له، ونحو ذلك، مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه) «١» .
الشاهد الثاني:
قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] .
قال الإمام ابن كثير ﵀: (يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
فعل الطاعة مع النبي ﷺ وفي وجود شخصه الكريم، أحب إلى الله- ﵎ وأكثر قبولا وأجرا مما لو لم يكن موجودا، وكذلك استغفاره ﷺ للمذنبين أرجى قبولا من استغفارهم لأنفسهم، والدليل على ذلك أن استغفار المذنبين لو كان يستوي عند رسول الله ﷺ وعند غيره ما أمرهم الله أن يذهبوا إليه ويستغفروا ربهم عنده ﷺ ولكان الأمر بحضورهم إلى رسول الله ﷺ تحصيل حاصل- حاشا لله-، ولو كان استغفارهم لأنفسهم يغني عن استغفار الرسول ﷺ لهم أو لا يتأكد به مغفرة الرب، ما كان لطلب الاستغفار من الرسول ﷺ حكمة شرعية.
الفائدة الثانية:
روى بعض المفسرين- رحمهم الله تعالى- في تفسير هذه الآية أثرا رواه أبو صادق عن علي قال: (قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله ﷺ وحثا على رأسه من ترابه. فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك. وكان فيما أنزل الله عليك: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر إنه قد غفر لك) «٣» .
وهذا (أثر منكر أبو صادق هو مسلم بن يزيد لم يدرك عليّا، فهو منقطع ولم يذكر المصنف من رواه عنه، والمتن منكر جدّا، ولو صح لفعله عشرات الصحابة) «٤» .
قلت: هل يعقل أن يكون الاستغفار عند قبر الرسول ﷺ مشروعا وقربة إلى الله- ﵎ ولم يفعله إلا أعرابي، ولا ينقل عن آلاف الصحابة، ولا التابعين بسند صحيح أنهم فعلوه، مع أنهم أحرص الناس على السنة من هذا الأعرابي المجهول الهوية،
стр. 562
نريد دليلا واحدا صحيحا عن أعلم الناس بسنة المصطفى ﷺ بمشروعية ذلك. كما أقول: إن نفي مشروعية الذهاب إلى قبر النبي ﷺ للاستغفار لا يعد تقليلا من شأن النبي ﷺ كما يروّج السفهاء- ولكن لا نفعل ذلك لأن الله- ﵎ لم يأمرنا به، ولم يشرعه لنا نبينا ﷺ ، وليس لنا فيه من الصحب الكرام أسوة حسنة.
٩- سماع الله لتلاوته ﷺ :
عن أبي هريرة أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصّوت بالقرآن يجهر به» . [متفق عليه] «١» .
الشاهد في الحديث:
أذن الله، أي استمع، والسماع هنا ليس من باب السماع العام، بل هو سماع الرضا والقبول، فالسماع ثلاثة أنواع:
سماع إحاطة، وقد ثبت في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١] .
وسماع يقصد به التهديد والوعيد، وقد ثبت في قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: ١٨١] ، والدليل على أن المقصود بهذا السماع، هو التهديد والوعيد، قوله- : سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.
أما النوع الثالث من السماع: فهو سماع رضا وقبول، ومثاله حديث الباب، والذي قصده العلماء من هذا التقسيم، هو شرح مقصود الله- من إثبات السماع والحكم المترتب عليه، فقد يسمع ويرضى عما سمع ويرتب على ذلك أجزل الثواب، وقد يسمع ويغضب عظيم الغضب مما يقال ويرتب على ذلك أشد العذاب، وقد يكون السماع من باب الإحاطة بما يفعل العباد.
وفي الحديث إثبات حسن صوت النبي ﷺ ، يؤيده ما رواه مسلم، عن عديّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت النّبيّ ﷺ قرأ في العشاء بالتّين والزّيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه «٢» .
стр. 563
١٠- تثقيل موازينه ﷺ يوم القيامة:
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه» ، وحيث إن الرسول هو الذي دل على كل خير، ودعا إلى كل هدى، وحذر من كل ضلالة، فإن له من الأجر الموفور يوم القيامة، مثل أجور هذه الأمة جميعا، ولذلك فلا غرابة، أن تكون له الدرجة العالية الرفيعة في الجنة، التي لا تنبغي إلا له ﷺ .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم ما أعده الله- وادخره لنبيه ﷺ في الآخرة من الأجر والثواب، ولم يقتصر مصدر هذا الأجر العظيم على هدايته ونصحه للأمة، بل من كون أنّ له من الأجر ضعف أجر أفراد الأمة على كل ما يصيبه من البلاء وكل ما يقوم به من الطاعات، ودليله ما رواه مسلم، عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : «أجل، إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» . قال: فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أجل» . ثمّ قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلّا حطّ الله به سيّئاته كما تحطّ الشّجرة ورقها» «٢» .
الفائدة الثانية:
فضيلة الإرشاد لأعمال الخير، وتعليم الناس، والتواصي بالحق، ومساعدة فاعل الخير قدر الإمكان؛ لقوله: «من دعا إلى هدى» ، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية.
الفائدة الثالثة:
الحث على تلقي العلم، حيث إن المسلم لن يدل على خير ويعلّمه الناس، حتى يعلم أن هذا العمل خير، وموافق لسنة المصطفى ﷺ ، حتى لا يدعو إلى بدعة أو يقع في محظور آخر، دون أن يدري، والذي يدل على وجوب العلم أولا قبل العمل، قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] ، وبوّب الإمام
стр. 564
البخاري ﵀ لهذه الآية بابا سماه (العلم قبل العمل) ، ولكن يجب أن يفهم هذا الكلام فهما صحيحا، ونكون وسطا، بين من ينصح ويأمر الناس دون أي علم، ودون أن يحقق شيئا حتى أمر التوحيد، وبين من يأخذ العلم جلّ وقته، ويترك النصح لأفراد المسلمين بحجة تلقي العلم أولا. فالقصد القصد، ومتى علم المسلم شيئا من المسائل وفهمها، فعليه إبلاغها، دون إفتاء أو توسع في الأمر، حتى لا ينجر إلى مسائل أخرى لا يعلمها، فيفتي بدون علم، ويجب عليه أن يتقي الله، فلا يستحي أن يقول: (لا أعلم) لمجرد أن الناس فهموا من نصحه أنه عالم، كما أن على الناس، أن ينتبهوا ممن يأخذون دينهم، فلا يتساهلون ويسألون من تيسّر أمامهم؛ لأنه ينصح أو يبدو عليه سمة الصلاح والتقوى، أو أنه متساهل في الفتوى، بل عليهم أن يجتهدوا، في معرفة أمور الحلال والحرام، ويعلموا أنهم إذا سألوا من لا علم عنده فقد أعانوا عليه الشيطان، ومرة بعد مرة، يتجرأ هذا الناصح على الفتيا ويتحرج أن يقول: (لا أعلم) .
الفائدة الرابعة:
البدعة في الدين أعظم وزرا من المعصية؛ لأن المعصية يتوب منها العبد، وخطرها- في الغالب- مقصور على صاحبها، أما البدعة فخطرها متعدّ لكل من رآها وعمل بها إلى يوم القيامة.
الفائدة الخامسة:
سعة ما عند الله- من الأجر والمثوبة لعباده المؤمنين، حيث يعطي من دعا إلى هدى أجره وأجر من عمل بدعوته إلى يوم القيامة، سبحانه هو الغني، وكذا سعة ما عنده من العقوبة.
الفائدة السادسة:
علمنا من الحديث أن أحدا لا يحمل عن أحد وزره، حتى ولو كان هو الذي أضله، ولكن الذي دعا إلى ضلالة يحمل مثل وزر من أضله، أي أنه يحمل وزرين:
وزر الضلال ووزر الإضلال، وعلى هذا المعنى يفهم قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] .
١١- الأمر بالصدقة بين يدي نجواه ﷺ :
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] .
إنّ أمر الله المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ أي الإسرار إليه- لهو من أبين الأدلة على عناية الله- بنبيه ﷺ ، بما يضمن رفع شأنه وإظهار فضله
стр. 565
وبيان عظيم مكانته، وما قلته ليس من باب المبالغة في شيء، ولكن هذا فحوى ما قاله العلماء في تفسير الآية، قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى: (أمر الله عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أن يقدم بين ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله؛ لأن يصلح لهذا المقام) . انتهى «١» .
وتدبر كلام ابن كثير، فإن معناه: أن مناجاة النبي ﷺ ، هي مقام مخصوص، لا يستوي مع غيره من المقامات، فإنه يشترط لمن يريد الوقوف بين يديه لمناجاته، إخراج صدقة يضمن بها طهارة نفسه وتزكيتها. فانظر لهذا المستوى الذي بلغت إليه مكانة نبينا ﷺ .
وقال الشيخ السعدي ﵀: (أمر الله تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد ﷺ تأديبا لهم وتعليما وتعظيما للرسول ﷺ ، فإن هذا التعظيم خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم وتحصل لكم الطهارة من الأدناس التي من جملتها ترك احترام الرسول ﷺ . انتهى «٢» .
وعليه فإن الشيخ قد جعل مجرد تعظيم الرسول ﷺ ، هو خير للمؤمنين وأطهر وبه يكثر الأجر والخير.
وقد يقول القائل: كيف أمرت الآية المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ؛ إظهارا لمكانته، وقد نسخت الآية، وقيل: إنه لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب، ﵁؟.
أقول: إن الآية قد أثبتت فضل النبي ﷺ بوجوب دفع الصدقة قبل مناجاته، وبينت أن هذا هو الخير والأطهر للمؤمنين، وكون الآية قد نسخت إلا أن الحكمة منها لم تنسخ، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقد استقرت ولله الحمد في نفوس الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
١٢- رؤية الله- له ﷺ :
قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء: ٢١٧- ٢٢٠] .
الشاهد في الآية:
أثبتت الآية رؤية الله- لنبيه، وهي رؤية خاصة، المقصود بها العناية والحفظ، وليست رؤية إدراك وإحاطة، حيث إنها وردت بعد الأمر بالتوكل، وكأنها تحث عليه وترغب فيه، ولو كانت رؤية عامة، ما كان لذكرها مزية بعد الأمر بالتوكل؛ لأن الرؤية العامة تشمل الناس جميعا: متوكلين وغير متوكلين.
стр. 566
ومثال الرؤية الخاصة: قوله تعالى لموسى وهارون: قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٤٦] .
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
كمال عبادته لله- من جميع الوجوه، والتي منها التواضع بها لله والخشوع، وحسن القيام والسجود، وتمام الإخلاص، حيث إن الآية وردت على سبيل التمدح من الله- والله لا يمتدح شيئا فيه نقص أو خلل، بدون توجيه، خاصة إذا كان يتعلق بقدوة هذه الأمة ﷺ .
الفائدة الثانية:
وعد الله- نبيه ﷺ بالنصر والظهور على أعدائه، والرحمة له ولأمته، حيث أمره- بالتوكل عليه، ورغّبه في ذلك بصفتين من صفاته، وهما العزة والرحمة.
الفائدة الثالثة:
عظيم أمر التوكل فبه يكفينا الله- أمر أعدائنا بالنصر عليهم، وويكفينا شرور أنفسنا بغفران السيئات.
الفائدة الرابعة:
ختمت الآيات بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فهو- الذي يسمع دعاءك ويعلم حالك، وكأنه وعد منه- ﵎ بتحقيق سؤله واستجابة دعائه، وقد تم ذلك كله بما تقر به عينه ﷺ .
١٣- ولاية الله- له ﷺ :
قال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] .
