← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

محترما كمحارب الا أنه من الممكن أنه لم يكن يحمل عبئا كبيرا فى مجالس شورى العشيرة، ويتضح تدنى وضع حمزة وجعفر فى العشيرة اذا عرفنا أن كلا منهما تزوج من قبيلة خثعم البدوية، بينما أبو لهب الذى ربما أصبح زعيما للعشيرة بعد موت أبى طالب وناوأ محمدا ﷺ مناوأة مريرة- فقد كان قادرا على الزواج من ابنة حرب بن أمية، الذى كان فى وقت من الأوقات زعيما لبنى عبد شمس وواحدا من أقوى رجال مكة. المطلب لقد أصبحت هذه العشيرة كما هو ظاهر ضعيفة جدا وكانت معتمده اعتمادا كبيرا على بنى هاشم. وكان لدى عبيدة بن الحارث عشرة أبناء الا أنه أنجبهم جميعا من جوار. وكان مسطح فقيرا- وربما توفى أبوه، لأنه كان يتلقى عونا من أبى بكر الذى كانت أمه أختا لأم أم مسطح. وكان عبيدة الذى يكبر محمدا ﷺ ببضع سنين وأحد أكبر المسلمين سنا أول من أسلم فى هذه العشيرة، والمسلمون الاخرون فى بدر كانوا اخوته وابن عمه (مسطح) الذى ربما يكون أيضا قد تأثر بقرابة أمه بأبى بكر. وقد حارب جزء من هذه العشيرة ضد محمد ﷺ فى غزوة بدر لكن لم يكن أحد منهم من البارزين بأية حال من الأحوال. تيم لم يكن لهذه العشيرة أيضا غير دور قليل فى شئون مكة، وفى شباب محمد كان زعيمها (شيخها) هو عبد الله بن جدعان، ذلك لأن الاجتماع الذى تم فيه تشكيل حلف الفضول كان قد عقد فى بيته، وسمعنا أيضا عن لقاء محمد ﷺ بأبى جهل هناك «٨» ، وربما يكون عبد الله بن جدعان قد مات قبل الان، وأن ابنه عمرو الذى قتل وهو يحارب ضد المسلمين فى بدر لم يكن له الأهمية نفسها التى كانت لأبيه. وكان لأبى بكر بعض النفوذ بين عشيرته عند تحوله للاسلام، لكنه لم يكن من القوة بمكان يجعله يحول عددا كبيرا من عشيرته الى الاسلام. وكانت ثروته قوامها ٤٠ ألف درهم عندما أسلم، مما يدل على أنه لم يكن تاجرا كبيرا «٩» . والمسلم الاخر الذى

стр. 177

أسلم فى فترة مبكرة من هذه العشيرة (تيم) هو طلحة وكان أصغر سنا من أبى بكر بكثير، وكان من فرع اخر من العشيرة. وكان أحد أعمامه وابن اخيه لا زالا على الوثنية وقتلا فى غزوة بدر، وكان مرتبطا بقوافل التجارة مع الشام. وكان على علاقة حميمة بأبى بكر الذى أخذه لمقابلة محمد ﷺ فأعلن اسلامه. أما اسلام صهيب بن سنان فيبدو أنه كان حالة مستقلة منفصلة عن اسلام الاثنين الانف ذكرهما، فهو بيزنطى التعليم ان لم يكن أيضا بيزنطى (رومى) الميلاد، وصلته الوحيدة بتيم هو أنه كان فى وقت من الأوقات عبدا لعبد الله بن جدعان، وكان صهيب صديقا لعمار بن ياسر حليف بنى مخزوم الذى كان له بدوره ارتباطات بيزنطية. وكان لصهيب من الثروة ما أسال لعاب المشركين طمعا، وكانت عشيرة تيم اما غير قادرة على حمايته واما غير راغبة فى ذلك. زهرة وكانت عشيرة زهرة تبدو أكثر رخاء وازدهارا من العشيرتين السابقتين (تيم والمطلب) ، وكان لبعض فروعها علاقات تجارية تعمقت بالزواج من عشيرة عبد شمس، فأم سعد بن أبى وقاص كانت حفيدة أمية بن عبد شمس. وكان عبد الرحمن بن عوف قبل أن يسلم قد تزوج من بنات عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وأخيه شيبة. ومرة أخرى نجد أن مخرمة بن نوفل من عشيرة زهرة كان واحدا من الزعماء الذين يقفون على قدم المساواة مع أبى سفيان صاحب القافلة التى ارتبط ذكرها بغزوة بدر. وكانت هذه العشيرة فى وضع غريب على الأقل منذ موقفها من زيارة محمد ﷺ للطائف (عندما طلب محمد ﷺ منها الحماية) وحتى بعد غزوة بدر، كان الزعيم الحليف هو الأخنس بن شريق*. وقد مات

стр. 178

الان الأسود بن عبد يغوث الذى كان فيما مضى* شخصية بارزة. والشخص الأساسى الذى تحول للاسلام كان عبد الرحمن بن عوف (المقصود من عشيرة زهرة) ، وكانت سنه وقت الهجرة ثلاثة وأربعين عاما وحقق شهرة كرجل أعمال ماهر، وهناك رجل مهم اخر أسلم مبكرا، وينتمى الى فرع اخر من العشيرة (بنو عبد مناف بن زهرة) وهو سعد ابن أبى وقاص الذى يقال أنه أسلم وهو فى السابعة عشرة من عمره، ووفقا لاحدى الروايات فان أبا بكر هو الذى أحضره الى النبى محمد ﷺ ولكن رواية أخرى تذكر أنه أتى محمدا ﷺ مع عثمان بن مظعون، ثم

стр. 179

احضر سعد أخويه تباعا ليعننوا اسلامهم امام الرسول: عامر بن أبى وقاص، وعمير بن أبى وقاص، وربما أحضر أيضا مسعود بن ربيعة ذلك الحليف الغامض (المقصود الذى لا نعرف عنه الكثير) . لكن الجدير بالملاحظة أنه كان لسعد بن أبى وقاص أخ اخر هو عتبة بن أبى وقاص، كان واحدا من أربعة تعاهدوا قبل غزوة أحد على قتل محمد ﷺ أو أن يقتلوا دونه. وقد يكون عبد الله بن مسعود، حليف بنى عبد الحارث بن زهرة وهو الفرع الذى منه عبد الرحمن- تبعه فى دخول الاسلام (أسلم بعده) ، وربما يكون قد ذهب معلنا اسلامه بشكل مستقل (دون أن يصحبه أحد) . ويقال انه قابل محمدا ﷺ وأبا بكر رضى الله عنه، بينما كان يرعى قطعان عقبة بن أبى معيط (من بنى أمية بن عبد شمس) . وهذا الوضع (رعى القطعان) قد يدل على أنه كان شابا ولا يدل بالضرورة على فقره، لأن سنه وقت الهجرة كانت أكثر قليلا من ثمانية وعشرين عاما، ولا بد أن صلته بعبد شمس لم تكن مغفلا عنها (أو كانت موضوعة فى الاعتبار) . وقد حقق مكانة عالية فى الاسلام واعتبر على رأس مجموعة مكونة من أخيه عتبة وحفيد ابن أخيه وعبد الله بن شهاب، وقريبه عمير بن عبد عمرو ذى اليدين. ولم يكن الحليف خباب بن الأرت مرتبطا ارتباطا وثيقا بأى من الذين سبق ذكرهم. وكان رجلا فقيرا وكانت أمه خاتنة وكان هو حدادا. ومعنى ذلك أنه لم يكن فى جوار أحد (لم يكن فى حماية أحد) . لقد عانى كثيرا نتيجة اسلامه. ويشترك المطلب بن أزهر وأخوه طليب مع عبد الرحمن بن عوف فى جد واحد*. وهذا، بالاضافة الى حقيقة أن أمهما كانت من بنى المطلب قد زاد من أهميتهما (أعطاهما ثقلا) . وكان المقداد بن عمرو- حليف الزعيم القديم الأسود بن عبد يغوث وابنه بالتبنى- فى الحبشة كواحد من المسلمين المهاجرين اليها، لكنه لم يغادر المكيين الا بعد الهجرة ببعض الوقت، وان كان ذلك على أية حال قبل غزوة بدر «١٠» ، وربما كان غنيا ويقال انه كان يمتلك فى غزوة بدر

