبه ﷺ وأنه ليس فيه أدنى أدنى حقد ولا حسد ولا غل، لإخوانه من الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، ودليله أنه كان ﷺ يكثر من ذكرهم، ويعدد محاسنهم وماثرهم ليحبب الناس فيهم، بل ويمدحهم بما يظن السامع أنهم جميعا أفضل منه مكانة وأشد قربا إلى الله، فهو ﷺ يقول عن يوسف: إنه أكرم الناس كما في حديث الباب، من حيث شرف النسب، وسيأتي- إن شاء الله- فائدة مستقلة لبعض نماذج الثناء على الأنبياء، فلم يكن ﷺ ينظر إلى الأنبياء على أنهم منافسون له عند ربه أو عند الناس، بل المتتبع لسيرته العطرة ﷺ يتأكد أنه كان يريد أن يجعل الناس يتعبدون إلى الله- بحب الأنبياء وتعظيم شأنهم، وكان ينظر إلى الأنبياء جميعا بما فيهم هو ﷺ بالعقد الواحد والبناء الجميل الذي لا يكمل جماله إلا باكتمال جميع لبناته، واللبنة لا يمكن أن تقوم بمفردها، بل هي في أشد الحاجة إلى غيرها ليشد عقدها ويقوي دعامتها. وهذا من أعظم دلائل نبوته ﷺ وأكبر دليل على أن الله- قد نزع من قلبه حظ الشيطان، وأن قلبه قد غسل قبل وبعد البعثة، ليكون قلبا طاهرا زكيا، مبرآ من كل ما يعيب المرء من الأدناس والأنجاس بل فيما هو أقل من ذلك بكثير، فإذا كنا نثني على من طهّر قلبه من الحسد والغل، فماذا نقول عمن حرص كل الحرص أن يحبب الناس في غيره ويظهرهم أنهم أفضل منه، والصحيح أنه ﷺ الأفضل منهم منزلة، وهذا الإيضاح وتلك الفائدة هما المقصود الأول من إيراد هذا الباب. ٣- ارتباط علمه ﷺ بايات الذكر الحكيم حيث إنه لما سئل عن أكرم الناس ذكر ﷺ أن أكرم الناس هو أتقاهم، مصداقا لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: من الآية ١٣] ، كما أنه ﷺ لما ذكر أكرم الناس من حيث المعدن اشترط تحصيل الفقه، وهو العلم في الدين، حتى يكون العبد من أكرم الناس منزلة، قال ﷺ «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «١» ، يصدقه قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: من الآية ١١] .

стр. 468

وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] ، فقد قرن الله شهادته وشهادة ملائكته، بشهادة أولي العلم، يدل ذلك على أنهم أعدل الناس وأكرمهم عند الله. وقد ذكر ابن حجر في الفتح أن المقصود بخيار الناس في الجاهلية هو من اتصف بالخصال المحمودة من ملائمة الطبع، وأن الشرف في الإسلام يكون بالخصال المحمودة شرعا. ويتفرع على ذلك: علمنا بعظيم قدر التفقه في الدين حيث اشترط النبي ﷺ وجوده فيمن اتصف بالخصال المحمودة ليكون من أكمل الناس، وإذا كان صاحب الفقه في الدين محمودا، فإن صاحب الجهل في الدين مذموم، خاصة إذا كان عنده قدرة من ناحية العقل والوقت، على تحصيل العلم الشرعي ثم تقاعس أو انشغل عنه بما هو أدنى منه. ٣- فصاحته ورجاحة عقله ﷺ في تقسيم الناس: حيث إن الصحابة لما سألوه عن أكرم الناس، وكان سؤالا واسعا، يحتمل عدة معان، قسّم هو الناس، وبنى تقسيمه ﷺ على ثلاثة أمور، بدأ فيها بالأعظم، ثم الأهم، ثم المهم، فلما كانت تقوى الله والخوف منه هي أعظم الأمور- لأنها الباعث لكل خير، والرادع عن كل شر- بدأ ﷺ بها دون غيرها، وقد تحققت ثلاث حكم بالبدء بالتقوى وهي: أ- إثبات أن الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، هم أكرم الناس على الإطلاق ولا ينازعهم في ذلك أحد، لأنهم أتقى الناس لله- ولو بدأ بيوسف مثلا لضاعت تلك الحكمة. ب- إثبات أن ما يكتسبه الإنسان مقدم على ما لا دخل له فيه، والذي هو منحة خالصة من الله- لذلك قدم ﷺ التقوى على شرف النسب، وهذا منتهى العدل الرباني. ج- إثبات ما أثبته القرآن، أن أعظم مظاهر التفاضل بين الناس إنما يكون بتقوى الله، وقد مر قريبا. ثم ثنى النبي ﷺ بالنسب الشريف الطاهر، والذي هو منحة خالصة من الله- ﵎ وهي للنبي يوسف ﵇، ثم اختتم بعموم الناس الذين لهم فضل في الجاهلية باتباع العادات المحمودة وفضل في الإسلام باتباع المأمور شرعا مع الفقه في الدين.

стр. 469

قال ابن حجر: (الجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال الصالحة، والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح) «١» . كما أن من جوامع كلمه ﷺ أن شبّه أصول الناس بالمعادن، قال ابن حجر، في الفتح، (شبههم بالمعادن لكونهم أوعية الشرف كما أن المعادن أوعية للجواهر) «٢» . الفائدة الثانية: أصّل النبيّ ﷺ قاعدة عظيمة في التفاخر بالنسب، وهو أن يكون النسب المتفاخر به نسبا صالحا، فالصلاح هو المعتبر الوحيد للنسب السليل الذي يتشرف الإنسان بذكره، وغيره ليس محلّا للذكر ولا التفاخر حيث إنه ﷺ لما ذكر أن يوسف هو أكرم الناس ذكر الحيثية وهي أنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فعلم أن مبعث إكرام الله- ليوسف ﵇ هو اختصاصه بالنسب الصالح ولو كان هناك أساس آخر للتفاضل بين أنساب الناس لعلّمه لنا النبي ﷺ . ويتفرع عليه: خطأ من يتفاخر بالنسب غير الصالح، ولو كان نسبا ينظر إليه الناس أنه شريف، لمال أصحابه أو مناصبهم أو قوة نفوذهم أو قربهم للحكام، فكل ذلك غير معتبر شرعا. الفائدة الثّالثة: وأختم بها الباب، وهي ذكر بعض الأحاديث التي تذكر جميل ثناء النبي ﷺ على إخوانه من الأنبياء ووفائه لهم، مع ذكر شيء يسير من الفوائد عقب كل حديث حتى لا يطول المقال. ١- وفاؤه لأخيه سليمان، فعن أبي الدّرداء قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة الله، ثلاثا» وبسط يده كأنّه يتناول شيئا، فلمّا فرغ من الصّلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصّلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك! قال: «إنّ عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرّات، ثمّ قلت: ألعنك بلعنة الله التّامّة، فلم يستأخر، ثلاث مرّات، ثمّ أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة» «٣» . وفي الحديث: أ- أن النبي ﷺ كان يود أن يوثق الشيطان الذي تفلت عليه (أي تعرض له في صلاته) في إحدى سواري المسجد ليلعب به الولدان، بعد أن مكنه الله- تعالى- منه

