أولا: مظاهر تعظيم الله- تبارك الله وتعالى- لأعراض زوجات النبي ﷺ
وتبرئتهن من كل سوء، وبيان شناعة الأمر الذي وقع وقبحه.
١- تسميته إفكا:
والإفك هو الكذب الشنيع، وهو لفظ شديد وقعه على الأذن، حتى وإن لم يفهم المرء معناه الحرفي. وتدبر أخي القارئ جملة: جاؤُ بِالْإِفْكِ [النّور: ١١] ، فهي مشعرة أن هذا الإفك كله مختلق ليس له أي أساس من الصحة، كما أنه ليس له مبررات، ولا شواهد تبرر ادعاءه، ومشعرة أيضا أن هذا البهتان دخيل على الجو الإيماني الذي كان يعمر المدينة وقلوب أصحاب النبي ﷺ .
٢- إثبات أن كل من خاض فيه قد تحمل الإثم
؛ لقوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النّور: ١١] . فمن عظيم غضب الله لهذه المقولة جاءت الآية بصيغة تؤكد ألّا أحد ممن تكلم مهما بلغت منزلته عفي من تحمل الإثم.
٣- نزول الآيات المبّرّئات بأبلغ التسلية:
وذلك أن أبلغ ما كانت تريده عائشة- ﵂، هو أن يرى النبي ﷺ رؤيا تبرئها، كما أشرت آنفا، ولكن جاء ما هو أعظم من ذلك، وهو أن الله قد تكلم في شأنها، ولكن هل جاءت الآيات لترفع عنها الشر الذي أصابها فحسب؟ لا، بل جاءت لها بالخير العميم الذي ستناله في الدنيا والآخرة، قال تعالى-: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النّور: ١١] وهذا ما قصدته بأبلغ التسلية، ومن بركة عائشة- ﵂، أن بسببها نزل الخير لها وللأمة، وما ذلك بغريب عنها فقد ورد عند البخاري، قول أسيد بن حضير لعائشة- ﵄، لما نزلت آية التيمم بسبب فقدان الماء بعد حبس عائشة جيش النبي ﷺ : «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر» «١» .
٤- وصف الإفك بأوصاف عديدة:
وصف الله- ﵎ ما خاض فيه المنافقون وبعض الصحابة بأوصاف شنيعة، بغرض بيان عظم ما وقع فيه الناس عند الله- ﵎، ولتقبيح فعلهم غاية التقبيح، ولزجرهم عن العودة إليه مرة أخرى، وتلك الأوصاف هي:
أ- الإفك المبين:
والمبين هو البين في نفسه، فالذي وقع من الخوض في عرض عائشة- ﵂، هو كذب شنيع ظاهر أنه كذب، ما كان ليختلف اثنان عليه، وكلما كان
стр. 702
الكذب ظاهرا بيّنا لكل أحد، كان الوقوع فيه أعظم جرما؛ لعدم التباس أمره على الناس، وفي وصفه بهذا الوصف أبلغ المدح لعائشة- ﵂، حيث وضحت الآية أن الحديث كان إفكا، وهو إفك ظاهر بيّن، وما كان هذا وصفه لا يحتاج إلى إقامة الدليل لنقضه.
قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى- في شرح قوله تعالى: إِفْكٌ مُبِينٌ [النّور: ١٢] ما نصه: (أي كذب ظاهر على أم المؤمنين- ﵂، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل هذا على رؤس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدّر خفية مستورا) . انتهى «١» .
كما أنوه أن وصف الإفك بأنه مبين فيه توبيخ شديد لمن وقع فيه.
ب- الأمر العظيم:
من مظاهر تقبيح القرآن الكريم لهذا الإفك، وصفه بأنه عظيم، ولبيان شدة عظمه أن الله- ﵎ نسب هذا العظم إليه، فقال: وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النّور: ١٥] ، ولم يقل: (وتحسبونه هينا وهو عظيم) .
ج- البهتان العظيم:
قال تعالى: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النّور: ١٦] . وتدبر أخي القارئ كم مرة ذكر لفظ عَظِيمٌ [النّور: ١٦] في تلك الآيات المباركات، فقد ذكر أن الأمر عند الله عظيم والبهتان عظيم والعذاب المترتب عليه عظيم، وما ذلك إلا ليستشعر المؤمن عظم الأمر عند الله- ﵎.
د- نفي جواز التكلم به:
لقوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا [النّور: ١٦] ، فجاء القرآن الكريم بتأديب الصحابة- ﵃ بما ينبغي أن يفعلوه إذ سمعوا ذلك الإفك، وهو أن يقولوا: (إنه لا ينبغي لنا أن نتفوه وننطق بهذا الكلام) ، فأرشدهم الله- بعدم الوقوع في هذا الإفك بأقل مباشرة ممكنة وهو مجرد الكلام، وهذا أبلغ بيان لفحش هذا الإفك، وإذا كان الكلام فيه محرما، فكيف إشاعته أو اعتقاده؟! - نعوذ بالله من هذا-.
هـ- بيان أن نفي الإفك من مقتضيات تنزيه الله-
-: لقوله تعالى: ما
стр. 703
يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ [النّور: ١٦] ، فأشارت الآية إلى أن الباعث على نفي التكلم بهذا الإفك هو تنزيه الله- أن يمسّ عرض وجناب خاتم أنبيائه وسيد مرسليه بسوء، وهذا صحيح؛ لأن الحكمة الإلهية تقتضي أن يحفظ الله- عرض نبيه ﷺ باختيار زوجات كريمات عفيفات طاهرات، ولأن تدنيس عرض واحدة منهن يشكك في أعراضهن جميعا، وهو كذلك ضرر متعدّ لنبيه ﷺ ؛ لأن من شأنه القدح في ذريته وأهل بيته، وهو كذلك ضرر متعدّ أيضا للدين كله لما سيترتب عليه من رد جميع العلم المنقول للأمة من جهة زوجاته- ﵅ جميعا-، وهذا خطره عظيم، واسمع لما قاله الله- ﵎ في آية كريمة جاءت بعد آيات الإفك: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النّور: ٢٦] .
قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى- في تفسير الآية الكريمة: (أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسوله ﷺ إلا وهي طيبة لأنه ﷺ أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا) «١» .
٥- وصف الخائضين بأقبح الصفات:
وصفت الآيات الذين خاضوا في الإفك بأقبح صفة يمكن أن تلحق بمسلم، وهي صفة الكذب، وكفى بتلك الصفة تشنيعا بأصحاب مقولة الإفك، ولم يقتصر الأمر على ذلك، أو ذكر أنهم كاذبون عند الناس- أي في أوساط الناس-، بل ذكرت الآية أنهم كاذبون عند الله- أي في علم الله- ﵎، فكان ذلك تشنيعا على تشنيع.
كما وصفت الآيات الكريمات الخائضين في الإفك بأنهم يقولون ما لا علم لهم به، قال تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النّور: الآية ١٥] ، فكان كلامهم عن جهل بحقيقة الأمر، وجهل بعظمه وجهل أيضا بعلو شأن وقدر من خاضوا في عرضها، وهي زوج النبي ﷺ .
٦- إثبات العذاب العظيم للخائضين في الإفك:
قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: ١٤] . فالآية قد أثبتت أن الخائضين في الإفك يستحقون عذابا موصوفا بالعظيم، للدلالة على شناعة ما وقعوا فيه.
стр. 704
والغريب هو ما أشارت إليه الآية، بأن عدم نزول العذاب احتاج إلى شمول عباد الله المذنبين بصفتين من صفات الكمال المستحقة لله- ﵎، وهما الفضل والرحمة، ولو أن هذه الآية قد أوضحت ما كان يمكن أن يقع للمذنبين لولا فضل الله ورحمته، فإن الآية الآخرى، وهي قوله- تعالى-: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [النّور: ٢٠] أبهمت ما كان يمكن أن يصيب الخائضين، والغرض من هذا الإبهام هو المزيد من التخويف والتهويل من شأن العذاب، فلله الحمد والمنة على وافر فضله وواسع رحمته، التي كان من أثرها أن رفع العذاب العظيم بعد استحقاقه.
وإن كان لي تعليق بعد ذكر ما جاء في الآيات الكريمات، فأقول: إنني لم أذكر تلك الآيات لبيان براءة عائشة- ﵂ حاشا لله- فإن شأني أحقر من ذلك بكثير، وهل هي في حاجة إلى أن يبرئها أحد من الخلق بعد أن برأها رب الخلق؟! ولكني ذكرت تلك الآيات فقط لبيان اعتناء الله- بنبيه ﷺ وأزواجه العفيفات، وغيرته على عرض نبيه ﷺ ، فليس الشأن أن نعلم كم آية نزلت في عائشة- ﵂، ولكن الشأن كل الشأن أن نعلم كيف جاء نظم تلك الآيات وما فيها من الدفاع عن زوجات النبي ﷺ وما كان ذلك إلا لاقترانهن بالنبي ﷺ .
ثانيا: بعض فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى:
لا يتعجل المسلم الحكم على الأمر الذي أصابه أنه شر، فقد يكون فيه كل الخير له، كما أن المسلم المحتسب لن يحرم الخير في كل بلاء أصابه، لما رواه مسلم في صحيحه، عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن! إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له» «١» .
الفائدة الثانية:
كذب مقولة: «كل دخان من نار» أو «ليس دخان إلا من نار» ؛ لأن واقعة الإفك كان فيها دخان كثيف بدون نار، فيجب الانتهاء عن هذه المقولة لأنها قد تكون بمثابة قذف الأبرياء.
الفائدة الثالثة:
عدل الله المطلق في حكمه بين العباد؛ إذ أثبتت الآية أن المرء لا يسأل
стр. 705
إلا بقدر ما اكتسبه من الآثام، قال- تعالى-: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النّور: ١١] . وفي هذا إشارة إلى عدم استوائهم جميعا في مقدار الإثم، ودليله قوله- تعالى- في تمام الآية: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: ١١] ، ففرّق بين أول من تكلم بالإفك وحرص على إشاعته وبين من نقله لقلة تقواه أو لذهوله عما كان يجب عليه أن يفعله إزاء هذا الإفك.
الفائدة الرابعة:
بيان واسع فضل الله ورحمته لعموم المؤمنين، وأن هذا الفضل وتلك الرحمة لا يعدمها أصحاب المعاصي والآثام مهما بلغت ذنوبهم، إن هم تابوا وأقلعوا.
الفائدة الخامسة:
لم تذكر الآيات الكريمات اسم عائشة- ﵂، للإشارة إلى أن تعظيم أمر الإفك لم يكن بسبب شخص عائشة- ﵂، ولكن لأن الحادثة تتعلق بإحدى زوجات النبي ﷺ ، فهذا التهديد والوعيد ينسحب على كل من يتكلم على أي واحدة منهن، فهن في ميزان الشرع سواء، بل إن الطعن في عرض واحدة كالطعن في عرضهن جميعا، ولذلك فضلت أن أذكر في التعليق على الآيات، (أزواج النبي ﷺ بصيغة الجمع، ترسيخا لهذا الأصل.
