ثمّ لا تلبث أن تقوم من بعدك مملكة أخرى أقلّ شأنا منك، وتليها مملكة ثالثة أخرى ممثلة بالنّحاس فتسود على كل الأرض.
ثمّ تعقبها مملكة رابعة صلبة كالحديد، فتحطم وتسحق كلّ تلك الممالك كالحديد الّذي يدق ويسحق كلّ شيء.
وكما رأيت أنّ القدمين والأصابع هي خليط من خزف وحديد، فإنّ المملكة تكون منقسمة فيكون فيها من قوّة الحديد، بمقدار ما شاهدت فيها من الحديد مختلطا بالخزف.
وكما أنّ أصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف، فإن بعض المملكة يكون صلبا والبعض الآخر هشا
وكما رأيت الحديد مختلطا يخزف الطين، فإنّ هذه المملكة تعقد صلات زواج مع ممالك النّاس الأخرى، إنّما لا يلتحمون معا، كما أنّ الحديد لا يختلط بالخزف.
وفي عهد هؤلاء الملوك يقيم إله السّماوات مملكة لا تنقرض إلى الأبد، ولا يترك ملكها لشعب آخر، وتسحق وتبيد جميع هذه الممالك. أمّا هي فتخلد إلى الأبد.
لأنّك رأيت أن الحجر المنقض الّذي لم يقطع من الجبل بيدين، قد سحق الحديد والنّحاس والخزف والفضّة والذهب.
إنّ الله العظيم قد أطلع الملك عمّا سيحدث في الأيّام الآتية؛ فالحلم حقيقة وتفسيره صدق. " (سفر دانيال ٢: ٣١- ٤٥)
من رؤيا نبوخذ نصر ومن تفسير دانيال لها، يتبيّن أنّ الممالك الأربعة هي
стр. 212
، كما يقول القس عبد المسيح بسيط أبو الخير في كتابه: " هل تنبّأ الكتاب المقدسعن نبيّ آخر يأتي بعد المسيح" ص ص ١٣٣- ١٣٥:
" الإمبراطوريّة الأولى (بابل ٦٢٦- ٥٣٩ ق. م.) . قال دانيال في تفسيره لنبوخذ نصر" أنت أيّها الملك ملك ملوك لأنّ إله السّماوات أعطاك مملكة واقتدارا وسلطانا وفخرا. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السّماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعها. فأنت هذا الرّأس من ذهب. " (دانيال ٣٧: ٢- ٣٨) ، وكما يقول دانيال النبي أنّ الله" يغيّر الأوقات والأزمنة. يعزل ملوكا وينصّب ملوكا" (دانيال ٢: ٢١) . وكما يقول موسى النبي أيضا بالروح" حين قسم العليّ للأمم حين فرق بني آدم نصب تخوما لشعوب" (تثنية ٣٢: ٨) . يؤكّد الكتاب أيضا أنّ الله بحسب إرادته الإلهية وتدبيره الأزلي وعلمه السابق هو الذي أعطى نبوخذ نصر هذا السلطان. "
" الإمبراطورية الثانية (مادي وفارس ٥٣٩- ٣٣١ ق م) . " وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك" (الآية ٣٩) هذه المملكة، كما أجمع التقليد اليهودي والتقليد المسيحي هى مملكة" مادي وفارس". (..) يقول (السفر) لبيلشاصر ابن نبونيدس آخر ملوكها" قسمت مملكتك وأعطيت لمادي وفارس" (دانيال ٥: ٢٨) . وقد وصفت في رؤيا دانيال الثانية بكبش ذو قرنين قال له الملاك" أمّا الكبش الّذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس" (دانيال ٨: ٢٠) . وهذا ما جاء بتفسيره كل من القديس جيروم والقديس هيبوايتوس وما قاله المؤرّخ والكاهن اليهودي يوسيفوس. ويصفها البعض بالمملكة الفارسية نظرا لسيادة الفرس، كما جاء في سفر الأخبار" إلى أن ملكت
стр. 213
مملكة فارس" (سفر الأخبار الثاني ٣٦: ٢٠) ، وكما يقول القديس هيبوليتوس أيضا. "
" الإمبراطورية الثالثة (اليونان ٣٣١- ٣٢٣ ق م) : " ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلّط على كل الأرض" (دانيال ٢: ٣٩) .
هذه المملكة أو الإمبراطورية الثالثة مذكورة بالاسم في سفر دانيال النبي وأنها ستخلف مادى وفارس" والتيس العافي" الذي هزم الكبش الذي يرمز إلى مادي وفارس" ملك اليونان" (دانيال ٨: ٢١) ، وهذا ما قال به القديس هيبوليتوس، والقديس جيروم وغيره من المفسّرين. "
الإمبراطورية الرابعة (روما ٥٨ ق م- ٤٧٦ م) : " وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأنّ الحديد يدق ويسحق كلّ شيء.
وكالحديد الّذي يكسّر تسحق وتكسّر كل هؤلاء" (دانيال ٢: ٤٠) ، ويشير الحديد إلى القوة الصلبة الجبارة التي لا تقهر، وهو يسحق ويفنى كل ما عداه من معادن أخرى، كما يشير إلى السيادة والتسلط. وقد رمز بالحديد هنا إلى المملكة الرومانية لقوتها الشديدة التي سحقت بها كل إمبراطوريات التي سبقتها. وقد قارن أحد الكتاب القدماء الإمبراطورية الرومانية بإمبراطوريات العالم العظيمة التي سبقتها، وقد برهن على أنّ الإمبراطورية الرومانية كانت أكثر قوة وأكثر سيادة من كل الممالك التي سبقتها. فقد سحقت هذه الإمبراطورية بغزواتها الكثيفة في أوربا وآسيا وأفريقيا وكسرت كل الأمم التي كانت ما تزال محتفظة بعناصر السلالات الآشورية البابلية والمادية الفارسية واليونانية الماضية. وقد عرفت الجيوش الرومانية بالجيوش الحديدية، واستخدم دانيال النبي كلمة" حديد" في وصف هذه الإمبراطورية ١٤ مرة. ومن ثمّ اعتقدت الكنيسة منذ فجرها بأنّ هذه الإمبراطورية هى الإمبراطورية الرومانية، وكان هذا هو رأى أقدم الآباء الذين وصلتنا كتاباتهم عن سفر دانيال؛ مثل القديس إيريناؤس
стр. 214
في القرن الثاني الميلادي والقديس هيبوليتوس في القرن الثالث والقديس جيروم في القرن الرابع وذهبي الفم في القرن الرابع أيضا (٣٤٧ م- ٤٠٣ م) ، ويقول أحد المفسّرين ويدعى جوزيف ميدى =Joseph Mede اعتقدت الكنيسة اليهودية قبل زمن مخلصنا أنّض الإمبراطورية الرابعة في سفر دانيال هي الإمبراطورية الرومانية، وهذا المعتقد تسلّمه تلاميذ الرسل وكل الكنيسة المسيحية لمدة ٣٠٠ سنة".
ثم رأى نبوخذ نصر حجرا انقطع من جبل عظيم من غير قاطع، فضرب ذلك التمثال على قدميه اللتين هما من حديد وخزف، وكانت الضربة من القوة حتى أنه قد تفتت التمثال كلّه بذهبه وفضّته ونحاسه وحديده وخزفه، وصار هشيما ورفاتا عصفت به الريح، فلم ير له أثرا، أما الحجر الذي هشّم التمثال فصار جبلا عظيما عاليا امتلأت منه الأرض كلّها.
ويرمز بالحجر هنا إلى دولة الإسلام التي اصطدمت في بداية توسعها بالدولة الرومانية التي بسطت سلطانها على المملكة الإغريقية، وبالدولة الفارسية التي بسطت سلطانها على مملكة بابل، وكانت ضربة الدولة الإسلامية لهما من القوّة حتى تلاشت الدولتان كعاصفة البيدر في الصيف.
وتتوسع الدولة الإسلامية على حساب هاتين المملكتين حتى تعمّ الأرض المعمورة بهما.. وتفسير دانيال للرؤيا صريح في أنّ الدولة الإسلامية هي التي سيقيمها الله تعالى محلّ هذه الممالك والدول، وهي دولة باقية ودائمة إلى يوم القيامة ولا تدع لغيرها سلطانا على الناس والأرض، ولذلك ختمت الرسالات برسالة محمد ﷺ تنبيها على قفل النبوّة، وإيذانا بأنه لا حكم إلا لشريعة الإسلام.. ولا ملك إلا لدولته.
