الاخر بعد ذلك «٨» . لذا، فاننا نرفض بدون تردد كل ما ذهب اليه الباحثان بوهل Frants Buhl وتور أندريا، Tor Andrae اللذان كان من رأيهما أن الخوف من العذاب الذى سيلقاه الاثم أو الملعون (أو المشرك) كان هو المحرك الأساسى لحياة محمد ﷺ الدينية خلال الحقبة المكية المبكرة. فاذا نظرنا الى كل السور التى أدرجها نولدكه ضمن قائمتيه (السور التى نزلت فى الحقبة المكية الأولى، والسور التى نزلت فى الحقبة المكية الثانية) ؛ لكان من المعقول جدا أن نقول انه (فوق كل شىء، كان التفكير فى العذاب الذى سيحيق بالملعون أو العاصى هو الذى زوده بالطاقة وحفز حركة روحه، فأدى ذلك الى مثل هذه النتائج العظيمة) «٩» . وعلى أية حال، فاننا اذا قصرنا النظر على مجموعة الايات والسور القليلة التى اتضح أنها أول ما نزل، لصرفنا النظر عن النتيجة المذكورة انفا واعتبرناها غير معقولة.
ومن ناحية أخرى، فانه يبدو غير صحيح أن نقول ان أول اشارة قرانية للحساب لا تعنى أى شىء فيما يتعلق بالايمان بالاخرويات (الحياة بعد الموت) وان المسألة لا تعدو أن تكون عذابا لحظيا (مؤقتا) ، فمجموعة الايات الأولى (التى تعتبر أول ما نزل) التى ندرسها تحوى عدة أمثلة على الايمان بالاخرويات، لكن ليس فيها بالضرورة ايات تشير الى عذاب يحيق بالمشركين خاصة «١٠» واذا ترجمنا للانجليزية الاية السادسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية السابعة من السورة ٥٢ (الطور) على التوالى، لخرجنا بمعنى أن العذاب مؤقت:
(وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) ..) .
llaf ot tuoba si tnemegduJ ehT
(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ..) .
llaf ot tuoba si droL yht fo tnemhsinuP
الا أنه من خلال السياق- على أية حال- نفهم أن كلمة واقع التى قد تعنى (على وشك الوقوع (about to fall قد لا تكون اشارة الى
стр. 142
قرب حدوث الحساب أو العقاب فى المستقبل القريب، وانما اشارة الى حقيقة هذا العقاب وكونه أمرا مؤكدا سيحدث فى وقت من الأوقات فى مستقبل غير محدد، فلنقرأ الاية الخامسة من السورة ٥١ (الذاريات) والاية الثامنة من السورة ٥٢ (الطور) لندرك سياق الايتين اللتين استشهدنا بهما انفا:
(إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) ..) .
(ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) ..) .
ومن المؤكد أن السور المكية فيها الكثير عن عقاب الله سبحانه لأهل مكة بانزال المصائب المؤقتة (الدنيوية) عليهم، كالمصائب التى نزلت على من كانوا قبلهم ممن عصوا أنبياءهم، لكن لارتباط هذا العذاب برفض رسالة النبى ﷺ فربما كان مرتبطا بالوضع فى مكة بعد أن تطور عن فكرة العقاب فى بداية البعثة النبوية. حقا، ان الايات التى ناقشناها لتونا (٥١/ ٥، ٥٢/ ٧) بتأكيدها على حتمية الحساب وكونه لا مفر منه، تبدو مرتبطة بالمرحلة الثانية لمعارضة المشركين للنبى حين أعلنوا تشككهم فى الحساب بما فيه من ثواب وعقاب. وربما كان مما يستدعى الانتباه أنه يكاد يكون مفهوما أن الحساب الدنيوى (المؤقت) مقتصر على العقاب، أما الحساب الاخروى فيتبعه ثواب وعقاب كما فى سورة الانشقاق التى أوردناها انفا.
(ج) استجابة الانسان- شكر وعبادة
نظرا للطف الله سبحانه، فان على الانسان أن يكون شكورا ممتنا عابدا. والامتنان هو اعتراف داخلى باعتماد الانسان على خالقه الواحد القوى اللطيف. أما العبادة: فهو التعبير الظاهرى عن الاعتماد على الله والاعتراف بلطف الله وقوته (سلطانه) . وتشير الاية ١٧ وما بعدها من السورة رقم ٨٠ (عبس) الى الكفور (غير الممتن وغير الشاكر) .
стр. 143
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) .. الخ) .
واسم الفاعل من الفعل (كفر) هو كافر unbeiiever وهو غير الممتن وغير الشاكر لله، وغير المعترف بفضل الله، وبالتالى فهو الذى يرفض رسوله، وعلى هذا فالاية العاشرة من السورة ٧٤ (المدثر) :
(فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ..) .
تشير الى الكافرين باعتبارهم غير الشاكرين أو غير الممتنين لله (وفقا للسياق) .
ويستخدم القران الكريم كلمتى (طغى) و (استغنى) للاشارة الى عدم الامتنان لله والشكر له «١١» ، كما فى السورة ٩٦ (العلق) . الاية ٦ وما بعدها:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) ..) .
والمعنى الأصلى لكلمة (طغى) مرتبط بسيل الماء الجارف، ثم انتقل المعنى فاستخدم مجازا ليعنى تجاوز الحد، دون النظر للاعتبارات الأخلاقية والدينية خاصة، ودون أن يسمحوا لشىء بايقافهم لأنه لا حدود لثقتهم بأنفسهم. لذا، فيكاد يكون مقبولا ترجمة هذه الكلمة القرانية لتعنى بالانجليزية (to be presumptuous) أو (to act presumptuously) ان الكلمة تتضمن عدم وضع الخالق فى الاعتبار أو حتى انكار وجوده.
ان هذا هو الاتجاه الذى ربما اتخذه أثرياء مكة مادامت الايات التى أوردناها انفا تشير الى الثقة فى الثروة أو الاعتماد على الغنى. وكلمة (استغنى) تستعصى على الترجمة لأنها تشير الى الثروة وعدم الاعتماد على الله معا. (الثروة والاستقلال، (Wealth and independence وقد أعطاها Lane مقابلا انجليزيا هو، (free from want) لذا فقد
стр. 144
وردت فى القران الكريم لتشير الى الامتلاك الفعلى للثروة وأكثر من هذا تشير الى الاتجاه الروحى السائد بين الاثرياء. وفى الاية الثامنة من السورة ٩٢ (الليل) :
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) ..) .
يمكن نقل معنى (استغنى) * للانجليزية كالتالى:
Prides himself in Wealth
وذلك لأنه بسبب القوة المالية شعر أهل مكة بأنهم مستقلون عن أية قوة عليا، (فى غنى عنها) «١٢» .
ويجد الامتنان لله والاحساس بفضله والشكر له تعبيرا له فى العبادة، وتشير السور الأولى الى عدة أوامر متعلقة بالعبادة، بعضها موجه لمحمد ﷺ نفسه، كما فى السورة ٧٣ (المزمل) :
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) ..) .
ومن النصوص القرانية المبكرة، سورة قريش (السورة رقم ١٠٦) وهى تخاطب أهل مكة بشكل عام:
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (٤) وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٥) ..) .
وثمة نص قرانى اخر، ربما نزل بعد سورة قريش بفترة وجيزة يشير الى العبادة، ونعنى به الاية ١٤ وما بعدها من السورة رقم ٨٧ (الأعلى) :
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) ..) .
Prospered has he who Makes mention of the name of his
Lord and prays.
стр. 145
لقد كانت العبادة ملمحا مميزا لأتباع محمد ﷺ منذ البداية، وهو نفسه كان قد انخرط فى أعمال عباديه حتى قبل نزول الوحى عليه، وقد التزم المسلمون الأوائل بصلاة
الليل لفترة من الزمن «١٣» ، كما هو واضح فى سورة المزمل. وقد وجه المعارضون لمحمد ﷺ جهودهم فى بداية الأمر ضد العبادة:
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) ..) السورة ٩٦ (العلق) .
ومن ناحية أخرى نجد أنه فى الروايات المتداولة المتعلقة بايات الغرانيق التى دست فى سورة النجم (السورة رقم ٥٣) ، نجد أن علامة الايمان بنبوة محمد ﷺ هى التعبد وفقا لطريقته فى التعبد (الصلاة) .
وبشكل عام، فان ذلك يجب أن يجعلنا نحاول نسيان فكرة العبادة الشائعة فى الغرب التى تعتبر جوهرها شعورا ذاتيا Subjective ربما يوصف بمعنى حضور الله. أما العرب، فهم أكثر ارتباطا بالجوانب الموضوعية Objective للعبادة خاصة معناها أو مغزاها. فبالنسبة لأهل مكة، فلكى يسجدوا لرب البيت كما يسجد محمد ﷺ فقد يكون عملهم هذا شبيها بذلك العمل الذى توقف حين كان أنصار حزب المحافظين يرفع كل واحد منهم وردة حمراء يوم الانتخاب، أو بفعل الاشتراكيين السابقين الذين كان الواحد منهم بدوره يتباهى بوردة زرقاء. ورغم أن التشبيه هنا ذو مضمون سياسى الا أننى لا أقصد القول بأن الاسلام ليس دينا، فالاسلام دين بكل تأكيد، لكن قد تكون أفكار الغرب عن الدين هى التى يعتريها قصور.
(د) استجابة الانسان لله سبحانه- السماحة والكرم والتطهر
وعلى أية حال، فليس بالعبادة فقط يستجيب الانسان للطف الله وفضله وانما بأفعال أخرى فاضلة. «١٤» ethical activity انه لأمر
стр. 146
شائق ومهم أن نتعرف على القيم الاخلاقية التى يغرسها القران (الكريم) .
اننا نجد فى بعض الايات الأولى التى نتناولها بالدراسة فى هذا الفصل- كلمة (تزكى) وهى كلمة غامضة شيئا ما. ففى السورة رقم ٨٠ (عبس) يتلقى محمد ﷺ توبيخا من ربه لأنه صرف اهتمامه لرجل ثرى مهم أكثر مما اهتم برجل أعمى، على أنه- محمد ﷺ لا يدرى فلعل هذا الأعمى يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى (يزكى (purify himself وحتى اذ لم يزك هذا الرجل الثرى does not purify himself فلن يضار محمد ﷺ شيئا لأن من يزكى فانما يزكى لنفسه. «١٥» prospered has he who purifies himself ان مفهوم الكلمة معقد بعض الشىء وقد ناقشنا ذلك فى الملحق رقم (د) بهذا الكتاب.
