← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الصغائر والكبائر، ولا شك أن الذي ثبتت له العصمة في كل شيء، يثبت له الكمال البشري في كل أحواله، وهذا ما أردت إثباته، فلله الحمد والمنة، على عصمة نبينا ﷺ . وإليك بعض فوائد الآية: الفائدة الأولى: تزكيد النبي بالغ التزكية، من الوجوه التالية: ١- إثبات أن كل ما صدر عن النبي ﷺ في العادات والعبادات، في الأمر والنهي، في القول والفعل، في الجد والضحك، في الرضا والغضب، في النوم واليقظة، في الأكل والشرب، في الحل والترحال، لنا فيه قدوة وأسوة، لأن الآية لم تحدد مجال الأسوة، فلم تقل: لقد كان لكم في عبادات رسول الله أسوة حسنة، ولكن جعلت الآية الأسوة في كل شخصه الكريم ﷺ ، من شعر رأسه حتى أخمص قدميه، من أول حياته حتى مماته ﷺ ، في كل ما تفوه به في كل حالاته، فهو في نفسه بكل ما فيه أسوة. ٢- افتتحت الآية الكلام بمؤكد، وهو لَقَدْ والتي تفيد التحقق، وكانَ التي تفيد ثبوت الأمر. ٣- جعلت الآية كل ما فعله النبي ﷺ موافقا للصواب، بل نزهت كل تلك الأفعال عن الخلل، حيث وصف الله الأسوة بأنها حسنة، وحاشا لله، أن يصف ما فيه خلل بالحسن. ٤- يتفرع على ما سبق، أن كل أفعال الرسول ﷺ ، ظاهرة وباطنة، مقبولة عند الله- . ٥- ذكرت الآية أن في النبي ﷺ أسوة حسنة، لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، فليست تلك الأسوة لأي أحد، فهذه أبلغ تزكية لصاحب الأسوة، أن يقتفي أثره من حقق الإيمان بالله واليوم الآخر. الفائدة الثانية: التهديد الشديد لمن يطعن في أي شيء من سنة النبي ﷺ ، قولية أو فعلية، أو يطعن في شيء يخص عاداته أو عباداته، لأن كل أحواله ﷺ مزكاة من الله- ، فمن طعن في شيء منها، فقد رد تزكية الله، أو ادعى أن الله قد زكى ما يستحق الذم، أو أن الله لم يطلع على ما يستحق الطعن من أفعاله ﷺ ، وننزه الله من كل ذلك. فعلى كل مسلم، أن ينتبه لهذه الأمور عند الحديث عن سنة خير الأنام، ونخشى على من يتعرض لها بأدنى أدنى لمز أو غمز، أو لم يرض بها كمنهج للحياة، أو يحكم عليها بعدم ملاءمتها لظروف العصر، نخشى عليه سوء الخاتمة.

стр. 597

الفائدة الثالثة: نستفيد من الآية أن كل من اتبع الرسول ﷺ في عاداته واستحضر نية الاقتداء أنه يثاب على عمله هذا، حيث إن الآية حثت على مطلق الاتباع، لأنها لم تقيد الأسوة في العبادات، دون العادات، وكل ما حث الله عباده على فعله، فلهم فيه الأجر والمثوبة. والدليل على هذا الفهم، أن الصحابة ﵃، قد اقتفوا أثر النبي ﷺ في كل شيء، دون تفريق بين عادة وعبادة، ألم تر إلى أنس ﵁ كيف أحب الطعام الذي يحبه النبي ﷺ ، وقد بينت ذلك في مواضع عديدة من هذا الكتاب. الفائدة الرابعة: يقوى الاتباع ويضعف، بقوة وضعف الإيمان بالله واليوم الآخر، ولأن الناس مختلفون في اليقين، فهم متفاوتون في الاتباع، ويجب أن يعلم المسلم أنه بالاتباع سيزيد اليقين عنده، فالعلاقة بين الأمرين متلازمة. الفائدة الخامسة: لا يقدح في عصمته ﷺ أن يفعل خلاف الأولى، بناء على عدم وجود أمر من الله في تلك المسألة، أو أخذا بمبدأ الشورى، المأمور به المهم أن الله- يدله ويأمره بالأولى والأحسن في كل مسألة، وتستقر السنة على ذلك، وتكون السنة كلها موافقة للصواب، والأحسن في كل أمر. ٢٤- يبيت ﷺ يطعمه ربّه ويسقيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال: له رجال من المسلمين: فإنّك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله ﷺ : «أيّكم مثلي، إنيّ أبيت يطعمني ربّي ويسقين» . فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثمّ يوما ثمّ رأوا الهلال، فقال: «لو تأخّر لزدتكم» . كالمنكّل بهم حين أبوا) «١» . [رواه الشيخان] . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «أيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين» ، ومناسبة هذا القول أن الرسول ﷺ كان يواصل صيام عدة أيام من شهر رمضان بدون إفطار فلما أراد الصحابة أن يفعلوا مثله ذكر لهم هذه المقولة. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: اجتهاده ﷺ في العبادة، حيث إنه كان يواصل عدة أيام في شهر رمضان بدون إفطار، دليله: (فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل) .

стр. 598

الفائدة الثانية: شفقته ﷺ ورحمته بالأمة، حيث نهى الأمة عن وصال الصيام، مع أنه كان يواصل، قال الراوي: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) . الفائدة الثالثة: اختصاصه ﷺ دون البشر- بأمور تبين فضله وتزيد شرفه، ودليله قوله ﷺ : «أيكم مثلي» ، فنفى أن يكون أحد من الصحابة مثله، ووضح ﷺ وجه عدم المثلية، وهو أنه ﷺ يبيت يطعمه ربه ويسقيه، وذكر الإمام النووي في شرح الحديث رأيين لأهل العلم: أ- أن الله يجعل فيه قوة الطاعم والشارب ورجح الإمام النووي هذا الرأي، وحجته في ذلك أنه إذا أكل حقيقة لم يكن مواصلا. ب- أنه ﷺ يطعم من طعام الجنة كرامة له. أقول: إن الرأي الثاني- غير مستبعد- لأنه لا يلزم من أكله من طعام أهل الجنة منافاة الصيام، لعدم علمنا بطبيعة هذا الأكل وكيفيته، ولا داعي أن نعدل عن ظاهر الحديث. وأي من الرأيين كان صحيحا، فإننا نعتقد أن الرسول ﷺ يطعمه ربه ويسقيه، وهي كرامة عظيمة له ﷺ . وأود أن أوضح هنا أن عدم مثلية الرسول ﷺ لأصحابه لا تقتصر على هذه المسألة، ولكن ثبتت عدم المثلية في أمور كثيرة، ذكرتها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب. الفائدة الرابعة: حرص الصحابة ﵃ على متابعة النبي ﷺ في كل أمر من أموره، حتى الأمور التي فيها مشقة ظاهرة، حيث إنهم أبوا أن ينتهوا عن الوصال، مع أن النبي ﷺ بين لهم سبب قدرته على الوصال، ففي الحديث: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما) . الفائدة الخامسة: حرص النبي ﷺ على تربية أصحابه رضى الله عنهم، لأنهم لما أبوا الانتهاء عن وصال الصيام، واصل بهم يومين، ولولا رؤية هلال شوال لواصل بهم اليوم الثالث تعزيرا لهم، وليعلموا أنه لا طاقة لهم بالوصال مثله ﷺ ، ويؤخذ منه اتباع النبي ﷺ للتربية العملية إذا لم تجد التربية القولية، بل قد يصل الأمر إلى حد التعزير بغرض التعليم، إذ ورد في الحديث «كالمنكل بهم» . ٢٥- زوّجه ربّه من فوق سبع سماوات: عن أنس قال: (لمّا انقضت عدّة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: «فاذكرها عليّ» . قال:

стр. 599

فانطلق زيد حتّى أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلمّا رأيتها عظمت في صدري حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) . [رواه مسلم] «١» . الشاهد في الحديث: قول أنس ﵁: (وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) . ملخص القصة: كان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة ونسبه إليه، فكان يدعى: زيد ابن محمد، وقد تزوج زيد من زينب بنت جحش، ابنة عمة النبي ﷺ ، فلما أراد الله- أن يبطل مسألة التبني، نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فدعى زيد مرة أخرى إلى أبيه، وبقيت مسألة أخرى كانت قد استحكمت في نفوس الناس، وهي أن الرجل المتبنّي، لا يحل له أن يتزوج بمطلقة من تبنّاه لأنها بمثابة زوجة ابنه، فأوحى الله إلى رسوله ﷺ ، أن زيدا سيطلق زوجته، ثم يتزوجها النبي ﷺ ، ليبطل تلك العادة، وكان زيد يأتي النبي ﷺ ، يشاوره في طلاق زوجته، فيأمره النبي ﷺ أن يصبر عليها ويمسكها بالمعروف ويخفي ما أوحى الله إليه، ولما تم أمر الله بالطلاق وانقضت عدة زينب- ﵂.، أرسل النبي ﷺ زيدا إلى مطلقته يخبرها برغبة النبي ﷺ بالزواج منها، فقالت: أشاور ربي، أي أستخير، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧] ، فدخل النبي ﷺ على زينب بغير إذنها. الدروس والعبر من الآية الكريمة والحديث الشريف: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- بيان فضل ومكانة النبي ﷺ عند ربه، ووجه ذلك: أ- أنه سبحانه أنزل قرآنا كريما يتلى إلى يوم القيامة بتزويج النبي ﷺ من زينب بنت جحش.

