← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

- على نعمته العظيمة التي امتن الله بها عليه، ودليله أن الآية ختمت بإثبات فضل الله العظيم على نبيه ﷺ بعد ذكر إنزال القران والحكمة وتعليمه من لدن الله قال تعالى: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] . ٦- السنة شرط في قبول العمل: اتفق العلماء على وجوب توفر شرطين في العمل حتى يكون مقبولا عند الله- تعالى-، الأول: الإخلاص لله تعالى. والثاني: موافقته هدي النبي ﷺ وسنته. فعن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «١» . أقول: لو أننا تمسكنا بهذا الحديث، وعملنا به، لحفظنا للإسلام جماله، وللشرع بهاءه، وللسنة حلاوتها، ولو أننا تحاكمنا إليه إذا اختلفنا، لما وصل الحال بنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من التحزب والتفرق والتطاحن والتشرذم، كيف لا، والنبي ﷺ قد ترك لنا قاعدة عظيمة في بيان متى تصح العبادة ومتى تفسد، ومتى يقبلها الله ، ومتى يردها في وجه صاحبها، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، وقال أيضا- ﵀ الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات) «٢» . وكما قال- ﵀: (فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودا أو مذموما) ، كما نقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الشافعي قوله: (المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة) «٣» ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أمثلة على ما أحدث من خير فذكر منها: (تدوين الحديث وتفسير القران وتدوين المسائل الفقهية وتدوين ما يتعلق بأعمال القلوب) . انتهى.

стр. 492

وتلحظ أخي القارئ أنه ليس شيء مما ذكر- ﵀ يتعلق بالعبادات أو الأذكار أو بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وقد قال الإمام النووي- ﵀ (وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به) «١» . ويقصد- ﵀ بقوله: إشاعة الاستدلال به: أن يكون دليلا على بطلان وردّ كل أمر يخالف سنة النبي ﷺ وأقول أخي القارئ: إذا كان كل عمل نعمله ليس موافقا للكتاب أو السنة هو عمل مردود مذموم شرعا، فلماذا نجهد أنفسنا ونضيع أوقاتنا في عبادات (بل طقوس) تباعدنا عن الله وتبغّض فينا رسول الله ﷺ لماذا نقيم ما يسمونه بالحضرة المحدية، وهي ليست من الدين في شيء، وقد انتهت العصور الثلاثة المفضلة ولم تظهر تلك البدعة، التي يدّعون فيها أن النبي ﷺ يحضرها، وهذا تنقّص بالغ في حقه ﷺ لمن تدبر وعلم رفيع قدره ﷺ ، لماذا نخترع أورادا نتقرب بها إلى الله- وفيها من الألفاظ والعبارات والمديح ما لم يعلّمناه النبي ﷺ ونحدد أوقاتا ومواسم لتلك الأوراد لم يرد الشرع بتحديدها وكيفياتها؟ لماذا نعبد الله بأسماء نخترعها نحن من عند أنفسنا، مثل (هو، هو) ونعتقد أن هذا هو أعظم أسمائه- ، ونلتزم بذكر هذا الاسم بعدد معين وفي أوقات معينة؟، أقول- على سبيل الفرض- لو أنه ثبت لنا بالدليل الصحيح أن هذا الضمير هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولم يأت دليل صحيح أن النبي ﷺ قد علم أصحابه الكرام ذكر الله بهذا الاسم وعلى هذه الطريقة المبتدعة، ما جاز لنا شرعا اتخاذ هذه الأوراد بهذه الكيفية، كيف والحال أنه لم يثبت أصلا أنه اسم من أسماء الله الحسنى. وتدبر أخي القارئ كيف رتب الإمام البخاري «٢» ﵀ حكما عظيما على حديث الباب فقد قال- ﵀ باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطا خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «٣» ، وقد نقل صاحب الفتح عن ابن بطال- في شرح هذا الحديث- قوله: (مراده- أي مراد البخاري- أن الحاكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمر الله- تعالى- بإيجاب طاعة رسوله ﷺ وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة) «٤» .

стр. 493

وما أجمل ما أراد أن يبينه البخاري ﵀ إمام أهل السنة- في الترجمة، فقد وضع للأمة قاعدة عظيمة مفادها: أن الحاكم إذا اجتهد- أي بذل غاية جهده في المسألة، وجاء حكمه بخلاف سنة النبي ﷺ وكانت تلك المخالفة نتيجة عدم العلم بحكم النبي ﷺ فحكمه مردود غير معتبر شرعا، فما بالنا لو جاء حكم القاضي أو الحاكم مخالفا سنة النبي ﷺ دون أن يبذل جهده في إصابة السنة، أو حكم بخلافها متعمدا، فهل ينفذ حكمه؟ قطعا لا. وإذا كان حكم القاضي أو الحاكم أو من ينيبه مردودا إذا خالف سنة النبي ﷺ فمن باب أولى حكم من دونهم في المرتبة. بعض فوائد الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» : الفائدة الأولى: عدم مشروعية الزيادة في الدين، وأن زيادة مردودة على صاحبها، بل يأثم على هذه الزيادة، سواء هو الذي أحدثها أو باشرها، لما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» ، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى، هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (والمحدثات: جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) «٢» . وقال- ﵀: وثبت عن ابن مسعود قوله: «قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم؛ فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول» «٣» . الفائدة الثانية: كما لهذا الدين وغناه عن كل ما سواه، وأن من ابتدع فيه فقد شكك في هذا الكمال، والدليل ذم الزيادة والإحداث فيه، ولولا الكمال بل والجمال ما كان لذم الإحداث وجه، فإن كل أمر ناقص يحتاج إلى الزيادة. ويتفرع عليه: صلاح هذا الدين ومناسبته لكل فرد من أفراد الأمة على اختلاف

стр. 494

مذاهبهم ومشاربهم ولغاتهم، لأنه لو لم يكن صالحا لكل أحد لوجب الاستحداث فيه لجبر عدم الصلاح، فمنع الشارع الحكيم للاستحداث دلّنا على صلاحه ومناسبته، ويتبين من ذلك ضلال من يستحدث في العبادات- خاصة الذكر والأوراد- بدعا بحجة مناسبتها للعوام من المسلمين، وأن تلك الأذكار ترقق قلوبهم وهي على قدر عقولهم، وهذا منكر من القول، بل طعن في كما لهذا الدين، فهل نسي الشارع الحكيم أو غفل- حاشا لله- أن يشرع للعوام ما يناسب عقولهم ويفي بحاجاتهم، أم أن هناك قصورا في الشرع الحنيف في هذا الأمر، فجاء من يتمه ويكمله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم. الفائدة الثالثة: في الحديث بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم، حيث إن أعمال العباد لا تخرج عن قسمين: قسم دل عليه الكتاب والسنة، وقسم ليس له أصل من كتاب أو سنة، فحكم ﷺ على القسم الثاني من الأعمال بالرد وعدم المشروعية بجملة في غاية القصر «فهو رد» ، وحكم ﷺ على القسم الأول من الأعمال بالقبول بمقتضى مفهوم المخالفة. الفائدة الرابعة: الخير كل الخير في اتباع السنة، بل هو مدار الأمر كله، وهو الأحب إلى الله ، فمن أتى باتباع مع قصد العبادة، فهو أحب إليه- ممن أتى بكثرة في العبادة مع ابتداع فيها، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قد غضب ممن أخذ بالعزيمة في بعض الأمور التي أخذ فيها النبي ﷺ بالرخصة، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: صنع النّبيّ ﷺ شيئا فرخّص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخطب فحمد الله ثمّ قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» «١» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (والمراد هنا أن الخير في الاتباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، وأن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموما إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين، وأومأ ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر، ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص منه النبي ﷺ من أعظم الذنوب لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله ﷺ وهذا إلحاد) «٢» .

стр. 495

وأضاف الحافظ ابن حجر- ﵀ كلاما جميلا تعليقا أيضا على هذا الحديث فقال: (أعلمهم النبيّ ﷺ أنه وإن كان غفر الله له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله وأتقاهم، فما فعله ﷺ من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط، وأشار بقوله- أعلمهم- إلى القوة العلمية وبقوله- أشدهم له خشية- إلى القوة العملية، أي أنا أعلمهم بالفضل وأولاهم بالعمل به) «١» . وأعتقد أن من الحكم في أخذ النبي ﷺ بالرخص في بعض الأمور؛ هو التوسعة على الأمة، وإرادة رفع الحرج عنها، ولذلك كان الذم كل الذم لمن لم يرض بالتوسعة فرد الرخص. قال الإمام النووي- ﵀: (وإنما يكون القرب إليه- ، والخشية له على حسب ما أمر به النبي ﷺ لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمال لم يأمر بها النبي ﷺ «٢» . لذلك قلت انفا: إن مدار الأمر كله في الاتباع وليس في التعمق في العبادة. والحرص على نشر السنة وتبليغها للناس أمر عظيم من أبواب محبة النبي ﷺ وتعظيمه؛ لأن في ذلك سعيا لإعلاء سنته، ونشرا لهديه بين الناس، ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتة البدع والضلالات المخالفة لأمره وهديه، ولا شك في أن الابتداع في دينه من خوارم المحبة الصادقة، ولهذا قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» . ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية «٣» - قدس الله روحه حيث يقول: (ومن المعلوم أنه لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط الحديث من قلبه، وقيل عن بعض رؤوس الجهمية- إما بشر المريسي «٤» أو غيره: أنه قال: ليس شيء أنقص لقولنا من القران، فأقرّوا به في

стр. 496

الظاهر، ثم حرّفوه بالتأويل، ويقال إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل. ولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه، خلافا لما أمر الله به ورسوله من التبليغ عنه) «١» . ٧- الوعيد الشديد لمن كذب على صاحبها ﷺ : إن من كمال تعظيم سنته ﷺ وتمام ذلك، هو البعد كل البعد عن الكذب على صاحب السنة الغرّاء والحرص كل الحرص على نشر سنته ﷺ وتبليغها على أكمل وجه حيث قال ﷺ : «ألا ليبلّغ الشاهد منكم الغائب» «٢» . وقوله: «بلغوا عني ولو اية» «٣» . عن المغيرة ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «٤» . وقد عظّم الله- أمر الكذب على النبي ﷺ غاية التعظيم وذلك بتشديد عقوبته والتفريق بين الكذب عليه والكذب على غيره من البشر، ذلك أن الكذب على النبي ﷺ إنما هو كذب على الله ، فالنبي ﷺ إنما هو مبلغ عن ربه، قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وسنتكلم إن شاء الله- تعالى- عن هذا الحديث الشريف من خلال ثلاثة محاور، الأول: ثبوت الحديث، الثاني: مظاهر تعظيم الحديث للكذب على النبي ﷺ ، ونختم بالثالث وهو بعض فوائد الحديث. [محاور حول الحديث] أولا: ثبوت الحديث: لا خلاف بين العلماء أن هذا الحديث بلغ- ولله الحمد والمنة- حد التواتر، قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى--: (وأما متن الحديث فهو حديث عظيم في نهاية من الصحة، وقيل: إنه متواتر ذكر أبو بكر البزار في مسنده أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين نفسا