стр. 180

حصانا. وكان شرحبيل منفصلا عن كل هؤلاء، وكان مرتبطا أكثر بسفيان بن معمر، وعشيرة جمح. عدى كان بنو عدى فيما مضى ينتمون الى الأحلاف وسنلاحظ أن أمهات مسلمى عدى كن فى الغالب من سهم وجمح، بينما كانت أم عمر نفسه مخزومية، وقد غيرت عدى مواقفها فى حوالى ذلك الوقت ربما لأن عبد شمس التى كانت بينها وبينهم عدواة مريرة قد اقتربت- أى عبد شمس- من مخزوم والأحلاف «١١» . وربما كان الوضع العام لبنى عدى فى حالة تدهور أيضا، فكون معمر بن عبد الله كان هو المسئول الأول عن مناهضة الاحتكار والتصدى له فمعنى هذا أن عدى كانت قد استبعدت من رابطة المحتكرين الأقوياء. فلا أحد من بنى عدى- باستثناء عمر- كان ذا أهمية كبيرة فى مكة، فأبو عمر بن الخطاب وجده نوفل كانا من رجالات العشيرة البارزين، اذا وضعنا فى اعتبارنا عدد حلفائهم ومعاملة الخطاب لزيد بن عمرو «١٢» وكان للخطاب على الأقل زوجة واحدة من مخزوم. وربما كان أول من دخل الاسلام من بنى عدى هو سعيد بن زيد بن عمرو الذى كان أبوه واحدا ممن انشغلوا بالبحث عن الدين الحق قبل الاسلام، وانخرط فى أداء شعائر دينية خاصة تتصف بالزهد (قبل الاسلام) . وربما يكون قد ترك تأثيره فى المتحالفين الستة الذين ذكروا باعتبارهم المسلمين الأوائل. وثمة مسلم اخر سابق للاسلام هو نعيم بن عبد الله النحام الذى تعود أن يطعم فقراء العشيرة كل شهر. وربما كان شيخا (زعيما) للعشيرة طوال ست سنين أثناء الحقبة الاسلامية، لأنه رغم اعتناقه للاسلام فى وقت مبكر، فانه لم يهاجر فى الفترة التى هاجر فيها محمد ﷺ . وربما كان عمر بن الخطاب هو شيخ العشيرة أو على الأقل- وهذا مؤكد- واحدا من زعمائها، ورغم أنه أسلم بعد فترة قليلة من اسلام الذين ذكرهم ابن اسحق فى قائمته، الا أن

стр. 181

اسلامه كان خطوة عظيمة للجماعة الاسلامية. وكان عمر بلا شك متأثرا باسلام سعيد بن زيد ابن ابن عم أبيه، وزوجة سعيد، أخت عمر، وعثمان بن مظعون*، نسيبه brother in law والمتحالفين مع أسرته، وربما كان الانهيار الاقتصادى الذى كانت تعانيه عشيرته قد لعب دورا على نحو غير شعورى. الحارث بن فهر كانت مضارب هذه العشيرة على الخط الفاصل بين قريش البطاح وقريش الظواهر، وربما يكون وضعها فى حالة تحسن، لكنها لم تكن عشيرة ذات أهمية كبيرة، فلم نسمع عن رجل ذى شأن من بين مشركيها. وكانت تحالفاتها عن طريق الزواج خارج العشيرة مع عشائر ضعيفة، مثل عامر وزهرة. وأهم المسلمين الأوائل منها هم: أبو عبيدة بن الجراح، وسهيل بن بيضاء، والأول (أبو عبيدة) كان صديقا لعثمان بن مظعون، وربما كان الثانى (سهيل) هو الصديق الشاب لأبى بكر رضى الله عنه. عامر عامر عشيرة أخرى تقطن المنطقة الواقعة بين قريش البطاح وقريش الظواهر، ويبدو أن وضعها قد تحسن زمن الهجرة، وكان وضعها يسمح لها بالتزاوج مع هاشم ونوفل بل وحتى مخزوم. وكان رجلها المهم حتى غزوة بدر على الأقل هو سهيل بن عمرو. وهذا أمر مهم لأن الفردين الوحيدين من العشيرة المدرج اسماهما فى قائمة المسلمين الأوائل، هما أخواه: حاطب، وسليط، وأكثر مسلمى هذه العشيرة شهرة هو ابن أم مكتوم الذى كانت أمه من بنى مخزوم.

стр. 182

أسد كانت عشيرة أسد قد زادت اهميتها بشكل واضح، وتحدث عن ارتباطاتها القديمة بحلف الفضول لتدخل فى دوائر المال والتجارة بشكل واسع. وكان من بين مشركى مكه المشاهير من هذه العشيرة: زمعه بن الأسود، وأبو البخترى، و نوفل بن خويلد، وحكيم بن حزام وقد تزوج زمعه من بنى مخزوم وتزوج نوفل من بنى عبد شمس . ومن الواضح أن الزبير كان هو الوحيد من بين أوائل من دخل الاسلام من هذه العشيرة، وكان فى السادسة عشرة من عمره فحسب ولا يمكن أن يكون له تأثير فى عشيرته ولا حتى فى فرع خويلد الذى هو من فروع أسد، وربما كانت قرابته خديجة عن طريق أبيه، وقرابته لمحمد ﷺ عن طريق أمه- جعلت تحوله للاسلام أمرا سهلا. والاخرون الذين هاجروا للحبشة يبدو أنهم كانوا أعضاء صغارا فى الأسر الرئيسية. نوفل يبدو أن هذه العشيرة لم تكن كبيرة العدد، لكن شيوخها (قادتها) كان لهم نفوذ كبير ربما بحكم قرابتهم من عبد شمس. لقد عملوا مع بنى مخزوم لكنهم لم يكونوا تابعين لهم، فقد كانوا قادرين على أن يكون لهم طريق مستقل. والمسلم الوحيد الذى ذكره ابن سعد من هذه العشيرة- ولم يكن من السابقين الأوائل للاسلام- كان حليفا للعشيرة وأسلم معه عتيقه* (عبده المعتق- بفتح التاء) . عبد شمس تنازعت عبد شمس ومخزوم على مكان الصدارة فى مكة، لكن كليهما تحققا أن المجال الواسع للمصالح المشتركة، لا يستدعى المنافسة ذات الأبعاد المفرطة فى المرارة. وبعد غزوة بدر، كان أبو سفيان بن حرب