قيل: إن اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ هما عائشة وحفصة- ﵄ حيث ذكرا له أن به ريح مغافير من العسل الذي يشربه عند إحدى نسائه، ولما كان النبي ﷺ يكره أن يجد أحد منه ريحا كريهة، حرم على نفسه العسل، فنزلت الآية توجه العتاب واللوم لعائشة وحفصة، وتعرض عليهما التوبة إلى الله بسبب ما بدر منهما وميلهن عما ينبغي من الورع والتوقير وعدم المشقة في حق النبي ﷺ ، وكل روايات أسباب النزول لا تختلف كثيرا عما ذكرت وهي روايات في الصحاح.
والشاهد في الآية
على اعتناء الله- بالنبي ﷺ غاية العناية: أن الآية ذكرت أن الله- هو مولى النبي ﷺ ، والمولى هو المعين والناصر، وهو الذي يتولى أمر مولاه في كل شئونه.
стр. 567
مما يوضح هذا المعنى ويجليه ويبين أن ولاية الله هي واحدة من أعظم شمائل النبي ﷺ التي ربما نغافل عنها، أقول: مما يوضح ذلك، ما ذكره الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية، ونصه: (أي الجميع أعوان للرسول مظاهرون ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره- مما يناوئه- مخذول. وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين حيث جعل البارئ نفسه الكريمة وخواص خلقه أعوانا لهذا الرسول الكريم) . انتهى.
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
عظيم قدر النبي ﷺ حيث ذكرت الآية أن الله- وصفوة خلقه هم مولى النبي ﷺ ، فلم تقتصر الولاية على الله- ، وإن كانت لتكفي ولو كان خصم النبي ﷺ هم أهل السماوات والأرض، ولكن الولاية انسحبت لتشمل جبريل أعظم الملائكة قدرا وتشمل صالحي المؤمنين، ولم تقف الآية عند هذا الحد، بل جاء عموم الملائكة كلهم جميعا ناصرين للنبي ﷺ ، وأعتقد أن الهدف الأعظم من ذكر أحد مع الله- ﵎ في ولاية النبي ﷺ ، هو بيان فضله على الأولين والآخرين.
الفائدة الثانية:
في الآية الكريمة تخويف شديد ووعيد أكيد لمن يصدر منه أدنى إيذاء للنبي ﷺ ، سواء في حياته أو بعد مماته، فإذا كانت الآية قد نزلت في حق زوجتين كريمتين طاهرتين، هما من أحب النساء إليه ﷺ ، في أمر قد يكون سهلا بسيطا جدّا لو حدث مع غير النبي ﷺ ، فما بالكم لو صدر الإيذاء ممن هو دونهما في الفضل والشرف، وفيما هو أشد وأعظم، فما بالكم لو صدر الإيذاء ممن جعل نفسه خصما للنبي ﷺ أو محاجّا له أو مشاقّا لسنته، وإذا كان المولى- لم يرض من نساء النبي ﷺ إلا كمال الأدب ولم يتسامح معهن في أقل القليل، فهل يرضى الله منا ما يفعل من تقصير في حق النبي ﷺ ؟!.
أيها المسلمون: الأمر أعظم بكثير مما نتصور كيف نتجرأ على تجاوز الأدب مع نبي قد ضمن الله له النصرة والموالاة من نفسه الكريمة ثم من أهل السماوات والصالحين من أهل الأرض؟.
الفائدة الثالثة:
في الآية إثبات أن إيذاء النبي ﷺ هو إيذاء لله وجبريل والملائكة وصالح المؤمنين، بل إن إيذاء النبي ﷺ يسبب قطعا غضب الرب وملائكته لأنهم جميعا مولى النبي ﷺ ، وعليه فمن لا يتأذى ولا يغضب إذا انتهكت حرمة النبي ﷺ فنجزم قطعا أنه لا
стр. 568
يدخل في زمرة صالح المؤمنين.
الفائدة الرابعة:
في الآية أبلغ الحث على حب النبي ﷺ ومناصرته واتباع سنته؛ لأن الله- إذا كان يحب النبي ﷺ وينصره، فهو قطعا يحب من يتبعه وينصر من ينصره.
لطيفة:
لم يقتصر التأديب الرباني لزوجات النبي ﷺ على إنزال هذه الآية العظيمة، بل أعقبتها آية هي أشد وقعا على جميع أمهات المؤمنين- ﵅ وهي قوله تعالى:
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التحريم: ٥] ، فجاء التهديد القرآني الذي يراد به مراعاة عظيم الأدب مع النبي ﷺ بالنقاط التالية:
١- إمكانية التطليق، وفي هذا أشد الحرمان لهن، لما فيه من انقطاع شرف الانتساب لبيت النبوة، وجوار النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ويا ليت الأمر يقتصر على ذلك بل سيحل محلهن زوجات أخريات، يفزن بهذا الشرف والجوار.
٢- إن الذي سيبد له بالزوجات بعد التطليق هو الله ﵎، الذي هو مولاه، فلن يترك الأمر للنبي ﷺ في الاختيار، وإذا كان الذي سيختار الزوجات هو الله، فنعم المختار، وما أحسن المختارات.
٣- إثبات أن الزوجات- المبدل بهن- هن خير من الزوجات الكريمات اللاتي في عصمته ﷺ ، فهن على أحسن الأوصاف وأسمى الأخلاق، مع مراعاة أن الآية ذكرت التنوع في أصنافهن ففيهن الأبكار والثيبات، حتى لا يقول قائل: سيأتي الطلاق بالتشديد على الرسول ﷺ كما هو الحال عند بقية الناس- بل سيكون حاله ﷺ بعد طلاق جميع نسائه في منتهى التوسعة.
فتدبر أخي القارئ كيف جاءت الآية على أحسن ما يكون في تهييج مشاعر الحب والغيرة في قلوب أمهات المؤمنين، بما يضمن عدم عودتهن إلى ما بدر منهن ولو كان أمرا بسيطا.
وقد بينت في عدة مواضع، أن الكافرين كانوا إذا اتهموا النبي ﷺ بأي تهمة نزل القرآن بما يبرئه من هذه التهمة، وبما يرفع من قدره ويعلي شأنه، وهذا أيضا قد حدث في هذه الواقعة، والتي تحكي شأنا من شئون أمهات المؤمنين، فنزل القرآن بما يرشدهن إلى وجوب سلوك غاية الأدب، وبما يرفع أيضا شأن النبي ﷺ ، حيث ثبتت له ولاية الله وجبريل
стр. 569
والملائكة وصالح المؤمنين، مع وعده إذا طلق نساءه أن يجعل الله له ما يقر عينه، وهذه النكتة اللطيفة تحتاج إلى تأمل وتدبر.
١٤- معية الله- له ﷺ :
قال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٤٠] .
الشاهد في الآية:
أثبتت الآية معية الله- ، لنبيه وصاحبه، قال تعالى: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وهي معية خاصة؛ لأنها ذكرت بعد النهي عن الحزن، الذي حصل بسبب خوف أبي بكر الصديق على الرسول، وارتفع هذا الخوف بعلمه أن الله معهما بنصره وتأييده، فلن يصل إليهما أذى الكفار، ويؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري عن أنس عن أبي بكر ﵁ قال: قلت للنّبيّ ﷺ وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا!!. فقال: «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» «١» .
أما المعية العامة، والتي يقصد بها العلم والإحاطة، ففي قوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [المجادلة: ٧] .
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
ما يتعلق بالنبي ﷺ
١- نصرة الله- له ﷺ ، وهى نصرة تكفيه عن نصرة الناس أجمعين، فهمنا ذلك من قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، وورود النصر بصيغة الماضي دليل على تحققه وثبوته وإن لم يحدث بعد، ويؤيد نصرة الله له وحمايته من جميع الأعداء قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء: ٨٤] ، فلولا أن الله حاميه، وتكفل بنصرته، ما أمره بالجهاد ومدافعة الكفار ولو كان وحده؛ لأن فيه تهلكة له، قال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: من الآية ٦٧] .
٢- لم يخرج النبي ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة طواعية لطلب السلامة والأمن، بل
стр. 570
أخرج منها مضطرا، قال تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقد بينت ذلك في التعليق على حديث بدء الوحي.
٣- حسن ظن النبي ﷺ بربه، وعظيم توكله عليه، وكامل ثقته بأنه سينجز له وعده.
٤- عظيم اعتناء الله- بنبيه ﷺ ، وذلك بنصرته بإنزال التأييد المعنوي، وهو السكينة في القلوب، والتي نسبها- إلى نفسه الشريفة فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، وكذلك التأييد المادي بالجنود غير المرئية من قبل أحد من الناس، وإذا كانت الآية لم تذكر ماهية الجنود، بل نفت أن أحدا رآها، فإثبات تعشيش الحمام على الغار، ونسج العنكبوت، فيه نظر، إلا إذا ثبت بالحديث الصحيح، أما إذا كانت أخبارا لا تصل لمنزلة الصحيح، فيجب عدم الأخذ بها، لمناقضتها صريح القرآن، ونستفيد من الآية، عظيم قدرة الله- ، إذ نجى رسوله ﷺ وصاحبه الصديق، وهما في شدة الضعف والحول، على أعدائهما وهم في شدة القوة والصول. فسبحان من ينصر من يشاء بما يشاء على من يشاء.
الفائدة الثانية:
ما يتعلق بمناقب الصديق ﵁
١- تخصيص النبي ﷺ له بالهجرة معه، وما صاحب ذلك من خلوته بالنبي ﷺ عدة أيام، ينفرد به في الأكل والشرب والحديث، بل ويكون في خدمته وحده، لا شك أن ذلك منقبة عظيمة للصديق، لم يشاركه أحد فيها، مما يدل على أفضلية الصديق عن بقية الصحابة ﵃.
٢- إثبات الصحبة منقبة عظيمة، أما إثباتها في القرآن الكريم، فهي منقبة ما بعدها منقبة، لأنه ينبني عليها، أن من أنكر صحبة أبي بكر فقد كذب بظاهر القرآن، لأنه لا خلاف بين الأمة أن الذي هاجر مع الرسول ﷺ ، هو أبو بكر، أما الذي يذمه، فهو في خطر عظيم، لأن الله مدحه في هذه الآية أبلغ المدح، فكيف يكون المدح يتلى إلى يوم القيامة، في حق من يذم ويسب، على حد قولهم.
٣- إثبات معية الله- له، منقبة أخرى تضم إلى ما سبق، وينطبق عليها ما سلف.
٤- ذكر الله- له مع نبيه في ضمير واحد يشركهما معا، له فضل كبير من الله على صديق هذه الأمة، قال تعالى: إِذْ هُما فِي الْغارِ، ينضم إليه إثبات أنه
стр. 571
ثاني الاثنين، أي ليس معهما أحد من البشر، قال تعالى: إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين.
٥- تعظيم شأن هجرته، حيث ذكر الله خروجه مع النبي ﷺ في سياق المدح، وهذا أكبر دليل على أنها كانت في سبيل الله، وإثبات المعية والصحبة، يتوجب تضعيف الحسنات ورفع الدرجات، لأن الهجرة مع النبي ﷺ ، ليست كالهجرة مع غيره، فهي مناقب بعضها فوق بعض، لا ندري أيها أعظم.
٦- يتفرع على ما سبق، وجوب حب صدّيق هذه الأمة. ومن علامات هذا الحب، كثرة الثناء عليه، وذكر مناقبه، والذب عن عرضه، والامتنان له بما قدمه لله ورسوله، روى البخاري عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الّذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنّه ليس من النّاس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متّخذا من النّاس خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدّوا عنّي كلّ خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» «١» . أقول: حسبنا هذا الحديث لمعرفة فضل الصديق.