стр. 600

ب- أن يتولى الله- أمر تزويج النبي ﷺ ، وينسب ذلك إلى نفسه الكريمة المقدسة، قال تعالى: زَوَّجْناكَها. ج- تنويع الله- لنبيه ﷺ صور زواجه، فقد أحل الله له، أن يتزوج بمن وهبت نفسها له وأن يتزوج وهو محرم، ثم يكون غاية التكريم والتشريف أن يزوّجه الله بنفسه بدون ولي ولا شهود ولا حتى مهر، وتدبر حال النبي ﷺ وهو يدخل على امرأة أجنبية عليه بدون إذن ويخبرها أنه زوجها، ورد في الحديث: (ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) ، وهل بعد إذن الله من إذن؟ وهل أمر هذا الزواج يحتاج إلى إشهار وشهود بعد إعلان القرآن. وهذا التنويع في صور الزواج للنبي ﷺ دون غيره من أفراد الأمة، إنما يدل على شرفه وفضله، وإرادة الله الشرعية في التوسعة عليه. ٢- بيان أن كل ما يخص النبي ﷺ من عادات أو عبادات تعدّ من الأمور العظيمة التي يتولى الله- معالجتها، كأمر الزواج وتحزّب النساء عليه، وتأدب أصحابه معه وكيفية دعائه، وآداب الاستئذان منه، وآداب دخول حجراته لتناول الطعام، وكذا الرد على مبغضيه، وغير ذلك كثير مما ذكرته في مواضع مختلفة من هذا الكتاب. ٣- إبلاغ النبي ﷺ أمته بهذه الآية، لهو من أكبر دلائل نبوته ﷺ ، وأكبر برهان أنه يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، وأنه ﷺ لا يسعه، بل لا يستطيع أن يكتم شيئا من الوحي المنزل، ولو كان بمقدوره أن يكتم شيئا لكتم قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. ٤- في الآية دليل على اعتناء الله- بتربية نبيه ﷺ تربية ربانية لا تقبل أدنى أدنى التفات عن الحق، فالله- قد صوب نبيه ﷺ ، لما أمر زيدا أن يبقى على زوجته، مع علمه أن الله قد قضى بطلاقها، وفيه أيضا أن الله لا يستحي من الحق، فمع حب الله العظيم لنبيه ﷺ ، وعلم الله- ﵎ أن الأمر كان صعبا جدّا على النبي ﷺ ، إلا أن الله أوحى لنبيه باية قد تكون هي الأشد وقعا على قلب النبي ﷺ . وأقول: إن بعض العلماء- رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلمهم- يذكرون دائما هذه القصة من باب تزكية أم المؤمنين زينب بنت جحش، من حيث كونها الزوجة الوحيدة، التي زوّجها الله من فوق سبع سماوات، وأنا أقر لها بهذا الفضل العظيم المبارك، وحقّ لها أن

стр. 601

تتمدّح بذلك بين أمهات المؤمنين، بل بين نساء الأمة جميعا، ولكن ما كان ليثبت لها هذا الفضل العميم لولا أن النبي ﷺ هو الذي تزوجها، ولذلك نلمح في القصة أولا فضل الله على نبيه، ثم فضله على أم المؤمنين، زينب ﵂. الفائدة الثانية: في فضل زينب- ﵂: ١- أن الله- هو الذي تولى أمر زواجها، وكانت تفخر على بقية أمهات المؤمنين بذلك. ٢- تمسكها بما علّمهم النبي ﷺ من أمر الاستخارة في كل شيء، حتى ولو كان أمرا ظاهره كل الخير، وتتنافس عليه كل امرأة من نساء الأمة، قالت- ﵂: (ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي) ، قال ابن حجر كلمة جميلة في تعليل استخارتها، فقال: (ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه ﷺ . انتهى «١» . وإن صح هذا الاستنباط الجميل، فيكون ذلك أجمل وأكمل في حقها، لترويها في الأمر وعدم اندفاعها، مع التفكير في العاقبة، مع علمها بقدر النبي ﷺ فما فائدة الفرح العاجل بالزواج منه ﷺ ، ثم قد تكون العاقبة غير محمودة- حاشا لله- إن هي لم توفّ النبيّ ﷺ حقه ولكنها كانت- ولله الحمد- خير زوجة لخير زوج مشى على الأرض. الفائدة الثالثة: في مناقب زيد ﵁: ١- أبدأ بما هو الأجل والأعظم في حقه وهي مرتبة رفيعة عالية، لم يشاركه فيها أحد من الصحابة ﵃ جميعا- مع سبقهم له في الإسلام وعلو قدرهم، وهذا الأمر هو ذكر اسمه في القرآن، وقد حدث ذلك لتعويضه عن أبوة النبي ﷺ ، التي حرم منها، بعد تحريم الله للتبني ووجوب أن ينسب الرجل إلى أبيه، قال القرطبي- رحمه الله تعالى: (فلما نزع منه هذا الشرف وهذا الفخر وعلم الله وحشته من ذلك شرّفه بخصيصة لم يخصّ بها أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، وهي أنه سماه في القرآن، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب نوه به غاية التنويه فكان في هذا تأنيس له وعوض عن الفخر بأبوة النبي ﷺ له) . انتهى «٢» . ويمكن أن أضيف إلى أن ذكر اسمه في القرآن كان من باب مكافأته على اختياره أن يكون عبدا عند

стр. 602

رسول الله ﷺ على الحرية عند أهله، ثم طاعته المطلقة وأدبه الجم مع الله ورسوله، كما سيأتي. ٢- طاعته المطلقة للنبي ﷺ ، وعدم شعوره بأي غضاضة من تنفيذ أي أمر للنبي ﷺ ، فقد ذهب يخطب زينب- زوجته سابقا- للنبي ﷺ ، دون أدنى اعتراض أو شكوى، ورد في الحديث: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد فاذكرها عليّ قال: فانطلق زيد حتى أتاها) . هكذا دون أدنى تردد. ٣- أدبه الجم ﵁ مع النبي ﷺ ، في كل ما يخصه، فقد ذهب يخطب زوجته السابقة للنبي ﷺ ، وهو الذي عاشرها وأفضى إليها وأفضت إليه، يكلمها طوال مدة زواجه إياها بدون تكلف، وهل يتكلف أحد مع زوجته! وهل يستطيع أحد أن يحول الانبساط في الكلام وعدم التكلف في التعامل- بين عشية وضحاها- إلى إجلال وإكبار وعدم القدرة حتى إلى النظر، لا يستطيع ذلك إلا أصحاب النبي ﷺ ، وهيا نرى كيف عامل زيد زينب ﵂: أ- لقد عظمت في صدره وما استطاع أن ينظر إليها- وكان ذلك قبل الحجاب- قال زيد: (فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله ﷺ ذكرها) . ذكرها ذكرا فقط ولم تتم الخطبة ولم يتزوجها بعد، قال ابن حجر في الفتح: (هابها واستجلها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوّجها فعاملها معاملة من تزوجها ﷺ في الإعظام والإجلال والمهابة) . انتهى «١» . وأقول: إنه نظر فيما يمكن أن يئول إليه أمر زينب بنت جحش- ﵂ فلو لم يجلّها ويوقّرها وأصبحت يوما زوجا للنبي ﷺ فمن المؤكد أنه سيشعر بذنب عظيم. ب- ولاها ظهره ونكص على عقبه، أي تأخر عنها وأعطاه ظهره، ورد في الحديث: (فوليتها ظهري ونكصت على عقبي) ، قال ابن حجر: (لما غلب عليه الإجلال تأخر وخطبها وظهره إليها لئلا يسبقه النظر إليها) . انتهى «٢» . ومثل زيد ﵁ في هذه الحادثة، كمثل رجل مضطر للوقوف بجانب النار، ولكنه يخشى أن يقع فيها أو يصيبه لفحها، فماذا يفعل؟ يتأخر عنها ويعطيها ظهره، فهم يعتقدون أن الوقوع في محارم النبي ﷺ ، كالوقوع في النار، يجب الحذر كل الحذر عند التعامل مع تلك المحارم.

стр. 603

وأقول: إذا كان هذا هو مسلك الصحابة ﵃ في تعظيم وإجلال وتوقير امرأة أرسل النبي ﷺ لخطبتها، فكيف بالتي تزوجها النبي ﷺ ونالت شرف الدخول بها، من المؤكد أن الأمر سيختلف كثيرا. ٤- ثناء الله- عليه غاية الثناء، قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أي أنعم الله عليه بالإسلام، فهذا يبين كمال إيمان وتمام إخلاص زيد ﵁؛ لأن الإسلام بدون إيمان وإخلاص لا يمدح العبد به، ومن أنعم الله عليه فتمّ إيمانه وحسن إسلامه فقد وجبت له الجنة. تنبيه هام جدّا: ذكر القرطبي وغيره من المفسرين في سبب نزول هذه الآية ما نصه: (اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وجماعة من المفسرين منهم الطبري وغيره إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظيما بالشرف قال له: وَاتَّقِ اللَّهَ- أي فيما تقول عنها- أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه) . انتهى «١» . وكأن شيخنا الجليل الشيخ السعدي قد مال لهذا التفسير، فقال في الدروس المستفادة من الآية ما نصه: (إن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن بها محظور، لا يأثم عليها العبد ولو اقترن بذلك أمنيته أن لو طلقها زوجها لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما) . انتهى «٢» . وأقول: إذا كان كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب السنة المطهرة المعصوم من ربه- ﵎، فإني أرد هذا الفهم لسبب نزول هذه الآية ردّا جميلا، وأنزه مقام النبي ﷺ أبلغ التنزيه أن يقع في قلبه حب زينب ﵂ أثناء اقترانها بمحبوبه زيد بن حارثة، كيف يعقل أن يقع النبي ﷺ في مثل هذا الأمر، وهو المزكى من ربه- في كل ما أتى وترك. ومع اعتقادي أن إبطال هذا الكلام لا يحتاج إلى برهان لكني أذكر بعض الأدلة على ما ذكرت وهي:

стр. 604

١- لم يذكر العلماء دليلا واحدا صحيحا على صحة ما ذكروا من أسباب نزول هذه الآيات، ومعلوم أن سبب نزول الآيات توقيفي لا اجتهاد فيه قطعا. ٢- هذا الاجتهاد الخاطئ في سبب نزول الآية الكريمة يفتح بابا من أبواب جهنم يدخل منه أعداء الإسلام، فيمكن أن يقولوا في حق النبي ﷺ ما قالوه في حق داود ﵇، من أنه كان يرسل الرجل للغزو في سبيل الله حتى يموت، ويتزوج هو من زوجته التي أحبها، كما أقول: ألا يخشى الصحابة أن يكون النبي ﷺ يحب واحدة من زوجاتهم. ٣- سبب زواج النبي ﷺ من زينب قد جاء النص القرآني به أوضح ما يكون، قال تعالى: زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وبذلك يكون ما ذكره العلماء مناقضا لصريح القرآن. ٤- توجيه مثل هذا اللوم الشديد للنبي ﷺ ، لا يكون إلا على إخفائه لشيء علمه من وحي الله تعالى، وهو أنه سيتزوج زينب ﵂ بعد أن يطلقها زوجها، ولا يستقيم مع الحكمة الإلهية أن يكون مثل هذا العتاب لأن النبي ﷺ أخفى عن زيد حبه لزوجته- حاشا لله-، وأظن أن هذا التفسير الخاطئ لسبب نزول الآية هو ما كان يعنيه الإمام ابن كثير بقوله: (ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها) . انتهى «١» . ٢٦- أثنى عليه ربه باسمين من أسمائه: قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] . الآية كلها- ولله الحمد- ما هي إلا تزكية بليغة للنبي ﷺ ، ولكني اخترت أوضح ما فيها ليكون عنوانا للباب. مظاهر الثناء على النبي ﷺ في هذه الآية الكريمة: ١- بيان أن إرسال النبي ﷺ إلى الناس هو منة من الله- ، حيث إنه من جنسهم ويتكلم بلسانهم، قال الشيخ السعدي في تفسير في الآية: (يمتن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم يعرفون حاله ويتمكنون من الأخذ عنه) «٢» .