يدّعي النصارى أنّ هذه النبوءة هي خاصة بالمسيح.. وينكر عليهم شيخ الإسلام
стр. 215
ابن تيمية نوّر الله قبره زعمهم السقيم ورأيهم الفطير قائلا في" الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح": " فهذا نعت محمد لا نعت المسيح فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها وسلطانه دائم لم يقدر أحد أن يزيله كما زال ملك اليهود وزال ملك النصارى عن خيار الأرض وأوسطها. "
ونقول أيضا: إنّ طبيعة دعوة المسيح لا تسمح بالتحريض على تحطيم الامبراطورية الرومانية، فهي لم تدع إلى إقامة دولة أو إنشاء إمبراطورية، كما أنّ أناجيل النصارى لا تضمّ تصورا سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا لدولة المسيح وشعبها.. بخلاف ما جاء في قرآن نبيي الإسلام ﷺ وسنته من تفصيل لجميع نواحي الدولة التي تحكم بالوحي!
ولكن يصرّ القس" بسيط" على أنّ ما جاء في سفر دانيال هو بشارة ب" يسوع المخلّص" الذي ولد أيام الإمبراطورية الرومانية، والذي تبنّت هذه الإمبراطورية" ملّته" منذ القرن الرابع.
وأضاف قائلا: " وكانت الإمبراطورية الرومانية أكثر استمرارية من الإمبراطوريات التي سبقتها، فقد دامت واستمرّت ٥٠٠ سنة كإمبراطورية موحّدة وغير منقسمة، سواء عند ما كانت وثنية أو بعد ما تحولت إلى المسيحية، واستمرت بقسميها الشرقي والغربي إلى سنة ١٤٥٣ م عند ما استولى الأتراك على القسطنطينية، واستمر القسم الغربي المسيحي منها من خلال بقية دول أوربا حتى اليوم، وهذه الدول نقلت حضارتها وديانتها المسيحية وجزء كبير من شعبها إلى الأمريكتين واستراليا بعد اكتشافها، حتى صاروا كجزء منها، بل ونقلوا حضارتهم وديانتهم المسيحية إلى كل المسكونة. ولم تتوقف المسيحية عن الانتشار بظهور الإسلام حتى يمكن أن يقال أنه حل
стр. 216
محلها، بل العكس تمامّا (!!!) حيث ينضم إلى المسيحية في كل بلاد العالم، حاليا، مئات الألوف في اليوم الواحد، كما أن نسبة نمو المسيحية في العالم اليوم هي ٩. ٦، بما يعادل نسبة نمو السكان ثلاثة أضعاف. "
قلت:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة سوء أو من قلة أدب
لجيفة الكلب عندي خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب
بعض أوجه الكذب في قول القس" بسيط":
بشارة النبي دانيال تشير إلى ملكوت جديد يحطم الممالك السابقة، ولا تذكر تحوّل الملكوت الرابع إلى ملكوت جديد، كما يزعم القس البسيط!
كيف تكون المملكة الأخيرة هي دولة الرومان، على زعم القس، وهي" تسحق وتبيد جميع هذه الممالك"، ومع ذلك يخبرنا" البسيط" في نفس الآن أنّ الأتراك (المسلمون) قد استولوا على الجانب الشرقي من هذه الإمبراطورية.. و" ليس للكذب أرجل"، كما يقول العامة عندنا!
جاء في البشارة الدانيالية أنّ المملكة الأخيرة" تخلد إلى الأبد". وهذا يمنع وصل مملكة الرومان بها، لأنها مملكة قد اندثرت، وصارت أثرا بعد عين، وما عاد أحد يطالب بإعادتها إلى الوجود.
زعم القس" البسيط" أنّ دول أوروبا وأمريكا واستراليا تمثّل دولة المسيح المخلّص.. يخالفه تبرّؤ هذه الدول من أن تكون دولا دينية، كما أنّ تبنّيها للمذهب البراغماتي يصادم دعوى" مستر سنبلستي".. وها هم رجال الدين في هذه البلاد ينعون على دولهم تنكّرها لمبادئ المسيح!!
стр. 217
- أشار الأب الكاثوليكي ريموند براون Raymond Brown في كتابه: " وفاة المسيّا =The death of Te Messiah ="ص ص ٥٠٧- ٥٠٨ إلى مجموعة اعتراضات تشكك في كون المسيح هو" ابن الإنسان":
* لم يسمّ أحد المسيح بهذا الاسم في الأناجيل.
* لم يفسّر المسيح عبارة: " ابن الإنسان".. قلت: لم ينسب المسيح نبوءة دانيال عن" ابن الإنسان" إلى نفسه.. رغم ادعاء الأناجيل أنّه كان يطلق على نفسه هذا الاسم!
* النصارى الأوائل لم يذكروا أنّ المسيح هو" ابن الانسان" في صلواتهم وعقائدهم.
* استهزئ بالمسيح وهو على الصليب بأنّه يدّعي أنه سيهدم الهيكل وأنه المسيح وأنه ابن الله.. ولم يستهزأ بادعائه أنّه" ابن الإنسان" الهادم للامبراطورية الرابعة!
المسيح نفسه قد ختم التراع، ورفع مبرر الاختلاف بقوله: " ليست مملكتي من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان حرّاسي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود.." (يوحنا ١٨: ٣٦) وليس بعد هذا البيان، للمراء مجال!
ذكر ريموند براون في كتابه السابق ص ٥١٣ أنّ بولتمان Bultmann وهاهن Hahn وتودت Todt وفولر) Fuller وهم من كبار النقاد) قد ذهبوا إلى أنّ المسيح قد تحدث عن" ابن الإنسان" على أنّه شخصية تظهر بعده لتدين الناس.
стр. 218
- التغنّي بانتشار النصرانية، ومحاولة إيهام القارئ أنّ النصرانية أسرع انتشارا من الإسلام، يؤكدان" بساطة" القس" بسيط".. وقد نقلنا في أوّل هذا الكتاب الشهادة، من غير المسلمين، لسرعة انتشار الإسلام التي لا نظير لها في عالمنا. ومن الذين أكّدوا هذا الأمر البابا يوحنا بولس الثاني المتوفى في بداية هذا القرن والذي سيلقي ربّا عادلا، في كتابه "=Crossing The Threshold of Hope =تخطّي عتبة الأمل" (وهو في الأصل لقاء صحفي مع البابا) ، في فصل" أقلية عند سنة ٢٠٠٠". إذ لم يملك هذا البابا" الذكي" أن ينكر ملاحظة الصحفي" المؤدب" من أنّ المسلمين، ولأوّل مرة في التاريخ، سيصبحون سنة ٢٠٠٠ م (اللقاء الصحفي كان قبلها بسنوات) أكثر من الكاثوليك، وإن كان قد عقّب على هذه الحقيقة بقوله أنّ العبرة ب" الكيف" لا ب" الكم" (ولا أدري عن أيّ" كيف" يتحدّث وهو نفسه الذي صرّح في نفس الكتاب في فصل" محمّد" أنّ: " تديّن المسلمين يثير الاحترام. إنّه من المستحيل ألّا تعجب بإخلاصهم للصلاة. إنّ صورة المؤمنين بالله، وهم لا يبالون بالزمان أو المكان، وهم يركعون ويستغرقون بأنفسهم في الصلاة، يبقى نموذجا للمبتهلين إلى الإله الحق، خاصة لهؤلاء النصارى الذين، وقد هجروا كاتدرائيتهم البديعة، يصلّون نادرا أو لا يصلّون البتة"The religiosity of =.
