٢- كان ﷺ يدعو إلى الله وحده، وما كان يدعو إلى نفسه، فلو كان يدعو إلى نفسه لذموه بذلك، فهو أبلغ في التشنيع، لعدم اختلاف الناس في قبح هذا الفعل، كما علمنا أيضا من مقولة كفار مكة، أنه ﷺ ما طلب منهم أجرا على ذلك، لأنه كان يكفي أن يتهموه بذلك لينفضّ الناس من حوله، بدلا من أن يتهموه أنه يدعو إلى التوحيد.
٣- كما أن من أوجه تزكية النبي ﷺ المستنبطة من مقولة الكافرين، أنه ﷺ لم يعرف عنه أبدا أنه عبد الأصنام قبل البعثة؛ لأن الكفار لو علموا عنه ذلك لعيروه ﷺ أنه ترك ما كان يعبد من قبل وأنه كفر بما كان يعبد، أو أنه هو الذي تحول عما اجتمعوا عليه من قبل، والذي يظهر جليّا أن الكفار لم يجدوا ما يذمون به النبي ﷺ أو ينتقصونه به أو ما ينقضون به رسالته ﷺ فذهبوا يتخبطون فاتهموه بما كان له ثناء ومدحا من كل وجه، وهو أنه كان يدعو إلى التوحيد.
الفائدة الثّانية:
ظهور سفه الكفار وخفة عقولهم، وبيان ذلك:
١- اتهامهم النبيّ ﷺ بما يزكيه أبلغ تزكية ويرفع من قدره عند الله وعند الناس، وهو أنه ﷺ كان يدعو إلى التوحيد.
٢- إنكارهم لدعوة التوحيد رغم كل الأدلة العقلية والشرعية التي تليت عليهم آناء الليل وآناء النهار، ومما يزيد من سفههم ويؤكد خفة عقولهم أن جعلوا هذه الدعوة أمرا عجيبا فحقيق بالناس أن يتعجبوا منه، وجهلوا أن تلك دعوة إبراهيم ﵇، التي تدعي كل أمة الانتساب إليه، لشرفه وكمال دعوته إلى التوحيد.
١٢- تزكية كل أحواله ﷺ :
قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) [يس: ٣- ٤] .
لم يكتف القرآن العظيم بتزكية لسان النبي ﷺ ، وبصره وفؤاده ودعوته وأخلاقه الفاضلة، بل زكى القرآن الكريم كل أحواله ﷺ بأن أثبت له ﷺ أنه على صراط مستقيم، ولم تكن هذه هي التزكية الوحيدة لأحوال النبي ﷺ بل جاءت على نسقها تزكيات متعددة، منها على سبيل المثال قول الحق- ﵎: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل:
٧٩] ، فوصف القرآن النبيّ ﷺ أنه على الحق المبين، دون تخصيص هذا الوصف بأمر معين:
قد أفادنا أن هذا الوصف قد انسحب على كل ما يتعلق بالنبي ﷺ ، فكان ﷺ على الحق- الذي لا يخالطه أدنى باطل- في عباداته وعاداته، فيما يقول وفيما يحكم، وفيما يعتقد
стр. 667
وفيما يشرع، إذا سكت عن أمر كان هذا هو الحق، وإذا تكلم عن نفس الأمر في موضع آخر كان هذا هو الحق، إذا غضب من أمر كان غضبه موافقا تماما للحق، وكذلك إذا مزح وتبسط مع أصحابه، ولا تعجب أخي القارئ من ذلك، لأن الله- ﵎، وهو الحق المبين، هو الذي وصف عبده بهذا الوصف الأتم الأكمل.
كما أن من التزكيات العظيمة التي ذكرها المولى- لنبيه ﷺ هو قوله تعالى:
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المؤمنون: ٧٣] . ووجه التزكية هي موافقة ما كان عليه النبي ﷺ وما كان يدعو إليه، وهي أعظم منقبة لأي داعية.
قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير آية الباب: (ثم أخبر الله- بأعظم أوصاف الرسول ﷺ الدالة على رسالته، وهو أنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس المطهرة للقلب المنمية للأجر) «١» .
١٣- قيامه ﷺ بالدعوة على أكمل وجه:
قال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات: ٥٤] .
قال الإمام القرطبي ﵀: (أي أعرض عنهم واصفح عنهم، فما أنت بملوم عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ثم نقل عن مجاهد قوله: ليس يلومك ربك على تقصير كان منك) . انتهى «٢» .
وقال الشيخ السعدي ﵀: (فليس عليك لوم في ذنبهم وإنما عليك البلاغ وقد أديت ما حملت وبلّغت ما أرسلت به) .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
إثبات قيام النبي ﷺ بالدعوة على أكمل وجه، من حيث بذله كل جهده ووقته في الدعوة إلى الله، ومن حيث الصدق والأمانة في تبليغ كل ما أمر به، ومن قبل ومن بعد كمال الإخلاص لله- عند القيام بهذه الرسالة العظيمة.
الفائدة الثّانية:
إثبات رضى الله- بما قام به النبي ﷺ ، من الدعوة
стр. 668
والجهاد، رضى سلم به النبيّ ﷺ من المساءلة أو اللوم على عدم إيمان من تولى، قال تعالى:
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي عن توليهم وكفرهم، فقد أديت الأمانة وبلغت الرسالة، فرفعت عنك الملامة.
الفائدة الثّالثة:
في الآية تسرية عن النبي ﷺ ، بإبلاغه أن عدم إيمان من آمن لا يرجع إلى تقصير منه ﷺ حيث لو كان التقصير لكانت الملامة.
الفائدة الرّابعة:
يؤخذ من الآية أيضا أن أجره ﷺ يكون له يوم القيامة كاملا موفورا غير منقوص، لأنه ﷺ لن يؤاخذ بعدم إيمان من لم يؤمن أو تقصير من قصر من المؤمنين. حيث إنه ﷺ لم يفرط، فإذا انضم إلى ذلك أن أجور حسنات كل أمته في ميزانه- من دون نقص في أجورهم- لأنه ﷺ هو الذي دلهم على كل خير، ونهاهم عن كل شر، علمنا ما أعده الله- لرسوله ﷺ من جزيل الثواب وعظيم العطاء، فلله الحمد ربنا في الأولى والآخرة على ما أنعم على عبده وتفضل.
الفائدة الخامسة:
في الآية الكريمة توجيه للعلماء والدعاة إلى الله أن عليهم ألا يبالوا بمن أعرض عن دعوتهم، إذا أخلصوا النية وصدقوا الله- في دعوتهم، وأنّ تولّي من تولّى عنهم يجب ألايثبط عزائمهم أو يثنيهم عن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقد تولى الناس من قبل عمن هو أفضل منهم في الدعوة وأخلص منهم في النية، وهو النبي ﷺ ، كما أن في الآية أيضا ترهيبا للعلماء والدعاة إلى الله- إن هم قصروا ولم يخلصوا حيث إن اللوم والعتاب سيتوجه إليهم من الله- .
٣٢- تسلية الله- لرسوله ﷺ
المقصود بتسلية الله- رسوله ﷺ هو أن الله يذكر له كل ما من شأنه أن يخفف عنه حزنه وغمه وهمه، فيصبّره على تكذيب عدوه وعناده، وتوليه عن سماع كلامه ﷺ ، بتعليمه الأسباب الباعثة لهم على ذلك كالجحود والاستكبار وموت القلوب، مع تطمينه أنه ﷺ لم يقصر أبدا في الدعوة إلى الله- وإبلاغ الحق إلى الخلق. وأن الله ﵎ ناصره، ومعلي شأنه، ومعذب من عاداه وآذاه، وسنأتي إن شاء الله تعالى على بعض أنواع التسلية الموجودة في الكتاب الكريم، ولا يفوتني أن أقول: إن إثبات تسلية الله ﵎ نبيّه ﷺ هي أعظم مظاهر حب الله له، خاصة إذا علمنا أن هذه التسلية قد شملت جميع الأنواع.
стр. 669
١- وعده النصر على عدوه:
قال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] . وهي آية مكية، وحدث النصر والتمكين في المدينة.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
تسلية النبي ﷺ بوعده النصر على عدوه، كانت منذ بدايات البعثة وقبل أول منازلة مع الكفار، فسورة القمر مكية إجماعا وغزوة بدر الكبرى وقعت في السنة الثانية من الهجرة المباركة. ويمكن أن يكون من حكمة نزول مثل تلك الآيات المكية مبكرا، هو تربية النبي ﷺ على الاستعداد للجهاد بإعلامه ﷺ أن أمر المنازلة واقع لا محالة.
الفائدة الثّانية:
إثبات الآية الكريمة لبعض صفات الله- وهي العلم والقدرة وتقدير الأمور قبل وقوعها، فقد أخبر الله- بايات قرآنية تتلى على رؤس الأشهاد في مكة وغيرها- بوقوع المنازلة- قبل حدوثها بعدّة سنوات وبنتيجتها غير المتوقعة لكثرة معسكر الكفار وقلة معسكر المؤمنين- بل أخبر- بكيفية انصراف الكافرين من المعركة: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. فليس الأمر هزيمة فحسب بل هزيمة وجبن وعار.
الفائدة الثّالثة:
التصديق المطلق للنبي ﷺ بوعد ربه حيث ورد بدعائه ﷺ يوم بدر:
«أنشدك عهدك ووعدك» «١» . يشير إلى قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ.
وجميع ما جاء في قصص الأنبياء هو من التسلية حيث ذكر القرآن الكريم في جميعها جهاد الأنبياء في الدعوة والتبليغ، وعناد من أرسل إليهم وتكذيبهم واستهزاءهم بأنبيائهم، وكيف أن الله- نصر أولياءه وخذل أعداءه، والنصر قد يتأخر لحكمة بالغة، ولكنه يأتي لا محالة، لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده.
٢- إخباره بتعذيب أعدائه في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) [المسد: ١- ٥] .
стр. 670
أولا: سبب نزول الآية الكريمة:
روى البخاري في صحيحه، عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدّثتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسّيكم أكنتم تصدّقوني؟» ، قالوا: نعم، قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تبّا لك. فأنزل الله- : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها.
بعض فوائد الآية الكريمة والحديث الشريف:
الفائدة الأولى:
أوجه تسلية النبي ﷺ في الآية الكريمة ومظاهر حب الله له:
١- نزول سورة قرآنية كاملة، تتلى إلى يوم القيامة، فيمن أساء للنبي ﷺ ، ومن علم قدر هذا الكتاب العظيم، علم قدر النبي ﷺ عند ربه، أن أنزل سورة في القرآن يسليه بها ويرفع عنه حزنه وضيق صدره مما يجد من أعدائه.
٢- نزلت السورة الكريمة مباشرة بعد مقولة أبي لهب الشنيعة، ورد في الحديث:
(فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] ) . والفاء للتعقيب، وهذا يدل على عظيم غيرة الله على نبيه ﷺ وشدة غضبه على من آذاه وناوأه.
