← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بنفس الطريقة، لأن النص يقول: «فجاءنى وقال» ، وكذلك فان بعض روايات جابر فى شرح سورة النجم تقول، على لسان محمد ﵊ : «فنوديت فنظرت بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى فلم أر شيئا ثم نظرت الى السماء فاذا هو على العرش..» «١٥» *. ربما كان هذا هو تفسير محمد ﵊ الأصلى لهذه الروايات**، الا أنها لم تكن بأية حال التفسير النهائى، لأنه يتناقض مع ما ورد فى سورة الأنعام، الاية ١٠٣: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» ***، ومع ذلك، فان سورة النجم، بالرغم من أنها تحتمل هذا التفسير، الا أنه يمكن أيضا النظر اليها بطرق أخرى، فان التعبير «مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» لا تعنى رؤية الله بالطبع، ولكن يمكن فهمها على أنها تعنى أن ما راه محمد ﵊ كان علامة أو رمزا لمجد الله وجلاله. كما توحى الاية ١١ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» والتى

стр. 107

ربما أضيفت فيما بعد* «١٦» ، بتطور اخر فى هذه النظرية، بمعنى أنه بينما أدركت العينان العلامة أو الرمز، أدرك القلب الشىء المرموز. فاذا كان محمد ﵊ قد فسر الرؤية فى البداية على أنها رؤية الله مباشرة، فان هذا يتضمن أنه بالرغم من أن تفسيره لم يكن دقيقا تماما الا أنه لم يكن مخطئا فى الأساسيات**، وربما كان يحسن بنا أن نترجم الاية بحيث نقول: «لم يخطىء القلب فيما رأى الانسان» . وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفادى أن يكون المرئى هو جبريل***، وهو أمر مخالف للتاريخ، كما يمكننا أيضا أن نتفادى التناقض مع النظرة الاسلامية فى أن محمدا لم ير الله «١٧» . هذا التفسير المنهجى للرؤية ليس له أهمية كبيرة بالنسبة لحياة محمد ﵊ بقدر ما له أهمية فى تطوره الدينى. وسنتناول ذلك عند حديثنا عن «أنت رسول الله» . (يرى كارل ارنز Karl Ahrens «١٨» أن التعبير «رَسُولٍ كَرِيمٍ» (التكوير، ١٩) هو الذى ذكر من قبل باسم «الروح» . ويدلل

стр. 108

على ذلك بأنه لا ذكر لاسم جبريل فى السور المكية وانما ذكرت «الملائكة» بالجمع فقط مثل «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها» (القدر، ٤) ، وأيضا «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» «الشعراء، ١٩٣) ، وهذا الرأى يتوافق مع وجهة النظر التى ذكرتها هنا) . (ج) الاختلاء فى حراء، التحنث ليس هناك ما يدعو الى الشك فى أن محمدا ﷺ كان يذهب الى حراء، وهو تل على مسافة قريبة من مكة، سواء كان ذلك مع عائلته أو بدونها. وربما كان ذلك وسيلة للهروب من حرارة مكة فى موسم متعب لمن كانوا لا يستطيعون الذهاب الى الطائف*، وتبين التأثيرات اليهودى- مسيحية مثل الرهبان، أو بعض التجارب الشخصية، الحاجة والرغبة فى العزلة. المعنى الدقيق لكلمة التحنث، وكذلك اشتقاقها، غير مؤكد بالرغم من أنه من الواضح أنها تعنى نوعا من الرياضة التعبدية، وربما كان أفضل الاراء هو ما ذكره هـ. هيرشفيلد «١٩» H.Hirschfeld أنها مشتقة من الكلمة العبرية تحنوت أو تحنوث، والتى تعنى التعبد لله. ومع ذلك فربما تأثر المعنى بالأصل العربى، فان كلمة حنث (بكسر الحاء وسكون النون) تعنى الرجوع فى قسم أو عدم القدرة على الوفاء به، وذلك يعتبر بصفة عامة خطيئة. وبالتالى فان كلمة «تحنث» تعنى «فعل ما يخرج به من الخطيئة أو الجريمة» ، وهكذا قد يكون استخدام كلمة «تحنث» هنا دليلا على أن مادتها قديمة وأنها بهذا المعنى أصيلة «٢٠» .

стр. 109

ربما نستطيع أن نتصور هذا الملخص لما حدث قبل النداء الاول لمحمد ﵊ وما نزل فيه من الوحى. لا شك أن محمدا ﵊ كان مدركا منذ شبابه لبعض المشاكل الاجتماعية والدينية فى مكة. ولا شك أيضا أن وضعه كيتيم جعله أكثر ادراكا للانحرافات التى فى المجتمع. ومن الناحية الدينية، يمكننا أن نفترض أنه كان يدين بالتوحيد المبهم الذى كان عليه أغلب المتنورين من أهل مكة. ولكن لا بد أنه كان، بالاضافة الى ذلك، يتطلع الى نوع من الاصلاح فى مكة. وكان كل شىء حوله يوحى بأن هذا الاصلاح يجب أن يكون دينيا، وفى هذا الاطار الفكرى كان من الواضح أن يتعمد محمد ﵊ السعى الى الواحدة ليلجأ الى الأمور الالهية ويؤدى بعض العبادة، ربما طلبا للتكفير عن الخطايا. وربما سبقت بعض الممارسات الدينية هذه (الخلوة) ولكننا لا نعرف شيئا عنها. وتذكر الروايات التقليدية أن الرؤى أتت أثناء الخلوة، ولكن التواريخ المقارنة للأحداث المختلفة فى بعثة محمد ﵊ ليست مؤكدة بصفة عامة. فأحيانا يقال ان الظهور* لم يكن متوقعا، وفى أحيان أخرى يبدو أن خديجة (رضى الله عنها) ، لم تكن بعيدة**. (د) «أنت رسول الله» وردت جملة «أنت رسول الله» أربع مرات فى الفقرات (ب) ، (ج) ، (د) ، (ط) من حديث الزهرى. قالها جبريل فى المرتين الأخيرتين، وفى المرة الأولى قالها «الحق» ، وفى الثانية ذكر بصيغة الغائب «فجاءنى» ، وتختلف الملابسات فى الحالات الأربع، فهل هذه مجرد روايات أربع لحادثة واحدة ولكن اختلفت الألفاظ بطريقة أو أخرى؟ ونظرا لأن جبريل لم يذكر فى القران الا بعد فترة طويلة، فان ذكره فى

стр. 110

هذه المرحلة المبكرة مشكوك فيه*. ظاهريا يمكننا أن نصنف هذه الأخبار صنفين على الأقل: (ب) وربما معها (ج) تصفان النداء الأصلى له بأنه رسول، بينما يبدو أن (د) ، (ط) كانا تأكيدين لذلك ليطمئن فى وقت كان فيه قلقا. اذا كانت الفقرة (ب) تشير الى النداء الأصلى، فما العلاقة بينها وبين الرؤى؟ لقد جاء وصف الرؤية الأولى فى سورة النجم فى اية تفند اعتراضات معينة أثارها أهل مكة ضد الموثوقية فى الوحى الذى نقله محمد ﵊ اليهم، ومعنى ذلك أنه كان قد أعلن بعض ما أوحى به اليه على الأقل وربما أكثر. فالحديث عن الرؤية فى هذا السياق يبين أنه لابد أن يكون للرؤية علاقة بتلقى الوحى، ومع ذلك فليس هناك ما يدل على أن الرؤية قد صاحبها تلقى ايات معينة، بل اننا اذا ناقشنا أكثر من ايتين نجد أن ذلك مستحيل. ويبدو أن النتيجة العامة للرؤية شىء أكثر عمومية مثل التأكيد على أن هذه الايات كانت رسائل من الله. وربما التأكيد أيضا على أن محمدا ﵊ قد أمر باعلانها، وهذا يعنى الافتراض المسبق بأن محمدا ﵊ قد تلقى الوحى بالفعل عدة مرات. ولكنه لم يكن واثقا من حقيقة طبيعة هذه الكلمات التى جاءت اليه، أما الان فقد أخبر بذلك وجاءه التأكيد. أو يمكننا أن نعتبر الرؤية نداء كى يلتمس الوحى، وربما كان محمد يعرف شيئا عن طرق استقرائه**. ولكن الرأى الأول أكثر احتمالا بصفة عامة، ويتفق مع هذا الرأى وجهة النظر «٢١» التى تقول

стр. 111

ان ما ألهم به أو أوحى اليه به كان «الخط العملى للهدى» الذى كان يتبعه بالفعل. فاذا كان الهدف من الرؤية شيئا عاما، فان هذا يناسب تماما الفقرة ب. من المحتمل أن تكون الكلمات «أنت رسول الله» لم تكن كلاما خارجيا، بل ربما لم تكن حتى كلاما تخيليا، وانما كلام ذهنى، بمعنى أنه لم يسمع بأذنيه ولا حتى تخيل نفسه يسمع، وانما كانت هذه الكلمات نوعا من الاتصال الذى أتاه من غير كلمات «٢٢» . بل ربما صيغت الكلمات بعد الرؤية الفعلية بزمن طويل. هل يمكن تكرار مثل هذه التجربة؟ ان ذلك ليس مستحيلا. وربما يتضمن الاقتران بين رؤيتين فى سورة النجم بعض التشابه فى المضمون، ومن ناحية أخرى لم يذكر الوحى فى الرؤية الثانية وانما ينظر اليها دائما على أنها تشير الى الجنة. لا تقدم الفقرات (ج) ، (د) ، (ط) الكثير من المساعدة. فالأخيرتان لا تعتبران نداء لمحمد ﵊ بقدر ما أنهما اعادة التأكيد له وتذكيره بالنداء الأصلى. ومن الطبيعى أن نفترض أن محمدا ﵊ كان يتذكر الرؤية الأولى فى الأوقات التى كان يشعر فيها باليأس. وربما كان التفكير فيها يلمع فى عقله فى اللحظات الحرجة ويعزوها الى قوة عليا، ومهما كانت الحقائق حول هذه الذكريات فانها ليست فى أهمية التجربة الأصلية. (هـ) «اقرأ» هناك روايات عديدة لحديث نزول الوحى بسورة العلق، ذكرت احداها فى الفقرة هـ المروية عن الزهرى. فى هذه الرواية نفهم قول محمد ﵊ «ما أقرأ» ردا على قول الملك «اقرأ» على أنه يعنى «لا أستطيع القراءة» ، ويؤكد ذلك الرواية الاخرى التى تقول: «ما أنا بقارى» «٢٣» (لا أستطيع القراءة) وتمييز ابن هشام

