← Сира

Сира · id 23654

غزوات النبي

السيد الجميلى

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والله ما كانت تعرفها العرب، وقد قيل: إن سلمان الفارسي «١» كان أشار به، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فاقتحموه وجاورزوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى المبارزة، فبارز علي بن أبي طالب عمروا فقتله، وخرج الباقون من حيث دخلوا، فعادوا إلى قومهم، وكان شعار المسلمين يوم الخندق (حم لا ينصرون) . وكانت أم المؤمنين عائشة- ﵂ مع أم سعد بن معاذ في حصن بني حارثة، وكان من أحصن حصون المدينة، وكانت صفية عمة رسول الله ﷺ في فارغ، أطم حسان بن ثابت، في حين كان حسان بن ثابت وقتذاك مع الصبيان والنساء. ورمى في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل، وكان رماه حبان بن قيس بن العرقة، وقيل بل رماه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم «٢» . لما صعب الأمر، وتعقدت الأحوال أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني

стр. 72

قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم، قالوا: صدقت، فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم ولا تقدرون عن التحول عنه، وقريش وغطفان ليسوا كذلك، ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا طاقة لكم بمحمد، إن تركتم معه فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا، فقالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم نهضن إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني، قالوا: وما هو؟ قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد ﷺ ، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنا يدفعون إلى محمد، ويرجعون معه عليكم، فشكرته قريش على ذلك. ثم نهض حتى أتى عطفان، فقال لهم مثلما قال لقريش، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فردوا إليهم الرسول، والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم، فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم. وبعث رسول الله ﷺ إليهم حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان. فلما أن أصبح رسول الله ﷺ ، وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.

стр. 73

رأى قوم من المسلمين في ذلك اليوم جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيف الديباج ثم مر عليهم دحية بعد ذلك. فأمر النبي ﷺ ألايصلي أحد العصر إلا في بني قريظة. نهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعض المسلمين: نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها، وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فلم يعنف من الطائفتين أحدا. أما التثريب والتعنيف واللوم والإنحاء فهو إنما يقع على العاصي المتعمد المعصية، وهو يعلم أنها معصية، وأما المتأول قصدا للخير، فهو وإن لم يصادف الحق، غير معنف وغير ملوم. والله يعلم أن قلوبهم جميعا مطبوعة على الطاعة، ولزوم أمر الله، وهو يعلم السر وأخفى، وهو أعلم بمضمر الدخائل والنيات. رجع الخبر فأعطى رسول الله ﷺ الراية إلى علي ابن أبي طالب- ﵁ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله ﷺ حصونهم، فأسمع المسلمون سب رسول الله ﷺ ، فلقي علي رسول الله ﷺ ، فعرض له بألا يدنو منهم لأجل ما سمع، فقال له رسول الله ﷺ : لو رأوني لم يقولو من ذلك شيئا، فلما رأوا النبي ﷺ ، أمسكوا عما كانوا يقولون، فنزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم يقال لها: (بئر أنا) وقيل (بئر أني) ثم حاصرهم ﵊ خمسا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي: إما الإسلام.

стр. 74

- وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يؤتى عليهم جميعا. وإما تبيت النبي ﷺ ليلة السبت ظنا منهم أن المسلمين قد آمنوا منهم، وأبوا كل ذلك. ثم أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله ﷺ إليهم فلما أتاهم اجتمع إليه رجالهم، والنساء والصبيان، فقالو له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار إليهم، إنه الذبح، ثم ندم أبو لبابة من وقته، وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه، ولم يرجع إلى النبي ﷺ ، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ وعاهد الله تعالى ألايدخل أرض بني قريظة أبدا، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أتاني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، فنزلت التوبة على رسول الله ﷺ في أمر لبابة. والآية التي تيب فيها على أبي لبابة هي قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . فتولى رسول الله ﷺ إطلاقه بيده، وقيل إنه- ﵁ أقام مرتبطا بالجذع ست ليال، لا يحل إلا للصلاة. ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله ﷺ ، وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة، وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد وهم نفر من هذل من بنى عم قريظة والنضير.

стр. 75

وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله ﷺ فنجا ولم يعلم أين وقع. فلما نزلت بنو قريظة على حكمه ﷺ ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج وهؤلاء موالينا، فقال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان النبي ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة بالمسجد تسكنها رفيدة الأسلمية، وكانت امرأة صالحة، تقوم على المرضى وتطبب وتداوي الجرحى، ليعوده النبي ﷺ من قريب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ليؤتى به، فيحكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطىء له بوسادة أدم، وأحاط به قومه وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فقال لهم سعد: قد آن لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله ﷺ ، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم، فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولّاك أمر مواليك؛ لتحكم فيهم، فقال: عليكم بذلك، عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا- في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتلوا الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال له رسول الله ﷺ :

стр. 76

لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة «١» . فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى موضع سوق المدينة اليوم، فخندق بها خنادق، ثم أمر رسول الله ﷺ فضربت أعناقهم في تلك الخنادق. وقتل يومئذ حيى بن أخطب اليهودي، والد أم المؤمنين صفية، وكعب بن أسد، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة، وقتل من نسائهم امرأة واحدة، وهي بنانة امرأة الحكم القرضي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد بن الصامت فقتلته. أمر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت وترك كل من لم ينبت. وكان وهب ﷺ لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا، فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير، أسلم وله صحبة. ووهب أيضا ﷺ رفاعة بن شامويل القرظي لأم المنذر سلمة بنت قيس من بني النجار، وقد كانت صلت القبلتين، فأسلم رفاعة وله صحبة، وكان ممن لم ينبت. واستحيا عطية القرظي، وله صحبة. وقسّم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، وكان الخيل يومئذ في المسلمين ستة وثلاثين فرسا. وقد وقع للنبي ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فلم تزل في ملكه، حتى مات ﷺ . فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة، متصلا بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة.

