← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٧- أنه ما كان يتخلف عن رسول الله ﷺ إلا لعذر، لأن النبي ﷺ لما افتقده قال لسعد بن معاذ كما في رواية مسلم: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟» . الفائدة الثالثة: ١- رجاحة عقول الصحابة ﵃ وكراهيتهم أن يتلبسوا بهيئة الرجل الذي وقع في المعصية، ولو كان على سبيل الرواية، وذلك من شدة كراهيتهم للمعاصي، ودليله من الحديث عدول الراوي عن نقل كلام ثابت بن قيس ﵁ بصيغة المتكلم بل قال: (شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض) ، وهذا الالتفات كثير في السنة النبوية الشريفة. ويتفرع عليه سفاهة عقل وسوء أدب من يقع في المعاصي ويحكيها بصيغة المتكلم، بل ويتباهى بها، وهذا يدلنا على البون الشاسع بين الصحابة ﵃ وبيننا. ٢- تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الجنة، حيث وصف الراوي قول النبي ﷺ : «إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة» ، بالبشرى ووصف تلك البشرى بالعظيمة. الفائدة الرابعة: هذا الحديث يدل قطعا على أن اية الباب إنما نزلت في حق من يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ من غير قصد سوء الأدب، ودليله أن ثابت بن قيس ﵁ حمل الآية على نفسه وهو قطعا ما كان يرفع صوته بسوء أدب مع النبي ﷺ ولذلك قال القرطبي ما نصه: (وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون) «١» . الفائدة الخامسة: كل من ارتكب المعاصي ولم يتب منها فهو في شر، حتى يرجع إلى الله مهما بلغت منزلته؛ لأن ثابت بن قيس، وهو صحابي جليل لما سأل عن حاله قال: (شر) وبلغ ذلك النبيّ ﷺ ولم ينكره، كما يؤخذ منه أن المعاصي شر، وبذلك تكون الطاعات- التي هي ضد المعاصي- كلها خير، لما تسببه للعبد من سعادة في الدنيا والآخرة. ٤- تحريم التقديم بين يديه ﷺ : قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) [الحجرات: ١] . الشاهد في الآية:

стр. 527

قوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وقد ذكر العلماء-رحمهم الله تعالى-- أقوالا عديدة في معنى التقديم بين يدي الله ورسوله، كلها متقاربة المعنى أذكر منها: ١- لا تسارعوا في الأشياء بين يديه بل كونوا تبعا له في جميع الأمور. ٢- لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقيل: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ﷺ . ٣- لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. ٤- لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله، وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قدم قوله أو فعله على الرسول ﷺ فقد قدمه على الله- تعالى لأن الرسول ﷺ إنما يأمر عن أمر الله . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب تعظيم أمر الرسول ﷺ حيث نهت الآية، أن نقول حتى يقول الرسول ﷺ وأن نفعل حتى يفعل، فإذا كان النهي عن القول أو الفعل حتى يفعل أو يقول ﷺ فمن باب أولى أن يعظم النهي إذا قال أو فعل ﷺ وإذا كان المسلمون لا يسعهم أن يقولوا أو يفعلوا قبل قول الرسول ﷺ وفعله فهل يسعهم أن يجانبوا قوله أو فعله بعد تحققهما. ويتفرع على ذلك: تحريم العدول عن سنة النبي ﷺ القولية أو الفعلية لقول أي أحد ولو كان من العلماء المشاهير، وهذا هو نهج أهل السنة والجماعة، فإنهم قد اتفقوا على أن الحديث إذا صح فهو مذهبهم. كما يتفرع عليه وجوب التأدب مع النبي ﷺ ؛ لأن أمر الله بعدم التقديم على النبي ﷺ بقول أو فعل لهو من أعظم الآداب، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى: (هذه ايات أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام) «١» . وقال الشيخ السعدي- ﵀: (هذا متضمن للأدب مع الله- تعالى ومع رسول الله ﷺ والتعظيم له واحترامه وإكرامه) «٢» . الفائدة الثانية: جاءت الآية الكريمة بأبلغ الحث على عدم التقديم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومن مظاهر ذلك: ١- ابتداء الآية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاسترعاء سمع المؤمنين

стр. 528

وانتباههم، وبيان أن طاعة الأمر الذي سيتلى هو من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأن عدم الامتثال لهذا الأمر يقدح في كمال إيمان العبد. ٢- اقتران النهي عن التقديم بين يدي رسول الله ﷺ بالنهي عن التقديم بين يدي الله . ولا يخفى ما في ذلك من تعظيم لأمر النبي ﷺ ، وفيه أبلغ الحث على طاعته والتأدب معه، كما فيه إشعار أن الذي يمتثل أمر الله آناء الليل والنهار ولا يمتثل أمر النبي ﷺ ، فقد عصى الله وأنه في الحقيقة لم يمتثل أمره- ؛ لأن الآية لم تفرق بين طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فهما في وجوب التعظيم والامتثال سواء، لأن النبي ﷺ ما هو إلا مبلغ عن ربه- يصدّق ذلك قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) [النساء: ٨٠] . ويتفرع عليه وجوب عدم التفريق بين أوامر القرآن، وأوامر السنة الصحيحة، لا من حيث الحجية ولا من حيث الوجوب، ولا من حيث جواز نسخ أحدهما للآخر؛ لأن الآية إنما ذكرت تحريم التقديم بين يدي الله (القرآن) ويدي النبي ﷺ (السنة الصحيحة) في نهي واحد إلماحا بالمساواة بين القرآن والسنة من حيث الأمور التي ذكرتها، وصدق من ذكر أن المصدر الأول للتشريع هو القرآن والسنة، ولم يجعل السنة مصدرا ثانيا. ٣- أمرت الآية المؤمنين بتقوى الله بعد الأمر بعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، إشعارا بأن عدم التقديم هو من تقوى الله وأن العبد كلما زادت تقواه لله كلما زاد حرصه على امتثال أوامر الله ورسوله وتأدبه مع الرسول ﷺ . ٤- اختتمت الآية الكريمة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وفي هذا أبلغ الحث على عدم مبادأة الله ورسوله بقول أو فعل؛ لأن من لوازم علم الله وسمعه أنه سيجازي الذي امتثل أوامره خيرا وسيعاقب الذي عصاه بما يستحق من العذاب والنكال. الفائدة الثالثة: من مظاهر عدم تقديم الصحابة ﵃ بين يدي الرسول ﷺ ما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ قال: (كنّا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إنّ سيّد الحيّ سليم، وإنّ نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نأبنه «١» برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا، فلمّا رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟

стр. 529

قال: لا ما رقيت إلّا بأمّ الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتّى نأتي أو نسأل النّبيّ ﷺ فلمّا قدمنا المدينة ذكرناه للنّبيّ ﷺ فقال: «وما كان يدريه أنّها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم» ) «١» . وهو حديث يبين بجلاء ما كان عليه الصحابة من الأدب الجم مع النبي ﷺ وعدم التقديم بين يديه في أي أمر من الأمور، وشاهده من الحديث أن هؤلاء النفر من الصحابة قد أبوا أن يأكلوا شيئا من قطيع الغنم حتى يأتوا الرسول ﷺ ويسألوه عن مشروعية أخذ الأجر على الرقية. ويتفرع عليه ما نحن فيه من سوء الأدب مع مقام النبوة ليس بعدم التقديم بين يدي النبي ﷺ بل في الجدال في سنته والسعي في نقضها والمجادلة في حجيتها. وغير ذلك كثير.

стр. 530

رابعا: ألطف الخطاب في القرآن حتى عند معاتبته ﷺ ١- اللطف عند العتاب: لم يقتصر لطف الخطاب الموجه للنبي ﷺ في القرآن الكريم على دفع ما ظاهره تكذيبه، أو عدم الخطاب بما يوهم الهجر، ولكن تعدى خطاب القرآن إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، تعدى إلى ما هو أجمل وأتم، تعدى إلى اللطف عند العتاب، وهل في العتاب رقة في التعبير؟ نعم إذا كان العتاب بين حبيب وحبيبه، إذا كان العتاب من الله- إلى صفوته من خلقه وخليله ﷺ وسنضرب لذلك مثلين من كتابه العزيز. الشاهد الأول: قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [التوبة: ٤٣] هذا مثال للطيف عتاب الله- لنبيه ﷺ . وسبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ أذن لطائفة من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، قال القرطبي- ﵀: «قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون» «١» . ووجه اللطف في هذا العتاب واضح جدّا: وهو أن الله بدأ العتاب الكريم بالدعاء للنبي ﷺ بعفو ربه، ذكر ابن كثير عن عون قوله: «هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة» ، كما ذكر أيضا قول قتادة: «عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له أن يأذن لهم إن شاء فقال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النّور: ٦٢] » «٢» . وقال القرطبي: (أي سامحك الله وغفر لك ما أجريت، لم أذنت لهم في التخلف، وكان عليك أن تمتحنهم ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق) «٣» . وقال القرطبي أيضا: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ هو افتتاح الكلام كما يقول: أصلحك الله

стр. 531

وأعزك ورحمك، وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا) ، وأضاف: (قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى فقدم له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب) «١» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظيم حب الله- لنبيه ﷺ إذ دعا له بعفوه، وتظهر عظمة هذا الدعاء أن جعل فاعل عفا هو لفظ الجلالة. وقد يكون قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ من باب الإخبار لا الدعاء، فيكون هذا أبلغ في الحب والشفقة إذ أخبره- أنه عفا عنه بالفعل الماضي قبل أن يوجّه له العتاب حتى يتيقن ﷺ أن هذا العتاب لن يؤثر مطلقا في مكانته عند ربه . الفائدة الثانية: حاجة النبي ﷺ إلى عفو ربه الحنان المنان، ولذلك دعا الله له بالعفو. ويتفرع عليه حاجة الناس كلهم جميعا إلى عفو ربهم من لدن آدم حتى أدنى رجل من المسلمين، وعلى المسلمين أن يدعوا ليل نهار بعفو ربهم عسى أن يشملهم ويعمهم، ومن سوء الأدب أن يشعر المسلم لصلاحه وتقواه أنه في غنى عن عفو ربه. الفائدة الثالثة: ثبوت صفة العفو لله ، ويتفرع على ذلك، أن على المسلم ألا ييأس من عفو ربه مهما بلغت ذنوبه، وعليه أن يعلم أن اليأس من العفو هو كفر يخرج من ملة الإسلام؛ قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧] . الفائدة الرابعة: عدم علم النبي ﷺ لأمور الغيب- إلا ما علّمه له الله- حيث أثبتت الآية أن إذن النبي ﷺ للبعض في التخلف عن الغزو جعله لا يعلم الصادق منهم والكاذب، وهذا الغيب الذي لم يعلمه النبي ﷺ هو غيب نسبي، فمن باب أولى فإنه ﷺ لا يعلم الغيب المطلق. الفائدة الخامسة: ذم صفة الكذب أعظم الذم، حيث إن الله- قد وصف بها الذين أظهروا طاعة الله ورسوله وأضمروا في قلوبهم المعصية، قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﷺ ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا) «٢» .