стр. 497

من الصحابة ﵃ وحكى الإمام أبوبكر الصيرفي «١» في شرحه لرسالة الشافعي- رحمهما الله- أنه روي عن أكثر من ستين صحابيّا مرفوعا وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده «٢» عدد من رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين ثم قال وغيرهم، وذكر بعض الحفاظ أنه روى عن اثنين وستين صحابيّا وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيّا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة) «٣» . وأقول: إن تواتر هذا الحديث لهو أدل دليل على إرادة الله- تعظيم أمر الكذب على النبي ﷺ باشتهار هذا الحديث وتواتره مثل هذا التواتر العجيب، من عصر الصحابة ﵃ إلى عصرنا هذا، كما يدلنا هذا التواتر على بالغ عناية الصحابة بهذا الحديث لأن فيه حفظ سنة نبيهم ﷺ . ثانيا: مظاهر تعظيم الحديث للكذب على الرسول ﷺ : باستقراء روايات الحديث الصحيحة والتي وردت في صحيحي البخاري ومسلم والوقوف على ألفاظها يتبين لنا ما في هذا الحديث من التخويف الشديد والوعيد الأكيد بحق من كذب على النبي ﷺ ومن ذلك: ١- الحكم باستواء عقوبة الكذب على الرسول ﷺ سواء كان الراوي يدعي السماع يقظة من النبي ﷺ أو من أصحابه أو التابعين، أو يدعي أنه سمع الحديث من النبي ﷺ مناما، وذلك لما ورد في البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «سمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن راني في المنام فقد راني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «٤» . فالنبي ﷺ قد ذكر عقوبة الكذب بعد أن ذكر رؤيته في المنام، قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى--: (ختم البخاري الباب بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في

стр. 498

اليقظة أو في المنام. وهذا مما يعظّم أمر التحريم جدّا) «١» . ٢- المباينة الشديدة بين الكذب عليه ﷺ والكذب على غيره لقوله ﷺ : «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد» ، فإذا كان الكذب على الناس مذموما شرعا، وهو من كبائر الذنوب، التي تفضي إلى الفجور ثم إلى النار، لما ثبت عند مسلم، عن عبد الله ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكون صدّيقا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» «٢» . وهو إحدى علامات المنافق، لما ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «اية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» «٣» . فإذا كان الكذب على الناس يؤدي بصاحبه إلى النار، فكيف الكذب على الرسول ﷺ وإذا كان الكذب على الخلق من علامات المنافق فما بالكم بالكذب على سيد الخلق، ولتقريب الصورة أكثر وأكثر إلى ذهن القارئ، فإني أقول: إذا كان أبو سفيان ﵁ قد استقبح- قبل إسلامه- أن يكذب على كافر- وهو هرقل عظيم الروم- في شأن عدو لهما- وهو النبي ﷺ وخاف أن يجلب له هذا الكذب المعرة، فكيف لا يستقبح المسلم أن يكذب على صاحب أعظم منة وفضل عليه من البشر، وهو النبي ﷺ أما يخشى المعرة في الدنيا والآخرة؟!، أما يخشى العقوبة الشديدة التي وردت في الحديث، أما يستحي من الله- ﵎ أن يكذب في دينه وشرعه. وللتذكرة فإني أقول: إن الكذب على النبي ﷺ يدخل قطعا في الكذب على الله ﵎، من حيث إن النبي ﷺ ما هو إلا مبلغ عن ربه ﵎، والذي يتقول عليه، فكأنما يتقول على الله، لأن لسان حاله يقول: (إن الذي أدعيه من القول وأنسبه للنبي ﷺ هو وحي من الله تعالى أوحى به إلى نبيه ﷺ . فادعى أن كلام البشر الناقص الذي يفتقر إلى كمال الحكمة والبيان هو من كلام النبوة الموافق لعظيم الحكمة وجميل البيان، قال- تعالى-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ

стр. 499

سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] . ولا يخفى على أحد أن الذي كذب على النبي ﷺ أراد- بسوء النية أو بحسن النية- أن يجعل الناس يتعبدون الله بغير ما أراد الله وكفى بذلك شرّا وفسادا في الأرض، والذي ذكرته من مفاسد الكذب على النبي ﷺ هو الحكمة الشرعية في جعل الكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على غيره من البشر. ٣- تغليظ عقوبة الكذب على النبي ﷺ ودليله ما ورد في حديث الباب: «فليتبوأ مقعده من النار» . قال الإمام النووي- ﵀ (قال العلماء: معناه فلينزل: وقيل: فليتخذ منزله من النار، وقيل: إنه دعاء بلفظ الأمر، أي بوأه الله ذلك، وكذا «فليلج النار» ، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر أي معناه: فقد استوجب ذلك فليوطّن نفسه عليه) «١» . لطيفة: لماذا اختار النبي ﷺ وصف العقوبة بقوله: «فليتبوأ مقعده من النار» . أعتقد- والله أعلم- أنه لما كان أغلب الكذب مبعثه حبّ الكاذب أن يتبوأ بكذبه مقعدا بين الناس، جعل الله جزاءه مقعدا في النار، وما أعدله- أن جعل الجزاء من جنس العمل. أما عقوبة الكاذب على الرسول ﷺ في الدنيا، فقد قال الإمام النووي ما نصه: (ثم إن من كذب على رسول الله ﷺ عمدا في حديث واحد فسق وردّت روايته وبطل الاحتجاج بجميعها، ولو تاب وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصير في من فقهاء أصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل روايته أبدا، بل يحتم جرحه دائما. وأطلق الصير في وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعّفنا نقله لم نجعله قويّا بعد ذلك) «٢» . وقد ضعف النووي ﵀ تعالى- هذا الرأي ولكنه برر ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة بقوله: (ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرّا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة) . وقد علل الإمام النووي ما ذهب إليه من تضعيف ما قاله هؤلاء العلماء بقوله: (وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية

стр. 500

والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على ألا يعود إليها فهذا هو الجاري على قواعد الشرع) «١» . وأقول: لا خلاف عند علماء المسلمين أن التوبة النصوح لمن كذب على النبي ﷺ مقبولة إن شاء الله- تعالى- وترفع عنه الإثم في الدنيا والآخرة، ولكن الخلاف في قبول روايته مرة أخرى، فقد تقبل التوبة مع بقاء رد الرواية وهذا ليس بغريب في الشرع، فإن قاذف المحصنة لا خلاف في قبول توبته، ولكن اختلف العلماء في قبول شهادته بعد التوبة، فقد أورد ابن كثير-رحمه الله تعالى-- في تفسير قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) [النور: ٤] . الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وقال ما نصه: (إنما يعود الاستثناء على الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة. ذكره شريح «٢» ، وإبراهيم النخعي «٣» ، وسعيد بن جبير «٤» ، ومكحول «٥» وعبد الرحمن بن زيد بن جابر «٦» ) «٧» . الخلاصة: سواء قبلت رواية من كذب على النبي ﷺ أم لم تقبل، فإن الذي يهمني هنا أن أبينه للقارئ عظيم أمر الكذب على الرسول ﷺ عند الله وكذا عند علماء الأمة الأجلاء، ليتنبه المسلم ويتروى قبل أن ينسب أي قول أو فعل أو تقرير إلى النبي ﷺ وعليه أن يشعر عند رواية حديث الرسول ﷺ أنه يمشي على صراط أحدّ من السيف وأدق من الشعر وليس تحته إلا النار- أعاذنا الله منها- إن هو كذب.

стр. 501

ثالثا: بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: التحذير الشديد من الكذب على رسول الله ﷺ قال الإمام النووي: (يؤخذ من الحديث تحريم الكذب عليه ﷺ وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله) «١» . وقال الحافظ ابن حجر: (الفرق بين الكذب على النبي ﷺ والكذب على غيره أن الكذب عليه توعّد فاعله بجعل النار له مسكنا بخلاف الكذب على غيره) «٢» . ويتفرع عليه سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ حيث دعا عليه النبي ﷺ أو أخبر أن له مقعدا في النار هو ماله ومسكنه. الفائدة الثانية: ليس إثم الكذب كله سواء، فإن أعظم ما يكون فيه الإثم، الكذب على الله ورسوله ﷺ ثم يأتي بعد ذلك الكذب في الشهادات والكذب لاقتطاع حق امرئ مسلم، والكذب لبيع السلع في الأسواق ... إلى اخره. الفائدة الثالثة: جميع أنواع الكذب على النبي ﷺ في الحرمة سواء، فلا فرق بين كذب في العبادات وكذب في العادات، كما لا فرق بين كذب في الأحكام وكذب في فضائل الأعمال، ودليله أن الحديث أطلق الكذب ورتب عليه هذا الجزاء المغلظ ولم يقيد الكذب بنوع دون نوع، فعمّ جميع أنواع الكذب. قال الإمام النووي في شرح الحديث ما نصه: (لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه كالتر غيب والترهيب، والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافا للطوائف المبتدعة الذي يجيزون وضع الحديث في الترغيب والترهيب) «٣» . ويتفرع عليه قبح من يقول زورا وبهتانا عند استدلاله بأحاديث موضوعة في الترغيب والترهيب: (إنما أكذب للنبي ﷺ ولا أكذب عليه!!!) وهذه المقولة منه نهاية السفه ومنتهى الضلالة حيث حكموا على شرع الله- بالنقص والحاجة إلى الإتمام، والله يقول في محكم التنزيل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