стр. 470

حيث قال: «والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة» ، ولكنه ﷺ لم يفعل، تحقيقا لرغبة أخيه سليمان ﵇ بأن يكون له ملك لا ينافسه فيه أحد من العالمين بعده، قال تعالى، ذاكرا دعوة سليمان ﵇ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) [ص: ٣٥] . مع أن النبي ﷺ لو ربط الشيطان، لأضيف هذا إلى شمائله، معجزة عظيمة وهي تسخير الجن، ولكنه ﷺ آثر أخيه سليمان على نفسه. ب- أن الله- قد أجاب دعوة النبي سليمان، ﵊، في منحه ملكا لا يكون مثله لغيره، ودليل أن الدعوة قد استجيبت، أن النبي ﷺ لم يرض أن يكون له مثل ما كان لسليمان من تسخير الجن، وما كان ذلك إلا لعلمه ﷺ أن سليمان ما زال يتفرد بمثل هذا الملك، وإلا ما امتنع النبي ﷺ أن يشاركه فيه. ج- شجاعته وثباته ﷺ حيث لم يتحرك من مكانه، لما جاءه إبليس بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وما زاد عن قوله: «أعوذ بالله منك» ، وقوله: «ألعنك بلعنة الله التامة» ، قالها ثلاث مرات، كما أن فيه حسن ثقته بالله- وأنه كافيه، ولن يمكّن الشيطان من إيذائه أو التسلط عليه، ولولا ثقته بالله، ما استعاذ ﷺ به. ٢- حسن ثنائه ﷺ على أخيه إبراهيم ﵊، فقد روى مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البريّة، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك إبراهيم ﵇» «١» . وهذا من عظيم تواضعه ﷺ مع ما فيه من حسن الوفاء والثناء، قال النووي: (قال العلماء: قال ﷺ هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم ﵇ لخلته وأبوّته، وإلا فنبينا ﷺ أفضل؛ لقوله: «أنا سيد ولد آدم» ، ولم يقصد به الافتخار، ولا التطاول على من تقدمه بل قاله بيانا لما أمر ببيانه وتبليغه ولهذا قال ﷺ : «ولا فخر» . لينفي ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة، وقيل: يحتمل أنه ﷺ قال: إبراهيم خير البرية قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وقيل: إنه أراد خير البرية في عصره، ولكنه ﷺ أطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع) «٢» .

стр. 471

٣- كما أثنى ﷺ على أخيه داود ﵇ أبلغ الثناء حيث أثبت أن صلاة وقيام داود كانت هي الأحب إلى الله- روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال له: «أحبّ الصّلاة إلى الله صلاة داود ﵇ وأحبّ الصّيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوما» «١» . وموطن الثناء أن النبي ﷺ قد بين أن أحدا لا يستطيع أن يتقرب إلى الله بصلاة أو صيام أفضل صورة مما كان يتقرب به نبي الله داود ﵇ أما موطن تواضعه ﷺ في الحديث، فهو أنه حكم على نفسه أنه إذا أراد أن يتقرب إلى الله- بأفضل الصيام والقيام، فعليه أن يقتدي بأخيه داود ﵇ أفضل الناس قياما وصياما، فلو فرض أن رجلا صام الدهر كله فلم يفطر يوما، إلا لعذر شرعي، ما عبد الله بالأفضل من صيام داود ﵇. فائدة: أعتقد أن النبي ﷺ ما صام صيام داود ﵇ وهو صيام يوم وإفطار يوم، مع أنه أتقى الخلق إلى الله- حتى لا يشق على أمته ويحرجهم وحتى لا يجعلها سنة فيهم، كصيام الاثنين والخميس، ولكنه ﷺ علّمنا كيف نحوز أجر صيام الدهر كله، روى مسلم في صحيحه، عن أبي أيّوب الأنصاري ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثمّ أتبعه ستّا من شوّال كان كصيام الدّهر» «٢» . الفائدة الرّابعة: يجب أن نتعلم أن نثني على كل من هو أهل للثناء والذكر الحسن، ولو كان ينافسنا في شيء (دين أو دنيا) وأن نوطن أنفسنا على هذا الخلق النبوي الرفيع، وأن نعاند قلوبنا وعقولنا إذا وجدنا فيهما غضاضة من ذلك، فإن لم نستطع فلنعلم أن في قلوبنا شيئا، وعندئذ فلا أقل من ألانذمهم ونغمزهم ونلمزهم، وهذا أضعف الإيمان. وأختم فأقول: هذا طرف من ثناء النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام-، وغيره كثير. ثانيا: وفاؤه ﷺ لأزواجه عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النّبيّ ﷺ ما غرت على خديجة،

стр. 472

وما رأيتها، ولكن كان النّبيّ ﷺ يكثر ذكرها، وربّما ذبح الشّاة ثمّ يقطّعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربّما قلت له: كأنّه لم يكن في الدّنيا امرأة إلّا خديجة. فيقول: «إنّها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» «١» . وفي رواية قالت: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: «اللهمّ هالة» ، قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشّدقين «٢» هلكت في الدّهر قد أبدلك الله خيرا منها) «٣» . الشّاهد في الحديث: قول عائشة ﵂ (ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- عظيم وفائه ﷺ لخديجة ﵂ ومن مظاهر هذا الوفاء: أ- كثرة ذكرها، لقول عائشة ﵂: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها) . ويتضح من قول عائشة ﵂ أن من أكثر أسباب غيرتها من خديجة ﵂ هي كثرة ذكر النبي ﷺ لها، وهي أرادت أن تبين ذلك بقولها: (وما رأيتها) . فأقول: كل تلك الغيرة وما رأتها فما بالنا لو رأتها كيف يكون حالها؟ وأتعجب أن تكون كل تلك الغيرة من زوجة قد ماتت! وكان من المفترض أن تغار عائشة ﵂ من امرأة حية تساميها عند النبي ﷺ مثل زينب بنت جحش مثلا، وهذا يدل قطعا على قدر حب النبي ﷺ لخديجة ﵂. ونستدل من شدة غيرة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ما تكلم أبدا عن خديجة ﵂ في

стр. 473

كل حياته بكلمة سوء واحدة، بل من المؤكد أنه ما كان يذكرها إلا بأفضل ما فيها، ولولا ذلك ما كانت كل تلك الغيرة من عائشة ﵂ ودليله من الحديث، قول النبي ﷺ «إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد» . ويتفرع عليه: أن من أبلغ مظاهر حب الإنسان لغيره، هو التحدث عنه وعن أفضاله وماثره، فعلى كل مسلم أن ينظر هل يحب ذكر الله ورسوله، وهل يفرح إذا ذكر الله ورسوله في مجلسه، وهل يغضب إذا ذكر هما أحد بسوء، فعلى قدر فرحه في الأولى، وغضبه في الثانية، يكون الحب. ب- قيامه ﷺ بذبح الشاة وتقطيع أعضائها ثم توزيعها في صدائق خديجة ﵂ بعد، ولا يخفى ما في ذلك من حسن الوفاء، لما فيه من التكلف في تقطيع أعضاء الشاة، وإرسال رسول إلى بيوت الصاحبات مع ندرة أن يكون للرسول ﷺ شاة يطعمها أهل بيته. ويتفرع عليه: جوده ﷺ وشاهده في الحديث أنه ما كان يبقي من الشاة شيئا، لقول عائشة ﵂: (ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها) ولولا إرسال جميع الشاة، لقالت: (ثم يبعث منها) . ج- فرحه وسروره ﷺ عندما تزوره هالة بنت خويلد، أخت خديجة ﵂ ورد في رواية مسلم: (فارتاع لذلك) ، أي هشّ لمجيئها، مع ظهور علامات الفرح على وجهه، فمن شدة حبه ﷺ لخديجة، أنه كان يحب ما يذكّره بها، وكان يقول من شدة فرحه: «اللهم هالة» أي: يا رب اجعل المستأذن في الدخول تكون «هالة» . قال الإمام النووي ﵀ في شرح مسلم: (وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته وإكرام أهل ذلك الصاحب) «١» . هذا الوفاء من النبي ﷺ لخديجة ﵂ كان كله بعد وفاتها، ولكن أهم مظاهر الوفاء، كان في حال حياتها، وهو أنه ﷺ لم يتزوج معها في حياتها امرأة أخرى، وهي منقبة عظيمة لها ﵂، وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن القرطبي قوله: (ومما كافأ النبي ﷺ به خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها، فروى مسلم عن عائشة قالت: (لم يتزوج