стр. 183

هو المواطن الأول فى مكة (الزعيم المكى) ، نظرا لمقتل عدد من شيوخ مخزوم فى هذه الغزوة. لكن فى بواكير البعثة المحمدية كان أبو أحيحة سعيد بن العاص قد أحرز أيضا قدرا كبيرا من القوة «١٣» والنفوذ، وحتى موتهم فى بدر كان عقبة بن أبى معيط وابنا ربيعه: عتبة وشيبة كانوا فى المقدمة (من السابقين) . وكان المسلمون الأوائل من هذه العشيرة هم: عثمان بن عفان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وخالد بن سعيد (أبو أحيحة) وأسرة خليفة جحش، عبيد الله، عبد الله، وأبو أحمد. وكان أبو حذيفة وخالد ابنين لشيخين (رجلين زعيمين أو ذوى مكانة) ، لكن كون أمهما من كنانة- وهى قبيلة كانت علاقتها غير قوية بقريش- جعل مكانتهما متدنية فى أسرتيهما. ولم يكن اباء عثمان بن عفان المباشرون ذوى مكانة بارزة. وربما كان عثمان أيضا يغار من أقربائه الأغنى منه والأكثر نفوذا. وقبل الهجرة بعشر سنين، كان عمر عثمان حوالى ثلاثين عاما، وكذلك كان عمر أبى حذيفة وهو العمر الذى أصبح فيه ثراؤهما المنتظر أمرا واضحا نسبيا. وكون جدة عثمان رضى الله عنه لأمه كانت أختا لوالد محمد ﷺ هو الذى مهد الطريق لاسلامه. ولم تكن أسرة جحش مرتبطة ارتباطا مباشرا بأى ممن ذكرناهم انفا لكنها كانت متحالفة مع حرب، والد أبى سفيان وكانت أمهم ابنة أخرى لعبد المطلب. وكان أفراد هذه الأسرة من أوائل المسلمين وهاجروا الى الحبشة، وهناك تحول عبيد الله الى المسيحية. ومعظم حلفاء عبد شمس الاخرين الذين أسلموا قبل غزوة بدر ربما يكونون قد تأثروا بهذه الأسرة. مخزوم كانت مخزوم كما هو واضح لنا المجموعة السياسية السائدة فى مكة قبل غزوة بدر، وكان أبو جهل على وجه التحديد هو قائد المعارضة ضد محمد ﷺ . وكانت مخزوم كثيرة العدد وكان ال المغيرة منهم بالذات هم

стр. 184

الأكثر قوة ونفوذا (المغيرة هو جد أبى جهل) وكان الاثنان الرئيسيان اللذان أسلما فى وقت مبكر من بنى مخزوم هما: أبو سلمة، والأرقم وكانا حفيدى أخوى المغيرة. وربما كان الأرقم- رغم أنه كان شابا- على رأس أسرته، لأنه كان قادرا على فتح بيته ليكون مقرا للمسلمين. وكان لابى سلمه أخ قتل مع من قتل من المشركين فى غزوة بدر، كما كان له ابنا عم التحقا به عندما هاجر للحبشة. وبصرف النظر عن هذا، فمن الصعب أن نفهم كيف ظنوا فى عشيرتهم، أما الثالث الذى تحول للاسلام فهو عياش وكان ابن عم أبى جهل كما كان أخا لأبى جهل من أمه Uterine brother ومع أنه ذهب للمدينة مهاجرا، الا أن أبا جهل حثه على العودة الى مكة. وكان شماس الذى هاجر للحبشة وقاتل فى بدر ينتمى الى فرع اخر فى العشيرة لا نعرف عنه الكثير. ويمكن أن نعتبر عمار بن ياسر حليف أبى حذيفة بن المغيرة أيضا من مخزوم. وكان أبوه قد استقر فى مكة، ولا شك أن صلتهم بقبيلتهم قد انقطعت. وكان ذا صلة بالمسيحية من خلال الزوج الثانى لأمه، وهو عتيق من أصول يونانية، وعلى هذا فمن المفترض أنه مسيحيي. ويبدو أن هذه الأسرة كانت متدينة صادقة الايمان. سهم كانت سهم من أكثر العشائر قوة، وقد كان حلف الفضول موجها على نحو ظاهر ضدهم فى المقام الأول، واليهم لجأت عدى طلبا للمساعدة عندما عجزوا عن مواجهة بنى عبد شمس «١٤» . وقد ورد ذكر العاص ابن وائل، والحارث بن قيس بن عدى من بين أعدى أعداء محمد ﷺ . وعلى أية حال، بدا زعيما سهم هما: منبه بن الحجاج وأخوه نبيه (بنون مضمومة وباء مفتوحة) . والوحيد من هذه العشيرة من بين أوائل المسلمين هو خنيس بن حذيفة بن قيس الذى كان متزوجا بالفعل من ابنة عمر بن الخطاب، وكانت أسرته من الفروع غير المهمة فى العشيرة. والجدير بالذكر أيضا، اتجاه أبناء الحارث بن قيس: فستة منهم هاجروا للحبشة

стр. 185

كمسلمين، لكن واحدا منهم على الأقل- هو الحجاج- «١٥» ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين وحارب ضد المسلمين فى غزوة بدر وأسر، ثم اعتنق الاسلام مرة أخرى. ويمكننا أن نخمن أنه بعد وفاة الحارث وجدت أسرته نفسها فى موقف صعب. جمح كانت هذه العشيرة أيضا قوية، وان كانت لا تضارع فى قوتها عشيرة سهم. وكانت زعامتها فى أيدى أسرة خلف بن وهب وعلى رأسها أمية ابن خلف، وبعد ذلك كان على رأسها وهب بن عمير بن وهب بن خلف. وكان عثمان بن مظعون واحدا من بين أكثر أوائل المسلمين أهمية، وربما كان على رأس أسرة حبيب بن وهب أخو خلف. والاخرون المدرجون فى قوائم أوائل المسلمين كانوا هم: أخويه، عبد الله، وقدامه، وابنه السائب، وأبناء أخته: معمر بن الحارث، وحاطب وخطاب (أو حطاب- بالحاء) ، وسنذكر عن عثمان تفاصيل أكثر بعد ذلك، اذ يبدو أنه كان يعتقد التوحيد، كما كان ميالا للزهد والتقشف حتى قبل أن يقابل محمدا ﷺ . عبد الدار كان عبد الدار فى وقت من الأوقات الابن المفضل من بين أبناء قصى (بضم القاف) وقد احتفظ نسله بمزايا كحمل اللواء، لكنهم الان (عند ظهور الاسلام) ليس لهم فى أمور مكة الا القليل. ولم يكن مصعب الخير (ابن عمير) بالتحديد هو أول من أسلم من بنى عبد الدار، وربما ساعد على تحول مصعب للاسلام صداقة عامر بن ربيعة حليف والد الخليفة عمر، وقد أسر أخوه فى غزوة بدر اذ كان يحارب الى جوار المشركين. [طبقات المسلمين الأوائل] بقى أن نوجز بعض النقاط التى يجب أن نخلص بها من هذا العرض. انه يمكن أن نقسم المسلمين الأوائل الى ثلاث طبقات كالتالى:

стр. 186

١- الأبناء الأصغر سنا فى الأسر ذوات الحيثية ويمكن اعتبار خالد بن سعيد خير ممثل لهذه الطبقة (الفئة) ، لكن هناك عديدون غيره. انهم شباب من أسرات ذوات نفوذ من عشائر قوية، وكانوا أقرباء للمستحوذين على السلطة فى مكة الذين تزعموا المعارضة ضد محمد ﷺ . والجدير بالذكر أنه فى غزوة بدر كان هناك أمثلة على أخ وأخيه، وأب وابنه، وعم وابن أخيه، كان أحدهما يحارب الاخر، اذ كان أحدهما الى جانب المسلمين والاخر الى جانب المشركين. ٢- رجال- غالبهم شباب- من أسرات أخرى هذه المجموعة غير منفصلة انفصالا حادا عن المجموعة السابقة لكن لأننا رجحنا كفة الميزان ناحية العشائر الأضعف، وللفروع الأضعف فى العشائر الرئيسية، فاننا نجد بين المسلمين رجالا ذوى نفوذ كبير فى عشائرهم أو أسراتهم، فهناك واحد أو اثنان كانا من كبار السن نسبيا مثل عبيدة بن الحارث الذى كان فى الحادية والسبعين من عمره عند الهجرة، لكن غالب المسلمين الأوائل ربما كانوا تحت الثلاثين عندما دخلوا الاسلام، وكان واحد أو اثنان فوق الخامسة والثلاثين. ٣- رجال ليس لهم ارتباطات عشائرية قوية هناك أيضا مجموعة صغيرة نسبيا كانوا بالفعل خارج النظام العشائرى أو القبلى رغم ارتباطهم الاسمى بهذا النظام. اما لأن العشيرة لم تعترف بدعوى الرجل أنه حليف لها (ربما كما حدث لخباب بن الأرت مع بنى زهرة) ، أو أنه كان ضعيفا جدا بحيث لم يعطه أحد حماية فعالة. وليس مما يثير الدهشة أن بنى تيم لم تحم العبيد الذين حررهم أبو بكر، مادامت لم تحم أبا بكر نفسه وطلحة عندما ربطوا بينهما ربطا مخزيا. واخرون يذكر ابن سعد أنهم اعتبروا ضعفاء، منهم: صهيب بن سنان. وعمار بن ياسر اللذان كانا حلبفين لبنى تيم ثم لبنى عبد شمس.