Muslims deserves respect.It is impossible not to admire
for example ,their fidelity to prayer.The image of،
believers in Allah who, without caring about time or
place, fall to their knees and immerse themselves in
prayer remains a model for all those who invoke the true
God, in particular for those Christians who, having
deserted their magnificent cathedrals, pray only a little
or not at all! =)
стр. 219
الأدلة على أنّ دولة" الملكوت الأخير" هي دولة الإسلام تؤكدها أيضا الكتب الدينية اليهودية القديمة التي لا تعترف بها الكنيسة اليوم، فقد جاء مثلا في كتاب ديني قديم اكتشف سنة ١٨٦١ م في مدينة ميلانو الإيطالية داخل مكتبة، =Ambrosian Library =وتعود المخطوطة إلى القرن السادس ميلادي وهي باللغة اللاتينية عن أصل عبري أو آرامي ويرجح أنه تابع" للأسينيين"، واسمه" عهد موسى =The Testament of Moses ="وترفض الكنيسة الاعتراف بقانونيته، أنّ موسى أعطى لتابعه يوشع بن نون" كتابا قبل موته ينبىء بما سيحدث لليهود في العصور اللاحقة". وجاء فيه الحديث عن" خراب أول لليهود نتيجة فساد على يد ملك من الشرق حيث يحرق معبدهم العظيم ويسبيهم لبلاده. ثم يعيدهم الله للأرض الموعودة على يد ملك يرأف بهم ويعاد بناء الهيكل ويمدهم الله بالبنين والنفير. لكنّ الإسرائيليين يعودون لمعصية الله فيبعث عليهم ملكا من المغرب فيخرب بيت المقدس خرابا ثانيا ويحرق جزء من الهيكل المقدس. وهذا الخراب الثاني أشدّ من الخراب الأول. ثم تمر بعض الأحداث، ثم يظهر النبي المنتظر ومملكته الإلهية بعد ٢٥٠ أسبوعا من وفاة موسى ﵇. "
يقول صاحب كتاب" محمد ﷺ في الترجوم والتلمود والتوراة.." ص ص ٣٢- ٣٧ إنّه بالرجوع إلى توراة اليهود، نفهم أنّ:
الخراب الأول الذي حدث على يد ملك من الشرق لن يعدو خراب المملكة الإسرائيلية الشمالية على يد الملك الآشوري شلمناسر (ملوك ثاني ١٧) أو خراب مملكة يهوذا لجنوبية على يد نبوخذ نصر البابلي (ملوك ثاني ٢١) كلا الملكين من الشرق (شرق فلسطين لكن المرجح جدا هو الملك البابلي لأنّ تلك الحادثة أعظم وأشهد وهي التي خرب فيها الهيكل كما ذكرت النبوءة
стр. 220
نصف قرن حاسم فيما يتعلق بالديانات (تأليف كيث و. ستامب) نحن نلقى الضوء على أهم تطورات الأديان الكبرى فى العالم سنة ١٩٣٤ م- ١٩٨٤ م
العدد عام ١٩٨٤ «٢» العدد عام ١٩٣٤ «١»
стр. 221
الخراب الثاني هو الذي حدث على يد قياصرة الروم سنة ٧٠ م طيطس وسنة ١٣٥ م القيصر هدريان وهما من ملوك الغرب كما ذكرت النبوءة.
حدد كتاب" عهد موسى"" الأسبوع" الذي يولد فيه النبي المنتظر، وهو بعد ٢٥٠ أسبوعا من وفاة موسى. والأسبوع في اصطلاح أهل الكتاب أنفسهم هو" ٧ سنين".
لا يعرف التاريخ الدقيق لموت موسى ﵇، لكنه، بعد حساب زمن موت رمسيس الثاني وزمن تيه بني إسرائيل، تكون وفاة موسى سنة ١١٨٣ ق م.
زمن ميلاد النبي المنتظر: ١١٨٣ ق م (أي سنة ١١٨٣ سلبا) ٢٥٠ أسبوع (١٧٥٠ سنة) - ١٧٥٠- ١١٨٣- ٥٦٧ (م) . وإذا أضفنا أسبوعا آخر (الأسبوع ٢٥١) ، ٧ سنوات، لنحصّل المدة التي يظهر خلالها النبيّ المنتظر، تكون النتيجة أنّ النبي المنتظر سيظهر بين سنة ٥٦٧ م وسنة ٥٦٧ ٧- ٥٧٤ م، وقد ولد محمد ﷺ سنة ٥٧٠ م!
أورد عبد الحق الإسلامي المغربي، وهو من أحبار اليهود الذين أسلموا، في كتابه" الحسام الممدود في الردّ على اليهود"- المؤلف عاش في القرن الثامن هجري- النص العبري لرؤيا دانيال فقال: " ورأيت عند سحائب السماء كإبن آدم طالع محمد هو، ووصل إلى الربّ الأزلي، وبين يديه تقرب". قال".. محمد هو ... "!!!
стр. 222
بشارة" شيلون"
لما حضر يعقوب ﵇ الموت، وصّى بنيه وباركهم، وتحدّث عن كلّ ولد، وقال عن بنيه جميعا في شخص يهوذا: " لا يزول صولجان الملك من يهوذا ولا مشترع من صلبه حق يأتي شيلوه فتطيعه الشعوب" (سفر التكوين ٤٩: ١٠) .
النص الماسوري:
النص السامري:
الترجمة اليونانية:
стр. 223
الترجمة السريانية الشرقية:
حيّرت هذه البشارة اللاهوتيين النصارى واليهود على السواء، حتى جاء في كتاب" قاموس الكتاب المقدس"- الذي أعده" نخبة من الأساتذة واللاهوتيين" والصادر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، ط ٢، بيروت ١٩٧١ م، ص ٥٣٦: " وقد حار العلماء في تفسير شيلون (ويكتبونه أيضا" شيلوه") ، وفهم المقصود منها".. وهو ما وقع فيه أيضا الدكتور ج. هـ. هرتز Hertz.H.J.Dr زعيم الربيّين اليهود، فقد كتب في الصفحة ٤٠٧ من تعليقه على التوراة أنّ تفسير هذه النبوءة، وخاصة المقطع العبري" عد كي يبو شيلوه" من الصعب فكّ معناه! ..
أما معجم الكتاب المقدس Dictionary ==Zondervan s Compact Bible ص ٥٤٧ فقد قال في التعليق على هذه الكلمة: " ... كلمة غامضة المعنى يعتبرها كثير من اليهود والمسيحيين إشارة إلى المسيّا"!!!؟
الحبر المهتدي عبد السلام- أسلم في عهد السلطان بايزيد الثاني- كانت ترجمته للنص هكذا: " لا يزول الحاكم من يهوذا ولا راسم من بين رجليه، حتى يجيء الذي له، وإليه تجتمع الشعوب. "
стр. 224
وقد قال في كتابه" الرسالة الهادية": " وفي هذه الآية دلالة على أن يجيء سيدنا محمد ﷺ بعد تمام حكم موسى وعيسى، لأنّ المراد من" الحاكم" هو موسى، لأنه بعد يعقوب ما جاء صاحب شريعة إلى زمان موسى إلا موسى، والمراد ب" الراسم" هو عيسى لأنه بعد موسى إلى زمان عيسى ما جاء صاحب شريعة إلا محمد، فعلم أنّ المراد من قول يعقوب في آخر الأيام، هو نبينا محمد ﵇ لأنه في آخر الزمان بعد مضي حكم" الحاكم" و" الراسم" ما جاء إلا سيدنا محمد ﷺ .
ويدل عليه أيضا قوله" حتى يجيء الذي له" أي" الذي له الحكم" بدلالة مساق الآية وسياقها، وأما قوله" وإليه تجتمع الشعوب" فهي علامة صريحة ودلالة واضحة على أنّ المراد منها هو سيدنا محمد ﷺ لأنه ما اجتمعت الشعوب إلا إليه وإنما لم يذكر" الزبور" لأنه لا أحكام فيه وداود النبي تابع لموسى والمراد من يعقوب هو صاحب" الأحكام".
وقد سار بهذا الاتجاه في فهم النص أيضا البحاثة محمد رضا أحد علماء اليهود الإيرانيين الذي أسلم سنة ١٢٣٧ هـ في كتابه الذي يحمل اسم" منقول الرضائي" وقد كتبه بالعبرية ثم ترجمه إلى الفارسية علي بن حسين الحسيني الطهراني وسماه" إقامة الشهود في ردّ اليهود" وقد طبعت الترجمة طبعة حجرية والنص موضع البحث في الصفحة ١٣٢ منها-، والعلامة رحمة الله الكيرانوي.. وكذلك البحاثة محمد صادق فخر الإسلام أحد علماء النصارى الإيرانيين الذي أسلم في بداية القرن ١٤ هجري في كتابه" أنيس الأعلام في نصرة الإسلام" بالفارسية ج ٥: ٧٣- ٧٦ طبع سنة ١٣٥٤ هجرية شمسية.
