← Сира

Сира · id 23668

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المقدسة

سامى عامرى

Полный текст (472 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ليتمّ ما قيل بلسان النّبيّ القائل: «سأفتح فمي بأمثال، وأكشف ما كان مخفيّا منذ إنشاء العالم. " زعم مؤلف إنجيل متّى أنّ ما جاء في المزمور ٧٨: ٢ هو حديث عن عيسى ﵇.. ولكن بعد تحريفه: يقول المزمور ٧٨: ٢: " أفتح فمي بمثل وأنطق بألغاز قديمة جدا" كما ترى، لقد حرّف مؤلف إجيل متّى المزمور، فحوّل: " مثل" إلى" أمثال" " ألغاز قديمة جدا" إلى" ما كان مخفيا منذ إنشاء العالم"!! جملة قصيرة جدا، حرّفت تحريفا فاحشا.. على المكشوف.. ولكنّ عوام النصارى لا يقرؤون!!! من الاشكالات الأخرى المطروحة في هذه" النبوءة" ما جاء في تفسير آدم كلارك Adam Clark من أنّ العديد من المخطوطات تذكر اسم إشعياء باعتباره صاحب البشارة بالمسيح في العهد القديم في هذا النص، ويضيف آدم كلارك أنّ هذا خطأ ظاهر (ذكر إشعياء) ، ونقل عن جيروم قوله ربما كان اسم آساف (صاحب المزمور ٧٨!) مذكورا في النص الأصلي، ولمّا رأى ناسخ جاهل اسم آساف وما عرفه، كتب اسم النبي إشعياء باعتباره صاحب" النبوءة"، فوقع في خطإ لمّا أراد أن يتلافى خطأ متوهما (بزعم كلارك) !! هذا التوجيه من آدم كلارك وجيروم، كما هو ظاهر، لا يستقيم. إذ أنّ ذكر" إشعياء" قد وقع في الكثير من المخطوطات، بالإضافة إلى أنّ ذلك قد كان في

стр. 177

القرون الأولى للنصرانية فقد ذكره جيروم الذي ولد في منتصف القرن الرابع ميلادي.. فمتى تمّ إقحام اسم" إشعياء"؟؟! ب- جاء في إنجيل متّى ١: ٢٢- ٢٣: " وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: " هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. " النص المقتبس من سفر إشعياء ٧: ١٤ كما هو في التراجم العربية الحالية: " ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ما العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل". نصّ إشعياء يذكر الكلمة العبرية" علما" أي" شابة".. لكنّ نصّ إنجيل يوحنا حوّلها إلى" عذراء" بيثولا" ليوائم حال مريم أمّ المسيح ﵉. وقد استعملت التراجم اليونانية: أكيلا Aquila وسيماشوس Symachus وتيودوشين، Theodotion العبارة اليونانية" نيانس =neanis ="والتي تعني فتاة شابة لا عذراء! وقد أصلحت الكثير من التراجم الحديثة التحريف الذي لحق سفر إشعياء ليوائم التحريف المقصود الذي مارسه مؤلف إنجيل متّى، فعادت كلمة" شابة" مكان" عذراء" في: التراجم الإنجليزية: noisreV dradnatS desiveR ehT noisreV dradnatS desiveR weN ehT The New English Translation

стр. 178

The New Life Translation التراجم الفرنسية: La Bible De Semeur Louis Segond التراجم الإسبانية: Nueva Version Internacional وأنكر اليهود على النصارى منذ القرن الثاني تحريفهم للنص، كما هو ظاهر من إنكار تريفو اليهودي على جستين فيما نقله جستين نفسه في كتابه" المحاورة"! لخّص الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of the Messiah ="ص ١٤٧ اعتراضات النقّاد على هذا الاقتباس في هذه النقاط: بشارة إشعياء متعلّقة بخلاص مملكة الملك آحاز من أعدائها، ومضمونها من المفروض أنّه قد وقع في زمان هذا النبيّ. الطفل المولود ليس هو المسيح، وان اختلف النقاد في تحديده، والراجح أنّه أمير داودي سيخلّص يهوذا من أعدائها. وقد نقل جستين (في حواره مع تريفو) عن اليهود في زمانه أنّ هذا الطفل هو حزقيا ابن الملك آحاز وخليفته. اليهود ما زعموا أبدا أنّ نص إشعياء هو بشارة ب" المسيح المنتظر".. ولم تظهر الطبيعة المسيانية في ذاك النص إلا على يد النصارى، رغم أنّ اليهود قد أسبغوا الصبغة المسيانية على الكثير من نصوص التوراة الأخرى! كلمة" علما" تستعمل لوصف الفتة الشابة التي بلغت سنّ الزواج، ولا تعني حرفيا" عذراء"!

стр. 179

- وجود أداة التعريف" ال" في عبارة" الشابة"، يدلّ على أنّ هذه الفتاة كانت معلومة لدى إشعياء وآحاز، وربما هي فتاة تزوجها آحاز حديثا. وكخلاصة، يقول، ريموند براون: " فإنّ النص العبري لإشعياء ٧: ١٤ لا يشير إلى ميلاد عذري في المستقبل البعيد. " قلت.. أيضا: لا ذكر" للمسيح" في هذه القصة. لم يسمّ المسيح من معاصريه ب" عمانوئيل"، بل تقول الأناجيل إنّه سمّي" يسوع". جاءت ترجمة إشعياء ٧: ١٤ في" الترجمة الإنجليزية الجديدة: =English Translation The New = = you, young woman, you will name him= Immanuel= : ".. أنت، أيتها المرأة الشابة، ستسمّيه عمانويل. ".. وما سمّت مريم يسوع ب" عمانويل"! يزعم النصارى أنّ المسيح إله، في حين أنّ البشارة في سفر إشعياء تخبر عن ترقّي هذا الطفل المولود في معرفة الخير والشرّ، وهو ما لا يتّسق مع صفات الإله. ت- جاء في إنجيل متّى ٢: ٣- ٦: " فلما سمع هيردوس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم أين يولد المسيح.

стр. 180

فقالوا له في بيت لحم اليهودية لانه هكذا مكتوب بالنبي: " وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل. " نص متّى يشير إلى سفر ميخا ٥: ٢: " أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على اسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل. " حذف مؤلف إنجيل متّى كلمة" أفراته". حوّل" أنت صغيرة" إلى" لست صغيرة". حوّل ألوف (يهوذا) إلى رؤساء (يهوذا) . وقد قال الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of The Messiah ="ص ١٨٤ إنّ اقتباس متّى يتمثل في الجمع بين نصين: ميخا ٥: ١ وصموئيل الثاني ٥: ٢ (" وفي الأيام الغابرة عند ما كان شاول ملكا علينا كنت أنت قائدنا في المعارك، وقد قال الربّ لك: " أنت ترعى شعبي إسرائيل وتتولى حكمه") ، وأضاف أنّ: " الاقتباس المدمج (أي ميخا ٥: ١ وصموئيل الثاني ٥: ٢) لا يعكس بالضبط النصوص العبرية القياسية ولا اليونانية القياسية. ". ونقل بعد ذلك النصوص: نص متّى: = And you, O Bethlehem (in the) land of Judah,

стр. 181

who will shepherd my people israel. =for from you will come forth a ruler (hegoumenos) are by no means least among the rulers (hegemon) of Judah ; " وأنت يا بيت لحم (في) أرض يهوذا، لست الصغرى بين رؤساء (هجيمون) يهوذا، لأن منك يخرج حاكم (هيجومنوس) سيرعى شعبي إسرائيل". النص اليوناني: = And you, O Bethlehem, House of Ephrathah, Are too small to be among the thousands (chilias) of JudaH; From you there will come forth for me a leader (archon) of Israel= = you will shepherd my peopl Israel= . " أما أنت، يا بيت لحم، بيت أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف (شيلياس) يهوذا، فمنك سيخرج لي الذي يكون قائدا (أركون) اسرائيل. " " أنت سترعى شعبي إسرائيل". النص العبري: = And you, O Bethlehem Ephrathah,