стр. 474

النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت) «١» . وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظيم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها وكانت مدة حياتها معه منفردة توازي ضعفي ما عاشت معه بقية الزوجات مجتمعات، لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاما انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فقد صان قلبها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، انتهى كلامه «٢» . ٢- حكمته ﷺ ويتبين ذلك من معايير تفضيله لزوجاته، فلم يكن أساس تفضيله ﷺ للوضاءة وصغر السن وعدم سابقة الزواج، وقد تجمعت كل تلك الصفات على أكمل وجه لعائشة ﵂ ومع ذلك فضّل عليها زوجة قد توفيت، وهي خديجة ﵂ وأسباب تفضيلها لا تخفى على أحد، فمن تلك الأسباب، سبقها للإسلام بلا منازع، ولا أقول: إنها أول من آمنت بالنبي ﷺ على الإطلاق فحسب، بل أقول: إنها أول من سمعت منه خبر الوحي، فكانت ﵂ الوحيدة التي شاركته ﷺ صعوبة هذا الموقف، بل وحلاوته أيضا عندما أكد ورقة بن نوفل أن محمدا ﷺ هو نبي هذه الأمة، وقد ذكرت ذلك تفصيلا في باب: (تزكية خلقه ﷺ . كما أن من أسباب تفضيلها ﵂ مواساتها للنبي ﷺ بمالها ورأيها ومكانتها، فقد كانت ﵂ غنية ذات حكمة ورأي مع نسبها وحسبها، وإذا كان كثير من الصحابة قد شاركها في هذه الأعمال، إلا أن الأمر لا يستوي، لأن خديجة ﵂ قد فعلت ذلك في وقت عزّ فيه الصاحب والنصير، فقد كان النبي ﷺ أحوج ما يكون لمن يؤنسه ويصدقه ويصبّره، بل من يدخل عليه السرور بإنجاب الأولاد. ٣- فراسته ﷺ حيث كان يعرف حضور هالة بنت خويلد، من مجرد مشابهة استئذانها لاستئذان خديجة ﵂. ٤- براءة ساحته ﷺ مما ينسب إليه كذبا وبهتانا، أنه أكثر من الزواج لأجل الشهوة والمتعة. أقول: وإن كان حب معاشرة النساء في الحلال ليس بحرام، ولكننا لا نثبته له ﷺ إلا

стр. 475

بدليل من كتاب أو سنة، تعظيما لحقه علينا ﷺ وإجلالا وإكبارا أن نقول في حقه ما لا نعلم، سواء بكلمة مدح أو ذم، لأن كلمة المدح في حقه ﷺ ينبني عليها حكم في شرع الله، وأحكام الشرع لا تثبت إلا بدليل. وأورد بعض الأدلة تبرأ ساحته ﷺ مما ينسب إليه: أ- تزوج النبي ﷺ في عنفوان شبابه، وفي حال لم يسبق له الزواج من قبل، بخديجة ﵂ وهي أكبر منه بخمسة عشر عاما، وقد تزوجت مرتين قبله، وبقي معها خمسة وعشرين عاما، لم يجمع معها زوجة أبدا، أي بقي معها وحدها كل فترة شبابه وتعداها حتى بلغ الخمسين من عمره أو يزيد، وقد كبرت هي أيضا ﵂ حتى قالت عائشة عنها في حديث الباب: (ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين) ، وهو وصف صحيح من عائشة لخديجة ﵄ لأنه لو لم يكن صحيحا لأنكره النبي ﷺ خاصة مع حبه الشديد لخديجة ﵂ وقال الحافظ ابن حجر في معنى وصف عائشة: (والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم فكنّت بذلك عن سقوط أسنانها حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها) «١» . ب- أما ما رواه النسائي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني الصلاة» «٢» ، فقد ورد في شرح السندي للحديث كلام نفيس نصه: (إنما حبب إليه النساء لينقلن عنه ما لا يطلع عليه الرجال من أحواله ويستحيا من ذكره وقيل: حبّب إليه زيادة في الابتلاء في حقه حتى لا يلهو بما حبّب إليه من النساء عما كلف به من أداء الرسالة فيكون ذلك أكثر لمشاقه وأعظم لأجره وقيل غير ذلك) «٣» . انتهى كلامه. ومعنى لمشاقه: أي زيادة في مكابدة المشقة. الفائدة الثانية: عظيم فضل خديجة ﵂ وقد ذكرت طرفا منه أعلاه، ولكن أود أن أضيف هنا- ما يثبت من الحديث- عظيم شأن خديجة ﵂ وهو قول عائشة ﵂: (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة) ، ونخلص منه، أن من كثرة فضلها ﵂ أن النبي ﷺ كان ينظر إليها ويتكلم عنها كأن لم يكن في الوجود امرأة غيرها، أي أن أحدا من نساء الدنيا لا يساميها؛ بل لا يقاربها في فضلها.

стр. 476

الفائدة الثّالثة: يتسامح في أمور الغيرة بين النساء، وما يصدر منهن بصدده، ما لا يتسامح في غيره، ذكر النووي في شرح صحيح مسلم: نقلا عن بعض العلماء أن (الغيرة مسامح للنساء فيها ولا عقوبة عليهن فيها لما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم تزجر عائشة عنها) «١» . ويتفرع عليه: أن نعلم عظيم ما تجده المرأة في قلبها من غيرة بسبب حب زوجها لغيرها من النساء، وإن كانت قد ماتت، فيجب على الرجال مراعاة هذا الجانب جيدا، فالأمر يحتاج إلى معالجة وصبر، فالغيرة قد دفعت عائشة ﵂ إلى أن تقول ما قالت في حق واحدة من سيدات نساء العالمين، ولعلم النبي ﷺ بغيرة النساء، قد عذر عائشة ﵂ في مقولتها. الفائدة الرّابعة: وجوب حسن الوفاء ورد الجميل لأصحاب المعروف أحياء وأمواتا، وأذكّر نفسي وإخواني بأنّ حق الوالدين أعظم من حق الزوجة أو الزوج، فيجب على الزوج أن يفي بحق والديه، وإن تسبب هذا الوفاء في غيرة الزوجة، وعليه أن يتبع الحكمة عند بر والديه وذويه، بحيث لا يشعل نار الفتنة بينهما قدر الإمكان، فإن تعذر ذلك، وأبت المرأة إلا أن تحول بين الرجل ووالديه أو أصحاب الحقوق عليه ولم ينفع معها النصح والإرشاد، فعلى الرجل ألايتخلى عن والديه أبدا. فإن سأل سائل: ولماذا لم يخف النبيّ ﷺ حبه الشديد لخديجة ﵂ حتى لا تشعر عائشة ﵂ بكل تلك الغيرة بل لماذا كان يكثر ذكرها؟. قلت: الأمر يختلف فإن ذكر خديجة ﵂ والتحدث عن أفضالها وماثرها هو من الدين الذي يجب تبليغه للأمة، وعدم التحدث به يكون من باب كتمان العلم الذي نهي النبي ﷺ عنه. الفائدة الخامسة: الأولاد نعمة يجب شكر الله- عليها، بل ويجب شكر الزوجة والثناء عليها ورد جميلها، لكونها السبب الظاهر في وجود تلك النعمة، وهي التي تحملت المشاق في سبيل ذلك، ودليله من الحديث، أن النبي ﷺ قد ذكر في سياق مدح خديجة ﵂ وذكر محاسنها وأسباب كثرة ذكرها، أنها أنجبت له الولد، قال ﷺ : «إنها كانت، وكانت، وكان لي منها الولد» ، وإذا كان الأولاد نعمة من الله، فإن فقدان أسباب وجودهم ابتلاء من الله- يجب مقابلته بالصبر والاحتساب والتضرع إليه لرفع ذلك البلاء.