الفائدة السادسة:
يجب على كل مسلم أن يظن بإخوانه خيرا كما يظن بنفسه سواء بسواء، وأن يغضب لعرض أخيه كما يغضب لعرض نفسه، لقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النّور: ١٢] . وهذا المسلك يسهل على المؤمن إذا تذكر ما رواه البخاري، عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» «١» . ويؤخذ من الآية أيضا أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولى ببعض.
الفائدة السابعة:
قد يطلق الظن في القرآن في حق العباد، ويراد به اليقين، لقوله- تعالى-: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ [النّور: ١٢] .
الفائدة الثامنة:
نصاب الشهود في حد الزنا أربعة شهداء، فمن شهد على أحد بالزنا ولم يكن معه هذا النصاب يقام عليه حد القذف.
الفائدة التاسعة:
ذم من يتكلم بلسانه ويقول بفيه ما ليس له به علم، والتحذير الشديد من ذلك؛ لقوله تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النّور: ١٥] .
الفائدة العاشرة:
الفقه في الدين وتعلّم الحلال والحرام هو الذي يقي الإنسان-
стр. 706
بإذن الله تعالى- من الوقوع في المعاصي والآثام؛ لأن العلم هو الذي يضمن للمسلم توافق ما عنده مع ما عند الله؛ قال تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النّور: ١٥] ، فيكون من الله أخوف، ومن المحرمات أبعد.
الفائدة الحادية عشرة:
النهي عن التكلم بالسوء- حتى من دون اعتقاده- خاصة إن لم تكن هناك مصلحة شرعية، فإن كانت هناك مصلحة فيجب أن يكون الكلام بما يحقق المصلحة، يصدق ذلك قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النّساء: ١٤٨] .
الفائدة الثانية عشرة:
في قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً [النّور: ١٧] ، أبلغ إشارة إلى أن وقوع الفاحشة من أزواج النبي ﷺ في حيز المستحيل وغير ممكن الوقوع؛ وذلك لورود النهي المطلق عن الخوض في أعراض أزواج النبي ﷺ دون تقييد لحال دون حال، فلم تأت الآية بقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إلا ببينة) . وإذا تدبرنا قوله تعالى: أَبَداً [النور: ١٧] علمنا أن التحذير الشديد عن هذا الإفك ينسحب على جميع الأحوال والأزمنة.
стр. 707
سابعا: ثناء الله وثناء رسوله ﷺ على زوجاته وأهل بيته وأصحابه ﵃ جميعا -
وكل ثناء عليهم فهو ثناء عليه من باب أولى
١- الثناء على زوجاته ﷺ :
قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً [الأحزاب: ٣٢] .
٢- سلام الله والروح الأمين على خديجة بنت خويلد:
عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النّبيّ ﷺ فقال: «يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» «١» . رواه البخاري.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن عليّ ﵁ يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
«خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة» «٢» .
٣- سلام الروح الأمين على عائشة (﵂ -) :
عن أبي سلمة عن عائشة- ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال لها: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السّلام» . فقالت: وعليه السّلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى؟! تريد النّبيّ ﷺ «٣» .
٤- فاطمة ﵍ سيدة نساء أهل الجنة:
عن عائشة- ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «مرحبا بابنتي» . ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثمّ أسرّ
стр. 708
إليها حديثا، فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثمّ أسرّ إليها حديثا، فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ حتّى قبض النّبيّ ﷺ فسألتها فقالت: أسرّ إليّ: «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة وإنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه إلّا حضر أجلي، وإنّك أوّل أهل بيتي لحاقا بي» . فبكيت، فقال: «أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين» . فضحكت لذلك «١» .
٥- الثناء على أصحابه:
أ- الثناء العام في القرآن
(على المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم) :
قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] .
وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩] .
فقد أثنى الله عليهم بأنهم في معية رسوله ﷺ ، أي معه على طريقته وسنته، كما أثنى عليهم بكمال الباطن أنهم أشداء على الكفار وهذا يقتضي بغض الكفار في الله ومعاداتهم والتبرؤ منهم من باب أولى، والصحابه رحماء بينهم، وهذا يقتضي حبهم في الله والولاء فيما بينهم والنصرة.
وتأمل أنه بدأ بالشدة وثنى بالرحمة، فكأن الرحمة في قلوبهم بعضهم لبعض لن تكون إلا بعد بغضهم للكفار، فيجب تطهير القلب أولا من حب الكفار، حتى يتمكن حبّ المؤمنين في القلب، وصدق من قال: التخلية قبل التحلية، فالشدة على الكفار من باب التخلية، كما أثنى عليهم بكمال الظاهر أنهم مستغرقون في عبادة الله ، يظهرون وهم في أشرف الأحوال (الركوع والسجود) شدة الافتقار إلى الله يبتغون الفضل والرضا.
كما قال تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] .
وقال تعالى في حق الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية [الحشر: ٩] .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠] ، وبذلك يكون الله
стр. 709
عز وجل قد أثنى على المهاجرين والأنصار وكل من اتبع رسوله ﷺ بإحسان إلى يوم الدين، وكفى بذلك شرفا لرسوله ﷺ ، وعليه؛ فقد خرج من هذا الثناء كل من تعرض لأصحابه- ﵃ جميعا بسوء في القول أو الاعتقاد-؛ لأن ذلك يدل على أنّ في قلبه غلّا للذين آمنوا.
فعن أنس ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلمّا قدموا، قال لهم خالي: أتقدّمكم فإن أمّنوني حتّى أبلّغهم عن رسول الله ﷺ ، وإلّا كنتم منّي قريبا، فتقدّم فأمّنوه فبينما يحدّثهم عن النّبيّ ﷺ إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر فزت وربّ الكعبة، ثمّ مالوا على بقيّة أصحابه فقتلوهم إلّا رجلا أعرج صعد الجبل. قال همّام: فأراه آخر معه، فأخبر جبريل ﵇ النّبيّ ﷺ أنّهم قد لقوا ربّهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنّا نقرأ: أن بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا ثمّ نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصيّة الّذين عصوا الله ورسوله ﷺ «١» .
ب- إثبات معية الله وصحبة رسوله لأبي بكر الصديق:
عن أنس عن أبي بكر ﵁ قال: قلت للنّبيّ ﷺ وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا. فقال: «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟!» «٢» .
مر الكلام عليه مبسوطا في باب معية الله لرسوله ﷺ .
ج- موافقة عمر بن الخطاب لربه:
عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب ﵁: (وافقت ربّي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله لو اتّخذنا من مقام إبراهيم مصلّى! فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] ، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنّه يكلّمهنّ البرّ والفاجر! فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النّبيّ ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجا خيرا منكنّ، فنزلت هذه الآية) «٣» .
د- فرار الشيطان من عمر بن الخطاب
عن سعد بن أبي وقاص قال: استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش
стр. 710
يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ، فلمّا استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «عجبت من هؤلاء اللّاتي كنّ عندي فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب» . قال عمر: فأنت يا رسول الله أحقّ أن يهبن. ثمّ قال عمر: أي عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟! قلن: نعم أنت أغلظ وأفظّ من رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان قطّ سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك» «١» .
هـ-- اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ:
عن جابر ﵁ سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ» «٢»
وتأييد الروح القدس لحسان بن ثابت:
عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف أنّه سمع حسّان بن ثابت الأنصاريّ يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت النّبيّ ﷺ يقول: يا حسّان أجب عن رسول الله ﷺ :
«اللهمّ أيّده بروح القدس» قال أبو هريرة: نعم «٣» .
ز- شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين:
روى البخاري في صحيحه عن خارجة بن زيد أنّ زيد بن ثابت ﵁ قال:
نسخت الصّحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فلم أجدها إلّا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الّذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين وهو قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] «٤» .
ح- نزول القرآن في أنس بن النضر:
قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) [الأحزاب: ٢٣] .
عن ثابت قال: قال أنس: (عمّي الّذي سمّيت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا،
стр. 711
قال: فشقّ عليه قال: أوّل مشهد شهده رسول الله ﷺ غيّبت عنه، وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع؟ قال: فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمر وأين؟
فقال: واها لريح الجنّة، أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتّى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قال: فقالت أخته عمّتي الرّبيّع بنت النّضر: فما عرفت أخي إلّا ببنانه. ونزلت هذه الآية: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] ، قال: فكانوا يرون أنّها نزلت فيه وفي أصحابه «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي في آخر الحديث: فكانوا يرون أنها نزلت فيه- أي في أنس- وفي أصحابه- أي الذي شهدوا معه غزوة أحد.
- وقد أثنت عليهم آية الباب بصفات حميدة:
الأولى:
أنهم رجال، وهذه اللفظة تعطي للسامع انطباع القوة والشجاعة والهمة العالية، مثاله قوله تعالى في الثناء على أهل مسجد قباء: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التّوبة: ١٠٨] . ولم تذكر لفظة رجال في القرآن إلا للمديح.
الثانية:
أن هؤلاء الرجال فيهم صفة الصدق وهي صفة كمال، قلّ من يتصف بها.
الثالثة:
أن هؤلاء الرجال عاهدوا الله- ، فكان خروجهم للجهاد لله، وفي ذلك تزكية عظيمة لهم؛ إذ إن نية خروجهم لا يشوبها أي شائبة، بل كانت وفاء للعهد مع الله، والذي يدل على تلبسهم بهذا العهد ووفائهم به أنه قال: صَدَقُوا.
الرابعة:
وهي من كمال صدقهم مع الله وإخلاص النية، مع كمال رجولتهم أنهم لم يبدلوا أي تبديل ولم يدخل في عهدهم أي تسويف أو شبهة رياء، وهذا من باب التوكيد الشديد على وفائهم بالعهد وصدق نياتهم.
فقد ينوي الإنسان عمل الخير إذا استطاع وهو صادق في نيته، ولكن إذا جاء الاختيار ويسّر له العمل ووافته الفرصة تقاعس وسوّف أو بخل واستغنى، كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ.
стр. 712
[فوائد الحديث]
أما الحديث ففيه الفوائد التالية:
الفائدة الأولى:
مشروعية التسمية بأسماء أهل الفضل والعلم رجاء أن يكونوا أمثالهم، لأن أنس بن مالك في أول الحديث يشير إلى أن تسميته بهذا الاسم جاءت لتوافق اسم عمه أنس بن النضر، وحيث إن هذا الاسم مجردا لم يرغب فيه الشارع، علمنا أن تسمية أنس بن مالك من قبل والدته لم تأت إلا لتوافق اسم أنس بن النضر.