стр. 182

Small to be among the clans (Literally ,=thousands =) of Judah ; From you there will come forth for me one who is to be a ruler in Israel,= = you will shepherd my people israel,= " أما أنت، يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين عشائر (حرفيا و" ألوف") يهوذا، فمنك سيخرج لي الذي يكون قائدا في إسرائيل. " " أنت سترعى شعبي إسرائيل". من الاشكالات الأخرى في هذه البشارة المزعومة: يتحدث ميخا في النص المقتبس عن شخص يظهر من سلالة أصلها من بيت لحم ينقذهم من الآشوريين الذين ما عاد لهم وجود في فلسطين زمن المسيح! ميخا ٥: ٦ يقول: " فبرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا". ويسوع لم يحارب الأشوريين ولم يذد عن فلسطين بالسيف. نص ميخا يتحدّث عن قبيلة أصلها من بيت لحم (ويظهر الأمر بوضوح في الترجمة السبعينية) لا عن منطقة اسمها بيت لحم كما هو فهم مؤلف إنجيل متّى. القول إنّ" بيت لحم" في ميخا يقصد بها مدينة لا قبيلة، يجعلنا نسأل: " وهل يوجد في يهوذا ألوف المدن؟!!! "

стр. 183

- لو كان يسوع من بيت لحم لسمّي ولو مرة واحدة" يسوع البيتلحمي".. علما بأنّ والد داود قد سمّي" البيتلحمي" كما هو في سفر صموئيل الأول ١٦: ١. نسب يسوع إلى الجليل لا إلى بيت لحم في أكثر من موضع في الأناجيل: متّى ٢٦: ٦٩، ٢١: ١١، لوقا ٢٣: ٦ ... نصّ ميخا لا يشير إلى الأزل وإنما يشير فقط إلى التاريخ القديم الذي له بداية، فلفظة" أولام""" تعني أزمنة قديمة ولا تعني الأزل، ومما يؤكد هذه الحقيقة أنّ هذه الكلمة قد عرّبت في سفر التثنية ٣٢: ٧ على أنّها تعني" أيام القدم": " أذكر أيام القدم وتأمّلوا سني دور فدور اسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولوا لك. " ويسوع في المعتقد الكنسي إله أزلي لا كائن حادث! افتراض الطبيعة التنبئية: إنجيل متّى ٢: ١٥: " وكان هناك إلى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني. " نصّ إنجيل متّى يشير إلى سفر هوشع ١١: ١: " لما كان اسرائيل غلاما احببته ومن مصر دعوت ابني. " نصّ هوشع يتحدّث صراحة عن بني إسرائيل، كما هو ظاهر من السياق ومن الكلام التالي، لكنّ صاحب الإنجيل جعل الحديث: نبوءة، وألصقه بالمسيح. والغرض

стр. 184

من هذا الصنيع هو جعل عيسى ﵇ مثل موسى، وذلك لأن موسى خرج ببنى إسرائيل من مصر قبل أن يبدأ أخطر مراحل دعوته، وكذلك يسوع فعل! النصوص كما نقلها الأب الكاثوليكي ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of The Messiah ="ص ٢٢٠: متّى ٢: ١٥: = Out of Egypt have I called (Kalein) my son (huios) = " من مصر ناديت (كلين) ابني" النص اليوناني: = Out of Egypt have I summoned (metakalein) his children (tekna) . " من مصر استدعيت (متكلين) ابناؤه (تكنا) . " النص العبري: = From (or out of) Egypt have I called my son= " من (أو من خارج) مصر ناديت ابني. " لاحظ أنّ مؤلف إنجيل متّى قد ترك النص اليوناني السبعيني للعهد القديم الذي كان ينقل عنه في الأغلب، إلى النص العبري أو أحد تراجمه اليونانية، لأنّ النص اليوناني السبعيني لا يمكن أن يسخّر لهدفه!!!

стр. 185

وعلى كلّ، وكما هو قول ريموند براون (ص ص ٢١٩- ٢٢٠) وغيره، فالسياق متعلّق باسرائيل لا بيسوع، والنص اليوناني السبعيني يؤكد أنّ اليهود لم يفهموه إلا على هذه الصورة! - اختراع نصّ في العهد القديم: جاء في إنجيل متّى ٢: ٢٣: " فوصل بلدة تسمّى «النّاصرة» وسكن فيها، ليتمّ ما قيل بلسان الأنبياء إنّه سيدعى ناصريّا. " اعترف كبار المفسرين النصارى بعدم ورود هذه النبوءة في العهد القديم.. وقال بعضهم أنّ هذه البشارة كانت موجودة في العهد القديم وقام اليهود بحذفها.. وما يهمنا في هذا الادعاء هو اعترافه بعدم وجود هذه البشارة في العهد القديم اليوم!! جاء هذا الاعتراف في كثير من المراجع النصرانية، ومنها: التعليق على ترجمة" الكتاب المقدس الأمريكي الجديد =American Bible =The New =ص ١٠١٢: " مدينة الناصرة لم تذكر في العهد القديم، ولا توجد نبوءة كهذه فيه. العبارة الغامضة" بلسان الأنبياء" ربما تعود إلى اعتقاد متّى وجود صلة بين الناصرة وبعض النصوص التي فيها كلمات تشابه بصورة بعيدة اسم تلك المدينة..". قال حليم حسب الله في كتابه: " المسيح بين المعرفة والجهل": " إن الآية الواردة في (متى ٢: ٢٣) نصها كالآتي: «وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريا» ومع أنه قيل لكي يتم ما قيل بالأنبياء لكننا بالبحث لا نجد بحصر اللفظ نبوة تقول إنه «سيدعى ناصريا» . "

стр. 186

- قال المنصّر الأمريكي في الشرق الأوسط، بنيامين بنكرتن، في تعليقه على إنجيل متّى: " مدينة الناصرة ليست مذكورة في التوراة. " جاء في هامش الترجمتين الألمانيتين =Zurcher Bible =طبعة ١٩٨٢ و =٧٢٩٠٨٧٥٣١nheitsubersetzung =طبعة ١٩٩٠: " إنّ مثل هذه النبوءة لا وجود لها في الكتاب المقدّس كلّه. " قال وليم باركلى فى تفسيره لإنجيل متّى ص ٣٧: " وهذه النبوة تواجه المفسرين بصعوبة كبيرة، ذلك لأنه لا توجد آية في العهد القديم بهذا المعنى- وحتى مدينة الناصرة نفسها غير مذكورة على الاطلاق فى العهد القديم. ولم يوجد حل كاف لهذه المشكلة. " قال المعلقون على ترجمة دار المشرق: " يصعب علينا أن نعرف بدقة ما هو النص الذي يستند إليه متّى. " ذكر جون فنتون عميد كليّة اللاهوت بليتشفيلد بإنجلترا في كتابه: " تفسير إنجيل متّى" ص ٥١ أنّ النقاد متفقون على" أنّ مصدر هذه النبوءة غير معلوم"!! قال الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of The Messiah ="ص ٢٢٣: " سيدعى ناصريا، هو أصعب اقتباس في الإنجيل، إذ أنّه ليس هناك خلاف أنّه غير مرتبط بنصّ معلوم. " ومع تلك الشهادات، نقول: إنّ الحقائق التاريخية كلّها تقف ضد تاريخية" ناصرة" القرن الأول ميلادي، من ذلك:

стр. 187

- جاء في موسوعة بورداس Bordas أنّه ما من نصّ يهودي قديم يذكر مدينة" الناصرة" قبل القرن الثاني ميلادي. وقول هذه الموسوعة" نص يهودي" يشمل العهد القديم وغيره من الكتب المقدسة وغير المقدسة..!! سفر يشوع الذي يذكر أين استقر سبط زبولون، يذكر ١٢ مدينة و ٦ قرى، ولا يذكر" الناصرة"! التلمود، رغم أنّه ذكر ٦٣ مدينة جليلية، لم يشر إلى" الناصرة". بولس، صاحب الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد، لم يذكر الناصرة! يذكر أنه لم يشر أيّ مؤرخ أو جغرافي إلى" الناصرة" قبل القرن الرابع ميلادي! رحلة الحج النصرانية التي تعود إلى القرن الرابع ميلادي، والتي تذكر المناطق التي يمرّ عبرها الحاج، على مدى أميال كثيرة، مخلّدة ذكرى أعمال المسيح والأنبياء في فلسطين، لا تذكر الناصرة!!!. وهذه هي خريطة هذه الرحلة التعبديّة الطويلة:

стр. 188

ولعلّ أصل كلمة" الناصرة" هو من كلمة" الحقيقة". ولا علاقة ل" ناصرة" متّى بمنطقة تسمى بهذا الاسم، ومما يؤيد هذا القول ما جاء في إنجيل فيليب الذي ترفضه الكنيسة (الترجمة الإنجليزية ضمن كتاب" مكتبة نجع حمادي =Hammadi Library =The Nag "لجيمس م. روبنسون James M. Robinson ص ١٤٧ (الطبعة المراجعة) : = The apostles who were before us had these names for him:= Jesus, the Nazorean, missiah ". =Nazara =is =the Truth =) ... ("، the Nazarene= "then ,is =the Truth =، الرسل الذين كانوا قبلنا سمّوه بهذه الأسماء: " يسوع، الناصري، مسيّا ( ... ) " نصارى" هي" الحقيقة". " ناصري" هي إذن" الحقيقة". إنّه، إذن، خطأ اخترعت منه نبوءة مسيانية!!!!