стр. 532

الشاهد الثاني: قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) [عبس ١- ١٠] ، لا خلاف في سبب نزول هذه الآية، كما لا خلاف فيمن نزلت فيه الآية، وتتشابه أقوال المفسرين في بيان ذلك، وأكتفي بما قاله الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب أحد عظاماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلحّ عليه، وودّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله الآية) . انتهى «١» . ثانيا: وجه اللطف في العتاب: وجه اللطف في هذا أن الله- وجه إلى النبي ﷺ العتاب بصيغة ضمير الغائب، قال تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) ، ولما انتهى العتاب وجه إليه الخطاب بصيغة المخاطب، قال- تعالى-: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) [عبس: ٣] ... إلى آخر الآيات، وهذا يدل على عظيم حب الله- لنبيه الكريم ﷺ ، وعظيم شفقته به أن توجّه إليه كلمة تحزنه مع بيان علو منزلته عند ربه، قال الإمام القرطبي- ﵀: (أنزل الله على نبيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له، ولم يقل: عبست وتوليت ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال: وَما يُدْرِيكَ) «٢» . بعض فوائد الآيات الكريمات: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- عناية الله- به ﷺ ويتبين ذلك من: أ- تربيته أحسن التربية، حيث لامه- في كل ما فعل مع ابن أم مكتوم ﵁، ويتضمن أمرين: الأمر الأول: في الوجه وهو العبوس، والثاني: بالجسد كله وهو الإعراض.

стр. 533

ب- لما كان توجيه العتاب قد يفهم منه وقوع النبي في التقصير في الدعوة إلى الله- ، بيّن- أن هذا العتاب نتج بسبب أن النبي ﷺ حّمل نفسه ما لم يكلف شرعا وهو التصدي للكافر، قال- تعالى-: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) ، فقد ترك النبي ﷺ الأمر السهل، وهو إجابة سؤال المسلم، وتعرض للصعب، وهو دعوة الكافر للإسلام. ج- إرادة التهوين على النبي ﷺ وتسليته ورفع ما يشق عليه، فبين الله له أنه رسول ومبلغ، وليس عليه هداية الناس، إنما هذا لله وحده، قال تعالى: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) . ٢- ما كان عليه النبي ﷺ من اجتهاد في تعليم الأمة حيث كان يقصده كل أحد من الناس- حتى الضرير الذي يشق عليه ذلك- ليسأله عن حاجته. ٣- صحة وقوع الاجتهاد للنبي ﷺ ، فيما لا وحي فيه- وأن الله لا يقره على اجتهاد صدر منه إلى خلاف الأولى، وموضع الاجتهاد هنا أن النبي ﷺ رأى أن الاسترسال مع الكافر ومحاولة هدايته إلى الإسلام أولى من إجابة سؤال المسلم الحريص على أمر دينه، فالمسلم الذي جاء بمحض إرادته يسأل لا يخشى عليه الفتنة، فالأمر بالنسبة إليه فيه سعة. قال الإمام القرطبي- ﵀: (قال علماؤنا: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي ﷺ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله- ﵎ عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة) «١» . ٤- بيان أن النبي ﷺ لم يكتم شيئا من أمر الوحي أبدا، وأنه قد أدى أمانة تحمّل القرآن وتبليغه أحسن ما يكون، ولو أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي أو كان يسعه أن يكتم شيئا، لكتم آيات العتاب. ٥- بذل النبي ﷺ غاية جهده لنشر دين الله والدعوة إلى الإسلام، واستنقاذ البشر من الكفر والضلال، ولو تعرض في سبيل ذلك لأبلغ الأذى المادي والمعنوي، المادي: كما حدث له ﷺ في الطائف، أما المعنوي: لما عرض نفسه ﷺ على القبائل، وفي الحادثة التي معنا التي تثبت أن النبي ﷺ كان يتصدى للكفار، وقيل: معنى يتصدى أي: يتعرض لهم كما يتعرض العطشان للماء، وانظر كيف كان حاله ﷺ وهو يدعوهم

стр. 534

للإسلام، وكيف كان حالهم هم، أشد حالات الزهد والإعراض وعدم المبالاة والاكتراث لما يسمعونه، وهي معان يدل عليها جميعا قوله تعالى-: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) ، ويدل على حالة النبي ﷺ وهو يدعوهم قوله- تعالى-: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وصدق من قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧] . الفائدة الثانية: عدم استحياء الله- ﵎ من الحق، حيث عاتب أحب الخلق إليه ﷺ . الفائدة الثالثة: حبّ الله- ﵎ إظهار الحق للناس وتعليمه لهم، فلم يكتف بتوجيه العتاب للنبي ﷺ سرّا أو إلهاما أو مناما، ولكن أنزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، وأظهر في هذا القرآن الحقّ الذي لم يتضرر منه صاحبه، فالأعمى لا يتضرر إذا عبس أحد في وجهه. الفائدة الرابعة: غنى الله- عن إيمان الناس ولو كانوا سادة في أقوامهم، أغنياء في أموالهم، وأن من أعرض عن الله أعرض الله عنه ولم يبال به، ويتبين ذلك من قوله تعالى: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) ، وفي عتاب النبي ﷺ بسبب انشغاله بالكافر عن المسلم. الفائدة الخامسة: ميزان الشرع في التفاضل بين الناس هو تقوى الله وإقبالهم عليه، وحرصهم على الخير ولو كانوا أشد الناس فقرا. الفائدة السادسة: تزكية ابن أم مكتوم ﵁ أبلغ التزكية ووجه ذلك: أ- ذكره بصفته في القرآن الكريم، ولا يعلم في ذلك خلاف أنه هو المقصود من الآية. ب- عناية الله- به وبأمثاله من الفقراء- إذ عاتب نبيه ﷺ فيه. ج- بيان حرصه على ما ينفعه؛ إذ جاء النبيّ ﷺ سعيا مع أنه ضرير، في حالة كونه يخشى، قال القرطبي- ﵀ في تفسير كلمة يَخْشى أي يخاف الله. وأظن أن هذا تفسير ببعض ما يحتمله اللفظ، أما جمال اللفظ فهو أن نفسره بكل ما يحتمله، خاصة أن الله لم يقيده بمعنى دون معنى، فنقول: إنه- ﵁ كان يخشى الله ويخشى الطريق، ويخشى فوات المصلحة بعدم وجود النبي ﷺ ، ويخشى أن يجبيبه النبي ﷺ بما لا يستطيع فعله. وإثبات كل هذه المعاني أبلغ في تزكية ابن أم مكتوم ﵁، وتصوّر حاله أثناء مجيئه، وأوجه في توجيه العتاب للنبي ﷺ .

стр. 535

الفائدة السابعة: توجيهات إلى أهل العلم وأصحاب الفتوى. ١- يجب أن يعتقدوا أن وقوع الخطأ منهم أمر وارد، سواء في الاجتهاد أو معاملة الناس، وعليهم أن يقبلوا التوجيه ولا يستنكفوا عنه. ٢- إرشاد المتعلم أو السائل بما يزكيه ويذكّره، ولو كان ذلك زائدا على قدر سؤال السائل. ٣- على العالم أن يتحلى عند التعامل مع الناس- مهما قلّت مستوياتهم- ببشاشة الوجه والإقبال على السائل، وأنه ليس من تقوى الله التجهم والعبوس والانشغال عن السائل، فلربما كره السائل- خاصة لو كان من عوام الناس- أهل العلم إذا لم يعطه العالم حقه من الوقت والاهتمام. ٤- العالم المحب للخير والدعوة إلى الله- لا يقتصر عمله فقط على ما أوجب الله عليه فعله، ولكن عليه أن يجتهد في كل أبواب الخير، حتى لو كلفه ذلك بعض الإيذاء المادي أو المعنوي، شريطة ألا يضيع ما هو أوجب منه. ودليله أن الله ما كلف نبيه- ﵊ أن يتعرض لهداية الكفار كما كان يفعل ويشق على نفسه، ومع ذلك حمل نفسه ما يجهدها حبّا للخير، وتوجه إليه العتاب الرباني لأنه انشغل بذلك عما هو أوجب منه، وهو إجابة سؤال المسلم، ولم يكن العتاب لمجرد التصدي للكافر. الفائدة الثامنة: توجيهات إلى عموم المسلمين: ١- على المسلم أن يجد في نفسه التزكية أو التذكرة بعد السماع والأخذ من أهل العلم الربانيين، ومن حرم ذلك فقد حرم خيرا كثيرا، وعليه أن يفتش في قلبه مما عسى أن يكون منع بسببه من التزكية. ٢- وجوب أن يسلك المسلم في عتابه ولومه مسلك الأدب، خاصة لو كان الموجه إليه العتاب رفيع القدر، لأن هذا أحرى في قبول الحق وعدم رد النصح والإرشاد. ٣- عدم الاستهانة بأصحاب العاهات وعدم احتقارهم أو التهوين من شأنهم، خاصة لو كانوا على العلم حريصين على التعلّم مقبلين. ٤- لا ضرر أن يقال للذي فقد بصره: أعمى، وليس هذا من الغيبة شريطة أن يكون في هذا الوصف مصلحة شرعية وألا يتأذى المسلم من هذا الوصف وألا يكون إطلاق هذا

стр. 536

الوصف للاحتقار أو الامتهان فإن كان لذلك فهو محرم شرعا. ٥- الحث على طلب العلم وتحمل المشاق في سبيل ذلك، فإذا كان الأعمى مطلوب منه السعي في طلب العلم، فيجب على المبصر الاجتهاد في ذلك من باب أولى. ٦- من الأدب أن يسعى السائل للمسئول والمتعلم للعالم. ٧- لا يعيب المسلم أن يكون جاهلا بأمر من أمور دينه، ولكن العيب ألا يجتهد في تحصيله وطلبه. كما يؤخذ من الآية أن شفاء العي السؤال، ودليله أن الله زكى ابن أم مكتوم، ولم يعتب عليه أنه جاء جاهلا بأمر من أمور دينه. الفائدة التاسعة: التزكية غير التذكرة وأن حاجة الكافر إلى التزكية مقدمة على حاجته للتذكرة، وأن الذي يمنع وصول الإيمان إلى الكافر هو عدم زكاء نفسه، والفرق بين تزكية المسلم وتزكية الكافر أن المسلم معه أصل التزكية بتوحيده وبالعلم تزيد هذه التزكية التى توصله إلى التذكرة، أما الكافر فليس معه شيء منها وبالتالي لن ترجى منه التذكرة حتى يتزكى بالإيمان. ٢- لم يناد باسمه كبقية الأنبياء: لم يناد النبي في القرآن باسمه أبدا، وإنما نودي بصفة الرسالة، أو النبوة، وإذا ذكر باسمه يكون بايات خبرية كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح: ٢٩] ، وكقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمّد: ٢] . ٣- عدم مخاطبته بما يوهم الهجر: قال تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضّحى: ٣] . وسيأتي الكلام عن الآية الكريمة مبسوطا في باب كذب ادعاء الكفار أن الله قد قلاه ﷺ . ٤- دفع ما ظاهره تكذيبه: قال- تعالى-: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) [المنافقون: ١] . هذه الآية الكريمة تحتاج إلى تأمل وتدبر من كل مسلم يحب الله ورسوله ﷺ ، والسبب في ذلك أنها توضح بجلاء مدى عناية الله- بنبيه ﷺ ، ومكانته العالية

