← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

البعثة من رؤى صالحة اطمئنت نفسه أن ما يراه ويسمعه من وحي الله حقّ وصدق، فإذا كان الشيطان لم ينزغ به وهو نائم، فكيف ينزغ به وهو يقظان، كما أن أهله، والمقربين منه، الذين يعلمون منه الرؤيا الصالحة، إذا سمعوا منه أنه يوحى إليه من ربه كانوا أول المصادقين به، كخديجة ﵂ وصاحبه أبي بكر الصديق، فقد يكون تصديق أبي بكر له من أول وهلة وبدون أدنى تردد كان بسببه علمه بالرؤيا الصالحة للرسول ﷺ ، قبل البعثة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر) «١» . وقال الإمام النووي ﵀: (قال القاضي ﵀ وغيره من العلماء: إنّما ابتدئ ﷺ بالرّؤيا لئلّا يفجأه الملك ويأتيه صريح النّبوّة بغته فلا يحتملها قوى البشريّة فبدئ بأوّل خصال النّبوّة وتباشير الكرامة من صدق الرّؤيا) «٢» . [مسألتان مهمتان:] ويتفرع على الإعداد الذهني والنفسي الذي أشرت إليه مسألتان مهمتان: المسألة الأولى: يجب الإعداد الجيد ذهنيّا ونفسيّا لكل من يتولى ولاية سواء الكبرى أو الصغرى، سواء في الحياة المدنية أو العسكرية، يجب أن يعدّ إعدادا خاصّا بمعرفة العلوم التي يحتاج إليها، وإعدادا عامّا بالأخلاق والقيم التي يجب أن يتحلى بها كل من يتولى أمرا من أمور الرعية، ويدل على ذلك أن الله- قد هيأ نبيه للرسالة بالرؤيا الصالحة، التي كان يراها قبل البعثة، كما هيأه أيضا باشتغاله برعي الغنم، وكان ذلك له ولإخوانه من الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا، وقد ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» ، فقال أصحابه: وأنت، فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «٣» . المسألة الثانية: الإعداد الذهني والنفسي، يجب الاهتمام به ومراعاته، حتى في إلقاء الأخبار والأنباء العظيمة، التي قد يكذبها السامع من غرابتها، قد يؤخذ ذلك من أن رؤيا النبي ﵇ الصادقة، التي كانت تتحقق مثل فلق الصبح، يحتمل أنها كانت عونا لأصحابه على تصديقه في خبر الوحي، فإن قيل: من أين أخذت ذلك، قلت: أخذت ذلك من القرآن الكريم، ألم تر أن الله- حين ذكر معجزة عيسى ﵇، التي كانت فتنة لكثير من الناس لغرابتها، ذكر قبلها قصة زكريا ﵇، كيف اشتعل منه الرأس

стр. 632

شيبا، وكانت امرأته عاقرا، وكيف لم يكلم الناس ثلاث ليال، بغير مرض في لسانه، وكانت تلك القصة بمعجزاتها كالتمهيد الذهني لمعجزة أعظم وأغرب على عقول الناس، وهي معجزة عيسى ﵇، واستخدم النبي نفس النهج وهو الإعداد الذهني والنفسي في أول يوم صدع فيه بالدعوة، كما ورد عند البخاري، عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النّبيّ ﷺ على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عديّ» ، لبطون قريش حتّى اجتمعوا، فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟» قالوا: نعم؛ ما جرّبنا عليك إلّا صدقا. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» . فيجب علينا أن ننتبه لهاتين المسألتين جيدا، وهما الإعداد الذهني والنفسي لمن سيتولى أمرا هامّا، أو من سنلقي عليه أخبارا لا يألفها. ٧- رؤيا الأنبياء حق، لقول عائشة: (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ، ولفظة (رؤيا) ، جاءت نكرة في سياق النفي، وهي تقتضي العموم، وحيث إن كل رؤى النبي ﷺ تتحقق، علمنا أن رؤيا الأنبياء حق؛ إذ لو كان للشيطان نصيب منها، لتحقق بعضها ولم يتحقق الآخر. ٨- رؤيا النبي ﷺ ، كانت تتحقق على وجه لا يختلف اثنان على تأويلها وتحققها، استفدنا ذلك من قول عائشة: (إلا جاءت مثل فلق الصبح) . فقد شبهت تحقق الرؤيا مثل ضياء الصبح، الذي لا يخالف أحد في وجوده وسطوعه، فكذلك رؤيا النبي ﷺ ، ولو اختلف عليها اثنان ما صح التشبيه قال الإمام النووي ﵀: (فلق الصبح هو ضياؤه وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البين) «٢» . الفائدة الثّالثة: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ ، كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، لقوله: «ما أنا بقارئ» . وهذا أبلغ في إقامة الحجة على الكفار، في أن القرآن الذي أعجز العرب والعجم كان من عند الله، ولو كان النبي ﷺ يقرأ ويكتب، لادعى الكفار أنه جاء بالقرآن، بعد أن تعلم وقرأ الكتب المنزلة على الرسل، وقد تيقن الكفار أن الرسول ﷺ كان أميّا وإلا

стр. 633

لما ادعوا أن الذي يعلمه ويكتب له أحد أصحابه، قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] ، ولكن الله- فضح كذبهم، وبين أن الذي يدعون أنه يعلم الرسول ﷺ ، ليس من العرب بل هو رجل أعجمي، قال تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] ، حتى أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي ﷺ كان أميّا، بل تيقنوا أنه لم يقرأ كتب الرسل السابقين، لذلك كانوا يسألونه في مسائل يريدون أن يعجزوه بها، ليس لها جواب إلا في كتبهم، روى البخاري: أنّ عبد الله بن سلام بلغه مقدم النّبيّ ﷺ المدينة فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ: ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: «أخبرني به جبريل آنفا» «١» ، بذلك تعلم حكمة الله- في كون النبي ﷺ أميّا، ولو لم يكن للنبي ﷺ معجزة إلا أنه تكلم بجوامع الكلم مع كونه أميّا لا يقرأ ولا يكتب، لكفى ذلك حجة على الكفار بصدق نبوته ﷺ وقد بين الله تعالى رحمته بالناس حيث قدّر على رسوله أن يكون أميّا بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] . الفائدة الرّابعة: على المسلم إذا بدأ في طلب العلم، أو في تعليمه، أن يسمي الله- وأن ينخلع من حوله وقوته، ويكون يقينه بالله وحده، استفدنا ذلك من قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق: ١] قال الإمام ابن حجر ﵀: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، أي: لا تقرؤه بقوّتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربّك وإعانته، فهو يعلّمك، كما خلقك وكما نزع عنك علق الدّم وغمز الشّيطان في الصّغر، وعلّم أمّتك حتّى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمّيّة) «٢» . ومن رحمة الخالق بخلقه أنه يسر لهم أدوات العلم ولم يتركهم لغياهب الجهل، وهذا من مقتضيات الخلق، يؤيد ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨] ، فالله هو الذي منحنا تلك الحواس لنستعين بها على تلقي العلم حيث ذكرت تلك الحواس بعد ذكر خروج الناس من بطون الأمهات لا يعلمون أي شيء، والعلوم النافعة هي توفيق من الله- وفتح رباني، وبقدر ما جعل الله في تلك الحواس من حسن نظر وتفكر وفهم، كان صاحبها في

стр. 634

العلم أرسخ، كل ذلك شريطة أن يأخذ الإنسان العلم من منابعه الصحيحة، ويبذل فيه جهده، ويعمل فيه سمعه وبصره وقلبه، مع تقوى الله- لقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨] ، وليس في الآية أبدا دليل على ما يدعيه بعض الجهلة أن تقوى الله تأتي بعلم رباني- وهو ما يسمونه بالعلم اللادنّي- دون أن يتكلف الإنسان فيه، الصبر والمشقة وعناء طلب العلم وملازمة الشيوخ. الفائدة الخامسة: في قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) . والعلق: هو الماء المهين، هو أساس مادة الخلق، نفهم من ذلك ضالة قدر الإنسان في مقابل عظيم شأن الله حيث جاءت الآية التي تليها مباشرة: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) [العلق: ٣] ، والله- يذكرنا دائما في القرآن الكريم بضالة مادة الخلق، ليتبين لنا ضالة المخلوق من هذه المادة، والحكمة من ذلك ألا نغتر بما عندنا، ولا نتكبر على الخالق العظيم، وأن يكون ذلك رادعا لنا حتى لا نجادل في الله أو في آيات الله، قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: ٤] . الفائدة السّادسة: في قولها: (ثم حبّب إليه الخلاء) ، دليل آخر على اعتناء الله بنبيه ﷺ قبل البعثة، فقد حبب الله إليه الخلاء، وهو التعبد في خلوة، مع مظاهر الاعتناء الآخرى التي ذكرت في الكتب مبسوطة، قال الإمام النووي ﵀: (قال أبو سليمان الخطّابيّ ﵀: حبّبت العزلة إليه ﷺ لأنّ معها فراغ القلب، وهي معينة على التّفكّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشّع قلبه) «١» . ويتفرع على ذلك: ضرورة أن يربي الداعية نفسه على المجاهدة والصبر، وأن يجعل جزآ من عبادته لله في السر أو في خلوة، ليستعين بذلك على مجاهدة الناس والصبر على أذاهم، حتى تكون الخلوة معينا له على تحقيق الإخلاص؛ لأن جلّ أعمال الداعية يراها الناس، وقد يتهمه الشيطان بالرياء، فتأتي الخلوة لتزيل هذه الشبهة التي قد تعكر عليه صفو عبادته. ولا يشترط أن ينقطع تماما عن الناس ليحقق الخلوة التي فيها كمال الإخلاص، بل يكفيه أن تكون له بعض العبادات التي لا يراها أحد إلا الله- ، كقيام الليل، وذكر الله خاليا، حتى تفيض عيناه من خشية الله، وقد تكون في كفالة يتيم، أو صدقة جارية لا يعلمها إلا الله، وهذه الأمور من الضرورة بمكان لكل أحد، حتى يتأكد من نفسه الإخلاص، وحذار حذار، أن تعلم كلّ أحد بكل أعمالك التي تتقرب بها إلى الله، أو تحبّ

стр. 635

أن يطلع عليها الناس، فقد تكون هذه من علامات الرياء. الفائدة السّابعة: الأخذ بالأسباب سنة الأنبياء، وهي لا تنافي التوكل على الله- ، فالتوكل كما يعرّفه العلماء هو الأخذ بالأسباب مع قوة اليقين والثقة بالله، وغير ذلك لا يكون توكلا، ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في باب قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئا حتّى يأتيني رزقي. فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله جعل رزقي تحت ظلّ رمحي» «١» وقال: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» «٢» . فذكر أنّها تغدو وتروح في طلب الرّزق قال: وكان الصّحابة يتّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم) «٣» . انتهى. وسنة نبينا كلها مملوءة بمظاهر أخذه بالأسباب، منها حديث الباب في قول عائشة: (قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك) ، والتزود هو استصحاب الزاد، أمرنا الله به في محكم التنزيل، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة: ١٩٧] . ومن أراد أن يأخذ الدروس والعبر في حرص النبي ﷺ على الأخذ بالأسباب، فعليه بقراءة ما جاء في الهجرة المباركة، فكل خطوة خطاها النبي ﷺ أخذ فيها بأحسن الأسباب، كأن الهجرة كانت لتعليم الأمة الأخذ بالأسباب. ومن لا يأخذ بالأسباب ويدعي أن هذا هو منتهى التوكل، أقول له: أأنت أعلم أم الرسول ﷺ ؟! أأنت أشد توكلا أم الرسول؟، أقول له في النهاية: ماذا تقول في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: ٦٠] ، وقوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] ، فأثبت الرماية لرسوله الكريم ﷺ ، وكان التوفيق والتسديد منه- ولكن جاء بعد الأخذ بالأسباب. الفائدة الثّامنة: ما كان عليه الصحابة من تعظيم أمر الوحي، وما أنزل من الله- ، فكانوا يرون أنه الحق، والحق هو الصدق في الإخبار والعدل في الأحكام، ومن تلقى الوحي بهذا الاعتقاد، سارع في إقامة حدوده بتسليم وقبول، ورضي واطمئنان، لا