стр. 112

بين «ما اقرأ» و «ماذا اقرأ» حيث لا يعنى التعبير الأخير الا «ماذا سأقرأ» ، وهذا المعنى أيضا هو المعنى الأكثر ملاءمة للتعبير «ما أقرأ» . ويكاد يكون من المؤكد أن أهل الحديث المتأخرين قد تجنبوا المعنى الطبيعى لهذه ألكلمات ليعززوا ألاعتقاد بأن محمدا ﵊ لم يكن يستطيع الكتابة، وهذا الاعتقاد جزء من اثبات الطبيعة المعجزة للقران. وتتطلب رواية الحديث عن عبد الله بن شداد فى شرح الطبرى «٢٤» . اذا كان المتن صحيحا، ان تؤخذ كلمة «ما» بمعنى «ماذا» لأنها مسبوقة بحرف «الواو» *. تنتمى كلمتا «قرأ» و «قران» الى مجموعة المفردات الدينية التى أدخلتها المسيحية فى شبه الجزيرة العربية، فكلمة قرأ تعنى «تلا بوقار نصا مقدسا» ، وأما كلمة «قران» فهى الكلمة السريانية «كريانا queryana التى تعنى «القراءة» أو «درس من الكتاب المقدس» «٢٥» **. ونستطيع أن نفترض أن الفعل «اقرأ» يعنى فى هذه السورة «اتل من الذاكرة» ، أى ما قد بلغ اليه بأسلوب خارق للطبيعة. لمن يتلو محمد ﵊ وفى أية مناسبة؟ لم تناقش الأحاديث هذا السؤال بوضوح. والتفسير الأكثر ملاءمة أن يتلو محمد ﵊ ما أتاه كجزء من صلاته لله . وهذا المعنى يطابق الاستخدام السريانى للكلمة كما يؤكده أن المسلمين لا زالوا يقرؤن سورة أو سورا فى صلاتهم أو عبادتهم. ويلاحظ فى رواية عبد الله

стр. 113

ابن شداد المشار اليها سابقا، أن الاجابة على السؤال: «ماذا أقرأ؟» لم تكن كما وردت فى معظم الروايات الاخرى «اقرأ باسم ... » وانما «بسم ... » فقط، هل يمكن أن يكون ذلك ارهاصا* بالبسملة؟ لا توجد اعتراضات ذات قيمة لما اتفق عليه العلماء المسلمون من أن هذه السورة هى أول ما أوحى من القران. ولا توجد ايات يمكنها أن تعارض سورة العلق بأية فرصة من النجاح «٢٦» ، ومن الطبيعى أن نتوقع أن الأمر بالعبادة هو أول ما يأتى بالنظر الى الاتجاه العام للرسالة الأساسية للقران «٢٧» . وجه الأمر «اقرأ» الى محمد ﵊ واحده، وبالرغم من أنه لا توجد صعوبة فى أن يتسع الأمر ليشمل أتباعه الذين يقتدون به، الا أننا نستطيع أن نتصور أن مبدأ وجود أتباع له لم يخطر بباله عندما أوحيت اليه هذه السورة، أى أنها قد تنتمى الى مرحلة سبقت دعوته للاخرين. كما لا نستبعد، بالطبع، امكان تلقى محمد ﵊ لرسائل أخرى لم يعتبرها من القران، مثل «أنت رسول الله» التى وردت فى الحديث. (و) سورة المدثر، الفترة هناك حديث عن جابر بن عبد الله الأنصارى أن الايات الأولى من سورة المدثر كانت أول الوحى، وقد يبدو ذلك مناسبا لأن فيها «قم فأنذر» ، وهذا القول يبدو كما لو كان أمرا للقيام بمهمة الرسول، وكان يمكن أن تكون هذه الايات أول الوحى لو أن محمدا ﷺ قد بدأ الدعوة العلنية فجأة وبدون فترة اعداد، ولكن لو وجدت هذه الفترة الاعدادية، وكان فيها وحى، فان هذا يعنى أن سورة المدثر لا يمكن أن تكون أول الوحى، ولقد رأينا أن «اقرأ» لا تستلزم بالضرورة الدعوة العامة. ولكن من ناحية أخرى، فان استمرار وجود هذا الحديث، بالرغم من الاتفاق العام منذ زمن بعيد أن سورة العلق هى أول

стр. 114

الوحى*، يعطى احساسا بأن فيه قدرا من الحقيقة، وأكثر الاراء احتمالا أنها تحدد بداية الدعوة العلنية. هناك دلائل قوية فى الأحاديث على أن هناك تميزا بين الدعوة العلنية** والدعوة السرية. كتب ابن اسحق «٢٨» : «ثم أمر الله نبيه، بعد ثلاث سنين من البعثة، بأن يعلن ما جاءه منه وأن يسمع الناس كلمة الله ويدعوهم اليها» . وقد أخبرنا فى موضع اخر أن الوحى كان يبلغ الى محمد ﵊ على لسان اسرافيل لمدة ثلاث سنين قبل السنين العشر التى كان الوحى يأتيه فيها على لسان جبريل «٢٩» ***. وتوصف بداية السنين الثلاث أحيانا بمجىء النبوة وبداية السنين العشر بمجىء الرسالة «٣٠» . ونظرا للاجماع الكبير على هذا الحديث والاحتمال القوى لصحته، يمكننا أن نقول انه كان هناك فرق بين المرحلتين اللتين مرت بهما دعوة محمد ﵊ ، وأن التواريخ الواردة صحيحة تقريبا، ولكن من الصعب أن نقول ما طبيعة الفرق بالضبط، لأن المسلمين الأوائل دخلوا فى الاسلام، كما يقال، فى الفترة الأولى.

стр. 115

يزيد الأمر تعقيدا بوجود الفترة، أو انقطاع الوحى، كما ذكرنا فى الفقرة (ط) ، واذا قارنا ما ذكر فى الفقرتين (ى) و (ك) مع رواية الزهرى عن جابر «٣١» برواية نفس الحديث عن جابر التى رواها يحيى ابن أبى كثير «٣٢» ، يبدو واضحا أن الزهرى قد أدخل «الفترة» ليوفق بين هذا الحديث والقول بأن سورة العلق كانت أول ما جاء. ومع ذلك، فان هناك دليلا اخر على حدوث «الفترة» ، فان ابن اسحق يجعلها قبل نزول سورة الضحى «٣٣» *، واحتمالات حدوث مثل هذه التجربة أمر قائم، ولكن من غير المحتمل أن تكون قد استمرت ثلاث سنين كما يقال أحيانا، وربما كان هذا الرقم نتيجة للبس بين هذه الفترة وفترة الدعوة السرية. وتشير هذه الاعتبارات الى أنه ربما كانت هناك فترة انقطاع فى ممارسة محمد ﵊ الدينية، ولا يعتبر ظن الزهرى (والذى اخذ به) أنها كانت قبل بدء الدعوة العامة مباشرة دليلا قويا؛ ولكنها محتملة جدا. تؤخذ كلمة «مدثر» عادة على أنها تعنى «مغطى بدثار» (أو دثار) (بدال مفتوحة) ، فاذا كان هذا المعنى صحيحا فان فعل ذلك له علاقة ما بتلقى الوحى، فربما يكون ذلك لحث الوحى أو، وهو الأكثر احتمالا،