стр. 537

الرفيعة عند ربه التي لا يعلوها أحد في الأولين والآخرين، وأن الإرادة الحكيمة لله قد اقتضت ألا يتوجه إليه ﷺ أي خطاب- ولو كان على لسان الكفار- فيه أدنى إيذاء أو شبهة تكذيب للنبي ﷺ ، فلو كان الكلام على لسان الكفار أو المنافقين دفع الله شبهة المعاندين وأبطلها، كما بينت ذلك مفصلا في باب «دفع شبهات الكفار» ، وإن كان سياق الكلام حكاية من الله عن أحوال المعاندين، دفع الله ما يوهم تكذيب النبي ﷺ ، ودليله من آية الباب: أن المنافقين لما ذهبوا إلى النبي ﷺ ليشهدوا أنه رسول الله، ولما كانت هذه الشهادة التي قالوها بألسنتهم تنافي ما في قلوبهم من التصديق، وأراد الله أن يكذبهم في شهادتهم دون أن ينسحب التكذيب على صدق الرسول ﷺ ، ذكر القرآن الكريم جملة اعتراضية بين شهادة المنافقين، وتكذيب الله لهم في شهادتهم، بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: ١] ، وبذلك أثبت القرآن الكريم شهادة المنافقين وتكذيبها دون المساس بالنبي ﷺ ، فتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، وهذا من أكبر الدلالات على عظيم قدر النبي ﷺ عند ربه. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عناية الله- بنبيه، حيث ذكرت الآية علم الله برسالة النبي ﷺ قبل أن تذكر كذب المنافقين في شهادتهم، كأن الله- أراد أن يقول لنبيه ﷺ : لا يهمنك تكذيب المنافقين لك وإنكارهم رسالتك، فإن ذلك لا يضيرك، فيكفيك أن الله- يعلم أنك رسوله، فكفى بالله شهيدا على ذلك. وفي هذا أبلغ تسلية للرسول ﷺ ، وتطمينه أن تكذيب المنافقين له لا يقدح في رسالته. وهذه الفائدة تختلف عما ذكرته آنفا، فتدبر. الفائدة الثانية: في الآية الكريمة بيان ظاهر لقبح ما عليه المنافقون ويظهر ذلك من: ١- قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ بينت الآية أن المنافقين هم الذين سعوا إلى النبي ﷺ ، فهو لم يذهب إليهم، ولم يستدعهم، فكان حريّ بمن جاء بنفسه للشهادة من تلقاء نفسه، أن يكون صادقا في شهادته وأن تكون هذه الشهادة مطابقة لما في قلبه، ولكن جاء الأمر منهم عكس ذلك تماما. ٢- صيغة شهادتهم بين يدي النبي ﷺ ، وهي قول الله تعالى على لسانهم: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وفيها:

стр. 538

أ- أتوا بلفظ الشهادة التي هي أعظم ما يتكلم به الإنسان، فلم يقولوا: «نعلم إنك لرسول الله» . فكذبهم في شهادتهم- من حيث مخالفتها لما في قلوبهم- أشدّ قبحا. ب- أتوا بتوكيد شهادتهم بمؤكدين هما: حرف التوكيد «إن» ، وباللام الموطئة للقسم في لَرَسُولُ اللَّهِ. ج- اجتراؤهم على الله- ، حيث إن أمرهم مع الرسول ﷺ لا يخرج من حالين: إما أنهم يعلمون أنه رسول الله حقّا ولكنهم كذبوه، وإما أنهم ينكرون أنه رسول الله ومع ذلك شهدوا زورا وبهتانا- حسب اعتقادهم- أنه رسول الله، وفي كلتا الحالين هو اجتراء على الله- جل في علاه-، يستحق فاعله العذاب والنكال في الدنيا والآخرة. ٣- صيغة رد القرآن عليهم، حيث رد الله عليهم بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ وفيها أسوأ التقبيح لصنيعهم من حيث: أ- شهادة الله العظيم عليهم، وكفى بها شهادة، والله لا يفلح أحد شهد الله عليه بسوء اعتقاده، ولو استشهدت الآية على كذب المنافقين بأحد دون الله- لكان الأمر أهون من ذلك بكثير، لأن الذي شهد على المنافقين هو أصدق الشاهدين، وهو الذي يملك نواصي المشهود عليهم وإليه مالهم وعليه حسابهم. ب- توكيد شهادة الله- بأداة التوكيد «إن» واللام الموطئة للقسم، في قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ. ج- وصفهم بأقبح الصفات وهي الكذب. وهذا الكذب ينسحب على أمرين في المنافقين: الأمر الأول: شهادتهم الزور التي تخالف ما يعتقدونه، الأمر الثاني: اعتقادهم الفاسد كذب النبيّ ﷺ ، ومن الجميل أن يعود لفظ لَكاذِبُونَ على الأمرين معا. الفائدة الثالثة: إعجاز القرآن الكريم، ويتضح إعجازه في هذه الآية الكريمة من جهتين: الجهة الأولى: الإعجاز اللفظي البلاغي، حيث استل النبي ﷺ مما ظاهره تكذيبه، كما قابل شهادة المنافقين بشهادة الله- بنفس النظم دون أي تكلف في إثبات الجملة المعترضة، أو شعور القارئ بأي ملل من تكرار نظم الشهادتين بل القارئ لا يكاد

стр. 539

يفهم مقصود الآية وما فيها إلا بحسن تدبر وتأمل، وهذا هو مكمن الجمال والكمال في آيات القرآن الكريم. الجهة الثانية: بيان ما تنطوي عليه قلوب المنافقين، مما لا يمكن أن يطلع عليه إلا صاحب هذا القلب أو الذي خلقه وهو عالم الغيب والشهادة- جل وعلا-، ومن قرأ سورة «المنافقون» حتى آخرها رأى العجب في ذلك. ويتفرع عليه بيان عناد أهل الزيغ والضلال، حيث تتلى عليهم الآيات البينات التي تخبرهم بما في صدورهم وقلوبهم مما لا يعلمه إلا الله، ومع ذلك يصرون على الحنث العظيم وهو الكفر بالله- . الفائدة الرابعة: تعظيم رسالة النبي ﷺ ، حيث أضافها الله إلى نفسه الكريمة المقدسة، قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، كما أكدها بمؤكدين، سبق الإشارة إلى ما يماثلهما. ويتفرع عليه أمر عظيم، وهو التهديد الشديد لمن كذب برسالة النبي ﷺ ؛ لأن لسان حاله يقول: إن علم الله- لا يوافق الواقع، حيث إن الواقع- وحسب اعتقاده الفاسد- أن محمدا ﷺ ليس برسول من عند الله، وهذا طعن عظيم في صفة من أوسع صفات الله- وهي صفة العلم. الفائدة الخامسة: أفادتنا الآية في معرفة من هم المنافقون، فهم الذين يقولون بألسنتهم ما يخالف ما في قلوبهم، وإذا كان في أمر يتعلق بالعقيدة فهو نفاق اعتقادي يجعل صاحبه في الدرك الأسفل من النار، وإذا كان في أمر من السلوكيات فهو نفاق عملي، يجعل في صاحبه صفة من صفات المنافقين، وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «١» . وأود أن أنبه هنا إلى سلوك قد يقع فيه البعض عمدا أو جهلا أو خطأ، وهو أن يظهر من كلامه أو على محيّاه تقوى وخوف من الله- أكثر مما في قلبه، وأخشى أن يكون ذلك السلوك من النفاق الذي يؤدي بصاحبه إلى التهلكة.

стр. 540

ويتفرع على ذلك تحذير الأمة أشد التحذير من خطر المنافقين؛ لأنهم يكيدون لنا أعظم الكيد في الخفاء، ولسان حالهم ومقالهم يقول: إنهم معنا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، بل قد يظهرون من الغيرة على الإسلام ما لا يظهره أهله الصالحون. الفائدة السادسة: يؤخذ من الآية أن العلم أوسع من الشهادة؛ لأن الله- لما أراد أن يثبت رسالة نبيه ﷺ أعظم الإثبات، أثبتها بصفة العلم، ولم يقل: «والله يشهد إنك لرسوله» . وهذا هو الصحيح أن صفة العلم أوسع من الشهادة؛ لأن الشهادة فرع عن العلم، والعلم هو الأصل. أخي القارئ: من كل ما تقدم نعلم علو منزلة النبي ﷺ بالنظر إلى آية واحدة فقط من القرآن الكريم، فكيف سيكون الأمر إذا تدبرنا جميع ما يتعلق بالنبي ﷺ في القرآن الكريم وهو كثير. والذي يجب علينا تعلمه من هذه الآية ونلتزم به هو: كيف نتكلم عن النبي ﷺ ، بحيث يكون حديثنا كله عنه ﷺ ينضح بغاية التوقير والإجلال والإكبار.