стр. 77

فلما تم أمر بني قريظة، أجيبت دعوة الرجل الصالح سعد بن معاذ رضوان الله عليه، فانفجر عرقه فمات، وهو الذي اهتز عرش الرحمن لموته بعنى سرور حملة العرش بعروج روحه إلى بارئها، فسلام عليه في الصالحين.

стр. 78

شهداء يوم الخندق وشهداء يوم بني قريظة هذا اليومان متصلان، لم يكن بينهما فاصل ولذلك رأينا ذكر شهداء كل منهما معا. فقد أصيب يوم الخندق سعد بن معاذ من بني عبد الأشهل. وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو. وعبد الله بن سهل- وكلاهما من بني عبد الأشهل. ومن بني سلمة بن الخزرج: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمه. ومن بني دينار بن النجار بن الخزرج: كعب بن زيد، وقد أصابه سهم غرب «١» فأطاح به. وقد أصيب من المشركين يوم الخندق: من بني عبد الدار: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار. أصابه سهم، مات بسببه في مكة. وقيل به عثمان بن منبه ابن السباق. ومن بني مخزوم بن يقظة:

стр. 79

نوفل بن عبد الله بن المغيرة، اقتحم الخندق فقتل فيه. ومن بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبدود. وابنه حسل بن عمرو من بني عامر بن لؤي. واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث ابن الخزرج طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته ومات في الحصار أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي أخو عكاشة بن محصن، فدفنه النبي ﷺ في مقبرة بني قريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان ولم يصب غير هذين. ولم يغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق، والحمد لله والفضل على ما أنعم. بعث عبد الله بن أبي عتيك إلى قتل سلام بن أبي الحقيق (أبو رافع) ولما فتح الله تعالى في الكافر الزنديق كعب بن الأشرف على أيدي رجال من الأوس، رغبت الخزرج في مثل ذلك تزيدا في الأجر، والفناء في الإسلام فتذكروا أن سلامة بن أبي الحقيق من العداوة لرسول الله ﷺ ، والمسلمين على مثل حال كعب بن الأشرف، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم. فخرج إليه خمسة نفر من الخزرج كلهم من بني سلمة، وهم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن الأسود حليف لهم من المسلمين. وأمّر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاه عن قتل النساء والصبيان، فنهضوا حتى أتوا خيبر ليلا، وكان سلام ساكنا في دار مع جماعة، وهو في علية

стр. 80

منها، فتسوروا الدار، ولم يدعوا بابا من أبوابها إلا استوثقوا منه من خارج، ثم أبوا العلية التي هو فيها، فاستأذنوا عليه، فقالت امرأته من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب، فقالت: ذاكم صاحبكم، فادخلوا، فلما دخلوا، واغلقوا الباب على أنفسهم، أيقنت بالشر وصاحت، فهموا بقتلها، ثم تذكروا نهي النبي ﷺ عن قتل النساء؛ فأمسكوا عنها ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه، أبيض في سواد الليل كأنه قبطية «١» . ووضع عبد الله بن عتيك سيفه في بطنه حتى أنفده، وعدو الله يقول: قطني قطني «٢» . ثم نزلوا، وكان عبد الله بن عتيك سيىء البصر، فوقع، فوثئت رجله، فحمله أصحابه، حتى أتوا منهرا «٣» منه مناهرهم. فدخلوا فيه واستتروا عن الأعين، وخرج أهل الآطام، وأوقدوا النيران في كل وجه وصوب، فلما يئسوا رجعوا، فقال المسلمون: كيف لنا، وأن نعلم أن عدو الله قد مات؟ فرجع أحدهم ودخل بين الناس ثم رجع إلى أصحابه، فذكر لهم أنه وقف مع الجماعة، وأنه سمع امرأته تقول: والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي، وقلت أنّى ابن عتيك بهذه البلاد! ثم إنها نظرت في وجهه، فقالت: قاض وإله يهود ... قال: فسررت، وانصرف إلى أصحابه يزف إليهم بشرى هلاك عدو الله. فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه وتداعوا في قتله، فقال ﷺ : هاتوا سيوفكم فأروني إياها، فقال عن سيف عبد الله بن أنس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.