الفائدة الثانية:
وفيه بيان ما كان يلاقيه الصحابة من مشقة وحرج لتخلفهم عن رسول الله ﷺ في أي أمر من أموره لقوله: «فشق عليه» ، وكان يقصد بذلك، كما نص الحديث، غيابه عن غزوة بدر، وهذه المشقة التي يجدها في نفسه كانت في أمر لم يعزم فيه النبي ﷺ حضوره، ولم يعتب على من تخلف، فقد رغبهم فقط في حضور بدر، لأنه ﷺ كان يقصد العير ولم يقصد القتال، وأراد الله أمرا آخر، فما بالكم لو كان أنس بن النضر تغيب عن موقعة بدر وكان حضوره وشهوده مع الرسول واجبا.
الفائدة الثالثة:
الأمر عند الصحابة يعظم إن كان فيه النبي ﷺ ، سواء كان غزوات أو غيرها، لأن أنس بن النضر قال: (في أول مشهد شهده رسول الله ﷺ . ولو كان الأمر عنده سواء، ما ذكر أن المشهد شهده رسول الله، ولقال أي كلمة غيرها، مثل: أول مشهد في الإسلام، أو أول مشهد ضد كفار قريش، حتى لما عاهد الله أن يعوض ما فات نص على أن يكون المشهد مع رسول الله لتكون واحدة بواحدة.
وهذا يدل كما أسلفنا على تعظيم الصحابة للنّبيّ ﷺ ، فالغزوة التي يغزونها معه لا تستوي مع السرايا.
وهذا هو الواجب على كل مسلم إلى قيام الساعة أن يستشعر مكانة النبي ﷺ ولن يحدث هذا إلا بالاطلاع على سيرته، سواء من القرآن أو السنة.
ويؤخذ من الحديث أن على المسلم أن يحرص على مصاحبة العلماء وأهل الخير لأن في صحبتهم البركة، لأنه لن تخلو مجالسهم من ذكر أو مدارسة بعكس أصحاب السوء.
الفائدة الرابعة:
على المسلم إذا فاته أمر من أمور الخير والقرب إلى الله، حاول تعويض ما فاته، وأن يعزم النية على استدراك أمر الخير مستقبلا، حتى وإن لم يكن الذي فاته أمرا واجبا، فحضور الغزوة لم يكن واجبا.
الفائدة الخامسة:
بيان ما كان عليه الصحابة من ورع وتقوى وعدم التحدث كثيرا عما
стр. 713
في قلوبهم من النيات الصادقة، فإن أنس بن النضر قال: ليراني الله ما أصنع! قال الراوي: فهاب أن يقول غيرها، أي أنه لم يقل: سأفعل وأفعل في المعركة، وذلك مخافة أن يعجز أو مخافة العجب منه أو به، أو قد يكون ذلك تواضعا مع الله ، ولا مانع من إرادته كلّ ذلك. فعلى كل مسلم أن يتعلم هذه الأخلاق الحميدة ويعمل بها، فيضمر في قلبه ما فعله لله وما هو عازم أن يفعله، وإن كانت هناك مصلحة في التكلم كان بقدر الحاجة فقط، والله مطلع على البواطن اطلاعه على الظواهر سواء بسواء، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طه: ٧] ، وهو يعلم إن كان الرجل يتكلم لمصلحة أم لا، وإن كان تكلم بقدر الحاجة أو توسّع بما لا يفيد.
الفائدة السادسة:
وفي الحديث نرى ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من شجاعة وإقدام وتضحية وفداء لله ورسوله، فقد طعن أنس بن النضر أكثر من ثمانين طعنة قبل أن يلاقي ربه، ولا شك أنه ما كان يطعن إلا وهو يحارب، فكيف كان يتحامل على نفسه ويقف شامخا يحارب مع كل تلك الطعنات مما ضيع معالمه كلها فلم تعرفه أخته إلا بإصبعه.
الفائدة السابعة:
بيان حب الصحابة الشديد للجنة، فكانوا يبذلون من أجلها النفس والنفيس، والله إني لأتعجب غاية العجب كيف كانوا يحرصون على الشهادة وهم يعلمون أنهم بموتهم سيفارقون رسول الله ﷺ ، وهو الأعز عندهم؟! كيف كانوا يتحملون أن يذهبوا إلى القتال ويودعوا الرسول، وهم يعلمون أنهم لن يروه مرة أخرى في حال شهادتهم، ولكن أقول في نفسي: إنهم أحبوه بعقولهم وقلوبهم، فقدموا الشهادة في سبيل الله على الصحبة في الدنيا، وذلك لأنّ صحبة الدنيا ستنقطع لا محالة إما لموتهم أو موت النبي ﷺ لأنه بشر قال الله فيه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزّمر: ٣٠] . وبموتهم في سبيل الله ضمنوا صحبته الأبدية في الجنة.
الفائدة الثامنة:
طمع الصحابة في الجنة لأن أنس بن النضر ﵁ اندفع إلى المعركة اندفاعا شديدا وأبلى فيها بلاء حسنا، وكان آخر ما قال فيما علمنا: «لريح الجنة أجده دون أحد» ، فكأن هذا هو الذي دفعه للموت في سبيل الله، ومن هنا نعلم خطأ بل جهل من يقول: إنني أعبد الله حبّا له ليس طمعا في الجنة، إنما هي عبادة التجار، وهذا تكذبه آيات القرآن الكريم الكثيرة التي تبين أبلغ تبيان أن المؤمنين يعبدون الله طمعا في جنته، وخوفا من عقابه بل حتى الملائكة الذين جبلوا على الطاعة إنما يخافون الله ويظهرون هذا الخوف لأنه من تمام عبوديتهم لله، بل إن الله هو الذي رغب عباده في الطاعات بأن جعل ثوابها الجنة.
стр. 714
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التّوبة: ١١١] .
هذا، وقد حذر الله المؤمنين من مغبة المعاصي ورغّبهم في التوبة منها، حتى لا يقع عليهم العذاب، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التّحريم: ٦] .
أما الملائكة فقال في حقهم: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨] ، والخشية هي الخوف مع المحبة والإجلال، ومُشْفِقُونَ أي وجلون من ربهم، وهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم فهم مجبولون على الطاعة والتسبيح، وقال تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النّحل: ٥٠] .
فهل بعد بيان الله من بيان؟!، وهل يتجرأ أحد أن يظن أنه أفضل من الصحابة في فهم نصوص الكتاب والسنة، أو أنه أتقى لله منهم، وأنه يعبد الله بعبادة الحب التي هي في ظنه أفضل من الخوف والرجاء؟! حتى قال أحدهم: لو بنى الله لي خيمة في النار فأدخلها وأنا عنه راض. وقال الآخر: اللهم إن كنت أعبدك طمعا في جنتك فلا تدخلنيها أبدا، وإن كنت أعبدك خوفا من نارك فأدخلنيها.
أقول: ما هذه الجرأة على الله ، وما هذه الاستهانة بالجنة أو بالنار، ألم يسمعوا ما قاله الله في القرآن الكريم على لسان الخليل إبراهيم- ﵊ وهو أفضل الخلق بعد نبينا؟!: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشّعراء: ٨٢] ، وذلك خوفا من عقوبتها وهو من هو. وقال تعالى على لسانه أيضا: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشّعراء: ٨٥] .
فالحاصل أن أهل السنة يعبدون الله حبّا في الله وبما أنعم عليهم من النعم العظيمة والآلاء الجسيمة، كما أنهم يعبدونه ويتوسلون له ويتذللون لعظمته آناء الليل وأطراف النهار لينالوا المرغوب فيه وهو الجنة، وينجوا من المرهوب منه وهو النار.
ط- نور أسيد وعباد بن بشر:
عن أنس ﵁: (أنّ رجلين خرجا من عند النّبيّ ﷺ في ليلة مظلمة وإذا نور بين أيديهما حتّى تفرّقا فتفرّق النّور معهما، وقال معمر عن ثابت عن أنس: إنّ أسيد بن حضير ورجلا من الأنصار. وقال حمّاد: أخبرنا ثابت عن أنس: كان أسيد بن حضير
стр. 715
وعبّاد بن بشر عند النّبيّ ﷺ «١» .
ي- نزول السكينة بقراءة أسيد بن حضير:
عن أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب- ﵄ يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدّار الدّابّة فجعلت تنفر فسلّم فإذا ضبابة أو سحابة غشيته، فذكره للنّبيّ ﷺ فقال: «اقرأ فلان فإنّها السّكينة نزلت للقرآن، أو- تنزّلت للقرآن» «٢» .
ك- تبشير الكثير منهم بالجنة في حياتهم:
وإيراد جميع آيات الثناء على الصحابة في القرآن يحتاج إلى مؤلف خاص.
стр. 716
ثامنّا: دفع شبهات وأكاذيب الكفار حوله ﷺ :
١- تكذيب ادعائهم إضلاله ﷺ لهم:
قال تعالى على لسان الكفار أنهم قالوا: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٢] .
ادعى الكفار أن الرسول ﷺ كاد أن يكون السبب في إضلالهم وصرفهم عن عبادة الأوثان، فدفع الله هذا الادعاء الكاذب، بإثبات أنهم سوف يرون العذاب، وما داموا سيرون العذاب، علمنا أنهم هم الذين على ضلال، وأن النبي ﷺ هو الذي على الحق المبين، قال الشيخ السعدي- ﵀ في تفسيره للآية: «إن كاد- هذا الرجل- ليضلنا عن آلهتنا- بأن يجعل الآلهة إلها واحدا- لولا أن صبرنا عليها- لأضلنا- أي زعموا- قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدي ما هم عليه من الشرك فلهذا تواصوا بالصبر عليه، قال- تعالى-: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ [ص: ٦] . انتهى «١» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
اجتهاد النبي ﷺ غاية الاجتهاد في ثني الكفار عن عبادة الأوثان، حتى أو شك أن يفعل ذلك لولا تواصيهم بالصبر على عبادة الأوثان، وما قاله المشركون من أن النبي ﷺ كاد أن يضلهم هو أبلغ الثناء على النبي ﷺ من حيث أرادوا ذمه ﷺ ، وهذا هو المنتهى في الغباء من الكفار.
الفائدة الثانية:
إذا كان الكفار قد تواصوا فيما بينهم بالصبر على عبادة الأوثان، وهو ضلال بيّن لكل عاقل، فمن باب أولى أن يتواصى المسلمون بالصبر على الحق البين الذي هم عليه.
الفائدة الثالثة:
يرى الناس- كلهم جميعا- يوم القيامة الحق حقّا، والباطل باطلا، وتزول عن أعينهم الغشاوات التي كانت تحول بينهم وبين رؤية الحق، ودليله من الآية قوله تعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
стр. 717
٢- شبهة الأكل والمشي في الأسواق:
قال- تعالى-: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧] .
الشاهد في الآية:
أراد الكفار أن يطعنوا في نبوة النبي ﷺ ، بأنه يحتاج، كبقية البشر لأكل الطعام، والمشي في الأسواق ليؤمن حاجاته، فرد الله شبهتهم بقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠] ؛ أي: أن كل الأنبياء قبله كانت عادتهم وطبيعتهم التي فطرهم الله عليها، أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، والنبي ﷺ ليس بدعا من الرسل، قال- تعالى-: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٩] .
بعض فوائد قوله- تعالى -
: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) :
الفائدة الأولى:
إذا كان الكفار قد كذبوا بالرسول ﷺ ؛ لأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فقد أقام القرآن عليهم الحجة أنهم قد كذبوا بكل الرسل؛ لأنهم جميعا كانوا يباشرون ذلك، وقد بين القرآن- في عدة مواضع- أن الذي يكذب رسولا، فقد كذب بجميع الرسل، لأن ربهم واحد ودعوتهم واحدة، فقوم نوح أرسل إليهم نبي واحد، ومع ذلك قال الله- في حقهم: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] ، يتفرع على ما ذكر أن الكفار يضاعف عليهم العذاب يوم القيامة؛ لأن الذي يعذب بتكذيبه رسولا واحدا، ليس كالذي يعذب على تكذيب كل الرسل.
الفائدة الثانية:
بينت الآية الحكمة من رفع الناس بعضهم على بعض، بما يذهب غيظ قلوبهم، وما يجدونه من حقد وحسد من بعثة النبي ﷺ ، فجعلت الآية تفاضل الناس بعضهم على بعض، فتنة واختبارا، ليرى أيصبرون على ذلك أم لا، ولكن الحسد أعمى قلوبهم، قال- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] .
الفائدة الثالثة:
من حكمة الله- إرسال المرسلين من جنس من أرسل إليهم، يأكلون ويشربون، يمرضون ويموتون، يتزوجون ويتناسلون؛ قال الله- تعالى-:
стр. 718
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ [الأنبياء: ٨] ، والله كان قادرا أن يرسل فيهم ملائكة، ولكن سيكون لهم شبهة أخرى، وهى كيف نتبع من ليس منا ولا على شاكلتنا، وهل يعقل أن يكون القدوة إلا من نفس جنس المأمور بالاقتداء، هم لم يرضوا أن يقتدوا بمن يتكلم بلسانهم، ويعلمون مدخله ومخرجه منذ ولادته، فهل كانوا سيرضون بمن ليس من جنسهم البشري. وكفى لهم حجة أن يقولوا: هو يستطيع ما لا نستطيع، ويقدر على ما لا نقدر عليه، والله قد امتن على الأمم أن الرسول كان منهم ويتكلم بلسانهم، قال تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] ، ولو قدر الله إرسال ملائكة، لأرسلهم على هيئة رجال، حتى يتمكن البشر من الأخذ منهم، قال- تعالى-: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] .
الفائدة الرابعة:
في الآية تزكية للنبي ﷺ حيث اختتمت الآية بقوله- تعالى-:
وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً فهو بصير بعباده، يعلم من يستحق منهم شرف النبوة، ومن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية، فببصيرته بالخلق، جعل النبي ﷺ خاتم النبيين، قال- تعالى-: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] ، وختم على قلوب المعاندين من كفار قريش، فرفعت الآية قدر النبي ﷺ ودفعت شبهة المبطلين، وحكمت عليهم باستحقاق الضلال.
٣- كذب ادعائهم أنه ﷺ يعلمه بشر:
قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] .
وهذه الآية- أيضا- نزلت لدفع إحدى الشبهات التي أثارها كفار مكة حول الرسول ﷺ ؛ فقد زعموا أن النبي ﷺ يتعلم القرآن من غلام أعجمي- لا يتكلم العربية- فكذبهم القرآن الكريم، وأظهر براءة النبي ﷺ وأعلى شأن ما أنزل إليه، بأن وصفه باللسان العربي المبين، أي أنه أفصح ما يكون من العربية
ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق في سبب نزول الآية وفيمن نزلت قال: «كان النبي ﷺ فيما بلغني- كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له: جبر النصراني كان رسول الله ﷺ يلقنه القرآن» انتهى. «١» وكل التفسيرات لا تختلف إلا في اسم الغلام
стр. 719
الذي كان يجلس إليه النبي ﷺ ، وقال القرطبي في اختلاف أسماء هؤلاء: «والكل محتمل؛ فإن النبي ﷺ ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ليعلمهم مما علمه الله وكان ذلك بمكة، وقال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأنه يجوز أن يكونوا أومئوا إلى هؤلاء جميعا وزعموا أنهم يعلمونه» انتهى «١» .
ولا شك أن اهتمام القرآن برد كل فرية افتراها الكفار على رسول الله ﷺ لهي من دلالات الاعتناء الإلهي به، والحرص على تبرئة ساحته، وكان يمكن أن يقوم هو بالدفاع عن نفسه، ولكن نزول القرآن كان أجل وأعظم.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
بيان كره الكفار للرسول ﷺ ولما أنزل إليه من الآيات والذكر الحكيم، واتضح ذلك جليّا في محاولاتهم إثبات أن النبي ﷺ لا يوحى إليه من ربه.
الفائدة الثانية:
غباء الكفار وسفاهة عقولهم، حيث اتهموا النبي ﷺ أنه يتعلم القرآن من أعجمي لا يجيد العربية، ويبدو أن الحقد قد أعمى قلوبهم وأذهب عقولهم فلم يجيدوا حتى الكذب.
وقد يكون هذا من باب مكر الله بهم، حيث جعلهم يتكلمون بما يفضحهم ويبين كذبهم وحقدهم وتخبطهم.
الفائدة الثالثة:
هذه الواقعة ومثيلاتها لهي أبلغ برهان على أن القرآن كتاب من عند الله ، والدليل من الواقعة أن الذي يكذب- كما فعل الكفار في هذه الفرية سرعان ما يتضح كذبه ويفضح بين الخلائق وهو لا يستطيع أن يستمر في إتقان كذبه مدة طويلة، وكما ذكرت فهو من مكر الله به، فهل يعقل أن يأتي النبي ﷺ من عند نفسه- بهذا القرآن ويتكلم به على مدار ثلاث وعشرين سنة، ولا يظهر للناس جميعا على اختلاف مللهم ونحلهم أيّ تناقص في الكتاب الكريم ينم عن الكذب أو حتى التناقض.
الفائدة الرابعة:
بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حرص على تبليغ الدعوة إلى كافة الناس عربهم وعجمهم، ودليله ما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية، من أنه كان يجلس إلى الغلمان الأعاجم يعلمهم القرآن، فسبحان الله العظيم، كلما أراد الكفار أن يخفضوا من مقام النبي ﷺ تكون أجل مناسبة ليعلي الله شأنه ويرفع ذكره
стр. 720
ألم تر أن الله ختم الآية بقوله: وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فقد زكى القرآن الذي أنزل إليه من الوحي غاية التزكية، وهي تزكية له ﷺ .
٤- كذب الادعاء بأن الله قد قلاه ﷺ :
عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمّد إنيّ لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثة، فأنزل الله : وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) تقرأ بالتّشديد والتّخفيف؛ بمعنى واحد: ما تركك ربّك وقال ابن عبّاس: ما تركك وما أبغضك «١» .
وهذا أيضا من باب كذبهم وافترائهم على النبي ﷺ حيث ادعوا كذبا وحقدا أن الذي يأتي النبيّ ﷺ هو شيطان، وليس وحيا من السماء.
ونتكلم أولا عن فوائد الحديث، وإن كانت الآيات أشرف، إلا أن الحديث هو سبب نزول الآيات الكريمات.
أولا: بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عناية الله بنبيه ﷺ حيث أنزل قرآنا يسلّي فيه النبي ﷺ ويرد على مقالة الحاقدين، وكان يكفي للرد على مقولة أم جميل العوراء أن يتواصل الوحي، ولكنه الحب.
الفائدة الثانية:
ورد في صحيح البخاري روايتان، إحداهما بلفظ: «قالت امرأة: يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلا أبطأك فنزلت: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) ، والثانية بلفظ:
«فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك» ، وقد رجح ابن حجر- ﵀ أن تكون صاحبة المقالة الأولى هي: خديجة بنت خويلد- ﵂ زوج النبي ﷺ ؛ لأنها قالت: «يا رسول الله» وعبرت عن جبريل بقولها: «صاحبك» .
وصاحبة المقالة الثانية هي: أم جميل العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب وامرأة أبي لهب «٢» ، ويكون معنى كلام ابن حجر أن الآية نزلت ردّا على المقالتين، ولكن شتان بين المراد من المقالتين، فالأولى قيلت توجعا وأسفا والثانية قيلت تهكما وشماتة.
стр. 721
الفائدة الثالثة:
كره الكفار للنبي ﷺ وما ينزل عليه من الوحي، وتمنيهم لو أن هذا الوحي قد انقطع، لقول أم جميل: «يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك» فقد سمته شيطانا وتمنت أن يكون قد ترك النبي ﷺ .
ثانيا: الآيات الكريمات:
كما تعودنا من صنيع القرآن، وكما بينت في المواضع سالفة الذكر، أن القرآن العظيم لا ينزل لدفع تهمة أو درء شبهة في حق النبي ﷺ إلا ونزل معها في الآيات ما يفرحه ويقر عينه، إلا أن سورة الضحى كانت أبين ما يكون في هذا الشأن، مع ملاحظة أنها ما تعرضت مثل مثيلاتها لصاحبة القول- وهي أم جميل- وما علمنا سبب النزول إلا من الحديث الشريف، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى أن المرأة وزوجها قد نزل فيهما سورة كاملة، هي سورة المسد، وكأن الله أراد أن يجعل سورة الضحى خالصة للنبي ﷺ .
بعض فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى:
بدأت السورة الكريمة بأن أقسم الله بايتين كونيتين، هما من أعظم دلائل قدرته- وهما الضحى، والليل إذا سجى، وعظيم المقسم به يدل على عظيم المقسم من أجله، وهو أن الله ما تخلى عن نبيه ﷺ كما أن اختيار هذا القسم لطيفة من اللطائف، لمناسبته المقسم من أجله، فكما أن الله قد جعل الضحى للسعي والتعب ثم جعل الليل يأتي بعده ليأخذ الإنسان فيه قسطا من الراحة والسكينة، ليكون قادرا على مواصلة السعي من غده، فكذلك فترة انقطاع الوحي عن النبي ﷺ فرصة لتهدأ نفس النبي ﷺ من مشقة التنزيل؛ لأنه كان يعاني منه شدة عظيمة، وليكون بعد هذا الانقطاع في أشد الشوق لمعاودة تنزّل الوحي عليه.