стр. 189

- تركيب نص من طرف مؤلف الإنجيل: أ- جاء في مرقس ١: ٢- ٣: " كما كتب في كتاب إشعياء: «ها أنا أرسل قدامك رسولي الّذي يعد لك الطّريق؛" صوت مناد في البريّة: أعدّوا طريق الربّ، واجعلوا سبله مستقيمة. " تتكوّن هذه" النبوءة" من جزأين: " صوت مناد في البرية، أعدّوا طريق الربّ واجعلوا سبله مستقيمة"، وهذا الجزء من من سفر إشعياء ٤٠: ٣. و" ها أنا أرسل قدّامك رسولي الذي يعدّ لك الطريق"، وهو من سفر ملاخي ٣: ١.. وللعلم فإنّ الكثير من المخطوطات القديمة قد حذفت كلمة" إشعياء" من نصّ مرقس كما هو منقول في" الترجمة الإنجليزية الإنجليزية) =Translation =The New English "ومن هذه المخطوطات (A E F G H P W S: للحرج الشديد الذي أحدثته هذه الكلمة للنصارى، إذ كشفت أنّ مؤلف إنجيل مرقس مزوّر محترف!! إذن هي ليست نبوءة من عند إشعياء، وإنما هي نبوءة مركّبة من طرف مؤلف إنجيل مرقس. وقد ذكر آدم كلارك في تعليقه على هذا النصّ أنّ أحد المخطوطات السريانية تذكر إشعياء وملاخي!! ب- جاء في إنجيل متّى ٢: ٤- ٦: " فجمع إليه رؤساء كهنة اليهود وكتبتهم جميعا، واستفسر منهم أين يولد المسيح. فأجابوه: «في بيت لحم باليهوديّة، فقد جاء في الكتاب على لسان النّبيّ:

стр. 190

" وأنت يا بيت لحم بأرض يهوذا، لست صغيرة الشأن أبدا بين حكّام يهوذا، لأنّه منك يطلع الحاكم الّذي يرعى شعبي إسرائيل" علّق جون فنتون في كتابه" القدّيس متّى" ص ٤٦ على هذا الاستنباط، بقوله: " إنّ النبوءة من سفر ميخا ٥: ٢، لكنها ليست في الترجمة السبعينية الإغريقية، كما أنّها ليست ترجمة صادقة عن النص العبري (ويستطيع القارئ ملاحظة ذلك بسهولة) ومن المحتمل أن يكون سفر صموئيل الثاني ٥: ٢ قد ضمّ إلى نبوءة ميخا"!!!؟ وقال إدوارد شفايتزر فى تفسيره لإنجيل متّى ص ١٧: " وبالنسبة لاستشهاده بميخا، فهو يشير في اليهودية إلى المسيا، وأقحم أيضا في التراجم إلى الأرامية، كما أنّه لا توجد كلمة" أرض يهوذا" فى النص العبراني ولا فى النص اليوناني، ويمكن أن يكون مصدرها هو متى نفسه. وكذلك أخطأ متّى فى قراءة" لست الصّغرى"، بينما هى فى العهد القديم" الصّغرى""!!! ولمّا حاول المنصّر بنيامين بنكرتن في تعليقه على إنجيل متّى الدفاع عن أصالة هذا الاقتباس، قال: " هذه النبوة واردة في (ميخا ٥: ٢) وهى مقتبسة لا بحروفها بل بمعناها. "!!؟ ت- جاء في إنجيل متّى ٢٧: ٩- ١٠: " حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النّبيّ: " وأخذوا الثّلاثين من الفضّة ثمن المثمّن الّذي ثمّنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخّاريّ كما أمرني الرّب. " بالإضافة إلى ما ذكره جميع النقاد من أنّ هذه النبوءة بهذه الصيغة لم ترد في سفر إرمياء، حتى قال المفسّر هورن فى ص ص ٣٨٥ و ٣٨٦ من المجلد الثانى من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢ م إنّ فى هذا النقل إشكال كبير؛ لأنه لا يوجد فى كتاب إرمياء

стр. 191

مثل هذا، ويوجد فى زكريا ١١: ١٣ لكن لا تطابق هذه الفقرة الألفاظ التى وردت فى متى، وأقر بعض المحققين على أنه وقع الغلط فى نسخة متى وكتب الكاتب" إرميا" بدلا من" زكريا" أو أن هذا اللفظ زائد.. بالإضافة إلى ذلك قال الباحث الاعتذاري ر. جندري R.Gundry إن متّى رأى أنه قد تمت في هذه الحادثة نبوأتان منفصلتان، إحداهما رمزية (إرميا ١٩: ١- ١٣) والثانية حرفية (زكريا ١١: ١٣) ، ولكنه اكتفى بالإشارة إلى إرمياء!! (طبعا اعتذار يحتاج إلى اعتذار) . أمّا هامش الكتاب المقدس الألماني الكاثوليكي ٨٧٣٢٨٧٥٣١nheitsubersetzung فقال بصراحة: " هذه العبارة لم تذكر في إرمياء، ولكنها ربط حر لمواضع من زكريا وإرمياء والخروج. " (ربط حرّ) ..!! وجاء في الكتاب المقدس ":Zurcher Bible إن الكلمات المستشهد بها هنا قد أخذّت من زكريا ١١: ١٣، أما الكلام الذى ذكر هنا عن الفخار فهذا خطأ كتابى أقحم فى النص العبرانى، أما إحالة النص إلى سفر إرمياء فيوضح لنا اعتماد الكاتب على الذاكرة، حيث تكلم إرمياء ١٨: ٢ عن الفخار، ولكن ليس هذا هو الموضع المقصود من كلام متى. "!!!! الخلاصة: البشارات المزعومة في الأناجيل، عن ظهور يسوع المسيح، ما هي إلا دعاو باطلة من كيس الإنجيليين الذي وصل بهم حماسهم إلى الوقوع في أخطاء مضحكة، حتى قال الأب الكاثوليكي الدكتور ريموند براون Raymond Brown في كتابه" ميلاد المسيّا =The Birth of The Messiah ="هامش ص ٩٧: " يوحنا ١٥: ٢٥ (لكي تتمّ الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنّهم أبغضوني بلا سبب) التي تحدثت عن تحقق الناموس ليست مستلة من الناموس، بل من المزمور ٣٥: ١٩ و ٦٩: ٤٦. "!!!

стр. 192

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم ... قد ضلّ من كانت العميان تهديه يعترف النصارى بأنّ العهد القديم يتنبّأ ببعثة من تسمّيه" النبيّ" وهو: نبيّ آخر الزمان، ولكنّهم يزعمون أنّه عيسى ﵇، وهذا من أعجب العجب وأبطل الباطل، إذ كيف يكون عيسى ﵇ ربا للعالمين وفي نفس الوقت نبيا مربوبا مبلغا عن خالقه!! ثمّ، إنّ هذا" النبي" لم يبعث إلى زمن عيسى ﵇ بشهادة أسفار النصارى ذاتها، إذ أنه وكما جاء في إنجيل يوحنا، فإنّ اليهود من مدينة القدس قد أرسلوا وفدا منهم إلى المعمدان (يحي ﵇ ليسألوه: " أو أنت النبيّ؟ " (يوحنا ١: ٢١) .. من أهم البشارات التي يدندن حولها النصارى زاعمين أنها مصرّحة بمقدم عيسى بن مريم ﵉، لا بعثة محمد ﷺ كما يقول المسلمون، بشارة" العبد الصالح"، وبشارة" ابن الإنسان"، وبشارة" شيلون"، وبشارة" الحجر الذي رفضه البنّاؤون".