стр. 116

لحماية المتلقى الادمى من خطر التجلى الالهى «٣٤» *، ومن ناحية أخرى طورت ألفاظ معينة- بشكل مجازى- فكرة (التغطية) فأصبحت تطلق على شخص غامض أو غير مشهور. وهذا المعنى لا ينطبق على محمد ﷺ ، فهو وفقا لمعايير أهل مكة لم يكن- نسبيا- شخصا قليل الأهمية. هذه الصورة التى كوناها توضح اذا ما سقنا هذه التفاصيل غير المؤكدة فى سياق واحد- أن مسار الأمور كان كالتالى أو شيئا قريبا منه: كانت هناك مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الاعداد (اعداد محمد ﷺ لتحمل مهام النبوة) ، وقد استمرت هذه المرحلة ثلاث سنين، وفى هذه المرحلة كان قد بدأ يتلقى وحيا من نوع ما. وفى الأحاديث التى ورد فيها ذكر اسرافيل ما يفيد أن محمدا ﷺ كان يسمع صوتا ولا يرى جرما «٣٥» **، ويمكن أن نرجع القسم الأول من سورة العلق وسورة الضحى الى هذه المرحلة، وقد يكونان (جزا سورة العلق والضحى) أيضا من نوع الوحى ذى الطبيعة الخاصة (الموجه لمحمد ﷺ خاصة) الذى لم يعتبره محمد ﷺ جزا من القران الكريم (كيف هذا؟ هذه غير مفهومة، واذا كان الأمر كذلك فلم نجد ايات السورتين فى مصاحفنا؟ - المترجم) . وعند نهاية هذه السنين الثلاث، كانت الفترة (وهو المصطلح الذى يعنى انقطاع الوحى) ، وقد يكون الانتقال من خصوصية الوحى (أى توجيهه للرسول ﷺ دون تكليفه بابلاغه) الى عموميته (أى توجيهه لمحمد ﷺ وتكليفه بابلاغه الى أهل مكة) هو الوقت المناسب للرؤى، ففى هذه الفترة الانتقالية خاطب الوحى محمدا ﷺ باعتباره (رسول الله) ، وفى هذه المرحلة الانتقالية نزلت سورة المدثر (رغم أن ارتباطها بالرؤى فى الروايات المتداولة لا يعد برهانا كافيا بسبب الانفصال الذى يحول بيننا وبين فهم طبيعتها المركبة) ويمكن للمرء أن يتوقع أن محمدا ﷺ تكلم فى المسائل الدينية مع أصدقائه المقربين خلال فترة الاعداد، لكنه أمر غريب

стр. 117

أن يكون هناك نقاش قبل تكليف محمد ﷺ بابلاغ الدعوة (سرا أو جهرا) لأهل مكة. لهذا؛ فهناك شك فى كثير مما ينسب الى هذه المرحلة (مرحلة الاعداد) فى الروايات التقليدية. (ز) خوف محمد ويأسه وفى نصوص منقولة عن الزهرى اشارات متتالية الى مشاعر الخوف وما شابهها عند محمد ﷺ . ويمكن تمييز تجربتين خاضهما الرسول ﷺ . الأولى الخوف من تجربة الوحى، والثانية يأسه الذى أدى به الى التفكير فى الانتحار*. أما الخوف من الاقتراب من عالم الغيب، Divine فله جذور عميقة فى الوعى لدى الشعوب السامية، وهناك شواهد على ذلك فى التوراة. والروايات التى تذكر هذا تبدو معتمدة فى الأساس على شرح كلمات سورة المزمل: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) ..) الخ، السورة ٧٣ (المزمل) . وهذا يعنى أن المفسرين الذين أتوا بعد ذلك لم يكونوا يعتمدون فى عزوهم الخوف الى محمد ﷺ الا على النص القرانى. والانتقال المر بك بين (زملونى) و (المدثر) يبين أن تفسير (المزمل) لم يكن فى الأساس مرتبطا بقصه اعلان محمد ﷺ لنبوته، وأن التفسير اعتمد- فقط- على السياق. ومن ناحية أخرى، فانه ان بدا طبيعيا لهؤلاء المفسرين المتأخرين زمنا أن يشرحوا (المزمل) بهذه الطريقة، فهذا الخوف من بداية الوحى لا بد وأن يكون قد انتشر (بين الناس) ، وأن محمدا ﷺ نفسه قد شارك فى انتشاره. هذا كله ما يمكننا قوله.

стр. 118

والشعور باليأس يمكن أن يكون موازيا لما حدث لأنبياء العهد القديم، وما حدث فى حياة القديسين، فالقديسة تريزا (من أقيليا (Avelia كتبت تقول: «الكلمات، بتأثيراتها والتأكيدات التى تحويها تقنع الروح فى اللحظة أنها اتية من الرب، وعلى اية حال، ففى ذلك الوقت، الذى هو الان ماض، يظهر الشك، فيما اذا كانت هذه الكلمات تأتى من الشيطان أو من الخيال، رغم أنه عند سماع هذه الكلمات، لم يكن الانسان ليشك فى صدقها بحيث تكون- أى تريزا- مستعدة للموت دفاعا عنها» «٣٦» . وعلى أية حال، ففكرة الانتحار يمكن- بشق النفس- عزوها الى محمد ﷺ ، فمادام النبى لم يذكر ذلك عن نفسه فمن الصعب أن نعزوها اليه، فهذا تجاوز فى شرح سورة الضحى: (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)) . وأكثر من هذا، فان فترة اليأس قد تكون متلائمة مع الروايات التى تحدثنا عن (الفترة) وهى المدة التى انقطع فيها الوحى عن الرسول ﷺ . وعلى هذا، فان ذلك يعطينا- فيما يبدو- بعض المعلومات الحقيقية عن محمد ﷺ . (ح) خديجة وورقة بن نوفل يشدان من أزر محمد ﷺ ليس من سبب يجعلنا نرفض الرواية القائلة ان خديجة قد شدت من أزر محمد ﷺ ، فمن الواضح أن محمدا كانت تنقصه فى هذه المرحلة الثقة بالنفس*، فالصورة العامة لا يمكن أن تكون مبتدعة رغم أن

стр. 119

التفاصيل قد يكون لحقتها اضافة نتيجة الاستنتاج الخاطىء أو بفعل التخيل. وشد أزر ورقة بن نوفل لمحمد كان بالاضافة لجهود خديجة أمرا مهما. وليس هناك سبب قوى يدعونا للشك فى صحة العبارة التى وردت بها كلمة (الناموس) على لسان ورقة. فاستخدام هذه الكلمة غير القرانية- بدلا من كلمة التوراة القرانية- دليل على صحة هذه الرواية. ومن ناحية أخرى، فان بقية الرواية تبدو لشرح موقف ورقة الذى لم يتحول للاسلام رغم تصديقه لمحمد ﷺ ، ولسبب قريب من هذا كانت الرواية التى جعلت محمدا يقابل ورقة أفضل من تلك التى جعلته لم يقابله. وأكثر من هذا، فبعض الروايات تجعل موت ورقة بعد بعثة محمد بعامين أو ثلاثة، وأخرى تزيدها الى أربعة «٣٧» . وكلمة الناموس- عادة ما ينظر اليها على أنها من الكلمة اليونانية نوموس «٣٨» Nomos التى تعنى الشريعة أو الكتاب الموحى به؛ وبالتالى فهى ملائمة تماما للحديث عن موسى (كما ورد فى حديث ورقة) فملاحظة ورقة اذن كانت موجهة لمحمد ﷺ عند تلقيه الوحى، وربما كانت هذه الملاحظة تعنى أنه مادام محمد قد تلقى هذا الوحى فانه مثل موسى وعيسى وأن ما نزل عليه مماثل للتوراة والانجيل، أو على الأقل على الدرجة نفسها أو من النوع نفسه. وهذه الفكرة التى ذكرها ورقة قد تشير أيضا الى أن محمدا لابد أن يكون مؤسسا أو مشرعا لأمة (أو لجماعة أو لمجتمع.Community (واذا كان محمد فى مرحلة تردد- وهذا ما يبدو معقولا- فان هذا التشجيع الذى لاقاه لابد أن يكون ذا أهمية عظمى فى تطوره الداخلى (نموه النفسى) . وثمة صعوبات طفيفة فيما يتعلق بترتيب الحوادث، فالايات الأخيرة من أول ما نزل من الوحى ( ... الذى علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم) والتى تشير بتأكيد غالب لوحى سابق، عادة ما يفسر المسلمون اية (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) على أنها تعنى الذى علم الانسان كيف يستخدم القلم، لكن هذا التفسير لا يوجد ما يدل عليه خاصة اذا كان محمد ﷺ

стр. 120

لا يعرف القراءة والكتابة. والان، فمن بين الرجال الذين عرفناهم مع محمد ﷺ فان ورقة كان على صلة وثيقة بمحمد وكان معروفا بدراسته للأناجيل «٣٩» . فهذه الايات القرانية الانف ذكرها (اقرأ ... ) كانت تذكر محمدا ﷺ عند قراءتها بما هو مدين لورقة بن نوفل به. انه لأمر مغر أن نفكر أنها نتيجة ملاحظة ورقة عن الناموس لكن هذا يتطلب وحيا قبل سورة اقرأ لتكون أساسا لهذه الملاحظة. ومن الأسهل أن نفترض أن محمدا كان على صلة متتابعة بورقة بن نوفل منذ فترة مبكرة سابقة على الوحى. والأفكار الاسلامية اللاحقة قد تكون اختلطت الى حد كبير بأفكار ورقة، كعلاقة الوحى الذى نزل على محمد ﷺ بالوحى الذى نزل على موسى وعيسى ﵉ . خاتمة وعلى هذا، فهناك الكثير مما هو غير مؤكد حول الظروف المحيطة بنزول الوحى على محمد ﷺ فالتمحيص الدقيق للروايات الأولى يصل بنا الى صورة عامة يمكنها أن تكون محل ثقتنا، لكن حتى بالنسبة لكثير من التفاصيل خاصة التواريخ النسبية للظواهر المختلفة، فانها لا بد أن تبقى غير مؤكدة. ٥- أشكال وعى محمد ﷺ بنبوته منذ ألقى كارليل Carlyle محاضرته عن محمد ضمن سلسلة محاضراته عن الأبطال والبطولة، أصبح الغرب على وعى بوجود أساس طيب للاعتقاد فى اخلاص محمد ﷺ «٤٠» . فاستعداده لتحمل الاضطهاد فى سبيل معتقداته، وسمو الرجال الذين آمنوا برسالته والذين اعتبروه قائدا لهم، وعظمة ما تمخضت عنه جهوده من انجازات- كل هذا يبرهن على تكامله الأساسى (نظرته الكلية) . لقد تصور الغرب محمدا دجالا أثار من القضايا أكثر مما قدم من الحلول، وأكثر من هذا فلا أحد من عظماء التاريخ لاقى من الغبن والظلم فى الغرب مثلما لاقى محمد ﷺ ، فالكتاب