الفائدة الثالثة:
يستدل من الآية أن الهجرة كانت نصرا للرسول ﷺ إذ ذكرت الخروج بعد إثبات نصرة الله لرسوله، قال تعالى: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
الفائدة الرابعة:
وهي لطيفة من لطائف القرآن العظيم، حيث ورد في الآية:
وَكَلِمَةُ اللَّهِ مرفوعة، على أنها مبتدأ، ولم تعطف على وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا، كما يتبادر إلى ذهن القارئ، وهذا يفيد أن الله هو الذي جعل كلمة الذين كفروا في السفال، أما كلمة الله، فهي دائما في علو قبل وبعد الهجرة.
ونستفيد أيضا، ملاءمة ما يذكر في ختام الآية، من أسماء وصفات لله تعالى، مع معنى الآيات، وما يذكر فيها من أحكام، فالآية هنا ختمت بصفتي العزة والحكمة، فبعزة الله- ، نصر عبده وصاحبه على جحافل الكفار، وبحكمته قدّر الهجرة لتكون نصرا مبينا لدينه ونبيه ﷺ . ونصيحة لكل مسلم أن يتدبر القرآن وهو يقرأه، ليتلمس ما فيه من البدائع والفوائد، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على مطلوبه.
стр. 572
١٥- الوعد بنصره ﷺ في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ [الحج: ١٥] .
فالآية أثبتت أن الله- ناصر نبيّه ﷺ لا محالة في الدنيا والآخرة، وأن كيد أعدائه لن يستطيع أن يرد نصر الله له، قال ابن كثير في شرح هذه الآية الكريمة: (من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة) . انتهى «١» .
وقد ذكر القرطبي عن النحاس «٢» معنى آخر للآية فقال: (من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه فليطلب صلة يصل بها إلى السماء ثم ليقطع النصر إن تهيأ له) «٣» .
والحاصل أن كل التفاسير تتفق في معنى واحد للآية، وهو أن الله ناصر نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
وفي الآية عدة فوائد منها:
الفائدة الأولى:
أن الله، ، قد وعد نبيه- وهو في مكة قبل الهجرة، وهو لا يزال مستضعفا- بالنصرة في الدنيا والآخرة، وهذه البشرى من أعظم دلائل نبوته، ﷺ ، ولولا أن هذا الوعد من الله، ولولا صدق النبي ﷺ ، في التبليغ عن ربه، ما أحرج نفسه أمام أصحابه ﵃ بإعلان هذا الوعد، ولكان اكتفى بذكر النصر في الآخرة دون الدنيا، لأن تحقق الوعد من عدمه لن يخفى على أحد في الدنيا بعكس الآخرة، وبعد أن تحققت هذه البشرى في الدنيا كأحسن ما يكون، لم يبق للكفار حجة على الله في تكذيب نبوة النبي ﷺ .
الفائدة الثانية:
إذا كان النصر في الدنيا للنبي ﷺ يكون بالظهور على الأعداء وانتشار دينه والتمكين لأهله في الأرض، فكيف يكون نصره ﷺ في الآخرة؟، أقول: يكون بمنحه أعظم المنح والمقامات، كالشفاعة العظمى واللواء المعقود ونهر الكوثر، وإسكانه
стр. 573
الدرجة العالية الرفيعة في الجنة، التي لا يكون لغيره مثلها أبدا، مع إكرام أصحابه وأتباعه بإدخالهم الجنة، والتفضل عليهم بكل أنواع النعم. ومن تمام النصر في الآخرة، إدخال أعدائه النار وتعذيبهم وألايكون لهم أدنى ذكر حسن في الآخرة، بل الذم كل الذم، والتبكيت والتشفي، بل الندم والحسرة أن لو كانوا اتبعوه ﷺ ، وصدقوه، قال تعالى:
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: ٢٧] ، فسبحان الذي جعل الظالم يذكر أن سبب حسرته وندمه هو عدم اتباع الرسول ﷺ .
الفائدة الثالثة:
أن النصر بيد الله، ، وحده وهو يأتي من السماء، وإذا كان النصر من عنده وحده، فيجب على المسلمين ألايطلبوا العون والنصر إلا منه- وألا يتوكلوا إلا عليه، وأن يتيقنوا أن أحدا لا يقدر على رد نصر الله لهم، قال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٦٠] .
الفائدة الرابعة:
على المسلمين ألا يبأسوا من نصر الله لهم في الدنيا، فهذا واقع لا محالة، لأن الآية وعدت بنصر النبي ﷺ في الدنيا، أي كل زمن الدنيا لعدم ورود التقييد في الآية، ومن لوازم نصر الله- لنبيه ﷺ أن ينصر دينه وكتابه وأتباعه، شريطة أن نعود إلى الله- وأن نتمسك بالعروة الوثقى، وأن نتبع سنة المصطفى ﷺ . وقد أثبت القرآن الكريم أن الله ناصر رسله والذين آمنوا في الدارين، قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] .
٥- أثبتت الآية غيظ الكفار من نصرة الله لنبيه ﷺ ولكتابه ولدينه، وأنهم حريصون كل الحرص على أن يطفئوا نور هذا الدين، ويفضّوا الناس من حول بكل أنواع المكائد الممكنة.
١٦- جعله ﷺ خاتم النبيين:
قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب: ٤٠] .
من كريم نعم الله على نبينا محمد ﷺ ، أن ختم به النبيين، لأن الخاتم يثبت له ما لا يثبت لإخوانه من الأنبياء، ومن ذلك على سبيل المثال:
١- أن يكون كتابه هو المهيمن على بقية الكتب السماوية المنزلة، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ
стр. 574
الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] .
٢- أن تكون شريعته هي الشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، لأنه لا شريعة بعد شريعته ﷺ .
٣- ألايحدث أي نسخ- بعد مماته- لكل ما جاء به من كتاب أو سنة.
٤- مطالبة كل أمة- تحت أديم السماء- من يوم بعثته إلى يوم القيامة- بالإيمان به والتصديق التام بكل ما جاء به، بل يكون الإيمان بجميع الرسل داخلا في طيات الإيمان به؛ لأنه هو الذي دل على نبوتهم جميعا.
٥- أن يكون هو ﷺ ، الحكم على أفعال كل الأمم السابقة، يزكي حسناتهم ويحذر من سيئاتهم، ولم يثبت ذلك لأمة من الأمم، ثم إن جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام مبشرون به مزكون لأمته.
ومعلوم أن الخاتم لكل شيء هو أحسن وأجمل ما في الشيء، ولذلك يزين به، ولا يكتمل جمال الشيء إلا به، قال تعالى واصفا جمال شراب أهل الجنة: خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: ٢٦] ، وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية الكريمة ما نصه: (فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله- ﵎ في كتابه، ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه ألانبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك ضال مضل) . انتهى «١» .
وقد ذكر النبي ﷺ مثله ومثل بقية الأنبياء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون:
هلّا وضعت هذه اللّبنة! قال: فأنا اللّبنة وأنا خاتم النّبيّين» «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
إثبات رسالة النبي ﷺ وأنه خاتم النبيين، قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى: (فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بالطريق
стр. 575
الأولى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس) .
انتهى «١» .
الفائدة الثانية:
علل الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى ورود الآية على هذا النسق، بكلام لطيف، وهذا نصه: (ولما كان هذا النفي عامّا- يقصد نفي أبوة النبي لأحد من رجال الأمة- في جميع الأحوال إن حمل ظاهر اللفظ على ظاهره، أي: لا أبوة نسب ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول ﷺ أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم فاحترز أن يدخل هذا النوع في عموم النهي فقال: ولكن رسول الله وخاتم النبيين، أي:
هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع المهتدى به المؤمن له الذي يجب تقديم محبته على محبة كل أحد الناصح الذي لهم- أي: للمؤمنين- من برّه كأنه أب لهم) . انتهى كلامه ﵀ «٢» .
الفائدة الثالثة:
من اعترض على نبوة النبي ﷺ أو اعترض على كونه خاتم النبيين وما يستتبع ذلك من أحكام، فقد طعن في علم الله- ؛ لأن الآية قد بينت أن الله بمقتضى واسع علمه، قد اختص النبي بكونه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً.
الفائدة الرابعة:
إذا كان نفي أبوة النبي ﷺ لأي من رجال الأمة، تنسحب على أبوة النسب، فتكون هذه الآية هي من دلائل نبوته ﷺ ، حيث لم يبلغ الحلم ولد من أولاده الذكور عليهم جميعا الصلاة والسلام.
١٧- النبي ﷺ خليل الله:
عن عبد الله عن النّبيّ ﷺ قال: «لو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا لاتخّذت ابن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» . [رواه مسلم] «٣» .
الخلة لله- هي أعظم مقامات العبد، بل هي منتهى تلك المقامات، فليس بعدها من مقام، فهي أرفع قطعا من مقام المحبة، حيث ثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، ولكن الخلة لم تثبت إلا لاثنين لا ثالث لهما، هما محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام.، وقد ثبتت خلة إبراهيم بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] .
стр. 576
وللخلة معان كثيرة ذكرها العلماء، فالخلة من العبد معناها: الافتقار والانقطاع، فخليل الله هو المنقطع إليه وقيل: سمّي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته، وقيل: هو الذي ليس في محبته خلل.
أما خلة الله للعبد، فمعناها: نصرة العبد وجعله إماما لمن بعده، وقيل: هي كامل المحبة والاصطفاء. وأضيف فأقول: إذا كانت رؤية الله- ثبتت للمؤمنين يوم القيامة، وإذا كان الكلام سيحدث أيضا بين الله وبين عباده المؤمنين ليس بينه وبينهم ترجمان، فإن الخلة ستبقى هي الخصلة التي اختص بها محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام- لم يشاركهما فيها أحد في الدنيا والآخرة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كمال عصمته ﷺ وتمام هداية الله له، فمن ثبتت خلته لله، وخلة الله له، فقد ثبت له كمال العصمة وتمام الهداية، قال ﷺ : «ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر» ، رواه البخاري «١» ، وقال في حديث الباب: (ولكن صاحبكم خليل الله) .
الفائدة الثانية:
الذي اتخذه الله خليلا، لا ينبغي له أن يتخذ أحدا من خلق الله خليلا له، لأن الخليل لا يتسع قلبه إلا لخليل واحد، أما المحبة فيتسع القلب لأكثر من حبيب، والدليل على ذلك أن محبة النبي ﷺ قد ثبتت لأصحابه ﵃ ولأزواجه.
الفائدة الثالثة:
الأخبار التي ورد فيها أن إبراهيم ﷺ لما رمي بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا؟ وأما إلى الله فإن علمه بحالي يغني عن سؤالي هي أخبار لا أصل لها ولم يثبت فيها حديث، وينبغي ألانتناقلها؛ لأنها تشعر بتنقص إبراهيم لجبريل- عليهما الصلاة والسلام- وذلك في قول إبراهيم: «أما لك فلا» ، كما أنها تشعر بعدم الحاجة للتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، فضلا عن عدم ثبوت الرواية.
الفائدة الرابعة:
وهي فائدة عامة، أراني مضطرا لذكرها في كل مناسبة؛ وذلك لعظيم أثرها في الفرد والمجتمع، ولترسخ في نفوس جميع أهل الإسلام، بل وفي نفوس غير المسلمين، وهي الحذر كل الحذر من تنقص مقام النبي ﷺ أو الترفع عن طاعته واتباعه أو الطعن في سنته؛ لأننا إذا فعلنا ذلك- والعياذ بالله- فقد عادينا عبدا قد اتخذه الله خليلا،
стр. 577
وبموجب هذه الخلة يغضب الله لغضبه، ويعادي عدوه، ويبغض باغضه، وينتقم ممن أراد به سوآ، وفي المقابل يثبت الخير من الله لكل من أحبه واتبع سنته ﷺ .
