← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الأوثان الاخرى. ولا بد أن نتذكر فى هذا السياق أنه مع ارتفاع شأن الاسلام (النص: ازدياد قوة محمد ﷺ تم تدمير كل هذه الأوثان وتحطيمها «٧» . (المترجم: هذا فى حد ذاته كحقيقة تاريخية مؤكدة، ينسف حكاية الايات الشيطانية من أولها لاخرها) .

стр. 212

(ج) الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) ، الدوافع والتفسير لأن الباحثين المسلمين لا يعترفون بالفكرة الأوربية الحديثة عن التطور التدريجى، فانهم قد اعتبروا محمدا ﷺ كان على وعى كامل منذ البداية الأولى للدعوة بكل أبعاد عقيدة التوحيد (النص: عقيدة الاسلام السلفى كما هى معروفة الان (Orthodox dogme لذا، فقد كان من الصعب بالنسبة لهم أن يفسروا سبب عدم ادراكه (اى محمد ﷺ للمضمون الوثنى لايات الغرانيق (المترجم: المؤلف يا بنى استنتاجاته على أساس أن قصة الغرانيق صحيحة، وان كان بعض الباحثين المحدثين يرى غير ذلك- انظر الحاشية) والحقيقة أن التوحيد الذى كان يؤمن به محمد ﷺ كان فى بدايته لا يختلف عن توحيد من هم أكثر تنورا فى عصره أى أنه كان توحيدا غامضا على نحو ما؛ بمعنى أنه لم يكن ممكنا فى مرحلة مبكرة فصل التوحيد الخالص عن الاحساس بوجود كائنات أخرى ذات طابع الهى أو مقدس (المترجم: يدرك المسلمون وبعض غير المسلمين أن هذا غير صحيح بالمرة؛ بمجرد قراءة أول ما نزل من القران الكريم الذى يشير بوضوح الى اله واحد خالق وهاد: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) ... كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)) السورة رقم ٩٦ (العلق) . فربما نظر محمد الى اللات والعزى ومناة كموجودات أو ربات، وان كانت لها قدسية، الا أنها أقل أهمية من الله على النحو

стр. 213

الذى يعتقد فيه اليهود والمسيحيون بوجود الملائكة، وقد تحدث القران الكريم فى اخر المرحلة المكية عنها على أنها من الجن «٨» ، بينما تحدث عنها فى المرحلة المدنية على أنها مجرد أسماء «سميتموها» «٩» (المترجم: اية سورة الأنعام الواردة فى الحاشية ٨ وايات سورة النجم فى الحاشية ٩ لا تعارض بينها، فلم تقل اية سورة الأنعام ان المقصود بالجن هو اللات والعزى ومناة.. واخضاع فكرة الاله الواحد لمنظور التطور الذى يأخذ به فى كتابه قد تكون صحيحة بالنسبة للبشر، فهم ينزهون الله سبحانه تنزيها يزداد كلما ازدادوا رقيا أو تطورا فى مدارج الحضارة، لكن هذا بالعقل لا يمكن أن ينطبق على الرسول أو القران الكريم، واية الاخلاص (قل هو الله أحد ... ) خير شاهد على الوضوح المطلق للتوحيد، انه مسألة غير خاضعة للمساومة، وليس فى القران الكريم ناسخ ومنسوخ بشأنها) أما والأمر كذلك، ربما يكاد يكون من الضرورى أن نجد أية مناسبة خاصة لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) انها لا يمكن أن تكون دلالة بأية حال من الأحوال على التراجع عن التوحيد، ولكنها- ببساطة- قد تكون مجرد تعبير عن وجهات نظر طالما اعتقدها محمد ﷺ *.

стр. 214

ومن هنا، فان دراسة المضامين السياسية لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) تعد أمرا شائقا. أفعل محمد ذلك رغبة منه فى الحصول على مؤيدين له فى المدينة والطائف وفى القبائل المحيطة بهما؟ هل حاول احداث توازن بين هؤلاء وزعماء قريش الذين يناوئونه، بأن يجمع حوله أكبر عدد من المؤيدين؟ ثم فى أقل القليل، أليس ذكره لهذه الأوثان دليلا على أن رؤيته قد اتسعت، أى أن نظره بدأ يتجه لأبعد من دعوة قريش؟ ان الرواية المنسوبة لأبى علية (بضم العين) (فى الطبرى ابن علية) والتى أوردناها انفا تشير الى ان قريشا قد عرضت على محمد ﷺ ان تقبل ما يقول به وأن تقبله فى أوساطها اذا ذكر ربانها (بخير) ، وهناك أيضا روايات أخرى شبيهة بما أورده ابن علية. فأحيانا يقال انهم قد عرضوا عليه الثروة والزوجة الحسنة، ومركز الصدارة، وأحيانا عرضوا عليه فى تعبيرات أكثر عمومية زعامة قريش فى المجالين الدينى والتجارى «١٠» . وبصرف النظر تماما عن مسألة التفاصيل، فثمة شك يمكن تبريره فيما اذا كانت هذه الروايات قد تم تلفيق جانب كبير منها بقصد اظهار أهمية محمد ﷺ فى هذه الفترة. أكان حقا من الأهمية بدرجة كافية لتجعله يكاد يعامل على قدم المساواة مع زعماء مكة؟ وبشكل عام، فان صورة محمد ﷺ كما قدمتها هذه الحكايات ربما كانت أقرب ما تكون الى الحقيقة. (المترجم: بعد أن أثار المؤلف عدة أسئلة، عاد

стр. 215

فأنكرها على اعتبار أن الصورة مقبولة بشكل عام. ولا نجد مبررا لسوق مقتطفات طوال من كتب السيرة: ابن هشام، والجزء الخاص بالسيرة فى كتاب الطبقات الكبرى للواقدى. فمسيرة الأحداث تثبت أن رسول الله كان مهما، بل فى الغاية من الأهمية فقد فتح مكة بعد ذلك وأسس دولة، ونشر دينا عالميا فى مختلف أرجاء العالم، ولا زال ينتشر) . لا بد أن نتذكر أن النجاح الأصلى (الاولى) الذى أحرزه محمد ﷺ كان قليلا- ربما بسبب تواضع أنساب من تبعوه فى وقت من الأوقات ثم انشقوا عنه (ارتدوا - (fell away ولم تكن هناك رغبة فى اعادة ذكر مثل هذه الأمور. وفى رواية أبو علية (فى الطبرى ابن علية) نلاحظ أن محمدا ﷺ كانت له السيادة بين زوار مكة، مع أن أحدا من زعماء مكة لم يكن قد انضم اليه، وهذا التناقض يعد فى الغاية من الغباء اذا كانت الرواية مجرد ابتداع. دعنا اذن نقبل الرواية كما هى، ودعنا نذهب الى أن زعماء قريش راحوا يقدمون نوعا من العروض على محمد ﷺ مؤداها أن يحظى بتكريم لفظى مقابل بعض الاعتراف برباتهم. اننا لا يمكننا أن نكون متأكدين من ذلك. واعلان هذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) يمكن بلا شك ربطه بهذه الصفقة. ووفقا لهذه النظرة، فابطال هذه الاية الشيطانية (استخدم المؤلف الكلمة الانجليزية الدالة على النسخ، abrogation وقد بينا فى حاشية سابقة الفرق بين النسخ والوضع) لا بد أن يرتبط بفشل هذا الحل الوسط (التسوية) ، وليس هناك ما يدعونا للقول ان أهل مكة كانوا متواطئين مع محمد (متظاهرين بالخلاف معه: (double -crossed لكنه- أى محمد ﷺ أدرك أن الاعتراف ببنات الله (كما كان يقال عن اللات والعزى ومناة وغيرها) يعنى التقليل من شأن الله (سبحانه) ليكون مساويا لهذه الربات. لقد كانت طريقة تعبده عند الكعبة من الناحية الظاهرية لا تختلف اختلافا كبيرا عن طريقة العبادة التى كان يمارسها رهبان هذه الأوثان (اللات والعزى.. الخ) وان كانت لا تزيد عنها كثيرا فى التأثير، ومن هنا فان الاصلاح الذى نشده محمد