٣- افتتحت السورة الكريمة بالدعاء على عدو النبي ﷺ أبي لهب-: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ثم ورد في نفس الآية تحقق ذلك الدعاء بقوله تعالى: وَتَبَّ. واللافت للنظر أن يأتي الدعاء على أبي لهب بنفس الصيغة التي نطق بها لسانه المشئوم، وهذا يؤكد ما ذكرته في الفقرة السابقة. قال الإمامان الطبري وابن كثير- رحمهما الله تعالى-: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ دعاء عليه من الله وقوله: وَتَبَّ فإنه خبر) . انتهى «١» . وتب أي: خسر وهلك.
٤- نزول السورة بالدعاء على أبي لهب والإخبار بتحقق ذلك الدعاء، قطع كل أمل في نجاة الرجل وزوجه، كما أن إغلاق باب التوبة على الرجل وزوجه في زمن الإمهال- أي في الحياة الدنيا وقبل غرغرة الموت- يدل على غضب الله الشديد عليهما، فلم يذكر القرآن العظيم سوء خاتمة أحد بكنيته إلا أبي لهب. وهذا من شؤم عمله واستعجاله العذاب بإيذاء النبي ﷺ .
стр. 671
الفائدة الثّانية:
السورة الكريمة معجزة ظاهرة للقرآن الكريم وهي من دلائل نبوته ﷺ ، ذلك أن القرآن الكريم قد حكم على أبي لهب وزوجته أنهما سيموتان على الكفر، وقد حدث ذلك فعلا، فما الذي منعهما أن يظهرا الإسلام- ولو ظاهرا- طعنا في دين الإسلام، فالله- بقدرته لم يحل بينهما وبين إظهار الإسلام على الحقيقة فحسب، ولكن حال أيضا بينهما وبين إعلان الإسلام ولو خداعا ونفاقا، وهذا من عجائب قدرته ﵎، ودالّ على أن قلوب العباد بيديه- يقلبها كيفما شاء. وأما أن الآية الكريمة من دلائل نبوته ﷺ ، فظاهر فلولا أنه ﷺ يوحى إليه من ربه ما جاء بهذا الحكم القاسي على أبي لهب وزوجته وأحرج نفسه- حاشا لله- إن هم دخلا في الإسلام. فقد حكم الله- عليهما بسوء الخاتمة في زمن الإمهال، وهذا لم يحدث، - فيما نعلم- في حق أحد من الكفار، مع ذكر كنيته إلا أبي لهب وزوجته، حتى إنه لم يحدث لفرعون الذي ادعى الألوهية، وهى معجزة ظاهرة للقرآن، وتكريم عظيم للنبي ﷺ ، وتهديد شديد لكل من يؤذي النبي ﷺ .
الفائدة الثّالثة:
أنه لا ينفع الكافر صلة قرابته بالنبي ﷺ كما لا ينفعه ماله ولا ولده ولا حسن وجهه، قال الإمام ابن كثير ﵀: (أبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتيبة وإنما سمّي أبا لهب لإشراقة وجهه وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه) «١» .
الفائدة الرّابعة:
يقين أهل مكة- خاصة أهل قرابة النبي ﷺ من صدقه وعدم كذبه، والذي لا يكذب على الناس كيف يكذب على رب الناس، ورد في الحديث: «أرأيتكم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني» ؟ قالوا: نعم.
وأضرب مثالا آخر سريعا لانتقام الله- من أعداء النبي ﷺ الذين آذوه وعادوه، وهو حكم الله- ﵎ في القرآن الكريم على مبغض الرسول بأنه أبتر- أي مقطوع ذكره، قال الله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر. فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بتر؛ فأنزل الله إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) وهذا يرجع إلى ما قلناه أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل قد أبقى الله ذكره
стр. 672
على رؤس الأشهاد وأوجب شرعه على رقاب العباد مستمرا على دوام الآباد إلى يوم الحشر والمعاد صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد) . انتهى «١» .
٣- بذكر استهزاء الكفار لمن قبله من الرسل:
قال تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] .
قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير الآية ما نصه: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مسليا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به والاستخفاف في ذات الله: هوّن عليك يا محمد ما أنت لاق من هؤلاء المستهزئين بك المستخفين بحقك وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيهم وإصرارهم على المقام على كفرهم نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم من تعجيل النقمة لهم وحلول المثلات بهم) «٢» .
وقال الإمام ابن كثير ﵀: (هذه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة) «٣» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
ليس في النبي ﷺ ما يبعث على استهزاء وسخرية الكافرين- هلك وخاب من اعتقد خلاف ذلك- فهو ﷺ أكمل الناس خلقا وأجملهم وجها وأحسنهم صوتا وأفصحهم لسانا وأبلغهم بيانا وأرجحهم عقلا وأصدقهم قولا وأوفاهم عهدا وأجودهم نفسا وأرقهم قلبا، ومن قبل ومن بعد: أعلمهم وأتقاهم لله رب العالمين، ولكن استهزاء الكفار هو مسلكهم مع الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام.، فإذا كان كفار مكة ليسوا بدعا من الكفار في استهزائهم بالأنبياء، وإذا كان النبي ﷺ ليس بدعا من الأنبياء في استهزاء الكفار به، فإن لله- سنة واحدة وهي نصرة النبيين وإهلاك المستهزئين، قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وبذلك تكون الآية قد سلّت النبيّ ﷺ على أحسن وجه بأن ذكرت أن من استهزئ به من قبل هم خير الخلق وذكرت عاقبة المستهزئين. فرفعت الحرج الذي يمكن أن يجده النبي ﷺ بينه وبين نفسه أو أمام أزواجه أو أصحابه ﵃ جميعا.
стр. 673
الفائدة الثّانية:
بيان عاقبة السوء بمن استهزأ بشيء من حرمات الله ﵎، والتي من أعظمها، رسله إلى خلقه حيث ذكرت الآية أن العذاب سيحيق بهم، أي- سيحيطهم من كل جانب، وما أسوأ هذا العذاب وأبشعه.
الفائدة الثّالثة:
ومن جنس تسليته ﷺ بذكر استهزاء المشركين بالأنبياء من قبله، تسليته ﷺ بذكر تكذيب الأمم السابقة لإخوانه الأنبياء، مع أنهم جاؤا قومهم بايات الله البينات، الكونية والشرعية قال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ [فاطر: ٢٥] .
وأيضا: قوله تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ [الأنبياء: ٣٦] .
٤- بذكر أسباب تولي الكفار وتكذيبهم:
والغرض من تلك التسلية أن يتيقن النبي ﷺ أن تولي الكفار وعدم سماعهم وإعراضهم عنه ليس بسبب تقصيره في النصح والإرشاد أو ضعف حجته وبيانه أو خلل في قرآنه وسنته، ولكن إعراضهم بسبب تكبرهم واستكبارهم وجحودهم وإنكارهم وأمثلة هذه التسلية في القرآن كثيرة، ولكن سنكتفي بثلاثة أمثلة فحسب:
المثال الأول:
توليهم بسبب جحودهم بايات الله:
قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . قال الإمام ابن كثير ﵀: (إنهم لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدودهم) «١» . وقال الشيخ السعدي ﵀:
(قد نعلم أن الذي يقوله المكذبون فيك يحزنك ويسوءك، ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية، فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك أو شك فيه فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ؛ لأنهم يعرفون صدقك ومدخلك ومخرجك وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونك- قبل البعثة- الصادق الأمين) «٢» .
المثال الثاني:
توليهم بسبب موتهم وصمم آذانهم.
قال تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل: ٨٠] .
стр. 674
قال صاحب المنتخب: (إنك- أيها الرسول- لا تستطيع هدايتهم، فإنهم كالموتى في عدم الوعي، وكالصم في فقدان أداة السمع، فليسوا مستعدين لسماع دعوتك لتماديهم في الإعراض عنك) ، وقال ﵀: (ولست بمستطيع أن تهدي إلى الحق من عميت أبصارهم وبصائرهم ولا يمكنك أن تسمع إلا من يقبل على الإيمان باياتنا فهم مطيعون مستجيبون) .
المثال الثالث:
توليهم بسبب اتباعهم الهوى.
قال تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠] . قال الشيخ السعدي ﵀:
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فلم يأتوا بكتاب أهدى منه فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ، أي:
فاعلم أن تركهم اتباعك ليسوا ذاهبين إلى حق يعرفونه ولا إلى هدى، وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم) «١» .
٣٣- كفاية الله له ﷺ :
الكفاية في اللغة:
من كفى وهو الاستغناء يقال كفاه الشيء يكفيه أي استغنى عن غيره فهو كاف وكفىّ.
قد قسمت كفاية الله- ﵎ لنبيه ﷺ إلى ثلاثة أقسام وهي (كفايته شرعا- كفايته قدرا- كفايته شرعا وقدرا) ليتبين للقارئ مدى حب الله- لنبيه ﷺ وحفظه من جميع الوجوه، وإلا فإن الأقسام الثلاثة قد تتداخل، وقد أتيت بشواهد قليلة لهذه الكفاية لعدم الإطالة- قدر الإمكان- وأترك للقارئ الكريم تدبر القرآن ليتبين له شواهد تلك الكفاية، والتي من أمثلتها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] ، وقوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] .
١- كفايته شرعا:
قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الصف: ٢٨] . قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، يقول جل ثناؤه لنبيه ﷺ : (أشهدك يا محمد ربّك على نفسه أنه سيظهر الدين الذي بعثك به
стр. 675
وحسبك به شاهدا) ، وقال ﵀: (أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله) «١» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
أظهرت الآية بجلاء حب الله لنبيه ﷺ حيث بينت الآية كفاية الله له ﷺ من كل وجه يتبين ذلك من:
١- ثناء الله- ﵎ البالغ على ما أرسل به النبي ﷺ فلا يضره بعد ذلك ذم القادحين ولا يزيده مدح المادحين، فالحمد لله الذي كفى نبيه شر الصنف الأول، وأغناه عن الصنف الثاني. قال الإمام ابن كثير ﵀: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، أي بالعلم النافع والعمل الصالح فإن الشريعة تشتمل على شيئين علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح والعمل الشرعي مقبول فإخباراتها حق وإنشاآتها عدل) «٢» .
٢- كفاه الله- همّ ظهور هذا الدين: هل سيظهر هذا أم لا؟ هل سيعلو على كل الأديان أم لا؟ فطمأنه الله- ﵎ وكفاه حمل هذا العبء الثقيل، بأن وعده أنه سيمكن له دينه ﷺ غاية التمكين، فو الله لو خذل الناس جميعا النبي ﷺ فسيظهر هذا الدين لأن الذي تكفل بذلك هو الله- ألم تسمع لقوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ.
٣- كفاه الله- شهادة كل أحد من الخلق على صدق نبوته وإظهار دينه، قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، قال الإمام الطبري ﵀ ما نصه: (أشهدك يا محمد ربك على نفسه أنه سيظهر الدين الذي بعثك به وحسبك به شهيدا) «٣» . وقال صاحب تفسير الزبد: (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على إظهار الدين الذي وعد المسلمين به وعلى صحة نبوة نبيه ﷺ ، وقال الإمام ابن كثير ﵀: (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على أنه رسوله وهو ناصره) «٤» .