١٨- النبي ﷺ كليم الله:
إذا كان النبي ﷺ من عظيم فضله ورفيع قدره قد شارك إبراهيم- ﵊ في منزلة الخلة، فقد شارك موسى- ﵊ في الكلام مع ربه قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً، وهي منزلة عظيمة، قال القرطبي- رحمه الله تعالى: (تكليما مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما، وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا) . انتهى «١» .
أما كلام الله- مع الحبيب محمد ﷺ فقد كان ليلة الإسراء والمعراج ونعلم بثبوت كلام الله لنبينا ﷺ أن الله- لم يخص نبيا من أنبيائه بفضيلة إلا كان للنبي ﷺ منها أوفر الحظ وأكمله، فقد شاركهم النبي ﷺ في كل الفضائل والشمائل- حتى المعجزات الحسية، وزاد عليهم- بفضل الله ومنته- شمائل عظيمة انفرد بها دون غيره، وقد ذكر بعضها مبسوطا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
١٩- تطهير قلبه ﷺ من حظ الشيطان:
عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمه، ثمّ أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه- يعني ظئره- فقالوا: إنّ محمّدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللّون. قال أنس: وقد كنت أرئي أثر ذلك المخيط في صدره. [رواه مسلم] «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول جبريل ﵇: «هذا حظ الشيطان منك»
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كانت للنبي ﵇ طفولة يلعب فيها مع الغلمان، ويعجبه ما
стр. 578
يعجب الغلمان، إلا أن الله- ، عصمه منذ طفولته مما يخدش الحياء، أو يطعن في المروءة، حتى من الأشياء التي يتساهل فيها الغلمان، مثل التعرى، أو سماع المعازف والأغاني المحرمة، فهذه الأمور ما كان النبي ﵇ يشارك فيها أقرانه حتى وهو غلام لم يجر عليه القلم بعد.
الفائدة الثانية:
اعتناء المولى- بنبيه ﷺ غاية الاعتناء منذ صغره، ويتبين ذلك من:
١- إرسال جبريل أعظم الملائكة للقيام بهذه المهمة المباركة، وكان يكفي أن يقوم بها أي ملك آخر خاصة أن النبي ﷺ ما زال صغيرا.
٢- عصمة الله، ، لنبيه منذ الصغر، باستخراج حظ الشيطان من قلبه، وهذا يدل على عصمته قبل وبعد النبوة، وأن الشيطان ليس له أي دخل في أعماله وأقواله، التي صدرت منه في كل أحواله، ومن يشكك في ذلك فقد كذّب بحديث النبي ﷺ ، ومن كذّب النبي فقد كذّب الله- ، وأقول: أن الحكمة من غسل القلب بعد استخراج العلقة منه، هو تطهير مكان العلقة بعد إزالتها حتى يتأكد من التطهير الكامل للقلب، من العلقة وأثرها.
٣- دلنا شرف الغاسل، وشرف المادة المستخدمة في الغسل، ونفيس الوعاء، على شرف المغسول، وهو قلب النبي ﷺ ، ويدلنا أيضا على اعتناء الآمر بالغسل، وهو الله- .
الفائدة الثالثة:
التكاليف الشرعية للملائكة، غير تكاليف عباد الله المؤمنين، كما أن هيأتهم، ليست كهيأتنا، والدليل على ذلك استخدام الملائكة طستا من ذهب لغسل قلب النبي ﷺ ، ولا يقال: إن هذا قبل تحريم استخدام الذهب للمسلمين، فهذا بعيد جدّا، لأني لا أتصور أن شرائع الملائكة يدخل فيها النسخ، لعدم وجود علل النسخ في حقهم، كما أن المستخدم هنا للذهب هم الملائكة وليس النبي ﷺ ، حتى نقول أن هناك نسخا.
الفائدة الرابعة:
غسل القلب كان يمكن أن يكون بغير شق الصدر، وبغير إرسال جبريل ﵇ وبغير أن يصرع النبي ﷺ ، ولكن تحققت فوائد كثيرة من هذه العملية وهي:
١- إظهار عجائب قدرة الله- ، وما منحه الله لملائكته من عظيم خوارق العادات، فجبريل ﵇ يفتح صدر النبي ﷺ ، وهو ما زال غلاما، ويستخرج
стр. 579
القلب ويغسله بالماء، ثم يعيده مكانه، ثم يلأم الجرح مرة أخرى، وتظهر علامة هذا الالتئام، كأنه المخيط في صدره، كل ذلك دون أن يشعر النبي ﷺ بأدنى ألم، أثناء وبعد العملية، ودون أن يستخدم جبريل أي أدوات جراحية، أو أجهزة طبية لضمان بقاء النبي ﷺ حيّا، كل ذلك كان إظهارا لعجائب قدرة الله- ، فتدبر أخي المسلم.
٢- إجراء هذه العملية للنبي ﷺ ووجود أثر مخيط في صدره، يراه هو ويراه غيره، كلما كشف عن صدره، فيه:
أ- تذكير النبي ﵇ بعظيم قدرة الله ، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض والسماوات، فيكون ذلك أدعى له بتصديق كل ما وعده الله به، حتى وإن كانت أمورا خارقة للعادة، ستحدث على غير المألوف من نواميس الكون، والدليل على ذلك أنه استقبل حادثة الإسراء والمعراج بنفس مطمئنة مصدقة لما حدث، وذلك لسابق علمه بقدرة الله، وأنه قد عايش هذه المعجزات من قبل.
ب- تذكيره ﷺ بعناية الله به منذ صغره، فالذي اعتنى به وأرسل له جبريل يغسل صدره، لن يخذله ولن يتخلى عنه بعد البعثة من باب أولى.
ج- رؤية الصحابة ﵃ أثر المخيط في صدره، فيه تثبيت لهم، وإعلام بعلو قدر الرسول ﷺ عند ربه، وبيان قدرة المولى- . وهذه من أعظم حكم المعجزات الحسية، قال أنس: (وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) .
كل تلك الحكم، ما كانت لتحدث لو أن غسل القلب حدث بدون شق الصدر، فمن عاين ليس كمن سمع.
الفائدة الخامسة:
بركة وشرف ماء زمزم؛ لأن جبريل ﵇ قد غسل قلبه- ﵊.، بهذا الماء في هذه الواقعة العظيمة، ولو كان هناك ماء أشرف منه لاستخدمه جبريل ﵇. ولكن لا يؤخذ من هذه الواقعة اعتقاد أن ماء زمزم له مزية إذا استخدم في غسل الجسم، أو الوضوء، أو غسل كفن المسلم، كما يفعله بعض المسلمين من بلاد آسيا، وذلك للأسباب التالية:
أ- استخدام ماء زمزم كان لغسل الباطن، وهو قلب النبي ﷺ ، وليس لاستخدام الأعضاء الظاهرية كما في الغسل والوضوء.
стр. 580
ب- ما تفعله الملائكة ليس بتشريع لنا، لأن الله لم يأمرنا بالاستنان بأفعالهم.
ج- لم يشرع لنا النبي ﷺ استخدام ماء زمزم في الغسل والوضوء، ولم يحثنا على ذلك، ولم يرتب على الوضوء والغسل بماء زمزم أي ثواب أو مزية، ومازال الصحابة والتابعون وعلماء الأمة يشربون من ماء زمزم ويدعون بخيري الدنيا والآخرة مما يدل على شرف هذا الماء واستعماله لما يستعمل له.
الفائدة السادسة:
نجزم قطعا أن هذه الحادثة كانت يقظة وليست مناما، وأن النبي ﷺ وعاها ورآها عيانا، وكذلك رآها البعض، وذلك للأسباب التالية:
١- قول أنس: (أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه) .
٢- رؤية الغلمان ما حدث للنبي ﷺ ، وكانوا شهود عيان لما حدث، لقول الراوي:
(وجاء الغلمان إلى أمي- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل) .
٣- لو كان غسل القلب حدث مناما، ما كان هناك حاجة إلى شق الصدر حقيقة ولأمه ووجود أثر المخيط للالتئام، لأن طبيعة المنام تختلف اختلافا بينا عن طبيعة اليقظة.
الفائدة السابعة:
وجود علقة في قلب الرسول ﷺ ، وإرسال جبريل لاستخراجها، وغسل القلب من أثرها، يدل دلالة قاطعة، أن كل أحد دون النبي ﷺ ، من باب أولى، يوجد في قلبه هذه العلقة وعلى المسلم أن يعتقد ذلك، حتى يبقى في جهاد مع نفسه التي يوجد بها حظ للشيطان، كما عليه أن يسأل الله- الثبات في الأمر، وألا يركن إلى نفسه أبدا.
الفائدة الثامنة:
القلب هو سيد الأعضاء وهو الذي يأمرها وينهاها، فبصلاحه يصلح الجسد كله، وبفساده يفسد الجسد كله، والدليل على ذلك من الحديث، أن العلقة، وهي حظ الشيطان، موجودة في القلب وحده، ولو كان هناك عضو آخر له هذا التأثير على البدن لأمر جبريل ﵇ بغسله.
٢٠- ملء القلب إيمانا وحكمة:
عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا عند البيت بين النّائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد بين الثّلاثة فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا» . قال قتادة: قلت لأنس بن مالك: ما يعني؟ قال:
стр. 581
«إلى أسفل بطني فاستخرج قلبي فغسل قلبي بماء زمزم ثمّ أعيد مكانه ثمّ حشي إيمانا وحكمة» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «ثم حشي إيمانا وحكمة» .
[فوائد الحديث]
وقد أوردت هذا الحديث، وأفردت له بابا مستقلّا، رغم مشابهته تماما لحديث الباب الذي قبله، وذلك لعدة فوائد هي:
الفائدة الأولى:
إثبات أن الواقعتين مختلفتان تماما، وأن شق صدر النبي ﷺ وغسل قلبه، قد وقع مرتين، والدليل على ذلك ما ورد في الحديث الأول: (أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان) ، أي أن النبي ﷺ كان لا يزال غلاما في رعاية ظئره، أما الواقعة التي معنا في حديث الباب، فكانت ليلة الإسراء والمعراج قطعا، فقد ورد في إحدى روايات الحديث عند مسلم: «فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة ثم أوتيت بدابة أبيض يقال له: البراق، فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه أقصى طرفه» «٢» .
الفائدة الثانية:
إظهار عظيم اعتناء المولى- بنبيه الكريم ﷺ عند إثبات أن واقعة شق الصدر وغسل القلب حدث مرتين لا مرة واحدة.
الفائدة الثالثة:
الوقوف على الفارق الجوهري بين الواقعتين، فالواقعة الأولى التي حدثت أيام صبا النبي ﷺ حدث فيها إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان من قلبه ﷺ .
والواقعة الثانية التي حدثت ليلة الإسراء والمعراج، حدث فيها حشو القلب إيمانا وحكمة، فما حدث في كل واقعة يناسب المرحلة التي كان يمر بها النبي ﷺ ، فلما كان غلاما كان في حاجة ماسة إلى عدم تعرضه لوساوس الشيطان، أما بعد البعثة، فكان أحوج ما يكون ﷺ للإيمان والحكمة، إيمان يعينه على مواجهة المحن والمصائب، وحكمة يتحلى بها في مواجهة المواقف والأزمات، وقد رأينا ذلك جليّا من خلال سيرته الزكية ﷺ .
وفي كلتا الواقعتين، غسل القلب بماء زمزم لحاجة الإنسان المستمرة لطهارة القلب ونقائه، فلله الحمد والمنة.
لطيفة:
قال ﷺ : «ثم حشي إيمانا وحكمة» ، وفيه:
١- بيان قدرة الله- التي لا يقدر على وصفها واصف ولا يقدر على
стр. 582
فهم كنهها عاقل، حيث جعل الله- الجواهر أعراضا، والمعنويات محسوسات، حيث جاء جبريل بالإيمان والحكمة في طست من ذهب، ورد في إحدى روايات البخاري: «ثم أوتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوّا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه» «١» .