стр. 216

( ﷺ لم يكن ليؤتى ثماره. لذلك، فمن المؤكد أن محمدا لم يرفض عروض أهل مكة اخيرا لعروض كلامية عرضوها عليه، وانما كان رفضه لأسباب دينية صحيحة، انه لم يرفض عروضهم- على سبيل المثال- لعدم ثقته فيهم أو لطموحه الشخصى الذى لم يتم اشباعه بعد لكن لأن معنى اعترافه بهذه الربات (الأوثان) سيؤدى الى فشل مهمته كرسول، ويقضى على الرسالة التى كلفه الله (سبحانه) بها. لقد كان الوحى قد جعل ذلك الأمر واضحا له منذ البداية. اننا يمكن أن نفكر على هذا النحو لتوضيح ما كان، وربما كان محمد ﷺ قد شعر أن مهمنه غير سهلة حتى قبل أن يأتيه الوحى. واذا نظرنا للأمور نظرة تجريدية، بدا أنه ليس ثمة ما يدعو للاعتراض الا قليلا فى الاعتراف باللات والعزى وغيرهما كموجودات أقل قداسة، فالاعتراف بالملائكة مسألة متمشية مع التوحيد ليس فى اليهودية والمسيحية فحسب، وانما فى الاسلام السنى (السلفى) أيضا. وعلى أية حال، فان عاملين كمنا فى أوضاع مكة فى هذه الفترة الانتقالية جعلا الاعتراف بذلك أمرا غير ممكن: العامل الأول: أن طبيعة التعبد عند الكعبة والذى كان قبل الاسلام متسما بالشرك (تعدد الالهة) - كان لا بد من تنقيته (تخليصه من الشرك) وتحويله للتوحيد الخالص. فاذا كانت ممارسات العبادة الجديدة حول الكعبة تشبه ممارسات العبادة عند أوثان الربات الاخرى، فلا بد أن أهل الحجاز كانوا سيقترحون ربات أخرى لتعبد على قدم المساواة. العامل الثانى: هو أن عبارة (بنات الله) ذات مضامين خطيرة رغم أنها بشكل عام لم تكن تعنى المعنى الحرفى لها «١١» . فكلمة (بنات) وغيرها من الكلمات الشبيهة قد تستخدم- غالبا- استخداما مجازيا فى اللغة العربية. فالعرب يقولون بنت الشفه ويعنون الكلمة، ويقولون بنت العين ويعنون الدمعة، ويقولون بنات الدهر ويعنون النكبات

стр. 217

والمصائب. ومن هنا فربما كانت عبارة (بنات الله) لا تعنى أكثر من أنها موجودات مقدسة أو موجودات فوقية (فوق طبيعية) ، أما كلمة الله فى هذه العبارة فهى تعنى ببساطة الاله the god ولا تعنى بالضرورة الاله الأعظم (الله، (God ولان كلمة الله بدأت تنصرف للتعبير على الموجود الأعلى سبحانه ولا تطلق على سواه، فان خطورة عبارة بنات الله أنها قد تعنى أن هذه (البنات) مساوية لله سبحانه، وهذا لا يتفق مع عقيدة التوحيد. وفكرة أن اختلاف محمد ﷺ مع زعماء مكة كانت هى السبب فى الغاء الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) ورفضه للعروض المقدمة منهم تتفق مع النقطة الثانية الواردة فى خطاب عروة الذى أوردناه فى صدر هذا الفصل، وهى أن بعض زعماء قريش ممن لهم ممتلكات فى الطائف هم الذين قادوا المعارضة الفعالة ضد محمد ﷺ . ومن الممكن تقديم تفسيرات مختلفة لهذه الحقيقة وان كان أفضلها هو أن هؤلاء الذين كانوا من بين زعماء قريش الذين كانوا مهتمين بشكل خاص بتجارة الطائف، قد ربطوا النشاطات التجارية فى هذا المركز التجارى (الطائف) بفلك الحياة المالية والتجارية فى مكة. وكان سحب الاعتراف بوثن (الربة) اللات يهدد- بشكل أو باخر- مشروعهم؛ مما أثار غضبهم الشديد ضد محمد ﷺ . ومما يؤكد ما ورد فى خطاب عروة من أن التعرض للربات (الأوثان أو الطواغيت) كان هو السبب الكامن وراء مرحلة العداوة بين محمد وزعماء قريش، ما ورد فى القران الكريم. فثمة ايتان ترتبطان بذلك تقليديا. تتحدث هاتان الايتان عن اغراء أو اغواء (كاد) يخضع له محمد ﷺ : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) ..) . سورة الاسراء (السورة ١٧) .

стр. 218

وطبيعة الاغراء أو الاغواء فى هذه الايات غير محددة. (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة الزمر (السورة ٣٩) . ففى هذه الايات يتضح أن هذا (الاغواء) أو (الاضلال) كان هو طلبهم من محمد ﷺ اتخاذ (شركاء) مع الله. وتشير هذه الايات جميعا الى أن محمدا لو كان قبل عرض زعماء قريش، لكان العقاب الذى ينتظره من الله شديدا، عاجلا واجلا (فى الدنيا والآخرة) . وربما كانت هذه الايات قد نزلت فى بداية المرحلة المدنية «١٢» وأيا ما كان تاريخ نزول الوحى بهذه الايات، لا يبدو أن هناك سببا قويا لرفض الربط بينها وبين قصة الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) والغائها (تنبيه الرسول الى أنها ليست من القران الكريم) . وهناك اية أخرى هى: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ» الأنعام (٦) ، الاية ١٣٦. وربما يمكن ربط هذه الاية بالأحداث الانفة، فهذه الاية تشير الى أن المشركين يعرفون الله، ولكنهم يشركون فى حكمه أوثانا (الهة أخرى)

стр. 219

كل هذه الحقائق تؤكد أن الرسول ﷺ رفض الصفقة المعروضة عليه، أو بتعبير اخر رفض المساومة على دين الله. وسورة (الكافرون) وهى السورة رقم ١٠٩ تمثل الرد الذى رده محمد على الكافرين، ونص اياتها كالتالى: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)) الكافرون (السورة ١٠٩) . وتلك هى القطيعة الكاملة بين التوحيد من ناحية وتعدد الالهة من ناحية أخرى، أو بين التوحيد من ناحية والشرك من ناحية أخرى. وهذه الايات تشير الى استحالة عقد صفقة للتوفيق بينهما مستقبلا. وهناك ايتان أخريان شبيهتان بهذا السياق، وان كانتا ليستا بهذه القوة فى التعبير عن الفصل بين العقيدتين: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) ..) سورة الأنعام (السورة رقم ٦) . وتتحدث الاية الأخيرة عن أن عبادة الأوثان قد تراجعت، مما يشير الى أن عملية اغواء محمد قد استمرت لفترة زمنية غير قليلة بدليل نزول ايات متفرقة تتعرض لهذا الموضوع، وهى مجمل الايات التى أوردناها انفا. ان تعاليم القران الكريم فيما يتعلق بالأوثان خلال الحقبة المكية مسألة هى أيضا جديرة بالتأمل. ان آياته تشير بشكل أساسى الى أن عبادة الأوثان حمق وغباء، فالأوثان لا تنفع ولا تضر ولا تقدر على

стр. 220

شىء «١٣» وهى لا تشفع «١٤» وفى اليوم الاخر سيستصرخ بها المشركون ثم يدركون أنها لا تنفع ولا تشفع وأنها تبرأ مما يقولون «١٥» . ان مثل هذه الايات تبدو وكأنها تخاطب أناسا يمرون بمرحلة انتقال دينية (وجهات نظرهم الدينية كانت فى مرحلة انتقال) ، فالمشركون فيما تشير الايات ينظرون الى هذه الأوثان التى يعبدونها «كشفعاء» أو «وسطاء» عند الله. (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) ..) السورة رقم ١٠ (يونس) . ومعنى هذه الاية اذا أخذناه ببساطة هو أنهم يعترفون- الى حد ما- بموجود أعلى، Some higher being وربما أيضا نفهم منها أنهم كانوا يؤمنون باليوم الاخر أو يوم الحساب، وان كنا غير متأكدين من هذه الفكرة الأخيرة مادامت الاية تشير الى أنهم يعتقدون أن شفاعة الأوثان لهم فى يوم الحساب لها بعض التأثير حتى بالنسبة لمن لا يقبلون الايمان بالله تماما. ومرة أخرى عندما قيل ان المشركين اتخذوا جنا شركاء لله، وقد يكون القران الكريم قد عبر عن هذا الموضوع بهذا الشكل لأن الفكرة كانت شائعة زمن الرسول ﷺ وزمن الذين كانوا يعارضون عبادة الأوثان على هذا النحو. لذلك لم يكن هجوم القران (الكريم) على الالهة الزائفة حادا جدا هذه الفترة، فهو لم يؤكد عدم وجودها كموجودات فوقية (فوق طبيعية) ، ولكنه ربما اكتفى باثارة شكوك خطيرة حولها أمام أناس كانت أفكارهم الدينية بالفعل فى حالة تدفق.