الفائدة الثانية:
لما كان الوداع يحدث بين الحبيب وحبيبه، والقلى- الذي هو البغض- يحدث بين المتخاصمين، جاء القرآن الكريم بإضافة كاف المخاطبة لأول فعل، وهو التوديع فقال : ما وَدَّعَكَ ثم أتى بالفعل الثاني بدون كاف المخاطبة، فقال: وَما قَلى، وهذا من جميل خطاب القرآن مع النبي ﷺ ، حتى في حالة نفي صدور الفعل لاحظ الخطاب القرآني أجمل الأساليب.
الفائدة الثالثة:
أما تفسير قوله- تعالى-: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) ، فقد قال فيها الشيخ السعدي-رحمه الله تعالى--
стр. 722
ما يقر به عين أحباب المصطفى ﷺ ، فقد قال ما نصه: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ؛ أي: ما تركك منذ اعتنى بك ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. وَما قَلى الله إياك؛ أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول ﷺ الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله به.
وأما حاله المستقبلية، فقال: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) [الضحى: ٤] ؛ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل ﷺ يصعد في درج المعالي، ويمكّن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام؛ ولهذا قال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة. انتهى كلام الشيخ- ﵀ «١» .
٥- كذب ادعائهم أنه ﷺ ساحر:
عن ابن عبّاس أنّ ضمادا قدم مكّة وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الرّيح فسمع سفهاء من أهل مكّة يقولون: إنّ محمّدا مجنون فقال: لو أنّي رأيت هذا الرّجل لعلّ الله يشفيه على يديّ قال: فلقيه فقال: يا محمّد إنّي أرقي من هذه الرّيح وإنّ الله يشفي على يدي من شاء؛ فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أمّا بعد قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهنّ عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرّات قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السّحرة وقول الشّعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام قال: فبايعه، فقال رسول الله ﷺ : «وعلى قومك؟» قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله ﷺ سريّة فمرّوا بقومه فقال صاحب السّريّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة فقال: ردّوها فإنّ هؤلاء قوم ضماد «٢» .
стр. 723
الشاهد في الحديث:
هو قول ضماد: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: في النبي ﷺ :
١- تعظيم الصحابي الجليل، ابن عباس- ﵄ لشأن النبي ﷺ إذ وصف من تكلم في النبي ﷺ بالسفه؛ لقوله: «فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون» وهذا الذي اعتقده الصحابي، صدق وعدل، فإن كل من يتكلم عن الرسول بما ينقصه، فهو سفيه، لأنه لم يميز بين ما ينفعه وما يضره، ولم يميز بين الحق الذي جاء به الأنبياء، والباطل الذي وجد عليه الآباء، فهو سفيه لأنه لو كان عنده مسحة عقل، لآمن واتبع، وقدّم الباقي على الفاني، واشترى أخراه بدنياه، ولو كان عنده عقل، لتدبر وتفكر في أحوال النبي ﷺ ، في صدقه، وأمانته، وتقواه، ونصحه، وجوامع كلمه، وعظمة القرآن الذي أنزل عليه، فعلم- بواحدة من هؤلاء- أنه نبي حقّا وأنه ليس بمجنون.
وعلينا جميعا أن نعتقد سفه من لم يؤمن بالنبي ﷺ ، ولو أعطي من العقل أكمله فيما يرى الناس؛ لأن العقل إذا لم يدل صاحبه لما خلق له، وهو التوحيد والاتباع، كان هذا العقل في حكم العدم، وقد حكم الله على من لم يؤمن بعدم وجود العقل، مع أننا نرى منه فيما نظن، أنه أعقل الناس، قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩] .
٢- بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم، وعظيم البيان، وحلاوة المنطق، ورصانة القول، إذ إن ضمادا لما سمع منه خطبة الحاجة، ولم يسمع منه أكثر من ذلك، قال:
«فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر» ؛ أي: وسط البحر ولجته، مع أن ضمادا رضى الله عنه، سمع من كل الطوائف ولكنه علم أن كلام النبوة له طابع خاص يختلف تماما عن كلام الناس جميعا، ولو أن أحدا من الناس تكلم بمثل هذا الكلام من قبل، أو يمكن أن يتكلم به من بعد، ما حكم ضماد بنبوة النبي ﷺ ، وما تكلم به النبي ﷺ ، لهو من أعظم الأدلة على نبوته ﷺ ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 724
٣- حسن ثنائه على الله ، وتأدبه الجم مع مقام الألوهية، والإقرار أنه- ، المتصرف في كل شيء؛ حيث تضمنت خطبة الحاجة ما يلي:
أ- إثبات أن الحمد كله لله- ، واللام في لفظ (لله) ، هي للاختصاص، والحمد هو الثناء على الله بكل صفات الكمال والجمال، ونفي كل صفات النقص ومشابهة الخلق، فالثناء على الله، كان سببه، أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
والثناء كان سببه أيضا، أن له الأسماء الحسنى والصفات العلا. ومعناه، أنه قد تنزه عن النوم والأكل والشرب واتخاذ المعين والناصر والولي من الذل. فكأن النبي ﷺ لما قال:
«إن الحمد لله» ، ذكر كل ذلك، وما من أحد يحب الثناء عليه، مثل حب الله له، لما رواه البخاري، عن عبد الله عن النّبيّ ﷺ قال: «ما من أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرّم الفواحش، وما أحد أحبّ إليه المدح من الله» «١» .
ب- إثبات أن الله- هو المستعان على قضاء الأمور، ودفع الكروب. وفي الاستعانة بالله ، إعلان لضعف العبد؛ لأنه لا يطلب الاستعانة إلا من رأى ضعف نفسه، وأنه لا حول له ولا قوة، كما أنه لا يطلب الاستعانة إلا من قوي قادر على قضاء الحاجات، عليم سميع، يعلم ويسمع لمن استعان به، كما أننا لا نطلب الاستعانة إلا ممن نحسن الظن به، أنه يرحم من يدعوه، ويعطي من يرجوه، نحسن الظن به، أنه لا يخذل من استجار به، ولا يرد من استعان به، كما نحسن الظن به، من حيث إنه لا يعجزه أي شيء، ويقدر على كل شيء، فالاستعانة، هي الخروج من حول الإنسان وقوته، إلى حول الله وقوته، وهي إعلان غاية الضعف والعجز في مقابل غاية القوة والقدرة.
والحاصل أن الاستعانة هي من أعظم مظاهر التعبد لله، التي تحققت كلها، في شخص النبي ﷺ .
ج- إثبات أن الهداية- وهي أعظم النعم- بيد الله وحده، وكذا الضلالة، وأنه لا أحد ينازع الله- في ذلك، فإن الله إذا أراد الهداية لأحد، فلن يمنع وصولها أو حجبها عنه أهل السماوات والأرض، وكذا إذا أراد أن يضل أحدا، لقوله ﷺ : «من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» ، وفي هذا تعليم للأمة، أن على العبد
стр. 725
دائما أن يطلب الهداية والتوفيق والثبات من الله تعالى، كما يسأله أن يجنبه كل أسباب الضلالة والغواية.
ويتفرع على ذلك: إثبات ضعف أهل السماوات والأرض، فإذا كانوا لا يستطيعون أن يهدوا أحدا، ولا يستطيعون أن يضلوا أحدا، فمن باب أولى لا يستطيعون أن ينفعوا أحدا أو يضروه، وكذا في أبواب الرزق والإحياء والإماتة، فكل ذلك لا يطلب إلا من الله وحده، القادر عليه.
وقد يسأل سائل: لماذا هدى الله هذا وحجب الهداية عن ذاك؟
فأقول: إن مشيئة الله- النافذة في عباده، تدور بين الفضل والعدل، فهداية العبد من تمام فضله، وضلاله من كمال عدله، والإنسان الذي يقبل بقلبه وعقله على الله ، يسلّم بحكمة الله في كل شيء، ولن يرد عليه هذا السؤال أصلا، وإذا ورد تذكر قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فدفع بهذه الآية كل وسواس، وردّ بها كل شيطان.
د- مراعاة الأدب مع مقام الألوهية، حيث لما ذكر النبي ﷺ الهداية نسبها إلى الله، قال: «من يهده الله فلا مضل له» ، ولما ذكر الضلالة، لم يذكر لفظ الجلالة تأدبا مع الله، فقال: «ومن يضلل فلا هادي له» فإذا كان الرسول ﷺ قد راعى كمال الأدب مع الله، حتى في الأمور الثابتة لله، فيجب علينا من باب أولى، عدم إضافة أو إثبات أي أمر من الأمور لله إلا بدليل صحيح وصريح، خاصة في الأسماء والصفات وما يختص بالقضاء والقدر، وجميع الغيبيات التي لا تعلم إلا من الكتاب والسنة.
وكذا التأدب مع الله في حديث بعضنا مع بعض، فلا نذكره- ، في النكات والقفشات، ولا نكثر من القسم باسمه، في الجد والهزل، ولا نذكر اسمه ﵎ إلا باستحضار الخوف والرهبة والخشية، فالمذكور- جل فى علاه- عظيم الشأن رفيع القدر.
قال- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢] كما أن من عظيم أدبه مع الله- ﵎ أنه لما نطق بالجزء الثاني من الشهادة، وهو قوله: «وأن محمدا عبده ورسوله» راعى أمرين عظيمين؛ وهما:
стр. 726
- الأول: أنه أثبت لنفسه صفة العبودية، قبل مقام الرسالة، ليعلم الخلق أجمعين بعظيم صفة العبودية لله ، وأنها مقدمة على مقام الرسالة، وإذا كانت صفة الرسالة لم تتحقق إلا لبعض البشر فإن تحقيق صفة العبودية لله، متاح للبشر أجمعين، يتنافسون فيها.
كما نلمح من تقديم العبودية، إقرار النبي ﷺ ، أن الله قد امتن عليه بالرسالة، لأنه حقق كمال العبودية، وأنه مهما بلغ من الدرجات العاليات في الدنيا والآخرة، ومهما تحقق على يديه من المعجزات الباهرات، فإنه لن يخرج من مقام العبودية لله- ولن ينازع الله- في أمر من أموره، وانظر كيف أثبت لله الحمد والثناء والاستعانة والهداية والإضلال، وفي المقابل أثبت لنفسه أنه عبد الله ورسوله وكم تحمل لفظة العبد، من الذل والخضوع والاستكانة والافتقار، للمعبود- ﵎.
الثاني: أنه انسلخ من نفسه، فلم يأت بالشهادة بصيغة المتكلم بأن قال: «وأني عبده ورسوله» وذلك لأمرين:
أولهما: ألايرى نفسه ولا يذكرها، بعد ذكره للخالق الباري المنعم عليه بكل فضل، وهذا نهاية الأدب والتواضع.