أما هنا فلا بد من ايراد النتائج التى وصلنا اليها. ودليلنا الى ذلك هو الملاحظة التى أوردها الشارح ابن زيد «١٦» ان (التزكى) فى القران الكريم تعنى (الاسلام) الذى يعنى تطهير النفس باسلامها لله . ويبدو أنه عند التفسير ينحو المفسرون نحو ذلك، لكن هناك اختلافا طفيفا فيما يتعلق بالمعنى الدقيق الذى نتناوله هنا. فكلمة تزكى فى المرحلة المكية (وربما فى بداية المرحلة المدنية) ترد فى النص القرانى بالمعنى نفسه لجذر الكلمة بالعبرية والارامية والسريانية. انها اذن تعنى (التطهر الخلقى) وهى فكرة غامضة وصلت للعقل العربى من خلال تأثيرات يهودية ومسيحية، فى مقابل (التطهر الطقسى) أو (التطهر الشعائرى) ، أو (التطهر بممارسة عبادات بعينها ritual purity (الموجود فى العقائد الوثنية العربية، وفى مقابل التطهر المادى) physical كالاستحمام وغسل اليدين.. الخ) . وعادة ما يكون هذا التطهر الخلقى مرتبطا بالحياة الاخرى ويجعل المرء يفكر فى نوعيات هذه الحياة (الروحية أو الخلقية أساسا) ، حيث يحظى الانسان بالسعادة الأبدية (بالجزاء الخالد) . ويكاد يكون معنى التطهر الخلقى مساويا لما نقصده
стр. 147
بالصلاح والاستقامة والتقو، righteousness or uprightness وفى بعض الاحيان- ربما فى أغلب الأحيان- نجد الكلمة أيضا لا تعنى أكثر من أن يتخذ المرء من (الصلاح والتقوى) هدفا له وشعارا فى الحياة.
ان الكلمة- على هذا- وصف لما يمكن مقارنته بأسلوب الحياة الذى اتبعه محمد ﷺ قبل البعثة، مع تركيز على الجوانب الخلقية.
ما تفاصيل ذلك؟ وما المحتوى الخلقى لهذه العقيدة فى شكلها الأصلى؟ اننا لا نجد الكثير مما يساعدنا فى قائمة اسماء المسلمين الأوائل. ونحن نجد توجيهات لمحمد ﷺ (رغم أن هذه التوجيهات قد تكون لغيره) ، ففى السورة رقم ٩٠ (البلد) نقرأ:
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) ..) .
وفى السورة رقم ٩٣ (الضحى) نقرأ:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ..) .
لا بد اذن أن نخطو خطوة أخرى، وفيما يلى أمثلة مما ورد فى السور التى أوردها نولدكه باعتبارها نزلت فى المرحلة الأولى، والتى اعتبرها بل Bell أيضا من السور المكية المبكرة أو المكية عامة. وسنوردها كاملة هنا لأنه من الأهمية بمكان أن نصل الى انطباع كامل عن هذه الايات.
السورة الأولى وفقا لترتيب نولدكه التى تعبر عن هذه المعانى الخلقية هى سورة الهمزة (السورة ١٠٤) الايات من ١ الى ٣:
стр. 148
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) ..) .
والنص القرانى التالى، وهو أيضا من أوائل ما نزل من القران الكريم، يمكن أن نجعل له عنوانا هو (الطريقان) «١٧» :
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) ..)
السورة ٩٢ (الليل) .
وتشير السورة ٦٨ (القلم) فى الايات من ١٧ الى ٣٣ الى قصة رجال قرروا جمع ثمار بستانهم فى يوم بعينه دون أن يجعلوا للفقراء نصيبا منه وأصبحوا فلم يجدوا ثمارا واكتشفوا أنهم من الطاغين.
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) ..) .
стр. 149
وفى سورة النجم (رقم ٥٣) نقرأ هذه الايات:
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) ..) .
والمعنى نفسه نجده فى سورة العاديات (رقم ١٠) :
(إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ..) .
وفى سورة الفجر (٨٩) نجد تأنيبا للانسان على سلوكه:
(كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) ..) .
وفى سورة الحاقة (٦٩) نقرأ هذا الوصف لرجل كان لا يؤمن باليوم الاخر:
(إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) ..) .
وقد قدمت لنا سورة الذاريات (٥١) - من ناحية أخرى- وصفا للأتقياء كالتالى:
(كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) ..) .
وعلى النحو نفسه نقرأ فى السورة (٧٠) (المعارج) وصفا لمن يدخل جهنم لأنه جامع للثروة بخيل بها:
стр. 150
(كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) ..) .
ان محتوى هذه الايات- بالاضافة لشجب الكفر بالله ورسله ورسالاته- يتصل بالجانب الأخلاقى. ان الايات تشير- ببساطة- الى أنه أمر طيب أن نطعم الفقراء والمحرومين، وانه لأمر سيىء أن نجمع المال لأنفسنا. وأكثر من هذا، ان هذا هو المحتوى الأخلاقى الوحيد للسور التى درسناها (باعتبارها أول ما نزل من القران الكريم) اذا استثنينا من ذلك الاشارة للمطففين (العابثين بالكيل والميزان) * فى سورة المطففين، والاشارة لعدم العفة فى سورة** المعارج، وهذه الايات ربما نزلت فى المرحلة المكية المتأخرة والمدنية على التوالى «١٨» . والاشارة الى قتل الأطفال فى السورة ٨١ (التكوير) وهى مسألة خطيرة وليست عادية أبدا*** تجعلنا أمام حقيقة مثيرة ومربكة، وتعد معضلة ذات أهمية كبيرة لفهم طبيعة الكيرجما القرانية) Quranic Kerygma المقصود خواص المحتوى القرانى) . فالجانب الخلقى (الأخلاقى) المتعلق بالوصايا) decalogue الكلمة الانجليزية المستخدمة تعنى الوصايا العشر) لا وجود لها غالبا، فليس هناك اشارة الى احترام الوالدين واحترام الحياة، والزواج والملكية، والصدق فى الشهادة- فى بواكير ما نزل من القران، كل ما فى الأمر هو النهى عن تمنى أو اشتهاء ما فى أيدى الاخرين، فالقيم الأخلاقية فى أول ما نزل من القران الكريم مرتبطة بالسخاء والبخل.. وهى أمور يمكن أن ينظر اليها الغرب باعتبارها أشياء غير مفروضة أو من قبيل النوافل أو زائدة عما هو مطلوب من الانسان.Supererogation
стр. 151
(هـ) مهمة محمد
بعض الايات التى تناولناها لتونا هى بمثابة أوامر موجهة بشكل أساسى لمحمد ﷺ نفسه، لكنها تمتد لتشمل أتباعه أيضا، لكن هناك ايات موجهة له واحده لتحدد مهمته واحده.. وهذه المسألة غير واضحة فى أوائل ما نزل من القران (وفقا للقائمة التى أوردناها فى هذا الفصل) ، رغم أن وجودها غير منكور، فمسألة نبوته أو وضعه كنبى ظهرت كمسألة تتمحور حولها الايات بعد ذلك. وفيما يلى نذكر الايات الموجهة للنبى ﷺ ويمكن أن تعنى أيضا أتباعه، وأخرى موجهة له فحسب:
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ..) السورة ٧٤ (المدثر) .
(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) ..) . السورة ٨٧ (الأعلى) .
وكلمتا (أنذر) و (ذكر) (بشديد الكاف وكسرها) تعنيان بالانجليزية warn و، remind كما نجدهما أيضا فى صيغة اسم الفاعل (نذير) * و (مذكر) (بتشديد الكاف وكسرها) . وكلمة (أنذر) قريبة تماما من الفعل الانجليزى Warn الذى يعنى العمل المنطوى على اخبار شخص بأمر خطير أو مضر أو مرعب ليتخذ الحيطة أو الحذر. واستخدام كلمة (أنذر) فى أوائل ما نزل من القران الكريم يعنى أن فكرة الحساب فى اليوم الاخر كانت موجودة بشكل أو باخر فى الدعوة الاسلامية منذ البداية.
ونظرا لأهمية الحساب فى الآخرة والجزاء فى الدنيا فى أواخر الحقبة المكية، فليس غريبا أن ترد كلمة (نذير) أكثر من أربعين مرة فى القران الكريم، كما وردت كلمة (مذكر) مرة واحدة. وقد قدم لنا لين «١٩» Lane شرحا للاستخدام القرانى لكلمة (ذكر) كالتالى:
стр. 152
(بذكر الثواب والعقاب، يحذر الله سبحانه ويحث، يحثهم على الطاعة، ويقدم لهم النصائح الطيبة ويذكرهم بنتائج أعمالهم، وبما ينقى القلب ويجعله رقيقا..) ومضمون الكلمة الانجليزية remind يشتمل على أن الشخص المخاطب (بفتح الطاء) يعرف بالفعل شيئا عن الله واليوم الاخر، لكن للكلمة العربية استخدامات أوسع فالمعاجم العربية التى رجع اليها لين Lane توضح أن remind الانجليزية لا تركز على المفاهيم السابقة.
نخلص من هذا الى أن أوائل ما نزل من القران الكريم حدد مهمة محمد ﷺ بلفت نظر الناس الى ما ذكرناه انفا فى الفقرتين (أ) و (ب) .
٣- العلاقة الوثيقة بين الرسالة والأحوال المعاصرة
ما قلناه على سبيل التفسير لهدف ومضمون أوائل ما نزل من القران ينطلق من منطلق معقول جدا، وهو أن الرسالة (الكيرجما (Kerygma كانت مرتبطة على نحو خاص بمكة فى ذلك الوقت.
ومهمتنا الان هى الاجابة عن هذا السؤال: كيف كان ذلك؟ لقد ألقى الفصل الأول الضوء على أوضاع مكة، لكن ما نعلمه من خلال التاريخ التقليدى للعصر الجاهلى، ومن خلال الأشعار أمر مهم لا بد من الحاقه بهذه الدراسة، لندرك تشخيص الأمراض الاجتماعية كما عبرت عنها رسالة القران (الكريم) نفسه. لذا، فمن الملائم أن نناقش التشخيص والعلاج فى الوقت نفسه تحت رؤس أقلام أربعة: الجانب الاجتماعى، والأخلاقى والعقلى والدينى.