стр. 221

وعبارة (بنات الله) كانت هدفا سائدا للهجوم، كما يتضح من الايات التالية: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ..) السورة ١٦ (النحل) . (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٥) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) ..) السورة رقم ٣٧ (الصافات) . (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً. أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) ..) السورة رقم ٤٣ (الزخرف) . (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)) السورة رقم ٥٣ (النجم) . فقد وردت فكرة بنات الله كما يتضح من الايات السابقة عدة مرات فى القران الكريم، وكانت مرتبطة- تقليديا- برفض الايات الشيطانية والغائها، والمعنى فيها أنه كيف يكون لله البنات فقط بينما لأهل مكة بنون وبنات، وتشير الايات الى أن الأنثى أدنى منزلة من الذكر «١٦» ، بينما لا يمكن لله سبحانه نسل فهو- سبحانه- ليس له زوجة «١٧» كما يتضح من الايات التالية:

стр. 222

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ..) السورة رقم ٦ (الأنعام) . (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) الاية ١١١، السورة ١٧ (الاسراء) . وثمة فارق مهم بين أن يكون لله ولد أو نسل من ناحية وبين أن يكون له عبيد، فالعبيد يعبدونه ولا يتدخلون فى حكمه «١٨» (النص: يتشفعون (intercede كما تشير الايات التالية: (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) ..) السورة ٢١ (الأنبياء) . (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) ..) السورة ٧ (الأعراف) . وعلى هذا، فانه يبدو أنه كان هناك شعور بأن كلمة (بنات) كانت تتضمن أو يمكن أن تتضمن معنى الربات (الأوثان (idols التى كانت قريش تشرك بها مع الله. هذا هو المعنى الاساسى الكامن وراء رفض الايات الشيطانية وانكار نسبتها للقران (الكريم) ، وثمة نقاط

стр. 223

أخرى يفترض أنه قد تمت اضافتها مؤخرا بالاضافة الى براهين أخرى لم نسقها فيما سبق «١٩» . وعلى هذا، فالقران الكريم يتوافق مع ما كان معروفا من الروايات التقليدية ولا بد أن محمدا قد احرز النجاح الكافى فى جعل زعماء قريش ينظرون اليه بجدية أو كمصدر خطر حقيقى. فتعرض محمد ﷺ لضغط ليعترف بعبادة الربات (الأوثان) فى المناطق المجاورة. وقد ركن اليهم محمد ﷺ فى البداية شيئا قليلا للوصول الى مزايا مادية كالتى عرضوها عليه، ولأنه بدا له كما لو أن ذلك سيحقق نجاحا سريعا لدعوته. وعلى أية حال، فأخيرا فمن خلال دعم الله سبحانه له- كما يعتقد- أدرك أن مثل هذه التسوية مضرة، ومن هنا تخلى عن فكرة تحسين ما يحيط به من ظروف وواصل طريقه الذى يعتقد فى صحته. ومن هنا كانت مناهضة تعدد الالهة (الوثنية) حاسمة قاطعة بعبارات حادة واضحة تغلق الباب أمام أية تسوية (تسعى اليها قريش) فى المستقبل. (كما أشرنا، فان قضية التوحيد الخالص محسومة منذ البداية بل هى جوهر الاسلام- وكل ما يذكره المؤلف استطراد لقصة الغرانيق التى لا وجود لها فى القران الكريم، وأثارها كثير من الباحثين- المترجم) . ويميل الكتاب الغربيون الى الظن بأن المسلمين يخلطون بين الدين والسياسة بطريقة غير مرغوبة (رغم أن ذلك بطبيعة الحال ليس قصرا على المسلمين، فالمسيحيون الشرقيون وغيرهم يفعلون الشىء نفسه) . وعلى أية حال، فربما كانت الحقيقة هى أن المسلمين يرون الدين حاويا على قضايا سياسية بشكل أوضح مما يرى الأوربيون. فقد كان محمد ﷺ مهتما بالأحوال الاجتماعية والسياسية والدينية فى مكة، لكنه بطبيعة الحال تفاعل مع الجوانب الدينية باعتبارها هى الأساس. ولأنه كان مرتبطا بقضايا حياتية، فقد كانت قراراته فى مجال الدين ذوات مضامين

стр. 224

سياسية. واذا كانت الروايات المتعلقة بالعروض التى عرضها زعماء قريش على محمد ﷺ صحيحة، فهذا يعنى أن محمدا كان على وعى بالأبعاد السياسية لقراراته وعلى نحو خاص بالأبعاد السياسية لاذاعته لايات الغرانيق ثم الغائه لها (المترجم: حتى بفرض صحة رواية الغرانيق هذه، فان ابطالها، ونزول جبريل بالتنبيه على أنها من الشيطان يفيد فى أمور كثيرة، منها أن الاسلام يحرم تحريما قاطعا اللجوء الى غير الله أو الطلب من غير الله، سواء كان عزى أو مناة أو لات أو قبر شيخ أو ضريح ولى أو مشعوذ.... الخ) وعلى النحو نفسه فلا بد أنه كان واعيا عندما رفض فى النهاية أية تسوية أو مساومة، بأن أعلن بشكل حاسم من خلال سورة (الكافرون) أنه لا مجال لصلح أو سلام مع قريش اذا لم تقبل بصحة رسالته التى بعثه الله بها. ولهذا مضامين أبعد- وفقا لأفكار العرب عن سيادة الحكمة أو شرعية الحكمة- فان قبوله نبيا يعنى أيضا قبوله زعيما، لكن محمدا قد لا يكون واعيا بكل ذلك فى البداية، فقبل بلا شك- ما نزل به القران الكريم من أنه ليس الا نذيرا، وانه بالتالى ليس الا صاحب رسالة دينية. ففصل العرب بين النبوة والزعامة أمر غير قائم ولا يمكن أن يستمر، فكيف يمكن لأى زعيم مدنى أن يحكم اذا كانت كلمة الله أو حتى كلمة نبى ضده؟ نخلص من هذا الى أن التعرض لربات قريش (الأوثان) كان بالفعل هو بداية المعارضة الحقيقية التى شنتها قريش ضد الرسول، كما أن سورة (الكافرون) التى تبدو ذات هدف دينى خالص، كانت هى التى جعلت فتح مكة بالنسبة لمحمد ﷺ أمرا ضروريا. ٢- أمور الحبشة اذا كانت التواريخ النسبية التى وردت فى خطاب عروة صحيحة، فان الهجرة الى الحبشة تكون قد وقعت بعد نزول سورة (الكافرون) مع ابطال ايات الغرانيق، وهذا الترتيب يتناسب مع النتائج التى انتهت اليها الهجرة الى الحبشة، وهى ما سنتعرض له فى السطور التالية.

стр. 225

(أ) الرواية التقليدية عن الهجرة الى الحبشة يذكر لنا ابن هشام الرواية التالية «٢٠» : «قال ابن اسحاق: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم الى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ الى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفرارا الى لله بدينهم، فكانت أول هجرة فى الاسلام. أوائل المهاجرين الى الحبشة: وكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر: عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ . ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس معه امرأته: سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بنى عامر ابن لؤى، ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبى حذيفة. ومن بنى أسد ابن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد. ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد بن الحارث بن زهرة. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. ومن بنى عدى بن كعب: عامر بن

стр. 226

ربيعة، حليف ال الخطاب، من عنز بن وائل- معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب. ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سبرة بن أبى رهم ابن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، ويقال بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر. ويقال: هو أول من قدمها. ومن بنى الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين الى أرض الحبشة، فيما بلغنى. قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر لى بعض أهل العلم. قال ابن اسحاق: ثم خرج جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه. المهاجرون من بنى هاشم: ومن بنى هاشم بن عبد مناف بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر: جعفر بن أبى طالب ابن عبد المطلب بن هاشم، معه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله ابن جعفر. المهاجرون من بنى أمية: ومن بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: عثمان* بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، معه امرأته رقية ابنة رسول الله ﷺ ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق بن رقبة بن مخدج الكنانى، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ابن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو. من خزاعة.

стр. 227

قال ابن هشام: ويقال همينة بنت خلف. قال ابن اسحاق: ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد، فتزوج أمة بعد ذلك الزبير بن العوام، فولدت له عمرو بن الزبير، وخالد بن الزبير. المهاجرون من بنى أسد: ومن حلفائهم، من بنى أسد بن خزيمة: عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد، وأخوه عبيد الله بن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية، وقيس بن عبد الله، رجل من بنى أسد ابن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار، مولاة أبى سفيان بن حرب بن أمية، ومعيقيب بن أبى فاطمة. وهؤلاء ال سعيد بن العاص، سبعة نفر. قال ابن هشام: معيقيب من دوس. المهاجرون من بنى عبد شمس: قال ابن اسحاق: ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وأبو موسى الأشعرى، واسمه عبد الله بن قيس، حليف ال عتبة بن ربيعة، رجلان. المهاجرون من بنى نوفل: ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بن قيس بن عيلان، حليف لهم، رجل. المهاجرون من بنى أسد: ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وعمر بن أمية بن الحارث بن أسد، أربعة نفر. المهاجرون من بنى عبد بن قصى: ومن بنى عبد بن قصى: طليب ابن عمير بن وهب بن أبى كبير بن عبد بن قصى، رجل.