стр. 605

وقال القرطبي: (قوله تعالى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يقتضي مدحا لنسب النبي ﷺ وأنه من صحيح العرب وخالصها) «١» . ٢- شفقة النبي ﷺ البالغة بأمته حيث أوضحت الآية أنه يشق عليه كل ما فيه مشقة على أمته أو يسبب لها الحرج وهو العنت، وهذا يدل أيضا على عظيم حبه لأمته ﷺ . ومن مظاهر حرصه على عدم إعنات الأمة أنه ﷺ راجع ربه لتخفيف عدد الصلوات المكتوبة، حتى أصبحت خمس صلوات من أصل خمسين صلاة في اليوم والليلة. ويؤخذ من الآية أنه ليس في الدين كله أي أمر فيه مشقة أو عنت على المسلمين، لأن الله ما كان ليشرع لهذه الأمة ما يشق عليها، وهو يعلم أن هذا يشق على نبيه وخليله، ولو حدث أن شرع لهذه الأمة ما فيه مشقة عليها لطلب النبي ﷺ التخفيف من ربه كما حدث في أمر الصلاة. ٣- حرص النبي ﷺ إلى إيصال كل أنواع الخير إلى أمته، ودفع كل أنواع الشر عنهم، في معاشهم ومعادهم، لأن هذا هو دأب الحريص على غيره، وقيل: إن معنى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي حريص على دخولكم الجنة ونجاتكم من النار. ويتفرع عليه كمال دعوة النبي ﷺ لأمته، لأن الله- لم يكن ليزكيه على حرصه على أمته دون أن يقوم النبي ﷺ بدعوتهم على أكمل وجه. ومن زعم أن النبي ﷺ قد أخفى علينا شيئا من الوحي أو أن خيرا لم يدلنا عليه، أو أن شرّا لم ينهنا عنه، فقد كذّب بظاهر القرآن. ٤- وهي أعظم ما في الآية، وهو الثناء على الرسول ﷺ ، حيث إن الله قد أثنى عليه باسمين من أسمائه الحسنى، وهما الرؤف والرحيم، ولو لم يكن في القرآن ثناء على النبي ﷺ إلا هذا الثناء لكفى، نقل القرطبي في تفسيره عن الحسين بن الفضيل قوله: (لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد ﷺ ، فإنه قال: بالمؤمنين رؤف رحيم، وقال تعالى: إن الله بالناس لرؤف رحيم) «٢» . وقال الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره: (أي شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم ولهذا كان حقّه مقدما على سائر حقوق الخلق وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره) . انتهى.

стр. 606

٢٧- من استهزأ به ﷺ كفر: قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) [التوبة: ٦٥- ٦٦] . هذه الآية اختلف المفسرون في سبب نزولها، ولكن كل الأقوال تدور حول استهزاء بعض المنافقين في غزة تبوك بالرسول ﷺ وأصحابه، حيث قال المنافقون: (ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونا وأكذب ألسنا وأجبن عند اللقاء) ، ولم يثبت في الصحاح شيء في سبب النزول، والذي يهمنا هنا ليس هو سبب النزول لكن الحكم الذي جاءت به الآية الكريمة حيث حكمت بكفر من استهزأ بشيء من الدين سواء كان متعلقا بالله أو باياته أو برسوله ﷺ . بعض فوائد الآية: الفائدة الأولى: إرادة الله الشرعية تعظيم هذا الدين، حيث حكم بكفر من استهزأ بأي أصل من أصوله، ولا تخرج أصول هذا الدين عن الاعتقاد الحق في الله- ، وما يتعلق به من أسماء وصفات، وما ينزل من عنده من كتب سماوية وشرائع. ثم آيات الله تنقسم إلى آيات كونية وشرعية، ثم رسوله ﷺ وما يتعلق به من سنة، سواء كانت سنة قولية أو فعلية أو إقرارية، وسواء تعلقت بالسلوك أو المظهر أو العادات أو الصفات الجبلية، وسواء كان ذلك لرسولنا الكريم أو بقية رسل الله من البشر أو الملائكة عليهم جميعا الصلاة والسلام. قال الشيخ السعدي ﵀: (الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة) «١» . الفائدة الثانية: يستوي حكم الاستهزاء في الدين، للجاد والهازل، نقل القرطبي ﵀ في تفسيره عن القاضي أبي بكر بن العربي قوله: (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدّا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل، انظر إلى قوله: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ

стр. 607

أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) . انتهى. ويتفرع عليه خطورة ما يقوم به بعض العوام من التساهل في إلقاء النكات والقفشات التي يذكر فيها أمور تتعلق بالدين، بل وصل الأمر الآن إلى ابتكار نكات تستهزئ بالله ورسوله والقرآن الكريم والسنة النبوية، ويقول قائلها: ما نريد الاستهزاء ولكن نريد الضحك فقط. والحكم كما ذكرت آنفا، هو الكفر المخرج عن ملة الإسلام لمن تكلم بهذه النكات بل، أقول: ينطبق هذا الحكم تماما على من ضحك منها، لأنه كالمشارك والراضي بالكفر، ويكثر هذا الاستهزاء الآن فيما يقال عنه عروض فنية، يشاهدها الكبير والصغير في كل أسرة. الفائدة الثالثة: هل للمستهزئ توبة؟ ذكر الشيخ السعدي ﵀ عند تفسيره لقول الله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ما نصه: (من استهزأ بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله الثابتة عنه أو سخر بذلك أن تنقصه أو استهزأ بالرسول أنه كافر بالله العظيم وإن التوبة مقبولة في كل ذنب وإن كان عظيما) . انتهى «١» . تتمة: وهو حكم الاستهزاء بأحد من المسلمين، فقد ذكر العلماء أن الاستهزاء إن كان مبعثه اتباع المسلم لإحدى السنن كاللحية أو تقصير الثوب أو الأكل باليمين، فيكفر المستهزئ، لأن الذي حمله على الاستهزاء هو اتباع المسلم للسنة، وهذا أمر عظيم يجب الحذر والتحذير منه. ٢٨- أمر المؤمنين بتقديمه ﷺ على أنفسهم: قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً [الأحزاب: ٦] . هذه الآية الكريمة تبين بجلاء عظيم قدر النبي ﷺ ، وما يستحقه من تبجيل وتوقير وطاعة من المؤمنين، لما له من فضل عليهم، وتوضح في المقابل ما للمؤمنين من حق على النبي ﷺ ؛ لأنه يجب فهم قوله تعالى: أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ من الجهتين، من جهة أن النبي ﷺ أحق بأداء ما على المؤمنين من حقوق وديون إن أعدموا، ومن جهة أنه يجب على المؤمنين أن يقدموا طاعة النبي ﷺ وحبّه على طاعة أنفسهم وحبّها، كما سيأتي بالفوائد.

стр. 608

بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظيم حق النبي ﷺ على المؤمنين، قال الشيخ السعدي ﵀: (يخبر تعالى المؤمنين خبرا يعرفون به حالة الرسول ﷺ ومرتبته فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة، فقال: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أقرب ما للإنسان، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه ﷺ بذل لهم من النصح والشفقة والرأفة ما كان به أرحم الخلق وأرأفهم فرسول الله أعظم الخلق منّة عليهم من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر إلا على يديه وبسببه، فلذلك وجب عليه إذا تعارض مراد النفس أو مراد أحد من الناس مع مراد الرسول ﷺ : أن يقدم مراد الرسول وألايعارض قول الرسول بقول أحد كائنا من كان وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ويقدّموا محبته على محبة الخلق كلهم وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه وهو ﷺ أب للمؤمنين كما في قراءة بعض الصحابة «١» يربيهم كما يربي الوالد ولده) «٢» . وأظن أن ما قاله الشيخ ﵀ لا يحتاج إلى شرح أو إضافة، فقد جمع وأوعى، فجزاه الله خيرا. وعلى كل مؤمن يريد الله ورسوله والدار الآخرة أن يقارن حاله ومسلكه مع النبي ﷺ بما قاله الشيخ، فيحمد الله على ما عنده وليتمّ النقص والخلل حتى يضمن رضى الله- . الفائدة الثانية: عظيم حب النبي ﷺ لعموم المؤمنين، حيث كان أشفق وأرأف بهم من أنفسهم. ومن علامات هذه الشفقة والرأفة قيامه بأداء الحقوق التي عليهم في حال عسرهم، روى الشيخان في صحيحهما، عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرّجل المتوفّى عليه الدّين فيسأل: «هل ترك لدينه فضلا؟» فإن حدّث أنّه ترك لدينه وفاء صلّى وإلّا قال للمسلمين: «صلّوا على صاحبكم» . فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفّي من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته» «٣» . قال القرطبي: (هذا الحديث تفسير للولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي ﷺ

стр. 609

وتنبيهه، وقال بعض أهل العلم: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ﷺ «١» . الفائدة الثالثة: وهو مثال نأتي به من القرآن الكريم لنوضّح مفهوم أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ونبين أن الله- قد أكد هذا المفهوم وربى المؤمنين على ذلك، وهو قوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: من الآية ١٢٠] ، وهذه الآية نزلت في حق من تخلف عن غزوة تبوك من أهل المدينة وقبائل العرب المجاورة لها، ومعنى الآية أنه ما كان ينبغي ولا يليق بالمتخلفين عن الغزو أن يقدموا أنفسهم عن نفس النبي ﷺ ، قال الشيخ السعدي ﵀: (أي لا يحق ولا يليق بالمؤمنين أن يقدموا راحة أنفسهم وبقاءها وسكونها عن نفس النبي الكريمة الزكية، بل النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فعلى كل مسلم أن يفدي النبي ﷺ بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول ﷺ ومحبته والإيمان التام به أن لا يتخلفوا عنه) . انتهى «٢» . وقال القرطبي: (أي لا يحق لهم أن يرضوا لأنفسهم بالدّعة ورسول ﷺ في المشقة) «٣» . ٢٩- تتابع الوحي عليه قبل موته ﷺ : عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: (أنّ الله- تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتّى توفّي وأكثر ما كان الوحي يوم توفّي رسول الله ﷺ . الشاهد في الحديث: قول أنس بن مالك ﵁: (حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: بيان عظيم إكرام الله- لنبيه واعتنائه به إلى يوم وفاته، ومن مظاهر هذا الإكرام كثرة نزول الوحي عليه قبل وفاته، حتى كان أكثر نزولا- بالنسبة لما سلف من جميع أيام حياته- يوم وفاته ﷺ . الفائدة الثانية: إرادة تسلية الله- لنبيه قبل وفاته وذلك بكثرة نزول الوحي عليه، حتى لا يجد في قلبه ما يجده غيره يوم وفاته من قلة أهميته وهوانه وانقطاع حاجة

стр. 610

الناس إليه. ورغبتهم فيه، فهذا كله- قطعا- لم يحدث للنبي ﷺ إلى يوم وفاته بسبب تتابع الوحي واتصاله بالسماء. الفائدة الثالثة: حفظ الله- عقل نبيه ﷺ وقلبه إلى يوم وفاته، لأن الوحي ما كان ينزل عليه وقد ذهل عقله أو غفل قلبه ﷺ . الفائدة الرابعة: حث المؤمن على أن يكون موصولا بالله- فترة شبابه وصحته وشغله حتى يضمن أن يكون موصولا بالله تعالى، في حال وفاته. ٣٠- نعيه وتوديعه ﷺ في القرآن: قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) [النصر: ١- ٣.] عن ابن عبّاس قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رئيت أنّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول) «١» . الشاهد في الحديث: هو قول ابن عباس، ﵄: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك) ، وفي رواية: (نعيت إليه نفسه) ، وهذا شرف عظيم لنبينا ﷺ أن يخبره الله بقرب أجله، وينعيه، ولا يكون ذلك إلهاما ولا مناما، ولكن بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، في سورة كاملة، هي سورة النصر، ولن نعقل هذا الفضل والشرف، إلا إذا عقل المسلم عظيم شأن القرآن، وأنه لا ينزل إلا في الأمور العظيمة، والأحداث الجسيمة، وكل حرف منه جاء لحكمة وبحكمة.