стр. 636

يري شيئا أحق منه بالاتباع؛ لأنه الحق وخلافه الظلم، استفدنا ذلك من قول عائشة: (حتى جاءه الحق) ولا يقال: إن المقصود بالحق هنا هو جبريل، لأنها قالت بعدها مباشرة: (فجاءه الملك) ، والملك هو جبريل، قال الإمام النووي ﵀: (أي جاءه الوحي) «١» . الفائدة التّاسعة: قوله: «فغطني حتى بلغ منى الجهد» ، أي ضمني وعصرني حتى بلغ مني التعب غايته، يصدق ذلك قوله لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» . قال النووي ﵀: (قال العلماء: والحكمة في الغطّ شغله من الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له وكرّره ثلاثا مبالغة في التّنبّه ففيه أنّه ينبغي للمعلّم أن يحتاط في تنبيه المتعلّم وأمره بإحضار قلبه) «٢» . والعجيب أن يفعل جبريل ﵇ هذا مع الرسول في أول لقاء معه، والذي يفترض فيه أن يكون أكثر ودا وتلطّفا، ولكن هكذا يربّى النبيّ من اليوم الأول للبعثة، يعوّد نفسه على أعباء الرسالة، ويؤهل نفسه على ما سينزل عليه من ربه، قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) [المزمل: ٥] . ولا يخفى على أحد ما كان يعانيه النبي من شدة عند نزول الوحي، فقد ورد في البخاري، عن عائشة أمّ المؤمنين ﵄ أنّ الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» . قالت عائشة ﵂: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا) «٣» . وكذلك شدد عليه جبريل ﵇ من أول يوم ليتحمل الأمر في معاندة أهل الزيغ والضلال، فقد روى البخاري، عن عبد الله أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيّكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتّى سجد النّبيّ ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كان لي منعة!! قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتّى جاءته فاطمة فطرحت عن

стр. 637

ظهره فرفع رسول الله ﷺ رأسه) «١» . وعلى ولي الأمر أن يأخذ درسا من ذلك، إذا أراد أن يربي من يعول، فهكذا تكون التربية، الأخذ بالشدة أولى، والشدة لا تعني عدم الرحمة والشفقة، ولكنها تعني عدم الترف، وعدم تلبية كل ما يحتاج إليه المتربّي، حتى لو كان نافعا. وقد تجلت التربية الربانية للرسول طوال حياته، انظر إلى صبره على أذى المنافقين والكافرين، انظر إلى شجاعته في الغزوات والمعارك، انظر كيف كان يتحمل المرض والجوع، انظر كيف كان يعالج عوام المسلمين أصحاب الجفاء والغلظة، بل كيف تحمل انقطاع الوحي في حادثة الإفك. الفائدة العاشرة: نأخذ من قولها ﵂: (فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده) ، مع قوله: «لقد خشيت على نفسي» ، وأن الخوف أمر مجبول عليه الإنسان، ولا يقدح في قوته ولا يقلل من شأنه، ولا يتعارض مع خوف الإنسان من ربه، خاصة إذا رأى ما يهدد حياته ويعصف بها، المهم أن يعلم وهو في حالة الخوف، أن الله هو المنجي من المهالك، ولن يضره أحد إلا بإذن الله، وبشيء قد كتبه الله عليه، قال الإمام النووي ﵀ (ربما خشي ألا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسه) «٢» وذكر الإمام ابن حجر عدة أقوال عن حقيقة الخوف الذي انتاب النبيّ ﷺ رجح منها ثلاثة أقوال؛ وهي: أن يكون خوفه ﷺ من الموت لشدة الرعب، أو المرض، أو دوام المرض «٣» ، ومما يؤيد أن الخوف أمر مجبول عليه الإنسان- ولو كان نبيّا- قوله تعالى على لسان موسى وهارون: قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) [طه: ٤٥] الفائدة الحادية عشرة: ما يجب أن تكون عليه الزوجة مع زوجها، وكذلك الزوج مع زوجته، نتعلم ذلك من النقاط التالية: ١- يجب على الزوج أن يعلم أن الزوجة هي خير سكن له، يلجأ إليها عند نزول الأمر الجلل وغيره، يستشيرها في أمره، ويشكو إليها ما يجده من مصاعب الحياة، ولا يقدح ذلك في رجولته، لأنها سنة الله في هذا الكون، قال تعالى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الأعراف: ١٨٩] ، ولو كان اللجوء إلى الصاحب أولى وأنفع في تلك المواقف، لذهب النبي ﷺ إلى أبي بكر الصديق وهو

стр. 638

الرجل الحكيم ولكن ما ذهب إلا لخديجة، علمنا ذلك من قولها: (فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده فدخل على خديجة) ، وقولها: (فقال لخديجة وأخبرها الخبر) . قال الحافظ ابن حجر: (من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه) «١» . ٢- يجب على الزوجة أن تهدئ من روع زوجها، وتكون له خير معين على مصائب الدنيا وهمومها وغمومها، وتقول له ما يناسب المقام، ولا يمكن أن تقوم المرأة بهذه المهمة الشاقة، إلا إذا كانت حكيمة في تصرفاتها، لبيبة في أحكامها، رزينة في أقوالها، فإن الزوج لو اعتاد منها خفة العقل، وسفاهة الرأي وإذاعة السر، انصرف عنها لغيرها، يستشيره في أمره، ويستأمنه على سره، وبذلك تكون قد انقطعت حبال الصلة بين الرجل وزوجته، علمنا ذلك من موقف خديجة ﵂ ترى زوجها يدخل عليها بهذه الحالة من الخوف والرجفة، وهي الزوج الحنون، فلا ترتجف ولا ترتعد، بل تثبت، وتقول له كلمات موجزة أذهبت عنه كل ما يجد: (كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم ... ) . ٤- يظهر من الحديث بصورة جلية واضحة، فقه خديجة ﵂ وعلمها وحكمتها وذلك في النقاط التالية: أ- علمها وإيمانها بالله- ، في قولها: (كلا والله) ، وثقتها به في قولها: (ما يخزيك الله أبدا) . ب- إحاطتها بما يحبه الله من الأخلاق والأعمال، وأن هذه الأعمال إذا كانت في عبد فلن يسوءه الله أبدا حيث ذكرت أخلاق الرسول ﷺ وصفاته، بعد قسمها أن الله لن يخزيه أبدا، ومن فقهها أيضا أنها ذكرت الحكم، وهو عدم الخزي، وقدمت بين يديه علة الحكم، وهو اتصاف الرسول بهذه الصفات. ج- حسن تصرفها، وذلك أنها ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، ولكن بعد أن هدأت من روعه، ليستطيع أن يقص عليه خبره جيدا، كما أنها بالذهاب إلى ورقة جمعت للنبي ﷺ العلم العام بالمسألة، وهو علمها، والعلم الخاص، وهو علم ورقة الذي كان يكتب الكتاب العبراني. د- حكمتها ومن ذلك، أنها لم تحك لورقة ما رأى الرسول مع أنه أخبرها به، ولكن قالت لورقة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك؟ لأن الذي رأى ليس كالذي سمع، كما أنها

стр. 639

استرعت انتباه ورقة أولا قبل الحكاية، بقولها: (اسمع) وتلطفت إليه بقولها: (يا بن عم) وبقولها: (من ابن أخيك) ، هذا الفقه والعلم والدراية والحكمة من خديجة، لا أظن أن أحدا نازعها فيهم، لذلك أثنى عليها النبي غاية الثناء وأحبها حبّا لم يحبه لأحد من نسائه سواها، ويجب أن نتأمل أن هذا الفقه والعلم، كان منها قبل البعثة فما بالكم بعدها. قال الإمام النووي في مدح أم المؤمنين خديجة ﵂: (وفيه أعظم دليل وأبلغ حجّة على كمال خديجة ﵂، وجزالة رأيها، وقوّة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها) «١» . الفائدة الثانية عشرة: في قول خديجة: (والله ما يخزيك الله أبدا) ، حثّ وترغيب لأفراد الأمة أن تتمثل بهذه الأخلاق الحميدة، أولا: لأن الله- يحبها، وأنه يكافئ من اتصف بها بعدم الخزي في الدنيا والآخرة. ثانيا: لأنها أخلاق سيد البشر ﷺ ، التي ربّاه الله عليها قبل البعثة ليأهله للقيام بأعظم المهام. قال الإمام النووي: (قال العلماء ﵃: معنى كلام خديجة ﵂: إنّك لا يصيبك مكروه؛ لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشّمائل. وذكرت ضروبا من ذلك وفي هذا دلالة على أنّ مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السّلامة من مصارع السّوء) «٢» . الفائدة الثالثة عشرة: تصديق ورقة بن نوفل بالرسول ﷺ تصديقا كاملا، وذلك أنه أقر بأن الذي أنزل على الرسول هو الحق، فقال: (هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى) . فعلمنا إيمانه بجبريل وموسى وعيسى، لقول الراوي: (وكان امرآ قد تنصر في الجاهلية) ، وقبل ذلك أنه آمن بالله- وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب، بل إنه عزم على نصرة النبي على أعدائه، وأن يهاجر معه عند ما يخرجه قومه، فكل ذلك يدل قطعا على أنه صدق بالنبي ﷺ ونوى النصرة والجهاد في سبيل الله، فإذا قال قائل: كيف تحكم له بذلك، وهو لم يشهد الشهادتين؟. قلت له: إنه توفي بعد تلك الحادثة، وقبل تتابع الوحي على النبي ﷺ ، وقبل دعوة النبي ﷺ الناس أن يؤمنوا به، ويصدقوه ويشهدوا الشهادتين. الفائدة الرابعة عشرة: قد يشعر أهل الدين والعلم، بقرب أجلهم، وذلك لقول ورقة:

стр. 640

(ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك) . فكأنه شعر بقرب أجله، يصدق ذلك قول الراوي: (ثم لم يلبث ورقة أن توفى) ، وهذا أمر مشاهد. الفائدة الخامسة عشرة: أن مسلك الكفار مع كل الأنبياء واحد، لا يختلف باختلاف العصور، ولا باختلاف الرسل، أو حتى باختلاف الحضارات والثقافات، ونعلم أيضا، أن سنة الله- في الأرض، هي العداء المستحكم بين الحق والباطل، وأنهما لن يرتفعا ولن يتفقا، والدليل قول ورقة: (لم يأت رجل قط بمثل بما جئت به إلا عودي) ، فإذا كان الأنبياء وهم أحياء يؤمرون بأمر الله، ومعهم المعجزات الظاهرات البينات، لم يسلموا من معاداة الكافرين وإيذائهم، فهل يسلم أتباع الأنبياء من عداوة الكفار؟! من ظن هذا فقد وهم، ويصدّق ما اعتقده ورقة، قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) [إبراهيم: ١٣] . يتضح من الآية أن الكافرين لن يرضوا من الأنبياء إلا بأمرين، إما الخروج من أرضهم أو أن يعودوا إلى ملتهم، وترك ما هم عليهم من الدعوة إلى الله- ، فهذا هو نهج كل كافر في أي عصر، مع أي رسول في أي وقت، انظر كيف كان ورقة بن نوفل على يقين من إخراج الكافرين للرسول حيث قال: (إذ يخرجك قومك) . الفائدة السادسة عشرة: يتفرع على ما سبق، أن أهل الحق كلما كانوا للأنبياء أشد طوعا واتباعا، كان الكفار لهم أشد عتوّا وعداء، ومن ثمّ إذا وجدنا الكفار يحبوننا ولا يعادوننا، فيجب علينا أن نراجع ما نحن عليه من إيمان، فقد يكون فيه دخن، جعل بيننا وبين الكافرين حبّا، ولكن في بعض الأوقات قد يداهن الكفار المؤمنين لضعفهم وقوة أهل الحق. الفائدة السابعة عشرة: لا تكون النبوة إلا في الرجال، لقول ورقة: (لم يأت رجل قط) ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف: من الآية ١٠٩] . الفائدة الثامنة عشرة: لم يخرج النبي ﷺ ، من مكة مهاجرا إلى المدينة اختيارا، لطلب راحة البال أو سلامة الجسد، بل إنه أخرج منها مكرها، ولولا ذلك ما خرج، لقول ورقة: (إذ يخرجك قومك) ، وكراهة النبي ﷺ لأمر الخروج وترك مكة نستشعرها من قوله: «أو مخرجيّ هم» . الفائدة التاسعة عشرة: في الحديث منقبة لعائشة ﵂ حيث إنها ذكرت كل ذلك عن