стр. 228

المهاجرون من بنى عبد الدار بن قصى: ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وسويبط ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وجهم بن قيس ابن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة بن أقيش بن عامر بن بياضة بن سبيع ابن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، وابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبد الدار، خمسة نفر. المهاجرون من بنى زهرة: ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وعامر بن أبى وقاص وأبو وقاص، مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والمطلب بن أزهر ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. المهاجرون من بنى هذيل: ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل. وأخوه: عتبة بن مسعود. المهاجرون من بهراء: ومن بهراء: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن لؤى ابن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبى فائش بن دريم بن القين بن أهود ابن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. قال ابن هشام: ويقال هزل بن فاس بن ذر، ودهير بن ثور. قال ابن اسحاق: وكان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة، وذلك أنه تبناه فى الجاهلية وحالفه، ستة نفر.

стр. 229

المهاجرون من بنى تيم: ومن بنى تيم بن مرة: الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، معه امرأته ربطة بنت الحارث بن جبلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث وعائشة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث وفاطمة بنت الحارث، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، رجلان. المهاجرون من بنى مخزوم: ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو سلمة* ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبى سلمة، واسم أبى سلمة عبد الله، واسم أم سلمة: هند. وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمى ابن مخزوم. خبر الشماس: قال ابن هشام: واسم شماس: عثمان، وانما سمى شماسا، لأن شماسا من الشمامسة، قدم مكة فى الجاهلية، وكان جميلا فعجب الناس من جماله، فقال عتبة بن ربيعة، وكان خال شماس: أنا اتيكم بشماس أحسن منه، فجاء بابن أخته عثمان بن عثمان، فسمى شماسا فيما ذكر ابن شهاب وغيره. قال ابن اسحاق: وهبار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأخوه عبد الله بن سفيان، وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم. المهاجرون من حلفاء بنى مخزوم، ومن حلفائهم، معتب بن عوف ابن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، من خزاعة، وهو الذى يقال له: عيهامة، ثمانية نفر. قال ابن هشام: ويقال حبشية بن سلول، وهو الذى يقال له معتب بن حمراء.

стр. 230

المهاجرون من بنى جمح: ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وابنه السائب بن عثمان، وأخواه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر، وابناه: محمد بن حاطب، والحارث بن حاطب، وهما لبنت المجلل، وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، معه ابناه جابر بن سفيان، وجنادة بن سفيان، ومعه امرأته حسنة، وهى أمهما، وأخوهما من أمهما شرحبيل بن حسنة، أحد الغوث. قال ابن هشام: شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مر، أخى تميم بن مر. قال ابن اسحاق: وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة ابن جمح، أحد عشر رجلا. المهاجرون من بنى سهم: ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعبد الله ابن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهل، وهشام بن العاص بن وائل بن سعد بن سهم. قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم. قال ابن اسحاق: وقيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، والحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدى ابن سعد بن سهم، وبشر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وأخ له من أمه من بنى تميم، يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد

стр. 231

ابن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، والسائب بن الحارث ابن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم ابن سعد بن سهم. ومحمية بن الجزاء، حليف لهم، من بنى زبيد أربعة عشر رجلا. المهاجرون من بنى عدى: ومن بنى عدى بن كعب: معمر بن عبد الله ابن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى، وعروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى، وعدى بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج ابن عدى، وابنه النعمان بن عدى، وعامر بن ربيعة، حليف لال الخطاب، من عنز بن وائل، معه امرأته ليلى بنت حثمة بن غانم. خمسة نفر. المهاجرون من بنى عامر: ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وعبد الله بن مخرمه ابن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن مالك ابن حسل بن عامر، وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر، وأخوه السكران بن عمرو، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر، ومالك بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته عمرة بنت السعدى بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وسعد بن خولة، حليف لهم. ثمانية نفر. قال ابن هشام: سعد بن خولة من اليمن. المهاجرون من بنى الحارث، قال ابن اسحاق: ومن بنى الحارث ابن فهر أبو عبيدة بن الجراح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال

стр. 232

ابن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل ابن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، ولكن أمه غلبت على نسبه، فهو ينسب اليها، وهى دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وكانت تدعى بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبه بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، ويقال: بل ربيعة بن هلال بن مالك بن جنبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن مالك بن جنبة بن الحارث وعثمان بن عبد غنم بن زهير ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث، والحارث بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. ثمانية نفر. عدد مهاجرى الحبشة: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، ان كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه ... » . وكان هؤلاء العشرة هم أول مسلمين هاجروا للحبشة وفقا للمصادر التى بين أيدينا، ويذكر ابن هشام أن من بينهم: عثمان بن مظعون كما ذكر لى أحد الباحثين. ويقول ابن اسحق انه بعد ذلك خرج جعفر بن أبى طالب مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا فواحدا ثم التقوا فى الحبشة، وقد ذهب بعضهم مع أسرته، وذهب بعضهم بمفرده دون اصحطاب أسرته ... (ثم يذكر أسماء ٨٣ مهاجرا (ذكرا بالغا) ضمنهم ما ورد فى القائمة الأولى) . واعتمادا على هذه الرواية انتشر بين المؤرخين المسلمين المحدثين أن هناك هجرتين الى الحبشة، وأن أشخاصا بعينهم- أعنى هؤلاء الذين وردت أسماؤهم فى القائمة الأولى- اشتركوا فى الهجرتين (الأولى

стр. 233

والثانية الى الحبشة) بعضهم عاد الى مكة ومنها هاجروا للمدينة، وبعضهم لم يعد حتى سنة ٧ هـ عندما التحقوا بالرسول ﷺ فى خيبر. (ب) شرح قائمتى المهاجرين الى الحبشة تساءل المؤرخون الغربيون عن مسألة وجود هجرتين منفصلتين (أولى وثانية) الى الحبشة، خاصة الباحث كيتانى «٢١» Caeteni الذى اعتمدنا فى المناقشات التالية اعتمادا كبيرا على معالجته لهذه المسألة. ان السبب الرئيسى لرفض فكرة وجود هجرتين منفصلتين هو أن ابن اسحق- كما نقل ابن هشام والطبرى- لم يذكر فى الحقيقة أن هناك هجرتين. انه لم يقل الا ان أوائل من هاجر الى الحبشة هم ... ثم أعطانا قائمة موجزة، ثم واصل حديثه قائلا ان جعفر بن أبى طالب خرج مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا اثر الاخر. انه لم يذكر أن أحدا ممن ورد فى القائمة الأولى عاد الى مكة أو المدينة ليهاجر ثانية الى الحبشة، وأن القائمتين ليستا مرتبتين وفقا لوجود هجرتين (أولى فثانية) ، وانما وفقا لأسبقية تدوين أسماء المهاجرين فى السجلات العامة للدولة بعد ذلك، أو هذا ما نفترضه. فأبو صبرة يقال انه أول من وصل للحبشة مهاجرا «٢٢» وعمرو بن سعيد بن العاص يقال انه هاجر للحبشة بعد هجرة أخيه خالد بعامين «٢٣» . هذه الحقائق، بالاضافة لكلمة (تتابع) ، تفيد أنه لم تكن هناك مجموعتان كبيرتان، وانما عدد من المجموعات الصغيرة. والانطباع الذى نخرج به من رواية ابن اسحق أن هناك قائمتين (مجموعتين كبيرتين) يذكرهما الناس فى أيامه عن مهاجرين ذهبوا للحبشة، لكنه غير متأكد عن الصلة الحقيقة بين هاتين المجموعتين (هاتين الهجرتين) . اننا نستطيع أن نقدم تفسيرا بسيطا لكيفية تحول الهجرة الواحدة الى هجرتين (على فرض أن فرضنا بأنها أساسا هجرة واحدة هو فرض صحيح) ، وأن نفسر أيضا الأسماء الواردة فى القائمتين.

стр. 234

فى سنة ١٥ هـ، طور الخليفة عمر بن الخطاب نظاما يتلقى المسلمون بمقتضاه أعطيات سنوية من الخزانة العامة للدولة (بيت المال) مقابل خدماتهم فى الحرب والادارة. وكانت هذه الاعطيات تختلف وفقا للأسبقية الى الاسلام فالأسبق يتقاضى مبلغا أكبر من المبلغ الذى يتقاضاه من أسلم بعده، وفى هذا النظام الجديد الذى اعتمد سنة ١٥ هـ كانت أعلى طبقة بعد زوجات الرسول ﷺ وعشيرته هى طبقة البدريين (الذين شاركوا كمسلمين فى غزوة بدر مع الرسول ﷺ لكن يبدو من المحتمل أنه فى وقت سابق كانت الطبقة العليا هى التى تمثل المهاجرين. وبالرجوع للمناقشات التى دارت حول هذا الموضوع، يتضح أنه من المؤكد أن قيام المسلم بالهجرة الى الحبشة أو الهجرة الى المدينة أو كلتيهما كان مدعاة لشرف خاص؛ اذ كان يرفع قدر القائم بالهجرة الى الدرجات العلا فى سلك النبالة الجديد. (وفقا للمعابير الجديدة للنبالة بعد الاسلام) . وهذه المناقشات تكاد تكون موضوعة فى زمن لاحق مادامت قد فقدت معظم عناصرها بعد الاصلاح الذى أنجزه عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ، فما حدث بالفعل يمكن اعادة بنائه على النحو التالى (أو يمكن أن نتصور ما جرت عليه الأمور كالتالى) : فى عام ٧ هـ، أراد محمد ﷺ على نحو خاص أن يدعم وضعه بالحصول على تأييد المجموعة الصغيرة التى ما زالت فى الحبشة فأرسل اليهم رسولا ليؤكد لهم ترحيبه الحار وليرافقهم فى العودة، فعادوا معه أو على الأقل عاد بعضهم فتلقاهم الرسول بقبول حسن وأشركهم فى غنائم خيبر التى كان محمد ﷺ قد فتحها لتوه. ربما منذ ذلك الوقت أطلق لفظ (الهجرة) على الذين ذهبوا للحبشة وبالتالى أصبحوا (مهاجرين) ، وكان هذا بدعم من محمد ﷺ نفسه كمبرر لمعاملته الكريمة جدا لجعفر وجماعته، فكان لا بد من هذا المبرر لتعليل مساواتهم بالمهاجرين الى المدينة المنورة. ولسوء الحظ، فان هذا جعل من الممكن لبعض من قضى فى الحبشة فترة قصيرة ثم هاجر من مكة الى المدينة أن يطالب لنفسه بحق فى هجرتين. وقد تجنب محمد ﷺ ذلك بتوسيع مفهوم الهجرة بأن قال ما يفيد أنهم هاجروا مرة الى الحبشة وهاجروا من