стр. 121

الغربيون يكادون يكونون منكفئين على الاعتقاد فى كل امر يشين محمد: ﷺ ، فاذا ظهر لهم تفسير كريه لفعل يبدو معقولا ومنطقيا مالوا الى تصديقه. وعلى هذا، فاذا كان علينا أن نفهم محمدا ﷺ ككل متكامل، وأن نصحح الأخطاء التى ورثناها عن الماضى فلابد أن نؤمن باخلاصه وصدقه الا اذا ثبت العكس، ويجب ألا ننسى أن البرهان الأخير (النتيجة النهائية) تتطلب استقامة أكثر بكثير مما يتطلبه استعراض المعقولية (القابلية للتصديق) . فنظريات الكتاب الغربيين التى تفترض افتراضا مسبقا أن محمدا ﷺ غير صادق لن نناقشها كنظريات، ومع هذا فسنناقش هنا الأدلة التى سيقت للدلالة على عدم صدقه. واذا كان الأمر كذلك، فاننا نكون قد حللنا المعضلة على قدر الطاقة فيما يتعلق بصدقه واخلاصه ﷺ ، ويجب أن نميز بين القران والشعور الواعى العادى لمحمد ﷺ مادام هذا الفصل يعد أمرا ضروريا بالنسبة له. ومن البداية لابد أن محمدا ﷺ قد ميز بشكل واضح بين ما يأتيه وحيا كما يعتقد- وبين ما ينتجه عقله الواعى. أما كيف كان يميز بينهما، فهذا أمر غير واضح تماما، لكن الحقيقة التى صنعها محمد ﷺ مؤكدة كأى شىء فى التاريخ. اننا لا نستطيع بأى درجة معقولة أن نتخيله يقحم ايات من تأليفه بين الايات الموحاة اليه (الايات الاتية اليه من مصدر خارج عن شعوره كما يعتقد) . وعلى أية حال، فربما يكون محمد ﷺ قد فعل شيئا فى الوحى المنزل عليه كاعادة ترتيب الايات الموحى بها، وربما يكون قد حاول أن يصوب النص اذا أحس أن النص الموحى به يحتاج الى اصلاح*، ويعتقد أهل السنة بالناسخ والمنسوخ، أى أن هناك ايات قرانية نسختها ايات أخرى. أما شرح كيف كان محمد ﷺ يفصل بين ما يوحى اليه وما هو من عنده، فمسألة أخرى، ولأن مناقشة ذلك تتطلب الخوض فى مسائل لاهوتية (متعلقة بعلم الكلام عند المسلمين) فلن نناقشها هنا. وهناك

стр. 122

ثلاث وجهات نظر فيما يتعلق بالوحى النازل على محمد ﷺ نوردها كالتالى: يعتقد المسلمون السنة أن القران الكريم وحى تماما (من مصدر علوى تماما) انه كلام الله غير المخلوق (رغم أن الأحبار المكتوب بها القران، والأصوات والخط على الورق ... كل ذلك مخلوق) . ويعتقد الباحثون الغربيون العلمانيون (غير المؤمنين بالغيبيات Secularists (أن جانبا من محمد ﷺ مسئول عن القران الكريم، وهذا الجانب- الموجود فى شخصية محمد- يختلف عن عقله الواعى. ووجهة النظر الثالثة الرئيسية هى أن القران الكريم هو من خلق الله سبحانه (فكرة خلق القران الكريم) ولكنه نتج- من خلال- شخصية محمد ﷺ ، وبهذه الطريقة فى التفكير تكون ملامح معينة أو خواص معينة من القران الكريم يمكن عزوها- أساسا- لبشرية محمد ﷺ . وهذه هى وجهة نظر المسيحيين الذين يؤمنون باحتواء القران الكريم على جانب من الحقيقة الالهية.Divine truth بالنظر الى وجهات النظر الثلاث هذه، فاننى أحاول أن أكون محايدا مادامت هذه الوجهات من النظر تتضمن قضايا خارج نطاق عمل المؤرخ. سأحاول- متخليا بذلك عن الكياسة- أن أتحدث بأسلوب لا ينكر أية عقيدة من عقائد المسلمين، لذا فسأقول (ان القران يقول) ولن أقول (ان محمدا يقول ناسبا بذلك ايات القران الى محمد ﷺ . ومن ناحية أخرى، فعندما أشير الى اية قرانية فلن أربط هذه الاشارة بأية وجهة نظر من وجهات النظر الانف ذكرها، وانما سأقول عبارة (كما يقول المسلمون) أو عبارة شبيهة، فهذا لن يسبب أى ارباك. أما وقد فصلنا الان بين الأمور التاريخية والأمور اللاهوتية (المتعلقة بعلم الكلام) ؛ فانه يصح للمؤرخ أن يضع فى اعتباره الشكل الدقيق (المحدد) لوعى محمد ﷺ بتجربة الوحى هذه (تجربة نزول الوحى عليه أو تجربة تلقيه الوحى) كيف بدا الوحى له؟ وكيف وصفه؟ تلك حقائق تاريخية موضوعية حتى لو كانت مرتبطة بوعى محمد ﷺ وحتى لو كان وصفه لها ربما ارتبط بوجهات نظره السابقة. والنقطة الأولى الجديرة بالملاحظة هى أن الرؤى الموصوفة فى سورة النجم تعد استثناء من ذلك،

стр. 123

نظرا لطريقة وصفها الخاصة. وعلى هذا، فلا بد لنا من البحث فى مصادر أخرى عن الشكل العادى (أو الأشكال) فيما يتعلق بوعى محمد ﷺ بنبوته. وسيكون من المفيد فيما يتعلق بهذه النقطة أن نقدم بعض المصطلحات الفنية التى استخدمها بولين A.Poulain فى مبحثه The Graces of Interior Prayer فسيكون هذا كافيا لأغراض بحثنا الان. ميز بولين عند مناقشته لجوانب التجربة الدينية التى أطلق عليها: الوحى الكلامى أو الكلام المنزل Locution والرؤى -Visions بين نوعين: خارجى exterior وادخلى.interior فالوحى الكلامى من النوع الخارجى يتكون من كلمات تسمعها الأذن، رغم أن هذه الكلمات لم تصدر بطريقة طبيعية (من فم مثلا) ، وكذلك الأمر بالنسبة للرؤى الخارجية exterior vision أو الرؤى العينية Ocular فهى رؤى لأشياء مادية (أو ما يبدو كذلك) يتم ادراكها بالعيون البشرية. والرؤى فى سورة النجم تدخل فى هذا النوع- أى أنها رؤى خارجية.exterior أما الوحى الداخلى بالكلمات، interior locution فيقسمه بولين الى: تخيلى imagenative وعقلى، intellectual أما التخيلى فيتم تلقيه مباشرة دون مرور بالأذن اذ يمكن أن نقول انه وصل عن طريق حاسة الخيال.imaginative sense وأما العقلى، فهو توصيل بسيط للأفكار دون استخدام كلمات، وبالتالى لا صلة له بأية لغة محددة «٤١» . وقد تكون الرؤى الداخلية interior visions مثل ذلك، أى اما تخيلية واما عقلية*. ويمكننا الان الاستعانة بهذه الأدوات لدراسة القران الكريم والروايات المتداولة حول الوحى. لقد كانت (كيفية) الوحى موضوعا للمناقشة بين العلماء المسلمين. ويذكر السيوطى فى كتاب الاتقان «٤٢» خمس كيفيات مختلفة، وجمع

стр. 124

الباحثون من مصادر أخرى كيفيات تبلغ عشرا «٤٣» . وعلى أية حال، فمعظم هذه الأنواع لم توجد الا فى حالة واحدة أو حالات قليلة. ولا شك أن الأنواع (الكيفيات) الرئيسية هى تلك التى وردت فى سورة الشورى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)) السورة ٤٢ (الشورى) . فالحالة الأولى كما تبينها الايتان السابقتان هو أن يتحدث الله بالوحى. والاسم (وحى) والفعل (أوحى) يترددان بكثرة فى القران الكريم فى سياق لا يفيد أن الوحى تم من خلال اتصال لفظى مباشر، وقد درس رتشارد بل Bell استخدام الاسم (وحى) والفعل (أوحى) وخلص الى أنه فى الايات القرانية التى نزلت أولا، لا يعنى الوحى الاتصال اللفظى أو التوصيل اللفظى لنص الوحى، وانما يعنى أفكارا تقذف فى عقل شخص من مصدر خارج نفسه، بحيث يصلح معها أن نستخدم الكلمات الانجليزية Suggestion أو prompting أو «٤٤» inspiration وفى معظم الحقبة المكية كان الوحى من عمل الروح Spirit باذن من الله «٤٥» : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ... ) السورة ٢٦ (الشعراء) . فلم يرد ذكر الملائكة حاملين الرسالة الى النبى الا فى مرحلة أخرى «٤٦» .