стр. 187

ولا يشكل الحلفاء طبقة (فئه) منفصله. فمبدأ الحلف أو التحالف لا يعنى دونية أحد الطرفين، وانما يعنى مساعدة متبادلة وحماية. وعلى أية حال، فبالنظر الى وضع قريش المؤثر بين العرب، فان من يتحالف معها اذا اقام فى مكه فانه عادة ما يأخذ أكثر كثيرا مما يعطى، وبهذا المعنى فهو تابع. وبطبيعة الحال، فان وضع الشخص المتحالف كان يتوقف على ما يفعله مستغلا قدراته. وبشكل عام ربما كان الحلفاء فى مستوى قريب من مستوى الأسرات الأقل أهمية فى العشيرة، ولكن الأخنس بن شريق كان لفترة زعيما فى بنى زهرة، وكان اخرون على قدر نسبى من الثراء، وقد تزاوجوا بحرية مع قريش، ومعظم الحلفاء الذين دخلوا الاسلام كانوا يعدون من الطبقة الثانية، أما من اعتبر منهم من الطبقة الثالثة فذلك لأسباب عرضية. هناك اذن تفسير واضح لعبارة (أحداث الرجال) التى وصف بها المسلمون الأوائل وهى تعنى أنهم شباب، وكذلك لعبارة (المستضعفين) أو (ضعاف الناس) ، فعبارة أحداث الناس تنطبق على الفئتين الأوليين اللتين ذكرناهما انفا، و (ضعاف الناس) تنطبق على الفئة الثالثة، والتى ذكرناها انفا أيضا. وقد شرح ابن سعد لفظ (المستضعفين) قائلا انهم الذين لا عشيرة لهم تحميهم «١٦» ، ولا بد أن الزهرى قد أخذ أيضا بهذا المعنى. ومن المقبول أن تنطبق كلمة (ضعيف) على أولئك الذين أسلموا من العشائر والأسرات قليلة النفوذ، وفى هذه الحال فقد تشير الى الفئتين الثانية والثالثة. والنقطة الأكثر أهمية التى تظهر من عرضنا هذا هى أن الاسلام الشاب كان فى جوهره حركة شبابية كما ركز على ذلك الكاتب المصرى عبد المتعال الصعيدى «١٧» ، فالغالبية العظمى من الذين قد سجلت أعمارهم كان الواحد منهم أقل من أربعين عاما عام الهجرة، وبعضهم كان أقل من الأربعين بكثير، وكان كثيرون منهم قد أسلموا قبل الهجرة بثمانى

стр. 188

سنين أو أكثر. وثانيا انه لم يكن حركة تمثل المعدمين down and outs الذين هم نفاية المجتمع أو الطفيليين haugers on الذين ليست لهم أنساب قبلية أو عشائرية، أولئك التائهين فى مكة. انه- أى الاسلام- لم يتلق دعمه من الطبقات الدنيا من قاع المجتمع وانما من أوساط الناس تقريبا الذين أصبحوا على وعى بالتفاوت بينهم وبين أولئك المتربعين على القمة، والذين بدؤا يشعرون أنهم كانوا معدمين.under privileged ولا يمكن التعبير عن الاسلام كحركة للذين يملكون haves ضد الذين لا يملكون، have nots وانما الأقرب الى الصحة أنه كان حركة نضال بين الذين يملكون والذين امتلكوا منذ وقت قريب.nearly hads ٣- اللجوء الى الاسلام بعد أن كونا- الى حد ما- فكرة عن نوعية الرجال الذين تقبلوا الاسلام، دعنا ندرس بتفصيل أكثر دوافعهم الى ذلك بقدر ما نستطيع. يخبرنا ابن اسحق «١٨» فى نص له معروف جيدا عن أربعة رجال راحوا يبحثون فى الحنيفية أى دين ابراهيم، وبصرف النظر عن هذه الفصول السابقة، فانه قدم لنا أساسا للاعتقاد بأن هذا الاتجاه نحو التوحيد الغامض كان قد بدأ ينتشر قبل الاسلام «١٩» . ومع أن القران (الكريم) لم يذكر لنا مثل هذه الأمور وانما بدأ بداية جديدة تماما، الا أن الاسلام فى الحقيقة كان بمثابة قلب أو مركز تحلق حوله أصحاب هذه الأفكار التوحيدية الغامضة- فأحد الرجال الأربعة الذين ذكرهم ابن اسحق وهو عبيد الله بن جحش تحول للاسلام وهاجر الى الحبشة (وقد تحول للمسيحية فى الحبشة) ، وابن رجل اخر من هؤلاء الأربعة، وهو سعيد بن زيد بن عمرو كان أيضا من بين أوائل من أسلموا. ومرة أخرى، فان عثمان بن مظعون رغم أنه لم يرتبط بالمجموعة التى ذكرناها لتونا، فانه كان متقشفا زاهدا فى الجاهلية. وثمة روايات عن صعوبات واجهها محمد ﷺ مع أفكار عثمان بن مظعون، فلم يكن لدى

стр. 189

الرسول وقت كاف لتحويل مجرى أفكار وامال الذين كانوا يؤمنون بهذا النوع من التوحيد قبل الاسلام «٢٠» . ومسألة كيف أن الحقائق الاقتصادية والافكار الدينيه مرتبطتان معا، تعتبر وثيقة الصلة بهذه الاتجاهات التوحيديه السابقة على الاسلام، لكن قد يكون من الملائم مناقشتها فى سياق حديثنا عن هؤلاء الرجال الذين لم يتخذوا خطوات محددة ليتخلصوا من الوتنية قبل أن يعتنقوا الاسلام. من بين الفئة الأولى التى حددناها انفا- شباب الاسرات ذوات النفوذ- ربما لم يكن لديهم وعى واضح أن هناك عوامل اقتصادية وسياسية منطوية فى تحولهم للاسلام. فخالد بن سعيد على سبيل المثال يفترض أنه لم يكن واعيا الا بالجوانب الدينية عندما تحول للاسلام، أما اقامته الطويلة فى الحبشة «٢١» فربما تشير أنه لم يكن متفقا مع سياسة محمد ﷺ خاصة فيما يتعلق بالأبعاد السياسية المتزايدة فى الاسلام وكان من رأيه أن هذا ربما يخالف النبوة. فلو كان خالد مهتما بالأمور السياسية، لتلاشت خلافاته مع الرسول ﷺ ولعاد الى مكة أو المدينة قبل السنة السابعة من الهجرة بكثير، لكن رغم أن خالدا كان منجذبا فى الأساس للجوانب الدينية للاسلام، فان الجوانب الاجتماعية والسياسية كلها- خاصة ما يتعلق منها بتركز الثروة فى أيد قليلة- قد تكون قد تركت فى نفسه اضطرابا وجعلته واعيا بحاجته الى عقيدة دينية (يتمسك بها ويجعلها محور حياته) . وحالة خالد- حالة من حالات قليلة- نعلم عنها بعض التفاصيل فيما يتعلق بكيفية تحوله للاسلام. لقد رأى رؤيا منامية مؤداها أنه كان واقفا على شفا حفرة من النار، وأن أباه كان يحاول أن يدفعه اليها، بينما رجل اخر هو أبو بكر الذى بدا له فى الرؤيا قريب الشبه من