ثانيهما: الإشعار بأنه ينطق بالشهادة امتثالا لأمر الله- ، فكأنه يتكلم عن آخر، ولا يتكلم عن نفسه، وكأنه مأمور كبقية العباد، أن يشهد أن محمدا عبده ورسوله، وهذا نهاية الطاعة والامتثال.
هـ- إثبات وحدانية الله- وأنه لا معبود بحق إلا هو، وأنه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في حكمه، حيث إن قوله: «لا شريك له» نفي لكل أنواع الشركاء، كما أن قوله: «لا إله إلا الله» نفي لكل أنواع الآلهة وإثبات لألوهية الله وحده، وتوسط لفظ «وحده» لتوكيد عدم وجود الآلهة، أو الشركاء، سبحان الذي تفرد بالخلق كله، والأمر كله، والحكم كله، فلا نعبد إلا إياه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نثق إلا به، ولا نتوجه إلا إليه. وقد جاءت كلمة التوحيد في الحديث، كالدليل على كل ما أثبته النبي ﷺ ، لله ، وليعلمنا أن الحمد والاستعانة والهداية لا تكون إلا لله الذي لا إله إلا هو، فمن أثبت لله هذه الأمور، فقد جاء توحيده كاملا لا نقص فيه، مستقيما لا عوج فيه، ومن باب مفهوم المخالفة، أن من أتى بما يناقض الحمد والثناء أو الاستعانة بالله وحده، أو أثبت التصرف في ملك الله لأحد سوى الله، فقد ناقض كلمة التوحيد.
стр. 727
٤- حرصه ﷺ على هداية الناس، ومباشرة كل عمل من شأنه إيصال هذه الهداية إلى قلوب العباد، وذلك أنه أعاد كلامه ثلاث مرات؛ بناء على طلب الصحابي ضماد، مع ملاحظة أن ضمادا لم يطلب من النبي ﷺ إلا الإعادة مرة واحدة، فزاد النبي ﷺ في عدد المرات، رجاء أن تصل هذه الكلمات إلى عقله وقلبه، وهو الرجل إلى جاء ليرقيه من الجنون، فأي رحمة وشفقة بالأمة أعظم من ذلك، ومع مسلك لا يخلو من التواضع الجم، لم يقل له النبيّ ﷺ : قد قلت ما سمعت وإن واحدة لتكفي، خاصة أنه كان ﷺ أفصح الناس لسانا، وأبلغهم بيانا.
الفائدة الثانية: في الصحابي ضماد ﵁:
١- علمه بالله، وما ينبغي إثباته لله قبل إسلامه، حيث ذكر لنفسه أنه يرقى، وأثبت لله- أنه هو الشافي، فعلم أنه سبب ليس له من أمر الشفاء شيء، وأن مسبب الأسباب هو الله، قال ضماد: «لعل الله يشفيه على يديّ» ، كما أن من بالغ أدبه، أنه علق الشفاء بمشيئة الله، فمع الأخذ بأسباب الشفاء، يبقى الأمر موكولا إلى الله ، يشفي من يشاء، ويرجئ شفاء من يشاء، قال ضماد: «وإن الله يشفي على يديّ من شاء» وهذا الأدب مع الله من قبل رجل لم يسلم بعد، قد افتقده كثير من المسلمين في وقتنا هذا.
٢- أدبه مع النبي ﷺ ، حيث إنه لم يضف إليه أي كلمة، مما تكلم به سفهاء مكة في حق النبي ﷺ ، كل ما قاله: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح» ، ويقصد بالريح، الجنون، فلم يلفظ بلفظ الجنون، وهو اللفظ الذي سمعه من سفهاء مكة، كما أنه لم يعد على سمعه ما قالوه حتى لا يؤذيه، كما أن من أدبه أنه قال آخر مقالته للنبي ﷺ : «فهل لك» بأسلوب عرض وإغراء، لا بأسلوب أمر أو استخفاف.
٣- رجاحة عقله، وذلك أنه استعرض في ذهنه في وقت قصير، قول الكهنة، والسحرة، والشعراء، وقارنه بقول النبي ﷺ ، فتيقن أنه رسول من عند الله، فسبحان الله، دخل ضماد على النبي ﷺ يرقيه مما اتهمه به سفهاء مكة، فخرج من المجلس وقد أسلم وتشرف ببيعة النبي ﷺ وصافحت يده يد أحب الخلق إلى الله، فانظروا من شفى من؟، ومن الطبيب ومن المطبوب؟
وأظن أن نعمة الله قد شملت ضمادا، ببركة أدبه مع الله ورسوله بعكس من تعرض
стр. 728
للقرآن والسنة بسوء أدب، فإنه يحرم الهداية ويستحق- بفعله- الغواية.
٤- انسلاخه من العصبيات والقوميات، التي كانت سائدة في القبائل قبل الإسلام، وذلك أنه بمجرد أن نطق بالشهادتين، جعل ولاءه للإسلام، ودليله ما جاء في الحديث:
«وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي» وهذا دليل على أن الولاء للإسلام، ولا ولاء في الإسلام لأي جنسيات أو شعارات أو مذهبيات.
الفائدة الثالثة:
أن نؤمن حقّا أن الهداية بيد الله وحده، فكم سمع الكفار من كلام النبي ﷺ ، بل من آيات الذكر الحكيم، ولم يؤمنوا، بل ازدادوا ضلالة وغواية، وهذا ضماد لم يسمع من النبي ﷺ إلا كلمات معدودة ليست من القرآن، بل من كلامه هو ﷺ ، فامن من وقته بغير تردد ولا تحير.
٦- شبهة أن يكون ﷺ غنيّا لا يحتاج إلى التكسب:
قال- تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) [الفرقان: ٧- ٨] اقترح الكفار ليؤمنوا بالنبي ﷺ ، أن يكون له كنز، ينفق منه فلا يحتاج إلى العمل، أو السعي لكسب الرزق، فإن لم يكن هناك كنز، فلا أقل من أن تكون له جنة، يأكل من ثمارها ويستظل بظلها، فيكون منعّما، لأنهم يستكبرون أن يتبعوا رجلا فقيرا؛ قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ، وهي نفس شبهة من كفر بنوح ﷺ ؛ قال- تعالى-: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] ، والمتأمل يرى أن كل شبهات الكفار واحدة على مر العصور.
والحاصل: أن الكفار اقترحوا في آية الباب أن ينزل الله على عبده ﷺ كنزا من السماء، أو تكون له جنة في الأرض، فبين الله أولا أن الذي دفعهم إلى هذه الشبهة هو ظلمهم؛ حيث قال تعالى: وَقالَ الظَّالِمُونَ، ثم بين تعالى أنه لو شاء لجعل لرسوله ﷺ ما اقترحوه، بل خيرا منه: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ولكن علق الله ذلك بالمشيئة، وحيث إن كل مشيئة لله- تعالى- فهي مقرونة بالحكمة البالغة، علمنا أنه ليس من الحكمة أن يكون للنبي جنات وأنهار
وأكد القرآن مرة أخرى في سياق تفنيد ادعاآتهم، أن الذي دفعهم إلى هذا القول هو
стр. 729
تكذيبهم بالساعة، قال- تعالى-: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً [الفرقان: ١١] ، وتوعدهم الله على هذا التكذيب بالعذاب الشديد.
٧- دفع ادعائهم أنه ﷺ كتب القرآن:
قال تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] فهذا كذب آخر منهم، حيث ادعوا أن هذا القرآن، ما هو إلا حكايات وأحاديث الأولين، التي فيها الصدق القليل، والكذب الكثير، فرد الله عليهم بأبلغ البيان؛ قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ٦] ، فألمحت الآية إلى أن الذي يقدر على إنزال هذا القرآن، هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض، ولماذا نصت الآية على عالم السر؟
المتأمل للقرآن يعلم الجواب، ففي القرآن طرف عظيم، من أسرار ملكوت العالم السفلي والعلوي، وأسرار علم الغيب الماضي والحاضر والمستقبل، وأسرار المخلوقين، ملائكة وإنسا وجنّا، وفيه الحديث عن سرائرهم، وما تخفي نفوسهم، فأنزل ما يصلحهم، يتكلم القرآن عن كل ما سبق كأن الكون وما فيه، سره وعلانيته، خفيه وجليه، دقيقه وحقيره، ظاهره وباطنه، كأنه كتاب مفتوح لمن أنزل القرآن، فهل يعقل أن يكون الذي أنزل القرآن أحد غير الخالق، الذي يعلم السر وأخفى، فالذي يدعي أن محمدا ﷺ ، هو الذي أتى بهذا القرآن، قد رفعه فوق منزلة البشر، لأنه ليس من البشر أحد يعلم السر، وكفى بذلك حجة أن القرآن من عند الله خالق كل شيء.
فإن أصروا على أن هذا القرآن من عند محمد ﷺ ، فلماذا لم يأتوا بمثله؟ وقد تحداهم الله في ذلك فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨] ، فلما عجزوا عن أن يأتوا بمثله كاملا، تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: ١٣] فلما أعجزهم هذا الأمر أيضا، تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، في موضعين من القرآن، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨] ، وقال- عز من قائل-:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣] .
стр. 730
أقول: ليس المراد من سرد الآيات إطلاع القارئ عليها؛ فهي معلومة لكل أحد، ولكن المراد بيان أن هذا التحدي هو في ذاته معجز، وأن الله قد ألزمهم به الحجة، وأنه دليل لكل ذي لب على أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد، وذلك أن العرب في زمن البعثة كانوا أبلغ الناس فصاحة وبلاغة، وكانوا يقيمون الأسواق والمنتديات؛ ليتباروا في كتابة المعلقات، وهذا لا ينكره أحد، فأن يأتي الرسول ﷺ على سبيل التنزل مع المجادلين- فيضع نفسه في مأزق أمام أصحابه وعشيرته، الذين آمنوا به وبايعوه على أنه نبي من عند الله، فيأتي ويتحدى المكاذبين له أمام الناس أجمعين، ويسجل ذلك في القرآن، ويقترح عليهم أن يتظاهروا ويتساعدوا فيما بينهم، ليأتوا بمثل هذا القرآن، فلا يشترط عليهم، تحرزا لنفسه، أن يأتوا به فرادى، بل يتحدى الإنس والجن معا، وما يدريه ما عند الجن من قوة، فضلا على ما عند العرب مما ذكرنا من فصاحة وبلاغة وبيان، ما الذي يدفعه لذلك، ويضحّي بما وصلت إليه منزلته عند أصحابه، فلمّا عجز العرب عن ذلك لم يسكت النبي ﷺ ، وقد تحقق له ما أراد من تعجيزهم، بل يتنزل معهم، فيتحداهم بالإتيان بعشر سور، فيعجزون، فلا يرضى المتحدي بهذا التعجيز الظاهر، ويصر على إكمال التحدي، في سورة واحدة، وفي كل مرة يرتفع شأنه أكثر عند أصحابه ويكون دافعا لهم على رسوخ الإيمان، بمن أنزل القرآن، وبمن أنزل عليه القرآن، وفي المقابل يحتقر شأنهم أكثر بعجزهم فيما برعوا فيه، ألم يفكر النبي ﷺ ماذا سيكون الموقف إذا وفّقوا في هذا التحدي، أو رأى وسمع أصحابه من يأتي بمثل القرآن.