стр. 225
وأشار القسيس المهتدي عبد الأحد داود إلى أنّ الكلمة العبرية" شيلوه" (شيلون) لم تتكرّر في العهد القديم. وأثار ثلاثة احتمالات للحروف الأربعة التي تتألف منها كلمة شيلوه" ش. ي. ل. هـ":
الاحتمال الأول: هو الاحتمال الذي تبناه مترجمو ال" بشيطتا" وهو ان الكلمة أصلها" شلو" وتعني" الذي تخصه"" الذي تعود له"، وحسب ذلك فإن معنى النبوءة سيظهر ببساطة ووضوح على النحو التالي: " أنّ الطابع الملكي المتنبيء لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصه هذا الطابع، ويكون له خضوع الشعوب"
الاحتمال الثاني: وهو ان تقرأ" شلواه" التي تعني المسالم، الهادئ، الوديع، الموثوق. مشتقة من الفعل" شله".
الاحتمال الثالث: وهو أن يكون أحد الناسخين عن طريق السهو او الخطأ بانزلاق القلم قد فصل الجانب الايسر من الحرف الاخير" حاء" فتحول إلى الحرف" هاء" لان الحرفين متشابهان جدا مع فرق ضعيف في الجانب الايسر.
واذا ما نقل خطأ كهذا إلى المخطوط العبري، سواء عمدا او سهوا- فالكلمة عندئذ تكون مشتقة من" شلح" بمعنى" أرسل" ويكون اسم المفعول" شلوح" وتعني" المرسل، الرسول".
وبيّن بعد ذلك المصداق الواقعي لهذه النبوءة، بقوله: " وبالطبع لا جدال في أنّ كلا من اليهود والنصارى يؤمنون بأن هذه البركة احدى أبرز التنبوءات المسيحانية".
ويمكن طرح الحجة التالية لتأييد ان هذه النبوءة القديمة جدا قد تحققت حرفيا
стр. 226
وعمليا في" محمد ﷺ فالتعابير المجازية مثل" الصولجان" و" المشرع" هناك إجماع بين المعلقين أو الشراح أن ذلك معناه السلطة الملكية والنبوة على التوالي.
تطبيق الاحتمال الأول: ولنحاول اتباع الاحتمال الاول ل" شيلوه" كما جاء في ترجمة" البشيطتا" وهو: " الشخص الذي تخصه". وهذا يعني عمليا" صاحب الصولجان والشريعة" او الذي يمتلك السلطة وحق التشريع وتخضع له الشعوب.
إذن من يكون هذا الامير القوي والمشرع العظيم
بالتأكيد ليس موسى، لانه كان اول منظّم لاسباط إسرائيل الاثني عشر، ولم يظهر قبله أي نبي أو ملك في سبط يهوذا؟
وحتما، ليس داود لأنه كان أول ملك نبي ينحدر من نسل يهوذا. ومن الواضح أنه ليس عيسى المسيح، لانه هو نفسه رفض الفكرة القائلة ان المسيح الذي كانت تنتظره اسرائيل كان احد ابناء داود: إنجيل متى ٢٢: ٤٤- ٤٥، وإنجيل مرقس ١٢: ٣٥- ٣٧، وإنجيل لوقا ٢٠: ٤١- ٤٤. ولم يترك قانونا مكتوبا، كذلك فإن عيسى لم ينقض شريعة موسى بل أعلن بوضوح انه قدم لتحقيقها. كما أنه لم يكن آخر الانبياء، لأن بولس يتحدث بعده عن أنبياء عديدين في الكنيسة.
أما محمد ﷺ فقد جاء بالقوة العسكرية، وحل القرآن محل الصولجان اليهودي القديم البالي والشريعة القديمة غير العملية، التي تقوم على الرهبنة الفاسدة. ونادى" محمد" بأنقى الاديان وهو توحيد الإله الحق، ووضع أفضل القواعد العملية والضوابط الأخلاقية والسلوكية للبشر.
تطبيق الاحتمال الثاني: والاحتمال الثاني: للكلمة أي أنها كانت" شلواه" أي" الهادئ المسالم، الأمين الوديع" فهو ذو أهمية مساوية لصالح محمد صلى الله عليه
стр. 227
وسلم.
ومن الحقائق المعروفة جيدا في تاريخ نبي بلاد العرب أنه قبل دعوته إلى الرسالة كان كثير الهدوء والمسالمة ومحلا للثقة. وكان أهل مكة يسمونه" محمد الأمين" وعند ما خلع عليه أهل مكة لقب الأمين هذا، لم تكن لديهم أدنى فكرة عن" شلواه".
اما بالنسبة للاحتمال الثالث أي أن تكون محرفة عن" شلوح" أي" الرسول أو المبعوث" وفي هذه الحالة فإنه يتطابق حتما مع اللقب العربي للنبي، والذي يتكرر كثيرا في القرآن وهو" الرسول" و" شلوح الوهيم" بالعبرية هي بالضبط" رسول الله" وهذه العبارة ترتل خمس مرات كل يوم عند ما يؤذن المؤذنون للصلاة فوق جميع المآذن في العالم.
والآن فمهما كانت وجهة النظر التي نحاول أن ندرس ونمحص فيها نبوءة يعقوب هذه، فإنا مضطرون بحكم تحققها في محمد ﷺ أن نسلم بأن اليهود ينتظرون عبثا مجيء" شيلوه" آخر، وأن النصارى مصرون على خطئهم في الاعتقاد ان عيسى كان هو المقصود ب" شيلوه".
ويحدثنا الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه الفذ" الفصل في الملل والأهواء والنحل" أنه كان لليهود في الأندلس رئيس عليهم من نسل داود ﵇، وأنه لما قال ابن حزم لرأس الجالوت (رأس الجالوت: منصب يتعهد من تولاه بتنظيم شؤون اليهود) : إنّ الملك قد زال من اليهود، وبما أنه قد زال فإنّ النبي المنتظر قد جاء- لأنّ يعقوب ﵇ تنبّأ عن مجيء" شيلون" إذ زال الملك من اليهود- قال رأس الجالوت: إنّ الملك إلى الآن لم يزل:
стр. 228
قال ابن حزم في قول يعقوب ﵇ ليهوذا ابنه: " لا ينقطع من يهوذا المخصرة، ولا من نسله قائد، حتى يأتي المبعوث الذي هو رجاء الأمم" (سفر التكوين ٤٩: ١٠) : " وقد قرّرت على هذا الفصل أعلمهم وأجدلهم وهو شموئيل بن يوسف اللاوي، الكاتب المعروف بابن النغرالي في سنة أربع وأربعمائة (ابن حزم توفي عام ٤٥٦ هـ) . فقال لي: لم تزل رؤوس الجالوت ينتسلون من ولد داود وهم من بني يهوذا. وهي قيادة وملك ورياسة. فقلت: هذا خطأ، لأنّ رأس الجالوت لا ينفذ أمره على أحد من اليهود ولا من غيرهم"..
زعم القس عبد المسيح بسيط أبو الخير في كتابه: " هل تنبّأ الكتاب المقدس عن نبي آخر يأتي بعد المسيح؟ " ص ٢٩- ٤٤ أن الأمر كان شديد الوضوح بالنسبة لليهود ولنصارى، من أنّ هذه البشارة هي خاصة بالمسيح المنتظر. وأنّ موضوع البشارة" شيلوه" هو عند النصارى منذ القديم، " يسوع". وأنّه قد ظهر على الأرض مع زوال ملك اليهود سنة ٦ م- ٧ م!
ونقول:
ما نقلناه في بداية الحديث عن هذه البشارة يكذّب زعم القس" البسيط" أنّ اليهود كانوا على بيّنة لا يشوبها شك منها.
هذه النبوءة لا يمكن أن تتعلق بعيسى ﵇، ويكفي أن نذكر، كما نقل ذلك البحّاثة فديارتي في كتابه" محمد في الأسفار المقدسة العالمية =Muhammad in World Scriptures =هامش ص ١٦١، أنّ المؤرخين النصارى الأوائل ما زعموا انطباق هذه النبوءة على عيسى ﵇.. وإنما ظهر هذا الزعم بين النصارى منذ سنة ١٥٣٨.. وقد دخل بعد ذلك في الكتاب المقدس
стр. 229
الألماني =Sebastian Munsters German Bible =الذي رفضه جلّ النقاد النصارى ومنهم أسقف وستمنستر!!!؟
فالنبوءة عند النصارى تتلوّن" بتلوّن" الأمزجة، وتتغيّر بتغيّر الأزمنة، وتتبدلّ بتبدّل الأقنعة!!