стр. 193

بشارة" العبد الصالح" جاء في سفر إشعياء ٤٢: ١- ١٧ قول الربّ: " هوذا عبدي الّذي أعضده، مختاري الّذي ابتهجت به نفسي. وضعت روحي عليه ليسوس الأمم بالعدل. لا يصيح ولا يصرخ ولا يرفع صوته في الطّريق. لا يكسر قصبة مرضوضة، وفتيلة مدخنة لا يطفيء. إنّما بأمانة يجري عدلا. لا يكلّ ولا تثبّط له همّة حتّى يرسّخ العدل في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته. هذا ما يقوله الله، الرّبّ خالق السّماوات وباسطها، وناشر الأرض وما يستخرج منها. الواهب أهلها نسمة، والمنعم بالرّوح على السّائرين عليها: " أنا هو الربّ قد دعوتك بالبر. أمسكت بيدك وحافظت عليك وجعلتك عهدا للشعب ونورا للأمم. لتفتح عيون العمي، وتطلق سراح المأسورين في السّجن، وتحرر الجالسين في ظلمة الحبس أنا هو الربّ وهذا اسمي. لا أعطي مجدي لآخر، ولا حمدي للمنحوتات. ها هي النّبوّات السّالفة تتحقق، وأخرى جديدة أعلن عنها وأنبيء بها قبل أن تحدث. " غنوا للربّ أغنية جديدة، سبّحوه من أقاصي الأرض أيّها المسافرون في عباب البحر وكل ما فيه وياسكان الجزائر

стр. 194

لتهتف الصّحراء ومدنها، وديار قيدار المأهولة. ليتغن يفرح أهل سالع وليهتفوا من قمم الجبال وليمجّدوا الربّ ويذيعوا حمده في الجزائر يبرز الربّ كجبّار، يستثير حميّته كما يستثيرها المحارب، ويطلق صرخة حرب داوية، يظهر جبروته أمام أعدائه ( ... ) أما المتوكّلون على الأصنام القائلون للأوثان: " أنتم آلهتنا" فإنّهم يدبرون مجلّلين بالخزي. " النص الماسوري (نسبة إلى الماسورة أي النص العبري المشكول والمعتمد اليوم) :

стр. 195

يدّعي النصارى أنّ هذه البشارة هي خاصة ب" يسوع الكنيسة"، ناقلين ما جاء إنجيل متّى ١٢: ١٧- ٢٢: " ليتمّ ما قيل (قلت: في يسوع) بلسان النّبيّ إشعياء القائل: " ها هو فتاي الّذي اخترته، حبيبي الّذي سرّت به نفسي! سأضع روحي عليه، فيعلن العدل للأمم لا يخاصم ولا يصرخ، ولا يسمع أحد صوته في الشوارع قصبة مرضوضة لا يكسر، وفتيلة مدخنة لا يطفيء، حتّى يقود العدل إلى النّصر، وعلى اسمه تعلق الأمم رجاءها! " ثمّ أحضر إليه رجل أعمى وأخرس يسكنه شيطان، فشفاه حتّى أبصر وتكلّم. " هذه البشارة التي دندن حولها النصارى كثيرا لا تنطبق على المسيح، خاصة في صورته الكنسية، بل هي تنطبق على محمد ﷺ بصورة دقيقة، وهذا هو فهم الصحابة لهذا النصّ منذ زمن النبوّة، فعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: " أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا" وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولكن يقبضه الله

стр. 196

حتى يقيم به الملة والعوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا" (البخاري) . وقد قال كاهن كنيسة العذاء" عبد المسيح بسيط أبو الخير" في كتابه: " هل تنبّأ الكتاب المقدس عن نبيّ آخر يأتي بعد المسيح؟ " ص ١١٧ تحت عنوان: " عبد الربّ، من هو؟ وما هي صفاته وأعماله؟ " معاندا الفهم الحقّ: " ورد في سفر إشعياء مجموعة من النبوّات في الإصحاحات (٤٢ إلى ٦٢) ، عن شخص دعي ب" عبد الربّ" ولم تذكر له، هذه النبوّات، إسما محددا، وقد أجمع المفسّرون المسيحيّون على أنّ هذا الشخص المذكور في هذه النبوّات هو الربّ يسوع المسيح، المسيّا الآتي والمنتظر. كما رأت الغالبية العظمى من الربيّين اليهود، خاصّة القدماء الذين كتبوا في فترة ما قبل المسيح وما تلاها وحتى القرن الخامس عشر الميلادي، سواء في التلمود أو المشناه أو الجمارا أو المدارش، وكل كتب التقليد اليهوديّ بكافة أنواعها أن هذا العبد هو" المسيّا"، وعلى سبيل المثال يقول ترجوم بسيدو يوناثان: " ها هو عبدي المسيا، سأقربّه إليّ، مختاري الذي يتبارك به شعبي" (!!!) قلت: لا أدري كيف من الممكن الجمع بين المسيح اليهودي البشري العنصري وبين المسيح النصراني المألّه المثلث العالمي..!!؟ .. ولكن.. رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا! إنّ مسيح اليهود صورة أخرى بعيدة تماما عن مسيح الكنيسة. إنّه لا يعدو أن يكون تشابها في الألقاب مع تغاير أو تقابل المضمون!!

стр. 197

ويكفي حتى نثبت أن مسيح الكنيسة ليس هو المعني بحديث نبي الله إشعياء، أن نذكر أنّ مؤلف إنجيل متّى قد اضطر إلى تحريف نص سفر إشعياء ليلبسه المسيح، وقد قال البحّاثة جون فنتون، John Fenton عميد كلية اللاهوت بلتشفيلد بإنجلترا، في تعليقه على إنجيل متّى =Saint Matthew =ص ١٩٥: " من الواضح أنّ متّى لم يتّبع نصّ أيّ من النسختين العبرية أو الإغريقية، لكنه سار على أخذ نصوص حسبما رآها تناسب رأيه من أنّ النبوءة تحققت في عيسى وفي الكنيسة. ولقد حذف متّى سطرين من إشعياء ٤٢: ١- ٤، ولكنّه أبقى على السطر الأخير الذي رأى أنّه يخقّق هدفه. "!! قلت: " من حفر جبّا" لقارئه"، نزلت بداره بوائقه"!!! - وبعيدا عن حذلقات الكنيسة، لنناقش أهم معالم هذه البشارة: " هذا هو عبدي": من المتفق عليه بين أهل الملل الأرضية والسماوية أنّ محمدا ﷺ ما ادّعى أنه فوق مرتبة العبودية لله سبحانه. أما يسوع الإنجيلي، فإنّ الكنيسة تنسبه إلى الإلوهية وتسحبه من عرشه السماوي إلى خشبات الصليب الروماني ليكون إلها بشريا وبشرا مؤلها!! " الذي أعضده": ومحمد ﷺ هو النبيّ المؤيد من الله سبحانه، الذي أفاض عليه بمعجزات هائلة نصره بها على أعداء التوحيد. أما يسوع الإنجيلي فتقدّمه الكنيسة على أنّه هو نفسه المعبود المستجار بسلطانه والملتجأ إلى قدرته. " مختاري": أي الذي اصطفاه الله من خلقه ليكون المبلّغ عنه وليكون حجّته على العالمين وليختم به عقد النبوة البديع، ومعلوم أنّ من اسماء نبي الإسلام

стр. 198

صلى الله عليه وسلّم: " المصطفى"، وقد قال الإمام ابن حجر في شرحه لحديث جبير بن مطعم في صحيح البخاري: ".. ومن أسمائه المشهورة" المختار والمصطفى والشفيع والمشفّع والصادق والمصدوق. " أمّا يسوع الإنجيلي، فهو طبق اعتقاد الكنيسة، المنوط به اصطفاء الأنبياء والرسل ولا يصطفيه غيره فهو صاحب القول والأمر. " الذي ابتهجت به نفسي": أي الذي جعله الله سبحانه أعظم خلقه، إذ قد بلغ ذرى سنام العبادة ومنتهى. أما يسوع فهو عند النصارى، المعبود.. فهل ابتهجت نفس الربّ بنفسه ذاتها؟! " وضعت روحي عليه": أيّ أيّدته بالروح القدس ومن معه من الملائكة. وقد كان ذلك لمحمد ﷺ في معركة بدر وفي معارك أخرى له ولأمته من بعده. كما أنّ هذه العبارة تدلّ على أنّ المتحدّث عنه نبيّ، فقد جاء مثلا في سفر أخبار الأيام الثاني ١٥: ١: " وحلّ روح الربّ على عزريا بن عوديد" وجاء في سفر العدد ١١: ٢٩: ".. ليت كلّ شعب الربّ يصبحون أنبياء يحلّ عليهم الربّ بروحه". وجاء في القرآن قوله تعالى: " وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا". (سورة الشورى ٥٢) . أمّا يسوع الإنجيلي فقد صرخ على الصليب بعد أن تمكّن منه أعداؤه: " إلهي! إلهي! لماذا تركتني! " (متّى ٢٧: ٤٦، مرقس ١٥: ٣٤) . كما أنّه إله معبود لا نبيّ مربوب! " ليسوس الأمم بالعدل": ومحمد ﷺ هو الذي أرسل رحمة للعالمين" وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ" (الأنبياء ١٠٧) . أما يسوع فما تجاوزت رسالته بني إسرائيل: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متّى ١٥: ١٤) .