стр. 81

غزوة بني لحيان «١» أقام رسول الله ﷺ بعد غزو بني قريظة بقية ذي الحجة ومحرم وصفرا، وربيعا الأول وربيعا الآخر، وجمادى الأولى، ثم خرج وهو في الشهر السادس من غزو بني قريظة في الشهر الثالث من السنة السادسة من الهجرة، كذا قالوا، والصحيح أنها السنة الخامسة- قاصدا إلى بني لحيان مطالبا بثأر عاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل، فسلك ﷺ على غراب جبل بناحية المدينة على طريق الشام- إلى محيصن ثم إلى البتراء، ثم أخذ وسلك ذات اليسار، فخرج على (يين) «٢» ، ثم على صخرات اليمام. ثم أخذ المحجة من طريق مكة، فأغذ السير حتى نزل (غران) «٣» إلى أرض يقال لها: ساية. فوجدهم قد حضروا، وتمنعوا في رؤوس الجبال وشعافها، فخرج رسول الله ﷺ إذ فاته غرتهم- في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث ﵊ رجلين من أصحابه فارسين حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرى ورجع السلام الى المدينة قافلا إليها. غزوة ذي قرد «٤» في غزوة بني لحيان قالت الأنصار: إن المدينة خالية منا، وقد بعدنا عنها،

стр. 82

وشطت نواها، ونحن لا نأمن عدونا أن يخالفنا إليها، فأخبرهم النبي ﷺ أن على كل نقب من أنقابها ملكا يحميها بأمر الله ، ثم قفل حينئذ، فما هو إلا أن نزل المسلمون المدينة، وبقوا ليالي، وأغار عليهم عيينة بن حصن، من بني عبد الله بن غطفان، فاكتسوا لقاحا لرسول الله ﷺ ، وفيها رجل من بني غفار، وامرأة منها أيضا فأجهزوا على الرجل الغفاري، وحملوا المرأة واللقاح. وقد كان أول من نذر بهم سلمة عمرو بن الأكواع الأسلمي، وكان ناهضا إلى الغابة، فلما علا ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار، فصاح فأنذر المسلمين، ثم نهض في آثارهم، فأبلى بلاء عظيما، ورماهم بالنبل حتى استنفذ ما كان بأيديهم، فلما وقعت الصيحة بالمدينة، فكان أول من أتى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود، ثم عبّاد بن بشر بن وقسن من بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأسيد بن ظهير أخو بني حارثة، وعكاشة بن محصن الأسدي، ومحرز بن نضلة الأسدي الآخرم، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، أخو بني سلمة، وأبو عياش بن زيد بن الصامت أخو بني زريق. فلما اجتمعوا جميعا أمر رسول الله ﷺ سعد بن زيد، وقيل: إن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص، وكان أحكم للفروسية من أبي عيّاش، وأول من لحق بهم: فمحرز بن نضلة الآخرم، فقتل ﵁، وكان على فرس لمحمود بن مسلمة من بني عبد الأشهل، أخذه إذ كان صاحبه غائيا، فلما قتل رجع الفرس إلى آرية «١» في بني عبد الأشهل وقيل: بل قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، فركب فرسه، ثم قتل سلمة عبد الرحمن، واسترجع الفرس «٢» .

стр. 83

وقد اندحر المشركون مغلولين، مدحورين ناكلين ناكبين مقموعين، وجعل الله تعالى الدائرة للمسلمين عليهم. بلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له: ذو القرد ثم نحر ناقة من لقاحة المسترجعة، ثم أقام رسول الله ﷺ ليلة ويوما، ثم رجع إلى المدينة. وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة رسول الله ﷺ ، فلما أتت المدينة نذرت أن تنحرها، فأخبرها رسول الله ﷺ أنه لا نذر في معصية، ولا نذر لأحد فيما لا يملك، ثم أخذ ﵇ ناقته. سرية محمد بن «١» مسلمة إلى القرطاء ثم كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء «٢» ، كان خرج لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ ، مبعوثا في ثلاثين راكبا إلى القرطاء. والقرطاء هم بطن من بني بكر من كلاب. وأمره ﷺ أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، وأغار عليهم فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم واستاق نعما وشاء ولم يعرض للطعن، وانحدر إلى المدينة، فحمس رسول الله ﷺ ، ما جاء به، وقص على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين

стр. 84

بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم. غزوة الغابة «١» ثم أغار عيينة بن حصين الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي ﷺ التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعيها، وهو رجل من عسفان، واحتملوا امرأته. قال عبد المؤمن بن خلف «٢» : وهو غريب جدا فجاء الصريخ، ونودي: «يا خيل الله اركبي» «٣» وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ مقنعا من الحديد، وكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو في الدرع والمغفر، فعقد له رسول الله ﷺ اللواء في رمحه وقال: «إمض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك» واستخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل وهو يقول:

стр. 85

خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضع «١» . حتى أنه انتهى إلى ذي قرد، وقد استنفذ منهم جميع اللقاح، وثلاثين بردة، قال سلمة: فلحقنا رسول الله ﷺ والخيل عشاء، فقلت: يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنفذت ما في أيديهم من السّرح، وأخذت بأعناق القوم، فقال رسول الله ﷺ : «ملكت فأسجح» «٢» . ثم قال: «إنهم الآن ليقرون في غطفان» . ثم ذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل تنساب آتية، والرجال على قدم وساق راجلين وعلى الإبل حتى انتهو إلى النبي ﷺ بذي قرد. وكانت غزوة الغابة بعد غزوة الحديبية «٣» . سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر ثم بعث ﵊ سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر غمر مرزوق «٤» .