стр. 477

الفهرس مقدمة الشيخ أحمد فريد ٣ منهج البحث ٦ تمهيد ٧ ١- ذكر الآيات القرآنية في أمر النبوة والرسالة والشمائل على سبيل الإجمال ٧ أولا: تسلية الله للنبي ﷺ ٧ ثانيا: الشفقة عليه ﷺ وتخفيف حزنه على عدم هداية الناس ٧ ثالثا: أمره ﷺ بأعظم شرائع الدين ٨ رابعا: تزكيته ﷺ في نفسه وفي كل ما يخصه ٨ خامسا: نهيه ﷺ عن سوء الأخلاق واتباع الأهواء ٩ سادسا: أمر المؤمنين بتعظيمه ﷺ وحبه وإيثاره على كل من سواه ٩ سابعا: تعظيم أمر طاعته ﷺ وتغليظ العقوبة على مخالفته ﷺ ١٠ ثامنا: إثبات عموم رسالته ﷺ للثقلين (الإنس والجن) ١١ تاسعا: حفظ الله ورعايته البالغة له ﷺ ١١ عاشرا: تربيته ﷺ على أحسن التربية وأقومها ١٢ الحادي عشر: رفع ذكره ﷺ في الأولين والآخرين ١٣ الثاني عشر: امتنان الله على الأمة ببعثته ﷺ ١٤ الثالث عشر: ذكر منته بفضله الواسع السابغ على النبي ﷺ ١٤ الرابع عشر: ذكر منّته ﷺ على أمته ١٤ الخامس عشر: إثبات سلامته ﷺ مما رماه به المشركون ١٤ السادس عشر: وعده ﷺ بالأجر الدائم الموصول ١٥ السابع عشر: توالي المنح عليه ﷺ في الدنيا والآخرة ١٥ الثامن عشر: تعظيم البلد الحرام بإقامته فيه ﷺ ١٥ التاسع عشر: الثناء عليه ﷺ وعلى كل ما جاء به ودعا إليه ١٥ العشرون: تعدد وسائل نصر الله له ﷺ ١٦ الحادي والعشرون: تعظيم أمر صلاته واستغفاره ﷺ للمؤمنين وبيان أن الزهد فيها سيمة المنافقين ١٦ الثاني والعشرون: كفاية الله تعالى له

стр. 478

صلى الله عليه وسلم من كل الوجوه ١٧ الثالث والعشرون: إثبات عصمته ﷺ ١٧ الرابع والعشرون: ضمان نصره ﷺ ولو تخلى عنه الناس جميعا ١٨ الخامس والعشرون: بعثته ﷺ رحمة عامة وخاصة ١٨ السادس والعشرون: تغليظ العذاب لمن آذاه أو حادّه أو استهزأ به ﷺ ١٨ السابع والعشرون: صلاة الله- تعالى وملائكته عليه ﷺ وأمر المؤمنين بذلك ١٨ الثامن والعشرون: تأديب أصحابه في التعامل معه ﷺ من كل وجه ١٨ التاسع والعشرون: تعظيم نسائه ﷺ وأهل بيته ١٩ الثلاثون: ولاية الله وأهل السماء وصالح أهل الأرض له ﷺ ٢٠ الواحد والثلاثون: تكليفه ﷺ بما لا يطيقه غيره ٢٠ الثاني والثلاثون: رؤية الله له ﷺ ٢٠ الثالث والثلاثون: تثبيت قلبه ﷺ ٢٠ الباب الأول: أهمية السنة النبوية ووجوب اتباعها ٢١ تقديم ٢٣ ١- للرسول ﷺ طاعة مستقلة ٢٤ ٢- الاتباع دليل محبة الله وسبب مغفرة الذنوب ٢٨ ٣- ليس للمسلم اختيار في اتباع سنته ﷺ ومن خالفها فقد ضل ضلالا مبينا ٣٤ ٤- من اتبع سنته ﷺ دخل الجنة ٣٧ ٥- جعل الله الهداية في طاعته ﷺ ٣٨ ٦- الإيمان به ﷺ سبب السعادة في القبر ٣٩ ٧- نفي إيمان من لا يحكّم سنته ﷺ ٤٢ ٨- وجوب رد النزاع إلى سنته ﷺ ٤٦ ٩- الوعيد الشديد لمخالفة سنته ﷺ ٥١ ١٠- دعاء النبي ﷺ على من استكبر عن سنته ﷺ ٥٣ الباب الثاني: إثبات نبوته ﷺ بالدلائل والمعجزات ٥٩ تقديم ٦١ أولا- صفات النبوة العامة ٦٢ ١- خاتم النبوة ٦٢ ٢- الرؤية الصالحة ٦٣

стр. 479

٣- الرعي ٦٣ ٤- التحذير من الدجال ٦٤ ٥- التخيير بين الدنيا والآخرة ٦٦ ٦- عدم أكل الصدقة ٧٠ ٧- عدم التوريث ٧٢ ٨- رؤية مقاعدهم في الجنة ٧٣ ٩- تحريم أجسادهم على الأرض ٧٥ ثانيا: ذكره ﷺ في الكتب المنزلة وأخذ العهد على الأنبياء بنصرته ٧٥ ١- هو دعوة إبراهيم ٧٥ ٢- ذكره ﷺ في التوراة والإنجيل ٧٧ ٣- تبشير عيسى ﵇ به ﷺ ٨٠ ٤- ذكره في كتب الأولين ٨١ ٥- أخذ العهد على الأنبياء بنصرته ﷺ ٨٢ ثالثا: تأييده ﷺ بالمعجزات الباهرات ٨٥ ١- معجزة القرآن العظيم ٨٥ المنافق لا يعدم بركة تلاوة القرآن ٩٥ ٢- الإسراء والمعراج ٩٦ ٣- وصف بيت المقدس ١١٢ ٤- انشقاق القمر ١١٤ ٥- حنين جذع الشجرة ١١٧ ٦- يسمع ما لا يسمعه أحد ١١٩ ٧- يرى ما لا يراه أحد ١٢٢ ٨- رؤيته ﷺ غيره من وراء ظهره ١٢٨ ٩- تسليم الحجر عليه ﷺ ١٣٢ ١٠- رؤيته جبريل على هيئته ١٣٣ ١١- أعطي مفاتح خزائن الأرض ١٣٦ ١٢- إمامة الأنبياء ١٣٧ ١٣- قتال الملائكة معه ﷺ ١٤٠ ١٤- إعلامه ﷺ بكثير من أمور الغيب ١٤٢ ١٥- استجابة دعائه ﷺ ١٤٦ ١٦- تكثير الطعام والشراب ١٨٢ ١٧- الشفاء بالتفل ١٨٩ ١٨- طيب عرقه وكفه ﷺ ١٩٢ ١٩- نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ١٩٥ ٢٠- حب الصم الشامخات له ﷺ ١٩٦ الباب الثالث: في خصائص أفضل المخلوقين وسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ ١٩٩ تقديم ٢٠١ أولا: تفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين ٢٠٢ ثانيا: تفضيل أمته ﷺ على سائر الأمم في الدنيا والآخرة ٢٤٩ ثالثا: تفضيل مدينته ومسجده على سائر البقاع سوى (مكة) ٢٩٠ رابعا: التوسعة عليه ﷺ ٣١٠ ١- في عدد الزوجات ٣١٠