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لاقيت معدّيا فعدناني
من المعلوم أنّ عيسى ما كانت له سلطة دنيوية في زمانه، فهو أبعد الأنبياء عن هذه النبوءة الشيلونية.
إنّ الأناجيل التي كرّرت في أكثر من مرّة، ودون داع، أنّ عيسى هو موعود التوراة، ما أشارت إلى كون" يسوع" هو" شيلون".. فكيف يدرك الأحفاد المتأخرون ما لم يدركه الأصحاب الذين وصلوا مباشرة بالروح القدس، والذين نقلوا بأمانة (!!!) أخبار يسوع الكنيسة!!
هل غفل الروح القدس عن إعلام النصارى وعلى رأسهم البابا المعصوم بالحقيقة المخفية لهذه البشارة الخلاصية في القرون الميلادية الأولى؟!!
من الكذب الصريح، الزعم أنّ اليهود قد فقدوا سلطانهم الأرضي (السياسي) في التاريخ الذي ادّعاه القس البسيط.. لأنّ الرومان هم الذي كانوا يحكمون القدس في ذاك الزمان وإن منحوا اليهود بعض السلطات التي لا تخرجهم عن كونهم تابعين للرومان، وكذاك كان حالهم بين المسلمين.
ظاهر أنّ هذا" الشيلوه" سيكون صاحب سلطان مادي وصولجان أرضي مخضع لشعوب الأرض، وهو ما فهمه أيضا فريق من اليهود (وقد أفرط القس" البسيط" في الاستسهاد بتفسيراتهم!!؟) .. فقد جاء مثلا في ترجوم ":Yerushalymi لن
стр. 230
يتوقف الملوك من بيت يهوذا ... حتى مجئ الملك المسيّا ... الذي ستخضع له كل سيادات الأرض". وهو ما لم ينله يسوع المسيح الكنسي صاحب الملكوت السماوي!
стр. 231
" الحجر الذي رفضه البنّاؤون"
تحدّث عيسى ﵇ عن انتقال" ملكوت الله" من بني إسرائيل إلى غيرهم من خلال ما جاء في سفر التكوين ٢١: ١٣- ١٨، فقال واصفا هذا" الغير" بما جاء في سفر التكوين بأنه" الحجر الذي رفضه البنّاؤون".. قال في إنجيل متّى ٢١: ٣٣- ٤٦:
" اسمعوا مثلا آخر: غرس إنسان ربّ بيت كرما، وأقام حوله سياجا، وحفر فيه معصرة، وبنى فيه برج حراسة. ثمّ سلّم الكرم إلى مزارعين وسافر.
ولمّا حان أوان القطاف، أرسل عبيده إلى المزارعين ليتسلم ثمر الكرم.
فقبض المزارعون على العبيد، فضربوا أحدهم، وقتلوا غيره، ورجموا الآخر بالحجارة.
ثمّ أرسل ربّ البيت ثانية عبيدا آخرين أكثر عددا من الأوّلين. ففعل المزارعون بهؤلاء ما فعلوه بأولئك.
وأخيرا أرسل إليهم ابنه، قائلا: سيهابون ابني!
فما إن رأى المزارعون الابن حتّى قال بعضهم لبعض:
هذا هو الوريث! تعالوا نقتله فنستولي على ميراثه.
ثمّ قبضوا عليه، وطرحوه خارج الكرم، وقتلوه!
فعندما يعود ربّ الكرم، ماذا يفعل بأولئك المزارعين؟ "
أجابوه: «أولئك الأشرار، يهلكهم شرّ هلاك. ثمّ يسلم الكرم إلى مزارعين آخرين يؤدّون له الثمر في أوانه. "
стр. 232
فقال لهم يسوع: «ألم تقرأوا في الكتاب: الحجر الذي رفضه البناة، هو نفسه صار حجر الزاوية الأساسي. من الربّ كان هذا، وهو عجيب في أنظارنا
لذلك أقول لكم: إنّ ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره.
فأيّ من يقع على هذا الحجر يتكسّر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا! "
ولمّا سمع رؤساء الكهنة والفريسيّون المثلين اللّذين ضربهما يسوع، أدركوا أنّه كان يعنيهم هم.
" ومع أنّهم كانوا يسعون إلى القبض عليه، فقد كانوا خائفين من الجموع لأنّهم كانوا يعتبرونه نبيّا".
وقد ورد ذكر هذا" الحجر المرفوض" أيضا في:
مزمور ١١٨: ٢١- ٢٢: " أشكرك لأنّك استجبت لي وصرت لي مخلصا. الحجر الذي رفضه البنّاؤون قد صار رأس الزاوية. "
إشعياء ٨: ١٤: " فيكون لكم مقدسا. أمّا لبيتي إسرائيل، فيكون حجر صدمة وصخرة عثرة، وفخّا وشركا لساكني أورشليم. "
يزعم النصارى أنّ" الحجر الذي رفضه البنّاؤون" هو" يسوع الناصري"، لكنّهم يتخبّطون للوصول إلى مرادهم من خلال هذا المثل، إذ يفسّرونه على غير ما تقتضيه قواعد فهم النصوص، نازعين منه غاية معناه وهو البشارة بمحمد ﷺ وأمته من ورائه.
стр. 233
إنّ رموز هذا المثل ناطقة بحقيقة المعنى الصادق ولكنّ من استوطن قلبه التعصّب للمواريث النصرانية يتأبّى على الفهم السليم ويستعصي على إسلام روحه للدليل.
إنّ الرموز واضحة ناطقة بالحقيقة:
ربّ البيت: ربّ الأرض والسماء.
غرس الكرم: توضيح العقائد وإنزال الشرائع.
الكرّامون: بنو إسرائيل.
الثمر: العمل الصالح النابع من الاعتقاد السليم.
السياج والمعصرة والبرج: الأوامر والنواهي ورعاية الله لهذا الشعب.
العبيد: أنبياء بني إسرائيل ﵈.
سافر: تركهم فترة ليرى مدى تمسّكهم بعقيدة التوحيد والتزامهم بشريعة الله.
يأخذ أثماره: طالبهم بالالتزام.
جلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بها: أي فعلوا ذلك بالأنبياء.
عبيدا آخرين: أنبياء آخرين فعلوا بهم ما فعلوه بالأنبياء السابقين.
أرسل ابنه: كلمة" الابن" مدسوسة، والدليل ورود نفس المثل في إنجيل برنابا الفصل ٤٦ ص ٧٢ ترجمة الدكتور خليل سعاده، دون ذكر كلمة" الابن".
ومن الواضح أنّ المقصود بهذه الكلمة" عيسى بن مريم" ﵉، ولن نناقش هنا كيف أدخلت كلمة" الابن" في الأناجيل. والحمد الله على أنّ محرّف أقوال المسيح
стр. 234
لم يفرط في تغيير الصورة الأصلية لهذا المثل، فلم يفسد معناه، وبقيت البشارة فيه واضحة صريحة.
كرّامون آخرون: أمّة أخرى غير أمّة بني إسرائيل.
يعطونه الأثمار: يلتزمون بعقيدة التوحيد والشريعة الإلهية، ويحملون هذه الدعوة إلى جميع الناس.
الحجر المرفوض: رجل من نسل إسماعيل الذي لم يخرج من عقبه نبي (وقد خرج من نسل أخيه إسحاق عدد كبير جدا من الأنبياء والرسل) ، وقد جاءت البشارة لإسماعيل بالمباركة في نسله في سفر التكوين ١٧: ٢٠، ومعلوم أنّ هذه المباركة لا تكون بنسل (أمم) كافر وإنما بنسل ملتزم بدعوة الله سبحانه، ومما لا بدّ منه في هذه الصورة هو خروج نبي يهدي قومه- من نسل إسماعيل- إلى دين الله الحق: دين التوحيد، ملّة إبراهيم الخليل ﵇.
حجر الزاوية الأساسي: أهم لبنات البناء: أعظم الأنبياء.
ملكوت الله: الملك الأرضي الذي يحكم بما أنزل الله من شرع.
هو عجيب في أنظارنا: أهل الملكوت ما كانوا يتصوّرون انتقال الملكوت منهم إلى غيرهم.
الأصل اليوناني لكلمة" عجيب" هو" ثوماستوا =Thaumastoa ="ومن معاني هذه الكلمة كما هو في معجم ":Lexicon ==The KJV New Testament Greek: مستحق الحمد"!!