стр. 86

وكانت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجرة ﷺ ، وكان عكاشة مبعوثا في أربعين رجلا فخرج سريعا يغذو السير، ثم قدموا على رسول الله ﷺ ، ولم يلقوا كيدا. سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة «١» ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجرة رسول الله ﷺ ، وكان بعثه ﵊ إلى بني ثعلبة، وبني عوال من ثعلبة، وهم بذي القصة «٢» من عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا، فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعة بالنبل، ثم حملت عليهم الأعراب بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، ومر به رجل من المسلمين، فحمله حتى ورد به المدينة. سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة «٣» . ثم سرية أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجرة ﷺ ، وبعث أبا عبيدة في أربعين رجلا من المسلمين، غذوا السير إلى ذي

стр. 87

القصة حتى وافوها مع عماية الصبح، فأغاروا عليها، فأعجزوهم هربا في الجبال، ثم أصاب رجلا واحدا فأسلم وتركه. فأخذ نعما من نعمهم ورثة من متاعهم، وقدم المدينة فخمسه رسول الله ﷺ ، وقسم ما بقي عليهم. سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم «١» ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجرة ﷺ ، فسار زيد حتى ورد الجموم «٢» ، فدلتهم امرأة اسمها حليمة على محلة من محال بني سليم، فأصابوا منها نعما وشاء وأسرى. سرية زيد بن حارثة إلى العيص «٣» ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص «٤» ، في جمادي الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، وكانت السرية من سبعين ومائة راكب، ذهبت لتعترض عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فأخذوها وما فيها، وقد أخذوا أيضا فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا كثيرا ممن كانوا في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة؛

стр. 88

فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته، ونادت في الناس حين صلى أبوها ﷺ الفجر، فقال ﵊: وما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا ما أجرت، ورد عليه ما كان أخذه منه. سرية زيد بن حارثة إلى الطرف «١» كانت في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجرة ﷺ ، إذ بعث رسول الله ﵊ زيد بن حارثة إلى الطرف «٢» فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا؛ فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، ولاذوا بالفرار، وصبح زيد بالنعم المدينة، وكان قوامها عشرين بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم «أمت أمت» . سرية زيد بن حارثة إلى حسمى «٣» كانت في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجرة رسول الله ﷺ ، وقد أغار عليهم

стр. 89

زيد بن حارثة انتقاما لعدوانهم على دحية الكلبي، وأغار المسلمون على أولئك القوم في خمسمائة رجل ومعهم دحية، فنالوا منهم مبتغاهم وأوجعوهم ضربا وقتلا وإثخانا، وأغاروا على نعم لهم وما شيتهم ونسائهم، وقد أخذوا ألف بعير من النعم، وخمسة آلاف شاة، ومائة من النساء والصبيان. سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى «١» كانت سرية زيد بن حارثة في رجب سنة ست من مهاجرة ﷺ . سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل «٢» وكانت في شعبان سنة ست من مهاجرة رسول الله ﷺ ، إذ دعا ﵊ عبد الرحمن بن عوف، ثم أقعده بين يديه، وعممه بيده وقال: «أغز باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا، وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. وبد أن قدم عبد الرحمن ظل ثلاثة أيام في دومة الجندل يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي النصراني الذي كان رأسهم، ثم أسلم معه ناس كثير، ومن أقام منهم أقام على إعطاء الجزية.

стр. 90

ثم تزوج عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة، وهي أم أبي سلمة عبد الرحمن بن عوف. سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك «١» وكانت في شعبان سنة ست من مهاجرة ﷺ ، إذ بعث عليا بن أبي طالب- ﵁ في مائة رجل، حيث انتهى إلى الهمج «٢» ، فأغاروا عليهم وأخذوا منهم خمسمائة بعير، وألفي شاة، وقد لاذت بنو سعد بالهروب بالظعن، ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه، وقدم المدينة، ولم يلق كيدا. سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى «٣» ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية وادي القرى «٤» ، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك سنة ست من مهاجرة ﷺ . وقد أخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، فأخذ الجارية سلمة بن الأكوع، فوهبها لرسول الله ﷺ ، ثم وهبها رسول الله ﷺ إلى حزن بن أبي وهب، وقد عمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة وهي عجوز شمطاء فقتلها قتلا ذريعا.

стр. 91

سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم «١» ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر، وكان ذلك في شوال سنة ست من مهاجرة ﷺ ، وكانت على يد عبد الله بن رواحة من ثلاثة نفر سرا وكان قوام السرية ثلاثين رجلا، فشددوا عليه وقتلوا أصحابه كلهم إلا رجلا واحدا، ولم يصب أحد من المسلمين، والذين أقبلوا على رسول الله ﷺ الذي قال لهم: قد نجّاكم الله من القوم الظالمين. سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنين «٢» ثم سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنين في شوال سنة ست من مهاجرة ﷺ ، في عشرين فارسا نظير غدر ثمانية نفر منهم أسلموا ثم غدروا وقطعوا يد ورجل يسار مولى رسول الله ﷺ ، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وانقض عليهم المسلمون فساقوهم أسرى إلى رسول الله مأخوذين، وفي المدينة أمر بهم رسول الله ﷺ ، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم فصلبوا، ونزل في ذلك قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ «٣» .

стр. 92

سرية عمرو بن أمية الضمري «١» ثم سرية عمرو بن أمية الضمري، وسلمة بن أسلم بن حريس إلى أبي سفيان بن حرب بمكة، وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتال محمدا، فإنه يمشي في الأسواق؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأسرعه وأشده بطشا، وأسرعه شدا، فإن أنت قوّيتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، وما أن أقبل على فعلته حتى سقط الخنجر منه وكان جذبه أسيد بن الحضير، فطلب الأمان من رسول الله ﷺ فأمّنه وسأله عن دوافع غدره فحكى له ما كان من أمر أبي سفيان، وتحريضه على قتل رسول الله ﷺ ، فخلى رسول الله ﷺ عنه فأسلم. غزوة الحديبية «٢» كانت سنة ست من الهجرة، في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح «٣» .