стр. 480

٢- في عدم وجوب القسمة لنسائه ٣١٢ ٣- في جواز أن تهب المرأة نفسها للنبي ﷺ ٣١٤ ٤- الإذن له بالزواج وهو محرم ٣١٦ خامسا: فضل رؤيته ﷺ ٣١٧ ١- رؤيته في اليقظة: يفتح لمن رآه، ومن رأى من رآه، ومن رأى من رأى من رآه ٣١٧ ٢- رؤيته في المنام ٣١٩ ٣- رؤيته بالمال والأهل ٣٢٢ الباب الرابع: صفات وجوانب من شخصية الرسول ﷺ ٣٢٧ أولا: صفاته ﷺ ٣٢٩ ١- جمال وجهه ﷺ ٣٢٩ ٢- جمال فمه ﷺ ٣٤٦ ٣- جمال صوته وحسنه ﷺ ٣٤٨ ٤- ضحكه ﷺ ٣٤٨ ٥- قوته البدنية ﷺ ٣٤٩ وفي الحديث فوائد منها ٣٥٠ ٦- نسيانه ﷺ ٣٥٢ ثانيا: جوانب من شخصيته ﷺ ٣٥٤ ١- شرف نسبه ﷺ ٣٥٤ ٢- إيثاره وجوده ﷺ ٣٥٥ ٣- بذل غاية جهده ﷺ لشكر الله- ٣٥٩ ٤- تواضعه ﷺ ٣٦١ ٥- حياؤه ﷺ ٣٦٦ ٦- حسن توكله ﷺ وثقته بالله تعالى ٣٦٨ ٧- حسن تعليمه ﷺ أمّته ٣٧٠ ٨- حرصه ﷺ على تبليغ الدعوة ٣٧٣ ٩- خوفه وتقواه ﷺ من الله- ٣٧٥ ١٠- رحمته وشفقته ﷺ ٣٧٧ ١١- زهده ﷺ في الدنيا ٣٩٨ ١٢- شدته ﷺ في الحق ٤٠١ ١٣- شجاعته ﷺ ٤٠٣ ١٤- صبره ﷺ ٤٠٤ ١٥- غضبه ﷺ ٤٣٧ ١٦- كمال أدبه ﷺ مع الله ٤٤١ ١٧- شدة حب النبي ﷺ لأمته ٤٥٠ ١٨- حسن معاشرته ﷺ لأزواجه ٤٥٢ ١٩- ملاطفته ﷺ من حوله ٤٥٥ ٢٠- همته ﷺ ٤٦٦ أولا: وفاؤه ﷺ لأنبياء الله ٤٧٤ ثانيا: وفاؤه ﷺ لأزواجه ٤٧٩ الفهرس ٤٨٥

стр. 481

الجزء الثاني الباب الخامس مكانة النبى ﷺ عند خالقه

стр. 482

أولا: تعظيم أمر سنته ﷺ ١- السنة والقران بمنزلة واحدة: قال- تعالى-: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] . وسيأتي الكلام عن هاتين الآيتين الكريمتين. والشاهد فيهما أن القران والسنة بمنزلة واحدة وذلك في باب (تزكية لسانه ﷺ . ٢- السنة محفوظة إلى يوم القيامة: عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم، أو خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس» «١» . يؤخذ من الحديث، أن الله قد تكفل بحفظ السنة كما تكفل بحفظ الذكر الحكيم، ولا يضيرنا أن هناك بعض الأحاديث المختلقة المنسوبة إلى الرسول ﷺ ما دام أن هناك رجالا قد قيدهم الله لتنقية هذه الأحاديث، ومعرفة الصحيح منها والضعيف والموضوع، والشاهد من الحديث: أن الله قد تكفل بحفظ السنة من جهتين: الجهة الأولى: أن هذه الطائفة التي ستبقى على الحق حتى يأتي أمر الله، هي في أشد الحاجة إلى السنة الصحيحة، فبدون السنة لا تستطيع أي فئة أن تثبت على الحق، وكيف يتأتى لها ذلك، والسنة هي التي خصصت عموم القران، وفصّلت مجمله، وقيّدت مطلقه، وشرحت حدوده، وأوضحت الناسخ منه والمنسوخ، فلن تستطيع هذه الفئة القائمة على الحق، أن تظهر وتستمر إلا بوجود السنة الصحيحة، فمن لوازم الحكم ببقاء هذه الفئة حفظ السنة النبوية؛ لأنهم كما أسلفنا يحتاجون إليها أشد الاحتياج. الجهة الثانية: أن ضياع السنة- ونعوذ بالله من وقوع ذلك- لو حدث فهو دليل على أن الأمة ليس فيها طائفة قائمة بأمر الله، تحفظ السنة في قلوبها وتطبقها في أعمالها، ويصدق هذا الحديث الذي ورد عن تميم الدّاريّ ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الدّين النّصيحة» . قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم» «٢» . ومعنى النصيحة لرسوله، هي الدفاع عنه وحفظ سنته واتباع هديه، وهل يوجد مهمة

стр. 483

أعظم لهذه الفئة، من النصيحة لله ورسله. وملخص الجهة الثانية: أن السنة محفوظة؛ لأن من أعظم ما تقوم به هذه الفئة التي زكاها رسول الله ﷺ هو النصيحة لله ورسوله. فكيف يزكيها الرسول ﷺ وقد ضيعت السنة، ولم تحافظ عليها ولم تدافع عنها؟! لذلك اشتهر عن الإمام أحمد إمام أهل السنة قوله: (إن لم يكونوا- يقصد هذه الطائفة أهل الحديث فلا أدري من هم) «١» . وتأمل الفرق بين الجهتين فقد يتماثلان عند بعض الناس. ٣- السنة تبيان للقران: أبان الشافعي-رحمه الله تعالى-- عن هذا الأمر أوضح بيان فقال: (باب البيان الثالث قال الله- ﵎ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النساء: ١٠٣] ، وقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣] ، وقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦] ، ثم بين على لسان رسوله ﷺ عدد ما فرض من الصلوات ومواقيتها وسننها، وعدد الزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة. قال الشافعي: (كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا من ذكر ما منّ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة: دليل على أن الحكمة سنة رسول الله ﷺ مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبيّن من موضعه الذي وضعه الله به من دينه. والدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه: ١- منها ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره. ٢- ومنها ما أتى على غاية من البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله، فبين رسول الله ﷺ عن الله؛ كيف فرضه؟ وعلى من فرضه؟ ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب؟ ٣- ومنها ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيان في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه، قبل عن رسول الله ﷺ سنتة بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته؛ فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ القبول لكل

стр. 484

واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحل وحرم، وفرض وحد بأسباب متفرقة كما شاء جل ثناؤه، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣] ) «١» . قال- تعالى-: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] . من مظاهر تعظيم سنة المصطفى ﷺ أن الله- قد جعلها تبيانا لكلامه العزيز، وهو القران العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقال الإمام القرطبي: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك فالرسول مبين عن الله مراده فما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يفصله، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي يتعظون) «٢» . وقال الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-- فى معنى قوله- تعالى-: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ: (أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله وحرصك عليه واتباعك له ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد ادم فتفصّل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل) «٣» ، وقال الشيخ السعدي: (وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم) «٤» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظيم شأن القران العظيم حيث إنه تنزيل من رب العالمين، وأضيف ضمير (نا الفاعلين) التي تفيد التعظيم إلى الفعل (أنزل) لتعظيم أمر إنزال القران والمنزل من عنده. الفائدة الثانية: حاجة القران العظيم إلى ما يوضح مبهمه، ويبين مجمله، ويفسر معانيه لقوله- تعالى-: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، ويتفرع على هذه الآية مسائل عظيمة منها: ١- عظيم أمر سنة النبي ﷺ القولية والفعلية؛ لأنها بمثابة الشارحة المبينة لمراد الله- وينبني على ذلك وجوب تعظيم السنة والعمل بها وحفظها. ٢- تكفل الله- بحفظ سنة النبي ﷺ لأن حفظ السنة من حفظ