стр. 641

خديجة، ولم تمنعها غيرتها منها أن تذكر فضلها وعلمها وحكمتها، فقد يكون الإنسان يغار أشد الغيرة من أخيه، ولكن لا تمنعه هذه الغيرة من قول الحق، والثناء عليه بما هو أهله وهذا مسلك أهل الفضل. شاهد على خلقه ﷺ بعد البعثة: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: حدّثني ابن عبّاس قال: حدّثني أبو سفيان من فيه إلى فيّ، قال: انطلقت في المدّة الّتي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، قال: فبينا أنا بالشّأم إذ جيء بكتاب من النّبيّ ﷺ إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبيّ جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. قال: فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقالوا: نعم. قال فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه، فقال: أيّكم أقرب نسبا من هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي. ثمّ دعا بترجمانه فقال: قل لهم إنّي سائل هذا عن هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ، فإن كذبني فكذّبوه. قال أبو سفيان: وايم الله لولا أن يؤثروا علىّ الكذب لكذبت. ثمّ قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم. قال: قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: أيتّبعه أشراف النّاس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: يزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت: لا، بل يزيدون. قال: هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالا؟ يصيب منّا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا ونحن منه في هذه المدّة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. ثمّ قال لترجمانه: قل له إنيّ سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنّه فيكم ذو حسب، وكذلك الرّسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرّسل، وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس

стр. 642

ثمّ يذهب فيكذب على الله، وسألتك هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك هل قاتلتموه؟ فزعمت أنّكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرّسل تبتلى ثمّ تكون لهم العاقبة. وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنّه لا يغدر، وكذلك الرّسل لا تغدر. وسألتك هل قال أحد هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتمّ بقول قيل قبله قال: ثمّ قال: بم يأمركم؟ قال قلت: يأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّلة والعفاف. قال: إن يك ما تقول فيه حقّا فإنّه نبيّ، وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أك أظنّه منكم، ولو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ. قال: ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله، إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد ... فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين؛ فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين. ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ- إلى قوله- اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فلمّا فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللّغط، وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنّه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام. قال الزّهريّ: فدعا هرقل عظاماء الرّوم، فجمعهم في دار له فقال: يا معشر الرّوم هل لكم في الفلاح والرّشد آخر الأبد، وأن يثبت لكم ملككم؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت. فقال: عليّ بهم فدعا بهم. فقال: إنّي إنّما اختبرت شدّتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الّذي أحببت فسجدوا له ورضوا عنه. رواه البخاري «١» . ملخص الحديث: أن النبي ﷺ أرسل دحية الكلبي ﵁ بكتاب، وأمره أن يسلمه إلى عظيم بصرى ليسلمه عظيم بصرى إلى هرقل عظيم الروم، فلما استلم هرقل الكتاب، أمر أن يبحثوا له عن أحد من قوم النبي ﷺ ليسألهم عن خبره، فتصادف وجود أبي سفيان بن حرب في الشام

стр. 643

(وكان كافرا يومئذ) ، وكان بين قريش وبين النبي ﷺ هدنة في تلك الفترة، وهي صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، وكانت مدتها عشر سنين، فدعي أبو سفيان إلى مجلس هرقل، وأجلس أصحابه خلفه- أي خلف أبي سفيان- وبدأ يسأله عن خبر النبي ﷺ . الشّاهد في الحديث: أن أبا سفيان بن حرب، وكان ما يزال كافرا زكّى خلق النبي ﷺ من كل الوجوه، كما سيأتي مفصلا- إن شاء الله. فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في كتاب النبي ﷺ إلى هرقل والذي فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم» ، فوائد منها: ١- استحباب بدأ الكتب بالبسملة، ويبدو أن هذا كان نهج الأنبياء من قبل، ويصدق ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النمل: ٣٠] ، ولا يفرق في ذلك بين الكتاب المرسل إلى مسلم أو ذمي أو كافر، فكلها تبدأ بالبسملة. ٢- البسملة تتكون من جار ومجرور، وهما: «باسم» ، ومضاف ومضاف إليه، وهما: «باسم الله» ، ثم صفتين من صفات الباري- وهما: «الرحمن الرحيم» ، والجار والمجرور هنا يحتاج إلى متعلق، والمتعلق محذوف، فيقدّر حسب المناسبة، فإذا كان العبد يفتتح القراءة فيكون المتعلق باسم الله أقرأ، وإذا كان يريد الذبح، يكون المتعلق باسم الله أذبح، وهكذا في الخروج والدخول، والكتابة، وغير ذلك، والتسمية أمرها عظيم، وهي من الكلمات المباركة التي لا غنى للعبد عنها خاصة في بعض المواطن كالأكل والشرب ودخول البيت، فعن جابر بن عبد الله أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا دخل الرّجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشّيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشّيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» . رواه مسلم «١» ، وعن ابن عبّاس يبلغ النّبيّ ﷺ قال: «لو أنّ أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله اللهمّ جنّبنا الشّيطان وجنّب الشّيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضرّه» . رواه البخاري «٢» ، والذبح أيضا، لقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) [الأنعام: ١١٨] .

стр. 644

وبالتسمية يبارك الله- أي عمل، وبدونها تنزع البركة من أي عمل، بل بها يحل لنا الأكل من الذبائح، وعند تركها عمدا تأخذ الذبيحة حكم الميتة، فيحرم الأكل منها، فاحرص أخي المسلم أن تبدأ كل عمل لك بتسمية الله، واعلم أنك إذا سميت بهذا اللفظ، فقد سميت بكل اسم لله- ﵎ لأن لفظ (باسم) نكرة مضاف، فيشمل كل اسم لله تعالى، وكفى بذلك ترغيبا في البسملة. ٣- السنة، حسب رأي الجمهور، أن يبتدئ كاتب الكتاب باسمه قبل اسم المرسل إليه، فيقول: من فلان بن فلان إلى فلان، والأرجح إذا كان المرسل إليه من أهل العلم والصلاح، أن نبدأ باسمه توقيرا له وعرفانا بفضله، قال الإمام ابن حجر: (فيه أن السنة أن يبدأ الكتاب بنفسه) «١» . ٤- من قوله ﷺ : «من محمد رسول الله» ، علمنا أن «رسول الله» أصبحت علما له ﷺ وإلا لقال: من محمد بن عبد الله، خاصة أنه يرسل إلى ملك لا يؤمن به ولا يعرفه، وعلمنا أيضا أن صفة الرسالة ألصق به من نسبه، وأن ذلك أولى- أي أنه يدعى بصفة الرسالة- بل أوجب عند ذكره، وقد ذكرت في موضع آخر سوء أدب من يقول: (محمد بن عبد الله) ، فالأدب الأدب مع مقام النبوة والرسالة. ٥- في قوله ﷺ إلى هرقل: «عظيم الروم» ، التلطف مع من تدعوه إلى الإسلام، فلم يكتب اسمه مجردا من الألقاب، بل قال: عظيم الروم؛ لأنه إذا حقر أمره، قد يحقر المرسل إليه أمر الكتاب، وما جاء فيه، وقد يتعدى ويسب الإسلام وهذه مفسدة، وقد نهينا عن ذلك، في قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: من الآية ١٠٨] . فإذا كان سب الكفار مصلحة، إلا أن سب الله- ﵎ مفسدة عظيمة، وأي مفسدة أعظم منها!، وعندنا قاعدة عظيمة، أن درأ المفاسد أولى من جلب المنافع. ولم يقل النبي ﷺ : (إلى هرقل ملك الروم) ؛ لأن ملكه غير شرعي، لم يوله الله- ﵎ كما أنه لم يقل: إلى هرقل العظيم بل نسب عظمته إلى الروم فقط، حتى لا يثبت له العظمة المطلقة، بل قيد اللفظ، وهذا الكلام يفهمه أمثال هرقل جيدا، يصدق ذلك قوله تعالى على لسان الخليل إبراهيم- ﵊: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ

стр. 645

هذا [الأنبياء: من الآية: ٦٣] ، فأضاف كبره إلى بقية الآلهة، ولم يقل: بل فعله الكبير، ومثل هذه التوافقات بين الأنبياء، والتي ذكرت طرفا منها في مواضع متعددة من هذا الكتاب، تدلنا على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قد نهلوا من منبع واحد، وهو المنبع الرباني الذي رباهم كلهم جميعا، على كمال التوحيد، وتمام العبودية، قال الإمام النووي ﵀: (لم يقل النبي ﷺ : ملك الروم، لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا من ولاه رسول الله ﷺ أو ولاه من أذن له رسول الله ﷺ ، ولم يقل: إلى هرقل فقط، بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم، أي الذين يعظمونه ويقدمونه، وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام) «١» . الفائدة الثانية: قوله: «سلام على من اتبع الهدى» ، فيه دليل على أن الكافر لا يبدأ بالسلام حيث لم يقل النبي ﷺ : (سلام عليك) ، وما دام هرقل لم يتبع الهدى، فإنه ليس له حظ من هذا السلام، فإن قيل: ولماذا ذكره النبي ﷺ في بداية الخطاب؟ قلت: قد يكون ذلك من باب الترغيب له في دخول الإسلام واتباع الهدى، فكأن النبي ﷺ يقول له، حرمت السلام في هذا الخطاب لعدم اتباعك الهدى، فإن اتبعت شرفت بإلقاء السلام، ويكون السلام هنا بمعنى الخبر، الذي يقصد به الترغيب. والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: (ليس المراد من هذا: التحية، وإنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم) «٢» . الفائدة الثّالثة: فيه استحباب أن يقال في صدر الكتاب بعد تصديره بالبسملة، (أما بعد) ، وهي تضفي على الكلام جمالا، وأما ما قيل أن (أما بعد) هي فصل الخطاب الذي آتاه الله داود، والمشار إليه في قوله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: ٢٠] ، فهذا بعيد جدّا، وكذا استبعده الشيخ/ العثيمين ﵀، ومعنى (أما بعد) أي: أما الابتداء فهو باسم الله، وأما المكتوب فهو ما سيأتي. وعلى كل حال فإن النبي ﷺ كان يحب أن يبدأ بها الخطب والمواعظ والرسائل. الفائدة الرّابعة: قوله: «بدعاية الإسلام» ، أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهي كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، والتي لا يقبل من إنسان عمل صالح إلا إذا أتى بها.

стр. 646

الفائدة الخامسة: قوله: «أسلم تسلم» ، منتهى البلاغة، لما فيها من الجناس الاشتقاقي، فالكلمتان من ثلاثة حروف فقط، السين واللام والميم، ومع ذلك تشتمل الكلمتان على معان كثيرة بحروف قليلة مع بديع الجناس، أما المعاني الكثيرة، فهي تشتمل على الأمر بالدخول في الإسلام والانقياد له، وذلك في قوله: «أسلم» ، وهذا الأمر من الرسول في غاية القوة؛ لأن فيه عدم مداهنة الكفار والتملق إليهم، ولو كانوا في موضع قوة، ويملكون ما لا نملك من العدد والعدة، فمن أسلم فقد سلم في الدنيا من الحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال، وفي الآخرة من الخزي والخلود في جهنم، ومن لم يسلم فلن يسلم من كل ذلك، ففي قوله: «تسلم» ترغيب إن أسلم، وترهيب إن لم يسلم، لأن الذي يفوته مغانم السلامة، سيناله مغارمها. لم يحتج النبي ﷺ لبيان كل ذلك إلا بكلمتين خفيفتين على اللسان والأذن، وذلك لما أعطاه الله من جوامع الكلم، وهذه القوة في الدعوة. وعرض ما عندنا من حق، ليست بغريبة على الرسل، انظر إلى ما كتبه سليمان ﵇ إلى بلقيس في كتابه الكريم: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣١] ، فسليمان لم يرجوهم ولم يستسمحهم، بل أمرهم أمرا بالدخول في الإسلام، وهم الذين لم يؤذوه ولم يناصبوه العداء، بل لم يكن يعرف عنهم أي شيء قبل بلاغ الهدهد له بالنبأ المبين، ولم يكن في هذا النبأ ما يعيبهم إلا قول الهدهد: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل: ٢] ، هذا كل الذي أغضب سليمان ﵇، فجيّش لذلك الجيوش، مع أن الملكة قد حاولت مصالحته، وأن تبدي له أنها تريد السلام لا الحرب وأنها لا تعاديه، فأرسلت له بهدايا عظيمة فلم يقبل تلك الهدايا، لماذا؟ والمثل الشائع يقول: الرسول قبل الهدية، ولكنه لم يقبلها وردها عليهم بل وتوعدهم بالخروج من ديارهم أذلة، لأنها رشوة، في مقابل أن يسكت على ما هم فيهم من الشرك بالله، وقد أكد الله- أن قتال الكفار واجب على المسلمين، إلى أن يكون الدين كله في الأرض لله، لا يعبد معه شيء آخر، قال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩] . قال الإمام النووي ﵀: (وفيه استحباب المبالغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة، فإن قوله ﷺ : «أسلم تسلم» في نهاية الاختصار، وغاية من الإيجاز والمبالغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس وشمولاه لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل، وأخذ الديار والأموال، ومن عذاب الآخرة) «١» .