стр. 190

محمد ﷺ قد أمسكه من وسطه وحفظه من السقوط فى هاوية النار «٢٢» . وعلى أية حال، فان جهلنا بالتاريخ date الذى رأى فيه هذه الرؤيا يجعل من الصعب علينا تقديم التفسير. ربما يرجع ذلك الى موقفه بعد أن اكتشف أبوه أنه كان معجبا بمحمد ﷺ منجذبا اليه، وقبل أن يقطع صلته بأسرته، فالرؤيا فى هذه الحالة تنطبق على موقفه. لكن بعض التفاصيل تشير الى أن هذه الرؤيا كانت قبل لقائه بمحمد ﷺ ، وفى هذه الحال فان الرؤيا تعنى- بعد تغيير مفهوم الرموز فيها- أن والده كان يجبره على الدخول فى دوامة الأعمال التجارية المكية، وهو يعتبر ذلك أمرا مدمرا للروح ربما لأنها تنطوى على ممارسات يعتبرها هو منطوية على الخسة وعدم النبل. والذى يبدو حقيقيا فى هذه الرواية هو أن أفكاره الواعية قد طفت على سطح عقيدته الدينية. وفى حالة حمزة، وعمر، هناك روايات عن ظروف اسلام كل منهما. وبالنسبة لعمر بن الخطاب هناك روايتان عن كيفية اسلامه «٢٣» ، واذا قبلنا الرواية المتداولة بشأن ذلك فان اسلامه يرجع لعاملين: لقد كان الرجلان (عمر وحمزة) متأثرين بمسلك محمد ﷺ نفسه أو مسلك المسلمين الاخرين، وقد انجذب عمر بن الخطاب ببلاغة كلمات القران وبالمحتوى الدينى للاسلام. وفى كلتا الحالتين كان هناك الولاء للأسرة أو العشيرة، فحمزة هب يدفع عن محمد ﷺ الاهانات التى تعرض لها محمد ﷺ من عشيرة أخرى، أما عمر فقد أحس بما أصاب عشيرته من خزى عندما علم أن أخته وزوجها قد أسلما. وليست هناك كلمة واحدة عن أمور اقتصادية. فحتى عمر بن الخطاب- رغم أنه كان امنا على وضعه داخل العشيرة- ربما كان قلقا بشأن وضع عشيرته فى مكة. هذا القلق ربما عمق سخطه على رجال عشيرته فى المقام الأول، من خلال الخوف من أن تحولهم للاسلام قد يؤدى لمزيد من تدهور الوضع العام للعشيرة.

стр. 191

أما أعضاء الفئة الثالثة (الذين اعتبروا ضعفاء) ، فيكاد يكون مؤكدا أنهم أكثر تأثرا بأوضاعهم غير الامنة داخل العشائر وخارجها، أكثر من تأثرهم برغبتهم فى الحصول على أية مزايا اقتصادية أو سياسية. واذا كانت هناك امال واضحة للاصلاح لدى المسلمين الأوائل، فلا بد أن نتلمسها فى الفئة الثانية. وقد تناولت الايات القرانية التى نزلت فى مرحلة مبكرة عن أمور مثل عظمة الله سبحانه وعناصر رسالة الاسلام (التى تحدثنا عنها فى الفصول السابقة) مرتبطة بالموقف العام لأهل مكة فى هذه الفترة. وليس مما يدعو للدهشة اذن أن ينجذب بعض الرجال لرسالة الاسلام- فى المقام الأول- من خلال مضامينه السياسية والاقتصادية. وان كان أمرا بعيد الاحتمال وجود عدد كبير ممن أسلموا كانوا واعين بهذه الأبعاد الاقتصادية والسياسية، ومحمد ﷺ كان مؤسس دين جديد ولم يكن بأية حال مجرد مصلح اجتماعى، وان كنا لا نؤكد كثيرا على نفى مهمته الاصلاحية الاجتماعية «٢٤» . ويمكن أن نصف الأوضاع بمصطلحاتنا المعهودة فنقول، انه بينما كان محمد ﷺ واعيا بالعلل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية لعصره وبلاده، فانه اعتبر الجانب الدينى هو الجانب الأساسى وركز عليه. فهذا- أى الجانب الدينى- هو الذى يقرر روح المجتمع الشاب، فتناولت المجموعة الصغيرة عقائدها الدينية وشعائرها بجدية مفرطة. وخلال الحقبة المكية انشغل النبى أساسا بما فرض عليه من أمور سياسية خاصة معركته مع المعارضين له التى أصبحت أكثر مرارة، وأصبحت قضية نبوة محمد ﷺ هى القضية المحورية. ولم تكن المسائل السياسية والاقتصادية (فى حالة تناولها مباشرة) لتصلح لتلعب أى دور فى التحول للاسلام، فعلى الدين وبالدين يجمع الناس حول الاسلام. وان كان هذا لا يمنعنا من القول، ان محمدا ﷺ والواعين من أتباعه لا بد أنهم كانوا مدركين للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لرسالته، وادراكهم هذا أدى الى أن يضعوا ذلك فى اعتبارهم عند توجيه أمور المسلمين.

стр. 192

الفصل الخامس تزايد المعارضة ١- بداية المعارضة، الايات الشيطانية لدينا ما يجعلنا نعتقد أن محمدا ﷺ قد حقق قدرا من النجاح فى البداية الأولى لدعوته، لكن المعارضة ضده تطورت وسرعان ما أصبحت خطيرة هائلة. وعلينا أن نناقش قضيتين أساسيتين هنا: متى ظهرت المعارضة، وكيف عبرت عن نفسها؟ وما الدوافع الكامنة وراءها؟ والقضية الثانية هى الأكثر أهمية، لكن علينا أن نتناول القضية الأولى أولا. (أ) خطاب عروة أورد لنا الطبرى نصا من وثيقة مكتوبة ترجع لزمن مبكر، تشير كل الظواهر الى أنها وثيقة صحيحة «١» . لذا، فمن الملائم أن نبدأ بذكرها: أخبرنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب لعبد الملك بن مروان (تولى الخلافة من ٦٥ الى ٨٦ هـ/ ٦٨٥- ٧٠٥ م) : «أما بعد، فانه- يعنى رسول الله ﷺ لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذى أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش

стр. 193

لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم] ، واغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه الا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم واخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ﷺ من أهل الاسلام! فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا الى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشى، لا يظلم أحد بأرضه، وكان موضع ثناء، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا- فأمرهم بها رسول الله ﷺ ؛ فذهب اليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات، يشتدون على من أسلم منهم. ثم انه فشا الاسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم. قال أبو جعفر: فاختلف فى عدد من خرج الى أرض الحبشة، وهاجر اليها هذه الهجرة، وهى الهجرة الأولى. فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفرى، عن أبيه، عن رجل من قومه. قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلى، عن الحارث بن الفضيل، قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا الى الشعيبة، منهم الراكب والماشى، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما الى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم فى رجب فى السنة الخامسة، من حين نبىء رسول الله ﷺ ، وخرجت قريش فى اثارهم حتى جاؤوا البحر، حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.