стр. 93

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أنس- ﵁ أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية» «١» . كان معه ﷺ ألف وخمسمائة على أكثر الأقوال وقيل كانوا ألفا وثلاثمائة، وقيل غير ذلك والصواب هو ألف وخمسمائة وغير ذلك وهم لا دليل عليه. ولما شعر القرشيون بذلك استنفروا وأجمعوا أمرهم لصد رسول الله ﷺ ، وكان ﵊ قد خرج بمن معه من الأنصار والمهاجرين، ومن اتبعه من العرب، وساق الهدى، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة؛ ليعلم أنه لم يخرج لحرب. تقدم المشركين خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، فورد خبر ذلك إلى رسول الله ﷺ وهو بعسفان، فسلك طريقا خرج منه في ظهورهم، وكان دليلهم فيه رجل من أسلم، وذلك ذات اليمين بين ظهري الحمض، في طريق أخرجه على ثنية المرار وهي مهبط الحديبية من أسفل مكة، فلما نما ذلك إلى علم القرشيين بقيادة خالد بن الوليد؛ كرّوا. فلما كان رسول الله ﷺ بذلك المكان من الحديبية بركت الناقة، فقال الناس: خلأت- أي حرنت- فقال ﷺ : ما خلأت- وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم نزل رسول الله ﷺ هنالك، فقيل له: يا رسول الله، ليس بالوادي ماء، فأخرج سهما من كنانته، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء «٢» حتى كفى جميع أهل الجيش، وقيل إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير ابن يعمر

стр. 94

بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أقصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله ﷺ «١» . ثم سعى الفراء بين رسول الله ﷺ وبين الكفار من القرشيين، حتى أتاه سهيل بن عمرو، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتاه معتمرا، ثم دخل مكة وأصحابه بلا سلاح، حاشا السيوف في القرب فقط. فيقيم بها ثلاثا لا مزيد عليها، على أن يتم بينهما الصلح الموصول لمدة عشرة أعوام يخالط الناس بعضهم بعضا ويداخلون بعضهم البعض آمنين، ولكن هذا مشروط بأن من يأتي المسلمين من الكفار مسلما يرد إلى الكفار، أما الذي يرتد من المسلمين إلى الكفار فلا يرد، وكان هذا أمرا شاقا صعبا على المسلمين قبوله، وكان أمر الله مفعولا. لقد كان صلح الحديبية أمرا لا مندوحة عنه، ولا مصرف ولا تحويل عن طريقه ليعيد المسلمون حساباتهم، ويرتبوا أوراقهم، وليعمدوا إلى تنسيق صفوفهم وأمورهم حتى يأتيهم أمر الله. وقد جرى الصلح بين المسلمين، وأهل مكة على وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامه ذلك، حتى إذا كان العام القادم المقبل قدمها، وخلّوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القرب، وأن من آتانا من أصحابك لا نرده عليك، ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة «٢» . وأنه لا إسلال ولا إغلال «٣» ، فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم «٤» هذا؟ فقال عليه الصلاة

стр. 95

والسلام: من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا «١» . وفي غزوة الحديبية أنزل الله تعالى فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة، أو النسك في شأن كعب بن عجرة. وفيها أيضا دعا ﷺ للمخلفين ثلاثا بالمغفرة، وللمقصرين مرة واحدة، وفيها أيضا تحروا البدنة عن سبعة ونحروا البقرة عن سبعة. وفي غزوة الحديبية نزلت سورة الفتح، وفيها أيضا دخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم «٢» . وكان ﵊ قبل تمام الصلح قد بعث عثمان بن عفان رسولا إلى مكة، وشاع أن المشركين قتلوه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المبايعة على الموت، وأن لا يفروا عن القتال، وهذه هي «بيعة الرضوان» التي كانت تحت الشجرة «٣» . وقد قال ﷺ : «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» فكان هذا تبشيرا بالفوز بالنجاة من النار. وبعد أن تم الصلح، وانعقدت الإتفاقية، أمر النبي ﷺ أن ينحروا، ويحلوا؛

стр. 96

ففعلوا يعد إيباء كان منهم وتوقف أغضب رسول الله ﷺ ثم وفقهم الله تعالى ففعلوا، وقيل: إن الذي حلق رأس رسول الله ﷺ هو خراش بن أمية بن المفضل الخزاعي. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية هاربا، وكان ممن حبس بمكة، وهو ثقفي من بني ثقيف حليف لبني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق الثقفي، رجلا من بني عامر بن لؤى ومولى لهم، فأتيا النبي ﷺ فأسلمه إليهم فاحتملاه، فلما صار بذي الحليفة نزلوا، فقال أبو بصير لأحد الرجلين، أراني هذا السيف، فلما صار بيده ضرب به العامري فقتله، وفر المولى فأتى النبي ﷺ فأخبره بما وقع، وأضل أبو بصير، فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم، وقد امتنعت بديني أن أفتتن فيه، أو يعبث بي، فقال رسول الله ﷺ : ويل أمه سعر الحرب «١» ، لو كان له رجال ... فعلم أبو بصير أنه سيرده، فخرج حتى أتى سيف البحر، موضعا يقال له العيص «٢» . فقطع على رفاقهم «٣» ثم استضاف إليه كل من ندّ وفر من قريش ممن أراد الإسلام؛ فاذوا قريشا، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ بأن يضمهم إلى المدينة. وأنزل الله تعالى بفسخ الشرط المذكور في ردّ المثياق والعهد، ومنع سبحان من ردهن، ثم بعد ذلك نسخت براءة كل ذلك، ولله الحمد والمنة. وهاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فأتى أخواها عمارة والوليد، ابنا عقبة، فمنع الله تعالى من رد النساء، وحرّم الله تعالى حينئذ على المؤمنين الإمساك