وعلى العبد ألا يتعجب من هذا، فإن الله كان قادرا على أن يجعل الإيمان والحكمة أعراضا نراها ومحسوسات نلمسها، ولكن قضت حكمته، عز في علاه، أن يجعل الإيمان والحكمة جواهر، ويقلبها وقتما شاء أعراضا، فالكل في قدرته سواء، وهي في حق الإنسان معجزات لأنه لم يألفها، بل ألف عكسها وضدها.
٢- حشو القلب بالإيمان والحكمة، دليل قاطع على أنه ليس في قلب رسولنا ﷺ أي محل لما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات إيمانية، فلو عرضت- حاشا لله- أي شبهة أو نزوة فلن تجد لها منفذا لتستقر في هذا القلب الشريف، لعدم وجود أقل مكان لها، حيث ملئ المحل كله بالإيمان والحكمة، وقد ضربت هذا المثل مع استحالته لتقريب الصورة إلى الأذهان، وليعلم كل أحد منزلة نبينا ﷺ .
٣- استخدام لفظ (حشي) أبلغ في إيصال المعنى المراد، وهو أتم فائدة من لفظ (ملأ) ، لأن لفظ (الحشو) يستخدم فيما ملئ بقوة، مع الحرص التام على عدم ترك أي ثغرة بدون إيصال المادة المحشو بها، أما لفظ (الملء) فهو أقل من ذلك معنى، فمع الملء قد يكون الهواء، أما مع الحشو فيستحيل، وهذا الفهم يزيدنا إيمانا بعلو منزلة نبينا ﷺ عند ربه.
الفائدة الرابعة:
خير ما يملأ به العبد قلبه هو الإيمان والحكمة، ولو كان هناك أعظم منهما في نفع العبد لملئ به قلب النبي ﷺ ، ولو كان هناك ما يماثلهما أو يحتاج إليه العبد مثل حاجته للإيمان والحكمة لجعلت في قلب النبي ﷺ .
٢١- إسلام قرينه ﷺ :
عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: «ما لك يا عائشة أغرت» فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك!! فقال رسول الله ﷺ «أقد جاءك شيطانك» قالت: يا رسول الله أو معي شيطان قال: «نعم» قلت: ومع كلّ إنسان قال: «نعم» قلت ومعك يا رسول الله قال: «نعم ولكن ربّي أعانني
стр. 583
عليه حتّى أسلم» . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ : «ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» .
في الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ .
١- خرق الله- العادة له بإسلام قرينه الشيطان، وما حدث ذلك إلا بإعانة الله له ﷺ .
٢- كمال عصمته ﷺ فبالإضافة إلى غسل قلبه بماء زمزم، وإخراج حظ الشيطان من قلبه، جاء إسلام قرينه، حتى تكتمل منظومة العصمة، وكان يمكن أن يموت ذلك القرين، أو لا يكون هناك قرين أصلا، ولكن المعجزة أنه يسلم ولا يموت، حتى يأمره بالخير، فهي معجزة على معجزة، وعصمة فوق عصمة، جاء عند مسلم: «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» ، فالقلب قد طهر وغسل ونزع منه حظ الشيطان، وملئ بدلا من ذلك إيمانا وحكمة، والقرين قد أسلم، ويأمره بالخير، واللسان قد حفظ فلا ينطق عن الهوى، والبصر قد شملته الرعاية الإلهية، فلا يزيغ ولا يطغى، والذكر قد رفع، والذنب قد محي، مع عدم وجوده أصلا، فله الحمد، أن طهر نبينا من كل ما يسوء، ومنحه كل ما يعلو به ويرفع قدره.
٣- لطف النبي ﷺ مع زوجاته وعذره لهم على ما يجدنه في نفوسهنّ من الغيرة الشديدة عليه، وعدم نهرهن على ذلك، لعلمه بضعف المرأة، ورحمته بهذا الضعف، لأنه لما رأى أن عائشة تبحث عنه، وهي متحيرة، تظن أنه قد ذهب لغيرها في ليلتها، لم ينهرها عن هذا الظن، بل لم يزد عن كلمة واحدة، (أغرت) وهذا أيضا من كمال عقله وحكمته، وتظهر أيضا فراسته، حيث علم من حال عائشة- دون أن تتكلم- ما أصابها من الغيرة.
وعلينا جميعا أن نسلك هذا المسلك مع نسائنا، فنرحم ضعفهن، ولا نعين الشيطان عليهن، ولا نضع أنفسنا في موضع الشبهات، حتى لا نشعل في نفوسهن الغيرة، التي قد تدفعهن إلى ما لا تحمد عاقبته من الأمور، وهذا امتثال لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: من الآية ٢١] .
٤- وضاءة النبي ﷺ عند زوجاته وعلو منزلته عندهن، والاعتراف له بذلك، فهذه
стр. 584
عائشة ﵂، المرأة التي لم يتزوج النبي ﷺ بكرا غيرها، التي قالت عنها أمها في حديث الإفك: إنها وضيئة، والتي كانت تصغر النبي ﷺ ، بخمس وأربعين سنة، تقول للتقليل من شأنها بجوار شأن النبي ﷺ ، ولتعظيم شأنه بجوار شأنها: (ومالي لا يغار مثلي على مثلك) .
ولتأخذ المرأة المسلمة العبرة والدرس من أم المؤمنين في معاملتها الزوجية، فلا تعالي ولا ترفّع على الزوج، بل الإقرار له بحقه ومكانته والتواضع معه، وعلى المرأة أن تعلم أن هذا الإقرار لن يحط من شأنها، بل يرفع من قدرها عند زوجها، وقبل ذلك فإنها تنال رضا خالقها ومولاها.
٥- مجاهدة النبي ﷺ ، لشيطانه حتى أسلم، ونستدل على أن تلك المجاهدة قد حدثت، من قولهه: «أعانني عليه» ، وجعل غاية إعانة الله أن الشيطان قد أسلم، قال «حتى أسلم» .
٦- إقراره ﷺ بالضعف والعبودية، في جنب الله- ، وإعلان حاجته الدائمة له، وذلك من قوله: «ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» ، وفيه أيضا تعليم للأمة وإرشاد لها، أنه لا يطلب العون إلا من الله- وأنه لا ينبغي للعبد أن يعتمد على ما عنده من إيمان وفضل، وليعلم كل أحد أن الاستعانة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كفر يخرج من ملة الإسلام.
الفائدة الثانية:
في فضل أم المؤمنين عائشة ﵂.
١- ظهور حبها الشديد للنبي ﷺ ، حتى أنها تقلق وتتحير، عند ما تفتقده ليلا، مع تواضعها الجم، في قولها: (ومالي لا يغار مثلي على مثلك) .
٢- فقهها وطلبها للعلم، وانشغالها بالأهم من الأمور عن المهم، يؤخذ ذلك من تركها لموضوع الغيرة تماما، وانشغالها بالسؤال عن الشيطان، وهل مع كل إنسان شيطان، وهل مع النبي ﷺ مثله، وكل ذلك الاستقصاء والاستفصال منها، زادنا علما وفقها في أمور الدين، فجزاها الله عنا خيرا، وهكذا يجب أن تكون المرأة المسلمة، من الاهتمام بالأمور الشرعية، وترك المهم للسؤال عن الأهم، خاصة إذا تعلق بأمور دينها.
٣- ومن فقهها أيضا، أنها لم تستح من الحق، وسألت النبي ﷺ عن الشيطان فقالت:
стр. 585
(ومعك يا رسول الله) ولكن انظر كيف توسطت وتأدبت، مع مقام النبوة، حيث قالت:
(ومعك يا رسول الله) ولم تذكر في كلامها الشيطان ولم تنسبه إلى رسول الله ﷺ ، مع أنه قال لها: «أوقد جاءك شيطانك» . وهذا الأدب ينبغي لنا أن نتحلى به عند الحديث عن رسول الله ﷺ . وكنت قد بوبت هذا الباب بعنوان: (إسلام شيطانه) ، ثم رأيت أن هذا من سوء الأدب مع النبي ﷺ ، حيث نضيف إليه الشيطان، فغيرت العنوان إلى: (إسلام قرينه) ، ولما تدبرت الحديث؛ علمت أن هذا الأدب، قد سبقتني إليه أم المؤمنين ﵂ فسبحان من جعلهم يسبقوننا في كل خير، ولا نسبقهم في أي شيء.
الفائدة الثالثة:
بشرية النبي ﷺ ، فهو بشر، يجري عليه كل ما يجري على البشر من سنن الله الكونية، ولا نثبت له ما يخالف البشرية، إلا بدليل من الكتاب أو السنة، حتى لا نقع في الغلو الذي نهينا عنه، والذي أهلك من كان قبلنا، فقد روى البخاري عن ابن عبّاس سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» .
فما كان لنا أن نحكم أو نعتقد بإسلام قرين النبي ﷺ إلا بعد ثبوت الدليل على ذلك، ويجب أن يكون الدليل صحيحا صريحا، حتى لا نقع في الكذب على الله ورسوله ﷺ ، وقد أثبت الله- ، في القرآن الكريم، بشرية النبي ﷺ في آية لا تحتمل التأويل قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: من الآية ١١٠] .
وهذه الآية أصل أصيل في إثبات كل الصفات البشرية للنبي ﷺ إلا ما ورد الدليل بغيره، وقد فهمت عائشة ﵂ ذلك، وأثبتته في الحديث؛ لأنه لما وضح لها أن الشيطان مع كل إنسان، وكانت عائشة تتيقن أن النبي ﷺ إنسان، له صفات كل إنسان، سألته فقالت: (ومعك يا رسول الله) . ولولا علمها بذلك، ما سألته عن القرين أو حتى كانت تستحي أن تسأله عن ذلك، ولولا أن النبي ﷺ بشر، فيه كل صفات الإنسان، لأنكر عليها السؤال، أو وجهها إلى الحق في المسألة، ولكنه ﷺ أقرها على سؤالها، وبين لها الإجابة غاية البيان.
وأنصح كل من يقرأ كتابي هذا- مع تواضعه-، في حق خير المرسلين ﷺ ، ألايأخذ منه ما يشتهي، ويترك منه ما لا يعجبه، كإثبات بشرية الرسول، لأن من فعل ذلك، فقد
стр. 586
اتبع هواه، ولم يتبع ما جاء بالكتاب والسنة، وقد تعمدت أن أستفيض في مثل هذه الأمور، حتى يتبين للناس الحق من الباطل، ولن نكون نحن أعظم حبّا للنبي ﷺ من ربه- ﵎. فما أثبته الله، ، لرسوله الكريم، أثبتناه، وما نفاه عنه نفيناه، وما سكت عنه من الصفات، اعتقدنا أنه ﷺ ، يشترك مع الناس فيها، لعموم الآية التي ذكرتها آنفا، ولأننا متبعون ولسنا مبتدعين.
الفائدة الرابعة:
وجوب غيرة كل مسلم، يؤمن بالله واليوم الآخر، على النبي ﷺ ، ودليله أن عائشة ﵂ كانت تغار على النبي ﷺ ، وقد تكون هذه الغيرة، لأنه زوجها ولها ضرائر، ولكن في المقابل، فإن حق النبي ﷺ ، علينا جميعا أعظم من حق الزوج على زوجته، فوجب علينا أن نغار عليه ﷺ ، ومظاهر تلك الغيرة، أن نغضب إذا تعرضت سنته، لأي غمز أو لمز، بتصريح أو تعريض، في قليل أو كثير، بل علينا أن نكره من يقوم بذلك ونتجنبه، ولو كان أقرب الناس إلينا، وهذا يكون أكبر دليل على حبنا له ﷺ .