стр. 541

خامسا: مظاهر حب الله- وعنايته به ﷺ ١- عموم اعتناء الله- به ﷺ : قال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨] . هذه الآية من أعظم الآيات التي تدل على كمال اعتناء الله- بنبيه ﷺ حيث أثبتت الآية أنه ﷺ بمرأى ومسمع من الله تعالى، في كل أحواله وتقلباته ﷺ ، في أولاه وأخراه، في حياته ومماته، قبل البعثة وبعدها، في حله وترحاله، في عاداته وعباداته، بل نجزم أن هذه العناية والرعاية الإلهية قد شملته ﷺ قبل ميلاده بقرون طويلة، ألم تر كيف اختار الله له نسبه الشريف، من لدن إبراهيم ﵇ وحتى عبد المطلب، ودليله ما رواه مسلم، عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «١» . وقد حكمت بأن العناية والرعاية قد شملت كل ما ذكر؛ لأن الآية لم تأت مقيدة بزمن دون زمن، ولا بحال دون حال، قال تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، وقد أثبتّ ذلك في باب حفظه ﷺ منذ الصغر وباب ملء القلب إيمانا وحكمة، قال القرطبي ﵀ في تفسيره للآية: (أي أنت بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل، وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحو طك ونحرسك ونرعاك) . انتهى «٢» . وقال ابن كثير كلاما مشابها لما ذكره القرطبي، وقال الشيخ السعدي: (أي بمرأى منا وحفظ واعتناء بأمرك) . انتهى «٣» . ويؤخذ من الآية كمال عصمة النبي ﷺ من الناس، وتمام عصمته من الزلات والهفوات، ورفعة منزلته وعلو شأنه، في الدنيا والآخرة؛ لأن هذا مقام من رعاه الله وحفظه في كل أحواله. ٢- حفظه ﷺ في الصغر: عن جابر بن عبد الله يحدّث أنّ رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه

стр. 542

إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة!! قال: فحلّه فجعله على منكبه فسقط مغشيّا عليه قال: فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا) . [رواه مسلم] «١» . الشاهد في الحديث: أن النبي ﷺ أغشي عليه بمجرد أن حل إزاره، وما كان ذلك إلا من الله، الحافظ له، قال الإمام النووي ﵀: (وفي هذا الحديث بيان بعض ما كرم الله- تعالى- به رسوله ﷺ ، وأنه ﷺ كان مصونا محميّا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية) . انتهى «٢» . والدليل أن هذه الواقعة قد حدثت في صغر النبي ﷺ ، ما ورد في إحدى روايات مسلم: (لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة) ، ومعلوم أن واقعة إعادة بناء الكعبة كانت- قطعا- في صغر النبي ﷺ ونلخص مظاهر عناية الله- لنبيه ﷺ في هذه الواقعة في أمرين: الأمر الأول: أنه أغشي عليه، بمجرد أن تعرى، والإغشاء من الله، ﵎؛ لأن الحديث لم يبين بأي سبب كان الإغشاء إلا التعري، فعلمنا أن الإغشاء كان منة من الله، ووجه المنة أن يكون الإغشاء للستر، وفيه ضمان أنه ما تعرى إلا فترة وجيزة من الزمن؛ لأن الإغشاء قد حدث بعد التعري مباشرة، ورد في الحديث: «فجعله على منكبه فسقط مغشيّا عليه» . الأمر الثاني: أن النبي ﷺ ما رئي بعد ذلك عريانا، وهذا إطلاق لكل أنواع التعري، فلا يلزم من كونه ﷺ كان يجامع زوجاته أو يغتسل معهن أنه كان يرى عريانا. ونحكم بذلك؛ لإطلاق الحديث، ولأن عدم التعري حتى في حال الجماع والغسل هو من المروءة، وأولى الناس بصفات المروءة النبي ﷺ . ويجب على كل مسلم أن يتدبر هذا الحديث جيدا، فإذا كان الله- ﵎ أبى إلا أن يحفظ نبيه ﷺ منذ صغره من أمر كان مشهورا في الجاهلية، فكيف كان حفظه- ﵎ لنبيه ﷺ في بقية شئونه، وفيها ما هو أعظم من ذلك بكثير خاصة بعد البعثة، أقول: كيف حفظ الله- لسان نبيه ﷺ ؟، وكيف حفظ عقله وقلبه؟

стр. 543

وكيف حفظ عرضه؟ كيف حفظ دينه وكتابه؟ بلا شك كان الحفظ أتم وأكمل. ٣- حفظ عرضه ﷺ من السب واللعن: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمّما ويلعنون مذمّما وأنا محمّد» «١» . سيأتي التعليق على الحديث إن شاء الله تعالى في باب: رفع ذكره ﷺ . ٤- رفع ذكره ﷺ : قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] . أقول أولا: إن رفع ذكر النبي ﷺ لهو من أعظم وأجل النعم، ومن الشمائل الحميدة، التي تدل على حب الله- لرسولنا الكريم ﷺ وهي أجل شأنا من الصلاة عليه قطعا؛ لأن رفع الذكر يشمل أمورا عديدة، يأتي منها الصلاة عليه، فالصلاة فرع من رفع الذكر، والغريب أن كثيرا ممن يهتمون بالشمائل النبوية، ويجتهدون في حصرها لا يذكرون رفع الذكر، فأسأل الله العلي القدير أن أوفّق في بيان مفهوم رفع الذكر؛ ليتبين للقارئ فضل الله العظيم على نبيه الكريم ﷺ رغم علمي- والله مسبقا- أن مثلي أحط قدرا وأصغر شأنا أن يتكلم عن رسول الله ﷺ ، فأستغفر الله مسبقا. ثانيا: كلام بعض العلماء عن معنى رفع الذكر -: قال الإمام ابن كثير: (قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم قال ابن كثير: حكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعنى ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت: أعز عليه للنبوة خاتم ... من الله من نور يلوح ويشهد وضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس: أشهد وشقّ له من اسمه يجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوّه به حين أخذ الميثاق على جميع

стр. 544

النبيين أن يؤمنوا به وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه) . انتهى كلام ابن كثير «١» . وقال القرطبي: (وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: يقول له: ما ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد الله- جل ثناؤه-، وصدّق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع بشيء وكان كافرا. وقيل: أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذلك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات) «٢» . وقال الشيخ السعدي- ﵀ -: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي: أعلينا لك قدرك وجعلنا لك الثناء الحسن العالي الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسول ﷺ كما في دخول الإسلام وفي الأذان والإقامة والخطب وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد ﷺ ، وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزي نبيّا عن أمته) . انتهى «٣» . بعض الفوائد المستفادة من قول الله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ . الفائدة الأولى: في الصيغة التي وردت بها الآية: ١- اقترن فعل (رفع) ب (نا) التي تفيد التعظيم لله- وفائدة ذلك هو تعظيم أمر الرفع ومعرفة قدر المرفوع ذكره إذا استشعرنا عظمة من تكفل بذلك. وإذا كان رفيع القدر- هو الذي تكفل برفع ذكر النبي ﷺ ، ويذكر ذلك في القرآن الكريم في سياق الثناء والمدح على رسوله ﷺ مع تذكيره بنعم الله عليه التي لا تعد ولا تحصى، فيصعب علينا أن نتخيل قدر هذا الرفع وعلو شأنه.

стр. 545

٢- جاء فعل (رفع) بصيغة الماضي؛ لإفادة أن الرفع لم يقترن بميلاد النبي ﷺ بل كان قبل ذلك، كما بقي بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وهذا هو المشاهد، كما أن عدم اقتران الرفع بزمن معين مستقبلا، يفيد أن رفع الذكر سيبقى بحوله وقوته أبد الآبدين، فلله الحمد كله. ٣- ورد لفظ (لك) في الآية؛ ليتبين للنبي ﷺ ولأمته أن هذا الرفع هو أمر مخصوص بالنبي ﷺ ، كما يشعر أنه لم يشاركه في هذا الأمر أحد. وكان يمكن أن تكون الآية بصيغة: «ورفعنا ذكرك» . كما أن إطلاق (رفع الذكر) بدون تقييد على أحد دون أحد، أفادنا أن الله- قد رفع ذكره ﷺ على الخلق كلهم جميعا. ٤- نصت الآية على رفع (الذكر) لا رفع (الاسم) لأن الذكر أعم من الاسم؛ لأنه يشمل جميع ما يخص النبي ﷺ ؛ ولذلك أقول: إن قصر أوجه رفع الذكر باقتران اسمه ﷺ باسم الخالق، في الأذان وغيره، هو حجر لواسع، أو أراد به العلماء ضرب مثال لبعض معاني اللفظ. الفائدة الثانية: بعض أوجه رفع ذكره ﷺ . ١- اقتران اسمه ﷺ مع اسم الله- وهو أعظم وأجل أوجه رفع الذكر، وأضيف هنا على ما ذكره بعض المفسرين، فأقول: لا يمكن أن نستوعب عظيم هذا الأمر، إلا إذا علمنا ووقر في قلوبنا عظيم شأن الله، الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، العالم بكل شيء، المقدر لكل أمر، النافذ حكمه في كل أحد، قال تعالى واصفا قدرته وعظمته: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] ، وقال تعالى واصفا إحاطته بعلم كل شيء: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩] ، وقال تعالى مثبتا ملكه لكل شيء: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: ٦] ، وقال تعالى حاكيا قيومته لكل نفس منفوسة: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد: من الآية ٣٣] ، وغير ذلك مما يصعب إيراده في هذا المجال، ولكن أوردت طرفا يسيرا منه؛ ليستشعر القارئ الكريم من هو الله

стр. 546

الخالق البارئ، هذا الله الواحد الصمد المتفرد بصفات الجمال والكمال، التي لا ينازعه فيها أحد، قد قدر وقضى بل ورضي أن يرفع ذكر نبيه ﷺ بحيث لا يذكر هو العظيم الحكيم، إلا وذكر معه نبيه ﷺ . فهل بعد هذا الحب من حب، وهل بعد هذا التكريم والتشريف من رتبة أعلى؟ لا والله، فقد بلغ ﷺ الغاية في التشريف والتعظيم. تنبيه وتحذير: ليس معنى أن يذكر النبي ﷺ كلما ذكر الله- مثل التشهد والأذان، أن ذلك يعني التشريك في الأمر أو المساواة في التعظيم أو أن للنبي ﷺ أدنى أدنى تصرف في ملك الله- حاشا لله، فما زال الله خالقا مالكا معبودا وحده، وما زال النبي ﷺ مخلوقا مملوكا عبدا، وهو يفتخر بذلك أشد الافتخار، وقد ذكرت ذلك في هذا الكتاب كثيرا، فلا يجب أن نخلط بين الأمرين، فكما أن الله- هو الذي علمنا أنه رفع ذكر النبي ﷺ وصدقنا ربنا في ذلك، هو نفسه الذي علمنا أن النبي ﷺ ليس له من الأمر شيء، قال تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] ، فلماذا نصدق الأولى، ونماري في الثانية، ألهوى في قلوبنا؟ من فعل ذلك فقد خسر الدنيا والآخرة، فعلينا أن نؤمن بالكتاب كله، ونقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧] . ٢- ذكره ﷺ في الملأ الأعلى وفي الحضرة الإلهية، وذلك بصلاة الله والملائكة عليه، بالثناء والذكر الحسن بل العجيب أن ينسحب هذا الثناء والذكر الحسن إلى المؤمنين ببركة صلاتهم عليه، لقوله ﷺ : «من صلى علّي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» . [رواه مسلم] «١» . ٣- ذكره ﷺ في الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، ليس ذكر اسمه فحسب بل نعته كاملا، قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] ، وقد بلغ أمره ﷺ من الشهرة والصيت، أن أهل الكتاب يعرفون أوصافه وشمائله وسيرته ﷺ كمعرفتهم أولادهم الذين جاؤا من