стр. 502

الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] ، ويقول عز من قائل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] . وقد بين الإمام النووي بطلان مقولة هؤلاء السفهاء وأورد طرفا من كلامهم، قال ﵀: (وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغافلة وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيء عن قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة فخالفوا قول الله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] ، وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على احاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي) «١» . ويتفرع عليه عظيم الخطر المحدق بالدعاة إلى الله- والذين يتساهلون كثيرا في رواية الأحاديث الموضوعة- والتي يكثر ذكرها خاصة في كتب التفسير والسيرة والغزوات وفضائل الأعمال- ولا حجة لهم أنهم ينقلون تلك الأحاديث من مراجع إسلامية، وذلك لعموم النهي عن الكذب على الرسول ﷺ فيستوي الكذب إذا نقل المسلم عن مراجع إسلامية أو غيرها من الكتب، خاصة إذا اشتهر أن تلك المراجع محشوة بأحاديث موضوعة لا سيما في أنواع الكتب التي ذكرتها. وإذا قال أحد الدعاة: إني لا أستطيع التفرقة بين الأحاديث الموضوعة والصحيحة. قلت له: عليك بالكتب المحققة وهي كثيرة جدّا ولله الحمد، وعليك بكتب السنة الصحاح، فإن تعذر عليك ذلك، فالزم بيتك فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها واحذر الوقوع في الكذب على الله ورسوله. قال الإمام النووي- ﵀: (يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم- أو ظن- وضعه ولم يبين حال روايته وضعه فهو داخل في هذا الوعيد مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ «٢» . الفائدة الرابعة: كما لا تجوز رواية الأحاديث الموضوعة مهما كان موضوعها، فإنه لا يجوز أيضا رواية الأحاديث الضعيفة إلا إذا بين الراوي للمستمعين ضعف الحديث، فيمكن أن يرويه بصيغة التمريض لا بصيغة الجزم، ولكن أنبه على أن السامعين لو كانوا لا يفرقون

стр. 503

بين صيغ الجزم والتمريض، فإنه يجب على الراوي أن يوضح لهم ضعف الحديث، ولا تجزئه الرواية بصيغة التمريض لأنها لم تبين للسامع درجة الحديث فاستوى ذكرها مع عدمه. قال الإمام النووي: (قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره أن ينظر فإن كان صحيحا أو حسنا قال: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعله أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا فلا يقل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول: روى عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يروى، أو يذكر، أو يحكي، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبهه) «١» . وللدلالة على تعظيم العلماء لرواية الأحاديث النبوية والاحتياط لعدم الكذب على النبي ﷺ ، ما قاله النووي ونصه: (قال العلماء: وينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها على الشك أن يقول عقبه: (أو كما قال) . وأضاف مبينا شروط الرواية بالمعنى: (ويستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: (أو كما قال) أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم) «٢» . ولكن الإمام النووي اشترط للرواية بالمعنى كامل معرفة الراوي، أي كامل معرفته باللغة العربية، ومقاصد الحديث، ودلالة ألفاظه، وإلا وقع الراوي في الكذب على الرسول ﷺ دون أن يدري. الفائدة الخامسة: من تقوى الله تعالى ألايروي المسلم الحديث النبوي إذا خاف أن يقع في الخطأ دون أن يشعر، مع أن الخطأ مرفوع إجماعا عن هذه الأمة، ودليله ما رواه البخاري، عن عبد الله بن الزّبير قال: قلت للزّبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان!! قال: أما إنّي لم أفارقه ولكن سمعته يقول: «من كذب علي فليتبوّأ مقعده من النّار» . فمع أن الزبير بن العوام ﵁ صحابي جليل لازم النبي ﷺ كثيرا كما يذكر في الحديث ولا يخفى على أحد صلة القرابة التي تجمع بينه وبين النبي ﷺ ولا شك أن هذه الملازمة والصلة أتاحت له سماع الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، ومع أنه يعلم فضل الرواية والتحديث: إلا أنه اثر عدم الإكثار من الرواية مخافة أن يكذب على النبي ﷺ عن طريق الخطأ، وإلا فإن مثله يستحيل في حقه الكذب تعمدا. أخي القارئ: بعد هذا الإسهاب في ذكر أقوال العلماء عن حديث الباب، أود أن

стр. 504

أنصحك أنه يجب علينا جميعا أن نقف مع أنفسنا طويلا ونحاسبها حسابا عسيرا على تساهلنا في الرواية عن رسول الله ﷺ فهذا صحابي يكون معه الحديث الصحيح ويخاف من الرواية حتى لا يقع- ولو خطأ- في الكذب على رسول الله ﷺ وسيكون الصحيح في روايته أكثر بكثير من الخطأ، أما نحن فليس معنا شيء ونتجرأ على الكذب على الرسول ﷺ إما بحجة أن تلك المرويات في مراجع إسلامية مشهورة، أو عدم القدرة على تحقيق الأحاديث، أو لحبنا وهو حب أعمى- ترقيق قلوب الناس والحرص على عودتهم لحظيرة الإسلام، فهل يقبل راوي تلك المرويات أن يعود الناس لحظيرة الإسلام ويتبوأ هو مقعده في النار. ألا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ٨- شاهد على سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ عن أنس ﵁ قال: (كان رجل نصرانيّا فأسلم وقرأ البقرة وال عمران، فكان يكتب للنّبيّ ﷺ فعاد نصرانيّا، فكان يقول: ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح، وقد لفظته الأرض. فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه لمّا هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا فأصبح، وقد لفظته الأرض. فقالوا هذا فعل محمّد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لمّا هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض. فعلموا أنّه ليس من النّاس، فألقوه) «١» . هذا شاهد عظيم على سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ ، شاهد يقشعر منه البدن وينفطر له القلب، ومن منا يسمع ويتدبر هذا الحديث ولا يخاف من أدنى الكذب على الرسول ﷺ وستتضمن الفوائد استعراض مظاهر سوء العاقبة التي أحاطت بالرجل. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: عظيم نصرة الله- لنبيه ﷺ وإظهار غيرته عليه للعالمين، حيث انتقم شر الانتقام ممن قال في حق نبيه ﷺ : «ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له» . ويتفرع عليه التحذير الشديد لمن كذب على الرسول ﷺ فمن منا يحب أن تكون عاقبته مثل هذه العاقبة. الفائدة الثانية: مظاهر سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ وهو مرادي من إيراد هذا الحديث:

стр. 505

١- غضب الله عليه وانتقامه منه: ورد في رواية مسلم (فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم) «١» . وهو مشعر أن الله لم يمهله كثيرا بعد ما قال، ومشعر أيضا أن ما حدث له بعد موته اعتبره الناس انتقاما من الله الواحد القهار. ٢- عدم قدرة باطن الأرض على تحمله: فمع أن الأرض قد حوت في باطنها الكثير ممن تقوّل على الله ورسوله، إلا أنها لم يسعها أن تضم رفات هذا المرتد لشنيع ما قال في حق النبي ﷺ فطرحته الأرض ونبذته من أعماق باطنها ثلاث مرات، ويصف الراوي ما حدث في كل مرة بقوله: (فأصبحت الأرض وقد نبذته على وجهه) ، وهل قصدت الأرض أن تنبذه على وجهه خاصة دون سائر أعضائه لأن الوجه محل تكريم الإنسان فيكون ذلك منتهى الإهانة والمذلة له؟ أم نبذته على الوجه لأن الوجه قد احتوى الجوارح التي كذب بها الرجل على النبي ﷺ وهما اللسان والشفتان؟. ٣- من أعظم النكايات التي حدثت للرجل أن أصحابه من أهله وعشيرته قد تخلو عنه في وقت هو أحوج ما يكون إليهم، فعند مسلم (فتركوه منبوذا) . ويتفرع عليه تصديقنا بما أخبرنا به أصدق القائلين- ، أن يوم القيامة سيفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، قال- تعالى-: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس: ٣٤- ٣٥] . الفائدة الثالثة: عجيب قدرة الله- ؛ إذ جعل في الأرض القدرة على أن تنبذ الرجل وتلفظه، ولا يقف كون القوم قد أعمقوا جدّا حائلا عن امتثال الأرض لأمر الله- . الفائدة الرابعة: قد يعجل الله العذاب لأعدائه في الدنيا على مرأى ومسمع من الناس، وقد يعذب المكذب ولا يطلع على عذابه أحد من الناس، وقد يؤخر الله العذاب إلى ما بعد الحياة الدنيا، ولكن ما نقطع به أن العذاب النفسي واقع بالمكاذبين في الدنيا لقوله- تعالى-: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) [طه: ١٢٤] . وأن العذاب المادي يبدأ لا محالة مع سكرات الموت ويستمر حتى يستقر المكذبون في نار جهنم- أعاذنا الله منها- وكل هذه الأحوال لعذاب المكاذبين في الدنيا والآخرة موافقة للعدل المطلق والحكمة البالغة.

стр. 506

الفائدة الخامسة: عناد أهل الزيع والضلال، وترفعهم عن قبول الحق، والانصياع له ليس بسبب التباس الأمر عليهم أو ندرة الآيات الدالة على عظيم قدرة الله- أو قلة المعجزات الباهرات التي أيد الله بها نبيه ﷺ وإنما كان عدم إيمانهم بسبب مرض قلوبهم واستكبارهم وتقديم الدنيا وشهواتها على الآخرة وملذاتها، ذلك أنهم قد علموا أن لفظ الأرض لصاحبهم ليس من فعل النبي ﷺ أو أصحابه أو غيرهم وإنما هو من فعل رب الناس ولذلك سلّموا أنه لا طاقة ولا حيلة لهم لدفنه فتركوه منبوذا من لحظتها، وورد في الحديث: (فعلموا أنه ليس من الناس) . أي أن لفظه على وجهه ليس من فعل الناس. ثانيا: وجوب تعظيمه وتحريم إيذائه ﷺ ١- وجوب تعظيمه وإجلاله ﷺ : إن تعظيم النبي ﷺ وإجلاله لمن أعظم درجات المحبة والتقدير من أحبابه الذين لم يروه، فكيف بهم لو رأوه ﷺ في أبهى صوره وجميل خلقه وخلقته؟!. قال تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج: ٣٠] ، ولا شك أن أعظم الحرمات ايات الله ورسله. وقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) [الفتح: ٩] . كلام العلماء في تفسير هذه الآية قريب في المعنى، فسأكتفي بذكر ما قاله بعضهم نصّا للدلالة على أقول الآخرين، قال الإمام الطبري- ﵀: (ويعزروه يعني الإجلال ويوقروه يعني التعظيم، وقيل: يعزروه أي ينصروه، ويوقروه يعني ويفخّموه، وقال اخرون: أمر الله بتسويده وتفخيمه) ، ثم قال- ﵀: (وهذه الأقوال متقاربات المعنى وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها) «١» . ومعنى التعزير في هذا الموضوع: التقوية بالنصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال، ثم قال- ﵀: (وقوله: وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات. والهاء في قوله: وَتُسَبِّحُوهُ من ذكر الله وحده دون رسوله) . انتهى. وقال الحافظ ابن كثير- ﵀: (وتوقروه: من التوقير وهو الاحترام والإجلال