стр. 194

قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه» *. واذا نحينا جانبا الى حين ما ورد فى هذا النص عن الهجرة للحبشة، فاننا نلاحظ ثلاث نقاط رئيسية: أولها: أن المعارضة الحقيقية الأولى ارتبطت بالتعرض للأصنام (الطواغيت) ، ويمكننا أن نفترض أن التعرض لهذه الأصنام (الطواغيت) كان فى خلال النص القرانى. ثانيها: أن بعض أثرياء قريش الذين يمتلكون ثروات فى الطائف كانوا هم زعماء الحركة المعارضة لمحمد ﷺ . ثالثها: أن كل ذلك سبق الهجرة الى الحبشة. وليس هناك صعوبة كبيرة فى تقبل ما ورد فى ثانيا وثالثا (كون أثرياء من قريش هم الذين قادوا المعارضة ضد محمد ﷺ ، وكون ذلك بدأ قبل الهجرة الى الحبشة) ، لكن هناك صعوبة فى تقبل ما ورد فى أولا (وهو كون المعارضة القرشية لم تبدأ الا بعد التعرض للطواغيت) . فالدراسات التى قام بها نولدكه Noldeke وبل Bell عن التأريخ لايات القران الكريم، تظهر لنا ايات كثيرة (نزلت) قبل أن تنزل ايات تتعرض للأوثان (الطواغيت) ، التى قيل ان التعرض لها كان هو سبب ظهور المعارضة لمحمد ﷺ . حقيقة ان الأصنام لم تذكر طوال الحقبة المكية الا قليلا. ومن الممكن أن عروة الذى كان يكتب بعد الأحداث بسبعين سنة على الأقل قد افترض- مجرد افتراض- أن الهجوم على الشرك (تعدد الالهة) لا بد أن يكون هو سبب ظهور المعارضة فى هذا الوقت، لأنها كانت هى السبب فى اشتداد المعارضة فيما بعد. ومن المعقول أيضا- لكن هذا ليس مؤكدا- أن ذكر الأصنام (التعرض للطواغيت) يرجع الى قصة الايات الشيطانية التى سنناقشها فى الفقرة

стр. 195

التالية. ففى هذه الحال لا بد أن نفترض أن قريشا قد تضايقت لأن صنم الطائف كان قد بدأ يحقق شهرة كبيرة، وربما بدأ أهل الطائف يعتبرونه على قدم المساواة مع أصنام مكة. وبشكل عام، فان الحل الأكثر بساطة والأكثر مدعاة للقبول هو القول بأن المعارضة الفعالة للرسول لم تظهر الا بعد التعرض للأوثان، فالاشارة الى قريش فى الطائف تشير الى ان لدى عروة بعض مصادر المعلومات الجيدة غير القران (الكريم) . دعونا الان نقبل بصحة القضية الأولى بشكل مؤقت (القضية الأولى هى المثارة انفا من أن معارضة قريش للرسول لم تبدأ الا بعد التعرض للأوثان) . (ب) قصة الايات الشيطانية تعد السورة ٥٣ (سورة النجم) أكثر الايات المكية التى تعرضت للأوثان لفتا للنظر، وترتبط قصة الايات الشيطانية بها. وكان الطبرى «٢» هو أول من ذكر هذه القصة على النحو التالى*: «حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد ابن اسحاق، قال: حدثنى سعيد بن ميناء، مولى أبى البخترى، قال: لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك فى أمرنا كله، فان كان الذى جئت به خيرا مما فى أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وان كان الذى بأيدينا خيرا مما فى يدك، كنت قد شركتنا فى أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله : (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) ، حتى انقضت السورة. فكان رسول الله ﷺ حريصا على صلاح قومه، محبا مقاربتهم بما وجد اليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل الى مقاربتهم، فكان من

стр. 196

أمره فى ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن اسحاق، عن يزيد بن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرطى، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه قومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) ، فلما انتهى الى قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتى به قومه: «تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجى» ، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له- والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل- فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد، الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو: «أنها الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ترتضى» وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف اخرون، وأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، ماذا صنعت! لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله ، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبى ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته،

стр. 197

كما ألقى على لسانه ﷺ ، فنسخ الله ما القى الشيطان والحكم آياته، أى فأنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فأذهب الله عن نبيه الحزن، وامنه من الذى كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم: «أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى» ، بقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) أى عوجاء، (ان هى الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) - الى قوله- (لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) ، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده! فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان القى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ منهم، وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من اسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله ﷺ ، حتى اذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذى كانوا تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد الا بجوار، أو مستخفيا، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر الى المدينة، فشهد معه بدرا من بنى عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا. حدثنى القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنى حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلس رسول الله ﷺ فى ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله :

стр. 198

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) ، فقرأها رسول الله ﷺ حتى اذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان عليه كلمتين: «تلك الغرانيق العلا* وان شفاعتهن لترتجى» ، فتكلم بهما، ثم مضى فقرا السورة كلها، فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم معه جميعا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته، فسجد عليه- وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود- فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت، وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده، فاذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ : افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله اليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) ، فمازال مغموما مهموما، حتى نزلت: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) - الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم، وقالوا: هم أحب الينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان» *. وفى شرحه للاية ٥٢ من السورة رقم ٢٢ (الحج) «٣» يذكر لنا الطبرى عددا من الروايات الاخرى حول هذا الموضوع، منها روايتان للمدعو أبو علية، وهما روايتان مهمتان لاحتوائهما على تفصيلات ليست فى الروايات الشائعة، وفيما يلى نص ما ورد فى تفسير الطبرى**: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)) .

стр. 199

قيل: ان السبب الذى من أجله أنزلت هذه الاية على رسول الله ﷺ ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه فى بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القران ما لم ينزله الله عليه، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الايات. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول الله ﷺ فى ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ ألايأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فقرأها رسول الله ﷺ ، حتى اذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك الغرانقة العلى، وان شفاعتهن لترجى» ، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده اذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك! قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇ فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ : «افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل» فأوحى الله اليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) ... الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) . فمازال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم وقالوا: هم أحب الينا! فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن يزيد ابن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرظى قال: لما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 200

تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسره، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فلما انتهى الى قول الله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتى به قومه: «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتضى» . فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم، واعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل. فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لامره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى! وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلف اخرون. وأتى جبرائيل النبى ﷺ ، فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله ﵎ عليه- وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبى تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أى فأنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ... الاية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذى كان بخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم

стр. 201

أنها الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، الى قوله: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) ، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره! وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبى العالية، قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : انما جلساؤك عبد بنى فلان ومولى بنى فلان، فلو ذكرت الهتنا بشىء جالسناك، فانه يأتيك أشراف العرب فاذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك! قال: فألقى الشيطان فى أمنيته، فنزلت هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) قال: فأجرى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى» . قال: فسجد النبى ﷺ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذى أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ... الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى العالية قال: قالت قريش: يا محمد انما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت الهتنا بخير لجالسناك فان الناس يأتونك من الافاق! فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم، فلما انتهى على هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه: «وهى الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى» . فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ والمسلمون والمشركون، الا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه، وقال: قد ان لابن أبى كبشة أن يذكر الهتنا بخير! حتى بلغ

стр. 202

الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتد على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) ... الى اخر الاية. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) قرأها رسول الله ﷺ ، فقال: «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . فسجد رسول الله ﷺ . فقال المشركون: انه لم يذكر الهتكم قبل اليوم بخير! فسجد المشركون معه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ... الى قوله: (عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) . حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) ، ثم ذكر نحوه. حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، وذلك أن نبى الله ﷺ بينما هو يصلى، اذ نزلت عليه قصة الهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: انا نسمعه يذكر الهتنا بخير! فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان: «ان تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل ﵇ فنسخها، ثم قال له: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ... الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول

стр. 203

ولا نبى) ... الاية، أن نبى الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه فى الهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبى الله يذكر الهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى. الشيطان فى تلاوة النبى ﷺ : «تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فقرأها النبى ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) ... الى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) ... الاية، قال ابن شهاب: ثنى أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث: أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) ، فلما بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) قال: «ان شفاعتهن ترتجى» . وسها رسول الله ﷺ . فلقيه المشركون الذين فى قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: «انما ذلك من الشيطان» . فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) ... حتى بلغ: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) . حدثنى على، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس: (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) فيبطل الله ما ألقى الشيطان. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبى ﷺ ، وأحكم الله آياته. وقوله: (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) يقول: ثم يخلص الله ايات كتابه من الباطل الذى ألقى الشيطان على لسان نبيه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما يحدث

стр. 204

فى خلقه من حدث، لا يخفى عليه منه شىء. (حكيم) فى تدبيره اياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب. القول فى تأويل قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)) . يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقى الشيطان، ثم يحكم الله آياته، كى يجعل ما يلقى الشيطان فى أمنية نبيه من الباطل، كقول النبى ﷺ : «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . (فتنة) يقول: اختبارا يختبر به الذين فى قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشك فى صدق رسول الله ﷺ وحقيقه ما يخبرهم به. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن النبى ﷺ كان يتمنى ألايعيب الله الهة المشركين، فألقى الشيطان فى امنيته، فقال: «ان الالهة التى تدعى أن شفاعتها لترتجى وانها للغرانيق العلى» . فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) حتى بلغ: (من سلطان) قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله الهتهم بخير! ففرحوا بذلك، فذكر قوله: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) . حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، فى قوله: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) يقول: وللذين قست قلوبهم عن الايمان بالله، فلا تلين ولا ترعوى، وهم المشركون بالله.