الفائدة الخامسة:
على كل مسلم، أن يكون دائما في جهاد مع قرينه، يسأل الله- دائما الثبات، لأن ليس هناك إنسان مهما ارتفع شأنه، وعلا وصفه، إلا ومعه القرين، لما ورد في حديث الباب: (قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: «نعم» قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نعم» ) . فإذا أثبت النبي ﷺ أن مع عائشة شيطان فمن باب أولى أنه مع كل إنسان، ولما سألته عائشة لم يستثن أحدا، فعلى كل مسلم أن يحذر ويحذر، فإذا كان الشيطان قد يأتي لعائشة مع مكانتها الرفيعة، فكيف لا يأتي لغيرها.
٢٢- إرضاؤه ﷺ :
أولا: إرضاؤه ﷺ في الدنيا:
قال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] .
عن البراء بن عازب: (أنّ النّبيّ ﷺ كان أوّل ما قدم المدينة نزل على أجداده- أو قال:
أخواله- من الأنصار، وأنّه صلّى قبل بيت المقدس ستّة عشر شهرا- أو سبعة عشر شهرا.،
وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنّه صلّى أوّل صلاة صلّاها صلاة العصر وصلىّ معه
стр. 587
قوم، فخرج رجل ممّن صلّى معه فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع رسول الله ﷺ قبل مكّة. فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلّي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب فلمّا ولىّ وجهه قبل البيت أنكروا ذلك) .
قال زهير: حدّثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنّه مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم؟! فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس، ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ولكن كان يحب أن تحول القبلة إلى المسجد الحرام، قبلة إبراهيم ﵇، وكان من علامات رجائه في تحويل القبلة، أنه كان يقلب وجهه في السماء، طلبا لذلك، قال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] .
ونلمح في الآية مدى إكرام الله- لنبي هذه الأمة، في النقاط التالية:
١- إثبات رؤية الله، ، لكل أحوال النبي ﷺ ، حتى في حال تقليب وجهه في السماء متمنيا تحويل القبلة، وهي رؤية خاصة، علمنا منها عظيم الاعتناء به ﷺ ، والدليل على أنها رؤية خاصة، ذكرها في القرآن الكريم، وأنه ببركتها قد تحقق مراد النبي ﷺ .
٢- خص السماء بالذكر في قوله تعالى: تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ؛ لأن السماء مختصة بتعظيم ما أضيف إليها وما يعود منها، حكاه القرطبي عن الزجاج.
٣- ما كان نسخ التوجه لبيت المقدس، والأمر بالتوجه للمسجد الحرام، إلا لإرضاء النبي ﷺ ، حيث ذكرت الآية كل الأفعال مضافة إليه: تَقَلُّبَ وَجْهِكَ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ، وبعد أن ذكرت الآية سبب تغيير القبلة، والأمر الخاص الموجه للنبي ﷺ بالتوجه قبل المسجد الحرام، وجهت الآية الأمر إلى الأمة، وكأنها تابعة لنبيها، قال تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
يتفرع على ذلك، علمنا بعظيم قدر النبي ﷺ عند ربه- ﵎، لأن القبلة وهي من أعظم شعائر الله، ، تحوّل لإرضاء النبي ﷺ ، وينص القرآن الكريم على ذلك.
стр. 588
ويتفرع عليه أيضا، ضرورة اعترافنا بمنة الله علينا أن جعلنا، بفضله وكرمه، أتباعا للنبي ﷺ الذي اصطفاه واجتباه وفضله على الأولين والآخرين، وعلينا أيضا، تعظيم هذا النبي الكريم في قلوبنا وتقديمه على كل ما نحب من أموال وأولاد ودنيا؛ لأنه ﷺ أهل لذلك، وبسببه تشرفنا بالصلاة قبل أطهر بقاع الأرض وأشرفها، وهو المسجد الحرام.
وخلاصة القول أن الله تعالى، قد أرضى نبيه في الدنيا، أن جعل قبلته المسجد الحرام، كما أرضاه في الآخرة، في قوله تعالى في الحديث القدسي: «إنا سنرضيك في أمتك» . وهو الحديث التالي، فماذا بعد الإرضاء في الدنيا والآخرة، وهل من شرف بعد هذا الشرف، وإذا كان الإرضاء في حديث الباب مقيدا بالتوجه نحو البيت الحرام، وفي حديث الباب التالي مقيدا بإدخال أمته الجنة، وعدم تخليد أحد منها في النار، فإن آية سورة الضحى عامة في الإرضاء، فيدخل فيها جميع ما يرضيه ويفرحه ويسعده ويقرّ عينه ﷺ قال تعالى:
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
إثبات أن في شرع الله- ، ما هو حسن وما هو أحسن، فالتوجه قبل بيت المقدس حسن، ولكن التوجه قبل البيت الحرام هو الأحسن؛ لأن النبي ﷺ ما كان له أن يتطلع إلا إلى ما هو أحسن، وما كان الشرع ليأمرنا بأقل مما هو حسن، وقد نص القرآن على وجود الحسن والأحسن، في قوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: من الآية ٥٥] ، ولو لم يكن هناك الحسن في الشرع، ما كان هناك معنى للأمر باتباع الأحسن، ولأمرنا بمطلق اتباع ما جاء به الشرع. كما أن في قوله تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: من الآية ١٠٦] ، دليل آخر على الحسن والأحسن.
الفائدة الثانية:
إثبات النسخ في شرع الله، حيث نسخ حكم التوجه قبل المسجد الأقصى، إلى التوجه قبل المسجد الحرام، قال تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: من الآية ١٤٤] .
[أقسام النسخ]
وللنسخ أقسام هي:
١- نسخ الحكم إلى ما هو أصعب:
ومثاله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: من الآية ٤٣] ، حيث كان شرب الخمر مباحا بالأصل، فنسخ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 589
آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠] .
٢- نسخ الحكم إلي ما هو أيسر:
ومثاله قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: من الآية ١٨٧] ، فنسخ تحريم الجماع بعد الاستيقاظ من النوم ليالي الصيام، وأصبح مشروعا إلى الفجر، في كل الأحوال.
ومثاله أيضا: نسخ وجوب الثبات وعدم التولي أمام الكفار إن كانوا عشرة أمثال عدد المسلمين، قال تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: من الآية ٦٥] ، ثم نسخ الأمر بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: من الآية ٦٦] ، فأجاز الله- التولي إذا كان عدد الكفار أكثر من ضعف عدد المسلمين.
٣- نسخ الحكم إجمالا دون تشريع حكم آخر:
ومثاله نسخ الأمر بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ ، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] ، ونسخ الأمر بالصدقة بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣] .
٤- نسخ الأمر إلى الأحسن:
كنسخ التوجه نحو بيت المقدس، وهذا ليس فيه أصعب أو أسهل.
وقد استفضت قليلا، في آية النسخ، للرد على من يدعي عدم جوازه في الشرع.
الفائدة الثالثة:
مسارعة الصحابة ﵃ في طاعة الله ورسوله، حيث سمع الصحابة، وهم راكعون في الصلاة من ينادي بتحويل القبلة، فبادروا بالتوجه قبل المسجد الحرام، والعجيب أنهم لم ينتظروا انتهاء الصلاة، ليتيقنوا الخبر من النبي ﷺ ، أو يستفسروا منه عن الحكمة، في واحدة من أعظم شعائر الإسلام، وهي القبلة، بل لم يقولوا: نبدأ من الفريضة القابلة، بل توجهوا على هيئتهم وهم راكعون، وهذا منتهى الطاعة والامتثال لأوامر الشرع، مع الأدب الجم مع الله ورسوله ﷺ .
الفائدة الرابعة:
بيان ما كان عليه الصحابة- ﵃ جميعا- من الحرص على تبليغ أوامر الشرع، والفقه في الدين، أما الحرص فنأخذه من قول الراوي: (فخرج رجل ممن صلى مع النبي ﷺ فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع
стр. 590
رسول الله ﷺ قبل مكة) .
أما فقههم فمن النقاط التالية:
١- أنهم لم يخرجوا من الصلاة، ليعيدوا ما صلوه قبل بيت المقدس، وذلك لعلمهم أن ما انقضى من الصلاة قبل معرفتهم تحويل القبلة صحيح مقبول عند الله، وأنهم مكلفون بأوامر الشريعة من وقت العلم، وليس من وقت النزول.
٢- أنهم داروا كما هم في الصلاة، ولم يفعلوا أي ركن بعد الإعلام بتحويل القبلة، وذلك لعلمهم أن الصلاة تبطل، إذا توجه المسلم لغير القبلة، ولو في ركن واحد من أركانها.
٣- علمهم أن هذه الحركة في الصلاة، وهي الاستدارة، لا تبطل الصلاة.
٤- عدم إفتائهم في دين الله بغير علم، وهذا يدل على الفقه وكمال الورع، انظر إلى قول الراوي: (إنه مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم) .
٥- كما يتجلى فقه الصحابة في روايتهم للحديث الشريف، وكيفية صياغته، والاعتناء بملابسات الواقعة التي يستنبط منها الأحكام والدروس، وانظر كم استفدنا من قول الراوي: (فداروا كما هم) ، وكل السّنة النبوية جاءت بمثل هذه الصنعة المتقنة، مما جعلنا وكأننا نعيش معهم ونسمع منهم، وهذا الفن لا يأتي به اليوم من يحملون أعلى الشهادات العلمية، من سهولة في الألفاظ، ودقة التعبير والأمانة في النقل، ولو في الشيء اليسير.
والدليل على صحة كل ما فعلوه في الصلاة، أن أمرهم قد اشتهر، وما علق عليه النبي ﷺ ، وسكوته عليه علامة على موافقته للصواب.
الفائدة الخامسة:
إعجاب اليهود وفرحهم بأن نتبعهم في شيء من ملتهم، وغضبهم لمخالفتنا لما هم عليه، لقول الراوي: (وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولى قبل البيت أنكروا) ، وقد حرص النبي ﷺ أن يخالف أهل الكتاب في كل شيء.
الفائدة السادسة:
اعتناء الله- بهذه الأمة، ومن مظاهر ذلك، الإجابة عن كل ما يجول في خاطر أفرادها، ورفع الالتباس عن كل ما يشتبه عليهم بقرآن يتلى إلي يوم القيامة، حتى تكون الأمة على بينة من أمرها، وأمثلة ذلك في القرآن كثيرة، وهذا من أعظم الأدلة على شرف هذه الأمة، وعلوّ منزلتها، وحب الله لها، قال الراوي
стр. 591
(وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم) ، فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [البقرة: من الآية ١٤٣] .
الفائدة السابعة:
إطلاق الإيمان على أعمال الجوارح؛ لأن الصحابة ﵃ لما أهمهم شأن من مات وقد صلى إلي بيت المقدس، نزل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، فأطلقت الآية لفظ الإيمان على الصلاة.
الفائدة الثامنة:
قال العلامة ابن حجر العسقلاني ﵀، في شرح هذا الحديث ما نصه: (وفيه أن تمني تغير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك) «١» . انتهى قوله. وكنت أتمنى أن يقيد ذلك التمني في تغير بعض الأحكام، بعصر الوحي والتشريع، إذ بعد اكتمال التشريع لا يجوز تمني تغيير أي من الأحكام الشرعية، لأنها بعد ثبوتها تكون في غاية الكمال والجمال، وأي أمنية من أحد بالتغيير يكون تمنيا للنقص، لأنه ليس بعد الحق إلا الباطل.