стр. 199

كما أنّ محمدا ﷺ كان حاكما أرضيا ساس الأمم من عرب وغيرها، أمّا يسوع فقد كانت مملكته سماوية لا أرضية! " لا يصيح ولا يصرخ ولا يرفع صوته في الطريق": أي صاحب حجة وبيان، لا يستقطب الأتباع بالصراخ والتهديد وإنما بالدليل والبرهان. ومما يوضّح انطباق هذا الأمر على محمد ﷺ ، قول الحق سبحانه له ﷺ : " ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (سورة النحل ١٢٥) . أما يسوع الكنيسة فقد كان يبتعد عن المحاججة والمناظرة في غير ما موقف (متّى ٢٢: ٢١، مرقس ١٢: ١٤- ١٧، لوقا ٢٠: ٢٢- ٢٥) . " لا يكسر قصبة مرضوضة، وفتيلة مدخنة لا يطفئ".. المقصود ب" القصبة المرضوضة": " مصر"، ففيها ينبت النوع الجيد من القصب.. وقد جاء في سفر حزقيال ٢٩: ٦- ٧: " فيدرك كلّ أهل مصر أنّي أنا الربّ، لأنهم كانوا عكّاز قصب هشة لشعب إسرائيل، ما إن اعتمدوا عليك بأكفّهم حتّى انكسرت ومزّقت أكفافهم، وعند ما توكأوا عليك تحطّمت وقصفت كلّ متونهم. ".. وجاء في سفر إشعياء ٣٦: ٦: " أنت تتكلّ على عكّاز هذه القصبة المرضوضة مصر التي تثقب كفّ كلّ من يتوكّأ عليها.."".. وقد أوصى الرسول ﷺ بمصر وأهلها خيرا فقال: " إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإنّ لهم ذمة ورحما. " (صححه الألباني) . أما يسوع، فما كان صاحب سلطة زمنية أرضية وما كان بالتالي متسلطا على مصر، بل فرّ يوسف النجار به وبأمّه إلى مصر لما كان صغيرا كما هو مدّعى في إنجيل متّى ٢: ١٣- ١٩.

стр. 200

والإشارة إلى مصر في هذه النبوءة لها صلة بالعلاقة بين بني إسرائيل ومصر، إذ أنّ أهل مصر قد ساءت علاقتهم ببني إسرائيل وأنبيائهم، وكان من المنتظر أن يكون النبي الآتي منتقما من أهل مصر لا مكرّما لهم. فكان أن نبّه الله سبحانه بني إسرائيل ومن بعدهم من الأمم أنّ هذا النبيّ لن يكون عدوا لمصر، بل سيكون رحمة بها وبأهلها. وقد كان.. فقد بعث هذا النبي رحمة بأبناء هاجر، وكان الأبناء كنانة أمّة الإسلام على مدى التاريخ. " وفتيلة مدخنة لا يطفئ": المقصود بالفتيلة المدخنة، نور العلم والمعرفة. فهذا النبي لن يصدّ عن العلوم المفيدة ولن يهدر الخير الذي في الديانات السابقة وإن حرّفت، وهذا ينطبق بالحرف على محمد صلى الله الذي قال: " طلب العلم فريضة على كلّ مسلم" (مسند أبي يعلى..) والذي قال أيضا: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (متفق عليه) كما أنّه هو من حافظ على الخير الذي دعا إليه الأنبياء السابقون كالصلاة والصوم والحج والبر بالوالدين وصلة الرحم وأهم من ذلك توحيد المعبود سبحانه. أما يسوع الكنيسة فقد ألغى بموته على الصليب العمل بالشرائع السابقة بل ودعا إلى عقيدة تثليثية لم يعرفها أيّ من الأنبياء السابقين. " إنما بأمانة يجري عدلا": لقد كان محمد ﷺ حاكما بين قومه وجاء بشريعة تسوس الأمم بالقسط والبر. أما يسوع الإنجيلي فما كان حاكما على قومه كما أنّه لم يرسل إلى غير بني إسرائيل. " لا يكلّ ولا تثبط له همة حتى يرسّخ العدل في الأرض". والتاريخ شاهد أنّ محمدا ﷺ قد جاهد باللسان والسنان وجمع بين المجادلة والمجالدة ٢٣ سنة ليقيم شرع الله سبحانه على الأرض. ومحمد صلى الله عليه

стр. 201

وسلم هو الذي ختمت رسالته بقول الله تعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً" (سورة المائدة ٣) . أما يسوع الإنجيلي فقد قال لأحد تلاميذه: ".. إنّ الذين يلجأون إلى السيف، بالسيف يهلكون" (إنجيل متّى ٢٦: ٥٢) . " وتنتظر الجزائر شريعته": لقد وصلت شريعة الإسلام إلى أقصى الجزائر. أما يسوع فلا شريعة له، إذ هو قد نسخ جميع الشرائع السابقة بدمه المهدور على الصليب. وهو الذي قال في آخر وصاياه: " على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنّهم يقولون ولا يفعلون. " (إنجيل متّى ٢٣: ١) . " أمسكت بيدك وحافظت عليك وجعلتك عهدا للشعب ونورا للأمم". قال تعالى: " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" (المائدة ٦٧) مبشرا رسوله محمدا ﷺ أنّه لن يناله عدوه بالقتل. أما يسوع الإنجيلي فقد هلك على الصليب الروماني بتحريض يهودي. " غنوا للربّ أغنية جديدة، سبّحوه من أقاصي الأرض". الأغنية الجديدة (والحديث هنا على المجاز) هي الأذان من الجبال والمنارات إعلانا لدخول وقت الصلاة.. أما يسوع فلم يأت بأيّ نداء للصلاة أو التسبيح أو التتريه. " لتهتف الصحراء ومدنها، وديار قيدار المأهولة. ليتغنّ بفرح أهل سالع وليهتف من قمم الجبال وليمجّدوا الربّ ويذيعوا حمده في الجزائر. ". " الصحراء" في النص العبري هي" مدبار" وقد جاءت الإشارة في سفر إرمياء ٣: ٢ إلى الصحراء العربية: " ارفعي

стр. 202

عينيك إلى الهضاب وتأملي، أهناك مكان لم تضاجعي فيه؟. قد جلست لهم على قارعة الطريق كالأعرابي (العبارة في التراجم الإنجليزية والفرنسية ك Segond English Standard Version ,Darby Translation ,Louis The New American Standard Bible ,The: تذكر كلمة" عربي" مكان" أعرابي"، علما بأنّ المقابل العبري لهذا النص يذكر الكلمة العبرية" عربي" (!!!) كما هي في اللغة العربية) في البادية (بعض التراجم الإنجليزية تذكر" صحراء" لا" بادية"!!) ودنست الأرض بزناك وعهارتك. " والمقابل العبري للصحراء هنا أيضا" مدبار".. وديار قيدار بن إسماعيل (جزيرة العرب) لم تنتشر فيها النصرانية (وإن ظهر فيها بعض النصارى قبل ظهور الإسلام) بل هي معقل الإسلام وحصنه الحصين.. وسالع رغم أنّ النصارى يزعمون أنّها تقع في وادي موسى فإنّ البحاثة فديارتي يذكر أنّ المؤرخ يوسفوس قد ذكر أنّ" بترا" التي يقرر كثير من النصارى أنّها" سالع" نفسها، كانت عاصمة البلاد العربية. وهو أيضا ما ذهب إليه المؤرخ الإنجليزي ب. جوفرسن. وورد في" قاموس الكتاب المقدس" تحت كلمة" سالع": ".. ويقول التقليد المسيحي أنّ بولس الرسول زار سالع هذه عند ما ذهب إلى البلاد العربية (غلاطية ١: ١٧) . وجاء في موسوعة الكتاب المقدس Biblica Encyclopaedia لشاين أنّ" بترا" هي مكان هجرة وسلام وتجارة، ومن الملاحظ أيضا في هذا المقام أنّ" سلع" هو جبل في باب المدينة، كما في مراصد الاطلاع لياقوت، والقاموس وغيرهما من كتب الجغرافيا واللغة.. والظاهر أنّ الألف حصلت من إشباع الفتحة في اللغة العبرانية.. وهذه" الألف" غير موجود في هذه الكلمة باللغة الانجليزية واللغة الفرنسية. =Sela =: إنّها أرض محمد ﷺ لا أرض يسوع المسيح الإنجيلي.