стр. 125

(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨)) السورة رقم ١٥ (الحجر) . (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) السورة ٩٧ (القدر) . (المترجم: من الواضح أن المؤلف قد أخرج هذه الايات عن سياقها، فاية سورة الحجر مسبوقة بالايتين التاليتين: (قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ..) فكانت الاية رقم ٨ الانف ذكرها ردا على طلبهم، وفى اية سورة القدر ليس هناك اشارة الى نزول الملائكة فحسب) . وأكثر من هذا، ففى الحقبة المكية ليس هناك ذكر- على قدر ملاحظتى- لسماع النبى ما أنزل عليه. وربما، لذلك، يجب أن نتصور أن الروح يأتى بالرسالة الى قلب محمد ﷺ أو عقله بطريقة ما غير التحدث اليه «٤٧» . وهذا بالتأكيد وحى كلامى داخلى interior locution وربما كان من النوع العقلى أقرب منه الى النوع التخيلى، ومن المفترض أنه لم يكن مصحوبا بأية رؤى ولا حتى عقلية، لأن ذكر روح Spirit يعطينا انطباعا بشرح التجربة على المستوى الفكرى وليس وصف جانب منها. وربما كانت بعض الروايات مرتبطة بهذه (الكيفية) الأولى. وعلى هذا نجد فى الحديث الثانى فى صحيح البخارى المنسوب الى عائشة رضى الله عنها: «حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن الحارث ابن هشام رضى الله عنه سأل النبى ﷺ : كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : (أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول) قالت عائشة

стр. 126

رضى الله عنها: (وقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا) صحيح البخارى/ ج ١/ باب كيف كان بدء الوحى الى رسول الله/ ص ٦. وتوجد بعض التفاصيل الشبيهة بما دار فى هذا الحديث فى اخر حديث الافك: « ... فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق فى يوم شات، فلما سرى عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لى: يا عائشة احمدى الله فقد برأك الله، فقالت لى أمى قومى الى رسول الله.. فأنزل الله تعالى ان الذين جاؤا بالافك عصبة ... الخ» «٤٨» . صحيح البخارى/ حديث الافك/ صحيح البخارى بحاشية السندى، ج ٢ (دار احياء الكتب العربية ص ١٠٥) . واذا نحينا جانبا الملك الذى يأتى فى هيئة بشرية، فان ما هو موصوف فى الحديث ينطبق على الحالة (الكيفية) الأولى، فلا شك أن سماع الصلصلة (صوت الجرس) يعد تجربة تخيلية*، لكن ليس هناك أى ذكر لسماع موجود ما يتكلم كما أنه ليس هناك أى ذكر لسماع كلمات منطوقة، ولا حتى من باب التخيل. بل على النقيض من ذلك، فاننا نفهم من الحديث أنه فى نهاية التجربة ببدو- ببساطة- أنه وجد كلمات الوحى فى قلبه. انه من الواضح تماما- وفقا للمصطلحات التى شرحناها انفا- أننا ازاء وصف لوحى كلامى من النوع العقلى.intellectual locution

стр. 127

أما كيفية الوحى الثانية، فهى أن يتحدث الله سبحانه من وراء حجاب، والاشارة الأساسية لهذا النوع من الوحى، ربما لتأكيد تجربة محمد ﷺ الأولى، كما هو وارد فى الفقرة ب التى نقلناها انفا عن الزهرى (حيث أتاه الحق وقال له: انك رسول الله يا محمد) . وعبارة (من وراء حجاب) تفيد أن المتكلم لم يظهر (أولم تكن هناك رؤية) وهذه الحقيقة (حقيقة وجود متحدث) بالاضافة الى ذكر كلام أو حديث تتضمن أن هناك كلمات مسموعة، وبالتالى فالوحى هنا من النوع الكلامى التخيلى) imaginative locution *أو أنه حتى وحى من مصدر خارجى. (exterior locution وبعض السور المبكر جاء بها الوحى بهذه الطريقة (الكيفية) التى لم ترد كثيرا فى الروايات، وبالتالى فهى ليست شائعة، وعلى هذا يمكننا أن نفترض أن الوحى المبكر (فى بداية نزوله) ثم أيضا بالكيفية الأولى. ومن المعقول أن يكون نزول الوحى بالكيفية الثانية (السماع والحديث) قصد به وصف تجربة موسى. والحالة (أو الكيفية) الثالثة هى أن يرسل الله سبحانه رسولا فيوحى عن طريق هذا الرسول الى نبيه ما يشاء، وقد ذهب الباحثون المسلمون فى وقت لاحق الى أن هذا الرسول هو جبريل، وذهبوا الى أن تلك هى الكيفية المعتادة للوحى منذ البداية. ومن ناحية أخرى، فان الباحثين الغربيين لاحظوا أن جبريل لم يذكر بالاسم فى القران (الكريم) حتى المرحلة المدنية «٤٩» وهناك كثير فى القران الكريم وأحاديث الرسول ﷺ يعارض الأقوال المنتشرة بين الباحثين المسلمين، وهذا يعنى أن وجهات النظر المتأخرة زمنا جرى اضفاؤها على الوحى فى مرحلته الأولى. وعلى أية حال، فهناك احتمال أيضا أن يكون نزول الوحى عن طريق جبريل كان

стр. 128

شائعا أيضا خلال الحقبة المدنية. وفى مثل هذه الحالات، فان الوحى ربما كان- من النوع الكلامى التخيلى imaginative locution *لكنه كان- بلا شك- مرتبطا برؤية لجبريل، وقد تكون هذه الرؤية عقلية أو تخيلية. أما الاشارة الى نزول جبريل على هيئة رجل فذلك وحى من النوع التخيلى** (وهو غير الهلوسة كما يشير المؤلف بعد ذلك- ولا يميل المسلمون الى استخدام مثل هذه المصطلحات عند الحديث عن النبوة) والشكل الدقيق أو الكيفية الدقيقة للوحى لم تكن ذات أهمية قصوى عند علماء الدين، سواء منهم المسلمون أو المسيحيون. أما التأكيد على أن رؤى محمد ﷺ والوحى الكلامى الذى يتلقاه مجرد هلوسة- كما يحلو لبعض الكتاب أحيانا أن يقولوا- فان مثل هذه الأقوال تجعل الأحكام الدينية (اللاهوتية) مفرغة تماما من الوعى، لذا فهى أقوال تتسم بالجهل المخجل الذى يدعو للشفقة- جهل بالعلم وسلامة العقل، وهو حكمنا على بولين، poulain وعلى اللاهوت الصوفى الغامض الذى يمثلونه. فسواء كانت الرؤى والكلام المسموع من مصدر خارجى أو تخيلى أو عقلى فلا يوجد معيار لصدقها أو سلامتها، الا أن الوحى المتلقى من مصدر خارجى أكثر تأثيرا فى المتلقى، وان كان الوحى العقلى- بمعنى من المعانى- هو الأعلى والأرقى فالعقل أعلى مرتبة من الحس. وهذه القضية ذات أهمية كبيرة لطلبة علم النفس الدينى وسيكون- بلا شك- من المفيد عقد مقارنة بين جوانب ظاهرة الوحى عند محمد ﷺ والظواهر المشابهة عند القديسين المسيحيين والصوفية. وعلى أية حال، فبالنسبة لعلماء الدين والمؤرخين نجد أن النقطة الأساسية هى أن محمدا ﷺ كان يفصل فصلا كاملا بين ما يوحى اليه من ناحية، وأفكاره الخاصة من ناحية أخرى. وعلى النحو نفسه، فالظواهر المادية المصاحبة لتلقى الوحى غير ذات أهمية بالنسبة للباحثين فى الجوانب الدينية رغم أهميتها للمؤرخ.

стр. 129

وغالبا ما يركز أعداء الاسلام على أن محمدا ﷺ كان مصابا بالصرع، epilepsy وبالتالى فان رسالته الدينية غير صحيحة. والحقيقة، أن الأعراض المصاحبة للوحى عند محمد ﷺ ليست هى أعراض الصرع، فالصرع يؤدى الى انهيار القوة البدنية والعقلية، بينما كان محمد ﷺ فى كامل قواه العقلية والبدنية، وفى كامل ملكاته. لكن بفرض أن هذا الزعم صحيح، فان البراهين عليه زائفة تماما وقائمة على مجرد الجهل والتخبط، فمثل هذه الظواهر المصاحبة للوحى لا تصلح برهانا نعتمد عليه فى رفض الوحى أو قبوله. وسيكون أمرا شائقا أن نعرف ما اذا كان محمد ﷺ لديه أية طريقة لحث الوحى على النزول عليه «٥٠» . اننا لسنا متأكدين مما اذا كان وضع نفسه فى دثار* يحقق هذا الغرض والأكثر معقولية أن الوحى ينزل على غير توقع. وأخيرا- على أية حال- فمن الممكن أن يكون محمد ﷺ قد طور بعض التقنيات (الأساليب) للاستماع الى الوحى**، ربما من خلال قراءته القران الكريم قراءة هادئة بالليل. خاصة عندما كان يشك فى اكتمال الوحى. وقد تكون هذه طريقة لاكتشاف الايات الضائعة. ولا بد أن التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر ستظل محل تخمين، ويبدو مؤكدا أن محمدا ﷺ كان لديه أسلوب أو اخر لتصحيح (أو تنقيح) النص القرانى باكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحى اليه ناقصا أو غير صحيح. ومرة أخرى، فان كان هذا صحيحا، فان محمدا ﷺ كان فى بعض الأحيان يستحث الوحى على النزول.. ٦- التتابع الزمنى لوقائع الحقبة المكية لا أحد التفت الى التواريخ الدقيقة التى تجرى فيها الأحداث التى بدت وقتها بسيطة ولحظية، لكن فى وقت لاحق عندما أصبح الناس