стр. 507

والإعظام، وتسبحوه بكرة وأصيلا: تسبحون الله أول النهار واخره) «١» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: علو منزلة النبي ﷺ عند ربه ﵎، إذ وجه الله أو امر ربانية للمؤمنين في خطاب واحد يرجع بعضها إليه سبحانه، وبعضها خاص بالنبي ﷺ دون تفصيل في الآية الكريمة، وإنما كان التفصيل من قبل العلماء، بعلمهم ما يجب لله وما يجب لرسوله ﷺ . قال الإمام القرطبي- ﵀: (وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وهو: تسبحوه من غير خلاف، وبعضه راجعا إلى رسوله ﷺ وهو: وتعزروه، وتوقروه أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية) «٢» . الفائدة الثانية: بلاغة القران الكريم وفصاحته حيث ذكر أمورا عظيمة هي من أصول الإيمان في كلمات معدودة، قال الشيخ السعدي- ﵀: (ذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله وهو: الإيمان بهما والمختص بالرسول وهو التعزير والتوقير والمختص بالله وهو: التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها) «٣» . الفائدة الثالثة: بيان عظيم حق النبي ﷺ على عموم أمته، وما ينبغي له من الإجلال والتوقير، وفاء لما قام به ﷺ قال الشيخ السعدي- ﵀: (أي تعظموه وتجلّوه وتقوموا بحقوقه كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم) «٤» . ويتفرع عليه؛ بيان ما نحن فيه من التفريط في حقه ﷺ فما بلغنا معشار ما كان عليه الصحابة ﵃ من إجلال وتوقير وتفخيم شخص النبي ﷺ وقد وضحت ذلك في مواضع عديدة من هذا الكتاب. فلله الحمد والمنة. ٢. تحريم إيذائه ﷺ : فكما فرض الله- تعالى- على عباده أن يوقروا الرسول ﷺ ويعظموه ويكبروه في أنفسهم ويفتدوه بكل شيء فكذلك حرم الله ﵎، على عباده أن يؤذوه بأي نوع من أنواع الإيذاء، فقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) [الأحزاب: ٥٧] .

стр. 508

وقال- تعالى-: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: ٥٣] . شددت الآية جدّا في أمر إيذاء النبي ﷺ ومن مظاهر ذلك التشديد: ١- إيراد إيذاء الله- خالق كل شيء ومليكه- وإيذائه ﷺ في اية واحدة مع الجمع بينهما بحرف العطف (الواو) ، ولو لم يقترن ذلك بأي تهديد أو وعيد أو ذكر عذاب لكفى بذلك تغليظا لأمر إيذائه ﷺ فكيف إذا اقترن؟ ٢- تضعيف العذاب على من اذى النبي ﷺ حيث جمع الله له بين عذابي الدنيا والآخرة، فعليه في الدنيا لعنة وفي الآخرة لعنة، فهل يفلح رجل يمشي على الأرض عليه لعنتان، إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، ولعظيم جرمه لم تكن اللعنتان كافيتين، فقد بشرته الآية بعذاب مهين- أي ذي إهانة- أعده القوي العزيز خصيصا له. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظيم غيرة الله- على نبيه ﷺ إذ قرن إيذاءه- بإيذاء النبي ﷺ وقد جعل العقوبة على الإيذائين واحدة، فكان غضب الله- من إيذاء النبي ﷺ لا يقل عن غضبه- من إيذاء نفسه الكريمة المقدسة. قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (والظاهر أن الآية عامة في كل من اذاه ﷺ ومن اذاه فقد اذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله) «١» . وهذه الغيرة إنما تدل على عظيم حب الله- لنبيه ﷺ . فإن سأل سائل: وهل يغار الله ؟ قلت: نعم، ودليله حديث أبي هريرة ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله يغار، وغيرة الله، أن يأتي المؤمن ما حرّم الله» «٢» . الفائدة الثانية: أثبتت الآية الكريمة أن الله يبلغه إيذاء الناس، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «قال الله تعالى: يؤذيني ابن ادم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار» «٣» .

стр. 509

أما الضرر فلا يبلغ الله- أبدا، ودليله حديث أبي ذر ﵁ وفيه «يا عبادي: إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» «١» . الفائدة الثالثة: أثبتت الآية؛ عصمة النبي ﷺ حيث توعدت كل من اذاه بالعذاب المهين، ولو أنه ﷺ فعل شيئا يتوجه إليه اللوم بسببه لقيدت الآية العذاب على من اذاه بما لم يفعل أو يقل، كما وردت الآية التي تليها، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) [الأحزاب: ٥٨] . الفائدة الرابعة: هذه الآية يجب أن تكون رادعة ومخوفة لكل من تسول له نفسه أن يؤذي النبي ﷺ سواء في نفسه، أو أصحابه، أو زوجاته، أو أهل بيته، أو أتباعه إلى يوم الدين، قال الشيخ السعدي- ﵀: (لما أمر تعالى بتعظيم رسوله ﷺ والصلاة عليه؛ نهى عن أذيته وتوعد عليها، وهذا يشمل كل أذية قولية، أو فعلية من سب، وشتم، أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعو عليه بالأذى) . وأضاف- ﵀ قائلا: (فأذية الرسول ﷺ ليست كأذية غيره؛ لأن العبد لا يؤمن بالله حتى يؤمن برسوله ﷺ وله من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان ما يقتضي ألايكون مثل غيره) «٢» . ٣- إفراد إيذائه بالوعيد: إن كل من تسوّل له نفسه أن يؤذي رسول الله ﷺ قد توعده رب العزة- ﵎ بأشد أنواع العذاب؛ لأنه- عاصم نبيّه وحافظه من كل سوء، فمقامه ﷺ التعظيم، وليس الإيذاء أو الانتقاص. قال- تعالى-: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦٠، ٦١] . وأوردت هذه الآية، ردّا على من قد يتوهم من الباب السابق، أن الوعيد متوجه لمن يؤذى الله ورسوله معا، فالأمر ليس كذلك. ففي الآية تخويف ووعيد لكل من يتجرأ على السنة وصاحبها ﷺ بغمز أو لمز، تصريحا كان أو تعريضا، صغيرا أو كبيرا؛ لأن الآية أطلقت، ولم تحدد نوع الإيذاء ولا حجمه، فيدخل فيه كل ما ذكر. وهذا تعظيم وحماية لجانب النبوة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: (من سب النبي ﷺ من مسلم

стр. 510

أو كافر؛ فإنه يجب قتله، وهو مذهب عامة أهل العلم، ثم ذكر-رحمه الله تعالى-- أن هذا هو مذهب مالك والليث «١» وأحمد وإسحاق بن راهواه «٢» ، والشافعي) «٣» ، ونقل عن القاضي عياض «٤» قوله: (أجمعت الأمة على قتل منتقص النبي ﷺ أو من سابه من المسلمين، كما نقل عن الإمام إسحاق بن راهواه قوله: أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئا مما أنزل الله ، أو قتل نبيا من أنبياء الله ، أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله، أما الإمام أحمد- ﵀ فقد نقل عنه قوله: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أنه يقتل ولا يستتاب) . ٤- غضب غلمان الصحابة لإيذاء النبي ﷺ ، وانتقامهم لذلك: عن عبد الرّحمن بن عوف ﵁ أنّه قال: (بينا أنا واقف في الصّفّ يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنّيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم. وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنّه يسبّ رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتّى يموت الأعجل منّا. قال: فتعجّبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في النّاس. فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الّذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتّى قتلاه ثمّ انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه. فقال: «أيّكما قتله؟» فقال كلّ واحد منهما: أنا قتلت. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السّيفين، فقال: «كلاكما قتله» ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرّجلان؛ معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء) «٥» .

стр. 511

الشاهد في الحديث: هو قول كل غلام: «أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ » بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ : ١- عظيم منزلته عند أصحابه، وغضبهم له أشد الغضب، وإرادة الانتقام من كل من يؤذيه، فإن سأل سائل، ألم ير الغلامان أن الشرك بالله أعظم من سب رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، ولكنهما ذكرا السب؛ لأن كل عسكر الكفار كانوا يكفرون بالله، فاستوى ذلك الذنب في حقهم جميعا، ولكنهما عظّما قبح أمر أبي جهل أنه أضاف إلى كفره بالله، سبّه للنبي ﷺ لذلك نصّا في مقولتيهما على السب. ٢- رحمته ﷺ بأصحابه حيث حكم للغلامين، بقتل أبي جهل، تطييبا لخاطرهما، فقال: (كلاكما قتله) ؛ لأنه ﷺ رأى الدم على سيفيهما جميعا. ٣- فراسته ﷺ ، حيث طلب النظر إلى سيفيهما ليعلم أيهما قتل أبا جهل. ٤- عدله ﷺ حيث قضى بالسلب لمعاذ بن عمرو، وذلك لأن معاذ بن عمرو هو الذي أثخن أبا جهل بالضربة الأولى ثم ضربه معاذ بن عفراء بعد ذلك، فقال لهما ﷺ : كلاكما قتله، تطييبا لخاطرهما، فلما جاء القضاء بالسّلب قضى به لمعاذ بن عمرو لأنه هو الذى يستحقه شرعا فلم يكن ﷺ ليفعل غير ذلك. وهذا لا يمنع من أنه ﷺ قد أرضى معاذ بن عفراء بعد ذلك بشيء من المال على سبيل المكافأة أو الهدية أو غير ذلك، أو كان له سهم في المغانم، فاكتفى به ﷺ . الفائدة الثانية: في الغلامين: ١- أدبهما: حيث خاطبا عبد الرحمن بن عوف ﵁ ﵁ بقولهما (يا عم) للتوقير، فقد راعيا كبر سنه وحداثة أسنانهما. ٢- شجاعتهما: حيث طلبا معرفة أبي جهل ليقتلاه، رغم صغر سنهما قال الراوي: (حديثة أسنانهما) ، وانظر أين سيكون القتل؟! في موقعة فيها الكر والفر والتحام الصفوف، وتطاير النبال والسهام، وكل ذلك لم يخفهما أو يثبط من عزيمتهما. ٣- تصميمها على قتل أبي جهل أو الموت دونه، قال كل منهما: (والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا) ، فالأمر بالنسبة إليهما لم يكن مجرد محاولة لقتل أبي جهل، أو أداء الواجب، بل تصميم وعزيمة، لا يثنيها شيء، فقد أقسما بالله