стр. 485

القران، وضياع السنة يعني ضياع معاني القران وحكمه وأحكامه التي هي مراد الله من إنزاله، ولما قال الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] ، لم يقيد معنى الحفظ بحفظ الحروف فقط، فعلمنا أن الحفظ يشمل الحروف والمعاني والحكم التي لا تتبين إلا من السنة النبوية، فما الذي يستفيده الناس من القران الكريم إذا بقيت حروفه وضاعت معانيه؟ فستبقى السنة النبوية الشريفة محفوظة ما دام القران العظيم بين أظهر الناس. ٣- ليس في القران شيء مبهم يستشكل فهمه على الراسخين في العلم، لأن السنة بينت القران، والقول أن في القران ما لا يمكن فهمه يعارض صريح الآية التي معنا. ٤- إثبات أن النبي ﷺ لم يقبض حتى بيّن لأصحابه ﵃ كل معاني القران العظيم. ٥- النبي ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله- وبذلك يكون أعلم الخلق بالله . ٦- عظم المهمة التي كلّف بها النبي ﷺ والتي منها بيان مراد الله- من كلامه العزيز. الفائدة الثالثة: ضلال من يسمون أنفسهم بالقرانيين، وهم الذين يدعون أنه يسعهم اتباع القران ولا حاجة لهم إلى السنة النبوية، وهم في الحقيقة لا يريدون العمل بالقران ولا بالسنة، لما أوضحته من الحاجة الماسة للسنة لفهم القران والعمل به. الفائدة الرابعة: حثت الآية الكريمة أهل العلم والفكر على أن يتدبروا ايات الله ليستخرجوا منها المعارف والعلوم، واللآلئ والكنوز، ولكن شريطة أن يكون التأمل على ضوء ما بينته السنة النبوية الشريفة من معاني القران الكريم، حيث إن الآية حثت على التفكر بعد أن أوضحت أن السنة هي المفسرة والشارحة للقران، وكأنه توجيه إلهي بالتقيد بالسنة عند تدبر القران، وما ضل أصحاب التفاسير المغلوطة إلا بعدم تقيدهم بهذا الشرط. ويتفرع عليه أن استنباط الناس للمعارف والعلوم من القران الكريم يتفاوت بقدر علمهم بالسنة النبوية، وبقدر ما أوتوا من أفهام وعقول. الفائدة الخامسة: علوم القران العظيم ومعارفه وفتوحاته لن تنضب إلى أن يرفع القران من الأرض، ودليله من الآية الكريمة أن تلك العلوم لو نضبت لتعطل أمر إلهي تعبد الله به عباده في القران، وهو التفكر والتأمل في اياته.

стр. 486

٤- نفي الهوى عن كل ما جاء بالسنة: قال- تعالى-: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ١. ٤] . تلك الآيات الكريمات من أبلغ الثناء على النبي ﷺ وعلى كل ما جاء به من السنة النبوية الشريفة المطهرة، قال الإمام القرطبي-رحمه الله تعالى--: (أي ما ضل محمد ﷺ عن الحق وما حاد عنه، والغيّ ضد الرشد أي ما صار غاويا وقيل: أي ما تكلم بالباطل) «١» . وقال شيخ الإسلام ابن القيم-رحمه الله تعالى--: (رأس الأدب مع الرسول ﷺ : كمال التسليم له، والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمّله معارضة بخيال باطل يسميه معقولا، أو يحمّله شبهة أو شكّا، أو يقدم عليه اراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحّده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، كما وحّد المرسل- بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل) «٢» . وقال الحافظ ابن كثير: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال وهو الجاهل الذي يسلك طريقا بغير علم، والغاوي هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود وهي علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلاة الله وسلامه عليه وما بعثه به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد ولهذا قال- تعالى- وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) أي ما يقول قولا عن هوى وغرض إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) ، أي إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان) «٣» . وقال الشيخ السعدي- ﵀: (والمقسم عليه هو تنزيه الرسول ﷺ عن الضلال في علمه والغيّ في قصده ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه حسن القصد ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم وفساد القصد) «٤» . انتهى.

стр. 487

ومن فوائد الآيات يتضح هذا الأمر أكثر: الفائدة الأولى: عظيم عناية الله- بنبيه ﷺ ووجه ذلك: ١- إثبات أن السنة التي جاء بها النبي ﷺ (والتي تتمثل في أفعاله وأقواله وإقراره) هي وحي من الله- لقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) ، قال الشيخ السعدي: (دل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله ﷺ «١» . ويتفرع عليه أن القران الكريم جاء بأبلغ تزكية لسنته ﷺ . فكفى لها ولصاحبها ﷺ شرفا أنها وحي من الله ﵎. ٢- إثبات العصمة للنبي ﷺ من الكذب والضلال والبهتان، ودليله أن كل ما أخبر به ﷺ هو وحي من الله ﵎، بالإضافة إلى نفي الهوى عن كل ما نطق به. وتلك العصمة- كما ذكرت في أكثر من موضع- نثبتها للنبي ﷺ حتى قبل البعثة، ودليله من الآية نفي الضلال والغواية عنه ﷺ ولم تقيد الآية النفي بزمن ما بعد البعثة، فعلمنا أن العصمة كانت قبل البعثة كما هي بعدها، وهو ما ذهب إليه القرطبي حيث قال في تفسير الآيات: (ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم أي كان أبدا موحدا لله وهو الصحيح على ما بيناه في «الشورى» ) «٢» . ٣- إثبات أن كل ما يصدر عنه في كل أحواله ﷺ موافق للحق والحكمة، فيستوي في ذلك جدّه ومزحه، رضاه وغضبه، وكذا ضحكه، كما يستوي ما يراه في نومه وفي يقظته، بل يجب أن نعتقد- على سبيل الفرض- أنه ﷺ لو تكلم أثناء نومه، لوجب حفظ هذا الكلام والعمل به لأنه وحي من الله- كيف لا؟! وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه. ٤- تعظيم أمر الرسالة وشخص محمد ﷺ وذلك أن الآية لما ذكرت نفي الضلال قرنته بلفظ: بِصاحِبِكُمْ، وليس بلفظ نبيكم أو رسولكم أو حتى ذكر اسمه ﷺ وكأنه لا يليق ولا ينبغي ذكر النبي ﷺ مقرونا بالضلالة والغواية حتى في سياق النفي. وقد ذكر الشيخ السعدي علة أخرى لورود الآية بلفظ: بِصاحِبِكُمْ، فقال: (وقال