стр. 647

وقد وضح الحافظ ابن حجر ﵀ عظيم ما في كتاب النبي ﷺ من جوامع الكلم بقوله: (اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمنها هذا الكتاب على الأمر بقوله: «أسلم» والترغيب بقوله: «تسلم ويؤتك» والزجر بقوله: «فإن توليت» والترهيب في قوله: «فإن عليك» والدلالة بقوله: «يا أهل الكتاب» وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى وكيف لا وهو كلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ «١» . الفائدة السّادسة: في الحديث عظيم أمر الوالي، ومن يقوم مقامه، وكذلك من يرعى رعية صغيرة أو كبيرة، لأن الناس له تبع وهو لهم قدوة، ينقادون لما انقاد له، ويؤمنون بما آمن به، وقد قالوا قديما وحديثا: الناس على دين ملوكهم، عرفنا ذلك من قول النبي ﷺ لهرقل: «يؤتك الله أجرك مرتين» ، وذلك أن بإسلامه سيدخل السواد الأعظم من رعيته في الإسلام، وهذا أيضا ترغيب من النبي ﷺ لهرقل، لما سيناله من مضاعفة الأجر إذا أسلم، أجره وأجر من أسلم بإسلامه، يصدق ذلك ما رواه مسلم، عن أبي مسعود الأنصاريّ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي أبدع بي فاحملني فقال: «ما عندي» ، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» «٢» . وكما رغبه بالأجرين رهّبه من الإثمين، أي تضعيف العذاب إذا لم يدخل في الإسلام، وذلك بقوله ﷺ : «فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين» أي إثم رعاياك الذين لن يسلموا بعدم إسلامك، يضاعف الله- عليه الإثم دون أن يخفف ذلك من آثامهم شيئا. وقد يسأل سائل، كيف يستقيم أن يتحمل العبد وزر غيره؟ وقد قال الله- في محكم التنزيل: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] ، أي: لا تتحمل نفس مكلفة وزر نفس أخرى، والرد أنه لا تعارض، لأن النفس التي كانت سببا في إضلال نفس أخرى عليها وزران، وزر ضلالها ووزر إضلال غيرها، دون تحمل وزر النفس التي أضلتها، وذلك منتهى العدل، يصدق ذلك قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] . الفائدة السّابعة: في سند الحديث، بيان ما كان عليه الصحابة والسلف ﵃، من الحرص على علو الإسناد، فها هو ذا عبد الله بن عباس ﵄، يخبرنا أن هذا

стр. 648

الحديث أخذه من فم أبي سفيان بن حرب ﵁ بلا وساطة، فقال: (حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيّ) . الفائدة الثّامنة: قد يسأل سائل، كيف تقبل الأمة هذا الحديث، من أبي سفيان بن حرب، وكان وقتها كافرا، لم يسلم بعد؟ أقول: إن هناك فرقا بين وقت تحمل الحديث، ووقت أداء الحديث- أي روايته- فالأخير هو الذي يهم أهل الحديث، فيجب أن يكون الراوي وقت الأداء، مسلما صادقا عدلا، فأبو سفيان وقت تحمل هذا الحديث كان كافرا، ولكن عند الأداء كان مسلما، مثاله الحديث الذي رواه البخاري عن محمود بن الربيع، والذي ذكر فيه أنه عقل من رسول الله ﷺ مجّة مجّها في وجهه، وهو ابن خمس سنين «١» ، فوقت تحمل الصحابي هذا الحديث كان صغيرا لا تقبل منه الرواية، ولكن قبلت منه الرواية لما كبر. الفائدة التّاسعة: في الحديث ذكاء هرقل وحكمته، ويتبين ذلك في النقاط التالية: ١- أنه لما جاءه كتاب رسول الله ﷺ بدعوته إلى الإسلام، لم يصدقه ولم يكذبه، حتى يتأكد من أمره، فتوسط في الأمر فقال: (هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي) ، كما أن من حكمته أيضا، أن سأل عن قوم يعرفون مدخله ومخرجه ليسألهم عنه. وهذا من حكمة الرجل، التريث وعدم الحكم دون تروّ أو تفكر. وتذكّرنا هذه الواقعة بحكمة بلقيس ملكة سبأ، والتي تنضح كل قصتها بالحكمة، فنعم الملكة كانت، لما جاءها كتاب سليمان ﵇ حكمت عليه بأنه كتاب كريم، ولم تتخذ قرارا سريعا بل شاورت الملأ حتى لا يعتب عليها أحد إذا أخطأت في قرارها، ثم أرسلت إلى سليمان هدية، لتعلم هل يريد دنيا فيقبل هديتها، أم يريد الآخرة فيرد عليها هديتها، ثم لما رأت عرشها عند سليمان ﵇، تروّت في حكمها لما سئلت عنه، فلم تستطع أن تنفي أنه عرشها، لأنه مشابه جدّا له، ولم تحكم أنه هو حيث تركته خلفها باليمن، ولا يعقل أن يأتي قبلها فكانت من حكمتها أنها قالت: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: ٤٢] ، ولما دعاها سليمان ﵇ أن تدخل القصر- وأرض القصر ظهرت لها كأنها بحر عميق فإذا خافت ولم تدخل عيب عليها خوفها وهي ملكة، وإن هي دخلت ابتل لباسها- فكل ما فعلته دون تردد أن كشفت عن ساقيها.

стр. 649

وأردت بالإشارة هنا إلى حكمة بلقيس، لنتعلم منها، حسن التصرف وعدم استباق الأمور، وعدم التكذيب أو التصديق، قبل التبين والتحقيق. ٢- أنه سأل عن أقرب الوفد نسبا للرسول ﷺ حيث إنه أدرى الناس به، وأعلمهم بحاله، وحريّ به ألايكذب عليه وهو من أهل قرابته. قال الإمام بن حجر ﵀: (وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب) «١» . ٣- أنه أمر أن يكون أبو سفيان بين هرقل وبين بقية الركب، فيكون الركب خلف أبي سفيان، فلا يستحيوا أن يكذبوه، ويكونوا أمام هرقل، فيعرف كذب أبي سفيان في وجوههم، وإن لم يصرحوا بذلك، فكان هذا من دهائه وذكائه قال الإمام النووي ﵀ «إنما فعل ذلك ليكون عليهم أهون في تكذيبه إن كذب، لأن مقابلته بالكذب في وجهه صعبة بخلاف ما إذا لم يستقبل» «٢» . الفائدة العاشرة: هل كان هرقل يريد حقّا التأكد من صدق النبي ﷺ ؟ أقول: نعم كان يريد ذلك، بل إنه استفرغ جهده ليصل للحقيقة، وذلك أنه سأل عن رجل يعرف النبي ﷺ ، ثم سأل عن أقرب الناس نسبا إليه، ولم يكتف بذلك، بل وضع أصحاب أبي سفيان على الهيئة التي ذكرت آنفا ليتأكد من صدقه، والأعظم من ذلك والأهم- والذي منه نعرف أنه كان يريد الحق- هو استعراض الأسئلة التي ألقاها على أبي سفيان، فلم يسأله عن فروع الشريعة، التي جاء بها النبي ﷺ ، والتي قد يختلف فيها، وتكون مجالا للأخذ والعطاء، فتلك الفروع تختلف من شريعة لآخرى، فلا يستطيع أن يناظرها بما عنده من علوم السابقين، بل سأله عن الأصول الكلية للشريعة ليناظرها، مثل صدق النبي ﷺ وحسبه ونسبه، وبماذا يأمرهم وعماذا ينهاهم؟، وهذه أسئلة من يريد معرفة الحق فعلا، فنتعلم من ذلك أننا إذا أردنا معرفة الحق فيجب أن نأخذه من أقرب مصادره وأوثقها وأصدقها، وهذا ما فعله هرقل عندما سأل عن أقربهم منه نسبا. كما نتعلم أنه لا يجوز لمسلم، إذا أراد أن يسأل أحدا عن أمور دينه، أن يذهب إلى مبتدع، أو جاهل أو يذهب إلى من يستقي معلوماته من كتب تطعن في الكتاب والسنة،

стр. 650

كذلك إذا سأل فيجب عليه أن يكون حكيما في أسئلته، يتخير منها المفيد، والذي يوصل إلى الحق من أقرب طريق، ويتجنب الأسئلة التي يكثر فيها الجدل والنقاش. وهنا أحب أن أهمس في أذن بعض الشيوخ الذين يذهبون إلى تلك المنتديات لعرض الإسلام، فيتجادلون مع الخصوم في الفروع، وليس في الأصول، مثل: لماذا تعدد الزوجات؟ والحال أن الرجال لا تعدل، لماذا الطلاق حق للرجل وهو يسيء استخدامه؟ لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ والمرأة الآن تعمل وتشارك الرجل في كل الأعباء المعيشية، بل تقوم بها وحدها في بعض الأحيان، لماذا الذهب حرام على الرجال؟ وبعض المعادن الآخرى الأغلى ثمنا تحل له، وغير ذلك من الأسئلة، وأقول: إنه لا ينبغي لأحد من الشيوخ، وهي وجهة نظر، أن يشترك في تلك الحوارات، وذلك لأن الله- لما دعا أهل الكتاب للإسلام والمحاورة، قال لهم: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] ، ولما أراد إبراهيم ﷺ إقامة الحجة على الملك الكافر ماذا قال له؟: قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨] ، انظروا ماذا قال ربنا: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، فالنقاش والجدال الصحيح على المنهج المستقيم، لا يستغرق وقتا طويلا، فهذه جملة واحدة من إبراهيم، أفحمت الملك وألجمت لسانه وألزمته الحجة، وانظروا إلى كل آيات القرآن في إقامة الحجج على الكافرين والمعاندين، وكذلك السنة الصحيحة، هل تجادلت معهم في الفروع أو في حكمة كل حكم من أحكام الدين، هذا لم يحدث أبدا، بل إن الكفار لما أثاروا شبهة في العصر النبوي، وهي لماذا يأكل المسلمون الذبيحة التي ذبحوها بأيديهم ولا يأكلون الميتة التي ماتت بقضاء الله؟! ذكر الله- تلك الشبهة في القرآن، وحذّر المؤمنين من الاغترار بها، وتجاوز هذه الشبهة، ولم يتكلف القرآن الردّ عليها، رغم أنه أفاض واستفاض في الرد على شبه المبطلين، وأهل الزيغ والضلال، ولكن ليس في تفصيلات الشريعة، وإنما في أمور العقيدة والتوحيد، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) [الأنعام: ١٢١] ، وإذا كانت المجادلة والمحاجة في فروع الشريعة وإقامة الحجة على المعاندين فيها خير لعلّمناها الله، ولأرشدنا إليها النبي ﷺ بل لسبقنا إليها مع كفار قريش، فلما لم يحدث هذا أو ذاك علمنا أن هذا ليس بخير، ولا يجب أن نخوض فيه أبدا، وما سمعت طرفا من تلك المناظرات إلا كان