стр. 203

-" يبرز الربّ كجبار، يستثير حميّته كما يستثيرها المحارب، ويطلق صرخة حرب داوية، يظهر جبروته أمام أعدائه. ". وهذا النصّ يشير إلى الحروب التي يقودها نبيّ الملحمة. أما يسوع فهو كما يصوّره النصارى: " الحمل الوديع" الذي لم يرفع سيفا، بل كان يدعو إلى تقديم الخدود للصفع!! " أما المتوكّلون على الأصنام، القائلون للأوثان: " أنتم آلهتنا" فإنهم يدبرون مجلّلين بالخزي". ومحمد ﷺ هو من عاداه الوثنيون وحاربوه عن يد واحدة، فانتقم منهم الله سبحانه وهدّ باطلهم ونصر عبده ومصطفاه وأعزّ جنده الكرام. أما يسوع فقد كان أعداؤه يهودا لا وثنيين، فهم الذين أرسل إليهم وهم الذين رفضوا قبول رسالته وهم الذين سعوا إلى قتله. كما أنّ يسوع الإنجيلي ما انتصر على أعدائه بل هم هزموه و" جلّلوه" بالخزي!! إنّها بشارة صريحة، فصيحة، تكاد تنطق باسم نبي الإسلام ﷺ . وقد حقّ لمن يخشى على النصارى لظى النيران وقرص الزمهرير أن يطلب من الكنيسة الكفّ عن عجن النصوص على هواها واستحلاب سيل السراب من ضرع الخيال.. ولكن.. كما قال الشاعر: ومكلّف الأيام ضدّ طباعها ... متطلّب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هاو

стр. 204

بشارة" ابن الإنسان" جاء في سفر دانيال التبشير ببعثة من سمّي ب" ابن الإنسان".. ولنأخذ واحدة من هذه البشارات من هذا السفر وللنظر هل هي بشارة بيسوع الكنيسة أم بمحمد ﵊! في السنة الثانية لحكم" بلشاصر بن نبوخذ نصر" رأى دانيال رؤيا قريبة مما رآه" نبوخذ نصر" وقد قصّ الرؤيا في سفره على النحو التالي: " قال دانيال: «شاهدت في رؤياي ليلا، وإذا يأربع رياح السّماء قد هجمت على البحر الكبير، وما لبث أن صعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة يختلف بعضها عن بعض. فكان الأوّل كالأسد بجناحين كجناحي النّسر. وبقيت أنظر إليه حتّى اقتلع جناحاه، وانتصب على الأرض واقفا على رجلين كإنسان، وأعطي عقل إنسان. ورأيت حيوانا آخر شبيها بالدبّ، قائما على جنب واحد، وفي فمه بين أسنانه ثلاث أضلع وقيل له: " انهض وكل لحما كثيرا" ثمّ رأيت بعد هذا حيوانا آخر مثل النّمر، له على ظهره أربعة أجنحة كأجنحة الطائر، وكان لهذا الحيوان أربعة رؤوس، وفوّضت إليه سلطات. وشهدت بعد ذلك في رؤى اللّيل وإذا يحيوان رابع هائل وقوي وشديد جدّا، ذي أسنان ضخمة من حديد، افترس وسحق وداس ما تبقى برجليه. وكان يختلف عن سائر الحيوانات الّتي قبله وله عشرة قرون.

стр. 205

وفيما كنت أتأمّل القرون إذا يقرن آخر صغير نبت بينها، واقتلعت ثلاثة قرون من أمامه، وكان في هذا القرن عيون كعيون الإنسان وفم ينطق بعظائم. وفيما كنت أنظر، نصبت عروش واعتلى الأزليّ كرسيّه وكانت ثيابه بيضاء كالثلج، وشعر رأسه كالصّوف النّقيّ، وعرشه لهيبا متوهّجأ وعجلاته نارا متّقدة. ومن أمامه يتدفق ويجري نهر من نار، وتخدمه ألوف ألوف الملائكة، ويمثل في حضرته عشرات الألوف. فانعقد مجلس القضاء وفتحت الأسفار. وبقيت أراقب القرن من جراء ما تفوّه به من عظائم، حتّى قتل الحيوان وتلف حسمه وطرح وقودا للنّار. أمّا سائر الحيوانات فقد جردت من سلطانها، ولكنّها وهبت البقاء على قيد الحياة لزمن ما. وشاهدت أيضا في رؤى اللّيل وإذا يمثل ابن الإنسان مقبلا على سحاب حتّى بلغ الأزليّ فقرّبوه منه. فأنعم عليه بسلطان ومجد وملكوت لتتعبّد له كلّ الشعوب والأمم من كل لسان. سلطانه سلطان أبديّ لا يفنى، وملكه لا ينقرض. " (سفر دانيال ٧: ٢- ١٤) ويقول دانيال في تفسير هذه النبوءة: " أمّا أنا دانيآل فقد ران الحزن على روحي في داخلي وروّعتني رؤى رأسي. فاقتربت من أحد الواقفين أستفسر منه حقيقة الأمر، فأطلعني على معنى الرّؤيا قائلا: " هذه الحيوانات الأربعة العظيمة هي أربعة ملوك يظهرون

стр. 206

على الأرض غير أن قديسي العليّ يستولون على المملكة ويتملّكونها إلى أبد الآيدين. حينئذ أردت أن أطّلع على حقيقة الحيوان الرّابع الّذي كان يختلف عن سائر الحيوانات، إذ كان هائلا جدّا ذا أسنان من حديد ومخالب من نحاس، وقد افترس وسحق وداس ما تبقى برجليه. وعن القرون العشرة النّامية في رأسه، وعن القرن الآخر الصّغير الّذي نبت، فاقتلعت أمامه ثلاثة قرون. هذا القرن ذو العيون النّاطق بالعظائم ومنظره أشدّ هولا من رفاقه وقد شهدت هذا القرن يحارب القديسين ويغلبهم.. إلى أن جاء الأزليّ وانعقد مجلس القضاء الّذي فيه تبرّأت ساحة قديسي العليّ، وأزف الوقت الّذي فيه امتلكوا المملكة. فأجاب: إنّ الحيوان الرّابع هو رمز للمملكة الرّابعة على الأرض، وهي تختلف عن سائر الممالك لأنّها تستولي على كلّ الأرض وتخضعها وتسحقها. أمّا القرون العشرة من هذه المملكة فهي عشرة ملوك يتولّونها، ثمّ يقوم بعدهم ملك آخر يختلف عن الملوك السّالفين، ويخضع ثلاثة ملوك، ويعيّر العليّ وينكل بقديسيه، ويحاول أن يغيّر الأوقات والقوانين، فيذلّ القديسين ثلاث سنوات ونصف السّنة ولكن ينعقد مجلس القضاء، فيجرّد من سلطانه فيدمّر ويفنى إلى المنتهى وتوهب المملكة والسّلطان وعظمة الممالك القائمة تحت كل السّماء إلى شعب قديسي العليّ، فيكون ملكوت العليّ ملكوتا أبديا، وتعبده جميع السّلاطين

стр. 207

ويطيعونه إلى هنا ختام الرّؤيا. أمّا أنا دانيآل فقد روّعتني أفكاري كثيرا وتغيّرت هيئتي، ولكني كتمت الأمر في قلبي" (سفر دانيال ٧: ١٥- ٢٨) . وفقا للتفسير الذي قدّمه الملاك، فإنّ كلّ واحد من الوحوش الأربعة يمثل امبراطورية- والحديث الآتي هو من كتاب" محمد في الكتاب المقدس" للقسيس المهتدي دافيد كلداني باختصار: الوحش الذي على شكل نسر مجنّح يمثّل الامبراطورية الكلدانية، التي كانت قوية نشطة، كالنسر المنقض على عدوّه. يمثّل" ماداي بارس" أو الامبراطورية المادية الفارسية التي امتدت غزواتها حتى البحر الأدرياتيكي وأثيوبيا، وهكذا تحمل بين أسنانها ضلعا من جسم كلّ من القارات الثلاث في نصف الكرة الشرقي. أما الوحش الثالث، فبناء على طبيعته النمرية الشرسة وذات القفزات السريعة، فإنّه يرمز إلى زحوف الإسكندر الأكبر الظافرة، والذي انقسمت إمبراطوريته بعد موته إلى أربع ممالك. يعنى الملاك أساسا ببيان تفاصيل الوحش الرابع، فيصفه بأنه وحش كبير وهائل ويرمز به إلى الإمبراطورية الرومانية في عنفوان قوتها وازدهارها. (قلت: قد اعترف بأنّ المملكة الرابعة هي المملكة الرومانية، الآباء اليسوعيون (الكاثوليك) في تعليقهم على سفر دانيال) أما القرون العشرة فيمثلون الأباطرة العشرة الأوائل الذين اضطهدوا شعوبهم وما عليك إلا أن تقلّب صفحات أي تاريخ للكنيسة خلال القرون الثلاثة الأولى، وحتى