(أ) الجانب الاجتماعى
كان الاتجاه العام- كما اتضح فى الفصل الأول- ينحو نحو تفكك التضامن الاجتماعى، ونحو ازدياد النزعة الفردية. ومن بعض الجوانب
стр. 153
كانت التنظيمات القبلية والعشائرية لا تزال قوية، وان كان بعض الناس لم يكونوا يترددون فى غض الطرف عن الروابط العشائرية. وكان هذا هو الوضع فى مكة خاصة، ذلك لأن الحياة التجارية فى مكة قد أسرعت بظهور الفرديه حيث المصالح الماليه والماديه هى أساس المشاركة، مثلها فى ذلك- غالبا- مثل العلاقات القبلية والعشائرية blood relationship.
فجمع الثروات الضخام- وهو ما اشار اليه القران الكريم على أنه الشغل الشاغل لكثير من أهل مكة- يعد علامة على هذه الفردية. والحكاية ذات المعنى الرمزى عن أصحاب الجنة (البستان) التى أشرنا اليها انفا (فى السورة رقم ٦٨/ الاية ١٧ وما بعدها) تمثل عملية تحالف لاحراز الاحتكار فى مجال من المجالات واغلاق فرص النجاح أمام المنافسين، فليس هناك فى الايات ما يشير الى أن هؤلاء الملاك للبستان كانوا من عشيرة واحدة.
وبينما يبدو من غير المعقول أنه كان فى مكة زيادة فى عدد الفقراء ذوى الفقر المدقع، الا أنه من المحتمل أن تكون الفجوة بين الأثرياء والفقراء كانت قد اتسعت فى نصف القرن الأخير، فالقران الكريم يشير الى زيادة الوعى بالفرق بين الأغنياء والفقراء- أو ربما يجب أن نقول: بين الأغنياء من ناحية وغير الأغنياء والفقراء من ناحية أخرى، ومن الواضح أيضا أن الأغنياء لم يكونوا يعبأون بالفقراء وغير ذوى النفوذ، حتى من بين أفراد العشائر التى ينتمون اليها. وربما كانت الاشارة الى الأيتام تفيد أنهم كانوا لا يعاملون معاملة حسنة من أقربائهم الأوصياء عليهم، وفى سورة عبس (رقم ٨٠) صورة لمحمد ﷺ تبين أنه- للحظة- قد جارى العرف السائد فى مراعاة الأثرياء وذوى النفوذ وعدم الاهتمام بالاخرين.
كل هذا لا بد أن يعنى افتقاد روح الجماعة (أو معنى الجماعة (the sense of community فالانسان حيوان اجتماعى يصبح غير سعيد اذا لم يكن له جماعة ينتمى اليها. فالأساس أو المبدأ الجديد الذى أصبح صائدا فى الجماعة هو الذى تجلى فى المصالح المادية لكن هذا لم يكن بديلا مرضيا للعلاقة العشائرية أو القبلية، Kinship by blood لكنه قد يؤدى الى تحالف كبير (كونفدرالية كبيرة) كالتى تكونت لتأليف
стр. 154
حملة لحصار المدينة فى السنة الخامسة للهجرة. لكن هذا التحالف القائم على المصالح كان دائما عرضة للتفسخ، بمجرد أن يحس أن مصالحه متعارضة مع مصالح الجماعة ككل. كما أن مثل هذا التحالف قد يكون مفيدا فى القضايا الكبرى والأعمال التجارية الضخمة والسياسات، لكنه أقل اقناعا فى الحياة اليومية لمن هم أقل شأنا. وفى هذا الجو، اختفى معنى الأمن فى العيش فى أحضان الأقرباء، وبذلك كان هناك فراغ أمنى ظل شاغرا بعد تقطع أواصر القبيلة والعشيرة (فى مكة) .
والايات القرانية الأولى (وفقا للقائمة التى أوردناها فى هذا الفصل) لم تقدم سوى تنبيه للعلاج الحقيقى لهذا الوضع، أعنى أنها ركزت على أن الأساس الجديد للتضامن الاجتماعى انما يكمن فى الدين.
وربما كان التركيز على واجبات الكرم (المقصود الاحسان الى الاخرين) مقصودا به تخفيف حدة المشاكل، فلا بد من تقديم المساعدة المادية للفقراء (رغم أن هذا بلا شك، لم يكن الهدف الأساسى للكلام) ولا بد أن يتوقف النظر للمال كقاسم اجتماعى كبير، فالأثرياء- الى حد ما- لا بد أن يعتبروا أنفسهم (وكلاء (stewards فى ثرواتهم، أكثر من أن يعتبروا أنفسهم مالكين لها ملكية مطلقة. ومبدأ الوكالة هذا Stewardship كما يسميه الغرب فى بعض الأحيان- يعنى أن الانسان الذى حصل ثروة لا يجب أن يستخدمها لسعادته ومتعته فحسب وانما- الى حد ما- لسعادة مجتمعه، هذا المعنى الكامن فى مبدأ (الوكالة) الغربى يظهر واضحا فى سورة المعارج (٧٠) :
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) ..) .
فما يأخذه السائل والمحروم حق.recognized right ومن ناحية أخرى لم يحاول الاسلام أن يستعيد النظام القديم المبنى على التضامن القبلى فقد استقر مبدأ وعى الفرد بفرديته، وكان لا بد أن يكون مقبولا، كما كان لا بد من وضعه فى الاعتبار، فقد قدم لنا القران الكريم اليوم الاخر على أنه يوم يحاسب فيه كل فرد عن عمله، وفى السورة ٨٢ (الانفطار) :
стр. 155
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ..) .
أى أنه فى هذا اليوم لا يكون لأحد سلطة أو نفوذ لنفع الاخر أو ضره. ونقرأ فى السورة ٣٥ (فاطر) :
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ..) .
لكن لا بد أن نذكر أنه فى السور المدنية حيث تكون المجتمع الاسلامى، كان هناك تركيز على مسئولية الفرد تجاه أقربائه:
( ... وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (١٧٧) ..) .
(ب) الجانب الأخلاقى
لا تتناسب مثل المروة البدوية مع المجتمع التجارى، فالقيم التى تؤدى للنجاح فى مثل هذا المجتمع ليست الشجاعة فى القتال والصبر على المكاره، والاصرار على الثأر وحماية الضعيف وصد القوى، وانما قد يكون أول ما تتطلبه بعض الارتباط بأمور القوافل، ثم لن تسير الأمور بعد ذلك فى المسار الخاطئ، لكن اذا ترجم مبدأ (الاصرار على الأخذ بالثأر) ليصبح بمعنى التصدى لارجاع الحق لصاحب الحق، فهناك مسألة وراء ذلك، ليس من المعقول أن يفعل التاجر ذلك، فالنجاح فى مضمار التجارة والمال مرتبط باهمال الضعيف وتوثيق عرى الصداقة مع القوى (نظريا فى حدود المعاملات المستقيمة) . فالفضيلة البدوية المتمثلة فى حفظ الأمانة كانت بالتأكيد أمرا مهما؛ لأن حدا أدنى من الاستقامة فى العمل التجارى يعد أمرا ضروريا لتكوين الثقة التى هى بمثابة شحم
стр. 156
يساعد على ادارة عجلة الأعمال التجارية، وحلف الفضول «٢٠» يبدو أنه كان تنظيما الهدف منه مواجهة ممارسات اتسمت بقلة الذمة وانعدام الضمير. والانشغال بالأعمال المالية الكبرى- مرة أخرى- لا يعنى بالضرورة الكرم، بل قد يعنى العكس مادام رجال المال يحاولون دائما زيادة أرصدتهم المالية (كما يشير القران الكريم) ، ومن ناحية أخرى فان الحاجة للاحسان (اعانة الاخرين) فى مدينة مثل مكة ربما كان أمرا مهما كالحاجة اليه فى الصحراء.
فالاعتراف بمثل المروة كان بمفهوم شرف القبيلة وكان- على نحو أقل- بشرف الفرد المنتمى للقبيلة. وكانت قوة الاعتراف بمبدأ شرف القبيلة فى الرأى العام متجذرا، وكان التعبير عن الرأى العام وصياغة قيمه- فى الأساس- مهمة الشعراء. وفى ظروف الصحراء قد نتوقع أن القبائل الأقوى أمثلة مقبولة للمروة، وان هذه القبائل لا بد وأن تكون قادرة على حث الشعراء على مدحها، سواء أكانوا شعراء من داخل القبيلة أم فى خارجها. لكن بزيادة الثروات الضخام فى مكة- يظهر أن الرأى العام لم يعد يوضع فى الاعتبار كثيرا، حتى بالنسبة للرأى العام لدى العرب عموما. فالثروة قادرة دوما على شراء مديح الشعراء عند الضرورة، لكن الانطباع الذى يخرج به المرء هو أن ذلك لم يكن ضروريا (ليس هناك مبرر لدفع الأموال طلبا لمدح الشعراء) ، فلم يكن أهل مكة يقيمون وزنا كبيرا للشعر. وربما كان تشعب سلطة أثرياء مكة عظيما منتشرا مما دفع الى استحسان أفعالهم (أو على الأقل الى الكف عن نقدهم) ، رغم أن مدحهم لم يكن أمرا يتسم بالصدق.
ما ذكرناه لتونا هو فى جزء منه استنتاج من الحقيقة التى مؤداها أن أفعال الكرم التى أشار القران الكريم الى أنها كانت تنقص أهل مكة، كانت أفعالا ينظر اليها البدو باعتبارها شيئا جديرا بالاحترام. ففضيلة الكرم- التى هى نقيضة للشح أو البخل- كانت جزا من المثل العليا العربية القديمة. فكما ذكر لامانس Lammens أنه «من بين أفكار
стр. 157
البدو.. أن الثرى (صاحب الثروة) يبدو لهم ببساطة كمستودع للثروة (حافظ لها أو أمين عليها (depositaire انه واضع يد بشكل مؤقت على ثروته، وأن مهمته هى توزيعا عند الضرورة على أفراد قبيلته.. انها وسيلته لاظهار كرمه وفداء الأسرى ودفع ثمن المديح الذى يقدمه الشعراء «٢١» » .
وقد يكون هذا القول عرضة للنقد على أساس أنه يغافل ذكر أن وضعية سيد القبيلة أو شيخها داخل القبيلة تتيح له فرصا لزيادة ثروته.
وتركيز القران الكريم على الاحسان والصدقة.. الخ يعنى أن قيم الكرم كانت قد انهارت فى مكة، أولم يعترف بها كقيم مهمة، فقد كان سلوك أثرياء مكة من النوع الذى كان يعتبره أهل الصحراء سلوكا غير شريف، لكن لم يكن هناك فى مجتمع مكة ما يجعلهم يشعرون بالخجل منه (لأنه هو الطابع العام للسلوك فى مكة) لقد كانت المثل العليا القديمة قد أصبحت مهجورة تماما.