من يقع على هذا الحجر يتكسّر: يحاول أعداء النبي الموعود اغتياله لكنهم يفشلون، وتتهشّم محاولاتهم على صخرة عصمة الله لدمه.
стр. 235
من يقع عليه الحجر يسحقه سحقا: إذا توجّه هذا النبي وأتباعه لغزو قوم، هزموهم وحطّموا دولتهم وسحقوا إفكهم.
هذه الرموز ناطقة بالحقيقة، مصرّحة بصورة ليس فيها التباس أنّ هذا المثل هو بشارة بمحمد ﷺ وبأمّته، وما هو بحديث من عيسى ﵇ عن نفسه.
أمّا أنّ هذا المثل ما هو إلا بشارة بمحمد ﷺ فإنّ شخوصه وأحداثه، تفاصيلها وتسلسلها، يكشفان أنّ الحديث هو عن خاتم النبيّين وأمّته، مما يجعل كلّ زعم مخالف لذلك مجرّد لغو وافتراء على هذا المثل الإنجيلي.
الشرح الواقعي لمثل" المزارعين القتلة":
أرسل الله سبحانه (ربّ البيت) إلى بني إسرائيل (المزارعين) أنبياءه (عبيده) بالشرائع والعقائد وطالبهم بالالتزام بها (لأخذ أثماره) ، لكنّ بني إسرائيل (المزارعون..
القتلة) قبضوا على هؤلاء الأنبياء (العبيد) فضربوا البعض وقتلوا البعض ورجموا البعض الآخر بالحجارة. ثم أرسل الله سبحانه (ربّ البيت) أنبياء آخرين (عبيدا آخرين) إلى بني إسرائيل (المزارعين) ففعل بهم بنو إسرائيل ما فعلوا بالسابقين. وأخيرا أرسل الله نبيّه الحبيب عيسى (إبنه!) وأيّده بالمعجزات الباهرة التي تؤكد صلته بالله سبحانه مما من شأنه أن يكبح جماح الترعة الدموية عند بني إسرائيل (قائلا: سيهابون إبني) لكنّ بني إسرائيل لم يترددوا في استئناف إشباع نهمتهم المرضية لسفك دماء الأنبياء قائلين لبعضهم: هذا هو المسيح، وقد ظنوا بعد تحريفهم لصفات هذا المسيح أنه سيكون صاحب سلطة دنيوية تخضع له بسببها الشعوب (هذا هو الوريث) تآمروا فيما بينهم لقتله (تتناقض الأناجيل في هذه النقطة، ففي إنجيل متّى ٢١: ٣٩ وإنجيل لوقا ٢٠: ١٥ جاء أنّ المزارعين قد أخذوا الإبن خارج" الكرم" ثم قتلوه، في حين
стр. 236
جاء في إنجيل مرقس ١٢: ٨ أنّ المزارعين قد قتلوا الابن ثمّ أخذوه خارج" الكرم" ...
) وظنوا أنهم قتلوه.
يزعم المثل قتل" الابن".. وهذا تحريف للصورة الأصلية لهذا المثل. وقد جاء ذكر هذا المثل في إنجيل توما والذي هو أقدم تأليفا من جميع هذه الأناجيل الأربعة بصورة غير مطابقة لما جاء في إنجيل متّى، وهذا ما يرفع عصمة النقل الحرفي عن إنجيل متّى لهذا المثل-
بعد ذلك منح الله السلطة الدينية والدنيوية (دولة تحكم بشرع الله) (ملكوت الله) لنبي يبعث من نسل إسماعيل (الحجر الذي رفضه البنّاؤون) لينشر الحق في الأرض ومن بعده تتولّى أمته تنفيذ هذه المهمة وآداء الرسالة (شعب يؤدي ثمره) ومن يحاول أن يغتال نبي الإسلام يفشل في ذلك (من يقع على هذا الحجر يتكسّر) ومعلوم من دراسة سيرة الحبيب ﷺ أنّه قد تعرض لمحاولات اغتيال كثيرة، وجاءته من الله طمأنة له أنّ أحدا لا يستطيع قتله في قوله سبحانه" والله يعصمك من النّاس" (سورة المائدة ٦٧) - وقد أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت" والله يعصمك من الناس" فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. قال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه- وإذا أراد هذا النبي الكريم، وأمّته من بعده ما استقامت على قرآنه وسنّته، سحق طائفة من أهل الباطل فهم قادرون على ذلك، بإذن الله (ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا) .
وللأمانة نقول أنّ العدد ٤٤ من الفصل ٢١ من إنجيل متّى مضاف مزيّد في النص النصّ، لا أصل له في أقدم المخطوطات، ومنها it ٣٣ D: ولذلك حذف من أهم
стр. 237
التراجم الحديثة للكتاب المقدّس كترجمة" ندوة عيسى"" المسماة" ترجمة النقاد =Scholars Version =و" الترجمة القياسية المراجعة.Standard Version ==The Revised "وجاء في هامش ترجمة" الكتاب المقدس الأمريكي الجديد ": =The New American Bible =جلّ الشواهد النصيّة أسقطت هذا النص، وهو ربما إضافة مبكّرة في إنجيل متّى من إنجيل لوقا ٢٠: ١٨.."..
وعلى كلّ حال فهذا العدد" فأيّ من يقع على هذا الحجر يتكسّر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا" موجود في إنجيل لوقا ٢٠: ١٨ في نفس المثل" مثل المزارعين القتلة": " من يقع على هذا الحجر يتكسّر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا". فلا إشكال في الاستشهاد به لتفسير هذه النبوءة..
لكن، يزعم النصارى أنّ هذا المثل يشير في خاتمته إلى عيسى ﵇ أو يسوع على حد تعبيرهم الباطل تاريخيا- إذ أنّ عيسى هو حجر الزاوية، الذي رفضه البنّاؤون، من يقع عليه يتكسّر، ومن يقع هو عليه يسحقه، سحقا معنويا بخسارة أرباحه الدنيوية وتجارته الدينية.
هذا الزعم الكنسي باطل، مخالف لمعنى المثل، ونحن نرفضه لأسباب عدّة منها:
خاطب عيسى بني إسرائيل قائلا لهم: " إنّ ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره".. ومعلوم أنّ عيسى إسرائيلي (من بني إسرائيل: متّى ١٥: ٢٤، يوحنا ٤: ٩، متّى ١٠: ٥- ٧، متّى ١٥:
٢٦) وخطابه لقومه (بني إسرائيل) يعني صراحة أنّ من سيسلّمون" ملكوت الله" هم أمّة أخرى غير بني إسرائيل، وبالتالي يخرج هذا المثل في خاتمته عن أن يكون بشارة بعيسى ﵇ لأن عيسى ليس" من غير بني إسرائيل"، أي أنه ليس من الأمة الموعودة باستلام الملكوت.
стр. 238
- جليّ أنّ" الابن" الذي هو عيسى قد جاء قبل الشعب الأخير الذي" يعمل أثماره"، ومعلوم أنّ الشعب الأول الذي منه" الابن" هو" بني إسرائيل". فالبشارة إذن بأمة أخرى غير بني إسرائيل وبنبي آخر يظهر بعد محاولة قتل" الابن".
يقول داود ﵇ في المزمور ١١٨: ٢٢- ٢٣: " الحجر الذي رفضه البنّاؤون قد صار رأس الزاوية. من لدى الربّ كان هذا وهو مدهش في أعيننا". فلو كان" الحجر" رأس الزاوية" هو عيسى لما كان هذا الأمر مثيرا للدهشة المذكورة في المزمور إذ أن بني إسرائيل قوم بعثت إليهم أعداد كثيرة من الأنبياء، وإنما الدهشة تكون من نبي آخر الزمان الذي تقفل بعده النبوّات، ويكون من النسل" المنسيّ": من نسل إسماعيل!
" من يقع على هذا الحجر يتكسّر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا! ". وقوع الحجر كما هو ظاهر من التراجم الانجليزية للكتاب المقدس خاصة، يعني إعلان الحرب أو الصراع وما يترتب على ذلك من هزيمة وانكسار.. انظر مثلا: سفر القضاة ١٥: ١٢، سفر التكوين ٤٣: ١٨، سفر الخروج ٥: ٣..
لا تصحّ نسبة هذا الأمر إلى عيسى الذي كاد اليهود والرومان أن يقتلوه (وهو قد قتل عند النصارى الذين ألهوه!!؟) لولا معجزة إلهية انتشلته من بين أيديهم.