والسؤال الآن لماذا لم يستطيعوا أن يأتوا بالسورة، مع وجود الدافع، وانتفاء المانع، فقد حرصوا كل الحرص على تكذيبه وإبطال دعوته، فقالوا: شاعر،. وقالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، وكادوا له بكل أنواع الكيد، قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) [آل عمران: ٥٤] ، وقال- تعالى-: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] ، علمنا أن مكرهم الذي تزول منه الجبال، وتضحيتهم بالمال والنفس والعرض والأولاد، كان أيسر عندهم من الإتيان بسورة واحدة من القرآن، وليعلم كل أحد أن إنكاره أن القرآن من عند الله- سيوقعه في إشكال كبير، وهو كيف يأتي رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب بكلام يعجز العرب والعجم، والإنس والجن مجتمعين، فهل يعقل أن يكون هذا الذي أنزل القرآن بشرا، وهل أتى بشر من قبله، أو من بعده بكلام
стр. 731
أعجز الأولين والآخرين، إن كان لا، ألزمناهم أن يرفعوا محمدا ﷺ فوق منزلة البشر، لأنه وحده أتى بما لم يأت به الإنس والجن مجتمعين، وكيف يفعلون ذلك، وهو لم يدّع أنه فوق البشر، بل لم يدع أصلا أنه كتب هذا القرآن من عنده، وهل يعقل أحد أن رجلا يستطيع أن يعجز الإنس والجن، ثم ينسب كذبا- حاشا لله- هذا الإعجاز لغيره، من فعل هذا قبله؟ ولماذا؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 732
الباب السادس مظاهر حب وإجلال الصحابة ﵃ للنبي ﷺ
стр. 733
١- التصديق المطلق
عن أبي هريرة ﵁ قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو «١» من الطّعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ . قال: إنّي محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخلّيت عنه، فأصبحت. فقال النّبيّ ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟» قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخلّيت سبيله. قال: «أما إنّه قد كذبك وسيعود» ، فعرفت أنّه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ : «إنّه سيعود» ، فرصدته فجاء يحثو من الطّعام فأخذته فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإنّي محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته فخلّيت سبيله، فأصبحت. فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخلّيت سبيله. قال: «أما إنّه قد كذبك وسيعود» . فرصدته الثّالثة، فجاء يحثو من الطّعام فأخذته، فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرّات أنّك تزعم لا تعود ثمّ تعود!! قال: دعني أعلّمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:
٢٥٥] ، حتّى تختم الآية فإنّك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنّك شيطان حتّى تصبح فخلّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنّه يعلّمني كلمات ينفعني الله بها فخلّيت سبيله قال: «ما هي؟» قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ من أوّلها حتّى تختم الآية اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتّى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان» «٢» .
الشاهد في الحديث:
أن الرجل الذي جاء يحثو من طعام الصدقة، وهو في الأصل شيطان، يتمثل في صورة إنسان، كان في كل مرة، يعد أبا هريرة أنه لن يعود، وفي كل مرة يرصده أبو هريرة،
стр. 734
ويتيقن أنه سيعود، وما ذاك إلا لأن النبي ﷺ أخبر أبا هريرة أنه سيعود.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ :
١- إعلامه ﷺ ببعض أمور الغيب: حيث ابتدأ أبا هريرة بالسؤال عن الأسير، بعد أول ليلة، وما انتظر إخبار أبي هريرة، وذلك ليتيقن أبو هريرة بنبوة النبي ﷺ أو بالأصح يزداد يقينا على يقينه، وهذه من أعظم فوائد المعجزات- وقد كان النبي ﷺ كل صباح يسأل أبا هريرة عن أسيره، ثم ينبّئه أنه سيعود ويأتي، رغم أن الأسير يؤكد في كل مرة أنه لن يأتي، وهذا الإخبار بالغيب في أمر يعلم فيه الصدق من عدمه مساء نفس اليوم، لهو أمر عظيم، يدل قطعا على صدق نبوته ﷺ وتأييد الله له، ويقينه ﷺ بذلك.
٢- حسن تعليمه ﷺ وصبره على هذا التعليم: حيث إنه ترك أبا هريرة ليلتين بعد الليلة الأولى، وما أخبره، بمن هو أسيره، لتتحق زيادة اليقين، ويترسخ عند أبي هريرة ﵁ وعند بقية الأمة.
٣- فصاحته ﷺ وتمام بيانه: يتبين ذلك من قوله: «صدقك وهو كذوب» . فلو اقتصر على: «صدقك» لكان فيه تزكية لذاك الشيطان، وقد يظن ظان أن الأصل فيه الصدق، ولو اقتصر على قوله: «كذوب» لاشتمل الحكم على كذبه فيما أخبر عنه في فضائل آية الكرسي، فقال بحكمة: «صدقك وهو كذوب» .
يتفرع على ذلك، ألايحملنا بغضنا لأحد، ولو كان ألد أعدائنا، أن نكذّبه في كل شيء، بل يجب علينا أن نقول فيه كلمة الحق، ونبين ما صدق فيه وما كذب، بل نبدأ بصدقه قبل كذبه، كما فعل النبي ﷺ ولو أننا كذبنا كل ما يقول عدونا حتى في حالة صدقه، لتلبسنا بأقبح الخصال، وهي الكذب.
الفائدة الثانية: في القرآن الكريم:
١- عظيم شأن القرآن، وبركته العميمة، لاحتوائه على الكثير من الآيات المباركات النافعات، التي تقي الإنسان المهالك وشرور أعدائه، خاصة شياطين الجن، وكذا الآيات التي يرقي الإنسان بها نفسه ومن يحبّ، وآيات يدفع بها المسلم شر العين وأضرارها، والآية التي معنا في هذا الحديث الشريف، يحفظ الله بها من يقرأها طوال الليل حتى يصبح فلا يقربه شيطان كما ورد في الحديث: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا
стр. 735
هُوَ حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح» .
وللدلالة على عظيم بركتها، أن ضمنت لمن يقرأها أمرين، ولو كان أمرا واحدا لكفى:
الأمر الأول: وجود الحافظ، الذي هو من الله، فهو أتى بأمر الله ويستمد قوته من الله، وقد سمي حافظا، فهو لن يضيع ما استحفظ عليه، وهو نفس المؤمن، وإلا ما استحق هذا الوصف الدقيق.
الأمر الثاني: عدم قرب الشيطان، ولم يقل: (ولا يمسنك شيطان) . وشتان بين القرب والمس؛ لأن الشيطان قد لا يمس المؤمن، ولكن قد يوصل إليه أدنى أذى ولو من بعيد، ولكن هذا لن يحدث ببركد قراءة المؤمن لآية الكرسي.
٢- ثبوت تفاضل آيات القرآن الكريم، وأن بعضها أعظم من بعض في النفع والبركة، مع إيماننا أن القرآن كله عظيم ومبارك، قال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) [الأنعام: ١٥٥] .
الفائدة الثالثة:
في مناقب أبي هريرة ﵁:
١- فقهه: حيث إنه لم يرفع الأسير إلى النبي ﷺ لمّا رآه يأخذ من مال الصدقة لإقامة حد السرقة عليه، إما لعلمه باستحباب تعافي (أي دفع) الحدود قبل أن تصل إلى الإمام، أو لعلمه أن الأسير له حق في هذه الصدقة لحاجته وعياله، والحد لا يقام على الفقير خاصة إذا سرق من المال العام الذي له فيه حق بقدر ما يحتاجه ويفتقر إليه.
٢- حسن ظنه بالناس: حيث إنه صدق الأسير لما أعلمه بحاله، وكذا رحمته بالفقير، قال أبو هريرة ﵁: (يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت) . وما كان ليرحمه إلا بعد تقديم حسن الظن به في صدق حديثه.
٣- أمانته: حيث كان يترصد الأسير كل ليلة، ويمنعه من الأخذ من مال الصدقة، المأمور بحفظها، وما استطاع الأسير أن يغافله ويسرق ولو مرة واحدة، خاصة أنه كان يأتي ليلا، وهو الوقت الذي ينام فيه الحراس غالبا.
٤- تصديقه المطلق للنبي ﷺ : حيث كان في كل ليلة يتيقن من عودة الأسير، وما كان ذلك إلا لتصديق أبي هريرة لخبر الرسول ﷺ حيث قال: (فعرفت أنه سيعود لقول الرسول ﷺ : إنه سيعود) ، فما نظر أبو هريرة، ﵁ إلى القرائن التي توحي بأنه لن يعود، وما قارنها بالأسباب التي توحي بعدم عودته، وإنما كان كل الذي اعتقده أن الأسير سيعود
стр. 736
لقول الرسول ﷺ ، وكان هذا التصديق المطلق ديدن أبي هريرة ﵁ فقد صدق النبي ﷺ في أعظم من ذلك، وهو أنه أخبر بأن بقرة تتكلم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ صلاة الصّبح، ثمّ أقبل على النّاس فقال: «بينا «١» رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنّا لم نخلق لهذا، إنّما خلقنا للحرث. فقال النّاس: سبحان الله بقرة تكلّم! فقال: فإنّي أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثمّ «٢» .
والعجيب أنه حكم لأبي بكر وعمر، ﵄، أنهما سيصدقان الخبر إذا سمعاه، وهي منقبة عظيمة للخليفتين الراشدين، أن يشتهر عنهما تصديقهما المطلق لكل ما يقوله النبي ﷺ ولو كان مخالفا للعادة والعرف بل والعقل، ومتى كان الصحابة ﵃ يحكمون عقولهم، في أخبار الوحي؟!.
٥- أدبه مع النبي ﷺ حيث لم يذكر له ما نصحه به الأسير بصيغة الجزم، قال: (زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها) . فأتى بلفظ (زعم) ، وما أكد الخبر بين يدي النبي ﷺ من باب عدم التقديم بين يدي الله ورسوله، وهذا أيضا من فقهه ﵁. كما أن من أدبه ﵁ أنه راعى علو قدر النبي ﷺ في قوله: (لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
٦- حرصه على الخير، وكذا جميع صحبه الكرام، ﵃ جميعا، قال الراوي: (وكانوا أحرص شيء على الخير) . وحب أبي هريرة ﵁ للخير، هو الذي دفعه لإطلاق أسيره في الليلة الثالثة، مقابل أنه يعلمه ما ينفعه الله به.