стр. 205

وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج: (والقاسية قلوبهم) قال: المشركون. وقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) يقول تعالى ذكره: وان مشركى قومك يا محمد لفى خلاف الله فى أمره، بعيد من الحق. القول فى تأويل قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)) . يقول تعالى ذكره: وكى يعلم أهل العلم بالله أن الذى أنزله الله من آياته التى أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد (فيؤمنوا به) يقول: فيصدقوا به. (فتخبت له قلوبهم) يقول: فتخضع للقران قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والاقرار بما فيه، (وان الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم) وان الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله الى الحق القاصد والحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان فى أمنية رسوله، فلا يضرهم كيد الشيطان والقاؤه الباطل على لسان نبيهم ... » . لقد أورد الطبرى (كما هو واضح من النصوص السابقة) عددا من الروايات عن هذا الموضوع، الا أن ما هو منسوب الى المدعو (أبو علية) (بضم العين) * يحوى تفاصيل أكثر، وتبدو روايته هى الرواية الأولى (بشكلها الأول) ، وتشير رواية أبى علية أيضا أن أبا أحيحة سعيد بن العاص قال عقب سماعه الايات الشيطانية (وأخيرا تحدث أبو كبشة عن

стр. 206

الهتنا بما هو خير) * وقد يكون أبو أحيحة قد قال ذلك فعلا، ما دامت هناك ملاحظة مماثلة- ربما أكثر خشونة قد صدرت عن هذا الشخص نفسه عند حديثه عن محمد ﷺ «٤» . واذا قارنا الروايات المختلفة وحاولنا الفصل بين الحقائق الخارجية (ظواهر النص) المتفقة معا من ناحية، والبواعث أو الدوافع التى أوردها المؤرخون المختلفون لتفسير هذه الحقائق وشرحها من ناحية أخرى، فاننا سنجد على الأقل حقيقتين مؤكدتين. أولاهما، أنه حدث ذات مرة أن قرأ محمد ﷺ هذه الايات الشيطانية علنا باعتبارها جزا من القران (الكريم) **، ونظن أن هذه القصة لم يخترعها مسلمون متأخرون زمنا ولا نظن أن غير المسلمين قد أقحموها فى التاريخ الاسلامى.

стр. 207

_________ والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذى أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق: أن محمدا لما رأى تجنب قريش أياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل على شىء ينفرهم منى، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما فى ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا. وان شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد فى أخرها. هنالك سجد القوم جميعا لم يتخلف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبى، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما اذ أن جعلت لها نصيبا فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك فى الناس حتى بلغ أرض الحبشة؛ فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب الينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر الهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم أرتد عنها فعاد لشتم ألهتهم فعادوا له بالشر. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة. وانما ارتد محمد عن ذكر الهة قريش بالخير، فى مختلف الروايات التى أثبتت هذا الخبر، لأنه كبر عليه قول قريش: «أما اذ جعلت لالهتنا نصيبا فنحن معك» ، ولأنه جلس فى بيته، حتى اذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبى عليه سورة النجم، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيرا الى «تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى» . قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله اليه: «وان كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفترى علينا غيره واذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا. اذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا» . وبذلك عاد يذكر الهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وأيذاء أصحابه. هذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كتاب السيرة، وأشار اليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبى من العصمة فى تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين

стр. 208

وثانيهما، أنه من المؤكد أن محمدا ﷺ قد أعلن بعد ذلك أن هذه الايات الشيطانية ليست من القران الكريم وأن ايات أخرى قد حلت محلها تحمل مضمونا مختلفا تماما. والروايات الأولى لا تحدد الفترة الزمنية بين نطق محمد ﷺ بهذه الايات الشيطانية وانكاره لها. انه من المحتمل أن ذلك قد استغرق أسابيع أو حتى شهورا. وهناك أيضا حقيقة ثالثة أو مجموعة من الحقائق من المحتمل ان تكون اكيدة بالنسبة لنا، واعنى بها انه بالنسبه لمحمد ﷺ ومعاصريه من أهل مكة فان الاشارة الأساسيه لهذه الايات الشيطانية لا بد أن تكون الى اللات وهى الربة المعبودة فى الطائف، والعزى الربة المعبودة فى نخلة بالقرب من مكة، والربة مناة التى تقع نصبها بين مكة والمدينة والتى كان يعبدها فى الأساس عرب المدينة. وكان القرشيون هم العبدة الأساسيين للعزى، لكن أسرات أخرى ذوات طابع كهنوتى شاركت فى عبادتها فيما تقول الروايات، وهذه الأسرات من بنى سليم، وكنانه وخزاعة وثقيف وبعض هوازن. ونسمع عن أشراف المدينة أنه كان لدى الواحد منهم صنم خشبى يمثل مناة

стр. 209

يضعه فى بيته «٥» لكن- بشكل عام- ان عرب هذه الفترة لا يدركون الا بالكاد عبادة أى اله بشكل منفصل عن بعض الطقوس التى تتم ممارستها عند بعض الأنصاب (نصب الأصنام. (Shrines وهم بذلك يختلفون- على سبيل المثال- عن توقير المسيحيي الكاثوليكى للعذراء مريم المباركة، فعبارة (سلام لك يا مريم (Hail Mary يمكن أن تذكر فى أى مكان. ومناة- من ناحية أخرى- وفقا للنظرة السائدة بين

стр. 210

العرب لا يمكن عبادتها الا عند نصبها (أمام التمثال الممثل لها) «٦» ، وعلى هذا فمضمون هذه الايات الشيطانية المشار لها انفا (التى يقال ان الشيطان ألقاها فى روع محمد ﷺ أن الطقوس المتعلقة بعبادة أوثان الربات الثلاث بالقرب من مكة مسألة مقبولة. وأكثر من هذا، فان مضمون هذه الايات الناسخة؟؟؟؟؟ (المترجم: هناك فرق كبير بين الاية المنسوخة abrogate وهى الكلمة التى استخدمها المؤلف، والاية المدسوسة أو المكذوبة أو التى دسها الشيطان، فهذه الأخيرة لا وجود لها اساسا ولم ينزلها الله ، بينما الاية المنسوخة نزلت بالفعل لتناسب مرحلة زمنية معينة ثم نزل ما هو خير منها) التى حلت محل الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) لم تتضمن ادانة لعبادة الكعبة (المترجم: لم يحدث فى أية مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامى، وربما غير الاسلامى أن كانت الكعبة معبودا، وانما كانت موضع توقير واحترام باعتبارها أول بيت وضع للناس) اذا لم تكن هناك ايات أخرى تدين ذلك (عبادة الكعبة) تم حذفها بعد ذلك من القران الكريم؛ وان كنا فى الحقيقة لا نملك أدلة على حدوث ذلك- فان حذف الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) من سورة النجم يؤدى الى رفع شأن الكعبة على حساب

стр. 211

الأوثان الاخرى. ولا بد أن نتذكر فى هذا السياق أنه مع ارتفاع شأن الاسلام (النص: ازدياد قوة محمد ﷺ تم تدمير كل هذه الأوثان وتحطيمها «٧» . (المترجم: هذا فى حد ذاته كحقيقة تاريخية مؤكدة، ينسف حكاية الايات الشيطانية من أولها لاخرها) .