стр. 611

وفي الحديث فوائد منها: الفائدة الأولى: أدب المجالس، وهو ألايجلس صغار السن مع الأشياخ الكبار، والدليل على ذلك، أن بعض الأشياخ وجد في نفسه شيئا من دخول ابن عباس، ﵄ معهم، ولو أنهم اعتادوا ذلك ما أنكروه، وكان صغار الصحابة سنّا يستحيون أن يتكلموا في حضرة من هو أكبر منهم سنّا، وهذا أدب جم، افتقدناه كثيرا الآن، فعند البخاري، عن ابن عمر قال: كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة شبه، أو كالرّجل المسلم، لا يتحاتّ ورقها. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنّها النّخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلّمان فكرهت أن أتكلّم أو أقول شيئا، فقال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا «١» . الفائدة الثانية: رسوخ قدم ابن عباس- ﵄ في علم التأويل وتفسير القرآن، حيث سبق أشياخ بدر في تأويل مراد الله من قوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وما كان ذلك إلا ببركة دعاء النبي ﷺ ، فقد ورد عند البخاري، عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوآ قال: «من وضع هذا؟» فأخبر، فقال: «اللهمّ فقّهه في الدّين» «٢» . وهذا من دلائل نبوته. الفائدة الثالثة: تعظيم عمر ﵁، لأهل بيت النبي ﷺ ، حيث قال لأشياخ بدر: (إنه من قد علمتم) فقد يكون إشارة إلى قرابته من رسول الله ﷺ ، بالإضافة إلى رسوخ علمه. الفائدة الرابعة: فضل أهل العلم، خاصة علم التأويل والتفسير، وأنّ من السنة تقريبهم من مجالس الأشراف وكبراء القوم، والتحدث بفضلهم، وبيان ذلك للناس، حتى ينتفعوا بهم ويعرفوا قدرهم، ويرجعوا إليهم في مسائل الفتيا وغيرها. علمنا ذلك من دعوة عمر لابن عباس ﵃ جميعا لحضور مجلس أشياخ بدر، والتنويه بمنزلته في قوله: (إنه من قد علمتم) ، ثم سؤالهم وسؤاله عن آية في كتاب الله، ليعلمهم فضله عليهم في العلم.

стр. 612

الفائدة الخامسة: التفاوت الكبير بين الناس في علم التأويل والتفسير، حتى بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن فهم ابن عباس للقرآن حجة، وأنه مقدم على فهم غيره من الصحابة، ﵃، والدليل على ذلك دعوة النبي ﷺ له بالتفقه في الدين، وتقريب عمر ﵁ له في مجلسه، وأنه لمح ما في الآية من معان غير ظاهرة، وموافقته لعمر ﵁ في هذا الفهم، وهي فضيلة لعمر بن الخطاب، ﵁ أيضا حيث وافق تأويله تأويل حبر الأمة، الذي اختصه النبي ﷺ بالدعاء. الفائدة السادسة: قد يكون لبعض آيات القرآن معنى ظاهر، يفهمه عوام الناس، ومعنى آخر خفي يفهم من فحواها ومضمونها، كما فسر أشياخ بدر معنى سورة النصر، بالمعنى الظاهر، وفسرها حبر الأمة بمعنى خفي، ولا حرج في ذلك شريطة، ألا يكون هذا الفهم يتعارض مع أصول الشريعة، وما تقتضيه اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم. الفائدة السابعة: حث العبد أن يجتهد في العبادة أكثر وأكثر، كلما تقدم عمره، وشعر بقرب أجله، فيحرص على فعل الطاعات وترك المنكرات، وأن يبذل جل وقته في التوبة والاستغفار، لقوله تعالى في سورة النصر: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ وما كان هذا التسبيح والاستغفار إلا لدنوّ أجل المصطفى ﷺ .

стр. 613

٣١- تزكيته ﷺ : ١- تزكية فطرته ﷺ : قال أبو هريرة ﵁: أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما فأخذ اللّبن قال جبريل: «الحمد لله الّذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمّتك» «١» . رواه البخاري. الشّاهد في الحديث: قول جبريل ﵇: «لو أخذت الخمر غوت أمتك» ، وفي رواية مسلم أيضا: «أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في شمائله ﷺ : ١- عناية الله- به إذ هداه للفطرة والتي هي- كما عرفها الحافظ ابن حجر- الاستقامة على الدين الحق «٢» . ٢- حسن تربيته ونشأته ﷺ ودليله أنه اختار اللبن وردّ الخمر، فسبحان الذي جعل طبعه يوافق ما أبيح وحرّم على هذه الأمة، وليس ذلك في هذا الاختبار فقط ولكن في أمور كثيرة خالف فيها ﷺ ما كان عليه أمر الجاهلية. ٣- أدبه ﷺ حيث لم يردّ الاثنين، وقد يفعل الرجل ذلك إذا خاف سوء الاختيار، وقد يكون ذلك أيضا من فقهه ﷺ حيث علم أنه لا يسعه ردّ الاثنين. ٤- فراسته ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (نفر من الخمر؛ لأنه تفرس أنها ستحرم لأنها كانت حينئذ مباحة ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن أحدهما سيحرم والآخر تستمر إباحته. وأضاف ﵀: (واختار اللبن لكونه مألوفا له سهلا طيبا سائغا للشاربين سليم العاقبة بخلاف الخمر في جميع ذلك) «٣» . ٥- عظيم فضله ﷺ على أمته حيث حفظت الأمة من الغواية باختياره ﷺ اللبن.

стр. 614

ويتفرع على ذلك أنه يجب على الأمة أن تشعر بالامتنان له ﷺ فتوفيه حقه فإن عجزت- وهو الواقع- فلا أقل عن المستطاع. ولكن ما سبب غواية الأمة في حال اختياره ﷺ الخمر؟. الجواب: ذكره صاحب تحفة الأحوذي «١» بقوله: (بناء على أنه لو شربها لأحلّ للأمة شربها فوقعوا في ضررها وشرها) «٢» . الفائدة الثانية: أن الهداية بيد الله- ، لقول جبريل ﵇: «الحمد لله الذي هداك للفطرة» ، ويجب على المسلم أن يستشعر ذلك بقلبه وألا يكون ذلك كلاما بلسانه فقط، يقوله على سبيل التواضع، ويؤخذ منه أيضا أن الهداية مما يحمد الله- عليه. الفائدة الثّالثة: سعة علم الله- حيث إن علمه لا ينحصر فقط على ما وقع وسيقع من الأمور وعواقبه، بل شمل عواقب ما لن يقع فيما لو وقع، ودليله أن جبريل ﵇ علم ما سيقع فيما لو اختار النبيّ ﷺ الخمر، وما علم ذلك إلا بتعليم الله إياه، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وقوله: «غوت أمتك» يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل أو تقدّم عنده علم بترتيب كل من الأمرين وهو أظهر) «٣» . قلت: بل الأظهر- والله أعلم- ما ذكرته آنفا وهو أن الله هو الذي علمه؛ لأنه الأليق بمقام جبريل ﵇. الفائدة الرّابعة: لو خير الرجل بين مباحين فمن الحكمة ورجاحة العقل أن يوازن بين ما فيهما من المصالح والمفاسد، وأيهما رجحت عنده مصلحته على مفسدته اختاره، لأن النبي ﷺ عرض عليه الخمر واللبن وقت إباحة الخمر، فرجح اللبن لأنه هو الفطرة ولما ذكرته آنفا. الفائدة الخامسة: لماذا كان اللبن هو الفطرة؟. نقل صاحب تحفة الأحوذي عن الإمام القرطبي قوله: (يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه) «٤» . ٢- تزكية قلبه ﷺ : لما كان القلب هو أعظم جوارح الجسد، فبه تصلح جميع الجوارح وبه تفسد، كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن النعمان بن بشير وفيه: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا

стр. 615

صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» «١» ، اعتنى الله- اعتناء عظيما بقلب حبيبه وصفيّه من خلقه وخليله ﷺ منذ صغره، فطهر الله- ﵎ هذا القلب ونزع منه حظ الشيطان وملأه إيمانا وحكمة، وقد بسطت تلك المسألة في موضع آخر من الكتاب، ولما زكى الله- قلب نبيه في القرآن العظيم وعلى لسان نبيه ﷺ زكاه بكل أنواع التزكية- التي نعرفها- فقد زكاه من حيث الوحي الذي أنزل إليه فكان هذا القلب الزكي الطاهر وعاء له، وزكاه من حيث تعامله مع أصحابه، فذكر رقته ورحمته بالمؤمنين، وزكاه من حيث صدقه وحضوره، فحكم عليه بعدم الكذب ومطابقة ما يراه القلب بما يراه البصر، وزكاه من حيث اتصاله الدائم بالله- ﵎ وعدم غفلته ﷺ عن ذكره، فذكر ﷺ في الحديث الصحيح أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه «٢» ، ولا أظن أن هناك تزكية أشمل ولا أعم من تلك التزكية، وسنأتي بعون الله تعالى على كل نوع بشيء من التفصيل. فأقول وبالله التوفيق: أولا: تزكية القلب من حيث الذي أنزل إليه: قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٢- ١٩٥] . قال الإمام ابن كثير ﵀: (أي أنزله الله عليك وأوحاه إليك والذي نزل به هو جبريل ﵇ الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، أي نزل به ملك كريم ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى، على قلبك يا محمد سالما من الدنس والزيادة والنقص، لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه وتبشر به المؤمنين المتبعين له) «٣» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وهي أبلغ تزكية لقلب النبي ﷺ حيث إن القلب الذي يجمع القرآن تلقيا وحفظا وعلما وعملا، قلب لا يمكن أن يدخله شك أو شبهة أو نفاق، وإذا أردت أخي القارئ أن تقف على كمال وجما لهذا القلب الذي كان أول قلب يتلقى القرآن العظيم،