стр. 208

زمن ما يسمى باعتناق قسطنطين الكبير النصرانية، فلن تعثر على شيء سوى أهوال الاضطهادات العشرة الشهيرة. أما القرن الصغير الذي طلع بين القرون العشرة، فهو إمبراطور يظهر للوجود بعدهم، وينافسه على السلطة ثلاثة أباطرة، وهذا القرن الصغير هو الإمبراطور قسطنطين.. وقد عاشت الإمبراطورية الرومانية في عهده صراعا مريعا بين أربعة متنافسين، وكان قسطنطين واحدا منهم، وكانوا كلّهم يتصارعون من أجل اللباس الأرجواني (الإمبراطوري) ، ومات الثلاثة الآخرون في المعركة، وبقي قسطنطين وحده حاكما على الإمبراطورية الضخمة وليس باستطاعة أحد اختراع أربعة متنافسين بعد الاضطهادات الأربعة للكنيسة إلا قسطنطين وأعدائه الذين تساقطوا أمامه كما تساقطت القرون الثلاثة أمام القرن الصغير. وحتى تزداد وثوقا أنّ القرن الصغير مخالف للآخرين، فهو وحش مخيف ولكن له فم وعينان، أي يملك المنطق والقدرة على الكلام: هذا القرن له فم متكلّم بعظائم. هذا القرن اضطهد قدّيسي العلي. هذا القرن يظنّ أنّه يغيّر الأوقات والسنة. هذا القرن أعلن الحرب على أولياء الله لمدة (الزمن أو العصر والعصور والأزمان ونصف الزمن) أي ثلاثة قرون ونصف قرن. هذه الصفات الخمس تنطبق بصورة دقيقة على قسطنطين، فقسطنطين هو الذي كان يملك المنطق والقدرة على الكلام، بل والكلام الذي غيّر مجرى التاريخ. وهو الذي حرّف النصرانية ونقلها من الوحدانية إلى الشرك فكان بذلك متكلما بكلام

стр. 209

ضد الله العليّ. وقسطنطين هو الذي حارب أولياء الله المؤمنين" قدّيسي العلي"، فقد قتّل الموحدين وحرّق كتبهم.. وهو أيضا الذي حاول تغيير" القانون والزمان": فقد ألغى مرسوم قسطنطين، الوصيتين الأولتين من شريعة موسى حول وحدانية الله. وخالف المنع الصارم لاتخاذ الصور والتماثيل، وهو الذي خرق الوصية الرابعة بتقديس يوم السبت، وهو الذي اضطهد الموحدين لفترة ثلاثة قرون ونصف. وفي آخر الرؤيا قال دانيال: " وتوهب المملكة والسّلطان وعظمة الممالك القائمة تحت كل السّماء إلى شعب قديسي العليّ، فيكون ملكوت العليّ ملكوتا أبديّا، وتعبده جميع السّلاطين ويطيعونه. " (سفر دانيال ٧: ٢٧) . يعني دانيال بقوله قديسي العلي هنا عباد الله وأوليائه من المسلمين الذين تفضّل الله عليهم بالرسالة والدين الكامل، فأقاموا مملكة الله الدائمة على الأرض. كما ترى إذن.. تنطبق هذه النبوءة على محمد ﷺ الذي حطّم الإمبراطورية الرومانية، بصورة دقيقة.. ولا يمكن، مهما توسّعنا في التأويل، الزعم أنّها تخصّ المسيح ابن مريم ﵉، لأنّ المسيح قد عاش زمن عزّ الإمبراطورية الرومانية، ورفع إلى السماء وهي في أوجّها، بل تزعم الأناجيل أنه دعا إلى طاعة قيصر والخضوع لحكمه!!! وإن كنت مازلت تشكّ فتعال لنقرأ نبوءة أخرى من سفر دانيال: ألهم الله تعالى الملك" بختنصر" برؤيا منامية كشف له فيها عن الدول والممالك التي ستعقب ملكه، ومصير كلّ دولة ومملكة إلى أن تظهر للوجود دولة يدوم ملكها وسلطانها إلى الأبد، ولم يشأ الملك الإفصاح عن رؤياه لئلا تفسّر على حسب هواه،

стр. 210

فلا يظهر بحقيقتها، لذا أمر بإحضار الكهنة والمنجمين من أقاليم المملكة وسألهم عن الرؤيا وتأويلها. فقالوا له اذكرها لنا حتى نبين تأويلها، فأمر بقتلهم جميعا. وكان دانيال من ضمن هؤلاء، فاستمهل الملك في أمرهم، ورغب إلى الله تعالى في اطلاعه على الرؤيا وتأويلها، فأطلعه الله تعالى عليها فجاء إلى نبوخذ نصر وقال له: " رأيت أيّها الملك وإذا بتمثال عظيم ضخم كثير البهاء واقفا أمامك وكان منظره هائلا. وكان رأس التمثال من ذهب نقي، وصدره وذراعاه من فضّة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد، وقدماه خليط من حديد ومن خزف. وبينما أنت في الرّؤيا انقض حجر لم يقطع بيد إنسان، وضرب التمثال على قدميه المصنوعتين من خليط الحديد والخزف فسحقهما، فتخطم الحديد والخزف والنّحاس والفضة والذهب معا، وانسحقت وصارت كعصافة البيدر في الصّيف، فحملتها الريح حتّى لم يبق لها أثر. أمّا الحجر الّذي ضرب التمثال فتحوّل إلى جبل كبير وملأ الأرض كلّها. هذا هو الحلم. أمّا تفسيره فهذا ما نخبر به الملك: أنت أيّها الملك هو ملك الملوك، لأنّ إله السّموات أنعم عليك بمملكة وقدرة وسلطان ومجد، وولّاك وسلّطك على كلّ ما يسكنه أبناء البشر ووحوش البر وطيور السّماء. فأنت الرأس الّذي من ذهب.

стр. 211

ثمّ لا تلبث أن تقوم من بعدك مملكة أخرى أقلّ شأنا منك، وتليها مملكة ثالثة أخرى ممثلة بالنّحاس فتسود على كل الأرض. ثمّ تعقبها مملكة رابعة صلبة كالحديد، فتحطم وتسحق كلّ تلك الممالك كالحديد الّذي يدق ويسحق كلّ شيء. وكما رأيت أنّ القدمين والأصابع هي خليط من خزف وحديد، فإنّ المملكة تكون منقسمة فيكون فيها من قوّة الحديد، بمقدار ما شاهدت فيها من الحديد مختلطا بالخزف. وكما أنّ أصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف، فإن بعض المملكة يكون صلبا والبعض الآخر هشا وكما رأيت الحديد مختلطا يخزف الطين، فإنّ هذه المملكة تعقد صلات زواج مع ممالك النّاس الأخرى، إنّما لا يلتحمون معا، كما أنّ الحديد لا يختلط بالخزف. وفي عهد هؤلاء الملوك يقيم إله السّماوات مملكة لا تنقرض إلى الأبد، ولا يترك ملكها لشعب آخر، وتسحق وتبيد جميع هذه الممالك. أمّا هي فتخلد إلى الأبد. لأنّك رأيت أن الحجر المنقض الّذي لم يقطع من الجبل بيدين، قد سحق الحديد والنّحاس والخزف والفضّة والذهب. إنّ الله العظيم قد أطلع الملك عمّا سيحدث في الأيّام الآتية؛ فالحلم حقيقة وتفسيره صدق. " (سفر دانيال ٢: ٣١- ٤٥) من رؤيا نبوخذ نصر ومن تفسير دانيال لها، يتبيّن أنّ الممالك الأربعة هي