الفائدة الثّانية:
من شكك في نصرة الله- نبيه وصحة نبوته ﷺ أو شكك في أن ما جاء به ﷺ هو الحق والهدى، فقد طعن في شهادة الله- .
الفائدة الثّالثة:
في الآية الكريمة أبلغ التسلية للنبي ﷺ وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة، بأن الغلبة في نهاية الأمر لدين الله- ﵎. قال الإمام الطبري ﵀:
стр. 676
(وهذا إعلام من الله تعالى لنبيه ﷺ والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان، مسليهم بذلك عما نالهم من الكابة والحزن بسبب انصرافهم عن مكة قبل دخولها وقبل طوافهم بالبيت) «١» .
٢- كفايته قدرا:
قال تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٤، ٩٥] . قال الإمام ابن كثير ﵀ في معنى الآية: (أي بلغ ما أنزل إليك من ربك ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم) «٢» .
بعض فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى:
حب الله- لنبيه ﷺ وغضبه الشديد- على من تعرض لخليله ﷺ فوعده بالانتقام منهم، واللافت للنظر أن هؤلاء المستهزئين قد كفروا بالله وصدوا عن سبيله ولكن الله- لما ذكر صفاتهم ابتدأ بصفة الاستهزاء وكأنها الباعث على الانتقام الإلهي منهم. قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير الآية: (اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله فإن الله كافيك من آذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة وهم: الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن أسد، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة أهلكهم الله جميعا قبل يوم بدر في يوم واحد لاستهزائهم برسول الله ﷺ «٣» .
الفائدة الثّانية:
في الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لكل من استهزأ بأدنى شيء يخص نبينا ﷺ ، ويكفي أن أقول له: يكفيك أنك قد جعلت الله خصما لك، ويا ويل من فعل ذلك، فو الله إنّ قدر نبينا محمد ﷺ عند ربه وقت بعثته ومن قبلها ومن بعدها إلى يوم القيامة لا يتغير ولا يتبدل، وغضب الله- على من استهزأ به ﷺ وانتقامه منه لا يمكن أن يتخلف؛ لأن وعد الله- بكفاية نبيه ﷺ المستهزئين لا يرتبط بزمان دون زمان ولا بأمة دون أمة، فقد تهلك قرية بأكملها أو تمحق منها البركة أو تصيبها الأمراض المزمنة أو تنتشر فيها الرذيلة والفحشاء لأن بعض أهل القرية قد تعرض للنبي ﷺ بأدنى إيذاء ولم يجدوا من يأخذ على أيديهم، ولا أستبعد أن يكون بعض ما أصاب الأمة
стр. 677
الإسلامية الآن بسبب تفريطها في حقوق النبي ﷺ في مواجهة الملحدين والمستهزئين به وبشريعته وسنته ﷺ .
الفائدة الثّالثة:
عظيم علم الله وحكمته وقدرته- فبعلمه اطلع على المستهزئين، وبحكمته وعد نبيه بإهلاكهم، وبقدرته أنفذ وعده ونصر عبده ﷺ .
شاهد ثان على كفايته ﷺ قدرا:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٧] .
قال الشيخ السعدي ﵀: (هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك) «١» .
أقول: وهذه الآية الكريمة من أكبر دلائل نبوته ﷺ وأنه يوحى إليه من ربه؛ فقد تضمنت الآية حكما يستحيل أن يضمنه أحد من البشر، مهما كانت قوته ومهما بلغت سطوته، فلا يقدر أحد أن يحمي أحدا أو يعصمه طوال حياته من جميع الناس وفي كل الأحوال، إلا الله- خاصة إذا كان مثل الرسول ﷺ الذي امتلأت حياته بالغزوات ومنازلة الكفار حيث الكر والفر، بالإضافة إلى خطر المنافقين الذين ملأوا أرجاء المدينة مع حرصهم الشديد على إيذائه. فما الذي يدفع النبي ﷺ أن يعلن للناس أن الله قد عصمه، وما سيتبع ذلك الإعلان من لزوم الاستغناء عن أي حرس من البشر.
وأقول لكل منصف- من غير المسلمين- هل يعقل أن يدعي أحد النبوة ويكذب على ربه طمعا في الدنيا وزينتها ورغد العيش فيها، ثم يعرض نفسه للتهلكة، بدعوى أن الله- عاصمه، ثم الأعجب من ذلك أن الله- ﵎ بالفعل يعصمه ويحميه- رغم دعوى الخصم أنه يكذب على ربه- هذا لا يقوله عاقل.
شاهد ثالث على كفايته قدرا:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قال:
فقيل: نعم، فقال: واللّات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفّرنّ وجهه
стр. 678
في التّراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلّا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه قال: فقيل له: ما لك؟! فقال: إنّ بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة!! فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» ، قال: فأنزل الله- لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) [العلق: ٦- ١٣] ، يعني أبا جهل أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ (١٩) ، زاد عبيد الله في حديثه قال: وأمره بما أمره به. وزاد ابن عبد الأعلى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، يعني قومه) «١» .
٣- كفايته شرعا وقدرا:
قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٣٦] .
قلت:
إن هذه الآية تدل على كفاية الله- شرعا وقدرا- أي أنها كفاية من كل الوجوه- لأن الآية لم تقيد الكفاية بنوع معين، فعلمنا أنها تشمل كل أنواع الكفاية في الدين والدنيا والآخرة وفي الحياة وفي الممات. قال الشيخ السعدي ﵀: (فإن الله سيكفيه في أمر دينه ودنياه ويدفع عنه من ناوأه بسوء) «٢» ، وقال صاحب التفسير الميسر:
(أليس الله بكاف عبده محمدا وعيد المشركين من أن ينالوه بسوء؟ بلى إنه سيكفيه في أمر دينه ودنياه ويدفع عنه من أراده بسوء) ، ومعنى كفاية الله لنبيه ﷺ أن يقوم بمصالحه ومهامه.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
وجوب أن يعتقد كل مسلم أن الشريعة الإسلامية، كتابا وسنة، أصولا وفروعا، فرائض وسننا، كاملة أبلغ الكمال لا تحتاج إلى زيادة، حسنة أشد الحسن وأظهره، لا تحتاج إلى من يجملها أو يحسنها، وهذا الفهم هو مقتضى مفهوم الآية الكريمة، فمن اعتقد أن الشريعة تحتاج إكمال ولو في أمر واحد، أو تحتاج إلى إخفاء شيء منها لعدم حسنه، أو أن في غيرها ما هو خير منها، فقد طعن في شهادة الله- ﵎ الذي
стр. 679
أبلغناه- وهو الأصدق حديثا- أنه قد كفى عبده في أمره كله.
الفائدة الثّانية:
العبودية هي أشرف منازل المرسلين ومن أرسل إليهم، لأن الله- ﵎ لما ذكر منزلة عظيمة من منازل نبيه ﷺ وهي منزلة كفايته العامة، لم يذكره بصفة الرسالة أو النبوة مع شرفها وعلو قدرها ولكن وصفه بصفة العبودية.
الفائدة الثّالثة:
في الآية الكريمة حثّ لكل مسلم أن يحقق في نفسه صفة العبودية، بامتثال طاعة الله ورسوله ﷺ وأن يربي نفسه على خوف الله وتقواه، وأن يشعر أنه هو الذليل المسكين الفقير، وأن الله- هو الغني القوي العزيز، وأن يترجم هذا الشعور إلى سلوك في أقواله وأفعاله وأخلاقه. وبقدر ما يحقق المرء أمر العبودية لله بقدر كفاية الله له، وليس معنى هذه الكفاية، ألا يصيب العبد سوء أو مكروه، في نفسه أو أولاده أو ماله، ولكن معناها أن يصلح الله له باله ويوفقه لما يحب ويرضى، يشكر في النعماء ويصبر على الضراء، فلا يتسخط على شيء من أمور الدين أو الدنيا.
стр. 680
سادسا: مظاهر العناية الإلهية بأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين
أ- تربيتهن على أحسن الأقوال والأفعال والأخلاق وعدم تسويتهن ببقية نساء الأمة:
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً
(٣٤) [الأحزاب: ٢٨- ٣٦] .
لم يقتصر اعتناء الله- بالنبي ﷺ وحده، ولكن شمل هذا الاعتناء الإلهي أزواجه الطاهرات الميامين، فأمرهن بأفضل الأقوال والأفعال، وشرّفهن على النساء جميعا لمنزلتهن وقربهن من خير الخلق نبينا محمد ﷺ ، وسنأتي على مظاهر ذلك من الآيات الكريمات:
١- وجوب الزهد في الدنيا:
لما اجتمع نساء النبي ﷺ عليه وطلبن منه زيادة النفقة والكسوة، أنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: ٢٨] ليعلمهن أن زوجات النبي ﷺ لا يليق بهن التعلق بشيء من الدنيا أو التشوف إليها، وكفاهن ما هن فيه من القرب من رسول الله ﷺ ، وسماع القرآن والحكمة النبوية.
٢- حثهن على اختيار الله ورسوله والدار الآخرة:
من دلائل حب الله لأمهات المؤمنين- ﵅ أن رغّبهنّ أعظم الترغيب في اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، فقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
стр. 681
[الأحزاب: ٢٩] فمن مظاهر الترغيب في الآية:
* تصدير جواب الشرط ب- «إن» لإفادة توكيد الأجر للمحسنات.
* نصت على الآية أن الذي أعد الأجر هو الله- ، لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ [الأحزاب: ٢٩] وكفى بذلك تنويها لكريم الأجر وعظيم قدر من أعدّ له الأجر.
* وصف من اختارت الله ورسوله والدار الآخرة بأعلى مراتب الإيمان وهو الإحسان فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ [الأحزاب: ٢٩] .
* تخصيص الأجر العظيم لمن اختارت الله ورسوله دون سواهما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ [الأحزاب: الآية ٢٩] إشعارا بأن هذا الأجر لن يشاركهن فيه أحد أبدا.
* وصف الأجر المترتب على اختيار الله ورسوله ب (العظيم) ، ولك أخي القارئ أن تتخيل مقدار هذا الأجر فهو عظيم في قدره، عظيم في وصفه، ويكفي أن الذي أعده هو العظيم، وقد وصفه بالعظيم.
٣- تضعيف العذاب لمن ارتكبت شيئا (حاشا لله) :
وهذا أيضا من أوجه التأديب الرباني لأمهات المؤمنين، ليزداد حذرهن من الفواحش، وليشعرن أن أعراضهن ليست كأعراض غيرهن من النساء، قال الإمام ابن كثير- ﵀: (فلما كانت محلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع) . انتهى «١» .
ويختلف نظر المؤمن والمنافق لهذه الآية، فأما المؤمن فيرى فيها عظيم قدر أعراض أمهات المؤمنين، وأن الله أراد بهذه الآية إظهار شرفهن وفضلهن، وأما المنافق فيرى أن فعل الشرط دليل على إمكانية وقوعه، وآيات القرآن الكريم تردّ عليه، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الزّمر: ٦٥] فهل يتصور أحد أن يقع الشرك منه ﷺ ومثاله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) [الزّخرف: ٨١] ، فكما يقول علماء اللغة:
(الشرط لا يقتضي الوقوع) .