стр. 235

الحبشة اليه (أى الى الرسول ﷺ «٢٤» . وعند تفحصنا لقائمة المهاجرين الأولى للحبشة (من بين القائمتين المذكورتين انفا) ، سنجد أنه من المحتمل أنها قائمة غير كاملة بمن قاموا بهجرتين احداهما للحبشة والاخرى للمدينة، وليس من الضرورى أن تكون كلتا الهجرتين الى الحبشة. فمعظم من كانوا فى الحبشة واعتبروا أيضا من المهاجرين الى المدينة (المنورة) هم الذين وردوا فى هذه القائمة الأولى «٢٥» . ويبدو أن عمر بن الخطاب كان من بين المعارضين الرئيسيين لهذه المعاملة التفضيلية للذين قضوا فترة أطول فى الحبشة. فعلى الأقل هناك رواية لا زالت محفوظة عن نزاع بين عمر بن الخطاب وزوجة جعفر ابن أبى طالب تدخل محمد ﷺ لتسويتها «٢٦» *. هذا يلقى ضوا

стр. 236

على المفاهيم الكاملة وراء التصنيف (أو التقسيم) الذى اختاره عمر ابن الخطاب لنظام الأعطيات الذى أخذ به. فليس هناك ذكر للهجرة فنتج عن ذلك أن هؤلاء الذين عادوا من الحبشة وفق غزوة خيبر، هؤلاء فقط هم الذين صنفوا بعد البدريين (الذين شهدوا غزوة بدر مع الرسول) بطبقتين. (ج) أسباب الهجرة الى الحبشة ما ذكرناه انفا- بفرض صحته- لا يزيد كثيرا من فهمنا للأمور المتعلقة بالحبشة، فهى ليست بالبساطة التى يظنها المسلمون

стр. 237

التقليديون. سيغدو هذا واضحا عند محاولتنا الاجابة عن هذا السؤال: لماذا هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين الى الحبشة؟ ان الاجابة الأولى الممكنة هى أنهم هاجروا لتحاشى القسوة والاضطهاد اللذين واجهوهما فى مكة. وهذا واضح فى خطاب عروة ورواية ابن اسحق، ورغم أن محمدا ﷺ فى هاتين الروايتين هو الذى اتخذ المبادأة فان المرء يكاد يفترض أن هؤلاء المسلمين الأوائل قد هاجروا فى الأساس لخوفهم من المعاناة، ولدعم هذه الاجابة يمكن أن نذكر أن ما ذكره ابن اسحق عن أوائل المسلمين الذين لم يهاجروا الى الحبشة كانوا- خلا حالتين- ينتمون انتماء فعليا- أو كحلفاء- الى عشائر: هاشم والمطلب وزهرة وتيم وعدى، وتلك كانت هى عشائر حلف الفضول (مع استبدال أسد بعدى) وكان من الظاهر أنهم هم الذين كونوا المعارضة للمجموعة المحيطة بمخزوم وعبد شمس التى فيها القوة المالية «٢٧» . فالمعارضة التى قادها ضد محمد ﷺ المنتمون لمجموعات مخزوم وعبد شمس واضطهادهم لأتباعه- أى أتباع محمد ﷺ تمثلت فى ضغوط عليهم لنزعهم من بين عشائرهم، بل وحتى من بين أسرهم. وعلى أية حال، ففى المجموعة المنافسة والتى تمثلها زهرة وتيم وغيرهما من المفترض أنه لم يكن هناك الشغف نفسه فى ايذاء أتباع محمد مادام يهاجم الطبقة المالية العليا التى يكرهونها بدورهم، ومن هنا لم تكن هناك الضرورة نفسها عند أفراد هذه العشائر من المسلمين فى الهجرة الى الحبشة. وبالنسبة للاستثناءين الانف اشارتنا لهما*، فان الأرقم (المخزومى) رغم أنه كان ما يزال شابا الا أن وضعه كان قويا- ربما كان زعيما لفرع فى عشيرة- لأنه كان قادرا على تقديم بيته للمسلمين ليجتمعوا فيه ونفهم من هذا أنه لم يكن يتعرض للاضطهاد كالاخرين. وأما الاستثناء الثانى فهو أبو أحمد بن جحش (حليف عبد شمس) وكان شاعرا أعمى، وبالتالى فقد كان له وضعه الخاص، ومع هذا فان ابن

стр. 238

سعد يذكر أنه ذهب للحبشة، وان كان ابن اسحق لم يذكره ضمن من هاجروا اليها. ويبدو أن هناك شيئا ما فى هذه الحجة وفى الاجابة عن السؤال المطروح فى صدر هذه الفقرة. فهناك أيضا اعتراضات على ما ذكرناه. فاذا كانت هجرة المسلمين للحبشة لمجرد الخلاص من الاضطهاد فلم ظل بعضهم هناك حتى سنة ٧ هـ، بينما كان يمكنهم أن يعودوا امنين ليلحقوا بمحمد ﷺ فى المدينة؟ ليس لدينا ما يشير الى أن محمدا ﷺ طلب منهم البقاء فى الحبشة بعد هجرته للمدينة- حتى يهيىء لهم ما يكفيهم فى المدينة. وحتى اذا كان الرسول قد فعل ذلك- أى طلب منهم البقاء فى الحبشة- لكان من المؤكد أن تذكر لنا الروايات ذلك. ان أية اجابة عن هذا السؤال المضاد تعنى أن هؤلاء المهاجرين كان لديهم بعض الأسباب للهجرة غير التخلص من الاضطهاد فى مكة. وربما كانت هذه الأسباب الاخرى هى الأهم. والسبب المحتمل الثانى للهجرة هو الذى قدمه لنا الباحثون الغربيون. مع ملاحظة أن الروايات الأولى عن مبادرة* محمد ﷺ يمكن للمرء أن يستدل منها على أنه كان مهتما كثيرا بأن يخفف عن أتباعه الصعوبات المادية التى كانوا يواجهونها، بقدر اهتمامه بابعادهم عن خطر الردة والعودة الى الشرك مرة أخرى، فاذا بقى هؤلاء الأتباع فى مكة عرضة لضغوط أسرهم فقد يرتدون وينكرون عقيدتهم الجديدة (الاسلام) . وحتى هذا السبب الثانى غير مقنع بما فيه الكفاية. تماما كالسبب الأول. فالى أى شىء يقودنا؟ ما الأساس الذى عليه بنى هؤلاء العائدون توقعهم بعودة امنة الى مكة؟ وفى الوقت نفسه، فان بعضهم كانوا من المسلمين الصامدين المتمسكين باسلامهم. وربما لم يكن من الممكن اغواؤهم وردهم عن دينهم. ألم يكن من الأفضل أن يظلوا فى مكة مع أقرانهم؟ ألم يكن هذا أدعى لشد أزر المسلمين الاخرين ورفع معنوياتهم؟!