стр. 651

الصوت العالي فيها، لأهل الزيغ والضلال، لأن عندهم شبهات كثيرة، وانظر مثلا إلى الشيخ/ أحمد ديدات ﵀، عندما حاور وجادل في أصول الشريعة، كيف كانت له الغلبة والنصر في كل الأحيان، وذلك لأن له في تلك المناظرات دليلا وبرهانا من الكتاب والسنة، ومن الحديث الذي بين أيدينا نعلم إن كان المجادل يريد الحق أم يريد أن يثير الشبهات؟! الفائدة الحادية عشرة: لماذا إذن لم يعلن هرقل إسلامه بعد كل تلك الأسئلة وما ذكرته من إرادته الحق؟ أقول: إن هرقل وبلا أدنى شك علم بهذه الأسئلة صدق نبوة الرسول ﷺ وأنه النبي المنتظر ولكن منعه حبّ الملك عن الدخول في الإسلام. قال الإمام النووي ﵀: (ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ ، وإنما شح في الملك، ورغب في الرياسة، فاثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري: (ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة) «١» . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (لو تفطن هرقل لقوله ﷺ في الكتاب الذي أرسل إليه: (أسلم تسلم) وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه) «٢» . الفائدة الثانية عشرة: في الحديث ذم الكذب، وأنه عادة سيئة وطريقة مشينة، يستقبحها الكفار، فهذا أبو سفيان ﵁، وهو كافر عدو لرسول الله ﷺ ، ويسأل عنه من رجل يقال عنه: عظيم الروم، ويود ألايرتفع للإسلام راية، وأصحابه معه كلهم على دينه، ويبغضون الإسلام ويكرهون نبيه ﷺ ، ومع كل هذا لا يستطيع أبو سفيان أن يكذب ولو مرة واحدة على هرقل، هو لا يخاف أن يكذبه قومه في مجلس هرقل، بل كان يخاف فقط أن يأثروا عليه الكذب عندما يعودون إلى مكة، قال الإمام ابن حجر: (وفي قوله: يأثروا دون قوله: يكذبوا، دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابا) . انتهى «٣» . وأقول: لم يستطع أبو سفيان أن يدخل كلمة واحدة كذبا في حديثه، إلا في إجابته عن سؤال هرقل، هل يغدر؟ فكانت إجابته: (نحن معه في مدة- أي هدنة- لا ندري ما هو صانع فيها) . أي: لا نعلم أيحفظ ويصون العهد أم لا؟ وهذا في الحقيقة كذب؛ لأنه على

стр. 652

يقين أن الرسول ﷺ لن يغدر، وليس من خلقه الغدر، ولكن لا أحد من أصحابه يمكن أن يأخذها عليه كذبة، لأن ما في الغيب لا يعلمه إلا الله، وإذا حكم الإنسان عما في الغيب بقوله: لا أدري، فليس بكذب صريح، قال الإمام ابن حجر: (ولما كان الأمر مغيبا- لأنه مستقبل- أمن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردد، ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه) . وما كان هذا التفصيل مني في هذا الأمر إلا لأبين شناعة الكذب، فكيف يتنزه الكفار قبل الإسلام عن الكذب، ويقع فيه المسلمون دون مواربة ولا مداراة من الصغير والكبير، من الرجل والمرأة، من طلبة العلم أحيانا والعوام في أغلب الأحيان، يكذب الرجل لا لشيء إلا أنه اعتاد الكذب، يتكلم الرجل ولا يبالي أكاذب هو أم صادق، يكذب الرجل أمام زوجته وأولاده، دون أدنى درجات الحياء منهم، يتكلم الرجل في المجلس ويكذب ويعلم أن كل من في المجلس يعلمون كذبه ولا يبالي، الأدهى من ذلك أنهم لا يعيرونه بكذبه، وقد يقبلون شهادته بعد ذلك، والأعظم والأدهى، أن الرجل يكذب، ولو استحلف على صدق كلامه ما استحيا من الله- بل أكد كلامه بأغلظ الأيمان، لا يبالي بغضب الله وسخطه. ولا يتسع المجال أن أستفيض في شناعة هذه الخصلة الحقيرة، إلا أني سأذكر كلمات قليلة جدّا للترغيب في الصدق، وتشنيع أمر الكذب، فأقول: كيف يكذب المسلم ولا يصدق في كلامه؟ وقد رأى في الحديث أن الكافر لا يكذب، أيصدق الكافر ويكذب المسلم؟ أقول: كيف يكذب المسلم ولا يتحرى الصدق وقد ورد في الصحيح عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصّدق فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» . كيف يكذب المسلم وقد رأى ما أحدثه الكذب بمدينة رسول الله ﷺ في واقعة الإفك؟ ويكفي أن الكذب قد آذى الله ورسوله ﷺ ، وكيف لا يصدق المسلم وقد رأى فضل الصدق على الذين خلّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فنجّاهم الصدق، بل رفعهم وهم الذين ارتكبوا معصية بتخلفهم عن رسول الله ﷺ ، وأقول: إن الصدق رفعهم حتى أنزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ما كان ذلك إلا لصدقهم، بل إن هرقل في هذا الحديث قد استدل على صدق نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم

стр. 653

بصدقه قبل النبوة. فو الله لا أرى في هذه الدنيا فضيلة أعظم من الصدق، ورذيلة أقبح من الكذب، ووددت لو أني تكلمات عما فعله الكذب في مجتمعات المسلمين، ولكن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك. الفائدة الثالثة عشرة: قد يدفع الإنسان ما يجده في قلبه من كره أو بغض لأحد، إلى الكذب والافتراء على خصمه، ولو كان يستقبح الكذب، وذلك لقول أبي سفيان ﵁: (وأيم الله لولا أن يأثروا علي الكذب لكذبت) ، ولذلك يجب أن نحرص في الخصومات من الكذب وقول الزور، حتى ولو كان الخصم عدوّا، بل أقول: ولو كان الخصم كافرا، ألم تسمع للقرآن كيف صدق مع خصومه، ولم يكذب عليهم، وذكر خصلة حسنة فيهم، قال تعالى عن أهل الكتاب: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] ، والقنطار هو المال الكثير، فما بالنا نحن إذا خاصمنا فجرنا، ولم نذكر أي حسنة في خصمنا. الفائدة الرابعة عشرة: كان هرقل على علم بأوصاف خصال الأنبياء السابقين، ولذلك سأل أبا سفيان عن تلك الخصال، ليتأكد من وجودها في النبي، فعلمنا بذلك أن الصفات المشتركة بين الأنبياء هي: أن يكون نسبهم أشرف الأنساب وأفضلها، ويصدّق ذلك الحديث الذي رواه مسلم عن أبي عمّار شدّاد أنّه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «١» ، وتجد كذلك أن أغلب أتباع الأنبياء من الضعفاء دون الأغنياء. يصدق ذلك قوله تعالى على لسان المكاذبين بنوح ﵊: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] ، وما حكاه الله عن جميع أتباع الأنبياء: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ [سبأ: ٣٤] ، وأن أتباع الرسل دائما في زيادة، يصدق ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣] ، وأن الحرب بين الحق والباطل، لا تكون دائما بنصرة الحق بل جعلها الله سجالا، وهذا ما حدث في غزوة بدر ثم أحد، وإذا سأل سائل لماذا تكون الحرب سجالا بين المؤمنين والكفار، والله يؤيد المؤمنين ويحبهم ويواليهم؟ قلت: حتى يكون للجهاد معنى، ويكون للتضحية وتقديم

стр. 654

النفس والنفيس لله- سبيلا، ولئلا يؤمن- كذبا وخداعا- أصحاب القلوب المريضة ويدخلون الإسلام؛ لأن الإسلام ينتصر دائما، ثم إن غلبة الكفار على المؤمنين يكون ذلك استدراكا لهم ومكرا من الله- ، والحاصل أن حكمة الله قد اقتضت لتلك الأسباب، ولغيرها أن تكون المدافعة والجهاد بين المؤمنين والكافرين إلى يوم الدين، كما يدلنا الحديث على أن الأنبياء كلهم يأمرون بكل خير وينهون عن كل شر، وأول ما يدعون إليه هو توحيد الرب ﵎ قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] . الفائدة الخامسة عشرة: في الحديث مدح ما بعده مدح لأخلاق النبي ﷺ ولشريعته حيث أثبت أبو سفيان- وهو ما يزال كافرا- أن النبي ﷺ لا يكذب ولا يغدر، وأنه ذو حسب ونسب، وأنه يأمر بالصلاة التي هي حق الله على العبد، ويأمر بالزكاة التي هي حق العباد، ويأمر بالصلة التي هي حق أصحاب الأرحام، وبعد أن فصل في الحقوق، جمع فأوعى، فذكر أنه يأمر بالعفاف، وهو اسم جامع، لكل محمود يجب أن يتحلى به العبد، وكل مذموم يجب أن يبتعد عنه العبد، لأنه كما قيل في تعريفه: هو الكف عن المحارم وخوارم المروءة، وقيل: هو الكف عما لم يحل، ولو رأى أبو سفيان من النبي ﷺ ما يسيئه أو يشينه سواء في صغره أو كبره، قبل البعثة أو بعدها، لذكرها أبو سفيان ﵁، لأنه كان حريصا كل الحرص أن يشوه سمعة النبي ولو كذبا، فعلمنا من ذلك- أي في عدم ذكر أبي سفيان لأي عيب- أن الله قد عصم النبي ﷺ في كل حياته، قبل البعثة وبعدها. الفائدة السادسة عشرة: تزكية أصحاب النبي ﷺ ، وذلك لأن أبا سفيان ﵁ أنكر أن يكون أحد منهم ارتد عن دينه بعد أن دخل فيه سخطة له، أي لكراهة الإسلام وعدم الرضا به، فهذا الارتداد هو الذي يقدح في الدين، أما أن يرتد أحد بغرض دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهذا بالقطع لا يقدح في الدين، بل يقدح في المرتد. الفائدة السابعة عشرة: في الحديث تنبيه إلى ما يجب على أتباع الرسل فعله مع الرسل أصحاب الفضل والخير، علمنا ذلك من قول هرقل: (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) . فقد تمنى أن يكون عنده ليغسل قدميه أي يكون له خادما، قال الإمام ابن حجر ﵀: (وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه- إذا وصل إليه سالما- لا ولاية ولا منصبا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة) «١» ، وأقول لهرقل وأمثاله: قد

стр. 655

فعل أصحاب النبي أكثر من ذلك بكثير، وقد أوردته مفصلا في أماكن متفرقة من هذا الكتاب، فلله الحمد والمنة. مما سبق من كلام هرقل نقطع بأنه كان يعترف بنبوة النبي ﷺ ، وانظر إلى قوله أيضا: (وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه فيكم) ؛ لأنه كان يظن أنه سيخرج من بني إسرائيل. الفائدة الثامنة عشرة: قد يؤخذ مما سبق، أن أغلب الناس لا يؤبه لرأيهم ولا يعتد بقولهم، وكما قلت: هم على دين ملوكهم، يؤمنون إذا آمن الملوك، ويكفرون إذا كفر الملوك، هذا في الغالب، وبذلك تنهار فكرة الديمقراطية من أساسها، والتي يقصد بها حكم الشعب للشعب عن طريق الشعب، وقد عوضنا الإسلام بالشورى عن الديمقراطية. الفائدة التاسعة عشرة: في الحديث أن أهل الباطل، ولو كانوا أقوياء فإنهم يخافون من أهل الحق ولو كانوا ضعفاء، انظر إلى فارق القوة بين الرسول ﷺ وهرقل وقت إرسال هذه الرسالة، ومع ذلك يقول أبو سفيان في الحديث: (إنه ليخافه ملك بني الأصفر) . الفائدة العشرون: يؤخذ من الحديث أن الفلاح والرشد، إنما يأتيان بالتمسك بتعاليم الإسلام، وكذا من أراد أن يثبت ملكه، لقول هرقل لعظماء الروم لما دعاهم يعرض عليهم الإسلام: (يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم) ، وقد أشار الله- إلى ذلك في قوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] ، أي: شرفكم، وهذا هو المشاهد في القرون الأولى المفضلة كيف كان فيها للمسلمين الرشد والفلاح والعزة والشرف؟!. الفائدة الحادية والعشرون: يؤخذ من الحديث، أن في الملك والكراسي والمناصب فتنة عظيمة، فيؤدي ذلك إلى هلاك من يقدمها على الحق، وقد لا يتصور أحد ذلك، إلا إذا نظر إلى هرقل، كيف كان على يقين لا يساوره فيه شك أن رسول الله محمد ﷺ هو النبي المنتظر، وذلك من قوله: (كنت أعلم أنه خارج) . وقوله: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه) ، وكذلك كل تعليقاته في أجوبة أبي سفيان ﵁، مع ما قاله لعظماء الروم لما اجتمع بهم، فأراد فعلا أن يسلم، ولكنه أراد أن يجمع بين الإسلام والملك، فلما عجز عن ذلك، فضل الملك الفاني على الإسلام الباقي، وباع الآخرة بالدنيا، وهذا درس لنا جميعا أن المنصب والإسلام قد لا يجتمعان، فانظر أيهما تختار، هذا هرقل اختار المنصب فكم بقي معه، وكم تمتع به، بل الصحيح أن نقول: كم عذّب به من يوم أن مات، حتى تقوم الساعة، وبعد الساعة يكون الأمر أدهى وأمر.