وكانت استجابة القران الكريم لهذا الوضع ذات أبعاد مختلفة.
فبتركيزه على السخاء والكرم (المقصود الصدقة والزكاة..) انما يحيى جانبا من جوانب المثل القديمة عند العرب، ولا يا بنى من فراغ وانما يا بنى على قواعد أو أسس كانت موجودة بالفعل فى الروح العربية.
وأكثر من هذا، فقد كانت روح السماحة والكرم ذات صلة بالظروف فى مكة (المقصود أن الاشارة اليها تثير أمورا ذوات صلة بالأوضاع فى مكة) . وفى الوقت نفسه، فان القران الكريم ربط بين روح السماحة والكرم (المقصود الزكاة والصدقات ... الخ) بالثواب والعقاب فى الحياة الاخرى. فالبخلاء الممسكون سيلقون عذابا أبديا. ولم يكن لهذا تأثير بطبيعة الحال اذا لم يكن الناس مؤمنين باليوم الاخر، لكن الى حد ما- كان هناك شىء ما قد تم افرازه كان قادرا على سد الفجوة الناشئة عن انهيار الوازع القديم، وظهور وازع جديد مختلف فى مجتمع الفردية.an individualistic Society
стр. 158
وعلى أية حال، فالمسألة لم تكن بسيطة، انها ليست مجرد احياء للمثل البدوية القديمة وانما كانت انتاجا لمثل عليا أخلاقية جديدة تتناسب وحاجات الحياة المستقرة. فكان انقاذ ما يمكن انقاذه جزا من المهمة لكنه أصغر أجزائها. فكثير مما هو جديد سيكون مطلوبا أيضا، وقد تناول القران الكريم هذا الجزء الأكبر فى بواكير ما نزل منه بتمهيد الطريق لايجاد قيم أخلاقية جديدة، أعنى أوامر الله ورسوله التى عن طريقها ستصل هذه القيم الجديدة. وقد وجه القران الكريم أوامره فى شكل مبادئ أو قيم عامة، دون التعرض للتفاصيل: وكون هذه القيم الجديدة التى يبثها القران الكريم ما هى الا أوامر من الله سبحانه، فان ذلك يشكل وازعا جديدا للالتزام بها، هذا الوازع الذى ارتبط بالحساب فى اليوم الاخر، لقد حل هذا الوازع فى بعض الحالات محل أى وازع قديم.
وصعوبة هذه المهمة الجديدة تتضح بالنظر الى القدر فى مفهوم (التزكى) . فالمعنى الأصلى للتزكى- فيما يبدو- قريب من معنى الصلاح والتقوى، وربما انطبق معنى الكلمة على الانسان الذى يؤمن بالمبدأ الذى مؤداه أن قدر الانسان النهائى أو مصيره النهائى معتمد على القيم الأخلاقية التى يطبقها فى حياته. وعلى أية حال، فان هذا المفهوم لم يكن مفهوما عربيا محليا، وبدأ بالتدريج يختفى من القران الكريم (المقصود أنه ورد فى أوائل ما نزل من القران ولم ينزل فى أواخر ما نزل منه) وحلت محله فكرة اسلام الوجه لله أو التسليم بقضاء الله وقدره.
وحتى اذا كان هناك تركيز شديد على الجانب الأخلاقى للتزكى بالقول ان هذه الكلمة تعنى الصلاح والتقوى، فان اهمالها (عدم نزولها بعد ذلك) يعد مثالا على الصعوبة الكامنة فى ايجاد مفاهيم جديدة يمكن أن تتجذر بنجاح وتلتحم بعمق فى القيم المحلية (العربية) عميقة الجذور.
(ج) الجانب العقلى
الجوانب العقلية للمسائل التى واجهت العرب أيام محمد ﷺ أقل أهمية، لكن لا ينبغى اهمالها تماما، فهناك نقطتان مهمتان يجب وضعهما فى الاعتبار.
стр. 159
الأولى أن أهل مكة كانوا على وعى كامل بقدرات الانسان لكنهم نسوا خلق الانسان (بفتح الخاء) ، وكانت النظرة البدوية على وعى كبير أيضا بقوة الانسان، لكنها نظرة خفف من غلوائها اعتقادهم فى القضاء والقدر، واذا تناولنا التراث الاسلامى باعتباره دالا بعض الشىء على النظرة الجاهلية «٢٢» (النظرات التى كان سائدة قبل ظهوره- أى الاسلام) ، فهناك أربعة أمور خارج سيطرة الانسان: الرزق، وساعة الوفاة، والسعادة والشقاء (فى الحياة الدنيا) ، وجنس المولود (ذكر أم أنثى) ، وخارج هذا فللانسان أن يفعل ما يشاء، ان فى استطاعته أن يمارس كل ما تنطوى عليه كلمة (المروة) خارج هذه الأمور الأربعة التى لا يد له فيها وسواء تصرف وفقا لما تقتضيه مبادئ المروة أم لا، فان هذا يتوقف عليه هو (على الشخص نفسه) ، وعلى ميراثه (من أجداده) ، وان كان هذا العنصر الأخير غير محدد بما فيه الكفاية كما أنه مرتبط بما لا دخل للانسان فيه. وعلى أية حال، فهذه الحدود للقدرة البشرية التى اعترف بها البدو لم تكن واضحة تماما فى مكة، فالقوة المالية يمكنها أن تعوض كثيرا مما يترتب على نقص المطر، والمجاعة يمكن معالجة نتائجها بالاستيراد. ومرة أخرى، فقد كان من اليسير طوال جيل أو جيلين اعتبار امتلاك ثروة كبيرة أمرا مرتبطا بالسعادة، بل قد تبدو الثروة قادرة على مد أجل الانسان، وهكذا كانت هناك مبالغة فى تقدير قدرة الانسان وسلطانه وطغيانها على الحياة العقلية فى مكة.
والنقطة الثانية المهمة لا تبعد عن النقطة الأولى التى ذكرناها لتونا بل انها شديدة الارتباط بها، فحقيقة أن زعماء مكة- الذين كان فى حوزتهم أكبر قدر من السلطة السياسية- لم يكونوا أمثلة بارزة للمروة، ولا بد أن هذا قد أثار شكوكا عقلية لدى المفكرين فى ذلك العصر- شكوكا حول جوهر المروة كقيمة، وربما أيضا أثار شكوكا حول أثر الوراثة فى انتقال المروة أو على الأقل القدرة على تحمل قدر كبير منها. ومثل هذه الأفكار تقوض الأساس النظرى للتضامن القبلى وتشجع التطور نحو الفردية.
стр. 160
وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، فان أوائل ما نزل من القران الكريم لا يشير اليها الا قليلا غير أنه ربط بين بعض جوانب المروة- خاصة الكرم- وثواب الله سبحانه فى الآخرة. وهناك ما يمكن قوله عن مسألة القضاء والقدر فقد كان الوثنيون ينسبونها للزمن أو (الدهر) ، بينما نسبها الاسلام لله سبحانه. وقدرة الله سبحانه وكونه خيرا تتجلى فى انباته للنبات الذى هو رزق، والله سبحانه هو الذى خلق الانسان، وجعله ذكرا أو أنثى، والله هو الذى يميت ويحيى، وفى الآخرة فانه سبحانه هو الذى يهب الانسان سعادة أبدية أو يزج به فى عذاب دائم.
(د) الجوانب الدينية
الجوانب الدينية لقضايا مكة قبل الاسلام مرتبطة بقضايا حياتهم، بمعنى أنه من خلالها يجدون معنى للحياة وأهمية لها. لقد وجد الدين البدوى القديم معنى للحياة فى الشرف، وبدرجة أقل فى فكرة استمرار القبيلة، فالقبيلة هى تجسد للشرف- وكانت الفكرة عن القبيلة هى الأكثر قابلية للتطبيق. وهذا الاتجاه الدينى القديم كان قد تحطم فى مكة بسبب تطور الاتجاه الفردى وازدياده وبسبب ضعف الرأى العام وقلة أهميته كأساس لاحراز الشرف، وبسبب عدم كفاية فكرة المروة التى كانت أساسا للشرف. وفى مكة، لم يكن هناك مثل أعلى جديد، فقد حلت فكرة التفوق بالاستحواذ على الثروة بدلا من الشرف، ونتج عن هذا مجموعة قيم أخرى مرتبطة بها. وكانت هذه الأفكار تمثل مثلا (بضم الميم والثاء) ودينا ربما لم يكن يرضى الا قلة من الناس وعلى امتداد جيل أو جيلين، فلم يكن ذلك يرضى مجتمعا كبيرا على المدى الطويل. فالناس سرعان ما يدركون أن هناك أشياء لا يمكن شراؤها بالمال. وفى أفضل الأحوال فانهم يستطيعون- فقط- أن يجدوا معنى وأهمية فى كونهم أثرياء، ان هم غضوا الطرف عن حقائق أخرى غير سارة كالمرض والموت خاصة الموت المبكر. ففى أى مجتمع مهما كان حجمه توجد أمور غير سارة تتج؟؟؟ ع لتقتحم عنوة حياته، خاصة حياة الأثرياء منهم، هذا اذا نحينا الفقراء الذين يجدون صعوبة فى نسيان أنهم أقل حظا من الناحية المالية. ان
стр. 161
الاضطراب العائد الى عدم كفاية هذا الدين (دين عبادة المال) ربما شعر به بشكل حاد متوسطو الثروة (غير الأثرياء جدا) ، فهؤلاء كان لديهم من الوقت كى يتأملوا وكى يكونوا على بعض الوعى بحدود ما يقدر عليه المال، أو بتعبير اخر قصور سلطان المال.
ويشير القران الكريم فى أوائل ما نزل منه الى ثقة قريش المفرطة فى المال باعتبارها خطيئة حاقت بها، واعتبر- أى القران الكريم- ذلك واحده كافيا للادانة. فالثقة فى الثروة تجر وراءها المبالغة فى الثقة بالنفس وتجر الانسان الى نسيان اعتماده على الله، أو حتى انكار ذلك.