стр. 547

أصلابهم، وتربوا أمام أعينهم يوما بعد يوم، فهل يضل الوالد عن ولده، والله إنه ليعرفه من صوته أو من مشيته أو من رائحة عرقه، حتى ولو غاب عنه عقدا من الزمان، هكذا يعرف أهل الكتاب رسولنا ﷺ ، لا تختلف عليهم أوصافه أبدا، وما كانت هذا المعرفة لتتم إلا بوصف دقيق له ﷺ في كتب الله المنزلة وهذا بلا شك من رفع الذكر، قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] . ٤- حفظ عرضه ﷺ من سب ولعن كفار قريش، روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتمون مذمّما ويلعنون مذمّما وأنا محمّد» «١» ، فمن تمام رفع ذكره ﷺ أن لا يخدش بأدنى ذم أو لعن، فمن كمال رفع الذكر أن يذكر الإنسان بكل الصفات الحميدة وأن يبرأ من كل سب ولعن، فمن الذي تكفل بإثبات الأولى ودفع الثانية عن النبي ﷺ ؟ إنه الله وحده، الأولى: بالصلاة عليه في العالمين العلوي والسفلي، والثانية: أنه هو الذي صرف كفار قريش عن سبه ولعنه لما ورد في الحديث: «ألا تعجبون كيف صرف الله عني شتم قريش ولعنهم» . فأثبت الحديث ثلاثة أمور: الأول: أن قريشا كانت حريصة على السب واللعن. الثاني: أن الذي صرف عنه السب واللعن هو الله . الثالث: أن أمر صرف هذا اللعن والسب مع حرص كفار قريش عليه، من الأمور العظيمة التي يتعجب منها، وما يتعجب منه يجب الوقوف عنده للتأمل والتدبر. ٥- لم يناده الله، باسمه أبدا في القرآن العظيم، فلم ترد آية واحدة بصيغة (يا محمد) كما ورد عن بقية الأنبياء، عليهم جميعا الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى على سبيل المثال: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، وقوله تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وهكذا مع كل الأنبياء، ولما ذكر اسمه ﷺ كان على سبيل الإخبار وأتبع بصفته، قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا شك أن توجيه الخطاب إليه في القرآن الكريم، دائما بصيغة الرسالة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ أو بصفة النبوة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لهو من علامات رفع الذكر. وتدبر أخي القارئ، أن نبينا ﷺ قد توجه إليه الخطاب في القرآن الكريم (سواء بخبر أو أمر أو نهي) بكل أنواع الخطاب الممكنة، فقد توجه إليه الخطاب بصيغة النداء بدون ذكر

стр. 548

اسمه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] ، وتوجه إليه الخطاب بكاف المخاطبة قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، كما توجه إليه الخطاب بضمير الفاعل المحذوف قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وكذا بضمير الغائب قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، ولا يشك قارئ القرآن أن كل هذه الصيغ المقصود بها النبي ﷺ ، ولم يحدث ذلك في القرآن إلا معه ﷺ وهذا فضل عظيم من الله- . ٦- من أجلّ مظاهر رفع ذكره ﷺ أن الله- قد أبطل كل شبهات الكافرين وأكاذيبهم حوله ﷺ ، فما من شبهة أثارها الكفار أو أكذوبة مثل الجنون والسحر وادعاء كتابة القرآن من عنده أو من غيره من البشر إلا أقام القرآن الحجج الدامغة على كذبها وفريتها، حتى لا تبقى أي حجة للكافرين يظن ظان أنها تشوب رفع الذكر، وقد بينت ذلك في باب (دفع شبهات وأكاذيب الكفار حوله ﷺ . ٧- ومن مظاهر رفع ذكره ﷺ أن الله تعالى أمر بعدم التسوية بين دعائه ودعاء غيره، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: من الآية ٦٣] . ٨- من كمال رفع ذكره ﷺ بعض الأمور التي جمعتها في فقرة واحدة؛ لتشابهها وهي: أ- جعل الله- كتابه أحسن الكتب، قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: ٢٣] ، بل جعل كتابه ﷺ مهيمنا على بقية الكتب، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: من الآية ٤٨] . ب- أظهر الله- له دينه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣] ، قال القرطبي: (أي: في جزيرة العرب) . ج- أتم الله له أمر هذا الدين؛ لما رواه البخاري من حديث الخباب بن الأرت عن النبي ﷺ : «والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون» «١» ، وقال ابن حجر: (المراد بالأمر هو الإسلام) .

стр. 549

د- خصه- بأزكى الخلق وأتمها وأثنى عليه بها في كتابه العزيز، قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . وكل ما ذكرته، وغيره من أمثاله كثير، من تمام رفع ذكره ﷺ لأنه لو فرض أن أحدا آتاه الله كتابا خيرا من كتابه ﷺ ، لقيل: إنه سبق النبي ﷺ بل علا عليه في هذا المجال، ولنقص رفع ذكر النبي ﷺ في هذا المضمار، ولو وجد في خلق النبي ﷺ أدنى نقيصة، لنقص ذكره الحسن وقدر الثناء عليه بقدر ما عنده من نقص في خلقه- حاشا الله- وهكذا كل ما ذكر، فاختصاصه ﷺ بالأتم والأكمل والأشرف من كل أمر؛ لتكتمل منظومة رفع ذكره، وليتم عقد الثناء عليه على أحسن ما يكون، فسبحان الذي يتفضل ويعطي بغير حساب. الفائدة الثالثة: فيما يترتب على ثبوت رفع ذكره ﷺ . ١- ثبوت أنه لم يأت منه ﷺ ما يخل بهذا الرفع أبدا، مثل التقصير في تبليغ دين الله، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو صدور أدنى ما يخدش الحياء، فتجزم قطعا أن كل ما صدر عنه ﷺ عبادة وعادة، ينسجم مع رفع ذكره. ٢- يقيننا الجازم بطهارة أعراض أزواجه- ﵅ جميعا- حال حياته وبعد مماته ﷺ لأن أعظم ما يخدش الثناء الحسن ويقلل من الذكر الطيب لأي إنسان هو الكلام على أعراضه، بأدنى أدنى سوء، فمن فعل ذلك أو اعتقده فقد كذّب بظاهر القرآن، ونخاف عليه من خاتمة السوء. وانظر كيف أنزل الله قرآنا محكما يتلى إلى يوم القيامة يبرئ أم المؤمنين عائشة. ﵂ ٣- كل من أراد الطعن في الكتاب المنزل عليه ﷺ أو في شريعته المطهرة، أو في سنته الشريفة، فلن ينال منها، ولن يبوء بالخسران إلا هو؛ لأن الذي رفع ذكره ﷺ هو الله رب الأكوان والأبدان، فهو الذي سيحفظه ويحفظ كل ما يخصه، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. قال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: من الآية ٤٣] . ٥- القسم بحياته ﷺ : قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢] . أولا: بعض كلام المفسرين في الآية الكريمة والتي تثبت أن المقصود من قوله تعالى: لَعَمْرُكَ أي: وحياتك يا محمد.

стр. 550

١- ذكر القرطبي ﵀ كلام العلماء في الآية فقال: (قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى هاهنا بحياة محمد ﷺ تشريفا له، أن قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون، قلنا: وهكذا قال القاضي عياض: أجمع أهل التفسير في أن هذا قسم من الله بمدّة حياة محمد ﷺ ، ويكون معنى القسم: وبقائك يا محمد وقيل: وحياتك) . انتهى «١» . ٢- قال الإمام الطبري- ﵀: (ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ ، قال: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا) «٢» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بلغ النبي ﷺ المنتهى في تكريم الله- ، فقد بلغ التشريف ذروته، بأن أقسم الله بحياته، نقل الإمام القرطبي عن القاضي عياض قوله: (وهذا نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف) ، كما نقل عن أبي الجوزاء قوله: (ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد ﷺ لأنه أكرم البرية عنده) «٣» . الفائدة الثانية: في قسم الله- سبحانه- بحياة نبيه ﷺ ، دون غيره من الأنبياء، دليل على فضله ﷺ وعلو منزلته وزيادة شرفه على بقية الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، قال الإمام القرطبي: (ما من شيء أقسم الله به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده، فكذلك نبينا ﷺ يجب أن يكون أفضل ممن هو في عداده) انتهى «٤» . الفائدة الثالثة: حياة النبي ﷺ كانت كلها حياة مباركة طيبة، استغرقها ﷺ كلها في طاعة الله- فإن قسم الله- بها دليل على رضاه ومباركته لهذه الحياة، وأنه لم يحدث فيها أي قصور أو تقصير، ولم يشبها أي خلل أو عيب، ولولا ذلك ما أقسم الله بها. وعليه، فإن من تعرض لحياة النبي ﷺ بغمز أو لمز، أو ذكرها بأدنى تنقص، أو أراد أن ينتقد شيئا من عبادته أو عاداته ﷺ التي فعلها في حياته الشريفة، فقد ذم ما مدحه الله، وعاب ما حكم الله له بالكمال والجمال، وطعن فيما زكاه الله ورضي به وأثنى عليه غاية الثناء. الفائدة الرابعة: ليس معنى أن الله- قد أقسم بحياة أشرف الخلق نبينا

стр. 551

محمد ﷺ أنه يجوز لنا أن نقسم به ﷺ فالله- يقسم بما يشاء على ما يشاء، فقد أقسم بالقلم والنجم والشمس والطور، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله جل وعلا، وهي سنة المصطفى ﷺ ، روى البخاري في صحيحه: عن عبد الله ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١» ، وفي رواية عن ابن عمر- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «ألا من كان حالفا فلا يحلف إلّا بالله فكانت قريش تحلف بابائها فقال لا تحلفوا بابائكم» «٢» . ٦- تعظيم المكان بإقامته ﷺ فيه: قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) [البلد: ١- ٢] ، فالبلد المعنية بالآية الكريمة- بالاتفاق- هي مكة المكرمة، المشرفة المعظمة على سائر القرى والبلدان، ولكن الله- ﵎ لما أقسم بها، ذكر إقامة النبي ﷺ بمكة فتزداد شرفا وعزّا، فيزداد القسم توكيدا، قال صاحب تفسير الزبد «٣» : (أي استحل منك مشركو مكة أن يؤذوك في البلد الحرام يا محمد. وقيل: المعنى: أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم فيه تشريفا لك وتعظيما لقدرك لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيما شريفا) . وقال صاحب المنتخب «٤» : (أقسم قسما مؤكدا بمكة البلد الحرام وأنت مقيم بهذا البلد تزيده شرفا وقدرا) . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: شرف النبي ﷺ عند ربه- ﵎، فقد عظم القسم بالبلد الحرام بذكر مقام النبي ﷺ فيه. الفائدة الثانية: تتفاضل القرى والبلاد بتفاضل من يسكنها ويعمرها، فإذا كانت مكة المكرمة التي لها من الحرمة والتعظيم والتشريف ما ليس لغيرها، قد ازدادت شرفا ورفعة بإقامة النبي ﷺ فيها، فمن باب أولى ما دونها من البلدان. ويتفرع عليه عظيم قدر مدينة رسول الله ﷺ في حياته ﷺ وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ إذ دفن فيها ﷺ .