стр. 239

والسبب المحتمل الثالث ان هؤلاء المهاجرين الى الحبشة قد ذهبوا اليها لينخرطوا فى سلك التحارة. والان فلأن بعضهم قد قضى فى الحبشة ربما حوالى اثنى عشر شهرا، فلا بد أنهم دبروا لأنفسهم مصدرا للعيش، ولا بد أن يكون ذلك كما يكاد يكون مؤكدا عن طريق التجارة. وقد حدثنا عروة عن الحبشة كاحدى مجالات تجارة أهل مكة. وحتى هذا السبب فى حد ذاته غير كاف لتبرير هجرة المسلمين الى الحبشة وحث محمد ﷺ بعض صحبه عليها، اذا لم نفترض أنهم كانوا فى حالة يأس كامل فقدوا فيه كل الأمل فى الاصلاح الدينى (الدعوة للاسلام) فى مكة. لكن حتى اذا كان هذا هو اتجاه المهاجرين الى الحبشة، فانه لم يكن اتجاه محمد ﷺ *. ومن هنا وجب علينا أن نبحث عن مزيد من الأسباب. رابعا، أيمكن أن يكون ذلك (الهجرة الى الحبشة) جزا من بعض خطط محمد ﷺ الماهرة؟ أكان يأمل فى تلقى مساعدة عسكريه من الأحباش كما من المحتمل أن يكون جده قد فعل من حيث طلبه دعم أبرهة العسكرى؟ (ليس فى كتب السيرة ما يفيد طلب جده لهذا الدعم المترجم) . فربما لم يكن الأحباش كارهين لغزو جنوب شبه الجزيرة العربية لاستعادة ملكهم الضائع هناك، كما أن الامبراطور البيزنطى قد يكون وافق على هجوم تكتيكى على جناح الجيش الفارسى خاصة وأن الفرس كانوا قد استولوا على القدس قبل ذلك بعام أو عامين. أو هل كان محمد ﷺ يأمل أن يجعل من الحبشة قاعدة لمهاجمة تجارة أهل مكة كما فعل بعد ذلك بالنسبة للمدينة بعد أن هاجر اليها؟ أو هل حاول محمد ﷺ أن يطور طريقا بديلا للتجارة من الجنوب الى الدولة البيزنطية بعيدا عن مطال الدبلوماسية الملكية، وبالتالى يكسر احتكار رأسماليى مكة لهذه التجارة؟ لقد أفترضنا فى صفحات سابقة «٢٨» أن سياسة مكة كانت

стр. 240

سياسة حيادية؛one of neutrality لكن الحبشة بلا شك كانت غير موافقة على استعداد رأسماليى مكة للتجارة مع الفرس، وكانت الحبشة مستعدة لعمل كل ما فى وسعها لاضعاف مكة اقتصاديا. والرواية التى مؤداها أن المكيين قد أرسلوا رجلين كمبعوثين للنجاشى رواية مقبولة، وربما دعمت وجهة النظر التى مؤداها أن الهجرة للحبشة كانت ذات أبعاد اقتصادية وسياسية. لكن طبيعة هذه البعثة ونتائجها تبقى مجالا للتخمين. ربما كانت ناجحة من ناحية منع النجاشى عن تقديم مساعدة فعالة للمسلمين؛ باخباره بضعف موقفهم فى مكة حتى لو فشلت هذه البعثة فى تحقيق هدفها الأساسى- وفقا للرواية التقليدية- فى اعادة المهاجرين الى بلادهم. وعلى أية حال، فان هذا السبب الرابع رغم أنه جذاب فى بعض جوانبه الا أنه لا يفسر لنا كيف أن بعض المسلمين ظلوا بافين هذه المدة الطويلة فى الحبشة. انه من الصعب أن نقاوم النتيجة التى ترتبط بالسبب الخامس ارتباطا وثيقا، ونعنى بها أنه كان هناك انقسام حاد فى الرأى بين الجماعة الاسلامية الناشئة. فبعد أن قدم لنا ابن اسحق قائمته التى نضم المهاجرين، أضاف ابن هشام ملحوظة مهمة مؤداها أن القائد لهذه المجموعة كان هو عثمان بن مظعون. وابن سعد «٢٩» يذكر لنا أنه حتى أثناء الجاهلية كان ابن مظعون يتحاشى شرب الخمر وكيف أنه فى مرحلة لاحقة حاول أن يدخل فى الاسلام بعدا تقشفيا أو أمورا متعلقة بالزهد ascetic لم يوافق عليها محمد ﷺ ، وقد قدم عثمان بن مظعون فى البداية مع عدد من الأصحاب كلهم من الرجال المهمين وكان هو- بلا شك- على رأسهم. وعلى هذا، فانه يكاد يكون مؤكدا أن ينظر اليه كقائد جماعة بين المسلمين كانت- أى هذه الجماعة- منافسة لجماعة أخرى يتزعمها أبو بكر. وملاحظة عمر التى ذكرها ابن سعد مؤداها أنه حتى بعد وفاة النبى ﷺ وأبى بكر الصديق رضى الله عنه، لم يفكر فى عثمان بن مظعون الا قليلا

стр. 241

لأنه مات فى فراشة*- تعد شاهدا على التنافس بين عثمان بن مظعون من ناحية وجماعة أبى بكر وعمر بن الخطاب من ناحية أخرى**. وهناك اشارات أخرى أيضا عن خلافات بين المسلمين. فخالد بن سعيد (من عبد شمس) كان واحدا من أوائل المسلمين يقال انه أول من هاجر للحبشة «٣٠» لكنه لم يعد حتى غزوة خيبر، وبعد موت محمد ﷺ يبدو أنه أظهر بعض العداء لأبى بكر رضى الله عنه، ربما أشارت هذه الرواية لوجود حزب أو جماعة ضد أبى بكر. ومن الحالات الطريفة أيضا حالة الحجاج بن الحارث بن قيس (من سهم) الذى ربما اختلط اسمه باسم الحارث بن الحارث بن قيس. لقد اخذ كاسير فى غزوة بدر وكان فى الجانب المعادى للرسول فى هذه الغزوة «٣١» . لكن يبدو أنه هو أيضا كان من بين المسلمين الذين هاجروا للحبشة «٣٢» . وقد شككت بعض المصادر الاسلامية فى هذه الرواية الاخيرة المتعلقة بالحجاج بن الحارث؛ لكن هذا التشكيك مفهوم ولا يعد سببا لرفض أنه كان من بين المهاجرين الى الحبشة. واذا كان احد المهاجرين يحمل مثل هذا؟؟؟ فلم لا يكون الاخرون مثله؟ وهناك عدد لم تورد المصادر تاريخ وصولهم للمدينة «٣٣» . وأخيرا هناك نعيم بن عبد الله النحام (من عدى) يبدو أنه كان أحد زعماء قبيلته عدى، وكان هو وأبو بكر من بين أشهر أوائل المسلمين الذين لم يذهبوا للحبشة. لكن يبدو أن الفتور قد ساد علاقته بالمجموعة الرئيسية التى كانت هى مجموعة أبى بكر فى الأساس، وعلى الأقل فهو لم يذهب للمدينة حتى سنة ٦ هـ. وربما كان الى حد ما حاضرا فى ذهن عروة عندما قال ان بعضهم قد تعرض للفتنة. وعلى كل حال، فان عروة ليس شاهدا محايدا لأن أباه الزبير بن العوام كان قد تبع عثمان بن مظعون، وربما لم يكن دقيقا فى ذكره للدوافع والتواريخ التقريبية.

стр. 242

نخلص من هذا أن السبب الخامس (الأخير) نظرا لانطباقه على ظروف كل المهاجرين، فهو الأقرب الى أن يكون بعيدا عن كونه مجرد افتراض، وعلى أية حال، فنحن لسنا فى حاجة الى القول بأن الخلافات فى الرأى والتى أدت للهجرة للحبشة لم تكن قد وصلت الى درجة حادة، كما أن ما ذكرناه لا يعنى ان الأسباب الاخرى لم تكن قائمة بالمرة. وربما كان ما حدث كان شيئا قريبا مما ذكرناه الى حد ما. لقد كان المهاجرون الى الحبشة كما هو واضح رجالا ذوى عقائد دينية صحيحة. وفى بعض الحالات كانت هذه العقائد الدينية الصحيحة لدى البعض راسخة حتى قبل نبوة محمد ﷺ كما هو فى حالة عثمان بن مظعون وعبيد الله بن جحش (الذى تحول للمسيحية فى الحبشة) . فمثل هؤلاء قد يكونون غير ميالين لقبول سياسة أبى بكر الخليفة المتوقع للرسول ﷺ . ما هذه السياسة التى لم يكونوا راضين عنها؟ اننا لا نستطيع الا التخمين، وربما جاز لنا أن نصر على أن محمدا ﷺ ما نجح كنبى وقائد (النص: زعيم دينى وسياسى) الا لأن دعوته كانت ذات أبعاد سياسية واجتماعية معلنة (أى أعلنها الرسول ﷺ . وأولئك الذين بقوا فى مكة كانوا ممن ينتمون الى عشائر كانت مستعدة لقبول قيادة محمد ﷺ (ربما كانت عدى استثناء من ذلك) ؛ بالنظر الى حلف الفضول القديم الذى اشتركت فيه هذه العشائر جميعا. ومهما كانت سياسة أبى بكر، فان محمدا ﷺ كان بلا شك سيوافق عليها. والقول بأن محمدا هو الذى اتخذ المبادأة* ربما كان محاولة لاخفاء الدوافع الأساسية بين الذين تخلوا عنه فى مكة، لكنه ليس من الضرورى أن نفسر البيانات المتاحة لنا ata بهذه الطريقة. انه لما يتفق مع شخصية محمد ﷺ أن يعى بسرعة امكان حدوث شقاق أو خلاف فيتخذ بسرعة خطوات ليسد الثغرات ويتحاشى النتائج السيئة، لذا بادر باقتراح الهجرة الى الحبشة لتعزيز خطة تتفق مع مصالح الاسلام الذى لازلنا غير واعين بطبيعته الدقيقة، فالاسلام فى هدفه الظاهرى لم يحقق