стр. 616

فانظر وتدبر حفاوة الله- بهذا الكتاب لتعلم مكانة هذا القلب، فقد ذكرت الآيات عظيم من نزل بأمره القرآن، وهو الله- ﵎ رب العالمين، ورفيع قدر من نزل به، وهو الروح الأمين جبريل ﵇ وفصاحة اللسان الذي نزل به، وهو اللسان العربي المبين، فلا شك أن هذا الاعتناء الإلهي بنزول القرآن الكريم يستلزم اعتناء مثله بالمكان الذي سيكون وعاء وحفظا لهذا القرآن، وهو قلب النبي ﷺ وهذا هو موطن تزكية قلبه ﷺ الذي أردت أن أبينه. الفائدة الثانية: بيان عظيم شأن القرآن الكريم، قال الشيخ السعدي ﵀: (وتأمل كيف اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم فإنه أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة على أفضل الخلق على أفضل بضعة منه وهي قلبه، على أفضل أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها وأوسعها، وهو اللسان العربي المبين) «١» . الفائدة الثّالثة: إن القلب هو مكان تمكن الشيء واستقراره وتثبيته؛ ولذلك أشار القرآن الكريم أن مكان نزول القرآن هو قلب النبي ﷺ وليس عقله ولا لسانه، وفيه إشارة أيضا أن مكان حفظ القرآن هو القلب وليس الكتب، مع التنبيه على ضرورة إعمال القلب في تدبر آيات الذكر الحكيم حيث إنه الوعاء الأول الذي نزل فيه القرآن. الفائدة الرّابعة: تكفل الله- ﵎ بحفظ هذا الكتاب العزيز، من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل، من قبل نزوله، وأثناء نزوله، ومن بعد نزوله إلى قيام الساعة، أما قبل نزوله، فقد منع الله- الشياطين من استراق السمع قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) [الجن: ٩] . وروى الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: (انطلق النّبيّ ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب، فرجعت الشّياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء. فانصرف أولئك الّذين توجّهوا نحو تهامة إلى النّبيّ ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له. فقالوا:

стр. 617

هذا والله الّذي حال بينكم وبين خبر السماء) «١» . أما حفظه أثناء نزوله، فقد وكّل الله- بإنزاله الروح الأمين، جبريل ﵇، ومع أن جبريل ﵇ له صفات عديدة، إلا أن من جمال الآية أنها ذكرت صفة عظيمة تناسب مقام إنزال القرآن وما يحتاج إليه هذا الإنزال من أمانة تقوم على حفظه، فذكرت صفة الأمانة لجبريل ﵇. أما حفظه إلى قيام الساعة- وهو أهم وأعظم أنواع الحفظ لطول المدة بين النزول وقيام الساعة، وكثرة الحاقدين على هذا الكتاب وما سيقع من فتن عظيمة- فلم يوكل- هذه المهمة لأحد أبدا غيره- فوعد المؤمنين بحفظه، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] ، فضمنّا بذلك أحسن الحفظ وأكمله وأتمه، لأنه حفظ من لا ينام ولا يغافل، ولا ينسى ولا يسهو، حفظ دائم متواصل ممن لا يموت ولا يزول- . وتدبر أخي القارئ كم في آية الحفظ من مؤكّدات، ويكفي أن الله- عز في علاه- قد ذكر فيها نفسه الشريفة المقدسة- خمس مرات- بصيغة الجمع، التي هي صيغة التعظيم، ليطمئن قلب القارئ أن الله سيحفظ كلامه حفظا تامّا يتناسب مع عظمته التامة التي خضع لها كل شيء. واعلم أخي القارئ أن الآية لم تذكر نوعا معينا للحفظ بل أطلقت الحفظ ليشمل جميع أنواعه: حفظ من الزيادة والنقصان، حفظ من التحريف والتبديل، حفظ لعلومه وفنونه، حفظ لقراءته وتجويده وتلاوته، حفظ لمجالسته ومذاكرته، حفظ في قلوب العباد وفي سطور السجلات، حفظ لحبه في قلوب التالين له العاملين به، وقد تم كل ذلك على الوجه الأتم الأكمل، باتفاق المسلمين وغيرهم. الفائدة الخامسة: على الداعية إلى الله- أن يملأ قلبه بالقرآن، حفظا وعلما، وتدبرا ودراية، لأن القرآن خير معين له على أداء مهمته الشريفة، وخير حافظ لقلبه من الشكوك والشبهات، استفدنا ذلك أن الله- ﵎ قد علل الغاية من نزول القرآن على قلب النبي ﷺ بأن يكون نذيرا. الفائدة السّادسة: يؤخذ من الآيات الكريمات أن أفصح اللغات وأبينها وأحسنها، هي

стр. 618

اللغة العربية، لأن الله- قد وصف اللسان العربي، الذي نزل به القرآن، بأنه مبين، وكأن اختيار هذا اللسان ليكون لغة القرآن روعي فيه أن يكون مبينا، فلو كانت لغة أبين وأفصح وأقدر على توصيل المعاني والتعبير عن المراد وترقيق القلوب، من اللسان العربي لنزل به القرآن. ويتفرع عليه: سوء أدب من يعتقد أن هناك لغة أشرف أو أفصح أو أشد ثراء أو أغزر معاني من اللغة العربية، وسوء أدب من يحب أن يدخل في كلامه مفردات لغة أخرى ظنّا منه أن هذا يرفع قدره عند السامعين، لأن الذي يرفع قدر المتكلم ويجعل لسانه فصيحا هو التكلم بالعربية لغة القرآن الكريم. ثانيا: تزكية قلبه ﷺ من حيث تعامله مع أصحابه وترفقه بهم . قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) [آل عمران: ١٥٩] . قال الإمام القرطبي ﵀: (ومعنى الآية: أنه ﷺ لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم، بيّن الرب- ﵎ أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه، «ولنت» : من لان يلين لينا و «الفظّ» الغليظ الجافي، وغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة، ومعنى «لانفضوا» : أي تفرقوا، والمعنى: يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم) «١» . وقال الإمام ابن كثير ﵀: (يقول تعالى مخاطبا رسوله ﷺ ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي: أي شيء جعلك لهم لينا، لولا رحمة الله بك وبهم، ثم قال ﵀: (والفظ: الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك: غَلِيظَ الْقَلْبِ أي لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم) «٢» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان ما جمع الله- ﵎ لنبيه ﷺ من رقة قلب وترفق

стр. 619

بأصحابه وخلق جميل ولسان طيب ووجه بشوش، فتجمع له أصحابه فأحبوه وافتدوه ﷺ بالمال والولد والأهل أجمعين، وقد بينت طرفا من رحمته وشفقته ﷺ بأزواجه وأصحابه وخدمه ويتامى المسلمين، مما يغني عن التفصيل هنا. ويتفرع عليه: وجوب أن يتحلى كل راع لأمر من أمور المسلمين- وكلنا راعون- بهذه الصفات الحميدة، وأن تسبق رحمتنا غضبنا، وهي من صفات الإله الكريم المتعال، كما يتفرع عليه ذم قاسي القلب فظ اللسان سيئ الخلق، الذي يقسو أكثر مما يرحم ويغضب أكثر مما يرضى، والأدهى والأمرّ من ذلك أن يتصور أن هذه الأخلاق- الذميمة شرعا- من مستلزمات الرجولة والفحولة، والصحيح أنها من أخلاق الشيطان وأعوانه، قال الشيخ السعدي ﵀: (فالأخلاق الحسنة من الرئيس تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص. والأخلاق السيئة من الرئيس تنفر الناس عن الدين، وتبغّضهم إليه مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟ أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به ﷺ من اللين وحسن الخلق والتأليف امتثالا لأمر الله وجذبا لعباد الله لدين الله) «١» . قلت: ليس هذا الأمر قاصرا على الرئيس في معاملة مرؤسيه، لكن هذا التوجيه الإلهي موجه إلى كل مسلم بالغ عاقل، وبقدر حب المسلم لرسوله الكريم ﷺ يكون الاقتداء بأخلاقه الفاضلة وسجاياه الحميدة ﷺ . وعلى كل أحد من المسلمين الأخيار يرى انفضاضا عنه ومجافاة له أن يعلم أن في خلقه سوآ وفي قلبه شرورا وفي وجهه عبوسا وفي لسانه عيوبا فليستعن بالله- وليغير ما به. الفائدة الثانية: إرشاد العباد إلى أن الذي يرقق القلوب ويطوعها للناس ويجعلها سهلة لينة هو رب القلوب والأبدان- ﵎، فهذا قلب النبي ﷺ أطهر قلوب الخلق وأشرفها وأطيبها، ما كان كذلك إلا برحمة الله- . ويتفرع على ذلك وجوب أن نسأل الله- ونتضرع إليه أن يحسّن أخلاقنا ويطهر قلوبنا ويجعلها رحيمة بعباده.

стр. 620

الفائدة الثّالثة: أوضحت الآية رفيع قدر النبي ﷺ عند ربه- ﵎.، ونلمحه في أمرين توجّه بهما الخالق- لنبيه ﷺ وهما الأمر بالعفو عن المسلمين الذين أساؤا له ﷺ ، ويتبين من الآية أنه لولا عفو الرسول ﷺ عنهم لأخذهم الله- بهذه الإساءة صغيرة كانت أو كبيرة، والأمر الثاني: الاستغفار لأصحابه ﵃، ومنها يتبين فضل دعاء النبي ﷺ ، ولو كان استغفاره ﷺ يتساوى مع استغفارهم لأنفسهم ولا يتفاضل عليه، لأمر الله المؤمنين بالاستغفار لأنفسهم- خاصة أن الاستغفار عبادة- وقد ظهر هذا الأمر جليّا في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] ، وقوله- جل في علاه-: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) [المنافقون: ٥] . قال الشيخ السعدي ﵀: (ثم أمره تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ﷺ ويستغفر لهم في التقصير في حق الله فيجمع بين العفو والإحسان) «١» . قلت: وهذا من أوجه التربية الفاضلة للنبي ﷺ . ونقل الإمام القرطبي عن بعض العلماء كلاما لطيفا في حكمة تدرج أوامره لنبيه ﷺ في هذه الآية حيث قالوا: (أمره أن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور) «٢» . ثالثا: تزكية قلبه ﷺ من حيث صدقه وحضوره وعدم كذبه . قال تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] . قال الشيخ السعدي ﵀: (أي: اتفق فؤاد الرسول ﷺ ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه وقلبه وبصره، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم يشك في ذلك، ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى ﷺ ليلة أسري به، من آيات الله العظيمة، وأنه تيقّنه حقّا بقلبه ورؤيته، هذا هو الصحيح في تأويل الآية الكريمة، وقيل: إن المراد بذلك رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة الإسراء وتكليمه إياه، وهذا اختيار كثير من العلماء ﵏، فأثبتوا بذلك رؤية الرسول ﷺ لربه في الدنيا،