стр. 682
٤- مضاعفة الأجر للقانتات منهن (وهن جميعا كذلك) :
لما حذرهن الله- من الوقوع في الفواحش بمضاعفة العذاب، كان من المناسب أن يرغّبهنّ في طاعة الله ورسوله بمضاعفة الأجر، قال ابن كثير- ﵀ في تفسير قوله تعالى: نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً [الأحزاب: ٣١] قال: (أي في الجنة فإنهن في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش) «١» .
٥- عدم تسويتهن ببقية النساء:
قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب: ٣٢] ، وهذا تشريف عظيم لأمهات المؤمنين ﵅ حيث أثبت الله أنهن باستكمال التقوى لن يساويهن أحد من نساء الأمة، وفي الآية أيضا أبلغ الحث لهن بتقوى الله لضمان بلوغ هذه المنزلة العالية الرفيعة التي لن تبلغها امرأة من نساء الأمة.
٦- أمرهن بأحسن الأفعال والأقوال والأخلاق:
أما أحسن الأفعال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، وتبليغ الكتاب والسنة، والتزام الحجاب والعفة.
وأحسن الأقوال: أن يكون كل كلامهن معروفا.
وأما أحسن الأخلاق: عدم الخضوع بالقول (أي التكسّر فيه) والقرار في البيت.
٧- إرادة الله كمال طهرهن وعفتهن:
وهي إرادة خاصة بأهل البيت، ودليله من الآية قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣] وهذه الإرادة الخاصة تدل على عظيم اعتناء الله- بأمهات المؤمنين وزيادة شرفهن على كل أفراد الأمة.
٨- تذكيرهن بشرف بيوتهن:
قال تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤] ، وهي أعظم منة امتن الله بها على نساء النبي ﷺ بعد زواجهن منه، أن جعل بيوتهن محلّا لتلاوة
стр. 683
القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة، وإذا كان واجبا على كل مسلم أن يسعى إلى حلق العلم والذكر فأعتقد أن نساء النبي ﷺ غير مكلفات بذلك لأن العلم والذكر قد جاء إلى بيوتهن وبذلك قد كفاهن الله مؤونة السعي إليهما، وهذا مما يزيد في شرفهن وفضلهن.
وقد ذكر القرطبي ثلاثة معان للفظ الذكر الوارد في الآية الكريمة:
الأول: اذكرن موضع النعمة إذ صيّركنّ الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة.
والثاني: اذكرن آيات الله واقدرن قدرها وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى.
الثالث: احفظن واقرأن وألزمنه الألسن «١» .
٩- إعلامهن بلطف الله بهن:
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً [الأحزاب: ٣٤] ؛ قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (أي بلطفه بكن بلغتنّ هذه المنزلة وبخبرته بكنّ وأنكنّ أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك) «٢» . وقال ابن جرير: (أي ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة- وهي السنة- خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله) «٣» .
من كل ما تقدم نعلم المنزلة العالية الرفيعة لأمهات المؤمنين، حيث لم يدع الله- معروفا إلا حثهن عليه ورغبهن فيه، ولم يترك محرما إلا حذرهن منه، كما لم يترك شرفا ولا فضلا إلا وأثبته لهن بأكمل وأوفر ما يكون، وما كان ذلك إلا لقربهن واقترانهن بالنبي ﷺ .
وللتمة فإني سأذكر بعض فوائد الآيات الكريمات عسى الله أن ينفعنا بها، وقد رأيت أن أذكر فوائد كل آية على حدة، حتى لا تختلط الفوائد على القارئ، وليعلم بالضبط موضع الاستنباط، فأقول وبالله التوفيق:
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأحزاب: ٢٨] فيها:
١- قال الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى- كلاما نفيسا، قال ما نصه: «في آية التخيير فوائد:
стр. 684
منها: الاعتناء برسوله وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.
ومنها: سلامته ﷺ بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [الأحزاب: ٣٨] .
ومنها: تنزيهه عن لو كان فيهن من تؤثر الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة عنها، وعن مقارنتها.
ومنها: سلامة زوجاته ﵅ من الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله.
فحسم الله بهذا التخيير عنهن التسخط على الرسول الموجب لسخطه المسخط لربه الموجب لعقابه.
ومنها: إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهنّ، إن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن دون الدنيا وحطامها.
ومنها: استعدادهن بهذا الاختيار للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يكنّ زوجاته في الدنيا والآخرة.
ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات طيبات مطيبات وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ [النّور: ٢٦] .
ومنها: أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه.
ومنها: أن يكون اختيارهن هذا سببا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يكن بمرتبة ليس فيها أحد من النساء» «١» .
٢- ظنت أمهات المؤمنين- ﵅ أنه يمكن الجمع بين زيادة النفقة في الدنيا وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فلما خيّرن علمن أن هذا الجمع محال فاخترن جميعا الله ورسوله بلا تردد، روى البخاري في صحيحه، عن الزّهريّ قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن أنّ عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أخبرته: «أنّ رسول الله جاءها حين أمره الله أن يخيّر أزواجه فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «إنّي ذاكر لك أمرا فلا
стр. 685
عليك ألاتستعجلي حتّى تستأمري أبويك» - وقد علم أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه- قالت: ثمّ قال: «إنّ الله قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: ٢٨] ... » إلى تمام الآيتين- فقلت له: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟! فإنيّ أريد الله ورسوله والدّار الآخرة» «١» .
٣- حث الأمة على الزهد في الدنيا، فلولا أن الزهد في الدنيا من أسباب الفوز والفلاح، ما رغّب الله نساء النبي ﷺ فيه بل وجعله شرطا في البقاء بجوار النبي ﷺ .
٤- ما كان عليه النبي ﷺ من كمال الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة ودليله أن الله لم يرض من زوجاته إلا هذا المسلك، وأمرهن به وحثهن عليه، فكيف يرضى من نبيه ﷺ بأقل من الكمال فيه.
وكأن الآية الكريمة تلمح إلى أن الإنسان بقدر ما تعلق بالدنيا بقدر ما نقص تعلقه بالآخرة، فالتعلق التام بالدنيا والآخرة لا يجتمعان في قلب واحد، وتزهيد الصحابة في الدنيا كان مسلك النبي ﷺ في تربيتهم، روى البخاري عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» «٢» .
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) .
٤- حث الرجال على تسريح زوجاتهن- إذا تم الطلاق- تسريحا جميلا، ففي الآية أمر من الله- لنبيه ﷺ ، أن امرأة من زوجاته لو اختارت الدنيا- رغم حقارتها على جوار النبي ﷺ ألا يعنفها ولا يقبحها ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يجب تسريحها تسريحا جميلا، فما بالكم لو وقع الطلاق بين زوجين لسبب أقل من ذلك ألا ينبغي أن يكون السراح جميلا؟!.
٥- في الآية دليل على مشروعية طلاق المرأة التي تشغل الرجل عن أمور آخرته لحبها للدنيا وتعلقها بها، وهي أيضا من حقها أن تطلب الطلاق إذا كان زوجها لا يوفر لها أسباب الفوز والفلاح في الآخرة.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ [الأحزاب: ٢٩] .
стр. 686
١- لم تقيد الآية إرادة الله ورسوله بشيء معين من أمور الشرع؛ كالحب أو الطاعة فلم تقل الآية مثلا: (وإن كنتن تردن حب الله ورسوله) ، أو (وإن كنتن تردن طاعة الله ورسوله) ، ولكن الآية أطلقت لتوجيه العبد أن عليه أن يقصد كل أمر يتقرب به إلى الله ورسوله، فإن على العبد أن يجمع في طريقه إلى الله- بين الخوف والرجاء والحب والطاعة، وكذلك حب النبي ﷺ وتوقيره وإجلاله واتباع سنته.
٢- ذكرت الآية تُرِدْنَ [الأحزاب: ٢٨] للتنويه على أن الإرادة هي التي توصل العبد إلى الله ورسوله، وهي التي يثاب عليها العبد، أما مجرد التمني دون الإرادة فليس للعبد فيها حظ، وأقصد بالتمني هنا تسويف العبد للأعمال الصالحة، والتمني قد ذمه الله تعالى في قوله: يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤] .
٣- عطفت الآية الدار الآخرة على الله ورسوله، مع أنها داخلة قطعا في إرادة الله ورسوله، وهذا العطف لأسباب منها:
أ- مقابلة إرادة الحياة الدنيا التي ذكرت في الآية السابقة بإرادة الدار الآخرة.
ب- الإشارة إلى أن تعلق العبد بالدار الآخرة وما أعد الله فيها من الثواب الجزيل لعباده هي أعظم ما يعين العبد على اختيار الله ورسوله.
ج- التذكير بأن الأجر العظيم الذي أعده الله للمحسنين والمحسنات إنما يكون قطعا في الآخرة، وهذا مما يزهّد الإنسان في الدنيا.
٤- إثبات أن الجنة موجودة الآن، لقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ [الأحزاب: ٢٩] وأعد فعل ماض، لا يصرف عن ظاهره إلا بدليل من الكتاب والسنة.
٥- إحاطة علم الله بكل شيء قبل حدوثه، حيث دلت الآية أن الله قد أعد لمن اختارت الله ورسوله الأجر العظيم قبل وقوع الاختيار من نساء النبي ﷺ .
٦- ثبوت درجة الإحسان لكل أمهات المؤمنين- ﵅ لاختيارهن جميعا الله ورسوله ﷺ .
٧- ثبوت الأجر العظيم لكل أمهات المؤمنين- ﵅ لاختيارهن الله ورسوله ﷺ .
٨- الإحسان هو أعظم منازل العبد، ولو أن هناك منزلة هي أعظم من الإحسان
стр. 687
لوصف الله بها أمهات المؤمنين اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وليكون أبلغ في حثهن.
٩- لا يبلغ العبد منزلة الإحسان إلا إذا زهد في الدنيا واختار الله ورسوله والدار الآخرة.
قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [الأحزاب: ٣٠] .
١- عدم استحياء الله- ﵎ من الحق، حيث ذكر مثل هذه الآية في كتابه الكريم، في حق من؟ زوجات أحب الخلق إليه ﷺ .
٢- أنساب الناس وشرفهن في الدنيا ليس معتبرا شرعا ولا يقي من عذاب الله- ، ولو أن الحسب والنسب يقي من عذابه لكان أولى الناس بالانتفاع بهما هن زوجات النبي ﷺ ، ولكن الله قد رتب لهن أشد العذاب إذا خالفن أوامره.
٣- يجب على المسلمين- خاصة أهل الصلاح والتقوى- ألا يأمنوا شر المعاصي من حيث الوقوع فيها، ولا من عذاب الله إن هم وقعوا فيها، فهؤلاء أفضل النساء قد حذرهن الله- من الوقوع في الشرور والآثام، بل ومن سوء الأدب أن يظن الرجل الصالح أنه في مأمن من المعاصي.