стр. 97

بعصم الكوافر، فانفسخ نكاحهن من المسلمين، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. غزوة خيبر «١» أقام رسول الله ﷺ بالمدينة مرجعه من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج في بقية من المحرم غازيا إلى خيبر، وذلك قرب آخر السنة السادسة من الهجرة. واستخلف رسول الله ﷺ نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب، وقيل: إنها كانت راية بيضاء وسلك على عصر «٢» ؛ فبنى له بها مسجدا، ثم على الصهباء ثم نزل بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم- وكانت غطفان قد أرادت إمداد يهود خيبر فلما خرجوا أسمعهم الله تعالى من ورائهم حسّا راعهم، فانصرفوا وبدالهم فأقاموا في أماكنهم، وجعل رسول الله ﷺ يفتتح الآطام والحصون، والأموال مالا مالا، فأول حصونهم افتتح حصن اسمه (ناعم) ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى فقتلته. ثم (القلموس) حصن بني أبي الحقيق وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا منهن صفية بنت حيى بن أخطب أم المؤمنين، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وبنتي عم لها، فوهب ﵇ صفية لدحية، ثم ابتاعها منه بتسعة أرؤس، وجعلها عند أم سليم حتى اعتدت وأسلمت، ثم أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا

стр. 98

صداق لها غيره، فصارت بعد ذلك سنة مستحبة لكل من أراد أن يفعل ذلك إلى يوم القيامة. وفي غزوة خيبر حرّم ﷺ الحمر الأهلية، وأخبر أنها رجز، وأمر بالقدور فألقيت وهي تفور، بلحومها، وأمر بغسل القدور بعد، وأحلّ حينئذ لحوم الخيل، وأطعمهم إياها، ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر حصن أكثر طعاما منه، ولا أوفر ودكا «١» منه وآخر ما افتتح ﵇ من حصونهم (الوطيح) و (السلالم) حاصرهما بضع عشرة ليلة، وكان شعار المسلمين يوم خيبر (أمت أمت) . ووقف إلى بعض حصونهم أبو بكر وعمر- رضوان الله عليهما- فلم يفتحاه، فدفع رسول الله ﷺ الراية إلى علي- رضوان الله عليه وكرم الله وجهه- ففتحه، وكان أرمد «٢» ، فتفل في عينيه فبرىء. وكان فتح خيبر، الأرض كلها، وبعض الحصون عنوة- وهي الأكثر- وبعضها صلحا على الجلاء؛ فقسمها رسول الله ﷺ بعد أن عزل الخمس، وأقر اليهود على أن يعتملوها بأموالهم وأنفسهم، ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر، ويقرهم على ذلك ما بدا له، فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة أبي بكر، وجمهور خلافة عمر، فلما كان آخر خلافته، بلغه أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي مات فيه ألايبقي في جزيرة العرب دينان، فأمر بإجلائهم عن خيبر، وغيرها من بلاد العرب، وأخذ المسلمون ضيعهم من مقاسم خيبر، فتصرفوا فيها، وكان متولي قسمتها بين أصحابها جبار بن صخر من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار. ومن فتح خيبر أهدت يهودية تسمى زينب بنت حارث امرأة سلام بن مشكم إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية قد جعلت فيها السّمّ،

стр. 99

خريطة رقم (٦) فتح خيبر

стр. 100

وكان أحب شيء إلى رسول الله ﷺ من اللحم الذراع، فتناول ﷺ ، فلاك منها مضغة، وكان معه ﵇ بشر بن البراء بن معروف من بني سلمة فأكل منه، وازدرد لقمة، فقال ﵇: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. ولفظ لقمة، ثم دعا باليهودية، فاعترفت، ومات بشر من أكلته تلك، رضوان الله عليه، ولم يقتل ﵇ هذه المرأة اليهودية، وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربعمائة رجل، ومائتى فارس، ووقع سهم الزبير بن العوام بالخوع من النطاط، ووقع أيضا بالنطاط سهم بني بياضة، وبني الحارث بن الخزرج، ووقع بنو عوف بن الخزرج ومزينة من ناعم من النطاط، ووقع سهم عاصم بن عدي أخي بني عجلان، مع سهم رسول الله ﷺ وسهم عبد الرحمن بن عوف، وسهام بني ساعدة، وبني النجاة، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وغفار وأسلم، وعمر بن الخطاب، وبني سلمة، وبني حارثة وجهينة، وتقيف من العرب،: في الشق. وكان عبيد بن أوس من بني حارثه بن عوف عرف يومئذ بعبيد السهام لكثرة ما اشترى من سهام الناس يومئذ اشترى عمر مائة سهم بخيبر، فهي صدقته الباقية إلى اليوم، وإلى يوم القيامة. شهداء يوم خيبر ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن كليز بن عامر ابن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. ثقف بن عمر بن صميط بن ثعلبة بن عبد الله بن غنم ابن دودان. رفاعة بن سروح.