ولكى يذكر القران الكريم الانسان أنه مخلوق، فقد جعله يتحقق من أن كثيرا من الأشياء التى تسبب له السعادة- بما فيها المال- انما هى فى الحقيقة ملك لله تعالى، فتحدث القران الكريم عن خلق الله للانسان وتزويده بكل ما يجعل السعادة فى الحياة أمرا ممكنا، وذكر الانسان بأنه سيعود الى الله فالى الله المصير. لقد حض القران الكريم على شكر الله وعبادته والاعتراف بفضله والاعتماد عليه، وأن يتخلى الانسان عن الاعتماد المبالغ فيه على الثروة، وكان ذكر اليوم الاخر بمثابة تحذير للانسان من أن مصيره النهائى بين يدى الله وليس بين أيدى البشر.
وفى مقابل كل هذا لا بد أن نحاول فهم التركيز على قيم الكرم، فمثل هذه القيم لها أثرها الاجتماعى والاقتصادى لكن يكاد يكون مؤكدا أنها لم تكن أهم جوانبها. لقد كان ذكرها بمثابة اعادة تأكيد على قيم (المروة) ، وكان هذا أمرا مهما، لكن كانت هناك أمور أخرى أيضا. لقد كانت هناك ممارسات عملية بمعزل عن الثروة، وكان هناك تعبير خارجى عن هذا الاتجاه الجديد الداخلى (العميق) لا بد من وجوده لتقوية الفكرة الكامنة وراءه.. لكن من المؤكد أنه بمرور الوقت، فان هذه الأفعال المتعلقة بالكرم أصبحت مرتبطة بشىء ما راسخ وعميق الجذور فى قلب العربى. لقد أصبحت أفعال الكرم (المقصود الصدقات والزكاة..
الخ) كنوع من التضحية (تقديم الأضحيات) ، لاسترضاء القوى الأقدر لاتقاء غضبها وكسب رضاها. انها استمرار لما كان يفعله اباؤهم وأجدادهم
стр. 162
الوثنيون من تقديم أضحيات للالهة الوثنية. انه من الصعب أن نقول الى أى حد كانت هذه الفكرة ماثلة فى عقول المسلمين الأوائل، لكن يمكن القول بصعوبة انها كانت حاضرة فى الوعى، اذا نظرنا للتطورات التى حدثت بعد ذلك والتى شجع عليها القران الكريم، واذا كان الأمر كذلك فان أفعال الكرم هذه (زكاة وصدقات.. الخ) التى تحض على تقديم أضحيات كان لها مكان عميق فى قلوب المسلمين الأوائل، ولا بد أنها أصبحت تعبيرا أكثر تقدما على اعتماد الانسان على قوى عليا (المقصود على الله سبحانه) .
أما والأمر كذلك، فان التعاليم الظاهرة فى أول ما نزل من القران الكريم تبلغ ذروتها فى بيان قوة الله سبحانه وكونه خيرا، وكونه خالقا عادلا، وفى حث الانسان على الاعتراف بذلك والتعبير عن اعتماده على الله سبحانه.
٤- مزيد من التأمل
(أ) الظروف الاقتصادية والدين
تشخيص الأوضاع فى مكة كما قدمها لنا القران الكريم تشير الى أن الاضطرابات والمشاكل القائمة وقت نزوله كانت- فى الأساس- دينية. وقد افترضنا فيما ذكرناه انفا أن ظهور الاسلام كان- على نحو ما- مرتبطا بالتغير من حياة البداوة الى الاقتصاد التجارى.mercantile economy أهناك تعارض بين المنظورين؟ أم يمكن التوفيق بينهما؟
ان السؤال يثير قضايا أساسية، لكن من منطلق عقيدة التوحيد والايمان بوجود الله Theism لا بد من التعرض للنقاط التالية:
التغير الاقتصادى لم يحدث فى فراغ، وانما فى مجتمع له بالفعل تكوينه الاجتماعى والأخلاقى والعقلى والدينى. وأمراضه أو علله راجعة للتشابك أو التداخل الناتج عن هذا التغير، بالاضافة الى أسباب أخرى سابقة عليه
стр. 163
(أى سابقة على هذا التغير) وبتعبير اخر، فان هذه الاضطرابات وتلك العلل، ما هى الا نتيجة فشل الانسان فى التكيف مع التغيرات الاقتصادية بسبب اتجاهات معينة ظل محتفظا بها من فترة ما قبل التغير.
لقد أدت الظروف الاقتصادية الجديدة الى زيادة ثقة الانسان فى نفسه دون يعى أنه مخلوق، وأدت الى زيادة الفردية دون أن يعى ضرورة المثل الأخلاقية العليا يوازن بها طموحه الفردى، وبدون نظرة دينية جديدة تعطى الفردية معناها.
فالمسألة اذن هى اعادة تكييف الانسان مع الظروف الاقتصادية المتغيرة، وهذا يتطلب التعاون الواعى بين البشر، وما أتى به القران الكريم يفترض أنه أعطاهم تحليلا للموقف سيجعلهم يعيدون تكييف أنفسهم فى ضوئه. ويقدم لنا القران الكريم تحليلا للموقف غير مفصل لكنه كاف للأغراض العملية كما أنه بمثابة دليل للعمل. لقد كان المظهر الذى سرعان ما ظهر نتيجة هذه الاضطرابات الاجتماعية وعدم التكيف هو الانانية التى اتصف بها البعض، والتى أدت بهم الى استغلال الظروف الجديدة لتحسين أوضاعهم على حساب رفاقهم وانتكسوا فراحوا يفخرون بفدراتهم البشرية وفشلوا فى التعرف على الله سبحانه. ان القران الكريم يذكر الانسان أن هناك عوامل أخرى أهملها أو أنكرها وهى أنه فى غدوه ورواحه معتمد على قوة أعلى منه، وأن هناك موتا وحياة أخرى فيها حساب، أو ان أردنا التعبير بطريقة مختلفة راح القران الكريم يذكرهم بوجود محيط زاخر بالمعانى والأهمية فيما وراء الزمان والمكان.
لقد صور القران الكريم علل العصر باعتبارها راجعة فى الأساس لأسباب دينية رغم تياراتها الكامنة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وبالتالى فان علاجها لا يمكن الا بوسائل- فى الأساس- دينية. واذا نظرنا الى نجاح جهود محمد ﷺ ، فلا بد أن نحكم بأنه رجل جسور لأنه ناقش حكمة القران.
(ب) أصالة القران الكريم
يجب- فى رأيى- أن ننظر للمحتوى القرانى على أنه عامل خلاق طرأ على الموقف فى مكة (المترجم: الكاتب يتحدث عن أوائل ما نزل
стр. 164
من القران الكريم) ، مهما كانت نظرتنا نحن الأوربيين اليه من الناحية اللاهوتية. لقد حل بالتأكيد مشكلات ولقد قضى على توتر كان البعض يسعى للتخلص منه، لكنه من المستحيل أن ننتقل من هذه المشاكل أو القضايا أو التوترات الى المحتوى القرانى (العقيدة القرانية (Kerygma ونحن غير مسلحين سوى بالتفكير المنطقى والاستدلال العقلى. فمن وجهة نظر العلمانيين الأوربيين (الذين لا يضعون العوامل الدينية أو الغيبية فى اعتبارهم عند تحليل مثل هذه الموضوعات) ، ربما أمكن القول أن محمدا ﷺ عندما كان يسمع من مصادر معتادة أفكارا بعينها، فانه كان يتحقق أنها حل للمشكلات التى يواجهها، ومن خلال التجربة والخطأ استطاع بالتدريج أن يا بنى نظاما. لكن حتى من خلال هذه النظرة العلمانية لا يمكن شرح مسار الحوادث بطريقة مقنعة. لقد حل القران الكريم مشاكل اجتماعية وأخلاقية وعقلية، لكن ليس دفعة واحدة وانما على مراحل وبتدرج غير محسوس. قد يقول العلمانيون انه لمن محض الصدفة ولأسباب ثانوية أن محمدا راح يتردد عبر الأفكار التى اعتقد أن فيها حل المشاكل الأساسية فى عصره، وأن ذلك ليس أمرا بعيدا عن المعقولية.
ان هذا القول لا هو مبنى على الملاحظة والمشاهدة والتجربة حتى نقول انه تفكير علمى، ولا هو تفكير صارم أو دقيق بما فيه الكفاية بحيث نقول انه ينطبق على المحتوى (الكيرجما) القرانى. ان المؤكد أن محمدا ﷺ لم يدخل فى مسألة التحليل المجرد للوضع القائم كما نفعل نحن هنا.
وبالنسبة للعلمانيين، فان أفضل وصف هو (الحدس) أو (البديهة) مع خيال خلاق، أو شىء كهذا. وانى أحاول أن أقف على الحياد بين رأى هؤلاء العلمانيين من ناحية وما يقوله المسلمون من أن هناك عاملا الهيا، أو سببا الهيا لتفسير الأحداث.Divine irruption
وعلى أية حال، فان هذا العامل لم يكن منفصلا عن الوسط الذى ظهر فيه. فكما اتضح من الفقرات السابقة، لقد كان متلائما مع ظروف مكة حوالى سنة ٦١٠ للميلاد فلم يكن الوحى باللغة العربية فحسب، لكنه أيضا كان فى كثير من جوانبه عربيا فى تكوينه رغم أنه نص لا يوجد نص فى الأدب العربى يشبهه تماما. وفوق كل هذا، فقد صيغ الوحى فى
стр. 165
مصطلحات تعبر عن المفاهيم والصيغ الفكرية للعرب المعاصرين ونظرة أهل مكة. فمن غير العربى يختار الجمل دون غيره من مخلوقات الله للدلالة على عظمة الله سبحانه «٢٤» ؟ والصفات الاخرى التى يشير بها القران لقدرة الله سبحانه هى- بلا شك- متناسبة مع العرب خاصة. وأفعال الكرم التى يحث القران الكريم عليها تتمشى مع المثل البدوية القديمة.