٤- قد يضاعف العذاب أكثر على أهل الصلاح والتقوى إن باشروا بعض المعاصي والآثام ولم يتوبوا منها لعظيم حق الله عليهم ولما آتاهم من العلم أكثر من غيرهم، فما كان تشديد العقوبة على أمهات المؤمنين إن وقع منهن شيء- وحاشا لله أن يقع منهن منكر- إلا لعظيم فضل الله عليهن عن بقية نساء الأمة، بل نساء العالمين.
٥- الإشارة إلى قدرة الله- وأنه لا يصعب عليه شيء لقوله تعالى:
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النّساء: ٣٠] .
قوله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ [الأحزاب: ٣١] .
١- عدل الله- المطلق، حيث ضاعف لكل زوج من أزواج النبي ﷺ الأجر على طاعتها في مقابل تضعيف العذاب على ارتكاب النواهي.
٢- فضل الله- العظيم على عباده المؤمنين، إذ أرشدهم لكل عمل صالح، ووفقهم لمباشرته، ورزقهم من الصحة والعافية والمال والأجل ما يجعلهم يقدرون على عمل الصالحات ثم كافأهم أحسن المكافأة على عملهم الذي هو محض فضله من كل
стр. 688
وجه، وسمّى تلك المكافأة أجرا.
فسبحان الذي أظهر عدله وفضله في آية واحدة.
٣- التنويه على ضرورة أن يكون العمل صالحا حتى يكون مقبولا، وشرط صلاح العمل الإخلاص والمتابعة.
قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢] .
١- عظيم قدر النبي ﷺ ومنزلته عند ربه- جل وعلا-، إذ حكم بعدم المساواة بين زوجات النبي وغيرهن من نساء العالمين، وما كان ذلك إلا باقترانهن وقربهن من النبي ﷺ ، وإذا كان الله قد حكم لنسائه بعدم تسويتهن مع بقية النساء فكيف نتصور أن يتساوى النبي ﷺ مع أي من الخلق؟!
٢- الزواج من النبي ﷺ ، والعيش معه تحت سقف واحد، هو عمل صالح يترتب عليه ثواب عظيم ومنزلة عالية رفيعة لا يمكن أن تبلغها امرأة أخرى مهما صنعت من الأعمال الصالحة ولو استغرقت كل عمرها، لأن الآية نصت على أن أزواج النبي ﷺ في حالة تقواهن- لا يستوين مع غيرهن من النساء دون تقيد لتقوى غيرهن ولا كثرة أعمالهن الصالحة، وكفى لهنّ شرفا أن جعل الله تأديبهن وتوجيههن بايات من الذكر الحكيم.
٣- لا يجوز لأي امرأة مسلمة مهما بلغت من الدين والحسب والنسب والمال والعلم الشرعي أن تعتقد أنها تتساوى مع أقل نساء النبي ﷺ قربا منه، أو حتى تقترب منها في الفضل والشرف، لأن الله قد حكم بعدم المساواة.
٤- فضل تقوى الله- وعظيم أثرها على العبد المسلم، حيث أن الآية قد اشترطت وجود تقوى الله لأي من أزواج النبي ﷺ حتى يحكم لها بمباينة النساء من غير أزواج النبي ﷺ .
٥- خطورة الخضوع بالقول عند تحدث النساء مع الرجال، لأن ذلك يهيج مشاعر من في قلبه مرض، وإذا كان الله قد نهى نساء النبي ﷺ وحذرهن من هذا الخلق المذموم مع كونهن أمهات المؤمنين، ومع ما في قلوب جميع المؤمنين من تعظيم لحرمة أزواج النبي ﷺ ، فخطر ذلك على من دونهن من النساء أولى وأولى.
٦- في الآية تنويه إلى أن أسباب إشاعة الفتنة هي في يد المرأة أكثر من كونها في يد الرجل، حيث وجّه الله- لها النهي عن الخضوع بالقول، فعلى النساء أن
стр. 689
يتقين الله ولا يكن أعوانا للشيطان في إشعال الفتنة وإشاعة الفواحش في المجتمع المسلم.
٧- قلوب الرجال من حيث إثارة الغرائز الكامنة على قلبين، قلب مريض يثار بأدنى سبب، وقلب صحيح معافى يثبت أمام من يدعوه إلى الوقوع في المحرمات، وعلى أصحاب القلوب المريضة أن يداووا قلوبهم، وألا يتعرضوا لدواعي الفتن حتى لا تقع في المحظور، وفي الآية أيضا أن حب الشهوات مرض يصيب القلب.
٨- في الآية إرشاة إلى ضرورة إزالة الالتباس الذي قد يقع فيه السامع، لأن الآية الكريمة لما توجهت إلى نساء النبي ﷺ بالنهي عن الخضوع في القول، وقد نفهم من ذلك أن عليهن الغلظة في القول، أزال الله- هذا الالتباس بقوله تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً [الأحزاب: ٣٢] .
٩- في الآية حث على التزام المسلم بقول المعروف في تعامله مع الناس. والقول المعروف هو الذي يتصف بالأدب ومجانبة كل ما يخدش الحياء والبذاءة من غير غلظة ولا جفاء.
قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٣٣] .
الأصل للنساء هو القرار في البيت، فهو الأسلم والأحفظ للمجتمع من شرور الاختلاط وآفاته.
٢- ذم التبرج غاية الذم، حيث وصف التبرج في الآية بأنه من عادات الجاهلية الأولى، وعليه فإنه محرم لنهي الآية عنه، ولوصفه بعادات الجاهلية- في سياق الذم- ومعلوم أن من أعظم مقاصد الشريعة مجانبة عادات الجاهلية المذمومة.
ويتفرع عليه ذم أغلب المجتمعات المسلمة في وقتنا الحاضر والتي غلب عليها وتفشى فيها مظهر من مظاهر الجاهلية الأولى وهو التبرج وإن كان في زمننا هذا بصورة أقبح عما عرفته الجاهلية الأولى.
٣- اقترنت الصلاة بالزكاة في أغلب آيات القرآن الكريم لأنهما أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادتين، ولأن الصلاة حق الله- ، والزكاة حق العباد.
٤- طاعة الله ورسوله ﷺ مفتاح كل خير وسبيل كل رشد، ودليل ذلك أن تكرر ذكرها ثلاث مرات في خمس آيات متتاليات، ويؤخذ من ذلك وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم
стр. 690
وعظم قدرها كطاعة الله- سواء بسواء حيث قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ في الآيات الثلاثة، بل في أكثر آيات القرآن، بل أفردت بعض الآيات طاعة مستقلة للنبي ﷺ ، كقوله- تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النّور: ٥٦] ، وقد بينت أن للنبي ﷺ طاعة مستقلة.
٥- التحذير كل التحذير من إرادة أدنى السوء بزوجات النبي ﷺ وأهل بيته الأطهار الميامين، لأن من أراد ذلك وسعى فيه أو حتى تمناه، فقد ضاد الله في مراده حيث أراد الله لهن أكمل الصفات وأحسن الأخلاق، بأن يذهب عنهن كل أذى وشر وأن يلبسهن لباس الطهر والعفاف.
٦- نجزم قطعا بأنّ كل نساء النبي ﷺ يعتبرن من أهل البيت الذين لهم من الإجلال والتوقير ما ليس لغيرهم، ودليله أن الآيات المتتاليات من رقم (٢٨) من سورة الأحزاب- التي معنا- موجهة قطعا بنص القرآن إليهن، ثم ختمت الآيات الكريمات بذكر الحكمة من توجيه هذا الخطاب الرباني بقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣] ، فلا يماري في ذلك أحد، ويتفرع عليه عظيم التخويف بالمساس بهن وأعظم الحث على تبجيلهن وتوقيرهن.
٧- ذهاب الرجس وثبوت التطهر للعبد إنما يكون بامتثال طاعة الله ورسوله وكل ما ورد في الآيات الكريمات من توجيهات، وبقدر مخالفة العبد لتلك التوجيهات بقدر ما يكون معه من رجس يناقض الطهر والعفاف.
قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤] .
١- تلاوة آيات القرآن والسنة في البيوت هي من النعم العظيمة التي يتفضل الله بها على العباد.
ويتفرع عليها الحثّ على الإكثار من تلاوة القرآن والسنة في البيوت، وأن البيت الذي تكثر فيه تلك التلاوة هو بيت مبارك.
٢- الأمر بتلاوة آيات الله والأحاديث النبوية وتدبرها والوقوف عند فوائدها ووجوب تبليغها للأمة، بناء على ما ذكر الإمام القرطبي من معاني قوله تعالى:
وَاذْكُرْنَ [الأحزاب: ٣٤] .
٣- عظيم أمر السنة النبوية الشريفة حيث أمر الله- بتلاوتها في
стр. 691
البيوت كما أمر بتلاوة آيات القرآن الكريم، كما أنه سماها حكمة، وفي هذا أبلغ الحث على الإقبال عليها حفظا وعملا.
٤- في الآية إشارة إلى أنه لا يمكن للمسلم أن يستغني عن السنة بالقرآن الكريم، وأنه في حاجة إلى السنة كحاجته إلى القرآن. فما من عبادة أمرنا بها في القرآن إلا واحتجنا للسنة في بيان فرائضها وقدرها ووقتها وهيئتها ونواقضها ومكملاتها ونوافلها وهكذا الشرع كله.
٥- شرف بيوت النبي ﷺ على جميع بيوتات العالمين، لأن القرآن لا يتلى فيه فحسب، بل وينزل فيه.
ب- جعلهن قدوة لغيرهن:
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: ٥٩] .
هذه الآية دليل على أن أزواج النبي ﷺ هن قدوة لغيرهن من نساء الأمة جميعا، في الامتثال لأوامر الله تعالى. وجميع الآيات القرآنية التي توجه خطاب الأمر أو النهي إلى أزواج النبي ﷺ يدخل فيه قطعا نساء الأمة، إلا ما ورد الدليل بتخصيصهن بهذا الأمر دون غيرهن.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
نساء النبي ﷺ وبناته هن أفضل نساء الأمة إطلاقا، ودليله أن الله- أمر النبي ﷺ أن يوجه الخطاب أولا لهن ثم يأتي من بعد ذلك نساء الأمة، وما كان ذلك إلا لشرفهن ﵅ جميعا.
الفائدة الثانية:
على الداعية أن يبدأ بأهل بيته أولا ثم بالأبعد فالأبعد، وأن أهل بيت الداعية هم محط أنظار عامة الناس، فهم يحكمون على صدق الداعية بالنظر إلى أحوال أهله.
ويتفرع عليه أن أهل الداعية عليهن مسئولية عظيمة في تصديق الناس للداعية أو تكذيبه فعليهن أن يتقين الله في ذلك.
الفائدة الثالثة:
قد يؤخذ من الآية أن أزواج النبي ﷺ أعظم شرفا من بناته، لذلك بدأ الله بهن الأمر بالحجاب، وقد يقوي ذلك أن أزواجه ﷺ أمهات للمؤمنين ولم يثبت ذلك الحكم لبناته- ﵅ جميعا.
стр. 692
ج- إلزام الأمة توقيرهن:
قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] .