стр. 656

٦- تزكية صدقه ﷺ في التبليغ عن ربه: قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) [الحاقة: ٤٤- ٤٦] . هذه الآيات الكريمات دليل صريح أن النبي ﷺ لم يكذب على ربه في أي شيء من الوحي، صغيرا كان أم كبيرا، كما سنرى في الفوائد- إن شاء الله-. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: زكت الآيات الكريمات النبي ﷺ أعظم تزكية إذ أثبتت له منتهى الصدق في التبليغ عن ربه- بلا زيادة أو نقصان أو كتمان حيث ذكرت الآية أن النبي ﷺ على سبيل الفرض- لو تقوّل على الله- وحاشاه من ذلك- في أقل شيء لعذبه الله وأهلكه فداه أبي وأمي ونفسي- وما دام لم يحدث هذا الوعيد طيلة حياة الصادق المصدوق ﷺ ، بل نصره الله وآزره وأيده بالروح القدس والمعجزات الباهرات البينات إلى يوم أن قبضه إليه جميل الوجه محمود السيرة، دل ذلك على أن شيئا من الزيادة أو النقص في التبليغ لم يحدث وأن النبي ﷺ قد صدق ربه وصدق الناس في كل ما أخبر به، قال الشيخ السعدي ﵀: (فلو قدر أن الرسول- حاشا وكلا- تقوّل على الله لعاجله بالعقوبة وأخذه أخذ عزيز مقتدر لأنه حكيم، على كل شيء قدير، فحكمته تقتضي ألايمهل الكاذب عليه) «١» ، وقال الإمام ابن كثير ﵀: (والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله- مقرّر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات) «٢» . الفائدة الثانية: عظيم أمر الوحي- قرآن وسنة- إذ رتب الله- مثل هذه العقوبة الشنيعة على التقول في أمر الوحي، قال الإمام القرطبي ﵀: (تقوّل: أي تكلف وأتى بقول من قبل نفسه، لأخذناه بالقوة والقدرة، وعبّر عن القوة باليمين؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ يعني نياط القلب، أي لأهلكناه، وهو عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه) «٣» . الفائدة الثّالثة: عدم محاباة الله في الحق أحدا أبدا، وكذا نعلم أن الله لا يستحيي من الحق، ودليله من الآية أن الله- إذا قدر أن يحابي أحدا في الحق- حاشا لله

стр. 657

- لحابى أحب الخلق إليه محمدا ﷺ ، فإذا لم يحدث شيء من هذا بل وجه إليه مثل هذا الخطاب القرآني، فمن باب أولى نعلم أنه- لن يحابي أحدا ممن هو دونه ﷺ ، وكل الخلق دونه ﷺ . ويتفرع على ذلك التهديد الشديد والوعيد الأكيد لكل من يتجرأ بالكذب على الله- ورسوله ﷺ ، فعلى كل مسلم أن يتقي الله في كل ما يفتي به في دين الله وأن يجعل هذه الآية نصب عينيه. ٧- تزكية من علمه ﷺ : قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] . الآية الكريمة تدل على أن الله- هو الذي علم النبي ﷺ القرآن وغيره من الوحي حيث نفت الآية أن الله علم النبي ﷺ الشعر، فنفي تعليم الشعر، يثبت أنه- هو الذي تكفل بتعليمه، لأنه لو كان أحد غير الله هو الذي يعلم نبيه ﷺ لأثبت له عدم تعليم النبي ﷺ الشعر، أما قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) ، فهو جبريل ﵇، فلا تنافي بين هذه الآية وما ذكرته آنفا حيث إن جبريل علم النبي ﷺ الوحي الذي أنزله الله- ﵎ على نبيه ﷺ ، فنسبة التعليم إلى الله من حيث إنه هو الذي أنزل على عبده الوحي، ونسبته إلى جبريل من حيث إنه هو الذي باشر إنزال الوحي، بإذن الله وعلمه. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: من طعن في شيء من السنة الصحيحة، فقد طعن في الله- ، لأنه هو الذي علم النبي ﷺ الوحي كله، قرآنا وسنة. الفائدة الثانية: لا يليق بشخص النبي ﷺ ، ولا يناسب دعوته تعلّم الشعر، قال الإمام القرطبي ﵀: (ما ينبغي للنبي ﷺ أن يقول الشعر، وجعل الله- ذلك علما من أعلام نبيه ﵇ لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه، فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر) «١» . ويتفرع على ذلك أن كل ما تكلم به النبي ﷺ من كلام موزون- وهو قليل- ليس

стр. 658

بشعر، ومثاله ما رواه البخاري في صحيحه: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وكذا قوله ﷺ : أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقال الإمام القرطبي: من وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به شعرا فليس بشعر، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا) «١» . الفائدة الثّالثة: اعتناء القرآن الكريم بالرد على شبهات الكفار حول النبي ﷺ حيث لما اتهموه ﷺ أنه شاعر في قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٣٠] ، رد الله عليهم شبهتهم بنفي تعلمه ﷺ الشعر، قال الشيخ السعدي ﵀: (حسم الله جميع الشبه التي يتعلق بها الضالون على رسوله ﷺ ، فحسم أن يكون يكتب أو يقرأ، وأخبر أنه ما علّمه الشعر وما ينبغي له) «٢» . وسيأتي الرد على كل شبهات الكافرين مبسوطا إن شاء الله تعالى. الفائدة الرّابعة: أثبتت الآية الكريمة صفة البيان لهذا القرآن، فهو بيّن في نفسه، فلا شبهة فيه ولا التباس، ولا تناقض فيه ولا اعوجاج، بيّن الدلالات واضح الآيات، كما أنه قد أبان كل شيء، الحق من الباطل، والهدي من الضلالة، والمستقيم من المعوج وذلك بتصريف الآيات، وضرب المثلات، وجمع المتماثلات، والتفريق بين المتناقضات، فسبحان الذي رفع ذكره، وأعلى شأنه، فجعله بيّنا في نفسه غاية البيان، مبينا لغيره غاية التبيان، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية. الفائدة الخامسة: أن في القرآن غنى عما سواه، من علوم الفلسفة والمنطق وغيرها، فلا ينبغي لنا أن نطلب الهداية من تلك العلوم- التي غالبا ما تعارض القرآن- وقد أنزل الله علينا كتابا بينا مبينا، أنار لنا الطريق، وبين لنا السبيل، فأغنانا عن كل بديل، كما يتفرع عليه أن كل من تدبر القرآن ولم يهتد، فهو إما جاهل بلغة القرآن، وإما مستكبر عن الحق، لأن في القرآن غاية البيان.

стр. 659

٨- تزكية ما أوحي إليه ﷺ من كل وجه: قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) [محمد: ٢] . هذه الآية قد زكت الوحي الذي أنزل على النبي ﷺ سواء كان قرآنا أو سنة- بكل أنواع التزكية الممكنة فيما نعلم، فقد نصت الآية على أنواع للتزكية وهي: أ- تزكية الوحي من حيث الجهة التي جاء منها إلى النبي ﷺ ، وهي جهة العلو، قال تعالى: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ، ومعلوم أن جهة العلو جهة شريفة، والدليل على ذلك أن الله- ما ذكر ما أوحى به إلى النبي ﷺ إلا وأثبت له صفة الإنزال في سياق المدح لما أنزل، ومثاله قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وغيره كثير. ب- تزكية الوحي من حيث من أنزله، وهو الله- ﵎، الذي يعلم ما ينفع الناس وما يضرهم، وما يعمر الأرض وما يفسدها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. ج- تزكية الوحي من حيث ما اشتمل عليه من عقائد وشرائع وقصص، قال تعالى: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ والمقصود بالحق: الأمر الثابت المستقر الذي لا يتغير ولا يتبدل، فهو صدق في الإخبار وعدل في الأحكام، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] . د- تزكية الوحي من حيث الثواب المترتب على الإيمان به، قال تعالى: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ. قال الشيخ السعدي ﵀: (أي كفّر الله عنهم سيئاتهم صغارها وكبارها، وإذا كفّرت سيئاتهم نجوا من عذاب الدنيا والآخرة، وأصلح بالهم: أي أصلح دينهم ودنياهم وقلوبهم وأعمالهم وأصلح ثوابهم بتنميته وتزكيته وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم اتبعوا الحق الذي هو الصدق واليقين وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم) «١» . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تعظيم الوحي الذي أنزل على النبي ﷺ ، والتأكيد على شأن الإيمان به

стр. 660

تفصيلا حيث خصّت الآية بالذكر الإيمان به، بعد النص على مطلق الإيمان، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ، قال الإمام ابن كثير ﵀: (عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ «١» . الفائدة الثانية: في القرآن العظيم وفي هدي سيد الأنام ﷺ الشفاء من كل أمراض العصر، كالقلق والتوتر والعصبية وغير ذلك كثير، لقوله تعالى: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ، ولقوله جل في علاه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢] . وعلى كل من يعاني من تلك الأمراض أن يعالج نفسه بالقرآن الكريم، علما وعملا وتلاوة، فسيجد فيه الشفاء من كل داء، وإذا لم يجد المسلم في القرآن ما يشفي صدره ويريح باله، فليعلم أن العيب فيه، إما لتقصيره في التلاوة والتدبر، أو لضعف اليقين بما وعد به الله- ، أو لوجود شك في قلبه أو شبهة في عقله تمنع وصول الحق إليه، ذكر الإمام ابن كثير ﵀ في معنى أصلح بالهم: قال ابن عباس ﵄: (أي أمرهم وقال مجاهد: أي شأنهم وقال قتادة: حالهم، والكل متقارب) «٢» . ويتفرع على ذلك: أن نحكم على كل من يعاني من تلك الأمراض أنه بعيد عن منهج الله ويعلم قدر بعده عن هذا المنهج بقدر ما أصابه من تلك الأمراض، كما يتفرع عليه تفاوت الناس تفاوتا كبيرا في التمسك بما نزّل على محمد ﷺ لتباينهم في صلاح شأنهم وأحوالهم، ويتفرع عليه أيضا عدم أمانة الطبيب الذي يعالج هذه الأمراض دون نصح المريض بالتمسك بالكتاب والسنة، والخيانة الكبرى أن يعالج الطبيب المريض بما يناقض ما جاء في الكتاب والسنة، كالطبيب الذي يعالج بسماع الموسيقى والأغاني مثلا. الفائدة الثّالثة: عظم شأن العمل الصالح، وهو الذي يتوفر فيه شرطا الإخلاص والمتابعة حيث إن الآية قد قيدت إصلاح شئون الدنيا والآخرة بالإيمان والعمل الصالح. ٩- تزكية همته ﷺ في الدعوة (على لسان مشركي مكة) : قال تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ [ص: ٦] ، الشاهد في الآية: قوله تعالى: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، أي: يريده النبي ﷺ ويقصده، وليس قول عابر سيتركه بعد أيام أو ليال معدودات، وما علم الكفار ذلك من النبي ﷺ إلا