стр. 130

مهتمين بالتواريخ تضاربت الأقوال وبذل الباحثون المسلمون جهودا مضنية للوصول الى صيغة تاريخية مترابطة. وعلى أية حال، لقد بذلوا جهودا فيما يتعلق بالعناصر الرئيسية، بينما قدموا لنا تواريخ مختلفة وغير مؤكدة بالنسبة لأحداث ووقائع أخرى. ومسألة التواريخ ليست حيوية لفهم حياة محمد ﷺ ، ويمكن الحصول على القليل (من حيث الترتيب الزمنى للأحداث) بمحاولة التمعن فى روايات الكتاب المسلمين المعتمدين فى الموضوع، سواء بالتعمن فى مضامين الروايات أو ظواهرها. يقول كيتانى Caetani الذى بحث هذا الموضوع بعناية لأن مبحثه يأخذ شكل حوليات- ان الكتاب المسلمين متفقون فى أربع نقاط «٥١» : ١- ظل محمد ﷺ يدعو لرسالته سرا- طوال ثلاث سنين- صحابته المقربين، ولم يبدأ الدعوة العلنية الا عند نهاية هذه الفترة. ٢- الهجرة الى الحبشة فى العام الخامس، أى بعد عامين من الجهر بالدعوة. ٣- بدأت المقاطعة التى واجهها بنو هاشم، بعد الهجرة الى الحبشة واستمرت عامين أو ثلاثة. ٤- مات أبو طالب وخديجة بعد نهاية المقاطعة، وقبل الهجرة بثلاث سنين (الهجرة فى ٦٢٢ للميلاد) . وقد ناقش كيتانى ما هو أكثر من هذا، فذكر أننا لو حسبنا المدة الزمنية بين الهجرة والمقاطعة، وبين المقاطعة وموت أبى طالب لوجدنا أنها تصل- على الأقل- الى اثنى عشر عاما. وعلى هذا، فقد أنشأ كيتانى قائمة التواريخ التالية، رغم أنه كان ميالا للظن أن الأحداث ربما وقعت قبل هذه التواريخ:

стр. 131

٦١٠ نزول الوحى. ٦١٣ بداية الدعوة الجهرية. ٦١٤ دخول دار الأرقم. ٦١٥ الهجرة الى الحبشة. ٦١٦ بداية مقاطعة بنى هاشم. ٦١٩ نهاية المقاطعة، موت خديجة، موت أبى طالب، ذهاب الرسول ﷺ الى الطائف. ٦٢٠ أول مسلمى المدينة. ٦٢١ بيعة العقبة الأولى. ٦٢٢ بيعة العقبة الثانية، الهجرة. وهذه التواريخ تعد دليلا كافيا لمعظم أغراض بحثنا. وترجع أهميتها الأساسية الى أنها تجعلنا نتحقق من أن انتشار الاسلام فى مكة طوال فترة ما قبل الهجرة كان عملية بطيئة، الا أن قلة المصادر وشحها يعطينا احساسا كاذبا بأن الأمور تجرى سراعا.

стр. 132

الفصل الثالث الرسالة الأصلية (جوهر الرسالة) ١- فى تاريخ نزول القران (الكريم) بمجرد أن نبدأ السؤال: ما الرسالة الأصلية للقران (الكريم) ؟ حتى يواجهنا السؤال التالى: ما أول ما نزل منه؟ ومن الطبيعى أن يكون اعتمادنا فى الاجابة عن هذا السؤال الأخير على المصادر الاسلامية الأولى. ولدينا قدر جيد من المعلومات المتاحة عن أسباب نزول عدة ايات مختلفة، الا أن هذه المادة يعوزها الاكتمال، كما أنها تحوى تناقضا بين بعضها وبعضها الاخر (التعبير لا يعنى أكثر من أن الروايات مختلفة- المترجم) . والسؤال الأخير ربما لا يكون بالخطورة نفسها التى عليها السؤال الأول، خاصة فيما يتعلق بالسور التى نزلت فى المرحلة المكية. وقد توصل الباحثون المسلمون الذين أتوا فى فترة متأخرة الى قدر من الاتفاق حول السور المكية والسور المدنية وكذلك فيما يتعلق بالايات. وبالنسبة لغالب النص القرانى الذى نزل فى الحقبة المكية ليس هناك ذكر لأسباب النزول، وأكثر من هذا فان كثيرا من الأسباب (الأحداث أو المناسبات) ليس لها تواريخ دقيقة محددة. وعلى هذا فرغم أن المواد المتاحة عن أسباب النزول مقبولة بشكل عام، الا أنها واحدها لا تكفى لتقديم اجابات لكثير من الأسئلة التى يثيرها الباحثون الغربيون.

стр. 133

وقد قدم الباحث الألمانى تيودور نولدكه Theodor Noldeke فى كتابه تاريخ القران (نشر لأول مرة سنة ١٨٦٠) معيارا اخر اضافيا. لقد وجد نولدكة أننا اذا درسنا الايات الطوال وقارناها بالروايات التقليدية عن أسباب النزول، وجدنا أن السور المجمع على نزولها أولا تحوى ايات قصارا، والسور المجمع على نزولها اخرا تحوى ايات طوالا- غالبا. وعلى هذا، فان نولدكه قدم فرضا علميا مؤداه أننا نستطيع أن نحدد ما اذا كان النص القرانى الذى بين أيدينا نزل فى المرحلة الأولى أو المرحلة المتأخرة، بناء على طول الايات أو قصرها. وبناء على هذا المعيار، رتب نولدكه سور القران (الكريم) فى أربع فترات زمنية، ثلاث مراحل مكية ومرحلة مدنية، وقد قبل الباحثون الغربيون هذا التقسيم الذى قدمه نولدكه- بشكل عام، واعتبروه دليلا لدراساتهم. وبعد نولدكه، تقدم رتشارد بل Richard Bell بخطوة أخرى فى ترجمته للقران الكريم ودراساته الملحقة بترجمته، والمنشورة سنة ١٩٣٧- ١٩٣٩ «١» . فالروايات الاسلامية- دائما- توافق على أن معظم السور تحوى ايات نزلت فى فترات مختلفة، وقد حاول بل Bell فى ترجمته الانف ذكرها أن يقسم كل سورة الى مكوناتها الأصلية، كما حاول أن يضع تاريخا لبعض الايات المنفصلة (أى أنه لم يضع تواريخ متوالية لنزول الايات) . ومهما يكن الرأى النهائى فى تفاصيل هذا العمل، فالذى لا شك فيه هو أن هذا العمل يعد نقطة البد، لاية دراسة أخرى عن تسلسل نزول dating القران (الكريم) ، ولقد قبل بل Bell المعيار الذى وضعه نولدكه كمعيار مضبوط (معيار طول الايات أو قصرها) وان كان من رأيه أن هذا المعيار فى حاجة الى بعض التعديل ليتناسب مع ايات بعينها بالنظر لمحتواها (المعانى الواردة بها) . ويبدو أن هذا العمل كان صحيحا خاصة فيما يتعلق بالحقبة المدنية، لكن كثيرا من النتائج التى خلص بها بل Bell من مباحثه تلك ليست جميعا مؤكدة طالما أن اختلاف وجهات النظر مسألة قائمة.

стр. 134

وعند النظر للرسالة الأصلية للقران الكريم (جوهر رسالته) لا بد أن يكون المرء حذرا على نحو خاص عند استخدام معايير (أو دلالات) المحتوى القرانى. فاذا كان على المرء أن يقول ان سورة كذا وسورة كيت لا يمكن أن تكون من أوائل السور لأنها تشتمل على فكرة الحساب بعد الموت، ثم يواصل حديثه قائلا ان فكرة الحساب بعد الموت لم تكن من الأفكار المبكرة، لأنها لم ترد فى السور الأولى ... فان مثل هذه الحجج تجعلنا ندور فى دائرة مفرغة. فلكى أصل الى أقصى درجات الموضوعية، فاننى أقررت بما ذكره نولدكه عن أوائل السور المكية وما أقره بل Bell عن أوائل السور المدنية. ومن خلال هذه المجموعة من السور (مجموعة أوائل ما نزل) نحيث جانبا الايات التى تشير الى معارضة لمحمد ﷺ والقران الكريم، وركزت على الباقى، أعنى حيث لا يشير الوحى الى معارضة. والمبدأ هنا أنه قبل أن تستطيع المعارضة الظهور، كان هناك جانب من الرسالة يميل الى اثارة المعارضة كما لا بد أنه حدث. فالسور والايات التى نحن بصددها (موضع البحث) هى: سورة العلق (٩٦) / مكية/ الايات من ١ الى ٨. سورة المدثر (٧٤) / مكية/ الايات من ١ الى ١٠. سورة قريش (١٠٦) / مكية/ واياتها أربعة. سورة البلد (٩٠) / مكية/ الايات من ١ الى ١١. سورة الضحى (٩٣) / مكية/ واياتها ١١ اية. سورة الطارق (٨٦) / مكية/ الايات من ١ الى ١٠. سورة عبس (٨٠) / مكية/ الايات من ١ الى ٣٢ باستثناء الاية ٢٣. سورة الأعلى (٨٧) / مكية/ الايات من ١ الى ٩، و ١٤ و ١٥. سورة الانشقاق (٨٤) / مكية/ الايات من ١ الى ١٢.