стр. 243

الا قليلا من النجاح (حتى هذه اللحظة التى نتحدث عنها) ، فالسرعة النسبية لتسوية الأمور مع عثمان بن مظعون والاخرين الذين عادوا الى مكة قبل الهجرة للمدينة تشير على الأقل الى أنه لم تكن هناك قطيعة كاملة بينهم (عثمان بن مظعون وجماعته) ومحمد ﷺ . ومن المؤكد أنهم فى النهاية قد قبلوا زعامة محمد ﷺ والوضع الخاص لأبى بكر الصديق، وحاربوا كمسلمين شجعان فى غزوة بدر. ٣- مناورات المعارضة مع أن المعلومات التى قدمها لنا ابن هشام والطبرى عما تبقى من الحقبة الملكية قليلة، فانها ترسم لنا صورة مقبولة عن المظاهر الخارجية للمعارضة التى واجهها محمد ﷺ ، وهى معلومات مستقاة من القران (الكريم) لكنها ليست صورة طبق الأصل لما ورد به. حقيقة لقد كانت هذه المعلومات التى قدمها ابن هشام والطبرى فيها بعض المبالغة فى اتجاهات بعينها، لكن من المحتمل أن تكون هذه المبالغة فى هذه المواضع أقل مما يفترض الكتاب الغربيون. (أ) اضطهاد المسلمين يقدم لنا ابن اسحق «٣٤» وصفا لما كان يقوم به أبو جهل لاضطهاد المسلمين فيذكر أنه كان يحرض قريشا ضد من أسلم، وأنه كان ان سمع باسلام شخص ذى أهمية انتقده بشدة وأنبه وقال له: أتترك دين ابائك رغم أنهم أفضل منك ان تفكيرك غبى وحكمك غير صائب، أين شرفك. وان كان الذى أسلم تاجرا هدده بوقف رواج تجارته وضياع رأس ماله. وان كان الذى أسلم رجلا ضعيفا غير مؤثر ضربه وحرض الناس ضده. ومن هذا العرض نفهم أنه ليس من المؤكد أن اضطهاد أبى جهل للمسلمين كان أكثر قسوة من الهجوم اللفظى (السب والشتم) ان كان

стр. 244

هذا المسلم شخصا مهما نافذا، أما ان كان أقل شأنا فان أبا جهل يمارس عليه ضغطا اقتصاديا، وأما ان كان المسلم رقيق الحال لا سند له عاقبه عقابا بدنيا بشعا. ولأن معظم عشائر قريش كانت منيعة الجانب بدرجة تجعلها قادرة على احداث ازعاج خطير أو ما هو أسوأ من ذلك- اذا تعرض أحد أفرادها أو حلفائها لمعاملة سيئة، فان أولئك الذين تعرضوا لعقاب بدنى قاس كانوا قلة وكانوا من العبيد، أو ممن ليس لهم ارتباطات عشائرية واضحة (مثل خباب بن الارت) . وكان من الممكن من الناحية الرسمية أن تخلع احدى العشائر أحد أفرادها أو حلفائها (أى تتبرأ منه) : لكن هذا الاجراء كان يقلل من شرف القبيلة. ويبدو أن شيئا كهذا حدث لأبى بكر لأننا رأيناه يقبل حماية ابن الدغنه «٣٥» ونسمع أيضا عن طلحة وأنه هو وأبى بكر قد ارتبطا معا. وعلى أية حال، فان عشيرته تيم لم تكن قوية. وربما كان محمد ﷺ هو أيضا قد حرمته عشيرته من حمايتها وقت زيارته للطائف لأنه لاقى معاملة سيئة هناك؛ ولأنه طلب حماية أحد أفراد العشائر الاخرى قبل أن يدخل مكة مرة أخرى. ان أفعال أبى جهل، وأفعالا أخرى مشابهة، لا شك فى حدوثها، وأشارت اليها المراجع عند حديثها عن الفتنة التى تعرض لها المسلمون. وعلى أية حال، فان هذا ليس اضطهادا قاسيا. وتتضح هذه النقطة عند دراسة التفاصيل فى السيرة لابن هشام، وكتاب الطبرى وطبقات ابن سعد. فهذه المراجع لم تذكر سوى أسوأ الحالات أو ما هو مفترض أنه أسوأ الحالات، ولم تذكر أن ذلك هو الوضع العام أو المعدل العام. فكل الشواهد تجعلنا نفترض أن الاضطهاد لم يكن عنيفا. فما ذهب اليه الباحثون الغربيون من اتهام بأن الحديث عن اضطهاد المسلمين عرض بشكل مبالغ فيه- هذا الاتهام لا يكاد ينطبق على المصادر الأولى. وربما كانت الأسئلة الرئيسية للمبالغة هى تلك التى تتناول الحالات التى تبين تمسك الشخص بعقيدته واستعصائه على الردة. وتوضح المواد التى بين أيدينا مظاهر المعارضة المختلفة كما وردت فى الفقرة المنقولة انفا عن ابن اسحق. فقد هوجم محمد ﷺ بالأقوال

стр. 245

وتعرض لاهانات بسيطة، كقيام جيرانه بالقاء القمامة أو الأقذار عند باب بيته، ومن الممكن ان تكون حدة المضايقات قد زادت بعد موت ابى طالب «٣٦» . كما أن تدنى رأسمال أبى بكر رضى الله عنه من ٠٠٠ ر ٤٠ درهم الى ٥٠٠٠ درهم فى الفترة من تحوله للاسلام الى الهجرة «٣٧» ، ربما يرجع للضغط الاقتصادى الذى هدد به أو ب جهل وليس شراء العبيد (لعتقهم) كما ذكر ابن سعد مادام العبد لا يكلف الا حوالى ٤٠٠ درهم «٣٨» . وأكثر الأمثلة وضوحا فى مجال العقاب البدنى، تتضح من معاملة العبيد كبلال بن رباح وعامر بن فهيرة «٣٩» وقريب جدا من هذا رفض العاص بن وائل دفع دين شرعى لخباب ابن الأرت «٤٠» . وحتى النوع الرابع من الاضطهاد (يمكن أن نطلق عليه ممارسة الضغط بما فى ذلك العقاب البدنى) كان يمارسه أعضاء من العشيرة نفسها بل وداخل الأسرة الواحدة، كالأب والعم والأخ الأكبر، ومعاملة أبى جهل لكل من: الوليد بن الوليد، وسلامة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة وغيرهم من أفراد العشيرة نفسها، تعد من الأمثلة المعروفة «٤١» . وان كنا نجد أمثلة أخرى فى صفحات كتاب ابن سعد. والقسوة التى تعرض لها الحليف عمار بن ياسر وأسرته على يد بنى مخزوم «٤٢» ربما كانت من هذا النوع. لقد كان اضطهاد المسلمين يكاد يكون من النوع المعتدل. فنظام الأمن (الحماية) كان فاعلا ومطبقا فى مكة متمثلا فى حماية كل عشيرة لأعضائها، مما يمنع تعرض أى مسلم لايذاء العشائر الاخرى بشكل خطير حتى لو كانت عشيرته هو غير راغبة فى الاسلام. فالفشل فى

стр. 246

الدفاع عن ابن العشيرة ضد عدوان عشائر أخرى ينقص من شرف هذه العشيرة وقدرها. لذلك كان الاضطهاد قصرا على: (أ) حالات لا تتأثر فيها العلاقات العشائرية، كأن يكون المضطهد (بكسر الهاء) من العشيرة نفسها أو ألا يكون الضحية مشمولا بحماية أية عشيرة من العشائر. (ب) أعمال لا تدخل ضمن ما تعورف عليه من أنه يمس الشرف القبلى أو العشائرى، كالضغوط الاقتصادية وربما أيضا الايذاء بالقول والاهانات الصغيرة التى تؤثر فى الشخص فقط لا فى عشيرته كلها. هذا الاضطهاد المحدود ربما كان كافيا للنقر على أصابع الاسلام الوليد؛ لكنه لم يكن كافيا لتراجع أى مسلم جاد عن دينه. بل ربما قوى الاسلام بأن جعل الفقراء يتحولون اليه. (ب) الضغط على بنى هاشم لقد كان نظام الأمن الذى شرحناه انفا هو ما جعل محمدا ﷺ قادرا على الاستمرار فى دعوته للاسلام حتى سنة ٦٢٢ م رغم معارضة زعماء مكة. لقد كان زعيم هاشم فى هذا الوقت هو عم النبى، أبو طالب الذى كان مستعدا- رغم عدم اعتناقه للاسلام- أن يقدم الحماية الكاملة لمحمد ﷺ بوصفه عضوا فى العشيرة. وقد لجأ زعماء قريش وعلى رأسهم أبو جهل أكثر من مرة لأبى طالب طالبين منه اما أن يوقف محمدا ﷺ عن اعلان دينه الجديد أو أن يسحب حمايته له. وعلى أية حال، فان أبا طالب رفض كلا العرضين ودبر أموره داخل عشيرته للموافقة على موقفه هذا «٤٣» (رغم أن عشيرة المطلب كانت من الناحية الرسمية عشيرة مستقلة، الا أنها انضمت لهاشم لأغراض مختلفة وصارتا معا كعشيرة واحدة) .