стр. 661

بقرائن، وهي همته العالية في الدعوة وتحمله ﷺ في سبيل ذلك كل صعب وشاق، وهذه الفائدة تعلمتها من فضيلة الشيخ ابن عثيمين- ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى-. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظم ما لاقاه النبي ﷺ في دعوته إلى الله- ويتمثل ذلك في إصرار الكفار على التمسك بعقيدتهم الباطلة أشد التمسك حتى إنهم يتواصون فيما بينهم على عدم الوقوف لسماع الحق، والصبر على عبادة الأصنام، ومدافعة دعوة النبي لتوحيد الله- . قال الإمام القرطبي ﵀ في قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ: (والانطلاق: الذهاب بسرعة، أي: انطلق هؤلاء الكافرون من عند رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: امضوا على ما أنتم عليه ولا تدخلوا في دينه) «١» . قلت: وعدم تقييد انطلاق الكفار من عند النبي ﷺ هو الأولى والأجمل، الأولى: حيث لم يرد دليل على التقييد بذلك، والأجمل: لأنه يضيف معنى أتم، وهو أن انطلاق الكفار كان حسيّا ومعنويّا، فهم ينطلقون من كل مكان وفي كل زمان، يتواصون فيما بينهم بعدم اتباع النبي ﷺ . الفائدة الثانية: في الآية إشارة وحث لأهل الحق والدعوة إلى ما يجب أن يكونوا عليه، من الصبر على الدعوة والصبر على تعنت أهل العناد والشقاء، والإيذاء في سبيل الله- حيث لاقى النبي ﷺ كل ذلك وصبر عليه، وهو لنا قدوة، بالإضافة إلى أن الكفار كان يأمر بعضهم بعضا بالصبر على عبادة الأصنام ومخالفة أمر النبي، وأهل العلم والدعوة أولى بالصبر؛ للحق الذي هم عليه، ولجزيل المثوبة والثواب من الله- بل عليهم أن يتواصوا بذلك فيما بينهم، يصدق ذلك قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [سورة العصر: ١- ٣] وقد زكى الكفار النبي ﷺ في موضع آخر حيث قال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ [سبأ: ٤٣] ، وانظر أخي القارئ إلى ما في هذه الآية من بدائع تتمثل في المسائل التالية: المسألة الأولى: تزكية النبي ﷺ على لسان الكفار حيث ذكروا أن النبي ﷺ يريد أن

стр. 662

يصدهم، ولا يكون الصد إلا ببذل غاية الجهد بكل قوة، لإثناء الخصم عما يعتقده. المسألة الثانية: في مقابل تزكية النبي ﷺ ، سفهوا أنفسهم بذكر حجتهم علي اعتقادهم الفاسد حيث جعلوا كل حجتهم في عبادة الأوثان هو اتباع الآباء، فعرفوا الحق بالرجال. والصواب: أن يعرف الرجال بالحق الذي معهم، ولو كانوا يعتقدون أن الذي معهم هو الحق، لتواصوا بالصبر عليه، بدلا من التواصي بالصبر على ما كان يعبد الآباء، يصدق ذلك ما ورد في صحيح البخاري، أن أبا جهل كان يقول لأبي طالب حين حضرته الوفاة: (أترغب عن ملة عبد المطلب؟) «١» ، وورد فيه، أن آخر ما قال أبو طالب: (هو على ملة عبد المطلب) . المسألة الثالثة: توجيه أشد التوبيخ إلى الكفار، بما يدل على خفة عقولهم، وسفاهة أحلامهم حيث ذكرت الآية، أن الكفار قد تليت عليهم الآيات البينات الواضحات، التي بمثلها يؤمن أي عاقل لبيب، تليت عليهم من غيرهم، بغير كلفة منهم أو طلب أجر عليها، جاءتهم ولم يأتوا إليها، فلم يتكلفوا حتى مشقة السعي إليها، فردوا تلك الآيات البينات، مقابل ما كان يعبد آباؤهم، وهذا منتهى السفه، وقلة العقل، وبدلا من أن يشكروا فضل من جاءهم بالحق ولم يطلب منهم الأجر، قللوا من شأنه، وذكروه بصيغة النكرة، كأنهم لا يعرفون شرفه وحسبه وصدقه، فقالوا: ما هذا إِلَّا رَجُلٌ، وهذا غاية الجحود. المسألة الرابعة: يؤخذ من الآية ذم تقليد الآباء والشيوخ، بغير حجة من الله وبينة؛ لأن الواجب على المسلم أن يستمع إلى الآيات البينات، يعمل بما فيها، لأن الله تعبدنا بها، ولو كان في اتباع الآباء حجة عند الله- في رد الآيات البينات، ما وبخ الله الكفار على هذا السلوك. ١٠- تزكية دعوته ﷺ ووصفه بالسراج المنير: قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] . زكى الله- نبيه ﷺ بأحسن أنواع التزكيات، ومدحه بأبلغ صفات المديح، فكانت الآيتان كلتاهما لرفع ذكره ﷺ في الدنيا والآخرة، فقد وصفه الله- في هاتين الآيتين بخمس صفات، الأولى: أنه الشاهد على أمته يوم القيامة بما عملوا من خير أو شر وأنه شاهد عليهم بالإبلاغ، الثانية: أنه المبشر برحمة الله تعالى ورضوانه لمن

стр. 663

أطاعه واتقاه، الثالثة: أنه النذير بعذاب الله وانتقامه لمن عصاه وعاداه، الرابعة: أنه يدعو إلى الله- ، الخامسة: وهي أجملها وأتمها وهي الصفة التي جمعت ما سبق وهي وصفه ﷺ بالسراج المنير، ومن كانت تلك بعض صفاته (وليست كلها) كان أحق الخلق عند رب الخلق بالاصطفاء والاجتباء، وأحق الناس عند الناس بالاقتداء والافتداء. بعض فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية- على صاحبها الصلاة والسلام-: ١- إثبات أن كل دعوته ﷺ حق، وأنه لم يدخل عليها باطل في كبير ولا صغير حيث إن الله- أعلمنا أنها كانت بإذنه، والله لا يأذن إلا في حق، وهذا غاية التشريف لدعوته ﷺ . ٢- إثبات أن دعوته ﷺ كانت كلها خالصة لوجه الله- وأنه ﷺ ما أراد بها وجاهة ولا رئاسة ولا مالا؛ لأن النبي ﷺ لو ابتغى من دعوته شيئا من عرض الدنيا، ولو كان أقل القليل، ما صدق عليه قوله- : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ. ٣- إثبات أن دعوته ﷺ كلها من أولها إلى آخرها كانت برعاية الله ومباركته وحفظه، لأن الله- هو الذي أذن بها، فحقيق به- جل في علاه- أن يحفظها ويحفظ من يقوم بها، قال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨] . وفي هذا أبلغ الحث للدعاة إلى الله أن يخلصوا في دعوتهم، حتى تكون دعوتهم بإذن الله، يحفظها الله ويوفق القائم عليها. ٤- إثبات كمال عدالته وصدقه ﷺ إذ رضي الله به أن يكون شاهدا على أمته، كما أن الأمة سترضى بهذه الشهادة ولن تطعن فيها، وقد بينت ذلك تفصيلا في باب: (أمة وسط) . ٥- إثبات سعة علمه ﷺ بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغي إثباته لله، وما ينبغي نفيه عنه- وما يحبه الله وما يكره، وما حرم وما أحل، فلولا علمه ﷺ بذلك ما استطاع أن يقوم بالدعوة إلى الله على الوجه الأكمل. ٦- ظهور بالغ حكمته ﷺ في الموازنة بين البشارة والنذارة حيث أثبتت له الآية الكريمة أنه ﷺ كان مبشرا ونذيرا، ولولا قيامه بهاتين الوظيفتين على الوجه الأكمل ما كان لهذا المدح من معنى، فقد نهج النبي ﷺ مع أصحابه دائما أن يخوفهم من عذاب الله إن هم

стр. 664

عصوه، ويؤملهم في رحمة الله- إن هم أطاعوه وأنابوا إليه. ٧- إثبات صفتين هما أحسن ما يكون من الصفات الزكية، وهو أنه ﷺ سراج ومنير، فهو الذي أضاء الله به الدنيا بعد شدة الظلمة، وأشاع به العلم بعد غياهب الجهل، فأنار به طريق العابدين، وهدى به قلوب العارفين، وشرح به صدور العالمين، فصلى الله عليه وسلّم إلى يوم الدين. ولا يكون النبي ﷺ سراجا منيرا ويثني الله- ﵎ عليه بذلك إلا إذا بلغ ﷺ الكمال في نفسه وفيما جاء به، وهذا هو الواقع والمشاهد، فقد كان ﷺ طيبا طاهرا في نفسه (طيب اللسان، زكي النفس، طاهر القلب، ودودا رحيما تقيّا نقيّا) مع كمال كل ما جاء به ودعا إليه من كتاب كريم، وسنة شريفة، وعقائد سليمة، وشرائع حكيمة، وأحكام بلغت المنتهى في الإتقان والإحكام؛ لأن السراج لا يكون منيرا يذهب عن الناس ما هم فيه من ظلمة ويغنيهم عما سواه، إلا إذا كان زجاجه جيدا وفتيله وزيته كذلك. قال الإمام ابن كثير ﵀ في شرح السراج المنير: (أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند) «١» . الفائدة الثّانية: ذمت الآية الكريمة كل من لم يؤمن بالنبي ﷺ ، وكل من لم يصدق بكتابه أو يهتدي بسنته أو يسلم بشرعه، وهذا مما ذمته الآية أبلغ الذم، إذ كيف يعمى الإنسان عن رؤية السراج المنير أو كيف يجادل فيه، وهو ظاهر بين، وهو ظاهر في نفسه وظاهر في أثره، لا شك أنه لا يماري في السراج المنير إلا من ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، أو من كان عنده حظ وافر من العناد والكبر، فرأى الحق باطلا والباطل حقّا، ورأى شدة الظلام نورا، ورأى النور الساطع ظلاما حالكا. الفائدة الثّالثة: ظهور حاجة العباد في كل مكان، والبلاد في كل زمان، إلى هدي النبي ﷺ والتمسك بسنته واقتفاء أثره، حتى يضمنوا لأنفسهم وجود السراج المنير، الذي ينير لهم الطريق ويوضح لهم السبيل. ويتفرع عليه: علمنا بما كان عليه الناس قبل بعثته الميمونة ﷺ ، قال الشيخ السعدي ﵀: «وذلك يقتضي أن الخلق كانوا في ظلمة عظيمة لا نور يهتدي به في ظلماتها، ولا علم يستدل به في جهالاتها، حتى جاء الله بهذا النبي الكريم فأضاء الله به

стр. 665

تلك الظلمات وعلّم به من الجهالات وهدى به ضلّالا إلى الطريق المستقيم، فأصبح أهل الاستقامة قد وضح لهم الطريق فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، واستناروا به لمعرفة معبودهم، فعرفوه بأوصافه الحميدة وأفعاله السديدة وأحكامه الرشيدة» . انتهى «١» . الفائدة الرّابعة: إرشادات ربانية وتلميحات قرآنية لأهل العلم والفضل. ١- إعلامهم بأنهم يقومون بأشرف الوظائف وهي وظيفة الدعوة إلى الله- ، وهي وظيفة نبينا ومن قبله من الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام. ٢- وجوب أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله- لا يبتغون منها عرضا من أعراض الدنيا. ٣- عليهم أن يعالجوا أمراض الأمة بالتبشير والإنذار، فلا تخويف يصل بالناس إلى حد اليأس من رحمة الله، ولا رجاء يصل بهم إلى حد الإغراء بارتكاب المعاصي. ٤- إعلامهم بحاجة جميع العباد إليهم- مسلمين وغير مسلمين-؛ لأنهم أعرف الناس بالسراج المنير الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور. ١١- تزكية دعوته ﷺ على لسان الكافرين: قال تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] . وجه تزكية دعوة النبي ﷺ على لسان الكافرين أنهم أقروا أنه ﷺ إنما يدعوهم لعبادة إله واحد، وذلك واضح في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. كما سيأتي مفصلا في الفوائد: بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أوجه تزكية الكافرين للنبي ﷺ : ١- دعوته ﷺ إلى التوحيد الخالص وترك عبادة الأصنام، فلا يختلف عاقلان أن دعوة الأصنام غاية الضلالة والغواية، وأن الدعوة إلى التوحيد كمال الرشاد والهداية، قال الإمام القرطبي في قوله تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، أي: هل صيّر الآلهة إلها واحدا «٢» .