هذا الحكم من أجلّ صور تكريم وتشريف أزواج النبي ﷺ بأن جعلهن الله- ﵎ بمنزلة أمهات المؤمنين. قال الإمام القرطبي- ﵀: (شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال وحجبهن- ﵅ بخلاف الأمهات، وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات) «١» .
كما قال الإمام ابن كثير- ﵀: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع. انتهى «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
وجوب تعظيم وإجلال وتوقير جميع أزواج النبي ﷺ فلهن على أفراد الأمة مثل حقوق الأمهات، وتدبر أخي القارئ، أن الآية خلت من أداة التشبيه، فلم تقل مثلا: (وأزواجه مثل أمهاتهم) ، بل قالت وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وذلك لتوكيد أن أزواج النبي ﷺ هن فعلا أمهات للمؤمنين لهن جميع حقوق الأمهات، سواء بسواء، فالأمر ليس للتشبيه أو التقريب ولكن تمام المماثلة.
ويتفرع عليه أنه يجب على كل مسلم ومسلمة أن يقارن حاله مع أمهات المؤمنين، وما ينبغي أن يكون حاله مع أمه، فإن وجد أنه يفضل أمه في شيء عن أمهات المؤمنين أو أنه يعظم أمه أكثر أو أن يقبل أن يسمع في أمهات المؤمنين ما لا يقبل أن يسمعه على أمه فليعلم أن في قلبه شيئا وأنه قد أساء الأدب مع الله ورسوله.
الفائدة الثانية:
مدى عناية الله- بأزواج النبي ﷺ ، فإذا كان الله قد اعتنى بمنزلة الأم لأنها حملت وولدت وأرضعت وسهرت فأمر أولادها- الذين يعدون على أصابع اليد- أن يعاملوها أحسن المعاملة وأكرمها وجعل توجيه أدنى كلمات الضجر لها من كبائر الذنوب وقرن برّها بتوحيده- ، فانظر كيف
стр. 693
اعتنى الله بأزواج النبي ﷺ إذ أمر الأمة جميعا- رجالها ونساءها، شبابها وشيخوخها، من عاصرهن ومن لم يعاصرهن، من سمع منهن العلم والدين ومن لم يسمع- أن يوقروهن توقير الأم، وما ذلك إلا لعظيم حقهن على جميع الأمة وعلو شرفهن بقربهن من نبي هذه الأمة ﷺ .
الفائدة الثالثة:
نعلم من الآية عظيم حق الأم على أولادها، لأن الله- لما أراد أن يوجهنا إلى توقير وإجلال أزواج النبي ﷺ جعلهن أمهات لنا، ولو كان هناك أعظم من الأم، لجعل الله لأمهات المؤمنين مثل حقوقهن.
الفائدة الرابعة:
قد يطلق الحكم في القرآن أو السنة ولا يراد به جميع أفراد الحكم، ويعلم المفردات الداخلة في الحكم أو الخارجة عنه بالنظر فيما ورد بالكتاب أو السنة فيما يتعلق بهذا الحكم، وهي قاعدة عظيمة وهي التي تفرق بين عالم وآخر بل هي من أهم أسباب اختلاف العلماء فيما بينهم.
ودليل هذه القاعدة من الآية أن الله حكم أن أزواج النبي ﷺ هن أمهات لنا في كل شيء، أي من حيث التوقير والإجلال وتحريم الزواج منهن.
وهل الخلوة بهن والنظر إليهن أمر مباح أيضا كما للأمهات من النسب؟ لا، فإنه يحرم الخلوة والنظر إليهن، علمنا ذلك من قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] فهذه الآية قد خصصت آية الباب.
يتفرع عليه، أن من حكم الله العظيمة في هذا الدين أنه دين العلم والعلماء وأهل النظر الصحيح والفكر السليم، حيث لم يجعل الله- الحكم الشرعي الواحد في موضوع محدد من الكتاب أو السنة يرد فيه كل ما يتعلق به من أحكام واستثناآت ومكملات ومكروهات، بل جعل ذلك متفرقا في مواضع كثيرة من القرآن والسنة. ومن الحكم العظيمة كذلك، حث المسلمين على طلب العلم وشحذ عقول العلماء على النظر في الأدلة والشواهد الشرعية، بل والاجتهاد إن لزم الأمر، كما يتفرع عليه حاجة عوام المسلمين لهؤلاء العلماء، وأنه لا غنى لهم عن سؤال أهل العلم والرجوع إليهم.
د- تحريم النظر إليهن بالكلية:
قال تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] .
هذا أدب آخر علّمه الله- للمؤمنين عند مخاطبتهن أمهات المؤمنين-
стр. 694
رضي الله عنهن- حيث نهاهم الله أن يسألهن المتاع- وهو ما احتيج إليه من أواني المنزل أو غيره وسائر المرافق من أمور الدنيا والآخرة- إلا من وراء ستر، وهذا الأدب إذا انضم إلى آداب دخول بيوت النبي ﷺ تم عقد الآداب المرعية في التعامل مع بيوت النبي ﷺ وأهل بيته الشريفات العفيفات، فاية واحدة علّمت الصحابة ما ينبغي لهم أن يفعلوه إذا دعوا إلى طعام أو إذا احتاجوا إلى متاع.
بعض أقوال العلماء في الآية الكريمة:
قال الإمام الطبري- رحمه الله تعالى-: (إذا سألتم أزواج النبي ﷺ أو نساء المؤمنين متاعا فاسألوهن من وراء حجاب من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن البيوت) «١» .
وقال الإمام القرطبي- ﵀: (في هذه الآية دليل على أن الله- تعالى- أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى بما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) . انتهى «٢» .
ولكن يبدو أن كشف وجه أمهات المؤمنين للشهادة محرم، بخلاف سائر نساء المؤمنين، ودليلي في ذلك أن جلّ الدين أخذ عنهن من وراء حجاب، والدين أعظم من الشهادة.
أما الإمام ابن كثير فقال: (أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب) .
وما ورد في كلام ابن كثير من تحريم النظر إليهن بالكلية، هو ما دفعني إلى اختيار عنوان الباب وهو الذي جعلني أعتقد بتحريم كشف وجوههن في الشهادة وغيرها بعكس ما قد يتجوز فيه بالنسبة لنساء المؤمنين.
وأعتقد أن هذا الرأي هو الذي كان يميل إليه الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى- حيث قال: (وأما أدبهم معه في خطاب زوجاته، فإنه إما أن يحتاج إليه وإما لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه، والأدب تركه، وإن احتيج إليه كأن يسألن متاعا أو غيره
стр. 695
فإنهن يسألن من وراء حجاب أي يكون بينكم وبينهن ستر يستر عن النظر لعدم الحاجة إليه فصار النظر إليهن ممنوعا بكل حال وكلامهن فيه التفصيل الذي ذكره الله) . انتهى «١» .
ولو قال الشيخ ﵀: (فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه ويجب تركه) ، لكان أولى؛ لأن الآية تشعر أن الكلام مع أمهات المؤمنين- ﵅ إنما يحل فقط في حالة الضرورة؛ كطلب متاع أو غيره، وهذا هو الأولى في تعظيمهن وصيانة حرمتهن.
بعض فوائد الآية:
الفائدة الأولى:
رفيع قدر أمهات المؤمنين- ﵅ إذ أنزل الله فيهن قرآنا يوجه الأمة إلى الأمور التالية:
أ- تحريم سؤالهن ما احتيج إليه إلا من وراء حجاب، وهذا النهي لا يخص سؤالهن في حال كونهن في البيوت، لعدم التخصيص في الآية.
ب- عدم جواز الكلام معهن إلا لحاجة وإلا لما قيّدت الآية الكلام بسؤال المتاع.
ج- عدم جواز الدخول عليهن، لأنه إذا كان سؤال المتاع حراما إلا من وراء حجاب فالأولى تحريم الدخول عليهن.
د- الحكم بعدم جواز النظر إليهن بالكلية.
الفائدة الثانية:
حرص الشرع على طهارة قلوب المؤمنين والمؤمنات والحفاظ على سلامتها مما قد يصيبها من حب الفواحش، وأن وسائل الشر ومقدماته تأخذ نفس حكم مواقعة الشر، وهو التحريم، فكل ما من شأنه أن يفضي إلى حرام فهو حرام، وهذا من القواعد الحكيمة لشرعنا الحنيف.
الفائدة الثالثة:
خطأ من يدعي أنه يمكنه التبسط في الحديث مع الأجنبيات (أو المرأة مع الأجنبي) دون الوقوع في المحظور، بدعوى أن قلبه نظيف ومقصده شريف ولسانه عفيف وهي في محل أخته إلى آخر هذه الأقوال السخيفة التي يتذرع بها الشيطان لإيقاع المسلمين بسببها في الفواحش، والدليل على خطأ هذا الادعاء أن هذه الآية نزلت في حق أفضل الأمة قلوبا ونفوسا وألسنا ومع ذلك عللت الآية تحريم سؤال المتاع إلا من وراء حجاب لأجل سلامة القلب وطهارته.
стр. 696
الفائدة الرابعة:
لا يحكم أحد على قلبه بالطهارة إلا إذا كان قلبه بعيدا عن حب ارتكاب الفواحش أو حتى تمنى مواقعتها، مع حرصه على البعد عن أسباب ودوافع الوقوع فيها.
هـ- تحريم الزواج منهن:
قال تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: ٥٣] .
من أعظم مظاهر تعظيم أزواج النبي ﷺ ، اللاتي هن أمهات المؤمنين، تحريم الزواج منهن بعد النبي ﷺ ، ومما يوضح مظاهر ذلك من الآية الكريمة:
١- بدأت الآية الحديث عن تحريم الزواج من أمهات المؤمنين- ﵅ بتأسيس قاعدة عظيمة، وهي تحريم إيذاء النبي ﷺ ، قال تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] ، أي ما كان ينبغي لكم أو يليق بكم، وهو أشد أنواع النهي في القرآن الكريم، وهي صيغة مشعرة بأن جميع أنواع الإيذاء في جميع الأحوال محرمة في حق النبي ﷺ ، فإذا استقر هذا المفهوم في القلوب والأذهان جاء ذكر تحريم الزواج من أمهات المؤمنين.
٢- ورد ذكر النبي ﷺ في سياق تحريم إيذائه بأعظم صفاته وهي رَسُولَ اللَّهِ، فلم يذكر باسمه ولم يذكر بصفة النبوة، بل ذكر ﷺ بصفة الرسالة، وإضافة لفظ الجلالة إلى الرسول لها مغزى عظيم، وهو تعظيم أمر الرسول ﷺ لكونه رسولا من الله- ﵎، والإشعار بأن إيذاءه يسبب- قطعا- إيذاء لله- ﵎؛ لأنه هو الذي أرسله، والغرض من ذلك كله هو تعظيم أمر الإيذاء، ولو جاءت الآية بعبارة: (وما كان لكم أن تؤذوا الرسول) ما أفادت هذا المعنى.