стр. 135

سورة الغاشية (٨٨) / مكية/ الايات من ١٧ الى ٢٠. سورة الذاريات (٥١) / مكية/ الايات من ١ الى ٦. سورة الطور (٥٢) بعض اياتها. سورة الرحمن (٥٥) واياتها ٧٨ اية. «٢» . انه من المعقول أن بعض هذه الايات نزلت بعد ظهور المعارضة للمرة الأولى، لكن مادام مما لا يتعارض مع المنطق نزولها قبل ظهور المعارضة فقد رأيت ألا أعير هذا الاحتمال بالا. فالجوانب المختلفة لرسالة الاسلام متضمنة فى أوائل ما نزل من القران. وعلى هذا ودون حاجة لمزيد من اللغط) ado السفسطة) سأعتبر هذه الايات حاوية على جوهر رسالة القران، وعلى كيرجما Kerygma النبوة بمعناها الأصلى، والان دعونا نبحث فى الملاحظات الأساسية لهذه الكيرجما (المحتوى القرانى الذى يوضح هدف الرسالة) . ٢- المحتوى القرانى لأول ما نزل من القران (الكريم) (أ) خلق الله للانسان ولطفه به موضوع السورة رقم ٥٦ (العلق) التى ينظر اليها- بشكل عام- على أنها أول ما نزل من القران الكريم- هو خلق الله سبحانه للانسان- انها اعلان من الله سبحانه بقوته ولطفه- وأنه سبحانه يوحى للانسان (بمفهوم الوحى عند اليهود والمسيحيين) بأسرار ما لا يراه (ما لا يعلمه) . وفيما يلى نص الايات المعبر عن المعانى الانف ذكرها: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) ..) . وخلق الانسان وهدايته مسألة أشار اليها القران الكريم فى ايات أخرى متعددة:

стр. 136

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) ... أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٦) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ..) السورة ٩٠ (البلد) . وموضوع الخلق يبدو مفصلا فى السورة رقم ٨٠ (عبس) : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) ..) . وبداية السورة رقم ٨٧ (الأعلى) تتناول الخلق أيضا: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) ..) . والسورة رقم ٥٥ (الرحمن) تتناول فى اياتها الأولى مسألة (الخلق) و (الهداية) معا: (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)) . وقد ورد فى السورة رقم ٩٣ (الضحى) فى الايات من ٣ الى ٨ ما يشير الى اللطف الخاص والكلام الخاص الذى شمل الله به محمدا ﷺ ، ومن المفترض أن الايات تتعرض للحياة الأولى محمد ﷺ : (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) ..) . وبالاضافة لهذا نجد التأكيد الوارد فى السورة ٨٧ (الأعلى) : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) ..) .

стр. 137

والسورة رقم ١٠٦ (قريش) تحث قبيلة قريش على عبادة رب البيت (الكعبة) الذى أطعمهم من جوع وامنهم من خوف. والسورة رقم (٨٠) (عبس) توضح كيف يرسل الله المطر الذى يروى الأرض فتنتج حبا وعشبا وعنبا وزيتونا ونخيلا وغير ذلك. (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) ..) السورة رقم ٥٥ (الرحمن) . ولأن الله سبحانه هو واهب الموت والحياة للبشر لذا فانه كما منح البشر المرعى، فانه يحيله جافا، ففى السورة رقم ٨٧ (الأعلى) نقرأ: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) ..) . وأخيرا فالسورة رقم ٨٨ (الغاشية) «٣» تحدثنا عن الله سبحانه كخالق للابل والسماء والجبال والأرض: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) ..) . وفى الوقت نفسه نجد فى أوائل السورة رقم ٥٥ (الرحمن) «٤» نجد اشارة الى خلق الأبدان والبحار وكل الكائنات، ونصل لذروة عظمة الله فهو يخلق ولا أحد يخلق سواه: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) ..) . وعلى هذا، فهناك عدد كبير من الايات تتناول هذا الموضوع: لطف الله سبحانه وقوته. حقا ان مسألة لطف الله وقوته هى الى حد بعيد أبرز

стр. 138

معالم الرسالة فى الايات السريمة التى نزلت فى وقت مبكر (فى أوائل ما نزل من القران الكريم) ولم يتناول القران الكريم مسألة اثبات وجود الله سبحانه، وانما تعرض لذاته باعتبار وجوده أمرا معروفا لمحمد ﷺ ومعروفا أيضا لأولئك الذين يتلقون الرسالة، الا أن ذلك كان على نحو غامض أو مبهم، وأصبح (بعد نزول القران) أكثر دقة ووضوحا بعزو كل الأحداث المختلفة اليه سبحانه، وهذا يجعلنا نميل الى تأكيد أن فكرة الله (سبحانه) قد انتقلت الى العرب من الفكر التوحيدى فى اليهودية والمسيحية. وعلى أية حال، فمادامت القدرة التى كان يعروها الوثنيون العرب لالهتهم كانت- كما هو مفترض- محدودة جدا فهم لم يكونوا ينظرون لله سبحانه كنظير أو مثيل لالهتهم، وانما باعتباره (سبحانه) أعظم منها على نحو ما، ومع هذا فلم تكن أفكارهم هذه لتكون فكرة كافية عن عظمته وقدرته على التدخل فى شئون البشر. وعلى هذا، فانه يجب أن نقدر مدى أهمية الأفكار القرانية فى تصحيح الفهم الخاطئ للعرب عن الله سبحانه، كخطوة أولى. وربما كان ما هو أكثر مدعاة للدهشة أن أوائل ما نزل من القران ليس فيه اشارة الى توحيد الله سبحانه، Unity of God باستثناء ما ورد فى السورة ٥١ (الذاريات) ، الاية رقم ٥١: (وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)) . وربما كانت هذه الاية اضافة متأخرة للسورة «٥» . انها تبدو وكأنها تكرار لفكرة معروفة بالفعل، لأنها اذا كانت فكرة جديدة لجرى التركيز عليها بشكل أوضح. وبطبيعة الحال، فليس هناك فى أوائل ما نزل منه ما يناقض عقيدة التوحيد، لكن ما هو مهم وشائق أيضا أنه فى أوائل ما نزل من القران، ان لم يكن هناك تركيز على توحيد الله، فليس هناك أيضا شجب للوثنية. وبعبارة أخرى، فان هدف النص القرانى الذى نزل فى فترة مبكرة كان محدودا. أنه كان

стр. 139

يهدف الى تطوير جوانب فكرة الايمان بالله على نحو ايجابى؛ واضعا فى الاعتبار أن الايمان بالله مسألة كانت موجودة بالفعل بين أهل مكة دون أن يكونوا على وعى بأن هناك تناقضا بين الايمان بالله من ناحية، واشراك الهة أخرى معه. (ب) الكل راجع الى الله ليوفيه حسابه مرة أخرى سنبدأ بسورة العلق (السورة رقم ٩٦) التى تنص ايتها الثامنة على العودة لله (ان الى ربك الرجعى) وهى تعنى أن هناك حسابا بعد الموت «٦» ، وتشير السورة ٧٤ أيضا الى الحساب: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) . واذا كانت كلمة (الرجز) فى الاية الخامسة راجعة لكلمة روجزا Rugza السريانية والتى تعنى الاثم أو ما يقابل الكلمة الانجليزية «٧» Wrath وهى الكلمة التى استخدمت فى ترجمة العبارة الواردة فى انجيل متى (فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون الى المعمودية قال لهم يا أولاد الأفاعى من أراكم أن تهربوا من الغضب الاتى ... ) . لقد استخدم المترجمون كلمة Wrath للتعبير عن الغضب فى هذه العبارة الانجيلية. نقول اذا كانت الكلمة المستخدمة فى الاية الانف ذكرها (رجز) هى المستخدمة فى هذا النص الانجيلى، فاننا نظن أنها ذات علاقة بأمور الآخرة (اليوم الاخر) . وارتبط الحساب فى الآخرة أيضا بالنشور، أى بعث الانسان من موته ليكون حيا مرة أخرى: (ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)) السورة رقم ٨٠ (عبس) .

стр. 140

ونقرأ أيضا فى السورة رقم ٨٦ (الطارق) الاية (٤) : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) ..) . ويقابل حافظ هنا الكلمة الانجليزية) Watche فى ترجمات معانى القران الكريم التى بين أيدينا، يقابل كلمة حافظ Protector المترجم) سواء أكان المقصود بكلمة (حافظ) هنا، الله سبحانه ذاته، أم الملك الموكل به تسجيل افعاله. وفى السورة ٨٤ (الانشقاق) وهى من أوائل ما نزل من القران الكريم وصف مفصل ليوم الحساب: (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) ..) . واذا نحينا جانبا ما ورد فى السورة رقم ٥١ (الذاريات) الاية الخامسة وما بعدها، والسورة رقم ٥٢ (الطور) الاية السابعة وما بعدها (سنتعرض لهذه الايات بعد ذلك) ، فليس هناك فى الايات القرانية التى نزلت أولا (أول ما نزل من القران) اشارات أخرى مباشرة ليوم الحساب، الا اذا كان وصف محمد ﷺ بأنه «نذير» ينطوى أيضا على معنى الحساب فى الآخرة. والنقطة الاولى الجديرة بالملاحظة أن فكرة اليوم الاخر فى هذه الايات الأولى لم تكن تحوى الا قليلا أكثر من أن يوم الحساب هذا يعاقب فيه المسىء، ويثاب فيه المحسن، فلم تكن هناك تفاصيل مرعبة أو مبالغ فيها، Lurid details تلك التفاصيل التى حفلت بها صور اليوم