أنه لامر بديهى أن يبدأ أى مصلح بمخاطبة الناس كما هم (واضعا فى اعتباره أفكارهم الموجودة فعلا) . ويمكن شرح ذلك بطريقه سلبيه اذا اعتبرنا انه لم يكن هناك نقد للربا فى السور المكية. فاذا كان النظام المالى الذى تطور فى مكة هو المصدر الأساسى للمتاعب، فلم لم يكن هناك نقد للربا فى أوائل ما نزل من القران الكريم؟ (فى الكيرجما القرانية كما ظهرت فى الايات والسور الأولى) . لكن حتى لو سلمنا بصحة اسم الشرط فى الجملة السابقة (كون الظروف الاقتصادية هى المصدر الأساسى للمتاعب) ، فكيف نتجنب السؤالين التاليين: كيف كان يمكن نقد نظام الربا؟ وكيف كان يمكن تمرير «نقد نظام الربا» الى أهل مكة؟ اننا لن نعدم عندئذ أن يقول قائل ان الربا ليس شيئا سيئا، لأنه لم يكن هناك مفهوم مجرد لما هو (صحيح) وما هو (خطأ) فى الاستشراف العربى (الاستشراف نوع من توقع نتائج أمر ما) . فقد كان الأقرب الى فهمهم هو (الشرف) و (ما يتنافى مع الشرف) ، لكن مفهوم الشرف ونقيضه كانا مرتبطين بالمثل الأخلاقية التقليدية، ووفقا لهذه المثل فلا شىء يعاب فى الربا فى حد ذاته، أو بتعبير اخر قد يرى أهل مكة فى هذه المرحلة المبكرة من الدعوة أن الربا لا يتعارض مع الشرف بمفهومهم التقليدى له، وحتى اذا كان الشرف بمفهومه التقليدى ما زال قائما، فقد كان قد فقد كثيرا من قوته فى مكة. فلم تكن هناك قاعدة- اذن- فى الاستشراف المكى لقبول فكرة نقد الربا فى هذه الفترة المبكرة. ولم توجد هذه القاعدة الا عندما تم تكوين المجتمع الاسلامى الجديد القائم على أوامر الله سبحانه ثم تجلت فى القران الكريم، فعندها كان يمكن أن يكون الأمر الالهى (لا ربا) أساسا من أسس هذا المجتمع، وحتى عندما تم تطبيق
стр. 166
هذا الأمر فى المدينة فقد كان موجها أساسا ضد اليهود «٢٥» *. هذا التركيز على الاستمرار أو التواصل بين القران الكريم، والاستشراف العربى القديم، قد يبدو متناقضا مع ما ذكره جولدتسيهر، Goldziher فى الفصل الأول من كتابه الشهير Muhammedanische Studien والذى تناول فيه (المروة) و (الدين) مع أنه ليس لدينا ما ندفع به ضد كتابات جولدتسيهر. الا أن التناقض- على أية حال- ليس كاملا. ان هناك بعض التناقض بين ما دعا اليه محمد ﷺ على أسس قرانية من ناحية والتراث العربى القديم- بشكل واضح. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت هناك معارضة عنيفة له. وعلى أية حال، فان المرء بوسعه أن يميز بين الدين من ناحية والجوانب الأخلاقية المستقيمة فى المروة. فالجانب الدينى- هو ما أطلق عليه عادة النزعة الانسانية -humanism يتكون من الثقة فى الانسان وانجازاته وفى الاعتقاد فى أن معنى الحياة يتجلى فى الامتياز الانسانى، وهذا ما هاجمه القران الكريم بوضوح وبلا شك. أما الجوانب الأخلاقية الخالصة (التى أضعها فى اعتبارى عادة عند الحديث عن المروة) ، فهى مثل أخلاقية تشمل الشجاعة والصبر والكرم والاخلاص وما الى ذلك، فهذه لم يهاجمها القران الكريم، بل لقد انتقد أهل مكة لأنهم لم يضعوها فى اعتبارهم.
وعندما يمعن القارىء فى الفصل الذى كتبه جولدتسيهر. فانه يكتشف جوانب ضعف مختلفة. فبيانه عن التناقض بين المروة والدين يتضمن ثلاثة أمور: ففى مواجهة الأخذ بالثأر دعا محمد الى الصفح والغفران، ووضع الاسلام قيودا على الحرية الشخصية خاصة فيما يتعلق بالخمر والنساء، وفرض الاسلام الصلاة وهى بالتأكيد تتضمن توجها يتناقض بعمق مع حب البدو للاستقلال. ولا خلاف حول هذا الأمر الأخير، فهو الجانب الدينى للمروة. وعلى أية حال، فالتوضيحات الاخرى
стр. 167
غير مرضيه. فالتغييرات المتعلقة بالزواج وشرب الخمر، ربما لا تكون راجعه الى عوامل اسلاميه وانما الى الاختلاف بين حياة البادية وحياة الاستقرار، بينما تعاليم العفو عن الأعداء التى ذكرها جولدتسيهر فى أفضل أوجهها تشير الى العفو عن الأقرباء المقربين. أما العفو عن الاخرين فى نطاق المجتمع الاسلامى فتشير اليه ايات أخرى*. ومن قبيل الموازنة مع الاتجاهات العربية القديمة، فان على المرء أن يعتبر من هو خارج الجماعة الاسلامية عدوا مادام المجتمع الاسلامى قد حل محل القبيلة أو العشيرة كواحدة اجتماعية. وعلى هذا، فمن الناحية الأخلاقية الصرفة نجد أن فكرة الانفصال العميق العريض بين الاسلام والجاهلية هى فكرة ضعيفة.
وأخيرا، هناك قضية العلاقة بين القران الكريم والمفاهيم اليهودية المسيحية. دعنا نحاول أن نضع هذا السؤال فى منظور صحيح.
القران الكريم عامل فعال فى حياة أهل مكة. ولكى نناقش (المصادر) فان هذه مسألة تشبه الى حد ما مناقشة (مصادر) هاملت التى ألفها شكسبير.
سنجد فى غالب الأحوال أن (مصادر) هاملت هى حيث حصل شكسبير على بعض خصائص مسرحيته. ان هذه المصادر لا تشرح لنا أصالة شكسبير الابداعية، كما أنها لا تزيل الشكوك حولها ان كانت قائمة. وحتى اذا لم يكن هذا التناظر مقبولا من كل جوانبه لأن المناظرة أو الموازنة لا بد أن تكون عن علاقة المصادر بعمل من تأليف محمد ﷺ ، ولم يكن القران الكريم فى رأى المسلمين من انتاج محمد ﷺ وعلى هذا لا بد من استبعاد هذه الفكرة. فاذا صدقنا محمدا ﷺ ، فان القران الكريم ليس نتاج عقله الواعى، وفى هذه الحالة من الأفضل أن يربط بين القران الكريم وعقول الذين يخاطبهم، ونعنى بهم محمدا ﷺ نفسه والمسلمين الأوائل وأهل مكة عامة. وفى هذا السياق يمكن للمرء أن يسأل: الى أى مدى كانت الأفكار القرانية المناظرة للأفكار اليهودية المسيحية- كانت بمثابة اشارات لأفكار كانت حاضرة بالفعل فى عقول الناس قبل أن تصلهم رسالة القران؟ ان السؤال على هذا النحو يتيح للدارس الغربى
стр. 168
المهتم بموضوع (المصادر) أن يناقش بشكل عملى كل النقاط التى يريد مناقشتها دون أن يكون معارضا للعقيدة الاسلامية. وسيكون من الملائم أن نتعامل على حدة مع كل من العنصرين التاليين: (١) الأفكار الأساسية و (٢) المادة التوضيحية والافكار الثانوية.
ففى مجال الأفكار الأساسية، كفكرة الله (سبحانه) ويوم الحساب، فان القران الكريم نفسه (وكذلك الباحثين الغربيين) يشير الى أن الأفكار القرانية فى هذا الصدد متشابهة الى حد كبير مع أفكار اليهودية والمسيحية. ألا يعنى هذا أن القران الكريم غير أصيل وأنه لا يمثل عاملا خلاقا؟ الحق أن هذا القول غير صحيح بالمرة. فهذا التماثل identity يرجع الى أن الذين خاطبهم القران (الكريم) بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، كان بعضهم متالفا بالفعل مع هذه الأفكار عن الله سبحانه ويوم الحساب، لكن ربما لم تكن على درجه كافية من الوضوح. لقد بدأ القران هنا بالتعامل مع الناس كما هم أى بالأفكار التى كانت لديهم بالفعل، فلم يكن أى يهودى أو مسيحيي يتكلم العربية بقادر على احراز النجاح الذى حققه محمد ﷺ ، لو وقف بين أهل مكة وراح يكرر الافكار اليهودية والمسيحية. لقد كان سيبدو غريبا بينهم، أما القران الكريم فقد خاطبهم عن الأفكار اليهودية المسيحية على نسق التفكير العربى وبفكر كان بالفعل حاضرا فى عقول المتنورين منهم. ان أصالة القران الكريم تظهر فى أنه قدم لهم مزيدا من التفاصيل عن أفكار كانت موجودة عندهم، وكذلك مزيدا من الدقة والتحديد، كما قدم لهم ما جعلهم يركزون على شخصية محمد ﷺ ومهمته كرسول لله سبحانه، وكانت فكرة الوحى والنبوة بالتأكيد أفكارا يهودية مسيحية، فأن نقول ان الله سبحانه يوحى كلماته من خلال محمد ﷺ ليس- على أية حال- الا مجرد تكرار لما حدث فى الماضى، لكنه جزء من عامل فعال.
ويتعرض أوائل ما نزل من السور والتى ناقشناها انفا- بشكل جوهرى- للأفكار الأساسية للعقيدة الاسلامية، وليس من أحد من متنورى العصر بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، الا ولديه فكرة عنها. وتصبح القضية أصعب اذا تناولنا المادة التوضيحية التى استخدمها القران الكريم مثل
стр. 169
قصص الأنبياء. فما أورده القران من قصص للأنبياء قريب مما ورد فى المصادر اليهوديه والمسيحيه- عادة ليس من الأسفار المعتمدة فى العهدين القديم والجديد، وانما من الاعمال المنسوبة الى الربيين (الاحبار) ، ومن الكتابات الابوكريفية الملحقة بالعهد الجديد. ففى مثل هذه الحالات يجد الباحثون الغربيون صعوبة فى مقاومة الاغراء فى أن يصلوا الى نتيجة مؤداها أن القران الكريم من عمل محمد ﷺ وأنه ﷺ يكرر القصص التى سبق أن سمعها. لكن المسلمين لهم وجهة نظر أخرى.
عندما قبل المسلمون الاوائل محمدا ﷺ كنبى أصبحوا مهتمين بأخبار الأنبياء السابقين، وكذلك كان محمد ﷺ مهتما مثلهم وراحوا يبحثون عن أخبارهم بقدر استطاعتهم. وبالتالى، فقد ازداد رصيدهم من المعلومات بالتدريج، وقد انعكس هذا فى القران. وبعض ايات القران نفسه تشير الى أن المادة التوضيحية (قصص الأنبياء) كانت معروفة:
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) ..)
الاية ١٧/ السورة ٨٥ (البروج) .