стр. 552

٧- الصلاة عليه ﷺ : قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦] . إذا كانت أعظم نعمة أنزلها الله على رسوله ﷺ هي القرآن الكريم، وإذا كانت أعظم معجزة خص الله بها رسوله ﷺ هي الإسراء والمعراج، وإذا كان أعظم تشريف حبا الله به نبيه ﷺ في الآخرة، هي الشفاعة العظمى، فإن أعظم مظاهر حب الله، ﵎ لنبيه ﷺ هي الصلاة عليه منه- ﵎ ومن ملائكته الكرام، وأمر المؤمنين بذلك. ويحسن أن نبدأ بنبذة عن أقوال بعض العلماء عن تلك الصلاة عند شرحهم لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] . قال الإمام ابن كثير ﵀: (المقصود من هذه الآية أن الله- أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا) «١» . وقال القرطبي ﵀: (هذه الآية شرّف الله بها رسوله ﷺ ، في حياته وموته وذكر منزلته وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء أو في أمر زوجاته ونحو ذلك، والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره) «٢» . وقال الشيخ السعدي في شرح الآية: (وهذا فيه تنبيه على كمال رسول الله ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره. والصلاة من الله هي الثناء عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى له وتثني عليه الملائكة والمقربون ويدعون له ويضرعون) «٣» . وسأعلق، بعون الله تعالى على قوله- : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ على شكل فوائد، فأقول: الفائدة الأولى: في الآية تشريف عظيم للنبي ﷺ من الوجوه التالية:

стр. 553

١- تعظيم أمر الصلاة على الرسول ﷺ وقد شمل هذا التعظيم كل الوجوه من حيث المقتدى به في فعل الأمر، وهو الله- وكذا ملائكته؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، والآمر بالصلاة على النبي هو الله جل في علاه، لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، ومن حيث المأمورين بالصلاة عليه، وهم صفوة خلق الله من عباده الذين اتصفوا بصفة الإيمان فلم يتوجه الأمر للناس ولا للمسلمين، بل للمؤمنين، فأحاط الله- الأمر بجميع أنواع التعظيم، وذلك ليستقر في نفوس الخلق جميعا، عظيم المأمور به. ٢- جاء الأمر بالصلاة على النبي ﷺ بصيغة لم يأت بها أي أمر في القرآن والسنة على شاكلته أبدا، وفي هذا تنويه إلى أن هذا الأمر الشرعي يختلف عن جميع الأوامر الشرعية الآخرى التي تصدرت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ٣- أن توجيه الأمر بالصلاة عليه كان بموجب آية قرآنية تتلى إلى يوم القيامة، ثم تأتي السنة الشريفة لتبين صيغ الصلاة، والأوقات التي يتأكد فيها الصلاة على النبي ﷺ وثواب تلك الصلاة. ٤- لم يفرد الله- أحدا من الأولين والآخرين في القرآن الكريم بالصلاة عليه منفردا كما أفرد نبيه ﷺ في هذه الآية، فقال عز من قائل في السلام على الأنبياء: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١] ، وقال في الصلاة على المؤمنين: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب: ٤٣] ، ولا يخفى أن إفراد الله- نبيه بالصلاة عليه، يظهر علوّ شأنه وعظيم قدره ﷺ عند ربه، وأن هذا القدر سبق به الأولين والآخرين، ولم يسبقه إليه أحد، كما لن يلحق به أحد، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [المائدة: ٥٤] . ٥- وردت بالآية عدة أمور بلاغية تزيد الأمر تعظيما وتشريفا وهي: أ- صدر الله- الأمر بحرف التوكيد (إن) لإفادة توكيد الأمر وتثبيته في قلوب المؤمنين. ب- عبر الله، ، عن نفسه بلفظ الجلالة، فقال: إِنَّ اللَّهَ وهو الاسم الذي لا يشارك الله فيه أحدا أبدا، وكان يمكن أن تأتي بلفظ: (إن ربكم) أو (إنني) ، ولا يخفى وقع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ على الآذان والقلوب المؤمنة، والذي يختلف عن أي لفظ آخر. ج- أضاف المولى- الملائكة إلى نفسه الشريفة؛ تعظيما لها وتكريما؛

стр. 554

ليستشعر السامع مكانة هذا الخلق العظيم الذي يصلي على النبي ﷺ . د- أتت الآية بلفظ: يُصَلُّونَ [الأحزاب: ٥٦] بصيغة الفعل المضارع، الذي يفيد الاستمرار والثبوت. ٦- جاءت صيغة الأمر الإلهي إلى المؤمنين بالصلاة والسلام على النبي ﷺ على أحسن صورة، يتبين ذلك من: بدأ الأمر بأداة النداء (يا) لاسترعاء السمع وحضور القلب، ثم أداة التنبيه (ها) في (أيها) لتوكيد استرعاء السمع. جاءت صفة من وجّه لهم الخطاب، بصيغة الفعل الماضي: آمَنُوا فهذا الأمر غير موجه لكل أحد، بل للمؤمنين الذين استقر في قلوبهم ونفوسهم صفة الإيمان، وتلبسوا بها غاية التلبس وأصبحت صفة ملازمة لهم، وهذا ما يفيده الفعل الماضي: آمَنُوا؛ لذا عدلت الآية عن قول (يا أيها المؤمنون) . ختمت الآية بالفعل المطلق تَسْلِيماً للتوكيد، وليعلم المؤمنون أن التسليم المأمورين به يجب أن يكون تسليما خاليا من كل أذى، مطهرا من كل سوء. ٧- أطلقت الآية عدة أمور ولم تقيدها تعظيما للأمر، وتلك الأمور هي: أ- لم تقيد الآية زمان صلاة الله وملائكته على النبي ﷺ ، وأعتقد خطأ من قيد تلك الصلاة المباركة بحياة وممات النبي ﷺ ؛ لأنه تقييد بدون دليل، وإذا لم تقيّد الصلاة بزمان، علمنا أن صلاة الله وملائكته على نبيه ﷺ ، قد استوعبت كل الزمان، وهذا غاية التشريف ومنتهاه للنبي ﷺ . ب- لما أثبتت الآية أن الصلاة قد وقعت من الملائكة، ولم تحدد نوع الملائكة ولا مكانهم، علمنا أن الأمر قد عمّ جنس الملائكة، جبريل وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش، وخزنة الجنة والنار، وملك الجبال، والملائكة السيارة، والحفظة، أي جميع الملائكة، الذين لا يعلم عددهم وقدرهم إلا الذي خلقهم- . ج- لم تقيد الآية الغاية من صلاة الله والملائكة على النبي ﷺ بينما جاءت آية صلاة الله على المؤمنين مقيدة بالسبب، فغاية صلاة الله على المؤمنين، هو إخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ

стр. 555

وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب: ٤٣] ، والحكمة من عدم تقييد آية الصلاة على النبي ﷺ بغاية أو سبب، لتستوعب الآية كل غاية وسبب ممكنين، فالإطلاق هنا أريد به التعظيم. د- كما لم تقيد الآية الأمر الموجه للمؤمنين بزمن معين مثل: أي ساعة من الليل أو النهار، أو في شهر فضيل من أشهر السنة، أو يوم مبارك من أيام الأسبوع، أو بعد عبادة معينة، كما لم تقيد الآية الصلاة بعدد مرات في عمر المؤمن، كما تكون سائر العبادات من صلاة وصوم، فعلمنا من هذا الإطلاق إرادة المولى- الصلاة على النبي ﷺ في كل زمان ومكان، وكلما زاد المؤمن صلاة كان ذلك خيرا له. ٨- شملت الآية أعظم الحث على الصلاة على النبي ﷺ حيث لم يأت الحث بذكر الجزاء الموفور كبقية العبادات، بل أتى الحث بأعظم من ذلك بكثير، أتى الحث بكون الله- قد بدأ الأمر بنفسه وثنّى بملائكته، فالذين يريدون أن يفعلوا أمرا يفعله الله- وتواظب عليه ملائكته، فليصلوا على النبي ﷺ لذا يقول بعض خطباء المساجد في خاتمة خطبة الجمعة: (يا أيها المؤمنون إن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه وثنّى بملائكته) . ٩- ضمنت الآية ألا تنقطع الصلاة على النبي ﷺ أبدا، فاليوم يصلي الله عليه وملائكته والمؤمنون، فإذا مات آخر مؤمن على وجه الأرض، فسيبقى الله وملائكته يصلون على النبي، وإذا ماتت الملائكة عن آخرهم، فسيبقى الحي الذي لا يموت يصلي على نبيه ﷺ . وهذا من عظيم اعتناء الله بنبيه أن لم يوكل أمر الصلاة على نبيه ﷺ بالبشر، فتنقطع تلك الصلاة بكفر أهل الأرض جميعا، قبل يوم القيامة، أو بموتهم، ولذلك ستبقى الصلاة على نبيه ﷺ بالرحمة والفضل- متصلة أبد الآبدين. ١٠- كما ضمنت الآية استمرار الثناء والذكر الحسن والصلاة على النبي ﷺ في كل مكان، في الحضرة الإلهية وفي الملأ الأعلى وفي السماوات والأرض وما بينهما. ويتفرع على كل ما ذكر، وجوب زيادة شعورنا بمدى إجلال وإكبار نبينا محمد ﷺ ، وأن يترجم هذا الإجلال والإكبار إلى منهج وسلوك. الفائدة الثانية: ثواب الصلاة عليه ﷺ . روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «١» .