стр. 141

الاخر بعد ذلك «٨» . لذا، فاننا نرفض بدون تردد كل ما ذهب اليه الباحثان بوهل Frants Buhl وتور أندريا، Tor Andrae اللذان كان من رأيهما أن الخوف من العذاب الذى سيلقاه الاثم أو الملعون (أو المشرك) كان هو المحرك الأساسى لحياة محمد ﷺ الدينية خلال الحقبة المكية المبكرة. فاذا نظرنا الى كل السور التى أدرجها نولدكه ضمن قائمتيه (السور التى نزلت فى الحقبة المكية الأولى، والسور التى نزلت فى الحقبة المكية الثانية) ؛ لكان من المعقول جدا أن نقول انه (فوق كل شىء، كان التفكير فى العذاب الذى سيحيق بالملعون أو العاصى هو الذى زوده بالطاقة وحفز حركة روحه، فأدى ذلك الى مثل هذه النتائج العظيمة) «٩» . وعلى أية حال، فاننا اذا قصرنا النظر على مجموعة الايات والسور القليلة التى اتضح أنها أول ما نزل، لصرفنا النظر عن النتيجة المذكورة انفا واعتبرناها غير معقولة. ومن ناحية أخرى، فانه يبدو غير صحيح أن نقول ان أول اشارة قرانية للحساب لا تعنى أى شىء فيما يتعلق بالايمان بالاخرويات (الحياة بعد الموت) وان المسألة لا تعدو أن تكون عذابا لحظيا (مؤقتا) ، فمجموعة الايات الأولى (التى تعتبر أول ما نزل) التى ندرسها تحوى عدة أمثلة على الايمان بالاخرويات، لكن ليس فيها بالضرورة ايات تشير الى عذاب يحيق بالمشركين خاصة «١٠» واذا ترجمنا للانجليزية الاية السادسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية السابعة من السورة ٥٢ (الطور) على التوالى، لخرجنا بمعنى أن العذاب مؤقت: (وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) ..) . llaf ot tuoba si tnemegduJ ehT (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ..) . llaf ot tuoba si droL yht fo tnemhsinuP الا أنه من خلال السياق- على أية حال- نفهم أن كلمة واقع التى قد تعنى (على وشك الوقوع (about to fall قد لا تكون اشارة الى

стр. 142

قرب حدوث الحساب أو العقاب فى المستقبل القريب، وانما اشارة الى حقيقة هذا العقاب وكونه أمرا مؤكدا سيحدث فى وقت من الأوقات فى مستقبل غير محدد، فلنقرأ الاية الخامسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية الثامنة من السورة ٥٢ (الطور) لندرك سياق الايتين اللتين استشهدنا بهما انفا: (إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) ..) . (ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) ..) . ومن المؤكد أن السور المكية فيها الكثير عن عقاب الله سبحانه لأهل مكة بانزال المصائب المؤقتة (الدنيوية) عليهم، كالمصائب التى نزلت على من كانوا قبلهم ممن عصوا أنبياءهم، لكن لارتباط هذا العذاب برفض رسالة النبى ﷺ فربما كان مرتبطا بالوضع فى مكة بعد أن تطور عن فكرة العقاب فى بداية البعثة النبوية. حقا، ان الايات التى ناقشناها لتونا (٥١/ ٥، ٥٢/ ٧) بتأكيدها على حتمية الحساب وكونه لا مفر منه، تبدو مرتبطة بالمرحلة الثانية لمعارضة المشركين للنبى حين أعلنوا تشككهم فى الحساب بما فيه من ثواب وعقاب. وربما كان مما يستدعى الانتباه أنه يكاد يكون مفهوما أن الحساب الدنيوى (المؤقت) مقتصر على العقاب، أما الحساب الاخروى فيتبعه ثواب وعقاب كما فى سورة الانشقاق التى أوردناها انفا. (ج) استجابة الانسان- شكر وعبادة نظرا للطف الله سبحانه، فان على الانسان أن يكون شكورا ممتنا عابدا. والامتنان هو اعتراف داخلى باعتماد الانسان على خالقه الواحد القوى اللطيف. أما العبادة: فهو التعبير الظاهرى عن الاعتماد على الله والاعتراف بلطف الله وقوته (سلطانه) . وتشير الاية ١٧ وما بعدها من السورة رقم ٨٠ (عبس) الى الكفور (غير الممتن وغير الشاكر) .

стр. 143

(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) .. الخ) . واسم الفاعل من الفعل (كفر) هو كافر unbeiiever وهو غير الممتن وغير الشاكر لله، وغير المعترف بفضل الله، وبالتالى فهو الذى يرفض رسوله، وعلى هذا فالاية العاشرة من السورة ٧٤ (المدثر) : (فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) . تشير الى الكافرين باعتبارهم غير الشاكرين أو غير الممتنين لله (وفقا للسياق) . ويستخدم القران الكريم كلمتى (طغى) و (استغنى) للاشارة الى عدم الامتنان لله والشكر له «١١» ، كما فى السورة ٩٦ (العلق) . الاية ٦ وما بعدها: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) ..) . والمعنى الأصلى لكلمة (طغى) مرتبط بسيل الماء الجارف، ثم انتقل المعنى فاستخدم مجازا ليعنى تجاوز الحد، دون النظر للاعتبارات الأخلاقية والدينية خاصة، ودون أن يسمحوا لشىء بايقافهم لأنه لا حدود لثقتهم بأنفسهم. لذا، فيكاد يكون مقبولا ترجمة هذه الكلمة القرانية لتعنى بالانجليزية (to be presumptuous) أو (to act presumptuously) ان الكلمة تتضمن عدم وضع الخالق فى الاعتبار أو حتى انكار وجوده. ان هذا هو الاتجاه الذى ربما اتخذه أثرياء مكة مادامت الايات التى أوردناها انفا تشير الى الثقة فى الثروة أو الاعتماد على الغنى. وكلمة (استغنى) تستعصى على الترجمة لأنها تشير الى الثروة وعدم الاعتماد على الله معا. (الثروة والاستقلال، (Wealth and independence وقد أعطاها Lane مقابلا انجليزيا هو، (free from want) لذا فقد

стр. 144

وردت فى القران الكريم لتشير الى الامتلاك الفعلى للثروة وأكثر من هذا تشير الى الاتجاه الروحى السائد بين الاثرياء. وفى الاية الثامنة من السورة ٩٢ (الليل) : (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) ..) . يمكن نقل معنى (استغنى) * للانجليزية كالتالى: Prides himself in Wealth وذلك لأنه بسبب القوة المالية شعر أهل مكة بأنهم مستقلون عن أية قوة عليا، (فى غنى عنها) «١٢» . ويجد الامتنان لله والاحساس بفضله والشكر له تعبيرا له فى العبادة، وتشير السور الأولى الى عدة أوامر متعلقة بالعبادة، بعضها موجه لمحمد ﷺ نفسه، كما فى السورة ٧٣ (المزمل) : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) ..) . ومن النصوص القرانية المبكرة، سورة قريش (السورة رقم ١٠٦) وهى تخاطب أهل مكة بشكل عام: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (٤) وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٥) ..) . وثمة نص قرانى اخر، ربما نزل بعد سورة قريش بفترة وجيزة يشير الى العبادة، ونعنى به الاية ١٤ وما بعدها من السورة رقم ٨٧ (الأعلى) : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) ..) . Prospered has he who Makes mention of the name of his Lord and prays.

стр. 145

لقد كانت العبادة ملمحا مميزا لأتباع محمد ﷺ منذ البداية، وهو نفسه كان قد انخرط فى أعمال عباديه حتى قبل نزول الوحى عليه، وقد التزم المسلمون الأوائل بصلاة الليل لفترة من الزمن «١٣» ، كما هو واضح فى سورة المزمل. وقد وجه المعارضون لمحمد ﷺ جهودهم فى بداية الأمر ضد العبادة: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) ..) السورة ٩٦ (العلق) . ومن ناحية أخرى نجد أنه فى الروايات المتداولة المتعلقة بايات الغرانيق التى دست فى سورة النجم (السورة رقم ٥٣) ، نجد أن علامة الايمان بنبوة محمد ﷺ هى التعبد وفقا لطريقته فى التعبد (الصلاة) . وبشكل عام، فان ذلك يجب أن يجعلنا نحاول نسيان فكرة العبادة الشائعة فى الغرب التى تعتبر جوهرها شعورا ذاتيا Subjective ربما يوصف بمعنى حضور الله. أما العرب، فهم أكثر ارتباطا بالجوانب الموضوعية Objective للعبادة خاصة معناها أو مغزاها. فبالنسبة لأهل مكة، فلكى يسجدوا لرب البيت كما يسجد محمد ﷺ فقد يكون عملهم هذا شبيها بذلك العمل الذى توقف حين كان أنصار حزب المحافظين يرفع كل واحد منهم وردة حمراء يوم الانتخاب، أو بفعل الاشتراكيين السابقين الذين كان الواحد منهم بدوره يتباهى بوردة زرقاء. ورغم أن التشبيه هنا ذو مضمون سياسى الا أننى لا أقصد القول بأن الاسلام ليس دينا، فالاسلام دين بكل تأكيد، لكن قد تكون أفكار الغرب عن الدين هى التى يعتريها قصور. (د) استجابة الانسان لله سبحانه- السماحة والكرم والتطهر وعلى أية حال، فليس بالعبادة فقط يستجيب الانسان للطف الله وفضله وانما بأفعال أخرى فاضلة. «١٤» ethical activity انه لأمر
следующие страницы →