٣- لفظ: مِنْ بَعْدِهِ يفيد إحدى العلل الرئيسة في تحريم الزواج من أمهات المؤمنين، وهو أن هذا الزواج سيكون بعد نكاح النبي ﷺ لهن، وكفى بذلك تعظيما لتحريم أمر هذا الزواج كما سيأتي- إن شاء الله- عند بيان علل التحريم.
٤- قوله تعالى: أَبَداً وهو لفظ يفيد إرادة الله- إغلاق جميع أبواب هذا الزواج، وإفادة عدم وجود أي استثناآت أو حالات يمكن القول فيها بحلّ هذا الزواج، فلفظ (أبدا) زادت من تعظيم هذا التحريم، للحكم باستحالة حله في أي زمان أو مكان أو حالة من الحالات.
стр. 697
٥- أبلغ مظاهر هذا التحريم جاءت في ختام الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: ٥٣] ، وفيها:
أ- بدأت بأداة التوكيد (إن) لتوكيد أمر التحريم عند الله لدى السامع.
ب- الفعل الماضي (كان) أفادنا بتحقق هذا التحريم وثبوته.
ج- قوله: عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: ٥٣] أفادنا أن إيذاء النبي ﷺ أو التزوج من أزواجه قد بلغ المنتهى في التحريم، وأن الله- يغضب لهذا أشد الغضب بمقتضى كونه عظيما عنده؛ ولذلك فلا غرابة فيما نقله القرطبي عن الإمام الشافعي- رحمهما الله تعالى- قال: (وأزواجه ﷺ اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن ومن استحل ذلك كان كافرا) «١» .
فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
تحريم فعل ما فيه أدنى إيذاء للنبي ﷺ ، سواء كان هذا الإيذاء بسبب إضافة ما لا يليق إلى شخصه الكريم ﷺ ، أو لشرعه المطهر، أو لسنته الشريفة، أو لأهل بيته الكرام الميامين، أو لأحد من أصحابه، فكل ذلك في الإيذاء سواء، ودليله أن الآية نهت عن مطلق إيذاء النبي ﷺ دون تقييد بإيذاء مباشر أو غير مباشر، أو إيذاء صغير أو كبير، وذكرت الآية أن هذا الإيذاء- المطلق- هو أمر عظيم عند الله.
الفائدة الثانية:
في حكمة هذا التحريم الأبدي للزواج من أمهات المؤمنين، ذكر العلماء أسبابا لهذا التحريم، نورد بعضها:
قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (اجتمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين) «٢» .
وقال الإمام القرطبي- ﵀: (حرّم الله نكاح أزواجه ﷺ من بعده، وجعل لهن حكم أمهات المؤمنين، وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه وتنبيها على مرتبته ﷺ ، وأضاف قائلا: (وإنما منع من التزوج بزوجاته لأنهن أزواجه في الجنة وأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها) «٣» .
стр. 698
وقال الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى-: (هذا من جملة ما يؤذيه فإنه ﷺ له مقام التعظيم والرفعة والإكرام، وتزوج زوجاته بعده يخل بهذا المقام، وأيضا فإنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، والزوجية باقية بعد موته؛ فلذلك لا يحل نكاح زوجاته بعده لأحد من أمته) «١» .
ما أجمل ما قاله الإمام القرطبي حيث قال ما نصه: (وإنما جعل الموت في حقه لهن بمنزلة المغيب في حق غيره كونهن أزواجا له في الآخرة قطعا بخلاف سائر الناس) «٢» .
وأضيف أن من الحكم الجليلة لهذا التحريم:
١- أن أي بيت من البيوت لا يخلو أبدا من الخلافات الزوجية، والتي يحدث فيها أن يرفع الرجل صوته على زوجته أو يوبخها، بل قد يصل الأمر إلى ضربها وهجرها، وهذا قطعا لو تصوّر حدوثه لإحدى أمهات المؤمنين فإنه يؤذي النبي ﷺ ، ولن يفلح رجل آذى النبي ﷺ خاصة إذا كان هذا الإيذاء في أهل بيته.
٢- أعتقد أن من الحكمة الشرعية تحريم مثل هذا الزواج لأنه- كما نقول في كلامنا الدارج- أنّ نسب فشل مثل هذا الزواج أكبر من نسب نجاحه، بل إنه سيكون زواجا محكوما عليه بالفشل، وذلك لاستحالة وجود رجل مهما بلغ من الحكمة والقوة والدين أن يرضي امرأة عاشت مع النبي ﷺ ، ورأت منه ما رأت من الكمال والجمال في كل شيء، فلن يمر موقف أو حادث إلا وقارنت بين زوجها وبين ما كانت ترى من النبي ﷺ ، وستكون نتيجة المقارنة أنها لن ترضى من زوجها شيئا، وستسخط عليه في كل شيء، فشتان بين اثنين أحدهما: مشرع متبوع ظهر فضله وسيادته على الناس كلهم جميعا، وهو النبي ﷺ ، والثاني: مشرّع له تابع مفضول بأنبياء وأولياء، وإذا كان هذا هو حال الرجلين، فهل من الأدب أن يحل الأدنى مكان الأكمل؟!
٣- إذا كان من الشروط التي يجب مراعاتها عند الزواج- وهي الضمان الأكبر لنجاح الزواج- هو إعمال مبدأ التكافؤ بين الرجل والمرأة، فأين الرجل الكفؤ لامرأة تزوجت من الرسول ﷺ ؟ فكانت تفضي إليه ويفضي إليها.
فالحمد لله الذي وافق هذا الحكم الإلهي- وهو تحريم الزواج من أمهات المؤمنين- ﵅ النقل والعقل.
стр. 699
الفائدة الثالثة:
ما الحكمة في توجيه خطاب النهي عن الزواج بأمهات المؤمنين للأمة، ولم يوجه الخطاب لنساء معدودات- هن أمهات المؤمنين-، وستكون نفس النتيجة، وهي عدم وقوع الزواج منهن، أعتقد أن الحكمة من ذلك قد تكون واحدة أو أكثر من الحكم التالية أو هي جميعا، والله الموفق للصواب.
١- إظهار مكانة وفضل أمهات المؤمنين؛ إذ توجّه الخطاب لكل رجال الأمة.
٢- حبس رجال الأمة جميعا عن مجرد التفكير في الزواج بإحدى أمهات المؤمنين؛ إذ إن الخطاب قد توجه لكل فرد من أفراد الأمة.
٣- ال تنويه على أن الأصل في طلب المرأة للزواج أن يصدر من الرجل، فناسب توجيه الخطاب إليه.
٤- توجيه خطاب التحريم إلى زوجات النبي ﷺ ، قد يفهم منه أنه سيحدث قدرا أن يتقدم أحد لخطبة إحداهن فترفضه، وهذا الأمر لا يليق أن يحدث أصلا.
٥- قد يكون في توجيه الخطاب للأمة إشارة إلى أن أمهات المؤمنين لا ينبغي لهن التفكير في الزواج بعد النبي ﷺ ، أو أنهن لن يفكرن أصلا في ذلك، فيكون من غير الحكمة توجيه الخطاب لهن.
٦- الإشارة إلى أن الرجال قد يطمعن في الزواج من أزواج النبي ﷺ لشرفهن وفضلهن، ولكنهنّ لن يطمعن في أحد من الرجال لأنهم جميعا أقل شرفا وفضلا ممن تشرفن بالزواج منه، وهو النبي ﷺ .
تنويه:
ذكرت هذا الباب- وهو تحريم الزواج من أمهات المؤمنين- ﵅ في سياق الحديث عن شرفهن وفضلهن، ولم أذكره فيما اختص الله- نبيه ﷺ من خصائص، لأشير إلى عدة نقاط مهمة:
١- فضل الله العظيم على أزواج النبي ﷺ ، لما في تحريم الزواج منهن من حفظ مكانتهن في قلوب المسلمين، وعدم انقطاع صلتهن بالنبي ﷺ بعد موته، فإنهن زوجاته في الجنة بل في المنزلة العالية الرفيعة منها- وهي الوسيلة.
٢- التأكيد على أن الله- أراد- قدرا وشرعا- تمييزهن عن نساء الأمة، وعدم تسويتهن بهن في واحدة من أوكد حقوق المرأة وهي زواجها بمن تشاء بعد وفاة زوجها.
стр. 700
٣- ومن جملة فضلهن في هذه المسألة، أنه لا يخشى عليهن الفتنة بعدم الزواج بعد وفاة النبي ﷺ ، ونقطع أن الله يعلم ما هن فيه من اكتمال الإيمان والتقوى الذي يصون أعراضهن، وإلا ما عرضهن للفتنة بعدم الزواج، وهذا أبلغ ما يوضح عظيم فضلهن وعلو قدرهن على بقية نساء الأمة.
٤- إيثارهن الله ورسوله على زينة الدنيا ومتاعها، وذلك أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة مع علمهن بتحريم زواجهن بعد وفاته ﷺ ، مع ما كنّ يلاقينه من شظف العيش وضيق ذات اليد.
وتبرئة أعراضهن:
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) [النور: ١١- ١٤] .
نزلت هذه الآيات الكريمات في تبرئة زوج النبي ﷺ ، عائشة- ﵂، مما خاض فيه طائفة من الصحابة والمنافقين من حديث الإفك، وقد أوردت الحديث كاملا، في باب صبر النبي ﷺ على الأذى، وذكرت ما في الحديث من فوائد عظيمة، ولكن إيرادي للآيات هنا لإثبات عظيم شأن أزواج النبي ﷺ عند الله- ﵎، وحرص القرآن الكريم على تبرئتهن وإثبات ما يستحقه الخائضون في أعراضهن الشريفة من العذاب العظيم في الدنيا والآخرة.
وسأذكر أولا مظاهر ذلك من الآيات الكريمات ثم بعض فوائد الآيات، وإن كنت أود أن أنبه إلى أن نزول القرآن (ولو آية واحدة تلميحا أو تصريحا) لتبرئة أعراض زوجات النبي ﷺ لهو أعظم دلائل مكانة هؤلاء الزوجات- ﵅ جميعا- عند الله- ﵎ وهو ما تشير إليه عائشة- ﵂ في الحديث الصحيح: «ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، لكنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها» «١» .
стр. 701
أولا: مظاهر تعظيم الله- تبارك الله وتعالى- لأعراض زوجات النبي ﷺ
وتبرئتهن من كل سوء، وبيان شناعة الأمر الذي وقع وقبحه.
١- تسميته إفكا:
والإفك هو الكذب الشنيع، وهو لفظ شديد وقعه على الأذن، حتى وإن لم يفهم المرء معناه الحرفي. وتدبر أخي القارئ جملة: جاؤُ بِالْإِفْكِ [النّور: ١١] ، فهي مشعرة أن هذا الإفك كله مختلق ليس له أي أساس من الصحة، كما أنه ليس له مبررات، ولا شواهد تبرر ادعاءه، ومشعرة أيضا أن هذا البهتان دخيل على الجو الإيماني الذي كان يعمر المدينة وقلوب أصحاب النبي ﷺ .
٢- إثبات أن كل من خاض فيه قد تحمل الإثم
؛ لقوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النّور: ١١] . فمن عظيم غضب الله لهذه المقولة جاءت الآية بصيغة تؤكد ألّا أحد ممن تكلم مهما بلغت منزلته عفي من تحمل الإثم.