وعيسى أيضا هو الذي قال في إنجيل يوحنا ١٢: ٤٧: " وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلّص العالم".. أما نبي الإسلام فقد حطّم صلوات الله عليه وسلّم وأمّته من بعده الامبراطورية الفارسية العريقة وحجّموا الامبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. لقد كان مدّ الإسلام عاتيا انهدّت أمامه القلاع وتهاوت الجبال الرواسي مع أوّل قعقعاته.
стр. 239
إنّ النصارى يعتقدون أنّ اليهود قد وقعوا على عيسى فحطّموه (قتلوه) ، فكيف ينسبون هذه البشارة إلى كونها حديثا عن انتصار المسيح على أعدائه.
وأخيرا تأمل هذا الحديث النبوي الشريف من لسان الصادق المصدوق ﷺ : " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة، فيتم بنيانك، فقال محمد ﷺ : " فكنت أنا اللبنة" (أخرجه البخاري ومسلم) .
أظنّ أننا قد وصلنا الآن إلى خاتمة الشبهات الكليّة (لا التفصيلية المتعلقة بكلّ بشارة على حده وهو ما سنعرض له في ما سيأتي إن شاء الله!) وأخرسنا بحمد الله وساوس النصارى وشبهاتهم حول حقيقة البشارة بنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه في ما يسمّى" الكتاب المقدس" وأصبح الأمر واضحا لكلّ ذي عينين.. وما للمحادين للنور إلا الكيد والمكر وإثارة غبار الشبهات وإذكاء نار الشهوات.
ما عندهم عند التناظر حجّة ... أنّى بها لمقلّد حيران
لا يفزعون إلى الدليل وإنما ... في العجز مفزعهم إلى" الشيطان"!
стр. 240
بشارات من" الكتاب المقدس"
ابن وجه قول الحقّ في صدر سامع ... ودعه، فنور الحقّ يسري ويشرق
стр. 241
نعرض بين يديك باقة منتقاة ونخبة مجتباة من بشارات الأنبياء الأوائل ﵈، ببعثة سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، علما أنّنا لم نستوعب كلّ البشارات لكي لا نثقل على القارئ:
стр. 242
" أحمد" جاء في سفر حجّي ٢: ٧: " ويأتي مشتهى كلّ الأمم".
بعد قرنين من الزمان، وبعد أن سقطت مملكة إسرائيل الوثنية الجاحدة، وبعد أن تمّ نفي جميع الأهالي من القبائل العشرة إلى بلاد الآشوريين وقام الكلدانيون بتدمير القدس وتدمير هيكل سليمان تدميرا كاملا، ونجاة البقية المتبقية من أبناء يهوذا وبنيامين من الذبح فقد نقلوا إلى بلاد بابل، وبعد مدة سبعين سنّة من النفي، سمح لليهود بالعودة إلى بلادهم، مع منحهم الصلاحية الكاملة لإعادة بناء مدينتهم المحطمة وهيكلهم. وعند ما وضعت الأساسات لبناء بيت الربّ الجديد، قامت صيحات من الصخب والفرح والتهليل بين المجتمعين من اليهود، بينما قام الكبار من الشيوخ والنساء الذين شاهدوا من قبل هيكل سليمان الراسخ، بالعويل والبكاء المرير، وخلال تلك الفرصة النادرة أرسل الله خادمه النبي" حجّي" ليسرّي عن هؤلاء المحزونين ومعه هذه الرسالة الهامة:
" ولسوف أزلزل كلّ الأمم، وسوف يأتي" حمدا" لكل الأمم، وسوف أملأ هذا البيت بالمجد، كذلك قال ربّ الجنود، ولي الفضة، ولي الذهب، هكذا يقول ربّ الجنود، وإنّ مجد ذلك البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، هكذا يقول ربّ الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام، هكذا يقول ربّ الجنود".
قبل أن نمضي في تفسير هذه النبوءة، لا بدّ أن نشير إلى اختلاف تراجم الكتاب المقدس في عبارة" ويأتي مشتهى كلّ الأمم" فقد جاء هذا المقطع على هذه الصيغة في تراجم كثيرة:
стр. 243
" الترجمة العالمية الحديثة"
:The New International Version
= and the desired of all nations will come=
والترجمة التقليدية" ترجمة الملك جيمس =and the desire of all nations =:The King James Version =وهو أيضا ما جاء في ترجمة" داربي
The Darby Translation
= And the desire of all te nation shall come=
وترجمة" يونغ":
:Youngs Translation
the desire of all the nations and they have come
لكنّ تراجم انجليزية أخرى ك" الترجمة القياسية والمراجعة، Revised standard version ==The "والترجمة الكاثوليكية" الكتاب المقدس الأمريكي الجديد، =The New American Bible ="تقول تقريبا نفس ما جاء في الترجمة العربية للكتاب المقدس" كتاب الحياة" سفر حجي ٢: ٧: " فتجلب نفائسها إلى نفس المكان".
كما ترى، اضطرب مترجمو الكتاب المقدس إلى الإنجليزية في ضبط هذه العبارة
стр. 244
في لغة القوم. ومما لا شكّ فيه أنّ هذا الاضطراب والعجز يعودان إلى إهمال هؤلاء الباحثين ضبط النصّ على وجهه السليم.. ولو أنهم عقلوا وتدبّروا لما ساحوا في بيداء هذه المعاني التي يخترعونها كلّما أرادوا إصلاح ترجماتهم المحرّفة.. زعموا إصلاحا وما بلغوه لأنهم لم يسلكوا طريقه!
والحق في هذه المسألة هو ما ذكره عبد الأحد داود في كتابه" محمد ﷺ في الكتاب المقدس" ص ص ٥١- ٥٤ (بتصرف) .. إذ يقول مؤكدا أنّ ما جاء في سفر حجّي ما هو إلا نبوءة عن مقدم نبي الإسلام ﷺ " أحمد":
لنأخذ كلمة" حمدا" (وهي الأصل العبري لكلمة" مشتهى" الموجودة في النص الذي بين أيدينا) ، ولعلّي لست مخطئا، فإنها تقرأ باللغة العبرية الأصلية هكذا" في يافو حمداث كول هاجوييم" والتي تعني حرفيا: " وسوف يأتي حمدا لكل الأمم". والحرفان" ها" في اللغة العبرية يقابلهما في اللغة العربية" ال" للتعريف، أو" ل" عند ما تكون في حالة الجرّ، والكلمة مأخوذة من اللغة العبرية القديمة أو لعلها الآرامية وفي الأصل" حمد" بالحرف الساكن، ويلفظ بدون التسكين" حمد". وفي اللغة العبرية" حمد" تستعمل عادة لتعني" الأمنية الكبيرة" أو" المشتهى" أو" الشهية" أو" الشائق". وقد جاء في الوصية التاسعة من الوصايا العشر" لو تاهمود إيش رايخا" ومعناها" لا تشته زوجة جارك" وفي اللغة العبرية يأتي الفاعل" حميدا" من نفس الحرف الساكن" حمد" ومعناها" الحمد" وهكذا..
وهل هناك شيء أكثر من المدح أو حسن الأحدوثة يتوق إليه البشر ويشتهيه الإنسان أو يرغب فيه؟
وأيّا من المعنيين تختار، فإنّ الحقيقة الناصعة تبقى بأنّ كلمة" أحمد" هي الصيغة
стр. 245
العربية لكلمة" حمدا" وهذا التفسير هو تفسير قاطع لا مراء فيه ولا شكّ.
إنّ القرابة، والعلاقة والتشابه بين هذين التعبيرين" حمدا" و" أحمد" وكذلك التشابه في الأصل ل" ح م د" الذي اشتق الاسم منهما، لا يترك أدنى جزء من الشك بأنّ المفهوم من الجملة" وسوف يأتي حمدا لكلّ الأمم" إنما هو" أحمد" أي" محمد" ولا توجد أدنى صلة في أصل الألفاظ ولا في تعليلها بين كلمة" حمد" وبين الاسماء الأخرى مثل" يسوع" أو المسيح أو المخلّص، حتى ولا في أيّة ناحية من توافق الأصوات أو التشابه بينها.
أما فيما يتعلّق بكلمة" شالوم" فإنّ أي عالم في السامية يعرف تماما أنّ" شالوم" و" إسلام" هما كلمتان مشتقتان من أصل واحد، وتعنيان نفس المعنى، وهو السلام والإذعان والاستسلام.