стр. 488

بِصاحِبِكُمْ لينبههم على ما يعرفونه منه من الصدق والهداية وأنه لا يخفى عليهم أمره) «١» . وحيث لا معارضة بين القولين فيجب الأخذ بهما جميعا وهذا مما يزيد جمال القران. ٥- إثبات أن كل ما يخالف سنته ﷺ فهو باطل؛ لأن الآية لما أثبتت نفي الهوى عما ينطق به النبي ﷺ أثبتت أن كل ما جاء به هو الحق، فيكون كل ما يخالفه باطل، والله يقول: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢] . الفائدة الثانية: جميل بلاغة القران الكريم؛ حيث قابل النور الحسي بالنور المعنوي، فكانت المناسبة جميلة بين المقسم والمقسم عليه، قال الشيخ السعدي- ﵀.: (وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول ﷺ من الوحي الإلهي لأن في ذلك مناسبة عجيبة فإن الله- تعالى- جعل النجوم زينة للسماء فكذلك الوحي واثاره زينة للأرض فلولا العلم الموروث عن الأنبياء لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم) «٢» . الفائدة الثالثة: في الآيات إشارة إلى عظيم أمر اللسان وما ينطق به، حيث خصّ بالذكر بعد الإجمال، فقوله- تعالى-: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) ، يثبت سلامة كل ما يتعلق بالنبي ﷺ وبراءته من الضلالة والغواية، فيشمل ذلك سلامة القلب، والعقل، والأفعال، والسكنات وكذلك يشمل ما ينطق به، ولكن خصّ ما ينطق به بعد ذلك بالذكر للتنويه بعظيم شأنه، فكان من باب عطف الخاص على العام. الفائدة الرابعة: توجيه المسلم إلى أنه يجب عليه الابتعاد عن الهوى وتنقية القلب منه حتى يكون مهيئا لقبول الحق والإذعان له ثم العمل به، فإن الهوى والحق لا يجتمعان أبدا في قلب العبد، فبقدر ما يكون في النفس من هوى بقدر ما يكون ابتعاد العبد عن الحق المأمور باتباعه. ودليل ذلك أن الآية قد نفت أولا النطق عن الهوى ثم أثبتت أن كل ما يقوله النبي ﷺ هو وحي من الله ﵎، فكما يقولون: (التخلية قبل التحلية) . ٥- تسمية السنة حكمة: من دلائل عظيم أمر سنة النبي ﷺ أن سماها الله حكمة. قال- تعالى-: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ

стр. 489

عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] ، والحكمة من أجمل وأتم الصفات التي يمكن أن تسمى بها الأشياء لكثرة وكمال معانيها، فالحكمة لها معان كثيرة، ومنها: هي القول المأثور وهي الحصافة، وهي جودة الرأي، وهي كمال القوة النظرية. وقد فسر العلماء المراد من الحكمة التي تعطف على الكتاب في ايات القران الكريم بمعان كثيرة ولكنها متشابهة تدور كلها حول السنة وما علّمه النبي ﷺ لأصحابه ﵃، فقد قال ابن كثير-رحمه الله تعالى--: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ هو القران، وَالْحِكْمَةِ وهي السنة) . وقال في تفسير قوله- تعالى-: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ال عمران: ١٦٤] : (والحكمة يعني: السنة. قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة) «١» . وقال الشيخ السعدي في تفسيره: (قوله- تعالى-: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) [الأحزاب: ٣٤] ، المراد بايات الله القران، والحكمة أسراره أو سنة رسوله ﷺ «٢» ، وقال في تفسير الحكمة التي ورد ذكرها في سورة الجمعة: (أي علم القران وعلم السنة المشتمل على علوم الأولين والآخرين) «٣» . والذي يبين بجلاء عظيم أمر السنة ومكانتها في هذا الدين أن إبراهيم ﵇ دعا ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولا يعلمها الكتاب والحكمة، قال الله- تعالى- على لسان إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) [البقرة: ١٢٩] . وقال القرطبي- رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: (الكتاب القران، والحكمة المعرفة بالدين والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله- تعالى-، قاله مالك ورواه ابن وهب وقاله ابن زيد، وقال قتادة: الحكمة السنة وبيان الشرائع، وقيل: الحكم والقضاء خاصة، والمعنى متقارب ونسب التعليم إلى النبي ﷺ من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وحيه) «٤» .

стр. 490

بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تعظيم أمر السنة من حيث كونها منزلة من الله ﵎، ومن حيث كونها حكمة. ويتفرع عليه سفه من رد السنة أو جزا منها ولو يسيرا، واستغنى عنها بغيرها، حيث إنه قد ترك الحكمة وذهب إلى ما هو مناقض لها. كما يتفرع عليه سوء عاقبة من رأى عدم موافقة أي أمر من أمور السنة الصحيحة لكمال الإحكام وتمام الإتقان، واعتقد أنه يمكن أن يستدرك شيئا عليها؛ لأنه كذّب بصريح القران الذي حكم أن السنة هي الحكمة، كما أنه طعن في الله الذي أنزل تلك السنة على نبيه ﷺ . الفائدة الثانية: تزكية علم النبي ﷺ بأبلغ تزكية يمكن أن يزكى بها علم أحد من الأولين والآخرين، ومصدر تلك التزكية أن الله عالم الغيب والشهادة- هو الذي علمه، فنعم من علمه ونعم ما تعلمه ﷺ . ويتفرع عليه، سعة علمه ﷺ ومطابقته للواقع تماما، وكذلك وجوب تلقي كل سنة النبي ﷺ الصحيحة بتصديق تام مطلق. وقد قال الشيخ السعدي-رحمه الله تعالى-- كلاما نفيسا في قوله- تعالى-: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣] ، قال: (وهذا يشمل جميع ما علّمه الله- تعالى- فإنه ﷺ كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، فكان ﷺ أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال وأكملهم فيها، ففضله على الرسول محمد ﷺ أعظم من فضله على كل مخلوق، وفي نسخة: أعظم من فضله على كل الخلق وأجناس الفضل الذي فضله الله به لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها) «١» . الفائدة الثالثة: في الآية أبلغ تزكية لمن تعلم القران العظيم والسنة الشريفة ونهل منهما وتمسك بهما حيث إنه قد ورث علم النبي ﷺ الذي هو من علم الله . كما يؤخذ من الآية أن من كان القران والسنة علمه ومنهجه فيجب عليه أن يشكر الله

стр. 491

- على نعمته العظيمة التي امتن الله بها عليه، ودليله أن الآية ختمت بإثبات فضل الله العظيم على نبيه ﷺ بعد ذكر إنزال القران والحكمة وتعليمه من لدن الله قال تعالى: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] . ٦- السنة شرط في قبول العمل: اتفق العلماء على وجوب توفر شرطين في العمل حتى يكون مقبولا عند الله- تعالى-، الأول: الإخلاص لله تعالى. والثاني: موافقته هدي النبي ﷺ وسنته. فعن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «١» . أقول: لو أننا تمسكنا بهذا الحديث، وعملنا به، لحفظنا للإسلام جماله، وللشرع بهاءه، وللسنة حلاوتها، ولو أننا تحاكمنا إليه إذا اختلفنا، لما وصل الحال بنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من التحزب والتفرق والتطاحن والتشرذم، كيف لا، والنبي ﷺ قد ترك لنا قاعدة عظيمة في بيان متى تصح العبادة ومتى تفسد، ومتى يقبلها الله ، ومتى يردها في وجه صاحبها، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، وقال أيضا- ﵀ الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات) «٢» . وكما قال- ﵀: (فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودا أو مذموما) ، كما نقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الشافعي قوله: (المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة) «٣» ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أمثلة على ما أحدث من خير فذكر منها: (تدوين الحديث وتفسير القران وتدوين المسائل الفقهية وتدوين ما يتعلق بأعمال القلوب) . انتهى.