стр. 101

وهؤلاء كلهم من بني أمية بن عبد شمس. ومسعود بن ربيعة من القارة، حليف بني زهرة. وعبد الله بن الهبيب- وقيل ابن الهبيب بن أهيب ابن سحيم بن غيرة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حليف بني أسد بن عبد العزى، وابن أختهم. بشر بن البراء بن معرور من بني سلمة، مات من السم الذي أكله من الشاة المصلية التي أكل منها رسول الله ﷺ ، وهي الشاة المسمومة. فضيل بن النعمان من بني سلمة أيضا. مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر ابن زريق. محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة ابن الحارث بن الأوس حليف لبني عبد الأشهل. أبو ضياح ثابت بن أمية بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف، من أهل قباء. مبشر بن عبد المنذر بن دينار بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف. الحارث بن حاطب. أوس بن قتادة. عروة بن حرة بن سراقة. أوس بن القائد. أنيس بن حبيب. ثابت بن أثلة. طلحة.

стр. 102

- الأسود الراعي، واسمه أسلم. كل هؤلاء من بني عمرو بن عوف. ومن بني غفار: عمارة بن عقبة بن حارثة بن غفار بن مليل بن ضميرة أصابه سهم. ومن أسلم: عامر بن الأكوع. وإثر فتح خيبر، قدم من الحبشة: جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وابناهما عبد الله بن جعفر، ومحمد بن جعفر. خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، مع امرأته أمينة بنت خلف، وابناهما سعيد وأمة. عمرو بن سعيد بن العاص، وكانت امرأته فاطمة بنت صفوان الكنانية، قد ماتت بأرض الحبشة. معيقيب بن أبي فاطمة، وهو الذي ولي بيت المال لعمر، وهو حليف آل عتبة بن ربيعة. الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. جهم بن قيس بن عبد شرحبيل، وابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بنت جهم، وهو من بني عبد الدار. وكانت امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود قد هلكت بأرض الحبشة. والحارث بن خالد بن صخر من بني تميم بن مرة، وكانت امرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة، هلكت بأرض الحبشة. عثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي.

стр. 103

- محمية بنت جزء الزبيدي، حليف لبني سهم. ولي رسول الله ﷺ الخمس. معمر بن عبد الله بن نضلة. من بني عدي بن كعب. أبو حاطب بن عامر بن عبد شمس من بني عامر بن لؤي. مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس، من بني عامر ابن لؤي، ومعه امرأته عمرة بنت سعد بن وقدان بن عبد شمس العامرية. وكان أتى سائر مهاجرة الحبشة قبل ذلك بسنتين وكان هؤلاء المذكورون آخر من يقي بها. فتح فدك «١» لما اتصل بفدك، فعل رسول الله ﷺ بأهلها مثل ما فعل بأهل خيبر، إذ بعثوا لرسول الله ﷺ أن يؤمنهم، ويتركوا الأموال، فأجابهم ﵊ إلى ذلك، فكانت مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركب، فلم تقسم لذلك، ووضعها ﷺ حيث أمره الحق . وكانت أرض فدك «٢» هذه لرسول الله ﷺ خاصة ينفق منها على نفسه، ويعول منها صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهم «٣» .

стр. 104

سرية عمر بن الخطاب إلى تربة «١» وكانت هذه السرية في شعبان سنة سبع من هجرة النبي ﷺ ، وقد بعث عمر ﵁ في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، وهي بناحية العلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران. ولما أن جاءهم عمر ﵁ ونزل محالهم فلم يلق أحدا منهم، فانصرف إلى المدينة، ولم يلق كيدا «٢» . سرية أبي بكر الصديق- ﵁ إلى بني كلاب بنجد «٣» وقد بعث أبا بكر ﵁ إلى بني كلاب بنجد، ناحية ضربة في شعبان سنة سبع من مهاجرة ﷺ . وكان شعار المسلمين في هذه السرية (أمت أمت) .

стр. 105

سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك «١» وقد أرسل ﵊ بشير بن سعد الأنصاري لقتال بني مرة بناحية فدك. فلما ورد بلادهم لم ير منهم أحدا، ثم انحدر إلى المدينة أما القوم فكانوا في الوادي، فلما جاءهم الصريخ أدركوا بشيرا ليلا وهو يتراجع، فتراموا بالنبل، وفي الصباح اقتتل الفريقان قتالا شرسا عنيفا حتى قتل أكثر المسلمين وجرح بشير جرحا غائرا شديدا، وما لبث أن أفلت من الأعداء حتى أتى رسول الله ﷺ وأخبره خبر ما كان وما نزل به. سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة «٢» وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة سبع من مهاجرة ﷺ ، وكان بين الميفعة وبين المدينة ثمانية برد، وكان غالب مبعوثا في مائة وثلاثين رجلا، وكان دليلهم يسرد مولى رسول الله ﷺ .