стр. 556

فثواب الصلاة الواحدة على النبي ﷺ عشر صلوات من الله ، فالثواب إذن عظيم، وكأن النبي ﷺ يريد أن يشعرنا بذلك فقابل في الحديث الواحدة بالعشرة. ومن مظاهر تعظيم الثواب أيضا، أن الصلاة منك لا يقابلها صلوات من خلق- مثلك أو أعظم منك- بل يقابلها الصلاة من الله- فشتان بين الأمرين. وترتيب مثل هذا الثواب العظيم يدلنا على حب الله- لهذه العبادة الجليلة، ألا وهي الصلاة على النبي ﷺ ، كما أن في ترتيب هذا الثواب أبلغ الحث للمؤمنين على الإكثار منها، وترطيب اللسان بذكرها. والصلاة على النبي ﷺ من علامات حب المسلم لنبيه، قال الشيخ السعدي ﵀ عند شرحه لقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً: (اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم وتكميلا لإيمانكم وتعظيما له ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرا من سيئاتكم) . انتهى «١» . وتدبر أخي القارئ ماذا قال العلامة ﵀: (وجزاء له على بعض حقوقه) أي أن حقوقه ﷺ علينا كثيرة جدّا، وهي أعظم من أن نقابلها بأي عمل، ولكن الصلاة عليه تأتي ردّا لبعض الجميل، كما أن من معاني ما قال، أن الصلاة على النبي ﷺ ، إنما هي عمل نحن في أشد وأمس الحاجة إليه؛ لأنه يزيد حسناتنا ويكفر سيئاتنا، ومن هذا يتبين سوء أدب من زهد في الصلاة والسلام على الحبيب ﷺ ، وأقول: إن الصلاة على النبي ﷺ من سمة المؤمنين ومن أعظم مكملات الإيمان، ودليل ذلك أن الله- ما أمر بها إلا من تلبّس بهذه الصفة العظيمة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وعلى من يريد أن يتأكد أن الإيمان قد باشر قلبه واستقر فيه، أن ينظر إلى حاله، هل يحب أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، ويجد حلاوة في ذلك، أم يجد أن الأمر ثقيل عليه، وإذا كان هذا هو حاله، ونعوذ بالله من سوء الحال، فليبك على نفسه ويعالجها حتى يذهب ما بها. الفائدة الثالثة: آداب الصلاة على النبي ﷺ : اعلم أخي المسلم، أن الصلاة على النبي ﷺ من العبادات العظيمة، التي أمرنا الله بها على الوجه الذي ذكرته، وما دامت عبادة، فيجب عند أدائها أن نستشعر كل آداب العبادة

стр. 557

من استحضار النية وخشوع القلب؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢] ، والصلاة على النبي ﷺ فيها ذكر الله؛ لأنها توجّه إليه بالدعاء. كما يشترط في هذه العبادة العظيمة الاتباع وتبطل بالابتداع، والاتباع فيها هو التقيد بالصيغ التي وردت في كيفية الصلاة عليه، ومن أتم هذه الصيغ، ما رواه الشيخان، عن أبي حميد السّاعديّ أنّهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وأزواجه وذرّيّته، كما صلّيت على آل إبراهيم وبارك على محمّد وأزواجه وذرّيّته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» «١» . ومن مظاهر الابتداع في الصلاة على النبي ﷺ ما يفعله بعض العوام من التمايل والرقص ودق الطبول والمزامير ورفع الصوت بالصلاة عاليا، وعندما يخرجهم الشيطان من دائرة الوعي، يقولون: إنه الجذب، ويطلقون كلاما ما أنزل الله به من سلطان، وأنا لا أنكر أنهم فعلا يخرجون من دائرة الوعي، ولكن الذي يخرجهم هو الشيطان، ودليله أنهم يفعلون عبادة لا يتبعون فيها هديا من كتاب أو سنة، وأقول لهم: أأنتم أشد حبّا للنبي ﷺ ، أم أصحابه ﵃؟ إن قلتم: نحن، فقد كذبتم، وإن قلتم: هم، فقد أقمتم الحجة على أنفسكم، لأنهم ما كانوا يذكرونه بهذه الطريقة، وما كانوا يخرجون عن الوعي. هذا بالإضافة إلى ما يحدث في مجالس هذه الأذكار من اختلاط بين الرجال والنساء، وأكثر من ذلك مما يعف اللسان عن ذكره، وكذا إثبات بعض الصفات للنبي ﷺ التي لم يثبتها لنفسه؛ لأنها صفات لا تنبغي إلا لله- ويا ليت من يقوم بهذه الأعمال، التي يظن أنه يتقرب بها إلى الله- ، قد حرم الأجر فحسب- وإن كانت هذه مصيبة وحدها- ولكن المصيبة الأعظم أنه لن يسلم من وزر ما فعل، وهو يتفاوت في درجته من معصية الابتداع والاختلاط إلى الشرك بالله العلي العظيم إذا نسب للنبي أنه يعلم الغيب أو يعتقد أن بيده النفع والضر، أو أنه معنا حيث نكون يسمعنا ويرانا، ويرضى أو يحزن على أفعالنا وأن الله ما خلق الخلق إلا من أجله إلى غير ذلك من البواطل الفواقر. هيا أخي المسلم نتوب إلى الله- ونقلع عن كل ما يخالف الكتاب وسنة الحبيب ﷺ ونتمسك بخير الهدي وأكمله، هدي محمد ﷺ فما وجدناه صحيحا صريحا في

стр. 558

سنته اتبعناه، وإلا تركناه وهجرناه بل وكرهناه، وأمرنا الناس باجتنابه. وأود هنا أن أنبه على عجالة مما يقع من بعض الناس، من ألفاظ يتداولونها، أقل ما يقال عنها: إنها من سوء الأدب وامتهان لحرمات الله- ، ومنها على سبيل المثال: ١- صلي علي اللى يشفعلك، الكلمة في حد ذاتها ليس فيها شيء، ولكنها تقال في غير موضعها وبطريقة غير لائقة، وتكون غالبا لفض المنازعات، ولا يقوم أحد من الحاضرين بالصلاة على النبي ﷺ فيا ليتنا تركنا هذه المقولة تعظيما لأمر هذه العبادة. ٢- قول أحدهم: يعني كسبنا الصلاة على النبي، وهذا من سوء الأدب وعلينا أن ننأى عن مثل هذه المقولات وننهى الناس عنها، إذا أردنا فعلا التقرب إلى الله- . ٣- ما يقوم به البعض في الأعراس والحفلات وعند فوز فريقه، من الغناء والرقص، مع قولهم: وصلي صلي صلي، على النبي صلي إلى آخره، بنغمة معينة، مما يستحيي المسلم أن ينطق به أو يسمعه فضلا أن يتغنى به، أهكذا يردّ الجميل لمن فضله علينا أعظم من فضل الوالدين، بل لا نرى أحدا سبقه في الفضل إلا الذي خلقنا وهدانا، ويا ليت الأمر يتعلق بالنبي ﷺ وحده، بل يتعلق بالله- الذي أمرنا بهذه العبادة، وشرعها لنا ورتب عليها أعظم المثوبة، أقول لهؤلاء وغيرهم ممن لا يعظمون شعائر الله: أفلا تتوبون إلى الله وتستغفرونه والله غفور رحيم؟!. ٤- قول أحدهم لإسكات الآخر: صلينا على النبي، يعني اسكت، وكذا قول أحدهم: خذ هذا بالصلاة على النبي. الفائدة الرابعة: وفيها أنبه إلى بعض المواضع التي لا يشرع فيها الصلاة على النبي ﷺ لعدم ورود السنة بها، ولكن للأسف اعتادها بعض الناس: ١- بعد العطاس. ٢- عند البحث عن شيء مفقود. ٣- نهاية دعاء السفر. ٤- صلاة المؤذن على النبي بعد الأذان بمكبر الصوت. والصحيح هو الصلاة على النبي ﷺ من الجميع المؤذن وغيره، ولكن كلّ في سره. وفي الختام أسأل الله- أن يجعل صلاتي وصلاة المؤمنين على نبينا ﷺ زكاة

стр. 559

وطهورا وضياء لنا يوم العرض عليه، وأن يحفظها لنا، فهو الذي لا تضيع عنده الودائع، وأن يرزقنا بها شفاعة المصطفى ﷺ إنه نعم المولى ونعم المجيب. ٨- جعل صلاته واستغفاره ﷺ رحمة للمؤمنين: عظم الله- ﵎ شأن صلاة النبي ﷺ على المؤمنين، أي: دعاؤه لهم بمغفرة ذنوبهم وتخفيف فتنة القبر عليهم ودخولهم الجنة، وغير ذلك من أنواع الأدعية كثير، فجعلها الله- ﵎ صلاة مباركة طيبة تقبل قبولا حسنا، بل إن الله- ﵎ حث المؤمنين أن يذهبوا لرسول الله ﷺ ليستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، بل الأعظم من ذلك أن الله- ﵎ جعل من علامات المنافقين الاستكبار عن الذهاب لرسول الله ﷺ ليستغفر لهم، قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون: ٥] ، قال صاحب التفسير الميسر: (وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: أقبلوا تائبين معتذرين عما بدر منكم من سيئ القول وسفه الحديث يطلب لكم رسول الله من ربه أن يعفو عنكم: حرّكوا رؤسهم استهزاء واستكبارا وأبصرتهم- يا محمد- يعرضون عنك وهم مستكبرون عن الامتثال لما طلب منهم) . ولأن شواهد ذلك كثيرة ومتنوعة فسأضرب شاهدين فقط: الشاهد الأول: قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣] ، قال الإمام الطبري ﵀: (يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : يا محمد خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها صدقة تطهرهم من دنس ذنوبهم وَتُزَكِّيهِمْ بِها أي تنميهم وترفعهم بها عن خسيس منازل أهل النفاق إلى منازل أهل الإخلاص وَصَلِّ عَلَيْهِمْ يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ منها إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم) «١» ، وقال ﵀ في موضع آخر: (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، وقال بعضهم: رحمة لهم) «٢» . قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى: إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ: (أي طمأنينة لقلوبهم واستبشارا لهم) «٣» .

стр. 560

بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عمل النبي ﷺ بأمر ربه فكان يستغفر لمن كان يأتيه بالصدقات، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهمّ صلّ عليهم» . فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» «١» . الفائدة الثانية: في الآية دليل على تعظيم الصحابة ﵃ لدعاء النبي ﷺ وصلاته عليهم وتيقنهم أن دعاءه مقبول عند الله- ﵎ فبدعائه ﷺ تمحى السيئات وتقال العثرات وترفع الدرجات وتشفى الأمراض، ووجه استنباط ذلك من الآية: أن الله ﵎ أبلغنا أن قلوب الصحابة تطمئن بدعاء النبي ﷺ . الفائدة الثالثة: إثبات فضيلة خاصة للصحابة ﵃ تميزوا بها دون سائر الأمة، ألا وهي استغفار النبي ﷺ لهم وصلاته عليهم، ولم يضيعوا ﵃ هذه المزية ولم يفوتوها عليهم، فكثيرا ما كانوا يطلبون من رسول الله ﷺ الدعاء لهم ولأولادهم، وقد أوردت شواهد على ذلك في باب: (استجابة دعائه ﷺ . وإذا سأل سائل فقال: لماذا ميز الله- الصحابة بهذه المزية وحرمنا منها؟ قلت: لأن الله تعالى علم أن الصحابة سيفعلون ما لن نفعل، وسيقدمون ما لن نقدم، فقد جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وضحوا بكل غال ونفيس لإعلاء كلمة التوحيد، فكان لهم السبق في نصرة الله ورسوله، فكان من عدل الله الحكيم الخبير أن يعطيهم ما لم يعطنا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم إن الله- ﵎ لم يحرمنا- حاشا لله- لأن الحرمان معناه ألا يعطينا ما نستحق أو يمنعنا حقّا لنا- والله منزه عن ذلك. وإن فاتنا هذا الخير الكثير فإننا أدركنا أبوابا من الخير، نسأل الله- أن يتقبلها منا، ألا وإن أعظمها إيماننا وتصديقنا وحبنا للنبي ﷺ ونحن لم نره. وما فعلنا ذلك إلا تصديقا بكلام ربنا- ﵎. الفائدة الرابعة: قال الشيخ السعدي ﵀: (في الآية استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه- لمن أدى زكاته- بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرا بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه، ويؤخذ من المعنى أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين بالكلام اللين والدعاء