стр. 247

فرفع شأن العشيرة وزيادة شرفها قد يكون فى حد ذاته سببا كافيا لأبى طالب لفعل ما فعله، لكن ربما كانت هناك أمور أكثر من ذلك. لقد سبق أن لاحظنا مما ذكرناه انفا أنه يبدو أن عشيرة هشام كانت أوضاعها قد تدهورت خلال الحقب السابقة، فأن تفقد واحدا من خيرة شبابها (يقصد محمدا ﷺ فى هذه المرحلة يعد خسارة كبيرة لها تفقدها جانبا من قوتها. وأكثر من هذا، فبالاضافة لقضية محمد وشرف العشيرة ربما كانت هناك مسألة السياسة الاقتصادية، فدعوة محمد الى الاسلام رغم أنها دعوة- فى الأساس- دينية الا أنها مست أمورا اقتصادية مسا وثيقا، ومن هذه الناحية ربما كان يمكن اعتبارها استمرارا لاتجاه حلف الفضول فى معارضته للاحتكاريين المجردين من المبادىء الخلقية. واذا كان الأمر كذلك، فانه يمكن اعتبار محمد ﷺ استمرارا للسياسة التقليدية لعشيرة هاشم؛ وبالتالى فليس هناك ما يدعو للدهشة اذا تلقى هو أيضا قدرا معينا من الدعم العام لعشيرته. والجدير بالملاحظة أن أبا طالب قد بسط حمايته أيضا على مسلم اخر هو أبو سلمة بن عبد الأسد ابن أخته الذى ينتمى لعشيرة مخزوم «٤٤» ، وقد أيده أبو لهب فى ذلك. وحالة أبى لهب حالة شائقة دراستها، طالما أنه استسلم للضغوط الواقعة على عشيرة هشام. لقد كان أبو لهب هو الأخ الأصغر لأبى طالب لكنه كان يدبر لزواجه من أخت أبى سفيان أحد زعماء عبد شمس، وبعد السنة الثانية للهجرة أصبح هو الزعيم الأساسى لمكة كلها. وعندما اشتدت المعارضة لمحمد ﷺ أخذ جانب عشيرة زوجته ضد ابن أخيه (يقصد محمدا ﷺ ، ومما لا شك فيه أنه فى حوالى هذا الوقت تم الانفصال بين ابنتى محمد ﷺ وابنيه. وقد يجوز لنا أن نفترض أن اتجاه أبى لهب هذا كان متأثرا بعلاقاته التجارية والمصلحية مع عبد شمس. أما وقد فشل أعداء محمد ﷺ فى عزله عن عشيرته، فقد دبروا أمر تحالف كل عشائر قريش ضد بنى هاشم (ومعها بنو المطلب) . من ناحية تعد هذه الخطوة مرحلة من مراحل المعركة ضد محمد ﷺ ،

стр. 248

لكنها أيضا تعد من ناحية أخرى مرحلة لتعاظم شأن مخزوم وما يرتبط بها من عشائر على حساب حلف الفضول، فما حدث يعنى تدهور هذا ال؟؟؟؟ وقصيدة أبى طالب «٤٥» بالاضافة لملاحظات ابن اسحق تعدان دليلا مهما

стр. 249

يؤكد ذلك. وحتى اذا كان بعض هذه القصيدة قد جرى تلفيقه بعد ذلك، فان كثيرا منها لا بد أن يكون شخص ما ذو خبرة بأمور مكة فى هذه الفترة هو الذى نظمها، وربما كانت من نظم أبى طالب بالفعل. وبعض الأسماء المذكورة لم تدرج- عادة- فى قوائم أعداء محمد ﷺ . وما هو أكثر أهمية أن الذين تعرضوا للوم لأنهم أصبحوا أعداء لبنى هاشم كانوا جميعا من عشائر حلف الفضول، وهم- اذا قبلنا رواية ابن اسحاق: من عبد شمس، أسيد وابنه، وأبو سفيان وأبو الوليد وعتبة. ومن تيم، عثمان بن عبيد الله وقنفذ بن عمير بن جدعان. ومن زهرة، أبى أو الأخنس ابن شريق والأسود بن عبد يغوث. ومن الحارث بن فهر، سبيع. ومن أسد، نوفل بن خويلد. ومن نوفل، أبو عمرو ومطعم. وأكثر من هذا فان هؤلاء الرجال قد تعرضوا للوم لتحالفهم مع أعدائهم القدامى: الغياطل أو بنو سهم، وبنو خلف أو بنو جمح ومخزوم. ومع تكوين هذا الحلف الكبير، ظهرت حركة مقاطعة هاشم والمطلب التى قضت ألا تتعامل هذه العشائر المتحالفة مع هاشم والمطلب ولا يتزوجوا منهم ولا يزوجوهم. وظهر أن هذه المقاطعة قد استمرت لأكثر من عامين، مع أنها ربما لم تكن صارمة بما فيه الكفاية طالما أن كثيرين من العشائر المقاطعة (بكسر الطاء) كانوا مصاهرين بالفعل لبنى هاشم. واذا كانت هاشم قادرة على مواصلة ارسال قوافلها للشام فمن المحتمل أنها لم تتأثر كثيرا جدا بهذه المقاطعة، وعلى أية حال، لا تذكر لنا تذمرا أو شكوى بهذا الخصوص (أى بخصوص قوافل هاشم الى الشام) والمسار العام للروايات يشير الى أن بسط الحماية على محمد ﷺ لم يكن هو السبب الوحيد للنزاع (المقاطعة) . ووفقا لرواية ابن اسحق «٤٦» عن نهاية المقاطعة، فان البادىء بهذا العمل (انهاء المقاطعة) هو هشام بن عمرو وأيده فى ذلك زهير بن أبى أمية (من مخزوم) والمطعم بن عدى (من نوفل) وأبو البخترى وزمعة ابن الأسود (وكلاهما من أسد) . وعلى أية حال، فعند اجتماع قريش كان

стр. 250

زهير هو الذى قام أولا. وأم زهير هى عاتكة بنت عبد المطلب، وكان أبو طالب هو خاله، لذا فقد كان لديه أسباب لانجذابه لبنى هاشم. والجدير بالملاحظة أنه فى قصيدة أبى طالب التى أشرنا اليها انفا «٤٧» مديح قوى لزهير لمساعدته لبنى هاشم، ويمكن ربط هذا المديح بذلك الموقف. ومرة أخرى من المهم أن نلاحظ العشائر التى ينتمى اليها هؤلاء الخمسة، فهذا يوضح لنا- شيئا ما- طبيعة المعارضة داخل هذا التحالف الكبير (تحالف المقاطعة) . من المفترض أن زهيرا كان يتحرك أساسا انطلاقا من رابطة الدم (النسب) لكنه من حيث كونه من مخزوم فقد كان هو الشخص المناسب لتزعم الهجوم ضد السياسة التى بدأتها فى الأساس عشيرة مخزوم. وعلى أية حال، فربما كان الاخرون يتحركون لعوامل أخرى. لقد كانوا ينتمون لعشائر: نوفل وأسد وعامر التى كانت قد كونت الحلف الكبير (حلف المقاطعة) ؛ لكنهم لم يكونوا أعضاء فى الأحلاف القديمة التى ربما كان أعضاؤها يشكلون تكتلا داخليا فى باطن الحلف الكبير. وربما كان غياب الأعضاء الاخرين لحلف الفضول غير ذى معنى الا فيما يتعلق بعبد شمس، لكن فى الفترة الأخيرة يفترض أن عبد شمس قد أصبحت ذات ارتباطات مصلحية وتجارية قوية مع مخزوم ونتيجة لهذه المصالح المشتركة بدأت الأحلاف القديمة الان يعاد تشكيلها من جديد. واذا كان لنا أن نخمن دوافع قادة الغاء المقاطعة، لقلنا انه بمرور الوقت تحققوا من أن الحلف الكبير والمقاطعة قد دعما من موقف العشائر القوية التى هدفت الى احكام السيطرة الاحتكارية على تجارة مكة، وأن ذلك أدى بالتالى الى اضعاف العشائر الاخرى. وبموت أبى طالب بعد نهاية المقاطعة، مرت علاقة محمد ﷺ بعشيرته بمرحلة أخرى، وسنتناول ذلك فى الفصل التالى.
следующие страницы →