стр. 621

ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل ﵇ كما يدل عليه السياق، وأن محمدا ﷺ رأى جبريل في صورته الأصلية- التي هو عليها- مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله ﷺ ولهذا قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) [النجم: ١٣] أي رأى محمد جبريل مرة أخرى نازلا إليه) «١» . والقولان اللذان ذكرهما الشيخ في أول كلامه لا يتعارضان بل يجب الأخذ بهما جميعا، فهذه الآية وإن نزلت في سياق الحديث عن حادثة المعراج لتثبت أن النبي ﷺ تيقين ما رآه بقلبه ونظره، إلا أنها عامة في كل ما أوحاه الله إليه من قبل ومن بعد، فالعبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سبب نزولها. وصاحب النظر يرى أن الحاجة إلى تواطؤ قلب وبصر النبي ﷺ على تلقي الوحي، أعظم من الحاجة إلى تواطؤ قلبه وبصره ﷺ على ما رآه من مشاهد عظيمة ليلة الإسراء والمعراج، فإذا كان الله- قد مكّن قلبه ﷺ من الرؤية ليلة الإسراء بحيث لا يكذّب قلبه أبدا ما رآه بصره، فمن باب أولى مكن قلبه من الوحي طيلة حياته ﷺ . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: شدة قلبه ﷺ وقوته، إذ ثبت القلب ولم يذهب مع عظيم ما رآه بالملأ الأعلى، كما يؤخذ من الآية أيضا، حضور قلبه ﷺ كحضور بصره سواء بسواء، وكما أن القلب لم يكذب فإن البصر أيضا لم يذهل، ولولا ذلك لاختلف ما يراه البصر عما يراه الفؤاد ولو في شيء قليل. الفائدة الثانية: نتعلم من الآية أن القلب هو الذي قد يغافل ويذهل خاصة في الوقائع العظيمة- وهذا هو المشاهد في الصلاة مثلا- ودليله من الآية أن الله- نفى عن القلب عدم الكذب فيما رآه البصر وما نفى الله- ذلك عن البصر. الفائدة الثّالثة: على المسلم في الملمات العظيمة أن يفرغ قلبه مما قد يشغله وينكب على ما هو فيه، خاصة عند قراءة القرآن وفي الصلاة، لأن حضور القلب أوعى للإنسان لما يراه ويسمعه ويقرأه.

стр. 622

رابعا: تزكية قلبه ﷺ من حيث اتصاله الدائم بربه- . عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن ﵁ أنّه سأل عائشة ﵂؛ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلّي أربعا، فلا تسل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا، فلا تسل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي ثلاثا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال: «يا عائشة إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» «١» . هذا من كمال أحواله البشرية ﷺ ، أن قلبه لا ينام، وهو من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، يدل عليه ما رواه البخاري في حديث الإسراء من طريق شريك عن أنس: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) «٢» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: كمال قلبه ﷺ حيث إن النوم صفة نقص تعتري النفس البشرية، فلما ثبت لقلبه ﷺ عدم النوم أبدا، كان ذلك صفة كمال له. الفائدة الثانية: تعلق قلبه ﷺ الدائم بالله- ، إذ لو قدر أن يغافل قلبه ﷺ في حال اليقظة لكان النوم بالنسبة إليه أولى، وأعتقد أن الاتصال الدائم بالله هو الهدف الرئيس من عدم نوم قلوب الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا. الفائدة الثّالثة: صحة الوحي إلي النبي ﷺ وهو نائم، نقل صاحب الفتح عن الخطابي قوله: (وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه) «٣» ، وقال ابن حجر ﵀: (ولو لم تكن رؤيا الأنبياء وحيا لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ولده) «٤» . قلت: ولو لم تكن وحيا لما أثنى الله على إبراهيم ﵇ بالإقدام على ذبح ابنه ولما أثنى على الابن بالتسليم بأمر الله . والدليل على صحة الوحي إليه ﷺ وهو نائم، أنه كان ينزل عليه القرآن وهو نائم، والقرآن أشرف ما نزل على النبي ﷺ من وحي، روى مسلم في صحيحه: عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثمّ رفع رأسه متبسّما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: «أنزلت عليّ آنفا

стр. 623

سورة، فقرأ: بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) » . الفائدة الرّابعة: النوم في حقه ﷺ غير ناقض للوضوء، وهذا هو الصحيح، لما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه ﷺ نام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ. قال الحافظ في التلخيص الحبير: (لا ينتقض وضوءه ﷺ بالنوم) «١» . ٣- تزكية لسانه ﷺ : قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] . قال الإمام القرطبي ﵀: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) ، أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض وإنما يقول ما أمر بتبليغه إلى الناس موفورا من غير زيادة ولا نقصان) «٢» . وقال الشيخ السعدي ﵀: (ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) . أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى في نفسه وفي غيره) «٣» . بعض فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: في الآيتين الكريمتين أبلغ التزكية للسان النبي ﷺ (فهو عضو النطق) ؛ إذ نزهه الله- ﵎ عن أي نطق فيه هوى، بل في الآيتين أبلغ تزكية لكل أحوال النبي ﷺ ، لأن اللسان الذي قد يزل دون شعور من صاحبه، وقد يخطئ دون قصد منه، قد نزهه الله غاية التنزيه عن كل قول سوء فما بالنا ببقية جوارحه ﷺ ، وما اللسان إلا كالمترجم عنها، حقيق بتلك الجوارح أن تكون في غاية التنزيه عن كل ما يسوءها. ويتفرع على ذلك إثبات غاية العصمة للنبي ﷺ في كل أحواله وفي كل ما قاله ﷺ من جهة تنزيهه عن أن ينطق بالهوى، وإثبات أن كل ما نطق به ﷺ وحي من ربه- ﵎. الفائدة الثانية: إثبات أن للسنة الشريفة نفس منزلة القرآن الكريم حيث حكم الله- على كل ما ينطق به النبي ﷺ بأنه وحي منه- ﵎، قال الشيخ السعدي ﵀: (دلت الآية على أن السنة وحي من الله لرسوله ﷺ ، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١] ، وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه لأن كلامه لا يصدر عن

стр. 624

هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى) . انتهى. وقد ذكرت في باب «تربية أزواج النبي ﷺ على أحسن الأقوال والأفعال والأخلاق» أن المقصود بالحكمة في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) [الأحزاب: ٣٤] ، أنها السنة الشريفة. الفائدة الثّالثة: يؤخذ من الآيتين الكريمتين، استحالة وجود تعارض أو تناقض بين القرآن الكريم والسنة الشريفة، أو تعارض بين القرآن والقرآن، أو بين السنة والسنة، إذ كلها وحي من الله- ﵎، ويستحيل أن يتكلم الله بما فيه التعارض، قال تعالى-: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء: ٨٢] ، ووجود شبهة التعارض عند الإنسان، قد يرجع إلى قلة علمه، خاصة بالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، أو لقلة الفهم، فقد يكون الإنسان عالما، وليس لديه حاسة التدبر والاستنباط والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، وقد فرق الله- بين العلم والفهم في قوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: ٧٩] ، وإثبات ملكة الفهم من السنة، نستشهد عليه بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة ﵁ قال: (قلت لعليّ ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلّا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما أعلمه إلّا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وألايقتل مسلم بكافر) «١» . وقد يرجع شبهة التعارض والتناقض إلى سوء القصد واتباع الهوى. ٤- تزكية بصره ﷺ : قال تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: ١٧] ، هذه الآية الكريمة من أعظم الآيات التي تدلل على حسن خلقه ﷺ عامة ورفيع أدبه خاصة، ولو لم يكن في القرآن ولا في السنة غير هذه الآية في ذكر خلق النبي ﷺ لكفته ﷺ فخرا، وللأسف الشديد قد يمر المسلم عليها ويقرأها كثيرا ولا يستشعر ما فيها من كريم خلقه ﷺ ، فهذه الآية وردت في معرض ذكر حادثة المعراج بالنبي ﷺ إلى السماء السابعة ثم إلى سدرة المنتهى ثم إلى ما شاء الله تعالى، وبالرغم أن من جملة حكم هذه الحادثة هو أن يرى النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى قال تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ

стр. 625

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] إلا أنه ﷺ من كمال أدبه ورفيع خلقه لم يلتفت يمنة أو يسرة للنظر في هذا الملكوت العظيم، والذي ليس به موضع شبر واحد، إلا وفيه آية من آيات الرب- ﵎، ولكنه ﷺ لم يمتد بصره إلا لما أذن الله له أن يرى، ولن يستطيع أحد مهما أوتي من علم وحكمة أن يتصور مثل هذا الخلق الرفيع أو يقيمه أو يقدره، وليس هذا من باب المبالغة، والسبب في ذلك أن أحدا منا لن يستطيع أن يتصور بعقله عظيم ملكوت الله وما به من آيات كبيرة، والتي استطاع النبي ﷺ بخلقه أن يقصر نظره عنها، فهو خلق عظيم يتناسب مع ما في ملك الله من آيات، فهل بعد هذا الخلق من خلق. وتصور أخي القارئ أنك دخلت قصرا لملك من ملوك الدنيا تعلم أن فيه ما لم تره عينك ولم تسمع به أذنك ولم يخطر من قبل على قلبك، فكم من أدب تحتاج أن يكون معك حتى لا تنظر يمنة أو يسرة، وشتان شتان بين ما عند الله- ﵎ من آيات وما عند الملوك، والفارق بينهما كالفارق بين الثرى والثريا، بل الفارق أعظم من ذلك بكثير، ولولا أن هذا الفعل من النبي ﷺ كان خلقا رفيعا منه، ما ذكره الله- في القرآن العظيم في سياق الثناء والمدح. وأقول: إذا كان هذا خلقه ﷺ فيما لا يقدر عليه غيره، فكيف يكون خلقه فيما يقدر عليه غيره، وإذا كان هذا الأدب منه ﷺ فيما لم يؤمر، فكيف يكون أدبه ﷺ فيما أمر به أو نهي عنه. قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (قال ابن عباس- ﵄: ما ذهب يمينا ولا شمالا وما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن قول الناظم: رأى جنة المأوى وما فوقها ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها «١» وقال الشيخ السعدي ﵀: (وهذا كمال الأدب منه ﷺ أن قام مقاما أقامه الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور إما ألا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه ﷺ «٢» .