стр. 561

له، ونحو ذلك، مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه) «١» . الشاهد الثاني: قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] . قال الإمام ابن كثير ﵀: (يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) «٢» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: فعل الطاعة مع النبي ﷺ وفي وجود شخصه الكريم، أحب إلى الله- ﵎ وأكثر قبولا وأجرا مما لو لم يكن موجودا، وكذلك استغفاره ﷺ للمذنبين أرجى قبولا من استغفارهم لأنفسهم، والدليل على ذلك أن استغفار المذنبين لو كان يستوي عند رسول الله ﷺ وعند غيره ما أمرهم الله أن يذهبوا إليه ويستغفروا ربهم عنده ﷺ ولكان الأمر بحضورهم إلى رسول الله ﷺ تحصيل حاصل- حاشا لله-، ولو كان استغفارهم لأنفسهم يغني عن استغفار الرسول ﷺ لهم أو لا يتأكد به مغفرة الرب، ما كان لطلب الاستغفار من الرسول ﷺ حكمة شرعية. الفائدة الثانية: روى بعض المفسرين- رحمهم الله تعالى- في تفسير هذه الآية أثرا رواه أبو صادق عن علي قال: (قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله ﷺ وحثا على رأسه من ترابه. فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك. وكان فيما أنزل الله عليك: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر إنه قد غفر لك) «٣» . وهذا (أثر منكر أبو صادق هو مسلم بن يزيد لم يدرك عليّا، فهو منقطع ولم يذكر المصنف من رواه عنه، والمتن منكر جدّا، ولو صح لفعله عشرات الصحابة) «٤» . قلت: هل يعقل أن يكون الاستغفار عند قبر الرسول ﷺ مشروعا وقربة إلى الله- ﵎ ولم يفعله إلا أعرابي، ولا ينقل عن آلاف الصحابة، ولا التابعين بسند صحيح أنهم فعلوه، مع أنهم أحرص الناس على السنة من هذا الأعرابي المجهول الهوية،

стр. 562

نريد دليلا واحدا صحيحا عن أعلم الناس بسنة المصطفى ﷺ بمشروعية ذلك. كما أقول: إن نفي مشروعية الذهاب إلى قبر النبي ﷺ للاستغفار لا يعد تقليلا من شأن النبي ﷺ كما يروّج السفهاء- ولكن لا نفعل ذلك لأن الله- ﵎ لم يأمرنا به، ولم يشرعه لنا نبينا ﷺ ، وليس لنا فيه من الصحب الكرام أسوة حسنة. ٩- سماع الله لتلاوته ﷺ : عن أبي هريرة أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصّوت بالقرآن يجهر به» . [متفق عليه] «١» . الشاهد في الحديث: أذن الله، أي استمع، والسماع هنا ليس من باب السماع العام، بل هو سماع الرضا والقبول، فالسماع ثلاثة أنواع: سماع إحاطة، وقد ثبت في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١] . وسماع يقصد به التهديد والوعيد، وقد ثبت في قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: ١٨١] ، والدليل على أن المقصود بهذا السماع، هو التهديد والوعيد، قوله- : سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. أما النوع الثالث من السماع: فهو سماع رضا وقبول، ومثاله حديث الباب، والذي قصده العلماء من هذا التقسيم، هو شرح مقصود الله- من إثبات السماع والحكم المترتب عليه، فقد يسمع ويرضى عما سمع ويرتب على ذلك أجزل الثواب، وقد يسمع ويغضب عظيم الغضب مما يقال ويرتب على ذلك أشد العذاب، وقد يكون السماع من باب الإحاطة بما يفعل العباد. وفي الحديث إثبات حسن صوت النبي ﷺ ، يؤيده ما رواه مسلم، عن عديّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت النّبيّ ﷺ قرأ في العشاء بالتّين والزّيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه «٢» .

стр. 563

١٠- تثقيل موازينه ﷺ يوم القيامة: عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» . [رواه مسلم] «١» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه» ، وحيث إن الرسول هو الذي دل على كل خير، ودعا إلى كل هدى، وحذر من كل ضلالة، فإن له من الأجر الموفور يوم القيامة، مثل أجور هذه الأمة جميعا، ولذلك فلا غرابة، أن تكون له الدرجة العالية الرفيعة في الجنة، التي لا تنبغي إلا له ﷺ . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: عظيم ما أعده الله- وادخره لنبيه ﷺ في الآخرة من الأجر والثواب، ولم يقتصر مصدر هذا الأجر العظيم على هدايته ونصحه للأمة، بل من كون أنّ له من الأجر ضعف أجر أفراد الأمة على كل ما يصيبه من البلاء وكل ما يقوم به من الطاعات، ودليله ما رواه مسلم، عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : «أجل، إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» . قال: فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أجل» . ثمّ قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلّا حطّ الله به سيّئاته كما تحطّ الشّجرة ورقها» «٢» . الفائدة الثانية: فضيلة الإرشاد لأعمال الخير، وتعليم الناس، والتواصي بالحق، ومساعدة فاعل الخير قدر الإمكان؛ لقوله: «من دعا إلى هدى» ، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية. الفائدة الثالثة: الحث على تلقي العلم، حيث إن المسلم لن يدل على خير ويعلّمه الناس، حتى يعلم أن هذا العمل خير، وموافق لسنة المصطفى ﷺ ، حتى لا يدعو إلى بدعة أو يقع في محظور آخر، دون أن يدري، والذي يدل على وجوب العلم أولا قبل العمل، قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] ، وبوّب الإمام

стр. 564

البخاري ﵀ لهذه الآية بابا سماه (العلم قبل العمل) ، ولكن يجب أن يفهم هذا الكلام فهما صحيحا، ونكون وسطا، بين من ينصح ويأمر الناس دون أي علم، ودون أن يحقق شيئا حتى أمر التوحيد، وبين من يأخذ العلم جلّ وقته، ويترك النصح لأفراد المسلمين بحجة تلقي العلم أولا. فالقصد القصد، ومتى علم المسلم شيئا من المسائل وفهمها، فعليه إبلاغها، دون إفتاء أو توسع في الأمر، حتى لا ينجر إلى مسائل أخرى لا يعلمها، فيفتي بدون علم، ويجب عليه أن يتقي الله، فلا يستحي أن يقول: (لا أعلم) لمجرد أن الناس فهموا من نصحه أنه عالم، كما أن على الناس، أن ينتبهوا ممن يأخذون دينهم، فلا يتساهلون ويسألون من تيسّر أمامهم؛ لأنه ينصح أو يبدو عليه سمة الصلاح والتقوى، أو أنه متساهل في الفتوى، بل عليهم أن يجتهدوا، في معرفة أمور الحلال والحرام، ويعلموا أنهم إذا سألوا من لا علم عنده فقد أعانوا عليه الشيطان، ومرة بعد مرة، يتجرأ هذا الناصح على الفتيا ويتحرج أن يقول: (لا أعلم) . الفائدة الرابعة: البدعة في الدين أعظم وزرا من المعصية؛ لأن المعصية يتوب منها العبد، وخطرها- في الغالب- مقصور على صاحبها، أما البدعة فخطرها متعدّ لكل من رآها وعمل بها إلى يوم القيامة. الفائدة الخامسة: سعة ما عند الله- من الأجر والمثوبة لعباده المؤمنين، حيث يعطي من دعا إلى هدى أجره وأجر من عمل بدعوته إلى يوم القيامة، سبحانه هو الغني، وكذا سعة ما عنده من العقوبة. الفائدة السادسة: علمنا من الحديث أن أحدا لا يحمل عن أحد وزره، حتى ولو كان هو الذي أضله، ولكن الذي دعا إلى ضلالة يحمل مثل وزر من أضله، أي أنه يحمل وزرين: وزر الضلال ووزر الإضلال، وعلى هذا المعنى يفهم قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] . ١١- الأمر بالصدقة بين يدي نجواه ﷺ : قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] . إنّ أمر الله المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ أي الإسرار إليه- لهو من أبين الأدلة على عناية الله- بنبيه ﷺ ، بما يضمن رفع شأنه وإظهار فضله

стр. 565

وبيان عظيم مكانته، وما قلته ليس من باب المبالغة في شيء، ولكن هذا فحوى ما قاله العلماء في تفسير الآية، قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى: (أمر الله عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أن يقدم بين ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله؛ لأن يصلح لهذا المقام) . انتهى «١» . وتدبر كلام ابن كثير، فإن معناه: أن مناجاة النبي ﷺ ، هي مقام مخصوص، لا يستوي مع غيره من المقامات، فإنه يشترط لمن يريد الوقوف بين يديه لمناجاته، إخراج صدقة يضمن بها طهارة نفسه وتزكيتها. فانظر لهذا المستوى الذي بلغت إليه مكانة نبينا ﷺ . وقال الشيخ السعدي ﵀: (أمر الله تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد ﷺ تأديبا لهم وتعليما وتعظيما للرسول ﷺ ، فإن هذا التعظيم خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم وتحصل لكم الطهارة من الأدناس التي من جملتها ترك احترام الرسول ﷺ . انتهى «٢» . وعليه فإن الشيخ قد جعل مجرد تعظيم الرسول ﷺ ، هو خير للمؤمنين وأطهر وبه يكثر الأجر والخير. وقد يقول القائل: كيف أمرت الآية المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ؛ إظهارا لمكانته، وقد نسخت الآية، وقيل: إنه لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب، ﵁؟. أقول: إن الآية قد أثبتت فضل النبي ﷺ بوجوب دفع الصدقة قبل مناجاته، وبينت أن هذا هو الخير والأطهر للمؤمنين، وكون الآية قد نسخت إلا أن الحكمة منها لم تنسخ، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقد استقرت ولله الحمد في نفوس الصحابة ومن تبعهم بإحسان. ١٢- رؤية الله- له ﷺ : قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء: ٢١٧- ٢٢٠] . الشاهد في الآية: أثبتت الآية رؤية الله- لنبيه، وهي رؤية خاصة، المقصود بها العناية والحفظ، وليست رؤية إدراك وإحاطة، حيث إنها وردت بعد الأمر بالتوكل، وكأنها تحث عليه وترغب فيه، ولو كانت رؤية عامة، ما كان لذكرها مزية بعد الأمر بالتوكل؛ لأن الرؤية العامة تشمل الناس جميعا: متوكلين وغير متوكلين.
следующие страницы →