стр. 492

وتلحظ أخي القارئ أنه ليس شيء مما ذكر- ﵀ يتعلق بالعبادات أو الأذكار أو بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وقد قال الإمام النووي- ﵀ (وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به) «١» . ويقصد- ﵀ بقوله: إشاعة الاستدلال به: أن يكون دليلا على بطلان وردّ كل أمر يخالف سنة النبي ﷺ وأقول أخي القارئ: إذا كان كل عمل نعمله ليس موافقا للكتاب أو السنة هو عمل مردود مذموم شرعا، فلماذا نجهد أنفسنا ونضيع أوقاتنا في عبادات (بل طقوس) تباعدنا عن الله وتبغّض فينا رسول الله ﷺ لماذا نقيم ما يسمونه بالحضرة المحدية، وهي ليست من الدين في شيء، وقد انتهت العصور الثلاثة المفضلة ولم تظهر تلك البدعة، التي يدّعون فيها أن النبي ﷺ يحضرها، وهذا تنقّص بالغ في حقه ﷺ لمن تدبر وعلم رفيع قدره ﷺ ، لماذا نخترع أورادا نتقرب بها إلى الله- وفيها من الألفاظ والعبارات والمديح ما لم يعلّمناه النبي ﷺ ونحدد أوقاتا ومواسم لتلك الأوراد لم يرد الشرع بتحديدها وكيفياتها؟ لماذا نعبد الله بأسماء نخترعها نحن من عند أنفسنا، مثل (هو، هو) ونعتقد أن هذا هو أعظم أسمائه- ، ونلتزم بذكر هذا الاسم بعدد معين وفي أوقات معينة؟، أقول- على سبيل الفرض- لو أنه ثبت لنا بالدليل الصحيح أن هذا الضمير هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولم يأت دليل صحيح أن النبي ﷺ قد علم أصحابه الكرام ذكر الله بهذا الاسم وعلى هذه الطريقة المبتدعة، ما جاز لنا شرعا اتخاذ هذه الأوراد بهذه الكيفية، كيف والحال أنه لم يثبت أصلا أنه اسم من أسماء الله الحسنى. وتدبر أخي القارئ كيف رتب الإمام البخاري «٢» ﵀ حكما عظيما على حديث الباب فقد قال- ﵀ باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطا خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «٣» ، وقد نقل صاحب الفتح عن ابن بطال- في شرح هذا الحديث- قوله: (مراده- أي مراد البخاري- أن الحاكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمر الله- تعالى- بإيجاب طاعة رسوله ﷺ وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة) «٤» .

стр. 493

وما أجمل ما أراد أن يبينه البخاري ﵀ إمام أهل السنة- في الترجمة، فقد وضع للأمة قاعدة عظيمة مفادها: أن الحاكم إذا اجتهد- أي بذل غاية جهده في المسألة، وجاء حكمه بخلاف سنة النبي ﷺ وكانت تلك المخالفة نتيجة عدم العلم بحكم النبي ﷺ فحكمه مردود غير معتبر شرعا، فما بالنا لو جاء حكم القاضي أو الحاكم مخالفا سنة النبي ﷺ دون أن يبذل جهده في إصابة السنة، أو حكم بخلافها متعمدا، فهل ينفذ حكمه؟ قطعا لا. وإذا كان حكم القاضي أو الحاكم أو من ينيبه مردودا إذا خالف سنة النبي ﷺ فمن باب أولى حكم من دونهم في المرتبة. بعض فوائد الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» : الفائدة الأولى: عدم مشروعية الزيادة في الدين، وأن زيادة مردودة على صاحبها، بل يأثم على هذه الزيادة، سواء هو الذي أحدثها أو باشرها، لما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» ، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى، هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (والمحدثات: جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) «٢» . وقال- ﵀: وثبت عن ابن مسعود قوله: «قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم؛ فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول» «٣» . الفائدة الثانية: كما لهذا الدين وغناه عن كل ما سواه، وأن من ابتدع فيه فقد شكك في هذا الكمال، والدليل ذم الزيادة والإحداث فيه، ولولا الكمال بل والجمال ما كان لذم الإحداث وجه، فإن كل أمر ناقص يحتاج إلى الزيادة. ويتفرع عليه: صلاح هذا الدين ومناسبته لكل فرد من أفراد الأمة على اختلاف

стр. 494

مذاهبهم ومشاربهم ولغاتهم، لأنه لو لم يكن صالحا لكل أحد لوجب الاستحداث فيه لجبر عدم الصلاح، فمنع الشارع الحكيم للاستحداث دلّنا على صلاحه ومناسبته، ويتبين من ذلك ضلال من يستحدث في العبادات- خاصة الذكر والأوراد- بدعا بحجة مناسبتها للعوام من المسلمين، وأن تلك الأذكار ترقق قلوبهم وهي على قدر عقولهم، وهذا منكر من القول، بل طعن في كما لهذا الدين، فهل نسي الشارع الحكيم أو غفل- حاشا لله- أن يشرع للعوام ما يناسب عقولهم ويفي بحاجاتهم، أم أن هناك قصورا في الشرع الحنيف في هذا الأمر، فجاء من يتمه ويكمله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم. الفائدة الثالثة: في الحديث بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم، حيث إن أعمال العباد لا تخرج عن قسمين: قسم دل عليه الكتاب والسنة، وقسم ليس له أصل من كتاب أو سنة، فحكم ﷺ على القسم الثاني من الأعمال بالرد وعدم المشروعية بجملة في غاية القصر «فهو رد» ، وحكم ﷺ على القسم الأول من الأعمال بالقبول بمقتضى مفهوم المخالفة. الفائدة الرابعة: الخير كل الخير في اتباع السنة، بل هو مدار الأمر كله، وهو الأحب إلى الله ، فمن أتى باتباع مع قصد العبادة، فهو أحب إليه- ممن أتى بكثرة في العبادة مع ابتداع فيها، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قد غضب ممن أخذ بالعزيمة في بعض الأمور التي أخذ فيها النبي ﷺ بالرخصة، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: صنع النّبيّ ﷺ شيئا فرخّص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخطب فحمد الله ثمّ قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» «١» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (والمراد هنا أن الخير في الاتباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، وأن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموما إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين، وأومأ ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر، ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص منه النبي ﷺ من أعظم الذنوب لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله ﷺ وهذا إلحاد) «٢» .

стр. 495

وأضاف الحافظ ابن حجر- ﵀ كلاما جميلا تعليقا أيضا على هذا الحديث فقال: (أعلمهم النبيّ ﷺ أنه وإن كان غفر الله له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله وأتقاهم، فما فعله ﷺ من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط، وأشار بقوله- أعلمهم- إلى القوة العلمية وبقوله- أشدهم له خشية- إلى القوة العملية، أي أنا أعلمهم بالفضل وأولاهم بالعمل به) «١» . وأعتقد أن من الحكم في أخذ النبي ﷺ بالرخص في بعض الأمور؛ هو التوسعة على الأمة، وإرادة رفع الحرج عنها، ولذلك كان الذم كل الذم لمن لم يرض بالتوسعة فرد الرخص. قال الإمام النووي- ﵀: (وإنما يكون القرب إليه- ، والخشية له على حسب ما أمر به النبي ﷺ لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمال لم يأمر بها النبي ﷺ «٢» . لذلك قلت انفا: إن مدار الأمر كله في الاتباع وليس في التعمق في العبادة. والحرص على نشر السنة وتبليغها للناس أمر عظيم من أبواب محبة النبي ﷺ وتعظيمه؛ لأن في ذلك سعيا لإعلاء سنته، ونشرا لهديه بين الناس، ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتة البدع والضلالات المخالفة لأمره وهديه، ولا شك في أن الابتداع في دينه من خوارم المحبة الصادقة، ولهذا قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» . ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية «٣» - قدس الله روحه حيث يقول: (ومن المعلوم أنه لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط الحديث من قلبه، وقيل عن بعض رؤوس الجهمية- إما بشر المريسي «٤» أو غيره: أنه قال: ليس شيء أنقص لقولنا من القران، فأقرّوا به في
следующие страницы →