стр. 512

أنهما لن يفارقاه في حال رؤيته حتى يموت أحدهما، ولو مسّهما من العذاب ما مسهما. ٤- حبّهما الشهادة في سبيل الله: والحرص عليها، واستعدادهما لها، من قبل دخول المعركة، لقولهما: (حتى يموت الأعجل منا) . ٥- قوتهما: ويظهر ذلك من قول عبد الرحمن بن عوف ﵁: (تمنيت أن أكون بين أضلع منهما) . والضلاعة هي القوة، فيظهر هذا جليّا في تصرفهما لما رأيا أبا جهل، لقول الراوي: (فابتدراه بسيفيهما فضرباه) ، وهو يدل على غاية القوة، وكمال الشجاعة. ٦- حبهما البالغ للنبي ﷺ رغم حداثة سنهما، ويظهر ذلك في: أ- سؤالهما عن أبي جهل ليقتلاه، ولما سئلا عن حاجتهما له قال كل منهما: (أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، فكأنهما لم يريا شيئا في أبي جهل يستحق عليه القتل أعظم من أنه يسب رسول الله ﷺ وهذا يدل على شدة غضبهما على من يؤذي رسول الله ﷺ ولو بالقول دون العمل، وإرادة الانتقام منه، وبذل أقصى الجهد لتحقيق ذلك، فإما موت أبي جهل، وإما موتهما، ولم يفكرا في حل ثالث، وكأنهما لا يستطيعان العيش، وأحد المشركين يسب رسول الله ﷺ وانظر إلى فصاحة كل منهما في قوله: (أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، فهما لم يسمعا السب، ولم يخبرانا عن اسم من أخبرهما، فكل هذا لا يهم، المهم عندهما، قتل من يسب رسول الله ﷺ وانظر إلى استخدامهما لفظ (أخبرت) دون (سمعت) ، فكأن إخبارهما بالخبر كان مقصودا به الانتقام لرسول الله ﷺ ؛ لأن السماع يشترك فيه كل الناس، من يهمه الأمر ومن لا يهمه، ومن يقصد إيصال الخبر إليه ومن لا يقصد، كما أن لفظ «أخبرت» يشعر بعزة نفس كل منهما، وعلو شأنهما، وهو أمر محمود في ساحة القتال. ب- ذهابهما مباشرة بعد قتل أبي جهل، إلى رسول الله ﷺ وكأن غايتهما من حضور الغزوة قد انتهى بالقضاء على من يسب رسول الله ﷺ والدليل على أنهما ما قتلا أحدا بعده، أن دم أبي جهل ما زال على سيفيهما، فقد ورد في الحديث: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. وأعتقد أنهما حرصا على بقاء دم أبي جهل حتى يشعرا رسول الله ﷺ أنهما قد انتقما له من أبي جهل، فالإخبار بالقتل غير معاينة الدم. ج- رد كل منهما على سؤال النبي ﷺ : «أيكما قتله؟» ، بإجابة واحدة: (أنا قتلته) ، مع أن القاتل الحقيقي واحد، وهو الذي أثخن جرحه وأعجزه عن المبارزة، ولكن ادعى كل

стр. 513

منهما ذلك لاسترضاء النبي ﷺ ، وحرصهما على إظهار حبهما له، وأن يتشرف كل منهما بإدخال الفرحة والسرور على قلب رسول الله ﷺ . ٧- أدبهما في حضرة النبي ﷺ حيث لم يتجادلا أمامه فيمن أعجل أبا جهل بالضرب، واكتفى كل واحد منهما بقوله: (أنا قتلته) . حتى بعد أن حكم النبي ﷺ بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح، لم يعقب على الحكم معاذ بن عفراء، مع صغر سنه، وحرصه على قتل أبي جهل أو الموت دونه، ولكن الرضى بحكم رسول الله ﷺ . الفائدة الثالثة: معرفة الهمّ الذي كان يشغل أولاد الصحابة، حديثي الأسنان ﵃، والوقوف على أولوياتهم في التفكير، فقد علمنا من الحديث أن همهم الأكبر وأولى أولوياتهم، قتل من ينتهك حرمات الله- ، وحريّ بنا هنا أن نذكّر بحكمتهما وسعة أفقهما، حيث إن الغلامين قد وقفا عن يمين ويسار عبد الرحمن بن عوف، قال ﵁: (فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار) ، والحكمة من الوقوف على هذه الكيفية، أن يسمعاه جيدا، فقد راعيا أنهما من صغار السن، أجساد صغيرة وأصوات غير مسموعة، ومن حكمتهما أيضا، أنهما غمزا عبد الرحمن بن عوف ﵁ قبل التحدث معه، ليلفتا انتباهه فينظر أيمن وأشأم منه. الفائدة الرابعة: استخفاف الله- بأبي جهل، كما كان يستخف بالنبي ﷺ ووجه ذلك: ١- أنه سبحانه جعل موت أبي جهل على يد غلام حدث صغير السن، وليس على يد رجل فارس قوي. ٢- جعل مكان دفنه هو قليب بدر، بعد أن تعفنت جثته وجثث أقرانه. ٣- وقوف النبي ﷺ على رأسه في القليب على مرأى ومسمع من أصحابه، ﵃، يوبخه ويوبخ من هلك معه ففي حديث عمر بن الخطاب ﵁ في خبر هؤلاء القتلى بعد أن ألقوا في البئر قال: فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقّا!!» قال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟! قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا» «١» .

стр. 514

ثالثّا: تأديب الأمة في التعامل مع النبي ﷺ ١- اداب الاستئذان منه ﷺ : قال- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) [النور: ٦٢] . أمر الله- عباده المؤمنين باداب الاستئذان من الرسول ﷺ إذا كانوا معه على أمر جامع، كصلاة جمعة أو عيد أو اجتماع في مشورة أو جهاد، وأنزل في ذلك اية كاملة من كتابه العزيز فيها توجيهات للمؤمنين وتوجيهات للنبي ﷺ تبين عظم قدر اجتماع النبي ﷺ بأصحابه ﵃ وأن الذهاب عنه يجب أن يكون باداب معينة ولحاجة مهمة، وهذه التوجيهات هي: ١- وجوب استئذان الصحابة ﵃ من الرسول ﷺ قبل الذهاب من عنده في حال كونهم معه على أمر تتطلب الضرورة، أو المصلحة أن يكونوا معه جميعا. ٢- ألا يكون الاستئذان إلا لشأن هام (وهو الشغل أو المصلحة) قال- تعالى-: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ [النور: ٦٢] . ٣- للنبي ﷺ أن يأذن لمن شاء من أصحاب الأعذار، وله أن يرد من شاء بدون إذن. يتفرع على ذلك، أن نعلم أن الله أراد أن يربي هذه الأمة على العزيمة والطاعة المطلقة لولي الأمر، ويتمثل ذلك في عدم الإذن لكل مستأذن أن ينصرف. ٤- أمرت الآية النبي ﷺ أن يستغفر لمن استأذن من أصحاب الأعذار، والعجيب أن الآية وجهت النبي ﷺ أن يستغفر للمستأذن، ولم توجهه بأن يعتذر لمن لم يإذن له بالانصراف. هذه هي التوجيهات الربانية للنبي ﷺ وأصحابه بخصوص الاستئذان، [فوائد الآية] أما فوائد الآية الكريمة فهي: الفائدة الأولى: تعظيم أمر استئذان الصحابة من الرسول ﷺ ويتبين ذلك في: ١- جعل الله تعالى الاستئذان من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله، والعجيب أن يذكر ذلك قبل ذكر الاستئذان وبعده، فقبل ذكره قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ

стр. 515

وَرَسُولِهِ، فبدأت الآية ب إِنَّمَا التي تفيد الحصر، فكأنما حصرت الآية صفات الذين استكملوا الإيمان في أمرين هما: الإيمان بالله ورسوله، واتباع اداب الاستئذان من النبي ﷺ ، وبعد ذكر الاستئذان أكدت الآية هذا المفهوم بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لهذا الحد وصل تعظيم الاستئذان من النبي ﷺ . ويتفرع عليه؛ تعظيم كل ما يتعلق بالنبي ﷺ فإذا كان الالتزام باداب الاستئذان منه هو من الإيمان، فمن باب أولى أن يدخل في الإيمان حبه والتزام سنته وتوقير زوجاته وأهل بيته وكثرة الصلاة والسلام عليه، فكل ذلك من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله. ٢- عدم جواز الاستئذان إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا الاستئذان، قال- تعالى-: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ. ٣- ليس الاستئذان للضرورة أو المصلحة موجبا لصدور إذن النبي ﷺ بالذهاب، فالله- أعطى للنبي ﷺ حق الإذن من عدمه، قال تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ. ٤- الاستئذان للضرورة موجب لاستغفار النبي ﷺ للمستأذن، فمع أن المستأذن لم يستأذن إلا للضرورة، ومع أنه لم يذهب إلا بمشيئة النبي ﷺ إلا أن الآية قد أمرت النبي ﷺ بالاستغفار له، ولكن ما حكمة الاستغفار؟ قال الشيخ السعدي «١» - رحمه الله تعالى: (لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان) . انتهى. كما يمكن القول: إن الاستئذان من الرسول ﷺ في الأمر الجامع يجب الاستغفار منه؛ لأن هيئة الاستئذان والخروج لا تناسب ما أمر الله به الصحابة من وجوب تقديم النبي ﷺ على أنفسهم حتى ولو كان سبيله التضحية بمصالحهم وجميع شأنهم، قال- تعالى-: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كما أنه على كلام الشيخ- رحمه الله تعالى- فإن الاستغفار شرع لمن كان مقصرا في استئذانه والآية لم تقيد حالا دون حال. الفائدة الثانية: إثبات أن للعبد مشيئة تنسب إليها كل أفعاله، ويكون الحساب يوم القيامة لأفعاله التي صدرت عن مشيئته، قال تعالى-: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ. كما يؤخذ من الآية: أنه لا يجب علينا أن نذكر في كل كلامنا، مشيئة الله، قبل ذكر مشيئة العبد فلا يجب أن نقول مثلا: (شاء فلان أن يسافر بعد مشيئة الله) ، ودليله أن الآية