وفى الوقت نفسه، فهناك اية أخرى تشير الى أنه ليس كل التفاصيل كانت معروفة حتى لمحمد ﷺ نفسه:
(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ... ) الاية ٤٤/ السورة ٣ (ال عمران) .
وعلى أية حال، فهنا يجب أن نتذكر أن الفصل بين الحقيقة المجردة من ناحية ودلالاتها من ناحية أخرى، وهو ما يأخذ به مفكرو الغرب، ليس أمرا واضحا تماما فى الشرق. ربما كان محمد ﷺ قد عرف الحقائق المجردة فى سور وايات تشير الى قصص مريم وعيسى وزكريا ويوحنا ﵈ . وكان محمد ﷺ يعلم بالفعل عنهم شيئا، لكنه ربما لم يكن يدرك معنى الحقائق المجردة وأنه كان مطلوبا أن يعلم مزيدا من المعلومات عنها (أى عن دلالات هذه القصص) . ان المهمة الأساسية لهذه القصص-
стр. 170
وفقا لمصطلحات الباحثين الغربيين- هى تحويل معناها لا مجرد الاخبار بحقائقها المجردة، لكن فى الشرق العربى حيث لا يهتم الناس بهذا الفصل بين الحقيقة ومعناها، كان يكفى أن يسميها القران الكريم (أنباء) ، أى أخبار أو معلومات.information
هذا ما يمكن أن نتصور أن يقوله المسلم وهو يحاول اقناع الغربى الذى لم يقتنع بمعجزة أن القران أصلى وليس مجرد تكرار. وما أورده المسلمون من تفسير ربما كان أفضل كثيرا مما اعتاد الغربيون ترديده.
وعلى أية حال، فان هذه المسألة مسألة (لاهوتية) أو (دينية) أكثر منها تاريخية. كل ما يهم المؤرخ هو أن يلاحظ أن هناك شيئا ما أصيلا فى الاستخدام القرانى لقصص الأنبياء، وفى اختياره للنقاط التى يركز عليها.
стр. 171
الفصل الرابع أول من أسلم
١- الروايات المتداولة عن المسلمين الأوائل
لأن النبالة (الشرف) فى الاسلام تقوم- نظريا- على خدمة قضية المجتمع الاسلامى، فان المسلمين فى عصور لاحقة نظروا باحترام وتصديق لمعظم دعاوى أجدادهم بخدمة قضية هذا المجتمع (أو الجماعة) ، لذا فالروايات المتداولة عن أوائل المسلمين يجب النظر اليها بتدقيق، واذا وجدنا قولا عن واحد من هؤلاء منسوبا الى أحد سلالته أو المعجبين به مؤداه أنه كان من بين المسلمين الاثنى عشر الأوائل، فلا بد أن نستنتج ونحن مطمئنون أنه كان فى الخامسة والثلاثين من عمره.
هناك اتفاق عام على أن خديجة كانت هى أول من امن بزوجها (محمد ﷺ ورسالته، لكن هناك خلافات حادة بشأن أول من أسلم من الرجال. وقد أورد الطبرى «١» مقتطفات كثيرة من المصادر، وترك القارىء يقرر بنفسه مختارا بين ثلاثة مسلمين: على، وأبى بكر، وزيد ابن حارثة. وبالفعل، فان القول بأن عليا هو أول من أسلم قول صحيح، لكنه وفقا لما يراه الكتاب الغربيون، مسألة لا معنى لها لأن عليا كان فى التاسعة أو العاشرة من عمره حين أسلم، كما كان من أسرة النبى ﷺ ، والقول بأن أبا بكر هو أول من أسلم قد يكون أيضا صحيحا، وان اختلف معنى اسلامه عن اسلام على رضى الله عنه اختلافا كبيرا لأن أبا بكر- على
стр. 172
الأقل وقت الهجرة الى الحبشة- كان هو أهم مسلم بعد الرسول ﷺ ، لكن قد تكون الروايات الأولى قد أرجعت فترة اسلامه الى مدة أقدم.
والحقيقة المطلقة تشير الى أنه ربما كان زيد بن حارثة هو أول رجل أسلم، لأنه كان عتيق محمد ﷺ ولارتباطه بالنبى ارتباطا شديدا، لكن وضعيته المتواضعة تجعل اسلامه ليس بأهمية اسلام أبى بكر «٢» .
تشير الروايات «٣» الى أن مجموعة مهمة دخلت الاسلام بفضل جهود أبى بكر. والرجال الخمسة بالاضافة لعلى بن أبى طالب كانوا صحابة من الطبقة الأولى عند موت عمر بن الخطاب، وقد رشحهم لتولى الخلافة بعده (أن يختاروا من بينهم خليفة له كما هو معروف- المترجم) ، ومن المستبعد أن هؤلاء الخمسة كانوا قد أتوا للرسول مجتمعين قبل موت عمر رضى الله عنه بعشرين عاما فى مرحلة مبكرة جدا من تاريخ الاسلام. وهؤلاء الخمسة هم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله.
وبالنسبة لعبد الرحمن بن عوف يقال انه أسلم فى الوقت نفسه الذى أسلمت فيه مجموعة كان على رأسها عثمان بن مظعون «٤» ، وقد أورد الطبرى مزيدا من الروايات عن ابن سعد تشير الى أربعة رجال اخرين يقال انهم رابع أو خامس من أسلم، وهم: خالد بن سعيد، وأبو ذر، وعمرو بن عبسه) Abasah لعله عنبسه/ المترجم) والزبير.
ورغم وجود أساس للشك فى الروايات المتعلقة بأوائل المسلمين الا أن قائمة المسلمين الأوائل التى أوردها ابن اسحق «٥» ، قد تكون مقبولة الى حد كبير. والجدير بالملاحظة، أن هذه القائمة تضم أسماء أناس لم يحققوا شهرة فى أزمنة لاحقة، وان احتلوا الصدارة مع بداية ظهور الاسلام. ومن هؤلاء: خالد بن سعيد بن العاص الذى كان أبوه تاجرا
стр. 173
كبيرا فى مكة فى ذلك الوقت، وسعيد بن زيد بن عمرو الذى كان ابوه يبحث عن الدين الصحيح قبل نبوة محمد ﷺ ، ونعيم النحام الذى ربما كان أحد زعماء عشيرة عدى لكنه لم يهاجر للمدينة حتى السنة السادسة للهجرة. وعلى قدر علمى، فان كل اولئك الدين وصفهم ابن سعد بانهم دخلوا الاسلام قبل أن يدخل محمد ﷺ بيت الارقم موجودون فى هذه القائمة، وهناك أيضا واحد أو اثنان يصف ابن سعد- عادة- الواحد منهم بأنه (قديم الاسلام) . ولأن ابن اسحق لم يذكر دار الأرقم، فربما يكون قد رجع لمصادر مختلفة عن تلك التى رجع اليها ابن سعد، وعلى هذا فقائمته تضم ما اتفقت عليه روايتان.
وسيكون من المفيد عند استعراضنا لحياة المسلمين الأوائل أن ننقل هذه الفقرات المنسوبة للزهرى «٦» ، والتى تفيد أن رسول الله ﷺ دعا
стр. 174
للاسلام سرا وجهرا وهناك من استجاب لله ممن أراد الله هداهم من الشباب وضعاف الناس لكى يكون من أمن بالله كثيرين، وان كفار قريش لم ينتقدوا ما قاله الرسول، وعندما مر بهم وهم جلوس فى مجموعات أشاروا اليه قائلين: (هذا هو انفتى من عشيرة عبد المطلب الذى يقول ان الخبر يأتيه من السماء) واستمر ذلك حتى انزل الله قرانا يتعرض للاوثان التى يعبدونها من دون الله ويتعرض لمصير ابائهم الذين ماتوا على الكفر.
ومن هنا (مند حدث ذلك) بدأوا يكرهون رسول الله ﷺ ويعادونه.
وأحد أهداف استعراضنا لاوائل المسلمين أن نحاول اكتشاف المعنى الدقيق لعبارة (احداث الرجال) و (ضعفاء الناس) التى وردت بالنص، وبالتالى فسنركز على عمر هؤلاء المسلمين الأوائل ووضعياتهم الاجتماعية. وسنتعرض لهم كطبقتين منفصلتين. وقد ذكر ابن سعد عدة أشخاص كانوا من بين (المستضعفين) وهذا يعنى أن هؤلاء يشكلون طبقة صغيرة محددة «٧» ، ومن ناحية اخرى فان بعض الشباب (أحداث
стр. 175
الرجال) الذين التفوا حول الرسول ﷺ كانوا من بين أكثر الأسر نفوذا فى مكة، ومن هنا فلا يمكن أن نطلق عليهم (ضعفاء) .
٢- استعراض للمسلمين السابقين
لخصنا فى الملحق (هـ) المعلومات الأساسية عن المسلمين الأوائل ومناوئيهم، وهدفنا الان أن نعلق على هذه المعلومات وأن نلفت الانتباه للأمور المهمة. فمادام الموقف الاجتماعى للمرء يقوم على وضعه بين عشيرته وعلى وضع عشيرته فى المجتمع (الجماعة) ككل، فمن المرغوب فيه أن نتعرض لكل عشيرة بشكل مستقل. وحيثما كانت المعلومات التى نسوقها قائمة على ما ورد فى الملحق (هـ) أو مستقاة من كتاب الطبقات لابن سعد، فلن نشير فى الهوامش الى اسم المرجع لأن ذلك سيكون مفهوما ضمنا. أما ترتيب العشائر هنا، فسيكون على نسق ما ورد فى اخر الفقرة الثانية من الفصل الأول.
هاشم
لقد ناقشنا فيما سبق (الفصل الثانى- الفقرة- ١) وضع عشيرة هاشم فى المجتمع المكى وملنا الى أنه فى فترة زعامة عبد المطلب كان وضع العشيرة مهزوزا، وبصرف النظر عن النبى محمد ﷺ وأفراد أسرته بمن فيهم على وزيد بن حارثة- فقد كان الداخلون الأوائل للاسلام من عشيرة هاشم هم: جعفر بن أبى طالب وحمزة بن عبد المطلب. وبالنسبة لحمزة عم النبى ﷺ فرغم أنه كان فى مثل عمر النبى ﷺ تقريبا، فربما كان
стр. 176
محترما كمحارب الا أنه من الممكن أنه لم يكن يحمل عبئا كبيرا فى مجالس شورى العشيرة، ويتضح تدنى وضع حمزة وجعفر فى العشيرة اذا عرفنا أن كلا منهما تزوج من قبيلة خثعم البدوية، بينما أبو لهب الذى ربما أصبح زعيما للعشيرة بعد موت أبى طالب وناوأ محمدا ﷺ مناوأة مريرة- فقد كان قادرا على الزواج من ابنة حرب بن أمية، الذى كان فى وقت من الأوقات زعيما لبنى عبد شمس وواحدا من أقوى رجال مكة.