الفائدة الرابعة:
إيمان الشياطين بالله، وأنه النافع لقوله: (أعلمك كلمات ينفعك الله بها) . فهل اعتقد عوام المسلمين اليوم، ما كان تعتقده الشياطين ولا يزالون، أن النافع والضار هو الله وحده؟.
ولم يكن هذا التصديق المطلق ديدن المؤمنين فقط ولكن شمل هذا التصديق الكافرين أيضا واعطي لذلك مثالا:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ حدّث عن سعد بن معاذ: أنّه قال: كان صديقا لأميّة بن خلف وكان أميّة إذا مرّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرّ بمكّة نزل على أميّة، فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد معتمرا، فنزل على أميّة بمكّة، فقال لأميّة: انظر لي ساعة خلوة لعليّ أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النّهار،
стр. 737
فلقيهما أبو جهل. فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل:
ألا أراك تطوف بمكّة آمنا، وقد أويتم الصّباة «١» وزعمتم أنّكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنّك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه:
أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنّك ما هو أشدّ عليك منه طريقك على المدينة، فقال له أميّة:
لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيّد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «إنّهم قاتلوك» قال: بمكّة؟ قال: لا أدري؛ ففزع لذلك أميّة فزعا شديدا، فلمّا رجع أميّة إلى أهله قال: يا أمّ صفوان ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنّ محمّدا أخبرهم أنهم قاتليّ، فقلت له: بمكّة؟
قال: لا أدري فقال أميّة: والله لا أخرج من مكّة، فلمّا كان يوم بدر استنفر أبو جهل النّاس قال: أدركوا عيركم، فكره أميّة أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنّك متى ما يراك النّاس قد تخلّفت وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتّى قال:
أمّا إذ غلبتني فو الله لأشترينّ أجود بعير بمكّة، ثمّ قال أميّة: يا أمّ صفوان جهّزيني، فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟! قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلّا قريبا. فلمّا خرج أميّة أخذ لا ينزل منزلا إلّا عقل بعيره فلم يزل بذلك حتّى قتله الله ببدر «٢» .
ملخص الحديث:
كان أمية بن خلف لعنه الله صديقا لسعد بن معاذ ﵁ وقد نزل سعد ضيفا على أمية بمكة، ولما ذهبا يطوفان بالبيت، قريبا من الظهيرة، رآهما أبو جهل لعنه الله فأنكر على سعد بن معاذ ﵁ طوافه بالبيت آمنا، وهو من القوم الذين نصروا النبي ﷺ فلما تخاصما وأراد أمية أن يخفض من صوت سعد بن معاذ، أخبره سعد أن النبي ﷺ أخبر أنه سيقتل أمية بن خلف.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
التصديق المطلق من الكافرين لكل ما يقوله النبي ﷺ وشاهده من الحديث:
١- فزع أمية بن خلف، لما أخبره سعد بن معاذ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
стр. 738
إنهم (أي المسلمين) قاتلوه، قال الراوي: (ففزع أمية فزعا شديدا) ، وظهر ذلك على وجهه وبقية أعضائه وكذا تصرفاته، لذا وصف الفزع أنه كان شديدا، وما ذلك إلا لتيقنه من صدق النبي ﷺ .
٢- قول أمية بن خلف، لما سمع مقولة سعد بن معاذ ﵁ كما في إحدى روايات البخاري: (والله ما يكذب محمد إذا حدّث) «١» ، ونلمح في هذه المقولة بعض النقاط وهي:
أ- أنه استفتح كلامه بالقسم؛ وذلك للتوكيد مع أنه لم يطلب منه ذلك.
ب- أنه نفى عن الرسول ﷺ جميع أنواع الكذب في حديثه، لقوله: (إذا حدث) أي:
(بأي شيء حدث) دون تقييد.
ج- أنه صدّق الرسول ﷺ في أمر عظيم، يشمل عدة أمور، وهي: أنه سيخرج للقاء المسلمين وأن أجله سيمتد حتى يقابل النبي ﷺ في الغزو، وأنه سيموت على ما هو عليه من الكفر.
وكان من شدة تصديقه لمقولة النبي ﷺ أن صدرت منه عدة أمور وهي:
أنه سأل معاذا ﵁ عن المكان الذي سيقتل فيه، حيث ورد في الحديث: (قال:
بمكة؟ قال: لا أدري) ، مما يؤكد أن الأمر قد ثبت عنده، واستقر في قلبه غاية الاستقرار، وما بقي إلا أن يعلم أين يقتلونه.
أنه رجع إلى امرأته، يخبرها بما سمع، وكان من مقولته لها: (أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي) .
عدم خروجه أول الأمر، وتخلفه عن استنفار أبي جهل، وما خرج إلا بإلحاح من أبي جهل، لخوفه أن الناس سيتخلفون بتخلفه، قال له أبو جهل: (إنك متي ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به) . أي: أنه ما خرج إلا تحت الإلحاح الشديد.
أنه اشترى أجود بعير بمكة؛ حتى يستطيع أن يهرب عليه إذا رابه شيء، وقد عزم ألا يسير مع الجيش إلا قليلا، بالإضافة إلى حفاظه على البعير غاية المحافظة، مخافة أن يهرب منه، قال الراوي: (ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره) . أي ربطه.
وهذا التصديق التام بحديث النبي ﷺ ما كان من أمية وحده، بل اشتركت معه زوجته، ومن شدة تصديقها أنها قالت له لما عزم على الخروج: (يا أبا صفوان وقد نسيت ما
стр. 739
قال لك أخوك اليثربي؟!) .
ويتفرع على ذلك، علمنا بمدى اعتقاد كفار مكة صدق النبي ﷺ وأنه يصدق في كل ما يقول، بل إنه يوحى إليه، ولذلك صدقوا بعلمه ببعض أمور الغيب على سبيل التفصيل لا الإجمال، حيث سأل الرجل عن مكان قتله، لا عن مجرد القتل، فكيف يستوي تكذيبهم للنبوة مع تصديقهم علمه الغيب الذي أطلعه الله عليه، مما يدل على أنهم ما كفروا إلا عنادا واستكبارا، وصدق الله حيث قال: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
كما يتفرع عليه، ما كان عليه الكفار من جبن وسفه، أما الجبن فيتضح من شدة الخوف والذعر الذي انتاب أمية بن خلف، أما السفه، فهو أن أمية لا يخلو حاله من أمرين، إما أن يكون قد صدق الرسول ﷺ وهو الواقع، فكيف يريد أن يهرب من قضائه وقدره الذي صدقه، وحاله الثاني أن يكون قد كذّب الرسول ﷺ فما الداعي لكل هذا الخوف.
الفائدة الثانية:
في مناقب سعد بن معاذ ﵁:
١- شجاعته ﵁:
أ- وذلك أنه ذهب إلى مكة معتمرا، مع علمه بعداوة كفار مكة لمن آوى الرسول ﷺ ونصره، وكونه اختار الظهيرة لأداء العمرة، فهذا لا يقدح في شجاعته، لأنه لا يخلو البيت حتى في الظهيرة من الطوافين، ودليله أنه لقي أبا جهل، وهو ألد الأعداء للرسول ﷺ .
ب- خاصم ﵁ أبا جهل، ورفع صوته عليه، بل هدده بما هو أخطر وأعظم من تهديد أبي جهل له، حيث قال له: (أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة) ، ولا شك أن الذي يقدر على قطع الطريق الذي يلتمسه التجار من مكة إلى الشام، أقوى من الذي يمنع الناس من الطواف بالبيت، ويجب أن نقارن بين شجاعة سعد بن معاذ ﵁ وجبن أمية.
٢- تصديقه المطلق بخبر النبي ﷺ حيث قال لأمية بن خلف: (فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنهم قاتلوك) ، فلولا تصديقه التام لكل ما يخبر به النبي ﷺ لما أخبر أمية بذلك، خاصة أنه كان في مجال التنازع والتخاصم معه.
٣- قوة عقيدته وصحتها، نلمحها في علمه أن إخبار أمية بن خلف، بخبر قتله، لن يؤخر أو يقدم، وقوع القتل، لاعتقاده أن الله- إذا قضى أمرا فإنما يقول
стр. 740
له كن فيكون، وأن الحذر لا يمنع من وقوع القدر، فها هو أمية علم بخبر قتله، وأخذ الحيطة والحذر، فأخرجه الله- من بيته رغم أنفه، وسار مع الجيش حتى قتل، فلولا يقين سعد بن معاذ ﵁ بهذا، لأخفى عن أمية الخبر.
يتفرع على ذلك، وجوب أن يؤمن المسلم بأن قضاء الله وقدره نافذ لا محالة، وأن كل شيء مقدر ومعلوم ومكتوب عند الله- وهو مقتضى الإيمان بسادس الأركان، وهو الإيمان بقضاء الله وقدره، وكلما قويت تلك العقيدة عند المسلم، كلما قل همه وغمّه وأسفه وجزعه بما يلاقيه من أقداره الله المؤلمة، وما يفوته من حظوظ الدنيا.
الفائدة الثالثة:
منقبة عظيمة لأهل المدينة وهم الأنصار، قال أبو جهل: (وقد أويتم الصّباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم) ، فقد أثبتت المقولة، أن الأنصار ﵃، هم الذين آووا المؤمنين المهاجرين ونصروهم وأعانوهم، ويتضمن هذا الإقرار، أن الأنصار قد عادوا كل الدنيا، من أجل نصرة الله ورسوله.
ولعل سائلا يسأل: هل كافأ النبي ﷺ الأنصار ورد لهم جميل صنيعهم؟، والجواب:
أن رد هذا المعروف من النبي ﷺ كان أكمل وأجمل، فكفى لأهل المدينة شرفا ورفعة وسؤددا، أن النبي ﷺ قد عاد معهم بعد أن فتح الله له مكة، زادها الله تشريفا وتعظيما، وهي بلده التي أخرج منها، بل هي أشرف البقاع، ومع ذلك عاد إلى المدينة مع الأنصار، وبقي معهم وبينهم بقية حياته، حتى دفن بين أظهرهم.
ومن أراد الوقوف على المزيد فليراجع باب: تفضيل مدينته ومسجده، ليعلم عظيم بركة نصرة أهل المدينة للرسول ﷺ ونقول بحق وصدق: ربح البيع، ربح البيع يا أهل المدينة، يا أنصار رسول الله ﷺ .
٢- طاعتهم المطلقة له ﷺ
عن كعب بن مالك ﵁: أنّه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد النّبيّ ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتّى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتّى كشف سجف «١» حجرته، فنادى: «يا كعب بن مالك» . فقال: لبّيك يا رسول الله، وأشار إليه أن ضع من دينك الشّطر. قال: قد فعلت يا رسول الله. قال: «قم فاقضه» «٢» .