стр. 666

٢- كان ﷺ يدعو إلى الله وحده، وما كان يدعو إلى نفسه، فلو كان يدعو إلى نفسه لذموه بذلك، فهو أبلغ في التشنيع، لعدم اختلاف الناس في قبح هذا الفعل، كما علمنا أيضا من مقولة كفار مكة، أنه ﷺ ما طلب منهم أجرا على ذلك، لأنه كان يكفي أن يتهموه بذلك لينفضّ الناس من حوله، بدلا من أن يتهموه أنه يدعو إلى التوحيد. ٣- كما أن من أوجه تزكية النبي ﷺ المستنبطة من مقولة الكافرين، أنه ﷺ لم يعرف عنه أبدا أنه عبد الأصنام قبل البعثة؛ لأن الكفار لو علموا عنه ذلك لعيروه ﷺ أنه ترك ما كان يعبد من قبل وأنه كفر بما كان يعبد، أو أنه هو الذي تحول عما اجتمعوا عليه من قبل، والذي يظهر جليّا أن الكفار لم يجدوا ما يذمون به النبي ﷺ أو ينتقصونه به أو ما ينقضون به رسالته ﷺ فذهبوا يتخبطون فاتهموه بما كان له ثناء ومدحا من كل وجه، وهو أنه كان يدعو إلى التوحيد. الفائدة الثّانية: ظهور سفه الكفار وخفة عقولهم، وبيان ذلك: ١- اتهامهم النبيّ ﷺ بما يزكيه أبلغ تزكية ويرفع من قدره عند الله وعند الناس، وهو أنه ﷺ كان يدعو إلى التوحيد. ٢- إنكارهم لدعوة التوحيد رغم كل الأدلة العقلية والشرعية التي تليت عليهم آناء الليل وآناء النهار، ومما يزيد من سفههم ويؤكد خفة عقولهم أن جعلوا هذه الدعوة أمرا عجيبا فحقيق بالناس أن يتعجبوا منه، وجهلوا أن تلك دعوة إبراهيم ﵇، التي تدعي كل أمة الانتساب إليه، لشرفه وكمال دعوته إلى التوحيد. ١٢- تزكية كل أحواله ﷺ : قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) [يس: ٣- ٤] . لم يكتف القرآن العظيم بتزكية لسان النبي ﷺ ، وبصره وفؤاده ودعوته وأخلاقه الفاضلة، بل زكى القرآن الكريم كل أحواله ﷺ بأن أثبت له ﷺ أنه على صراط مستقيم، ولم تكن هذه هي التزكية الوحيدة لأحوال النبي ﷺ بل جاءت على نسقها تزكيات متعددة، منها على سبيل المثال قول الحق- ﵎: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: ٧٩] ، فوصف القرآن النبيّ ﷺ أنه على الحق المبين، دون تخصيص هذا الوصف بأمر معين: قد أفادنا أن هذا الوصف قد انسحب على كل ما يتعلق بالنبي ﷺ ، فكان ﷺ على الحق- الذي لا يخالطه أدنى باطل- في عباداته وعاداته، فيما يقول وفيما يحكم، وفيما يعتقد

стр. 667

وفيما يشرع، إذا سكت عن أمر كان هذا هو الحق، وإذا تكلم عن نفس الأمر في موضع آخر كان هذا هو الحق، إذا غضب من أمر كان غضبه موافقا تماما للحق، وكذلك إذا مزح وتبسط مع أصحابه، ولا تعجب أخي القارئ من ذلك، لأن الله- ﵎، وهو الحق المبين، هو الذي وصف عبده بهذا الوصف الأتم الأكمل. كما أن من التزكيات العظيمة التي ذكرها المولى- لنبيه ﷺ هو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المؤمنون: ٧٣] . ووجه التزكية هي موافقة ما كان عليه النبي ﷺ وما كان يدعو إليه، وهي أعظم منقبة لأي داعية. قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير آية الباب: (ثم أخبر الله- بأعظم أوصاف الرسول ﷺ الدالة على رسالته، وهو أنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس المطهرة للقلب المنمية للأجر) «١» . ١٣- قيامه ﷺ بالدعوة على أكمل وجه: قال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات: ٥٤] . قال الإمام القرطبي ﵀: (أي أعرض عنهم واصفح عنهم، فما أنت بملوم عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ثم نقل عن مجاهد قوله: ليس يلومك ربك على تقصير كان منك) . انتهى «٢» . وقال الشيخ السعدي ﵀: (فليس عليك لوم في ذنبهم وإنما عليك البلاغ وقد أديت ما حملت وبلّغت ما أرسلت به) . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات قيام النبي ﷺ بالدعوة على أكمل وجه، من حيث بذله كل جهده ووقته في الدعوة إلى الله، ومن حيث الصدق والأمانة في تبليغ كل ما أمر به، ومن قبل ومن بعد كمال الإخلاص لله- عند القيام بهذه الرسالة العظيمة. الفائدة الثّانية: إثبات رضى الله- بما قام به النبي ﷺ ، من الدعوة

стр. 668

والجهاد، رضى سلم به النبيّ ﷺ من المساءلة أو اللوم على عدم إيمان من تولى، قال تعالى: فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي عن توليهم وكفرهم، فقد أديت الأمانة وبلغت الرسالة، فرفعت عنك الملامة. الفائدة الثّالثة: في الآية تسرية عن النبي ﷺ ، بإبلاغه أن عدم إيمان من آمن لا يرجع إلى تقصير منه ﷺ حيث لو كان التقصير لكانت الملامة. الفائدة الرّابعة: يؤخذ من الآية أيضا أن أجره ﷺ يكون له يوم القيامة كاملا موفورا غير منقوص، لأنه ﷺ لن يؤاخذ بعدم إيمان من لم يؤمن أو تقصير من قصر من المؤمنين. حيث إنه ﷺ لم يفرط، فإذا انضم إلى ذلك أن أجور حسنات كل أمته في ميزانه- من دون نقص في أجورهم- لأنه ﷺ هو الذي دلهم على كل خير، ونهاهم عن كل شر، علمنا ما أعده الله- لرسوله ﷺ من جزيل الثواب وعظيم العطاء، فلله الحمد ربنا في الأولى والآخرة على ما أنعم على عبده وتفضل. الفائدة الخامسة: في الآية الكريمة توجيه للعلماء والدعاة إلى الله أن عليهم ألا يبالوا بمن أعرض عن دعوتهم، إذا أخلصوا النية وصدقوا الله- في دعوتهم، وأنّ تولّي من تولّى عنهم يجب ألايثبط عزائمهم أو يثنيهم عن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقد تولى الناس من قبل عمن هو أفضل منهم في الدعوة وأخلص منهم في النية، وهو النبي ﷺ ، كما أن في الآية أيضا ترهيبا للعلماء والدعاة إلى الله- إن هم قصروا ولم يخلصوا حيث إن اللوم والعتاب سيتوجه إليهم من الله- . ٣٢- تسلية الله- لرسوله ﷺ المقصود بتسلية الله- رسوله ﷺ هو أن الله يذكر له كل ما من شأنه أن يخفف عنه حزنه وغمه وهمه، فيصبّره على تكذيب عدوه وعناده، وتوليه عن سماع كلامه ﷺ ، بتعليمه الأسباب الباعثة لهم على ذلك كالجحود والاستكبار وموت القلوب، مع تطمينه أنه ﷺ لم يقصر أبدا في الدعوة إلى الله- وإبلاغ الحق إلى الخلق. وأن الله ﵎ ناصره، ومعلي شأنه، ومعذب من عاداه وآذاه، وسنأتي إن شاء الله تعالى على بعض أنواع التسلية الموجودة في الكتاب الكريم، ولا يفوتني أن أقول: إن إثبات تسلية الله ﵎ نبيّه ﷺ هي أعظم مظاهر حب الله له، خاصة إذا علمنا أن هذه التسلية قد شملت جميع الأنواع.

стр. 669

١- وعده النصر على عدوه: قال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] . وهي آية مكية، وحدث النصر والتمكين في المدينة. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تسلية النبي ﷺ بوعده النصر على عدوه، كانت منذ بدايات البعثة وقبل أول منازلة مع الكفار، فسورة القمر مكية إجماعا وغزوة بدر الكبرى وقعت في السنة الثانية من الهجرة المباركة. ويمكن أن يكون من حكمة نزول مثل تلك الآيات المكية مبكرا، هو تربية النبي ﷺ على الاستعداد للجهاد بإعلامه ﷺ أن أمر المنازلة واقع لا محالة. الفائدة الثّانية: إثبات الآية الكريمة لبعض صفات الله- وهي العلم والقدرة وتقدير الأمور قبل وقوعها، فقد أخبر الله- بايات قرآنية تتلى على رؤس الأشهاد في مكة وغيرها- بوقوع المنازلة- قبل حدوثها بعدّة سنوات وبنتيجتها غير المتوقعة لكثرة معسكر الكفار وقلة معسكر المؤمنين- بل أخبر- بكيفية انصراف الكافرين من المعركة: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. فليس الأمر هزيمة فحسب بل هزيمة وجبن وعار. الفائدة الثّالثة: التصديق المطلق للنبي ﷺ بوعد ربه حيث ورد بدعائه ﷺ يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك» «١» . يشير إلى قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ. وجميع ما جاء في قصص الأنبياء هو من التسلية حيث ذكر القرآن الكريم في جميعها جهاد الأنبياء في الدعوة والتبليغ، وعناد من أرسل إليهم وتكذيبهم واستهزاءهم بأنبيائهم، وكيف أن الله- نصر أولياءه وخذل أعداءه، والنصر قد يتأخر لحكمة بالغة، ولكنه يأتي لا محالة، لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده. ٢- إخباره بتعذيب أعدائه في الدنيا والآخرة: قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) [المسد: ١- ٥] .

стр. 670

أولا: سبب نزول الآية الكريمة: روى البخاري في صحيحه، عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدّثتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسّيكم أكنتم تصدّقوني؟» ، قالوا: نعم، قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تبّا لك. فأنزل الله- : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها. بعض فوائد الآية الكريمة والحديث الشريف: الفائدة الأولى: أوجه تسلية النبي ﷺ في الآية الكريمة ومظاهر حب الله له: ١- نزول سورة قرآنية كاملة، تتلى إلى يوم القيامة، فيمن أساء للنبي ﷺ ، ومن علم قدر هذا الكتاب العظيم، علم قدر النبي ﷺ عند ربه، أن أنزل سورة في القرآن يسليه بها ويرفع عنه حزنه وضيق صدره مما يجد من أعدائه. ٢- نزلت السورة الكريمة مباشرة بعد مقولة أبي لهب الشنيعة، ورد في الحديث: (فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] ) . والفاء للتعقيب، وهذا يدل على عظيم غيرة الله على نبيه ﷺ وشدة غضبه على من آذاه وناوأه. ٣- افتتحت السورة الكريمة بالدعاء على عدو النبي ﷺ أبي لهب-: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ثم ورد في نفس الآية تحقق ذلك الدعاء بقوله تعالى: وَتَبَّ. واللافت للنظر أن يأتي الدعاء على أبي لهب بنفس الصيغة التي نطق بها لسانه المشئوم، وهذا يؤكد ما ذكرته في الفقرة السابقة. قال الإمامان الطبري وابن كثير- رحمهما الله تعالى-: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ دعاء عليه من الله وقوله: وَتَبَّ فإنه خبر) . انتهى «١» . وتب أي: خسر وهلك. ٤- نزول السورة بالدعاء على أبي لهب والإخبار بتحقق ذلك الدعاء، قطع كل أمل في نجاة الرجل وزوجه، كما أن إغلاق باب التوبة على الرجل وزوجه في زمن الإمهال- أي في الحياة الدنيا وقبل غرغرة الموت- يدل على غضب الله الشديد عليهما، فلم يذكر القرآن العظيم سوء خاتمة أحد بكنيته إلا أبي لهب. وهذا من شؤم عمله واستعجاله العذاب بإيذاء النبي ﷺ .
следующие страницы →