стр. 626

بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان مدى اتساع علم الله- ﵎ الذي أحاط بكل شيء، خفيا كان أو جليا، ظاهرا كان أو باطنا، بالليل كان أو بالنهار، ودليله من الآية أن الله- قد رأى من عبده محمد ﷺ أنه لم يلتفت يسارا ولا يمينا طيلة رحلته المباركة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السماء السابعة مرورا بالفضاء الخارجي وبقية السماوات إلى سدرة المنتهى ولم يخف عليه- أن النبي ﷺ لم يلتف يمنة أو يسرة، ولو بطرف بصره. الفائدة الثانية: إرشاد الأمة أن للبصر خلقا يجب التخلق به، وأن له حدودا يجب أن لا يتعداها، وكذا للسمع والفؤاد، قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٦] . الفائدة الثّالثة: سوء أدب من يلتفت يمينا ويسارا، في طريقه إلى الله- ومظاهر ذلك الالتفات وعلاماته كثيرة، فهذا يطلب الكرامات التي لم يعد الله أن يجريها على يد كل مسلم ويتطلع إليها ويجد شكا في قلبه إذا لم يرها، ولم يكفه أعظم الكرامات، وهي أن الله جعله مسلما وهداه للإيمان والقيام بالأركان، وآخر يريد معرفة الحكم والعلل لكل حكم من أحكام الشرع الحنيف، ولم يكتف بما وضحه الله- وبينه من علل بعض الأحكام، وثالث يطلب الهداية من مناهج أخرى مع الكتاب والسنة أو بدونهما. ٥- تزكية خلقه ﷺ : قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . أكتفي هنا بذكر ما قاله الشيخ السعدي ﵀ في تفسير تلك الآية الكريمة التي زكّت خلق النبي ﷺ تزكية عظيمة، ليس قبلها ولا بعدها تزكية، إذ قال ﵀ ما نصه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ أي: عليا به، مستعليا بخلقك الذي منّ الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين [عائشة ﵂] لمن سألها عنه، فقالت: (كان خلقه القرآن) . وذلك نحو قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١١٩] ، وقوله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] ، لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٨) [التوبة: ١٢٨] . وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات

стр. 627

الحاثات على الخلق العظيم، فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلا لينا، قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبدّ به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيرته غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ «١» . وأضيف كلمة موجزة بعد هذا الكلام النفيس فأقول: على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقارن خلقه بخلق النبي ﷺ ، فما كان فيه من خلق يخالف خلقه ﷺ فليعلم أنه خلق قبيح يجب أن ينتهي عنه. وللتدليل على حسن خلقه ﷺ دوما، قبل البعثة وبعدها، أورد حديثين أثبت بهما ذلك، وفي ثنايا هذا الكتاب عشرات الأحاديث في ذكر حسن خلقه ﷺ . شاهد على خلقه ﷺ قبل البعثة: عن عائشة أمّ المؤمنين أنّها قالت: (أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثّالثة ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) [العلق: ١- ٣] . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: «زمّلوني زمّلوني» . فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلّا والله ما يخزيك الله أبدا إنّك؛ لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري

стр. 628

الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة- وكان امرآ قد تنصّر في الجاهليّة وكان يكتب الكتاب العبرانيّ فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي- فقالت له خديجة: يا بن عمّ اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا النّاموس الّذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك!! فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم!» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب ورقة أن توفّي وفتر الوحي «١» . الشّاهد في الحديث: أن خديجة ﵂ قد ذكرت طرفا من أخلاق الرسول ﷺ ، يدل على عظيم خلقه، فإذا كان هذا خلقه قبل البعثة، ونزول القرآن عليه، فكيف كان خلقه ﷺ بعد ذلك، ويتبين لنا من الحديث أن الله- قد اعتنى بالأنبياء منذ نشأتهم، وقد وضحت ذلك في عدة في مواضع. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: كمال خلق النبي ﷺ قبل البعثة- إذ جمعت له خديجة ﵂ جميع مكارم الأخلاق التي يمكن أن يتصف بها أحد، ومن هذا الوصف نعرف أنه كان ﷺ يحسن إلى من يعرف وتربطه به صلة (صاحب الرحم) ، ويحسن إلى من لا يعرف (المعدوم) ، ويحسن إلى من لا يحتاج (الضيف) ، ويحسن إلى من يحتاج (الكلّ) ، ثم الأجمل والأتم، يحسن إلى كل من نزلت به نازلة (تعين على نوائب الحق) ، وهو من أوسع أعمال الخير، لأن هذه الإعانة لا تقتصر على باب واحد من أبواب الخير، لأن صاحب النازلة قد يحتاج إلى مساعدة بالمال، وقد يحتاج إلى مساعدة بالجاه، وقد يحتاج إلى مساعدة بالتصبير والمواساة، أو إلى النصح والمشورة، أو إلى إعالة أحد الأبناء، فكان صاحب النابئة يجد عند الرسول ﷺ كل ذلك. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفته به «٢» . وقال الإمام النووي ﵀: وأما (صلة الرحم) فهي

стр. 629

الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك. ويدخل في حمل الكلّ الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال وهو الإعياء. وأما قولها: (وتكسب المعدوم) فمعناه: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق وقيل: معناه: تكسب المال العظيم الذي يعجز عنه غيرك ثم تجود به في وجوه الخير وأبواب المكارم وأما قولها: (وتقري الضيف) ويقال للطعام الذي يضيفه به: قرى ويقال لفاعله: قار، مثل قضى فهو قاض. وأما قولها: (وتعين على نوائب الحق) فالنوائب جمع نائبة وهي الحادثة إنما قالت نوائب الحق؛ لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر «١» . الفائدة الثانية: قولها: (أول ما بدئ من رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم) فيه: ١- أن الرؤيا الصالحة من مبشرات النبوة، بل هي أول المبشرات، يؤخذ ذلك من الحديث الذي رواه البخاري، عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصّامت عن النّبيّ ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة» . وكما ثبت في القرآن الكريم، أن يوسف ﵇، كان أول ما بدئ به، الرؤيا الصالحة، قال تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤] . ٢- الرؤيا الصالحة، أي الصادقة، لا تختص بالمؤمنين، ولكن قد تأتي لغير المؤمنين، مثال ذلك رؤيا ملك مصر، قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] ، وقد تحققت الرؤيا بكامل تفاصيلها، كما رأى صاحبا يوسف في السجن رؤيتين قد تحققتا، وكانا كافرين، والدليل على ذلك أن يوسف ﵇ قد دعاهما إلى الإسلام قبل أن يؤول رؤياهما، قال تعالى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) [يوسف: ٣٩] ، ولكن لا تكون تلك الرؤى بشرى للكافر. ٣- تعبير الرؤى فضل من الله- ، تفضل به على بعض عباده المؤمنين، والدليل على ذلك أن الملأ قالوا لملك مصر: أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [يوسف: ٤٤] ، أي أن تأويل الأحلام له علماء متمرسون، والدليل على أنه فضل من الله، قول يوسف ﵇ في آخر ما ذكر القرآن من قصته، قال تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ

стр. 630

وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يوسف: ١٠١] . فقد أثبت أن الله هو الذي علمه تفسير الرؤى، بل أثبت أنها من المنن العظيمة؛ لأن يوسف ﵇ قد أثنى على الله بتعليمه لها، وقرنها بنعمة الملك. وإذا كان تأويل الرؤى علما ربانيّا فلا ينبغي لأحد أبدا أن يتكلم فيه بدون دراية، كما ينبغي لمن عنده هذا العلم، أن يشكر الله كثيرا على تلك النعمة، ولا يفوتني أن أذكر أن النبي ﷺ قد أوتي ذلك العلم، لما رواه مسلم عن سمرة بن جندب قال: كان النّبيّ ﷺ إذا صلّى الصّبح أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا» . ٤- ما يراه النائم على ثلاثة أضرب، رؤيا صالحة تكون بشرى للمؤمن، يراها أو ترى له، فلا يقصّها المؤمن إلا على من يحب، قال تعالى على لسان يعقوب ناصحا ابنه: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [يوسف: ٥] . والضرب الثاني: حلم من الشيطان، فعلى المسلم أن يتفل إذا رأى شيئا من ذلك، وينقلب على جنبه الآخر ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره بإذن الله، لما رواه البخاري، عن أبي سعيد الخدريّ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبّها فإنّما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدّث بها، وإذا رأى غير ذلك ممّا يكره فإنّما هي من الشّيطان فليستعذ من شرّها ولا يذكرها لأحد فإنّها لا تضرّه» . والضرب الثالث: يرى النائم أضغاث أحلام لا معنى لها غالبا، فلا يذكر منها شيئا بعد يقظته. ٥- من الذنوب العظيمة، أن يدعي الإنسان رؤيا لم يرها، لما ورد في صحيح البخاري، عن ابن عبّاس عن النّبيّ ﷺ قال: «من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» «١» . ٦- لماذا يبدأ الوحي بالرؤيا الصالحة؟ يبدأ الوحي بالرؤيا الصالحة، لتكون بمثابة إرهاصات للنبوة، وتكون إعدادا نفسيّا وذهنيّا للأنبياء، لتحمل أعباء أعظم المهام في هذه الدنيا، وهي الدعوة إلى الله- ، يشعر بها النبي- قبل الوحي- أنه غير البشر العاديين، وأن الله- سيختصه بشيء عظيم، حتى إذا جاءه الوحي لم يكن مفاجئا له، أو يظن أن ذلك توهمات من الشيطان، لأنه إذا تدبر حاله وما كان يراه قبل

стр. 631

البعثة من رؤى صالحة اطمئنت نفسه أن ما يراه ويسمعه من وحي الله حقّ وصدق، فإذا كان الشيطان لم ينزغ به وهو نائم، فكيف ينزغ به وهو يقظان، كما أن أهله، والمقربين منه، الذين يعلمون منه الرؤيا الصالحة، إذا سمعوا منه أنه يوحى إليه من ربه كانوا أول المصادقين به، كخديجة ﵂ وصاحبه أبي بكر الصديق، فقد يكون تصديق أبي بكر له من أول وهلة وبدون أدنى تردد كان بسببه علمه بالرؤيا الصالحة للرسول ﷺ ، قبل البعثة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر) «١» . وقال الإمام النووي ﵀: (قال القاضي ﵀ وغيره من العلماء: إنّما ابتدئ ﷺ بالرّؤيا لئلّا يفجأه الملك ويأتيه صريح النّبوّة بغته فلا يحتملها قوى البشريّة فبدئ بأوّل خصال النّبوّة وتباشير الكرامة من صدق الرّؤيا) «٢» . [مسألتان مهمتان:] ويتفرع على الإعداد الذهني والنفسي الذي أشرت إليه مسألتان مهمتان: المسألة الأولى: يجب الإعداد الجيد ذهنيّا ونفسيّا لكل من يتولى ولاية سواء الكبرى أو الصغرى، سواء في الحياة المدنية أو العسكرية، يجب أن يعدّ إعدادا خاصّا بمعرفة العلوم التي يحتاج إليها، وإعدادا عامّا بالأخلاق والقيم التي يجب أن يتحلى بها كل من يتولى أمرا من أمور الرعية، ويدل على ذلك أن الله- قد هيأ نبيه للرسالة بالرؤيا الصالحة، التي كان يراها قبل البعثة، كما هيأه أيضا باشتغاله برعي الغنم، وكان ذلك له ولإخوانه من الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا، وقد ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» ، فقال أصحابه: وأنت، فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «٣» . المسألة الثانية: الإعداد الذهني والنفسي، يجب الاهتمام به ومراعاته، حتى في إلقاء الأخبار والأنباء العظيمة، التي قد يكذبها السامع من غرابتها، قد يؤخذ ذلك من أن رؤيا النبي ﵇ الصادقة، التي كانت تتحقق مثل فلق الصبح، يحتمل أنها كانت عونا لأصحابه على تصديقه في خبر الوحي، فإن قيل: من أين أخذت ذلك، قلت: أخذت ذلك من القرآن الكريم، ألم تر أن الله- حين ذكر معجزة عيسى ﵇، التي كانت فتنة لكثير من الناس لغرابتها، ذكر قبلها قصة زكريا ﵇، كيف اشتعل منه الرأس