стр. 212

، كما يقول القس عبد المسيح بسيط أبو الخير في كتابه: " هل تنبّأ الكتاب المقدسعن نبيّ آخر يأتي بعد المسيح" ص ص ١٣٣- ١٣٥: " الإمبراطوريّة الأولى (بابل ٦٢٦- ٥٣٩ ق. م.) . قال دانيال في تفسيره لنبوخذ نصر" أنت أيّها الملك ملك ملوك لأنّ إله السّماوات أعطاك مملكة واقتدارا وسلطانا وفخرا. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السّماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعها. فأنت هذا الرّأس من ذهب. " (دانيال ٣٧: ٢- ٣٨) ، وكما يقول دانيال النبي أنّ الله" يغيّر الأوقات والأزمنة. يعزل ملوكا وينصّب ملوكا" (دانيال ٢: ٢١) . وكما يقول موسى النبي أيضا بالروح" حين قسم العليّ للأمم حين فرق بني آدم نصب تخوما لشعوب" (تثنية ٣٢: ٨) . يؤكّد الكتاب أيضا أنّ الله بحسب إرادته الإلهية وتدبيره الأزلي وعلمه السابق هو الذي أعطى نبوخذ نصر هذا السلطان. " " الإمبراطورية الثانية (مادي وفارس ٥٣٩- ٣٣١ ق م) . " وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك" (الآية ٣٩) هذه المملكة، كما أجمع التقليد اليهودي والتقليد المسيحي هى مملكة" مادي وفارس". (..) يقول (السفر) لبيلشاصر ابن نبونيدس آخر ملوكها" قسمت مملكتك وأعطيت لمادي وفارس" (دانيال ٥: ٢٨) . وقد وصفت في رؤيا دانيال الثانية بكبش ذو قرنين قال له الملاك" أمّا الكبش الّذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس" (دانيال ٨: ٢٠) . وهذا ما جاء بتفسيره كل من القديس جيروم والقديس هيبوايتوس وما قاله المؤرّخ والكاهن اليهودي يوسيفوس. ويصفها البعض بالمملكة الفارسية نظرا لسيادة الفرس، كما جاء في سفر الأخبار" إلى أن ملكت

стр. 213

مملكة فارس" (سفر الأخبار الثاني ٣٦: ٢٠) ، وكما يقول القديس هيبوليتوس أيضا. " " الإمبراطورية الثالثة (اليونان ٣٣١- ٣٢٣ ق م) : " ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلّط على كل الأرض" (دانيال ٢: ٣٩) . هذه المملكة أو الإمبراطورية الثالثة مذكورة بالاسم في سفر دانيال النبي وأنها ستخلف مادى وفارس" والتيس العافي" الذي هزم الكبش الذي يرمز إلى مادي وفارس" ملك اليونان" (دانيال ٨: ٢١) ، وهذا ما قال به القديس هيبوليتوس، والقديس جيروم وغيره من المفسّرين. " الإمبراطورية الرابعة (روما ٥٨ ق م- ٤٧٦ م) : " وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأنّ الحديد يدق ويسحق كلّ شيء. وكالحديد الّذي يكسّر تسحق وتكسّر كل هؤلاء" (دانيال ٢: ٤٠) ، ويشير الحديد إلى القوة الصلبة الجبارة التي لا تقهر، وهو يسحق ويفنى كل ما عداه من معادن أخرى، كما يشير إلى السيادة والتسلط. وقد رمز بالحديد هنا إلى المملكة الرومانية لقوتها الشديدة التي سحقت بها كل إمبراطوريات التي سبقتها. وقد قارن أحد الكتاب القدماء الإمبراطورية الرومانية بإمبراطوريات العالم العظيمة التي سبقتها، وقد برهن على أنّ الإمبراطورية الرومانية كانت أكثر قوة وأكثر سيادة من كل الممالك التي سبقتها. فقد سحقت هذه الإمبراطورية بغزواتها الكثيفة في أوربا وآسيا وأفريقيا وكسرت كل الأمم التي كانت ما تزال محتفظة بعناصر السلالات الآشورية البابلية والمادية الفارسية واليونانية الماضية. وقد عرفت الجيوش الرومانية بالجيوش الحديدية، واستخدم دانيال النبي كلمة" حديد" في وصف هذه الإمبراطورية ١٤ مرة. ومن ثمّ اعتقدت الكنيسة منذ فجرها بأنّ هذه الإمبراطورية هى الإمبراطورية الرومانية، وكان هذا هو رأى أقدم الآباء الذين وصلتنا كتاباتهم عن سفر دانيال؛ مثل القديس إيريناؤس

стр. 214

في القرن الثاني الميلادي والقديس هيبوليتوس في القرن الثالث والقديس جيروم في القرن الرابع وذهبي الفم في القرن الرابع أيضا (٣٤٧ م- ٤٠٣ م) ، ويقول أحد المفسّرين ويدعى جوزيف ميدى =Joseph Mede اعتقدت الكنيسة اليهودية قبل زمن مخلصنا أنّض الإمبراطورية الرابعة في سفر دانيال هي الإمبراطورية الرومانية، وهذا المعتقد تسلّمه تلاميذ الرسل وكل الكنيسة المسيحية لمدة ٣٠٠ سنة". ثم رأى نبوخذ نصر حجرا انقطع من جبل عظيم من غير قاطع، فضرب ذلك التمثال على قدميه اللتين هما من حديد وخزف، وكانت الضربة من القوة حتى أنه قد تفتت التمثال كلّه بذهبه وفضّته ونحاسه وحديده وخزفه، وصار هشيما ورفاتا عصفت به الريح، فلم ير له أثرا، أما الحجر الذي هشّم التمثال فصار جبلا عظيما عاليا امتلأت منه الأرض كلّها. ويرمز بالحجر هنا إلى دولة الإسلام التي اصطدمت في بداية توسعها بالدولة الرومانية التي بسطت سلطانها على المملكة الإغريقية، وبالدولة الفارسية التي بسطت سلطانها على مملكة بابل، وكانت ضربة الدولة الإسلامية لهما من القوّة حتى تلاشت الدولتان كعاصفة البيدر في الصيف. وتتوسع الدولة الإسلامية على حساب هاتين المملكتين حتى تعمّ الأرض المعمورة بهما.. وتفسير دانيال للرؤيا صريح في أنّ الدولة الإسلامية هي التي سيقيمها الله تعالى محلّ هذه الممالك والدول، وهي دولة باقية ودائمة إلى يوم القيامة ولا تدع لغيرها سلطانا على الناس والأرض، ولذلك ختمت الرسالات برسالة محمد ﷺ تنبيها على قفل النبوّة، وإيذانا بأنه لا حكم إلا لشريعة الإسلام.. ولا ملك إلا لدولته. يدّعي النصارى أنّ هذه النبوءة هي خاصة بالمسيح.. وينكر عليهم شيخ الإسلام

стр. 215

ابن تيمية نوّر الله قبره زعمهم السقيم ورأيهم الفطير قائلا في" الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح": " فهذا نعت محمد لا نعت المسيح فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها وسلطانه دائم لم يقدر أحد أن يزيله كما زال ملك اليهود وزال ملك النصارى عن خيار الأرض وأوسطها. " ونقول أيضا: إنّ طبيعة دعوة المسيح لا تسمح بالتحريض على تحطيم الامبراطورية الرومانية، فهي لم تدع إلى إقامة دولة أو إنشاء إمبراطورية، كما أنّ أناجيل النصارى لا تضمّ تصورا سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا لدولة المسيح وشعبها.. بخلاف ما جاء في قرآن نبيي الإسلام ﷺ وسنته من تفصيل لجميع نواحي الدولة التي تحكم بالوحي! ولكن يصرّ القس" بسيط" على أنّ ما جاء في سفر دانيال هو بشارة ب" يسوع المخلّص" الذي ولد أيام الإمبراطورية الرومانية، والذي تبنّت هذه الإمبراطورية" ملّته" منذ القرن الرابع. وأضاف قائلا: " وكانت الإمبراطورية الرومانية أكثر استمرارية من الإمبراطوريات التي سبقتها، فقد دامت واستمرّت ٥٠٠ سنة كإمبراطورية موحّدة وغير منقسمة، سواء عند ما كانت وثنية أو بعد ما تحولت إلى المسيحية، واستمرت بقسميها الشرقي والغربي إلى سنة ١٤٥٣ م عند ما استولى الأتراك على القسطنطينية، واستمر القسم الغربي المسيحي منها من خلال بقية دول أوربا حتى اليوم، وهذه الدول نقلت حضارتها وديانتها المسيحية وجزء كبير من شعبها إلى الأمريكتين واستراليا بعد اكتشافها، حتى صاروا كجزء منها، بل ونقلوا حضارتهم وديانتهم المسيحية إلى كل المسكونة. ولم تتوقف المسيحية عن الانتشار بظهور الإسلام حتى يمكن أن يقال أنه حل
следующие страницы →