إذا أخذنا هذه النبوءة بالصيغة التجريدية لكلمتي" حمدا" و" شالوم" على أنهما" الأمنية" و" السلام"، فحينئذ تصبح تلك النبوءة بلا معنى. "
قلت: ذكر جودفري هجيتر Godfrey Higgins في كتابه الهام في الآثار =Anacalypsis ==ص ٦٧٩ أنّ كلمة" حمد" هي بشارة صريحة باسم نبي الإسلام، ونقل عن باركهرست Parkhurst قوله: " مدّعي النبوّة" محمد" أخذ اسمه من هذه الكلمة". وهذا اعتراف صريح من رجل كافر بنبوّة محمد ﷺ بأنّ هذه الكلمة الواردة في سفر حجّي ما هي إلا اسم نبي الإسلام، ولا يلتفت قطعا إلى هذره في قوله إنّ نبي الإسلام قد" اقتبس" اسمه من هذه النبوءة! إذ لا حجّة له وإنما دفعه يقينه بحقيقة هذه البشارة إلى ردّها بهذا الاعتراض الأجوف، الذي ولد مخنوقا!!
стр. 246
يعترض النصارى على هذه النبوءة، بزعمهم أنها تشير إلى الهيكل الذي سيتمجّد عند ظهور المسيح الذي سيدخله. وهذا الاعتراض باطل لا يصح، وهش لا يثبت، لعدم وجود الإشارة إلى المسيح في هذا النص، في حين أنّه قد جاء ذكر اسم نبي الإسلام فيه تصريحا لا تلميحا، فزعم النصارى إسقاط لوهم سابق على نص حجّي النبي!
стр. 247
" محمّد" درج اليهود على الكتابة بالأرقام، خاصة عند ما يريدون" تشفير" الأمور المهمة والتي يخشى من الأعداء أن يعلموها أو يبدوها.. فكانوا يحوّلون الكلام إلى أرقام، وقد يقوم الكتّاب بعد ذلك بتحويل تلك الأرقام إلى كلام ثان يشترك مع الأوّل في مجموع محصّلة أرقام الحروف.. ويعرف حساب هذه الأعداد بحساب الجمّل.
وصل الاهتمام بهذا الحساب إلى النصارى أيضا.. من ذلك قول وليم أدي الأمريكي في تعليقه على سفر الرؤيا ٣: ٨: " ستمائة، وستة، وستون في الأصل اليوناني ثلاث أحرف معناها: ست مئة وستة وستون وليست هذه الأحرف كلّها تفيد معنى. بل كلّ منها يشير إلى عدد. فالحرف الأول من اليسار إلى اليمين يشير إلى ستمائة، والحرف الثاني إلى ستيين، والحرف الثالث إلى ستة. والثلاثة معا تشير إلى ٦٦٦. ولا يخفى أنّ الأرقام الهندية المستعملة اليوم في الحساب هي من القرن الرابع عشر، وكان القدماء يكتبون الأعداد بألفاظ. أو يعبرون عنها بالأحرف الهجائية. "
اعترف الكثير من الأحبار والربّانيين من الذين أسلموا بأنّ اسم نبي الإسلام" محمد" ﷺ قد ورد في التوراة بحساب الجمّل في عبارة" بماد ماد" وعبارة" لجوي جدول":
قال شموئيل بن يهوذا بن أيوب، المتوفّى عام ٥٧٠- وهو من اليهود العبرانيين الذين أسلموا- ما نصّه: " الإشارة إلى اسمه ﷺ في التوراة: قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبا إبراهيم ﵇: " وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك. قد باركت فيه. وأثمره. وأكثره جدا جدا" ذلك قوله: " وليشماعيل شمعتيخا هنى بيراختي أوثو وهفريتي أوثو وهربيتي بماد ماد" فهذه الكلمة" بماد ماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمّل وجدناه اثنين
стр. 248
وتسعين. وذلك عدد حروف" محمد" ﷺ ، فإنّه أيضا اثنان وتسعون. " (بذل المجهود في إفحام اليهود ص ٣٤- ٣٥) .
قال بنفس القول السابق الحبر المهتدي عبد السلام، الذي أسلم في زمن السلطان بايزيد خان، وصنّف رسالة صغيرة سمّاها بالرسالة الهادية. وأضاف عن يهود عصره: " واعترضوا على هذا الدليل بأنّ الباء في" بماد ماد" ليست من نفس الكلمة. بل هي أداة وحرف جيء به للصلة (حرف جرّ) ، فلو أخرج منه اسم محمد لاحتاج إلى باء ثانية ويقال" بماد ماد" قلنا: من المشهور عندهم: إذا اجتمع الباءان أحدهما أداة والآخر من نفس الكلمة تحذف الأداة وتبقى التي هي من نفس الكلمة.
وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة فلا حاجة إلى إيرادها. "
قال الإمام ابن القيم في كتابه: " جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام" ص ص ٨٩- ٩٠: " ورأيت في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن، قال الشارح: هذان الحرفان في موضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد ﷺ ، لأنّك إذا اعتبرت حروف اسم محمد وجدتها في الحرفين المذكورين لأنّ ميمي محمد وهي الحاء ودالة بإزاء بقية الحرفين وهي الباء، والألفان والدال الثانية. "
جاء في كتاب" ثورة الإسلام وبطل الأنبياء" لمحمد لطفي جمعة ص ٣١٩- ٣٢٠: " في ٢١ أغسطس سنة ١٩٣٣ م نشر العالم المحقق المرحوم أحمد زكي باشا المشهور بتدقيقه وسعة إطلاعه قبل وفاته بعام (٤ يوليو سنة ١٩٣٤ م) في جريدة البلاغ أنّه استطاع أن يصل إلى نسخة قديمة من التوراة ذكر فيها اسم محمد رسول الله، وروى أن شلبي السامري من طائفة" السمرة" (قلت: يقصد اليهود السامرين) عنده نسخة من التوراة منقولة عن أقدم نسخة من التوراة تحتفظ بها طائفة السامريين المتوطنة في مدينة نابلس، فاشتراها المرحوم نور الدين بك مصطفى، وأن زكي باشا ذهب إلى جبل جرزيم بنابلس في
стр. 249
سنة ١٩٢٢ واجتمع بشلبي سامري، وبكبير كهنة الطائفة اسحاق بن عمران، وهي التي أشار إليها أحمد باشا. وقد رآها شاهد عيان، ووصفها بأنّها مجلّد يحتوي ٦١٥ صفحة من قطع الورق الصغير، وأنّ الله أمر الناس بالعمل بها، ولم يبق من يعمل بها إلى اليوم سواهم وأنّهم وحدهم على الحق، أما غيرهم فعلى خلاف ذلك، وهم في نظرهم أجناس ومنبوذون. فالسامريون لا يتناولون منهم شيئا إلا الماء.
وفي الصفحة الأخيرة من هذا المجلد ما يأتي:
" كان النجاز من كتابت (قلت: هكذا وردت دون تاء مربوطة) هذه التوراة المقدّسة في نهار الأحد الموافق إلى أربعة خلت من شهر صفر الخير من شهور سنة ١٣٢٠ عربية الذي هو الشهر الثاني عندنا الموافق إلى خمسة عشر من الخماسين المفروض عددهم على بني إسرائيل. على يد عبده وابن عبده: اسحق ابن عمران بن سلامة بن غزال بن اسحق بن إبراهيم هكهن (كاهن) هلوى بشكم (قلت: نابلس التي هي شكيم) عفى الله عنه، وغفر له، ولمن علمه. آمين، وسلام الله على من هو سيد الأوّلين والآخرين (قلت:
يقصد موسى ﵇ . آمين آمين. "
وكلّ صفحات الكتاب مكتوبة بلغة عربية، وقد تخللتها كتابات باللغة السامرية.
ومن هذه العبارات جملة من الاصحاح السابع عشر، أي في الصفحة ال ٣٩ من الكتاب.
وقد كتب الكاهن السامري الأعظم بخطّ يده على هامشها عبارات رتّبها كما يأتي:
بماد ماد أي محمد أي جدا جدا لجوى جدول ٤٠٠ ٣ ٤ أي شعب عظيما
стр. 250
أي محمد
٩٢ ثم وضع في ذيلها الجملة الآتية:
" انظر يا زكي. كيف أنّ الله في كلمة من كلامه تعالى فيها أسرار مدموجة، وآيات عظيمة؟ حرره العبد الفقير اسحق الكاهن السامري".