стр. 516

قد أثبتت للنبي ﷺ مشيئة في الإذن دون أن تقيدها بمشيئة الله- تعالى- أو حتى تذكرها. الفائدة الثالثة: إن اجتمع في الأمر الواحد ضرران وتعذر رفعهما معا، فيجب دفع أعظمهما ولا ضير في إبقاء أخفهما، لأن النبي ﷺ كان من حقه ألا يأذن لمن يشاء، مع أن عدم الإذن لصاحب العذر فيه ضرر عليه، ولكن الإذن له فيه ضرر أعظم، فدفع الضرر الأعظم بالضرر الأخف، وهذه من القواعد الشرعية العظيمة إذ كان ﷺ ينظر في أحوال أصحابه، فمن كان الإذن له أخف ضررا أذن له، وإلا لم يأذن له. الفائدة الرابعة: قد تأتي الأوامر الشرعية بعكس ما يتمنى الإنسان ويهوى أو ضد ما يراه من مصالحه الدنيوية، فيجب عليه أن يسلم بكل ما أمر الله- بنفس راضية مطمئنة وليعلم أنه يجب عليه أن يضحي بأمور كثيرة في طريقه إلى الله ورسوله، وأن الجمع بين كل أمور الدنيا وكل طاعة لله ورسوله أمر مستحيل، ألم تر أن الله- قد أمر التاجر أن يترك تجارته عند النداء إلى الصلاة من يوم الجمعة أليس في هذه التجارة مربح له كما يعتقد؟ ألم تر أن الله قد أمرنا أن ندع الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس شهرا كاملا، وهو ما قد يؤثر سلبا على قضاء البعض لمصالحه الدنيوية، وغير ذلك كثير، وشاهده من الآية التي معنا أن المستأذن لعذر قد لا يؤذن له. الفائدة الخامسة: استغفار النبي ﷺ لأصحابه وهو قطعا أرجى في القبول من استغفار الصحابة لأنفسهم، ولذلك أمر الله- النبي ﷺ بالاستغفار لمن أذن له بالذهاب، وهذا يدل أيضا على حب الله- للصحابة ﵃ والأمر بكل ما من شأنه أن ينقيهم من اثار ارتكاب الذنوب أو تركهم للأولى من الأمور. ٢- اداب زيارته والدخول عليه في بيته ﷺ : قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣] . كما علم الله- الأمة ما ينبغي عليهم اتباعه والتحلي به عند مخاطبة النبي ﷺ أو الاستئذان منه، علمهم أيضا اداب دخول بيوته ﷺ كما سنرى: أولا: أسباب نزول الآية الكريمة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم

стр. 517

فطعموا، ثمّ جلسوا يتحدّثون، وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام، فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام فلمّا قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفر فجاء النّبيّ ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثمّ إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النّبيّ ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتّى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... الآية) «١» . ثانيا: بيان اداب دخول بيوت النبي ﷺ : ١- أكدت الآية أن الأصل في دخول بيوت النبي ﷺ هو التحريم، ثم لا يكون الدخول إلا بشروط، ودليله أن الآية بدأت بقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، والنهي يقتضي التحريم. ٢- نصت الآية على شروط دخول بيوت النبي ﷺ حتى يكون الدخول مشروعا غير محرم، والشروط هي: أ- الدعوة إلى الطعام، قال- تعالى-: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. ب- عدم تحين وقت نضج الطعام لقوله تعالى-: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أي غير ناظرين إلى وقت نضجه. قال الحافظ ابن كثير: (أي غير متجينين نضجه واستواءه أي لا ترقبوا الطعام إذا نضج حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه) «٢» . ج- وقت الدخول لتناول الطعام يكون عند الإذن. قال القرطبي- ﵀ (فأكد المنع وخص وقت الدخول بأن يكون عند الإذن على جهة الأدب، قال ابن العربي «٣» وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا) «٤» . د- تحريم الاسترسال في الحديث بعد تناول الطعام، قال الإمام القرطبي: (وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة) ، كما قال: (أمر- تعالى- بعد الإطعام بأن يتفرق جميعهم وينتشروا والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل. والدليل على ذلك أن الدخول حرام وإنما جاز لأجل الأكل فإذا انقضى الأكل زال السبب المبيح

стр. 518

وعاد التحريم إلى أصله) «١» . انتهى. وكلام القرطبي يؤكد ما ذكرته من أن الأصل في دخول بيوت النبي ﷺ هو التحريم، وهذا مقتضى كلام الشيخ السعدي- ﵀ حيث قال في تفسيره للآية الكريمة: (لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا بشرطين: الإذن لكم بالدخول، وأن يكون دخولكم بمقدار الحاجة وذلك قبل الطعام وبعده) . ومما يؤكد أن الأصل في الدخول هو التحريم ما قاله الإمام القرطبي ونصه: (يقول الله لأصحاب رسول الله ﷺ : يا أيها الذين امنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا أن تدعوا إلى طعام تتناولونه فيها) «٢» . مما ذكر يتضح بجلاء عظيم شأن بيوت النبي ﷺ وما ضمنه الله- ﵎ في كتابه العزيز من حفظ تلك البيوت وإلزام المؤمنين توقيرها وعدم التعدي عليها وعلى أهلها بما يؤذيهم أو يهتك سترهم أو يشق عليهم، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما ورد في نفس الآية من الآداب الواجب اتباعها عند سؤال أزواج النبي ﷺ متاعا، وهو ما سأورده- إن شاء الله- في باب (تعظيم زوجاته ﷺ . ثالثا: بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: جود النبي ﷺ مع أضيافه وإيثارهم على نفسه وأهل بيته، فمع أن البيوت كان لا يوقد فيها نار لشهرين بثلاثة أهلة، إلا أنه ﷺ كان يتكلف الطبخ لأضيافه إن استطاع، لقوله- تعالى-: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، ويترتب عليه استحباب إكرام الضيف بطبخ ما يقدر عليه أهل البيت. الفائدة الثانية: وجوب إجابة الدعوة إلى الطعام، لقوله- تعالى-: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يصدّق ذلك: أنّ ابن عمر ﵁ كان يقول عن النّبيّ ﷺ : «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسا كان أو نحوه» «٣» . الفائدة الثالثة: من الآداب الإسلامية الرفيعة في الزيارة عدم المشقة على أهل البيت المضيف، فلا يشرع الاسترسال في الحديث بعد الطعام، إلا إذا علم أن صاحب البيت يحب ذلك، ولكن يجب التنبيه في وقتنا الحاضر، أن صاحب البيت يمكن أن يستأنس بحديث أصحابه مع وجود بالغ المشقة على أهله، فيجب على الزائر مراعاة ذلك.

стр. 519

الفائدة الرابعة: الأدب القراني في تعليم الأمة: أ- قال تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وعفّ عن الأمر بالخروج، مع أن اللفظين بمعنى واحد، ولكن قد يكون في قوله: (فاخرجوا) أذى لأذن السامع ومشاعره، ويتفرع عليه أن على المعلم أو الداعية أن يتخير من الألفاظ أبعدها عن إيذاء السامع. ب- ذكر حكمة الأمر أو النهي؛ لأن في هذا سلوى لمن توجه إليه الخطاب، خاصة إذا كان الأمر يحول بينه وبين ما يحب، قال- تعالى-: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ. الفائدة الخامسة: غيرة الله- على نبيه ﷺ وحرصه على رفع أي أذى يصيبه ولو كان أذى معنويّا، ومن شدة عناية الله- بنبيه وحبه لإظهار تلك العناية للعالمين، أن القران لم يكتف برفع الأذى عن النبي ﷺ ، بل نص على أن ذلك الحكم ما كان إلا بسبب تأذي النبي ﷺ . قال تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [الأحزاب: ٥٣] . ويتفرع على ذلك: التهديد الشديد، والوعيد الأكيد لمن تسبب في إيذاء النبي ﷺ حتى بعد وفاته؛ لأن الله لا يحب أدنى إيذاء له ﷺ وإن كان هذا الإيذاء قد وقع بسبب أمور يعتقدها الناس من العادات وليس من العبادات، فما بالكم لو وقع الإيذاء فيما هو أكبر من ذلك، وهو ما يتعلق بأمور التشريع والسنة؟!. الفائدة السادسة: إثبات عدم استحياء الله من الحق، ولكن إذا كان على المسلم أن يقول الحق، فيجب عليه أن يتخير أحسن الطرق وأجمل الألفاظ لتوصيل الحق إلى السامع كما نوّهت انفا. ٣- اداب مخاطبته ﷺ : قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) [الحجرات: ٢، ٣] . وهذا أدب اخر، علمه الله- الأمة، وأمرهم أن يتبعوه عند مخاطبة أشرف الخلق نبينا محمد ﷺ وهو عدم رفع الصوت في حضرة النبي ﷺ بحيث يعلو صوت المتكلم على صوته، وهو أدب رفيع ربّى الله- الأمة عليه كما سيأتي

стр. 520

مفصلا- إن شاء الله- تعالى- وسنذكر أولا سبب نزول الآية ، ثم ما في الآية الكريمة من فوائد، ثم نختم بكيفية تفاعل الصحابة مع الآية. أولا: سبب نزول الآية: ذكر العلماء عدة أسباب لنزول الآية، تدور كلها في معنى واحد وهو رفع طائفة من الصحابة صوتهم على صوت النبي ﷺ كالأعراب الذين يتصف الغالب منهم بالجفاء في الحديث والغلظة في المعاملة، وقد ورد في سبب النزول عن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر- ﵄، رفعا أصواتهما عند النّبيّ ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل اخر فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلّا خلافي. قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية، قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتّى يستفهمه) «١» . تدبر أخي القارئ فيمن نزلت هذه الآية الكريمة، لقد نزلت في خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ أبي بكر وعمر ﵄، في رجلين معلوم فضلهما وسبقهما إلى الإسلام، فما من أحد أعظم منة على الإسلام وأهله من الصديق، وما من أحد أعز الله به الإسلام أكثر من عمر، ﵄، ومع ذلك لا يستحي الحق- ﵎ أن يأدبهما ويرشدهما إلى السلوك القويم الذي ينبغي أن يسلكاه في حضرة النبي ﷺ فإذا قدّر الله- أن يتسامح مع أحد في رفع صوته فوق صوت نبيه ﷺ لتسامح مع أبي بكر وعمر ﵄، وحسبهما قربهما من النبي ﷺ وحبه لهما، فكيف نتصور أن يتسامح الله لمن هو دونهما في الفضل والسبق، إذا لم يتأدب مع النبي ﷺ ؟! واسمع لما يقول ابن أبي مليكة: (كاد الخيران أن يهلكا) . فلم يشفع لهما مكانتهما أن يهلكا إذا لم يلزما الأدب في حضرة النبي ﷺ . ثانيا: بعض فوائد الآية: الفائدة الأولى: تحريم رفع الصوت في حضرة النبي ﷺ بحيث يعلو صوت المتكلم صوته ﷺ قال القرطبي- رحمه الله تعالى-: (معنى الآية الأمر بتعظيم النبي ﷺ وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم

стр. 521

وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة) «١» . وأعتقد أن رفع الصوت المذكور في الآية من كبائر الذنوب؛ لأن الله- ﵎ رتب عليه عقوبة عظيمة وهي إحباط العمل، كما سيأتي. الفائدة الثانية: في الآيات الكريمات مظاهر عديدة تدل على تعظيم شأن الرسول ﷺ ومن مظاهر ذلك: ١- لم تقتصر الآية الأولى على تحريم رفع الصوت فحسب بل ضمت له أدبا اخر وهو تحريم الجهر له بالقول، كما يجهر أفراد المسلمين بعضهم لبعض، أي أن الحديث مع النبي ﷺ ومناداته والخطاب معه يجب أن يكون متميزا عن الخطاب مع غيره من عموم المسلمين، خطاب يدل على توقيره وإجلاله وتعظيم شأنه، يوضح ذلك قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، وقد وضح الإمام القرطبي طرفا من اداب الحديث مع النبي ﷺ ومخاطبته بقوله: (أي لا تخاطبوه: يا محمد ويا أحمد ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله توقيرا له، وأضاف- ﵀ أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه فيما بينهم وهو الخلوة من مراعاة أبهة النبوة وجلالة قدرها وانحطاط سائر الرتب وإن جلّت عن رتبتها) «٢» . كما ذكر الشيخ السعدي-رحمه الله تعالى-- في تفسير قوله- تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ما نصه: (ولا يجهر له بالقول بل يغضّ الصوت ويخاطبه بأدب ولين وتعظيم وتكريم ولا يكون الرسول كأحدهم بل يميزه في خطابه كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة ووجوب الإيمان به والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به) «٣» . ٢- أن الآية لم تسوّ بين مقام النبوة، ومقام أي فرد من أفراد الأمة مهما عظم شأنه وجل قدره، حيث نهت الآية أن نسوّي حديثنا مع النبي ﷺ بحديثنا مع جميع أفراد الأمة بدون تقيد لمنزلة أي فرد من أفراد الأمة لقوله- تعالى-: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، فدلت الآية أن

стр. 522

قدر أي أحد من أفراد الأمة لا يستوي مع قدر النبي ﷺ ولا ينبغي له من التعظيم والإجلال ما ينبغي للنبي ﷺ . ويتفرع على ذلك أننا يجب أن نميز بين حديثنا عن الرسول ﷺ وحديثنا عن أشراف وسادات الناس. فيجب أن يكون هناك فرق في التعظيم والإجلال والإكبار بين النبي ﷺ وغيره، ولو كان من عظاماء المسلمين، لأننا إن لم نفعل ذلك وقعنا في النهي؛ قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. نقل القرطبي كلاما نفيسا عن القاضي أبي بكر ابن العربي نصه: (حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به) «١» . وقد نوّه ابن كثير- ﵀ عن وجوب الأدب مع النبي ﷺ بعد مماته بقوله: (قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﷺ لأنه محترم حيّا وفي قبره ﷺ دائما) «٢» . ٣- من أبلغ مظاهر تعظيم الآية لمقام النبي ﷺ ، أن جعلت عقوبة رفع الصوت عليه هي حبوط العمل، وفي هذا أبلغ التعظيم للمحظور، وهو رفع الصوت، قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري) «٣» . وأعتقد أن العقوبة المترتبة على رفع الصوت، لا يشترط لها غضب النبي ﷺ فإذا لم يغضب لم تكن هناك عقوبة، ولكني أعتقد أن تعظيم النبي ﷺ بعدم رفع الصوت عليه هو أمر مطلوب لذاته وهو من مقتضيات الإيمان، ويعاقب تاركه وإن لم يتأذّ رسول الله ﷺ . والدليل على ذلك أن الآية لم تقيد حبوط العمل بغضب النبي ﷺ ولكن قيدته فقط برفع الصوت. [فوائد الآية الثانية:] أما فوائد الآية الثانية: وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ ... [الحجرات: ٣] : فتتلخص في عظيم الحث على التأدب مع النبي ﷺ بغضّ الصوت عنده، مع أبلغ الثناء

стр. 523

على من التزم هذا الأدب، يتبين ذلك من: ١- حثت الآية المسلمين على مطلق غض الصوت عند رسول الله ﷺ فهي أبلغ من الآية التي قبلها في وجوب تعظيم النبي ﷺ حيث زكّت من يغض صوته عند رسول الله ﷺ سواء تكلم معه أم مع غيره في مجلسه، كما لم تقيد خفض الصوت بحيث يكون أخفض من صوت النبي ﷺ ولكنها حثت على مطلق خفض الصوت بغض النظر عن صوت النبي ﷺ في المجلس. وهذا ما كان يفعله عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان يخفض صوته جدّا عند رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآيات الكريمات حتى أن النبي ﷺ كان يطلب منه إعادة ما يقول ليفهم منه، ذكر ذلك في الحديث الذي أوردته عن سبب نزول الآية: (فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه) . ٢- بينت الآية الكريمة أن خفض الصوت عند رسول الله ﷺ هي من علامات تقوى القلوب، بل إن هذه القلوب قد طهرها الله من كل قبيح ورذيل بفضل التزام أصحابها غض الصوت عند رسول الله ﷺ وذكر القرطبي عن ابن عباس ﵄ في معنى امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قوله: (طهرهم من كل قبيح وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى) «١» . ٣- ختمت الآية بذكر عظيم الثواب الذي أعده الله لمن تأدب مع النبي ﷺ في الحديث معه بقوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، فقد وعدهم الله بأمرين عظيمين، هما: المغفرة من ذنوبهم، ومن لوازمه ستر الذنوب ومحوها، والأجر العظيم، أي الجزاء الذي يتصف بالعظمة في قدره وكمّه ومن لوازمه دخول جنات الفردوس التي أعدها الله لعباده الصالحين. وتدبر أخي القارئ عظيم بركة التأدب مع النبي ﷺ في مجال واحد من مجالات التأدب وهو خفض الصوت، قلب تعمره التقوى قد تنزه عن الشكوك والشبهات، ذنوب قد غفرت ومحيت من الصحائف فابيضت تلك الصحائف لخلوها من الذنوب والآثام، أجور عظيمة قد كتبت في تلك الصحائف فازدادت بياضا على بياضها وجمالا على جمالها، فما بالك أخي القارئ لو استوفى المسلم جميع الآداب مع النبي ﷺ ماذا سيكون جزاؤه وعاقبته في الدنيا والآخرة؟!.

стр. 524

ثالثا: تفاعل الصحابة ﵃ مع الآية الكريمة: عن أنس بن مالك ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض، فأتى الرّجل فأخبره أنّه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس فرجع المرّة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكن من أهل الجنّة» «١» . وقد أوردت هذا الحديث كشاهد على تفاعل الصحابة ﵃ مع ايات الذكر الحكيم لأثبت أن الصحابة فهموا الغرض الحقيقي من نزول القران الكريم، فكانوا يقفون عند كل اية ليتدبروا ما فيها من أحكام تشريعية وتكليفات إلهية، فما كان في استطاعتهم فعلوه في الحال، كالنهي مثلا عن شرب الخمر، وما كان في غير مقدورهم- حسب فهمهم للآية- شكوا حالهم إلى النبي ﷺ ليجدوا عنده المخرج، ومثاله ما رواه البخاري، عن عبد الله قال: (لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢] ، قال أصحاب رسول الله ﷺ : أيّنا لم يظلم؟ فأنزل الله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] ) «٢» . ومثاله أيضا الحديث الذي معنا، ونذكر سريعا طرفا من فوائده: [بعض فوائد الحديث] الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- تفقّد النبي ﷺ لأصحابه وسؤاله عن الغائب منهم لما ثبت في رواية مسلم: (فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ فقال سعد: إنه كان لجاري وما علمت له بشكوى) «٣» . وهذا يدل على حب النبي ﷺ لأصحابه واعتنائه بهم. ٢- عظيم شفقة النبي ﷺ بأصحابه ورغبته في إدخال السرور عليهم والمبادرة إلى ذلك ما أمكن، ودليله أن النبي ﷺ لم يستدع ثابت بن قيس ليبشره بالبشارة العظيمة، ولكنه رد إليه سعد بن معاذ مرة أخرى ليبشره، وأظن أن النبي ﷺ فعل ذلك حبّا منه أن يخرج ثابت ابن قيس من بيته- الذي حبس نفسه فيه- فرحا مرفوع الرأس مستبشرا بالجنة، بعد أن

стр. 525

مكث في بيته منذ أن نزلت الآية منكس الرأس. الفائدة الثانية: في مناقب ثابت بن قيس ﵁: ١- خوفه الشديد من غضب الله- عليه وعاقبة السوء ودليله: أ- اعتزاله الناس جميعا، حتى مجلس النبي ﷺ . ب- جلوسه في بيته منكس الرأس، قال الراوي: (فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه) . ٢- تعظيمه لأوامر الله- ونواهيه، حيث وصف ما وقع فيه من رفع صوته فوق صوت النبي ﷺ بكلمة واحدة بليغة (شر) . ٣- تيقنه من خبر القران الكريم وتصديقه المطلق به، لقوله: (كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله) . فذكر (قد) لإفادة التحقيق، بالإضافة إلى ذكره (حبط) بصيغة الماضي، فلم يقل مثلا (فربما يحبط عملي) . وورد في رواية مسلم: (فأنا من أهل النار) . ٤- تحقيره لأمر الدنيا ومن يركن إليها، حيث حكم على نفسه بعد أن تيقن أن عمله قد حبط، قال: (وهو من أهل الأرض) ، ويستنبط منه، تعظيمه لأمر الآخرة وأهلها. ٥- أدبه مع التنزيل وعدم اعتراضه على أوامر الله- حيث إن ثابت بن قيس كان جهير الصوت خلقة وجبلّة، قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: (وكان ثابت ﵁ جهير الصوت وكان يرفع صوته وكان خطيب الأنصار) «١» . فلم يقل ثابت عندما نزلت الآية: (وما ذنبي أن صوتي جهير، وكيف يعاقبني الله على أمر قد جبلت عليه) . ولم يقل: (أنا لا أرفع صوتي من قلّة أدب ولكني تعودت على ذلك من كوني خطيبا) . هذه الاعتراضات كلها لم يفكر فيها الصحابة بل لم تخطر على بالهم وعقولهم، فليس عندهم إلا الأدب والتسليم التام، وهو ما ينقصنا في هذه الأيام. ٦- أنه من أهل الجنة، وهي منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ ولم تكن البشرى أنه من أهل الجنة فحسب بل جاءت بما هو أعظم من ذلك وهو قوله ﷺ : «إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» «٢» .