٣- نزول الآيات المبّرّئات بأبلغ التسلية:
وذلك أن أبلغ ما كانت تريده عائشة- ﵂، هو أن يرى النبي ﷺ رؤيا تبرئها، كما أشرت آنفا، ولكن جاء ما هو أعظم من ذلك، وهو أن الله قد تكلم في شأنها، ولكن هل جاءت الآيات لترفع عنها الشر الذي أصابها فحسب؟ لا، بل جاءت لها بالخير العميم الذي ستناله في الدنيا والآخرة، قال تعالى-: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النّور: ١١] وهذا ما قصدته بأبلغ التسلية، ومن بركة عائشة- ﵂، أن بسببها نزل الخير لها وللأمة، وما ذلك بغريب عنها فقد ورد عند البخاري، قول أسيد بن حضير لعائشة- ﵄، لما نزلت آية التيمم بسبب فقدان الماء بعد حبس عائشة جيش النبي ﷺ : «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر» «١» .
٤- وصف الإفك بأوصاف عديدة:
وصف الله- ﵎ ما خاض فيه المنافقون وبعض الصحابة بأوصاف شنيعة، بغرض بيان عظم ما وقع فيه الناس عند الله- ﵎، ولتقبيح فعلهم غاية التقبيح، ولزجرهم عن العودة إليه مرة أخرى، وتلك الأوصاف هي:
أ- الإفك المبين:
والمبين هو البين في نفسه، فالذي وقع من الخوض في عرض عائشة- ﵂، هو كذب شنيع ظاهر أنه كذب، ما كان ليختلف اثنان عليه، وكلما كان
стр. 702
الكذب ظاهرا بيّنا لكل أحد، كان الوقوع فيه أعظم جرما؛ لعدم التباس أمره على الناس، وفي وصفه بهذا الوصف أبلغ المدح لعائشة- ﵂، حيث وضحت الآية أن الحديث كان إفكا، وهو إفك ظاهر بيّن، وما كان هذا وصفه لا يحتاج إلى إقامة الدليل لنقضه.
قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى- في شرح قوله تعالى: إِفْكٌ مُبِينٌ [النّور: ١٢] ما نصه: (أي كذب ظاهر على أم المؤمنين- ﵂، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل هذا على رؤس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدّر خفية مستورا) . انتهى «١» .
كما أنوه أن وصف الإفك بأنه مبين فيه توبيخ شديد لمن وقع فيه.
ب- الأمر العظيم:
من مظاهر تقبيح القرآن الكريم لهذا الإفك، وصفه بأنه عظيم، ولبيان شدة عظمه أن الله- ﵎ نسب هذا العظم إليه، فقال: وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النّور: ١٥] ، ولم يقل: (وتحسبونه هينا وهو عظيم) .
ج- البهتان العظيم:
قال تعالى: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النّور: ١٦] . وتدبر أخي القارئ كم مرة ذكر لفظ عَظِيمٌ [النّور: ١٦] في تلك الآيات المباركات، فقد ذكر أن الأمر عند الله عظيم والبهتان عظيم والعذاب المترتب عليه عظيم، وما ذلك إلا ليستشعر المؤمن عظم الأمر عند الله- ﵎.
د- نفي جواز التكلم به:
لقوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا [النّور: ١٦] ، فجاء القرآن الكريم بتأديب الصحابة- ﵃ بما ينبغي أن يفعلوه إذ سمعوا ذلك الإفك، وهو أن يقولوا: (إنه لا ينبغي لنا أن نتفوه وننطق بهذا الكلام) ، فأرشدهم الله- بعدم الوقوع في هذا الإفك بأقل مباشرة ممكنة وهو مجرد الكلام، وهذا أبلغ بيان لفحش هذا الإفك، وإذا كان الكلام فيه محرما، فكيف إشاعته أو اعتقاده؟! - نعوذ بالله من هذا-.
هـ- بيان أن نفي الإفك من مقتضيات تنزيه الله-
-: لقوله تعالى: ما
стр. 703
يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ [النّور: ١٦] ، فأشارت الآية إلى أن الباعث على نفي التكلم بهذا الإفك هو تنزيه الله- أن يمسّ عرض وجناب خاتم أنبيائه وسيد مرسليه بسوء، وهذا صحيح؛ لأن الحكمة الإلهية تقتضي أن يحفظ الله- عرض نبيه ﷺ باختيار زوجات كريمات عفيفات طاهرات، ولأن تدنيس عرض واحدة منهن يشكك في أعراضهن جميعا، وهو كذلك ضرر متعدّ لنبيه ﷺ ؛ لأن من شأنه القدح في ذريته وأهل بيته، وهو كذلك ضرر متعدّ أيضا للدين كله لما سيترتب عليه من رد جميع العلم المنقول للأمة من جهة زوجاته- ﵅ جميعا-، وهذا خطره عظيم، واسمع لما قاله الله- ﵎ في آية كريمة جاءت بعد آيات الإفك: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النّور: ٢٦] .
قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى- في تفسير الآية الكريمة: (أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسوله ﷺ إلا وهي طيبة لأنه ﷺ أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا) «١» .
٥- وصف الخائضين بأقبح الصفات:
وصفت الآيات الذين خاضوا في الإفك بأقبح صفة يمكن أن تلحق بمسلم، وهي صفة الكذب، وكفى بتلك الصفة تشنيعا بأصحاب مقولة الإفك، ولم يقتصر الأمر على ذلك، أو ذكر أنهم كاذبون عند الناس- أي في أوساط الناس-، بل ذكرت الآية أنهم كاذبون عند الله- أي في علم الله- ﵎، فكان ذلك تشنيعا على تشنيع.
كما وصفت الآيات الكريمات الخائضين في الإفك بأنهم يقولون ما لا علم لهم به، قال تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النّور: الآية ١٥] ، فكان كلامهم عن جهل بحقيقة الأمر، وجهل بعظمه وجهل أيضا بعلو شأن وقدر من خاضوا في عرضها، وهي زوج النبي ﷺ .
٦- إثبات العذاب العظيم للخائضين في الإفك:
قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: ١٤] . فالآية قد أثبتت أن الخائضين في الإفك يستحقون عذابا موصوفا بالعظيم، للدلالة على شناعة ما وقعوا فيه.
стр. 704
والغريب هو ما أشارت إليه الآية، بأن عدم نزول العذاب احتاج إلى شمول عباد الله المذنبين بصفتين من صفات الكمال المستحقة لله- ﵎، وهما الفضل والرحمة، ولو أن هذه الآية قد أوضحت ما كان يمكن أن يقع للمذنبين لولا فضل الله ورحمته، فإن الآية الآخرى، وهي قوله- تعالى-: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [النّور: ٢٠] أبهمت ما كان يمكن أن يصيب الخائضين، والغرض من هذا الإبهام هو المزيد من التخويف والتهويل من شأن العذاب، فلله الحمد والمنة على وافر فضله وواسع رحمته، التي كان من أثرها أن رفع العذاب العظيم بعد استحقاقه.
وإن كان لي تعليق بعد ذكر ما جاء في الآيات الكريمات، فأقول: إنني لم أذكر تلك الآيات لبيان براءة عائشة- ﵂ حاشا لله- فإن شأني أحقر من ذلك بكثير، وهل هي في حاجة إلى أن يبرئها أحد من الخلق بعد أن برأها رب الخلق؟! ولكني ذكرت تلك الآيات فقط لبيان اعتناء الله- بنبيه ﷺ وأزواجه العفيفات، وغيرته على عرض نبيه ﷺ ، فليس الشأن أن نعلم كم آية نزلت في عائشة- ﵂، ولكن الشأن كل الشأن أن نعلم كيف جاء نظم تلك الآيات وما فيها من الدفاع عن زوجات النبي ﷺ وما كان ذلك إلا لاقترانهن بالنبي ﷺ .
ثانيا: بعض فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى:
لا يتعجل المسلم الحكم على الأمر الذي أصابه أنه شر، فقد يكون فيه كل الخير له، كما أن المسلم المحتسب لن يحرم الخير في كل بلاء أصابه، لما رواه مسلم في صحيحه، عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن! إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له» «١» .
الفائدة الثانية:
كذب مقولة: «كل دخان من نار» أو «ليس دخان إلا من نار» ؛ لأن واقعة الإفك كان فيها دخان كثيف بدون نار، فيجب الانتهاء عن هذه المقولة لأنها قد تكون بمثابة قذف الأبرياء.
الفائدة الثالثة:
عدل الله المطلق في حكمه بين العباد؛ إذ أثبتت الآية أن المرء لا يسأل
стр. 705
إلا بقدر ما اكتسبه من الآثام، قال- تعالى-: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النّور: ١١] . وفي هذا إشارة إلى عدم استوائهم جميعا في مقدار الإثم، ودليله قوله- تعالى- في تمام الآية: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: ١١] ، ففرّق بين أول من تكلم بالإفك وحرص على إشاعته وبين من نقله لقلة تقواه أو لذهوله عما كان يجب عليه أن يفعله إزاء هذا الإفك.
الفائدة الرابعة:
بيان واسع فضل الله ورحمته لعموم المؤمنين، وأن هذا الفضل وتلك الرحمة لا يعدمها أصحاب المعاصي والآثام مهما بلغت ذنوبهم، إن هم تابوا وأقلعوا.
الفائدة الخامسة:
لم تذكر الآيات الكريمات اسم عائشة- ﵂، للإشارة إلى أن تعظيم أمر الإفك لم يكن بسبب شخص عائشة- ﵂، ولكن لأن الحادثة تتعلق بإحدى زوجات النبي ﷺ ، فهذا التهديد والوعيد ينسحب على كل من يتكلم على أي واحدة منهن، فهن في ميزان الشرع سواء، بل إن الطعن في عرض واحدة كالطعن في عرضهن جميعا، ولذلك فضلت أن أذكر في التعليق على الآيات، (أزواج النبي ﷺ بصيغة الجمع، ترسيخا لهذا الأصل.
الفائدة السادسة:
يجب على كل مسلم أن يظن بإخوانه خيرا كما يظن بنفسه سواء بسواء، وأن يغضب لعرض أخيه كما يغضب لعرض نفسه، لقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النّور: ١٢] . وهذا المسلك يسهل على المؤمن إذا تذكر ما رواه البخاري، عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» «١» . ويؤخذ من الآية أيضا أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولى ببعض.
الفائدة السابعة:
قد يطلق الظن في القرآن في حق العباد، ويراد به اليقين، لقوله- تعالى-: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ [النّور: ١٢] .
الفائدة الثامنة:
نصاب الشهود في حد الزنا أربعة شهداء، فمن شهد على أحد بالزنا ولم يكن معه هذا النصاب يقام عليه حد القذف.
الفائدة التاسعة:
ذم من يتكلم بلسانه ويقول بفيه ما ليس له به علم، والتحذير الشديد من ذلك؛ لقوله تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النّور: ١٥] .
الفائدة العاشرة:
الفقه في الدين وتعلّم الحلال والحرام هو الذي يقي الإنسان-