المطلب
لقد أصبحت هذه العشيرة كما هو ظاهر ضعيفة جدا وكانت معتمده اعتمادا كبيرا على بنى هاشم. وكان لدى عبيدة بن الحارث عشرة أبناء الا أنه أنجبهم جميعا من جوار. وكان مسطح فقيرا- وربما توفى أبوه، لأنه كان يتلقى عونا من أبى بكر الذى كانت أمه أختا لأم أم مسطح.
وكان عبيدة الذى يكبر محمدا ﷺ ببضع سنين وأحد أكبر المسلمين سنا أول من أسلم فى هذه العشيرة، والمسلمون الاخرون فى بدر كانوا اخوته وابن عمه (مسطح) الذى ربما يكون أيضا قد تأثر بقرابة أمه بأبى بكر. وقد حارب جزء من هذه العشيرة ضد محمد ﷺ فى غزوة بدر لكن لم يكن أحد منهم من البارزين بأية حال من الأحوال.
تيم
لم يكن لهذه العشيرة أيضا غير دور قليل فى شئون مكة، وفى شباب محمد كان زعيمها (شيخها) هو عبد الله بن جدعان، ذلك لأن الاجتماع الذى تم فيه تشكيل حلف الفضول كان قد عقد فى بيته، وسمعنا أيضا عن لقاء محمد ﷺ بأبى جهل هناك «٨» ، وربما يكون عبد الله بن جدعان قد مات قبل الان، وأن ابنه عمرو الذى قتل وهو يحارب ضد المسلمين فى بدر لم يكن له الأهمية نفسها التى كانت لأبيه. وكان لأبى بكر بعض النفوذ بين عشيرته عند تحوله للاسلام، لكنه لم يكن من القوة بمكان يجعله يحول عددا كبيرا من عشيرته الى الاسلام. وكانت ثروته قوامها ٤٠ ألف درهم عندما أسلم، مما يدل على أنه لم يكن تاجرا كبيرا «٩» . والمسلم الاخر الذى
стр. 177
أسلم فى فترة مبكرة من هذه العشيرة (تيم) هو طلحة وكان أصغر سنا من أبى بكر بكثير، وكان من فرع اخر من العشيرة. وكان أحد أعمامه وابن اخيه لا زالا على الوثنية وقتلا فى غزوة بدر، وكان مرتبطا بقوافل التجارة مع الشام. وكان على علاقة حميمة بأبى بكر الذى أخذه لمقابلة محمد ﷺ فأعلن اسلامه. أما اسلام صهيب بن سنان فيبدو أنه كان حالة مستقلة منفصلة عن اسلام الاثنين الانف ذكرهما، فهو بيزنطى التعليم ان لم يكن أيضا بيزنطى (رومى) الميلاد، وصلته الوحيدة بتيم هو أنه كان فى وقت من الأوقات عبدا لعبد الله بن جدعان، وكان صهيب صديقا لعمار بن ياسر حليف بنى مخزوم الذى كان له بدوره ارتباطات بيزنطية. وكان لصهيب من الثروة ما أسال لعاب المشركين طمعا، وكانت عشيرة تيم اما غير قادرة على حمايته واما غير راغبة فى ذلك.
زهرة
وكانت عشيرة زهرة تبدو أكثر رخاء وازدهارا من العشيرتين السابقتين (تيم والمطلب) ، وكان لبعض فروعها علاقات تجارية تعمقت بالزواج من عشيرة عبد شمس، فأم سعد بن أبى وقاص كانت حفيدة أمية بن عبد شمس. وكان عبد الرحمن بن عوف قبل أن يسلم قد تزوج من بنات عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وأخيه شيبة. ومرة أخرى نجد أن مخرمة بن نوفل من عشيرة زهرة كان واحدا من الزعماء الذين يقفون على قدم المساواة مع أبى سفيان صاحب القافلة التى ارتبط ذكرها بغزوة بدر. وكانت هذه العشيرة فى وضع غريب على الأقل منذ موقفها من زيارة محمد ﷺ للطائف (عندما طلب محمد ﷺ منها الحماية) وحتى بعد غزوة بدر، كان الزعيم الحليف هو الأخنس بن شريق*. وقد مات
стр. 178
الان الأسود بن عبد يغوث الذى كان فيما مضى* شخصية بارزة.
والشخص الأساسى الذى تحول للاسلام كان عبد الرحمن بن عوف (المقصود من عشيرة زهرة) ، وكانت سنه وقت الهجرة ثلاثة وأربعين عاما وحقق شهرة كرجل أعمال ماهر، وهناك رجل مهم اخر أسلم مبكرا، وينتمى الى فرع اخر من العشيرة (بنو عبد مناف بن زهرة) وهو سعد ابن أبى وقاص الذى يقال أنه أسلم وهو فى السابعة عشرة من عمره، ووفقا لاحدى الروايات فان أبا بكر هو الذى أحضره الى النبى محمد ﷺ ولكن رواية أخرى تذكر أنه أتى محمدا ﷺ مع عثمان بن مظعون، ثم
стр. 179
احضر سعد أخويه تباعا ليعننوا اسلامهم امام الرسول: عامر بن أبى وقاص، وعمير بن أبى وقاص، وربما أحضر أيضا مسعود بن ربيعة ذلك الحليف الغامض (المقصود الذى لا نعرف عنه الكثير) . لكن الجدير بالملاحظة أنه كان لسعد بن أبى وقاص أخ اخر هو عتبة بن أبى وقاص، كان واحدا من أربعة تعاهدوا قبل غزوة أحد على قتل محمد ﷺ أو أن يقتلوا دونه. وقد يكون عبد الله بن مسعود، حليف بنى عبد الحارث بن زهرة وهو الفرع الذى منه عبد الرحمن- تبعه فى دخول الاسلام (أسلم بعده) ، وربما يكون قد ذهب معلنا اسلامه بشكل مستقل (دون أن يصحبه أحد) .
ويقال انه قابل محمدا ﷺ وأبا بكر رضى الله عنه، بينما كان يرعى قطعان عقبة بن أبى معيط (من بنى أمية بن عبد شمس) . وهذا الوضع (رعى القطعان) قد يدل على أنه كان شابا ولا يدل بالضرورة على فقره، لأن سنه وقت الهجرة كانت أكثر قليلا من ثمانية وعشرين عاما، ولا بد أن صلته بعبد شمس لم تكن مغفلا عنها (أو كانت موضوعة فى الاعتبار) .
وقد حقق مكانة عالية فى الاسلام واعتبر على رأس مجموعة مكونة من أخيه عتبة وحفيد ابن أخيه وعبد الله بن شهاب، وقريبه عمير بن عبد عمرو ذى اليدين. ولم يكن الحليف خباب بن الأرت مرتبطا ارتباطا وثيقا بأى من الذين سبق ذكرهم. وكان رجلا فقيرا وكانت أمه خاتنة وكان هو حدادا. ومعنى ذلك أنه لم يكن فى جوار أحد (لم يكن فى حماية أحد) .
لقد عانى كثيرا نتيجة اسلامه. ويشترك المطلب بن أزهر وأخوه طليب مع عبد الرحمن بن عوف فى جد واحد*. وهذا، بالاضافة الى حقيقة أن أمهما كانت من بنى المطلب قد زاد من أهميتهما (أعطاهما ثقلا) . وكان المقداد بن عمرو- حليف الزعيم القديم الأسود بن عبد يغوث وابنه بالتبنى- فى الحبشة كواحد من المسلمين المهاجرين اليها، لكنه لم يغادر المكيين الا بعد الهجرة ببعض الوقت، وان كان ذلك على أية حال قبل غزوة بدر «١٠» ، وربما كان غنيا ويقال انه كان يمتلك فى غزوة بدر
стр. 180
حصانا. وكان شرحبيل منفصلا عن كل هؤلاء، وكان مرتبطا أكثر بسفيان بن معمر، وعشيرة جمح.
عدى
كان بنو عدى فيما مضى ينتمون الى الأحلاف وسنلاحظ أن أمهات مسلمى عدى كن فى الغالب من سهم وجمح، بينما كانت أم عمر نفسه مخزومية، وقد غيرت عدى مواقفها فى حوالى ذلك الوقت ربما لأن عبد شمس التى كانت بينها وبينهم عدواة مريرة قد اقتربت- أى عبد شمس- من مخزوم والأحلاف «١١» . وربما كان الوضع العام لبنى عدى فى حالة تدهور أيضا، فكون معمر بن عبد الله كان هو المسئول الأول عن مناهضة الاحتكار والتصدى له فمعنى هذا أن عدى كانت قد استبعدت من رابطة المحتكرين الأقوياء. فلا أحد من بنى عدى- باستثناء عمر- كان ذا أهمية كبيرة فى مكة، فأبو عمر بن الخطاب وجده نوفل كانا من رجالات العشيرة البارزين، اذا وضعنا فى اعتبارنا عدد حلفائهم ومعاملة الخطاب لزيد بن عمرو «١٢» وكان للخطاب على الأقل زوجة واحدة من مخزوم. وربما كان أول من دخل الاسلام من بنى عدى هو سعيد بن زيد بن عمرو الذى كان أبوه واحدا ممن انشغلوا بالبحث عن الدين الحق قبل الاسلام، وانخرط فى أداء شعائر دينية خاصة تتصف بالزهد (قبل الاسلام) . وربما يكون قد ترك تأثيره فى المتحالفين الستة الذين ذكروا باعتبارهم المسلمين الأوائل. وثمة مسلم اخر سابق للاسلام هو نعيم بن عبد الله النحام الذى تعود أن يطعم فقراء العشيرة كل شهر.
وربما كان شيخا (زعيما) للعشيرة طوال ست سنين أثناء الحقبة الاسلامية، لأنه رغم اعتناقه للاسلام فى وقت مبكر، فانه لم يهاجر فى الفترة التى هاجر فيها محمد ﷺ . وربما كان عمر بن الخطاب هو شيخ العشيرة أو على الأقل- وهذا مؤكد- واحدا من زعمائها، ورغم أنه أسلم بعد فترة قليلة من اسلام الذين ذكرهم ابن اسحق فى قائمته، الا أن