ثانيا: إرضاؤه ﷺ في الآخرة:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ النّبيّ ﷺ تلا قول الله- : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ... الآية، وقال عيسى- ﵇.: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فرفع يديه وقال: «اللهمّ أمّتي أمّتي» ، وبكى، فقال الله- : «يا جبريل اذهب إلى محمّد- وربّك أعلم- فسله ما يبكيك؟
فأتاه جبريل- ﵇ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال- وهو أعلم- فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمّد فقل: إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك» . [رواه مسلم] «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول الله تعالى: «يا جبريل اذهب إلى محمّد فقل إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك» .
ومن المناسب أن نذكر المقصود من الإرضاء في جملة شمائله ﷺ المستفادة من الحديث ونجعلها على هيئة نقاط:
النقطة الأولى: حسن تدبره ﷺ
وتأمله في آيات الله- وهو يتلوها، لأنه لما قرأ قول إبراهيم في قومه، وكذا قول عيسى، بكى ﷺ ، وما بكى إلا بعد تفكر وتدبر
стр. 592
لأحوال الأمم وقول الأنبياء في أتباعهم، وأن من أتباع الأنبياء من سيعذب ويدخل النار.
النقطة الثانية: رقة قلبه ﷺ
حيث إنه بكى وهو يدعو الله، والمسلم إذا استشعر- وهو يدعو- فقره وضعفه وشدة حاجاته إلى من يسمع دعاءه، وأنه إذا استجيب له سيكون سعيدا، وإذا ردّ عليه الدعاء لعدم اكتمال شروطه، سيكون ذليلا، مع استحضار عظمة وجلال من يدعوه، وهو الغني الحميد، القوي العزيز، وأنه إذا أراد شيئا قال له: كن، إذا استشعر العبد كل ذلك، بكى أملا في الإجابة، وخوفا من رد الدعاء.
النقطة الثالثة: خوفه ﷺ
من أن يعذب أحد من أمته في النار، والمقصود من الأمة هنا كل أتباعه ﷺ إلى قيام الساعة، يخاف كل ذلك الخوف ويبكي، وهو الذي بشره الله- ، بالمقامات العاليات الرفيعة يوم القيامة، التي لن يشاركه فيها أحد، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، يخاف هذا الخوف وهو يعلم أن وعد الله متحقق له ولو لم يؤمن به أحد.
النقطة الرابعة: حسن تعبده لله-
-، وأدبه البالغ مع مقام الرب- ﵎ نأخذ ذلك من:
١- توجهه ﷺ إلى الله بالدعاء، لما أحزنه أمر من الأمور، وهذا من كمال تعبده، وحسن ثقته بالله، واعتماده عليه.
٢- رفع يديه ﷺ لإعلان كامل الافتقار، والتذلل بين يديه، فالذي يدعو هو الفقير، والمدعوّ هو الغني الحميد.
٣- افتتاحه ﷺ الدعاء بقوله: «اللهم» .
٤- بكاؤه ﷺ في الدعاء إعلانا لشدة حاجته لإجابة الدعاء، وأن الأمر المدعو به قد أحزنه وأهمه. وهو أيضا، لاستدرار رحمات الله وإحسانه.
النقطة الخامسة: إثبات سماع الله لدعاء النبي ﷺ
، وهو سماع خاص، ونجزم أنه سماع خاص، لحسن إجابة الله لهذا الدعاء، كما سيأتي.
النقطة السادسة: جميل حب الله- لنبيه ﷺ
ويظهر ذلك في كيفية إجابة هذا الدعاء:
١- إرسال جبريل، عظيم الملائكة وأمين وحي السماء، ليسأل النبي ﷺ عما يبكيه وفيه:
стр. 593
أ- أنه كان يكفي أن يلهم الله نبيه ﷺ أنه سمع دعاءه ولن يخزيه.
ب- كان يكفي أن يرسل الله جبريل ليخبر النبي ﷺ أنه سمع دعاءه واستجاب له، ولكن الله من عظيم اعتنائه بسيد البرية، أرسل جبريل أولا، ليسأل النبي ﷺ عما يبكيه، والله أعلم به، ثم يرسله مرة أخرى ليعلمه إجابة دعائه. ولا يخفى على المتأمل في هذه الوقفة مدى حفاوة الله بنبيه ﷺ .
٢- أمر الله جبريل ﵇ أن يسأل النبي ﷺ عما يبكيه، فكأن بكاء النبي ﷺ هو الذي كان وراء إرسال جبريل، ولا يخفى أيضا أن هذا من عظيم اعتناء الله برسوله، حيث إن بكاءه كان سببا في حديث الله مع جبريل، وإرسال جبريل مرتين إلى الأرض، ونعرف قدر المعتنى به من عظيم قدر المعتني.
٣- كانت الإجابة عقب الدعاء، يدلّنا على ذلك استخدام الفاء، في قوله: (فقال الله : يا جبريل) مما يشعر بعدم وجود فاصل زمني بين الدعاء والإجابة، وهذا يدل على شدة الاعتناء، ويؤكد أنه كان سماعا خاصّا.
٤- كمال الإجابة، ويتمثل في:
أ- توجيهها مباشرة من الله- إلى رسوله، ولم يكن لجبريل دخل فيها أو واسطة، قال تعالى: «فقل: إنا سنرضيك» ، ولم يقل الله: (فقل له: إني سأرضيه) .
ب- استخدام لفظ: «سنرضيك» دون غيره؛ لأن الحرص على الإرضاء، لا يكون إلا ممن يحب لمن أحب، ويدل اللفظ على أن مراد الله هو أن ينال النبي ﷺ غاية ما يتمناه، ويفرحه ويقر عينه في الآخرة كما أقر عينه غاية الإقرار في الدنيا، ونلمح أنه لم يقل له:
سنفرحك في أمتك، لأنه قد يحدث الفرح مع عدم حدوث الرضى الكامل.
ج- إيراد ألفاظ، سنرضيك وأمتك ولا نسوءك، بكاف المخاطبة، يشعر أن هذه الإجابة التي تتمثل في رحمة الله بهذه الأمة، إنما كان تشريفا وإكراما لنبيها ﷺ ، خصوصا أنها نزلت بعد بكائه ودعائه.
د- نصت الإجابة على أمرين، هما الإرضاء وعدم المساءة؛ لأن الإرضاء قد يحدث بالعفو عن بعض أفراد الأمة ويدخل الباقي النار، لكن بعدم المساءة ضمن النبي ﷺ أن لن يبقى أحد من أمته مخلدا في النار.
هـ- استخدام لفظ: «ولا نسوءك» يدل على الحرص على عدم إصابة النبي ﷺ بأدنى ما
стр. 594
يكره، فلم يقل: ولا نغضبك أو لا نحزنك، فقد تحدث أدنى المساءة مع رفع الغضب والحزن.
النقطة السابعة: عظيم بركة النبي ﷺ
، حيث عمّت تلك البركة جميع أفراد أمته من عصر الصحابة إلى آخر من يموت مؤمنا قبل قيام الساعة، لأن الإجابة جاءت بلفظ: «في أمتك» بغير تقييد لطائفة دون طائفة، أو لعصر دون عصر. فمن رحمة الله أنه لم يقل: (في صالح أمتك) أو (أتباعك من أمتك) ، أو أي لفظ يشابه ذلك.
وفي الحديث فوائد أخرى منها:
الفائدة الأولى:
رفيع قدر جبريل ﵇، حيث يكلمه الله- ويختصه أن يزفّ إلى النبي ﷺ هذه البشرى العظيمة.
الفائدة الثانية:
إثبات صفة الكلام لله- ، وهو يتكلم وقتما شاء بما شاء، وما دام ثبت الكلام لله، علمنا أن الكلام صفة كمال، كما أن عدم الكلام أو العجز عنه، صفة نقص، ومن حديث الله مع جبريل، علمنا أيضا خطأ من قال: إن الله تكلم بما شاء منذ الأزل؛ لأن السياق يدل على أن الله ما تكلم بذلك إلا بعد أن سمع دعاء النبي ﷺ ، فلماذا التأويل والتحريف وتحكيم العقل القاصر.
الفائدة الثالثة:
قد يسأل الله- العبد وهو أعلم منه بالإجابة، وذلك لحكم كثيرة، ذكرت إحداها آنفا، ومنها على سبيل المثال قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: من الآية ١١٦] ، فقد يكون السؤال للتوبيخ أو لإقامة الحجة على المسئول أو السامع، أو للتقرير.
الفائدة الرابعة:
وجوب أن يقر جميع أفراد الأمة بفضل نبيهم، وأن يشعروا بالامتنان له، على رحمة الله الحاصلة لهم بسبب إرضاء الله لنبي الأمة، وأن كل هذا الفضل المتوالي من الله كان بسببه ﷺ .
ويجب أن يكون هذا الامتنان بالقلب والقول والفعل، ومن ذلك: حبّه ﷺ أكثر من النفس والمال والولد، وكثرة الصلاة عليه، واتباعه سنته الشريفة، والذب عنها، ومناصرة من يحبها، ومعاداة من يجافيها، وتعظيم أهل بيته، وحب أصحابه وكثرة الترضي عنهم، وكفّ اللسان عما شجر بينهم، مع ذكر محاسنهم.
الفائدة الخامسة:
حث جميع المسلمين على اتباع السّنة وعدم ارتكاب البدعة التي
стр. 595
تخرجهم من دائرة (أمة النبي) ، حتى تشملهم رحمة الله- ، وعلينا جميعا أن نتذكر أن بعض طوائف من هذه الأمة سيحال بينهم وبين ورود الحوض، لإحداثهم في الدين ما ليس منه، فإذا أخبرت الملائكة النبيّ ﷺ بذلك، دعا عليهم بالهلاك، في وقت لا يستطيعون أن يرفعوا عن أنفسهم شؤم هذا الدعاء بالتوبة أو العمل الصالح، والعجيب أن النبي ﷺ كان يحسبهم من أمته، والظاهر أن ذلك بسبب علامات السجود والوضوء الظاهرة فيهم.
فقد روى البخاري، عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني وبينهم» . قال أبو حازم: فسمعني النّعمان بن أبي عيّاش وأنا أحدّثهم هذا فقال: هكذا سمعت سهلا؟ فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدريّ لسمعته يزيد فيه: قال: «إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» «١» .
٢٣- كماله وعصمته ﷺ :
قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) [الأحزاب: ٢١]
الشاهد في الآية:
جعل الله- الرسول ﷺ أسوة حسنة لنا، نقتدي به في كل شيء، لذا نقطع أن الرسول ﷺ معصوم، وأن كل ما فعله، موافق للصواب والحكمة، ظاهرا وباطنا، يرضى عنه الرب- ﵎، ويكافئ عليه خيرا، وإلا فكيف يأمرنا الله باتباع من يزل أو يخطئ، والله لا يأمر إلا بالعدل، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] ، وبالقطع كان ﷺ معصوما؛ لأن الله أمرنا باتباعه المطلق، فلو أن النبي بدر منه أي شيء محرم، حاشا لله، واتبعه أحد في هذا الفعل المحرم امتثالا لأمر الله ، فلن يخرج أمر المتبع من حالين، إما أن يحمل وزرا، وهذا ينافي كمال عدل الله، وإما أن يثاب وهذا ينافي بالغ حكمته- ، فثبتت عصمته ﷺ من
стр. 596
الصغائر والكبائر، ولا شك أن الذي ثبتت له العصمة في كل شيء، يثبت له الكمال البشري في كل أحواله، وهذا ما أردت إثباته، فلله الحمد والمنة، على عصمة نبينا ﷺ .