стр. 526

٧- أنه ما كان يتخلف عن رسول الله ﷺ إلا لعذر، لأن النبي ﷺ لما افتقده قال لسعد بن معاذ كما في رواية مسلم: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟» . الفائدة الثالثة: ١- رجاحة عقول الصحابة ﵃ وكراهيتهم أن يتلبسوا بهيئة الرجل الذي وقع في المعصية، ولو كان على سبيل الرواية، وذلك من شدة كراهيتهم للمعاصي، ودليله من الحديث عدول الراوي عن نقل كلام ثابت بن قيس ﵁ بصيغة المتكلم بل قال: (شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض) ، وهذا الالتفات كثير في السنة النبوية الشريفة. ويتفرع عليه سفاهة عقل وسوء أدب من يقع في المعاصي ويحكيها بصيغة المتكلم، بل ويتباهى بها، وهذا يدلنا على البون الشاسع بين الصحابة ﵃ وبيننا. ٢- تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الجنة، حيث وصف الراوي قول النبي ﷺ : «إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة» ، بالبشرى ووصف تلك البشرى بالعظيمة. الفائدة الرابعة: هذا الحديث يدل قطعا على أن اية الباب إنما نزلت في حق من يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ من غير قصد سوء الأدب، ودليله أن ثابت بن قيس ﵁ حمل الآية على نفسه وهو قطعا ما كان يرفع صوته بسوء أدب مع النبي ﷺ ولذلك قال القرطبي ما نصه: (وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون) «١» . الفائدة الخامسة: كل من ارتكب المعاصي ولم يتب منها فهو في شر، حتى يرجع إلى الله مهما بلغت منزلته؛ لأن ثابت بن قيس، وهو صحابي جليل لما سأل عن حاله قال: (شر) وبلغ ذلك النبيّ ﷺ ولم ينكره، كما يؤخذ منه أن المعاصي شر، وبذلك تكون الطاعات- التي هي ضد المعاصي- كلها خير، لما تسببه للعبد من سعادة في الدنيا والآخرة. ٤- تحريم التقديم بين يديه ﷺ : قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) [الحجرات: ١] . الشاهد في الآية:

стр. 527

قوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وقد ذكر العلماء-رحمهم الله تعالى-- أقوالا عديدة في معنى التقديم بين يدي الله ورسوله، كلها متقاربة المعنى أذكر منها: ١- لا تسارعوا في الأشياء بين يديه بل كونوا تبعا له في جميع الأمور. ٢- لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقيل: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ﷺ . ٣- لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. ٤- لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله، وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قدم قوله أو فعله على الرسول ﷺ فقد قدمه على الله- تعالى لأن الرسول ﷺ إنما يأمر عن أمر الله . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب تعظيم أمر الرسول ﷺ حيث نهت الآية، أن نقول حتى يقول الرسول ﷺ وأن نفعل حتى يفعل، فإذا كان النهي عن القول أو الفعل حتى يفعل أو يقول ﷺ فمن باب أولى أن يعظم النهي إذا قال أو فعل ﷺ وإذا كان المسلمون لا يسعهم أن يقولوا أو يفعلوا قبل قول الرسول ﷺ وفعله فهل يسعهم أن يجانبوا قوله أو فعله بعد تحققهما. ويتفرع على ذلك: تحريم العدول عن سنة النبي ﷺ القولية أو الفعلية لقول أي أحد ولو كان من العلماء المشاهير، وهذا هو نهج أهل السنة والجماعة، فإنهم قد اتفقوا على أن الحديث إذا صح فهو مذهبهم. كما يتفرع عليه وجوب التأدب مع النبي ﷺ ؛ لأن أمر الله بعدم التقديم على النبي ﷺ بقول أو فعل لهو من أعظم الآداب، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى: (هذه ايات أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام) «١» . وقال الشيخ السعدي- ﵀: (هذا متضمن للأدب مع الله- تعالى ومع رسول الله ﷺ والتعظيم له واحترامه وإكرامه) «٢» . الفائدة الثانية: جاءت الآية الكريمة بأبلغ الحث على عدم التقديم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومن مظاهر ذلك: ١- ابتداء الآية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاسترعاء سمع المؤمنين

стр. 528

وانتباههم، وبيان أن طاعة الأمر الذي سيتلى هو من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأن عدم الامتثال لهذا الأمر يقدح في كمال إيمان العبد. ٢- اقتران النهي عن التقديم بين يدي رسول الله ﷺ بالنهي عن التقديم بين يدي الله . ولا يخفى ما في ذلك من تعظيم لأمر النبي ﷺ ، وفيه أبلغ الحث على طاعته والتأدب معه، كما فيه إشعار أن الذي يمتثل أمر الله آناء الليل والنهار ولا يمتثل أمر النبي ﷺ ، فقد عصى الله وأنه في الحقيقة لم يمتثل أمره- ؛ لأن الآية لم تفرق بين طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فهما في وجوب التعظيم والامتثال سواء، لأن النبي ﷺ ما هو إلا مبلغ عن ربه- يصدّق ذلك قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) [النساء: ٨٠] . ويتفرع عليه وجوب عدم التفريق بين أوامر القرآن، وأوامر السنة الصحيحة، لا من حيث الحجية ولا من حيث الوجوب، ولا من حيث جواز نسخ أحدهما للآخر؛ لأن الآية إنما ذكرت تحريم التقديم بين يدي الله (القرآن) ويدي النبي ﷺ (السنة الصحيحة) في نهي واحد إلماحا بالمساواة بين القرآن والسنة من حيث الأمور التي ذكرتها، وصدق من ذكر أن المصدر الأول للتشريع هو القرآن والسنة، ولم يجعل السنة مصدرا ثانيا. ٣- أمرت الآية المؤمنين بتقوى الله بعد الأمر بعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، إشعارا بأن عدم التقديم هو من تقوى الله وأن العبد كلما زادت تقواه لله كلما زاد حرصه على امتثال أوامر الله ورسوله وتأدبه مع الرسول ﷺ . ٤- اختتمت الآية الكريمة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وفي هذا أبلغ الحث على عدم مبادأة الله ورسوله بقول أو فعل؛ لأن من لوازم علم الله وسمعه أنه سيجازي الذي امتثل أوامره خيرا وسيعاقب الذي عصاه بما يستحق من العذاب والنكال. الفائدة الثالثة: من مظاهر عدم تقديم الصحابة ﵃ بين يدي الرسول ﷺ ما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ قال: (كنّا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إنّ سيّد الحيّ سليم، وإنّ نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نأبنه «١» برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا، فلمّا رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟

стр. 529

قال: لا ما رقيت إلّا بأمّ الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتّى نأتي أو نسأل النّبيّ ﷺ فلمّا قدمنا المدينة ذكرناه للنّبيّ ﷺ فقال: «وما كان يدريه أنّها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم» ) «١» . وهو حديث يبين بجلاء ما كان عليه الصحابة من الأدب الجم مع النبي ﷺ وعدم التقديم بين يديه في أي أمر من الأمور، وشاهده من الحديث أن هؤلاء النفر من الصحابة قد أبوا أن يأكلوا شيئا من قطيع الغنم حتى يأتوا الرسول ﷺ ويسألوه عن مشروعية أخذ الأجر على الرقية. ويتفرع عليه ما نحن فيه من سوء الأدب مع مقام النبوة ليس بعدم التقديم بين يدي النبي ﷺ بل في الجدال في سنته والسعي في نقضها والمجادلة في حجيتها. وغير ذلك كثير.

стр. 530

رابعا: ألطف الخطاب في القرآن حتى عند معاتبته ﷺ ١- اللطف عند العتاب: لم يقتصر لطف الخطاب الموجه للنبي ﷺ في القرآن الكريم على دفع ما ظاهره تكذيبه، أو عدم الخطاب بما يوهم الهجر، ولكن تعدى خطاب القرآن إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، تعدى إلى ما هو أجمل وأتم، تعدى إلى اللطف عند العتاب، وهل في العتاب رقة في التعبير؟ نعم إذا كان العتاب بين حبيب وحبيبه، إذا كان العتاب من الله- إلى صفوته من خلقه وخليله ﷺ وسنضرب لذلك مثلين من كتابه العزيز. الشاهد الأول: قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [التوبة: ٤٣] هذا مثال للطيف عتاب الله- لنبيه ﷺ . وسبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ أذن لطائفة من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، قال القرطبي- ﵀: «قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون» «١» . ووجه اللطف في هذا العتاب واضح جدّا: وهو أن الله بدأ العتاب الكريم بالدعاء للنبي ﷺ بعفو ربه، ذكر ابن كثير عن عون قوله: «هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة» ، كما ذكر أيضا قول قتادة: «عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له أن يأذن لهم إن شاء فقال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النّور: ٦٢] » «٢» . وقال القرطبي: (أي سامحك الله وغفر لك ما أجريت، لم أذنت لهم في التخلف، وكان عليك أن تمتحنهم ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق) «٣» . وقال القرطبي أيضا: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ هو افتتاح الكلام كما يقول: أصلحك الله
следующие страницы →