стр. 632

شيبا، وكانت امرأته عاقرا، وكيف لم يكلم الناس ثلاث ليال، بغير مرض في لسانه، وكانت تلك القصة بمعجزاتها كالتمهيد الذهني لمعجزة أعظم وأغرب على عقول الناس، وهي معجزة عيسى ﵇، واستخدم النبي نفس النهج وهو الإعداد الذهني والنفسي في أول يوم صدع فيه بالدعوة، كما ورد عند البخاري، عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النّبيّ ﷺ على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عديّ» ، لبطون قريش حتّى اجتمعوا، فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟» قالوا: نعم؛ ما جرّبنا عليك إلّا صدقا. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» . فيجب علينا أن ننتبه لهاتين المسألتين جيدا، وهما الإعداد الذهني والنفسي لمن سيتولى أمرا هامّا، أو من سنلقي عليه أخبارا لا يألفها. ٧- رؤيا الأنبياء حق، لقول عائشة: (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ، ولفظة (رؤيا) ، جاءت نكرة في سياق النفي، وهي تقتضي العموم، وحيث إن كل رؤى النبي ﷺ تتحقق، علمنا أن رؤيا الأنبياء حق؛ إذ لو كان للشيطان نصيب منها، لتحقق بعضها ولم يتحقق الآخر. ٨- رؤيا النبي ﷺ ، كانت تتحقق على وجه لا يختلف اثنان على تأويلها وتحققها، استفدنا ذلك من قول عائشة: (إلا جاءت مثل فلق الصبح) . فقد شبهت تحقق الرؤيا مثل ضياء الصبح، الذي لا يخالف أحد في وجوده وسطوعه، فكذلك رؤيا النبي ﷺ ، ولو اختلف عليها اثنان ما صح التشبيه قال الإمام النووي ﵀: (فلق الصبح هو ضياؤه وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البين) «٢» . الفائدة الثّالثة: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ ، كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، لقوله: «ما أنا بقارئ» . وهذا أبلغ في إقامة الحجة على الكفار، في أن القرآن الذي أعجز العرب والعجم كان من عند الله، ولو كان النبي ﷺ يقرأ ويكتب، لادعى الكفار أنه جاء بالقرآن، بعد أن تعلم وقرأ الكتب المنزلة على الرسل، وقد تيقن الكفار أن الرسول ﷺ كان أميّا وإلا

стр. 633

لما ادعوا أن الذي يعلمه ويكتب له أحد أصحابه، قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] ، ولكن الله- فضح كذبهم، وبين أن الذي يدعون أنه يعلم الرسول ﷺ ، ليس من العرب بل هو رجل أعجمي، قال تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] ، حتى أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي ﷺ كان أميّا، بل تيقنوا أنه لم يقرأ كتب الرسل السابقين، لذلك كانوا يسألونه في مسائل يريدون أن يعجزوه بها، ليس لها جواب إلا في كتبهم، روى البخاري: أنّ عبد الله بن سلام بلغه مقدم النّبيّ ﷺ المدينة فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ: ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: «أخبرني به جبريل آنفا» «١» ، بذلك تعلم حكمة الله- في كون النبي ﷺ أميّا، ولو لم يكن للنبي ﷺ معجزة إلا أنه تكلم بجوامع الكلم مع كونه أميّا لا يقرأ ولا يكتب، لكفى ذلك حجة على الكفار بصدق نبوته ﷺ وقد بين الله تعالى رحمته بالناس حيث قدّر على رسوله أن يكون أميّا بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] . الفائدة الرّابعة: على المسلم إذا بدأ في طلب العلم، أو في تعليمه، أن يسمي الله- وأن ينخلع من حوله وقوته، ويكون يقينه بالله وحده، استفدنا ذلك من قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق: ١] قال الإمام ابن حجر ﵀: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، أي: لا تقرؤه بقوّتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربّك وإعانته، فهو يعلّمك، كما خلقك وكما نزع عنك علق الدّم وغمز الشّيطان في الصّغر، وعلّم أمّتك حتّى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمّيّة) «٢» . ومن رحمة الخالق بخلقه أنه يسر لهم أدوات العلم ولم يتركهم لغياهب الجهل، وهذا من مقتضيات الخلق، يؤيد ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨] ، فالله هو الذي منحنا تلك الحواس لنستعين بها على تلقي العلم حيث ذكرت تلك الحواس بعد ذكر خروج الناس من بطون الأمهات لا يعلمون أي شيء، والعلوم النافعة هي توفيق من الله- وفتح رباني، وبقدر ما جعل الله في تلك الحواس من حسن نظر وتفكر وفهم، كان صاحبها في

стр. 634

العلم أرسخ، كل ذلك شريطة أن يأخذ الإنسان العلم من منابعه الصحيحة، ويبذل فيه جهده، ويعمل فيه سمعه وبصره وقلبه، مع تقوى الله- لقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨] ، وليس في الآية أبدا دليل على ما يدعيه بعض الجهلة أن تقوى الله تأتي بعلم رباني- وهو ما يسمونه بالعلم اللادنّي- دون أن يتكلف الإنسان فيه، الصبر والمشقة وعناء طلب العلم وملازمة الشيوخ. الفائدة الخامسة: في قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) . والعلق: هو الماء المهين، هو أساس مادة الخلق، نفهم من ذلك ضالة قدر الإنسان في مقابل عظيم شأن الله حيث جاءت الآية التي تليها مباشرة: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) [العلق: ٣] ، والله- يذكرنا دائما في القرآن الكريم بضالة مادة الخلق، ليتبين لنا ضالة المخلوق من هذه المادة، والحكمة من ذلك ألا نغتر بما عندنا، ولا نتكبر على الخالق العظيم، وأن يكون ذلك رادعا لنا حتى لا نجادل في الله أو في آيات الله، قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: ٤] . الفائدة السّادسة: في قولها: (ثم حبّب إليه الخلاء) ، دليل آخر على اعتناء الله بنبيه ﷺ قبل البعثة، فقد حبب الله إليه الخلاء، وهو التعبد في خلوة، مع مظاهر الاعتناء الآخرى التي ذكرت في الكتب مبسوطة، قال الإمام النووي ﵀: (قال أبو سليمان الخطّابيّ ﵀: حبّبت العزلة إليه ﷺ لأنّ معها فراغ القلب، وهي معينة على التّفكّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشّع قلبه) «١» . ويتفرع على ذلك: ضرورة أن يربي الداعية نفسه على المجاهدة والصبر، وأن يجعل جزآ من عبادته لله في السر أو في خلوة، ليستعين بذلك على مجاهدة الناس والصبر على أذاهم، حتى تكون الخلوة معينا له على تحقيق الإخلاص؛ لأن جلّ أعمال الداعية يراها الناس، وقد يتهمه الشيطان بالرياء، فتأتي الخلوة لتزيل هذه الشبهة التي قد تعكر عليه صفو عبادته. ولا يشترط أن ينقطع تماما عن الناس ليحقق الخلوة التي فيها كمال الإخلاص، بل يكفيه أن تكون له بعض العبادات التي لا يراها أحد إلا الله- ، كقيام الليل، وذكر الله خاليا، حتى تفيض عيناه من خشية الله، وقد تكون في كفالة يتيم، أو صدقة جارية لا يعلمها إلا الله، وهذه الأمور من الضرورة بمكان لكل أحد، حتى يتأكد من نفسه الإخلاص، وحذار حذار، أن تعلم كلّ أحد بكل أعمالك التي تتقرب بها إلى الله، أو تحبّ

стр. 635

أن يطلع عليها الناس، فقد تكون هذه من علامات الرياء. الفائدة السّابعة: الأخذ بالأسباب سنة الأنبياء، وهي لا تنافي التوكل على الله- ، فالتوكل كما يعرّفه العلماء هو الأخذ بالأسباب مع قوة اليقين والثقة بالله، وغير ذلك لا يكون توكلا، ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في باب قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئا حتّى يأتيني رزقي. فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله جعل رزقي تحت ظلّ رمحي» «١» وقال: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» «٢» . فذكر أنّها تغدو وتروح في طلب الرّزق قال: وكان الصّحابة يتّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم) «٣» . انتهى. وسنة نبينا كلها مملوءة بمظاهر أخذه بالأسباب، منها حديث الباب في قول عائشة: (قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك) ، والتزود هو استصحاب الزاد، أمرنا الله به في محكم التنزيل، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة: ١٩٧] . ومن أراد أن يأخذ الدروس والعبر في حرص النبي ﷺ على الأخذ بالأسباب، فعليه بقراءة ما جاء في الهجرة المباركة، فكل خطوة خطاها النبي ﷺ أخذ فيها بأحسن الأسباب، كأن الهجرة كانت لتعليم الأمة الأخذ بالأسباب. ومن لا يأخذ بالأسباب ويدعي أن هذا هو منتهى التوكل، أقول له: أأنت أعلم أم الرسول ﷺ ؟! أأنت أشد توكلا أم الرسول؟، أقول له في النهاية: ماذا تقول في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: ٦٠] ، وقوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] ، فأثبت الرماية لرسوله الكريم ﷺ ، وكان التوفيق والتسديد منه- ولكن جاء بعد الأخذ بالأسباب. الفائدة الثّامنة: ما كان عليه الصحابة من تعظيم أمر الوحي، وما أنزل من الله- ، فكانوا يرون أنه الحق، والحق هو الصدق في الإخبار والعدل في الأحكام، ومن تلقى الوحي بهذا الاعتقاد، سارع في إقامة حدوده بتسليم وقبول، ورضي واطمئنان، لا
следующие страницы →