وإليك بعض فوائد الآية:
الفائدة الأولى:
تزكيد النبي بالغ التزكية، من الوجوه التالية:
١- إثبات أن كل ما صدر عن النبي ﷺ في العادات والعبادات، في الأمر والنهي، في القول والفعل، في الجد والضحك، في الرضا والغضب، في النوم واليقظة، في الأكل والشرب، في الحل والترحال، لنا فيه قدوة وأسوة، لأن الآية لم تحدد مجال الأسوة، فلم تقل: لقد كان لكم في عبادات رسول الله أسوة حسنة، ولكن جعلت الآية الأسوة في كل شخصه الكريم ﷺ ، من شعر رأسه حتى أخمص قدميه، من أول حياته حتى مماته ﷺ ، في كل ما تفوه به في كل حالاته، فهو في نفسه بكل ما فيه أسوة.
٢- افتتحت الآية الكلام بمؤكد، وهو لَقَدْ والتي تفيد التحقق، وكانَ التي تفيد ثبوت الأمر.
٣- جعلت الآية كل ما فعله النبي ﷺ موافقا للصواب، بل نزهت كل تلك الأفعال عن الخلل، حيث وصف الله الأسوة بأنها حسنة، وحاشا لله، أن يصف ما فيه خلل بالحسن.
٤- يتفرع على ما سبق، أن كل أفعال الرسول ﷺ ، ظاهرة وباطنة، مقبولة عند الله- .
٥- ذكرت الآية أن في النبي ﷺ أسوة حسنة، لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، فليست تلك الأسوة لأي أحد، فهذه أبلغ تزكية لصاحب الأسوة، أن يقتفي أثره من حقق الإيمان بالله واليوم الآخر.
الفائدة الثانية:
التهديد الشديد لمن يطعن في أي شيء من سنة النبي ﷺ ، قولية أو فعلية، أو يطعن في شيء يخص عاداته أو عباداته، لأن كل أحواله ﷺ مزكاة من الله- ، فمن طعن في شيء منها، فقد رد تزكية الله، أو ادعى أن الله قد زكى ما يستحق الذم، أو أن الله لم يطلع على ما يستحق الطعن من أفعاله ﷺ ، وننزه الله من كل ذلك.
فعلى كل مسلم، أن ينتبه لهذه الأمور عند الحديث عن سنة خير الأنام، ونخشى على من يتعرض لها بأدنى أدنى لمز أو غمز، أو لم يرض بها كمنهج للحياة، أو يحكم عليها بعدم ملاءمتها لظروف العصر، نخشى عليه سوء الخاتمة.
стр. 597
الفائدة الثالثة:
نستفيد من الآية أن كل من اتبع الرسول ﷺ في عاداته واستحضر نية الاقتداء أنه يثاب على عمله هذا، حيث إن الآية حثت على مطلق الاتباع، لأنها لم تقيد الأسوة في العبادات، دون العادات، وكل ما حث الله عباده على فعله، فلهم فيه الأجر والمثوبة.
والدليل على هذا الفهم، أن الصحابة ﵃، قد اقتفوا أثر النبي ﷺ في كل شيء، دون تفريق بين عادة وعبادة، ألم تر إلى أنس ﵁ كيف أحب الطعام الذي يحبه النبي ﷺ ، وقد بينت ذلك في مواضع عديدة من هذا الكتاب.
الفائدة الرابعة:
يقوى الاتباع ويضعف، بقوة وضعف الإيمان بالله واليوم الآخر، ولأن الناس مختلفون في اليقين، فهم متفاوتون في الاتباع، ويجب أن يعلم المسلم أنه بالاتباع سيزيد اليقين عنده، فالعلاقة بين الأمرين متلازمة.
الفائدة الخامسة:
لا يقدح في عصمته ﷺ أن يفعل خلاف الأولى، بناء على عدم وجود أمر من الله في تلك المسألة، أو أخذا بمبدأ الشورى، المأمور به المهم أن الله- يدله ويأمره بالأولى والأحسن في كل مسألة، وتستقر السنة على ذلك، وتكون السنة كلها موافقة للصواب، والأحسن في كل أمر.
٢٤- يبيت ﷺ يطعمه ربّه ويسقيه:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال: له رجال من المسلمين: فإنّك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله ﷺ : «أيّكم مثلي، إنيّ أبيت يطعمني ربّي ويسقين» . فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثمّ يوما ثمّ رأوا الهلال، فقال: «لو تأخّر لزدتكم» . كالمنكّل بهم حين أبوا) «١» . [رواه الشيخان] .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «أيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين» ، ومناسبة هذا القول أن الرسول ﷺ كان يواصل صيام عدة أيام من شهر رمضان بدون إفطار فلما أراد الصحابة أن يفعلوا مثله ذكر لهم هذه المقولة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
اجتهاده ﷺ في العبادة، حيث إنه كان يواصل عدة أيام في شهر رمضان بدون إفطار، دليله: (فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل) .
стр. 598
الفائدة الثانية:
شفقته ﷺ ورحمته بالأمة، حيث نهى الأمة عن وصال الصيام، مع أنه كان يواصل، قال الراوي: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) .
الفائدة الثالثة:
اختصاصه ﷺ دون البشر- بأمور تبين فضله وتزيد شرفه، ودليله قوله ﷺ : «أيكم مثلي» ، فنفى أن يكون أحد من الصحابة مثله، ووضح ﷺ وجه عدم المثلية، وهو أنه ﷺ يبيت يطعمه ربه ويسقيه، وذكر الإمام النووي في شرح الحديث رأيين لأهل العلم:
أ- أن الله يجعل فيه قوة الطاعم والشارب ورجح الإمام النووي هذا الرأي، وحجته في ذلك أنه إذا أكل حقيقة لم يكن مواصلا.
ب- أنه ﷺ يطعم من طعام الجنة كرامة له.
أقول: إن الرأي الثاني- غير مستبعد- لأنه لا يلزم من أكله من طعام أهل الجنة منافاة الصيام، لعدم علمنا بطبيعة هذا الأكل وكيفيته، ولا داعي أن نعدل عن ظاهر الحديث.
وأي من الرأيين كان صحيحا، فإننا نعتقد أن الرسول ﷺ يطعمه ربه ويسقيه، وهي كرامة عظيمة له ﷺ .
وأود أن أوضح هنا أن عدم مثلية الرسول ﷺ لأصحابه لا تقتصر على هذه المسألة، ولكن ثبتت عدم المثلية في أمور كثيرة، ذكرتها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب.
الفائدة الرابعة:
حرص الصحابة ﵃ على متابعة النبي ﷺ في كل أمر من أموره، حتى الأمور التي فيها مشقة ظاهرة، حيث إنهم أبوا أن ينتهوا عن الوصال، مع أن النبي ﷺ بين لهم سبب قدرته على الوصال، ففي الحديث: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما) .
الفائدة الخامسة:
حرص النبي ﷺ على تربية أصحابه رضى الله عنهم، لأنهم لما أبوا الانتهاء عن وصال الصيام، واصل بهم يومين، ولولا رؤية هلال شوال لواصل بهم اليوم الثالث تعزيرا لهم، وليعلموا أنه لا طاقة لهم بالوصال مثله ﷺ ، ويؤخذ منه اتباع النبي ﷺ للتربية العملية إذا لم تجد التربية القولية، بل قد يصل الأمر إلى حد التعزير بغرض التعليم، إذ ورد في الحديث «كالمنكل بهم» .
٢٥- زوّجه ربّه من فوق سبع سماوات:
عن أنس قال: (لمّا انقضت عدّة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: «فاذكرها عليّ» . قال:
стр. 599
فانطلق زيد حتّى أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلمّا رأيتها عظمت في صدري حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
قول أنس ﵁: (وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) .
ملخص القصة:
كان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة ونسبه إليه، فكان يدعى: زيد ابن محمد، وقد تزوج زيد من زينب بنت جحش، ابنة عمة النبي ﷺ ، فلما أراد الله- أن يبطل مسألة التبني، نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فدعى زيد مرة أخرى إلى أبيه، وبقيت مسألة أخرى كانت قد استحكمت في نفوس الناس، وهي أن الرجل المتبنّي، لا يحل له أن يتزوج بمطلقة من تبنّاه لأنها بمثابة زوجة ابنه، فأوحى الله إلى رسوله ﷺ ، أن زيدا سيطلق زوجته، ثم يتزوجها النبي ﷺ ، ليبطل تلك العادة، وكان زيد يأتي النبي ﷺ ، يشاوره في طلاق زوجته، فيأمره النبي ﷺ أن يصبر عليها ويمسكها بالمعروف ويخفي ما أوحى الله إليه، ولما تم أمر الله بالطلاق وانقضت عدة زينب- ﵂.، أرسل النبي ﷺ زيدا إلى مطلقته يخبرها برغبة النبي ﷺ بالزواج منها، فقالت: أشاور ربي، أي أستخير، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧] ، فدخل النبي ﷺ على زينب بغير إذنها.
الدروس والعبر
من الآية الكريمة والحديث الشريف:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- بيان فضل ومكانة النبي ﷺ عند ربه، ووجه ذلك:
أ- أنه سبحانه أنزل قرآنا كريما يتلى إلى يوم القيامة بتزويج النبي ﷺ من زينب بنت جحش.
стр. 600
ب- أن يتولى الله- أمر تزويج النبي ﷺ ، وينسب ذلك إلى نفسه الكريمة المقدسة، قال تعالى: زَوَّجْناكَها.
ج- تنويع الله- لنبيه ﷺ صور زواجه، فقد أحل الله له، أن يتزوج بمن وهبت نفسها له وأن يتزوج وهو محرم، ثم يكون غاية التكريم والتشريف أن يزوّجه الله بنفسه بدون ولي ولا شهود ولا حتى مهر، وتدبر حال النبي ﷺ وهو يدخل على امرأة أجنبية عليه بدون إذن ويخبرها أنه زوجها، ورد في الحديث: (ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) ، وهل بعد إذن الله من إذن؟ وهل أمر هذا الزواج يحتاج إلى إشهار وشهود بعد إعلان القرآن.
وهذا التنويع في صور الزواج للنبي ﷺ دون غيره من أفراد الأمة، إنما يدل على شرفه وفضله، وإرادة الله الشرعية في التوسعة عليه.
٢- بيان أن كل ما يخص النبي ﷺ من عادات أو عبادات تعدّ من الأمور العظيمة التي يتولى الله- معالجتها، كأمر الزواج وتحزّب النساء عليه، وتأدب أصحابه معه وكيفية دعائه، وآداب الاستئذان منه، وآداب دخول حجراته لتناول الطعام، وكذا الرد على مبغضيه، وغير ذلك كثير مما ذكرته في مواضع مختلفة من هذا الكتاب.
٣- إبلاغ النبي ﷺ أمته بهذه الآية، لهو من أكبر دلائل نبوته ﷺ ، وأكبر برهان أنه يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، وأنه ﷺ لا يسعه، بل لا يستطيع أن يكتم شيئا من الوحي المنزل، ولو كان بمقدوره أن يكتم شيئا لكتم قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.
٤- في الآية دليل على اعتناء الله- بتربية نبيه ﷺ تربية ربانية لا تقبل أدنى أدنى التفات عن الحق، فالله- قد صوب نبيه ﷺ ، لما أمر زيدا أن يبقى على زوجته، مع علمه أن الله قد قضى بطلاقها، وفيه أيضا أن الله لا يستحي من الحق، فمع حب الله العظيم لنبيه ﷺ ، وعلم الله- ﵎ أن الأمر كان صعبا جدّا على النبي ﷺ ، إلا أن الله أوحى لنبيه باية قد تكون هي الأشد وقعا على قلب النبي ﷺ .
وأقول: إن بعض العلماء- رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلمهم- يذكرون دائما هذه القصة من باب تزكية أم المؤمنين زينب بنت جحش، من حيث كونها الزوجة الوحيدة، التي زوّجها الله من فوق سبع سماوات، وأنا أقر لها بهذا الفضل العظيم المبارك، وحقّ لها أن