стр. 212

(ج) الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) ، الدوافع والتفسير لأن الباحثين المسلمين لا يعترفون بالفكرة الأوربية الحديثة عن التطور التدريجى، فانهم قد اعتبروا محمدا ﷺ كان على وعى كامل منذ البداية الأولى للدعوة بكل أبعاد عقيدة التوحيد (النص: عقيدة الاسلام السلفى كما هى معروفة الان (Orthodox dogme لذا، فقد كان من الصعب بالنسبة لهم أن يفسروا سبب عدم ادراكه (اى محمد ﷺ للمضمون الوثنى لايات الغرانيق (المترجم: المؤلف يا بنى استنتاجاته على أساس أن قصة الغرانيق صحيحة، وان كان بعض الباحثين المحدثين يرى غير ذلك- انظر الحاشية) والحقيقة أن التوحيد الذى كان يؤمن به محمد ﷺ كان فى بدايته لا يختلف عن توحيد من هم أكثر تنورا فى عصره أى أنه كان توحيدا غامضا على نحو ما؛ بمعنى أنه لم يكن ممكنا فى مرحلة مبكرة فصل التوحيد الخالص عن الاحساس بوجود كائنات أخرى ذات طابع الهى أو مقدس (المترجم: يدرك المسلمون وبعض غير المسلمين أن هذا غير صحيح بالمرة؛ بمجرد قراءة أول ما نزل من القران الكريم الذى يشير بوضوح الى اله واحد خالق وهاد: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) ... كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) السورة رقم ٩٦ (العلق) . فربما نظر محمد الى اللات والعزى ومناة كموجودات أو ربات، وان كانت لها قدسية، الا أنها أقل أهمية من الله على النحو

стр. 213

الذى يعتقد فيه اليهود والمسيحيون بوجود الملائكة، وقد تحدث القران الكريم فى اخر المرحلة المكية عنها على أنها من الجن «٨» ، بينما تحدث عنها فى المرحلة المدنية على أنها مجرد أسماء «سميتموها» «٩» (المترجم: اية سورة الأنعام الواردة فى الحاشية ٨ وايات سورة النجم فى الحاشية ٩ لا تعارض بينها، فلم تقل اية سورة الأنعام ان المقصود بالجن هو اللات والعزى ومناة.. واخضاع فكرة الاله الواحد لمنظور التطور الذى يأخذ به فى كتابه قد تكون صحيحة بالنسبة للبشر، فهم ينزهون الله سبحانه تنزيها يزداد كلما ازدادوا رقيا أو تطورا فى مدارج الحضارة، لكن هذا بالعقل لا يمكن أن ينطبق على الرسول أو القران الكريم، واية الاخلاص (قل هو الله أحد ... ) خير شاهد على الوضوح المطلق للتوحيد، انه مسألة غير خاضعة للمساومة، وليس فى القران الكريم ناسخ ومنسوخ بشأنها) أما والأمر كذلك، ربما يكاد يكون من الضرورى أن نجد أية مناسبة خاصة لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) انها لا يمكن أن تكون دلالة بأية حال من الأحوال على التراجع عن التوحيد، ولكنها- ببساطة- قد تكون مجرد تعبير عن وجهات نظر طالما اعتقدها محمد ﷺ *.

стр. 214

ومن هنا، فان دراسة المضامين السياسية لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) تعد أمرا شائقا. أفعل محمد ذلك رغبة منه فى الحصول على مؤيدين له فى المدينة والطائف وفى القبائل المحيطة بهما؟ هل حاول احداث توازن بين هؤلاء وزعماء قريش الذين يناوئونه، بأن يجمع حوله أكبر عدد من المؤيدين؟ ثم فى أقل القليل، أليس ذكره لهذه الأوثان دليلا على أن رؤيته قد اتسعت، أى أن نظره بدأ يتجه لأبعد من دعوة قريش؟ ان الرواية المنسوبة لأبى علية (بضم العين) (فى الطبرى ابن علية) والتى أوردناها انفا تشير الى ان قريشا قد عرضت على محمد ﷺ ان تقبل ما يقول به وأن تقبله فى أوساطها اذا ذكر ربانها (بخير) ، وهناك أيضا روايات أخرى شبيهة بما أورده ابن علية. فأحيانا يقال انهم قد عرضوا عليه الثروة والزوجة الحسنة، ومركز الصدارة، وأحيانا عرضوا عليه فى تعبيرات أكثر عمومية زعامة قريش فى المجالين الدينى والتجارى «١٠» . وبصرف النظر تماما عن مسألة التفاصيل، فثمة شك يمكن تبريره فيما اذا كانت هذه الروايات قد تم تلفيق جانب كبير منها بقصد اظهار أهمية محمد ﷺ فى هذه الفترة. أكان حقا من الأهمية بدرجة كافية لتجعله يكاد يعامل على قدم المساواة مع زعماء مكة؟ وبشكل عام، فان صورة محمد ﷺ كما قدمتها هذه الحكايات ربما كانت أقرب ما تكون الى الحقيقة. (المترجم: بعد أن أثار المؤلف عدة أسئلة، عاد

стр. 215

فأنكرها على اعتبار أن الصورة مقبولة بشكل عام. ولا نجد مبررا لسوق مقتطفات طوال من كتب السيرة: ابن هشام، والجزء الخاص بالسيرة فى كتاب الطبقات الكبرى للواقدى. فمسيرة الأحداث تثبت أن رسول الله كان مهما، بل فى الغاية من الأهمية فقد فتح مكة بعد ذلك وأسس دولة، ونشر دينا عالميا فى مختلف أرجاء العالم، ولا زال ينتشر) . لا بد أن نتذكر أن النجاح الأصلى (الاولى) الذى أحرزه محمد ﷺ كان قليلا- ربما بسبب تواضع أنساب من تبعوه فى وقت من الأوقات ثم انشقوا عنه (ارتدوا - (fell away ولم تكن هناك رغبة فى اعادة ذكر مثل هذه الأمور. وفى رواية أبو علية (فى الطبرى ابن علية) نلاحظ أن محمدا ﷺ كانت له السيادة بين زوار مكة، مع أن أحدا من زعماء مكة لم يكن قد انضم اليه، وهذا التناقض يعد فى الغاية من الغباء اذا كانت الرواية مجرد ابتداع. دعنا اذن نقبل الرواية كما هى، ودعنا نذهب الى أن زعماء قريش راحوا يقدمون نوعا من العروض على محمد ﷺ مؤداها أن يحظى بتكريم لفظى مقابل بعض الاعتراف برباتهم. اننا لا يمكننا أن نكون متأكدين من ذلك. واعلان هذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) يمكن بلا شك ربطه بهذه الصفقة. ووفقا لهذه النظرة، فابطال هذه الاية الشيطانية (استخدم المؤلف الكلمة الانجليزية الدالة على النسخ، abrogation وقد بينا فى حاشية سابقة الفرق بين النسخ والوضع) لا بد أن يرتبط بفشل هذا الحل الوسط (التسوية) ، وليس هناك ما يدعونا للقول ان أهل مكة كانوا متواطئين مع محمد (متظاهرين بالخلاف معه: (double -crossed لكنه- أى محمد ﷺ أدرك أن الاعتراف ببنات الله (كما كان يقال عن اللات والعزى ومناة وغيرها) يعنى التقليل من شأن الله (سبحانه) ليكون مساويا لهذه الربات. لقد كانت طريقة تعبده عند الكعبة من الناحية الظاهرية لا تختلف اختلافا كبيرا عن طريقة العبادة التى كان يمارسها رهبان هذه الأوثان (اللات والعزى.. الخ) وان كانت لا تزيد عنها كثيرا فى التأثير، ومن هنا فان الاصلاح الذى نشده محمد
следующие страницы →