стр. 106

وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وقد ظن أسامة أنه قالها تعوذا من السيف فعاتبه في ذلك رسول الله ﷺ بقوله: هلا شققت عن قلبه؟!! ثم قال لأسامة: كيف تقابل لا إله إلا الله يوم القيامة «١» ؟!!. فتح وادي القرى «٢» انصرف رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادي القرى فأصيب بها غلام اسمه (مدعم) أصابه سهم غرب فقتله؛ فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال ﵊: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه الآن نارا، أو كما قال عليه الصلاة، افتتحها عنوة وقسمها. عمرة القضاء «٣» فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر، أقام بها شهري ربيع، وشهري جمادي ورجبا، وشعبان ورمضان وشوالا، فبعث في خلال ذلك السرايا، ثم خرج في ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة، قاصدا العمرة، على ما عاهد عليه قريشا حين

стр. 107

الحديبية وخرج أكابر قريش عن مكة عداوة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، فأتم ﵇ عمرته، وتزوج هنالك بعد إحلاله ميمونة بنت الحارث، خالة ابن عباس- ﵄، وخالد ابن الوليد، فلما تمت الثلاث أوجبت عليه قريش أن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه حتى يا بني بأم المؤمنين، فخرج فبنى عليها بسرف، وهناك ماتت أيام معاوية بن أبي سفيان، وبها دفنت، وقبرها هناك لا يزال مشهورا حتى اليوم. سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار «١» وكانت هذه السرية في شوال سنة سبع من مهاجرة رسول الله ﷺ . وقد عقد لواء لبشير بن سعد الأنصاري، وبعث معه ثلاثمائة رجل، ساروا الليل، وكمنوا النهار حتى أتوا يمن وجبار، ... فنزلوا بسلاح، ثم دنوا من القوم، وأصابوا منهم نعما كثيرا وشاء، وتفرق الرعاء، وانفضوا ولم يلق بشير من أحد منهم، فرجع بالأسلاب والغنائم وأسر منهم رجلين وقدم بهما إلى رسول الله ﷺ فأسلما، فأرسلهما. سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم «٢» ثم هذه السرية في ذي الحجة سنة سبع من هجرته ﷺ ، وقد قالوا: إنه ﷺ قد

стр. 108

بعثه في خمسين رجلا إلى بني سليم، وقد تقدمه عين لهم وكانوا مستعدين له، ولما أن واجههم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم تراموا بالنبل ساعة، ولما أحرقوهم وأحصروهم، وقتل نفر كثير، وقد أصيب ابن ابي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم قدم المدينة على رسول الله ﷺ في أول صفر سنة ثمان . سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد «١» كانت في صفر سنة ثمان من مهاجرة ﷺ ، وقد بعث رسول الله ﷺ مع غالب بن عبد الله الليثي أحد بني كلب بن عوف في سرية، وأمرهم بأن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث. وفي هذه يقول الراجز من المسلمين: أبي أبو القاسم إن تعز بي ... في خضل نباته مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب قيل: كانوا بضعة عشر رجلا، وقيل كان شعارهم يومئذ (أمت أمت) . سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك «٢» هذه السرية بعث بها رسول الله ﷺ بها في صفر سنة ثمان من مهاجرة ﷺ . وقد هيّأ رسول الله ﷺ الزبير بن العوام وقد قال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب

стр. 109

أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهيأ معهم مائتي رجل وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم، فقال ﷺ للزبير: اجلس! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علية بن زيد فيها فأصابوا نعما منهم وقتلوا منهم قتلى. غزوة مؤتة «١» فلما انصرف رسول الله ﷺ من عمرة القضاء، أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وربيعا، ثم بعث في جمادي الأولى من السنة الثامنة من الهجرة، بعث الأمراء الى الشام. وكان أسلم قبل ذلك، وبعد الحديبية، وبعد خيبر عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهم من أكابر قريش. فبعث رسول الله ﷺ على الجيش زيد بن حارثة، فإن أصابه قدره؛ فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن أصابه قدر فعلى الناس عبد الله بن رواحة، وشيعهم رسول الله ﷺ وودعهم، ثم انصرف ونهضوا، فلما بلغوا معان من أرض الشام، أتاهم الخبر أن هرقل ملك الروم، قد نزل أرض بني ماب، وهي الأرض المذكورة في كتب بني إسرائيل، وأنهم كانوا يغاورونهم في أيام دولتهم، وأنهم من بني لوط عليه

стр. 110

السلام، وهي أرض (البلقاء) : في مائة ألف من الروم، ومائة ألف أخرى من نصارى أهل الشام من لحم وجذام، وقبائل قضاعة من بهراء وبلى، وبلقين، وعليهم رجل من بني إراشة من بلى يقال له مالك بن راقلة، فأقام المسلمون في معان ليلتين، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا؛ فيأمرنا بأمره، أو يمدنا، فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم، إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون- الشهادة- وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، وما نقاتلهم، إلا بهذا الذي أكرمنا الله تعالى به، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة، فوافقه الجيش على هذا الرأي. ثم نهضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقوا الجموع المذكورة مع هرقل إلى جنب قرية يقال لها (مشارف) ، وسار المسلمون في قرية يقال لها (مؤتة) فجعل المسلمون على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري، وقيل عبادة، واقتتلوا، فقيل: الأمر الأول: زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح، والراية في يده، فأخذها جعفر بن أبي طالب، ونزل عن فرس شقراء وقيل إنه عقرها، فقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بيسراه، فقطعت، فاحتضنها، فقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأخذ عبد الله بن رواحة الراية، وتردد عند النزول بعض التردد، ثم صمم فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين: اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: لا، فأخذها خالد بن الوليد، وانحاز بالمسلمين، فأنذر النبي ﷺ بقتل الأمراء المذكورين قبل ورود الخبر في يوم قتلهم بعينه. أسماء من استشهدوا في غزوة مؤتة: زيد بن حارثة. جعفر بن أبي طالب. عبد الله بن رواحة.
следующие страницы →