← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الدفاع عن ابن العشيرة ضد عدوان عشائر أخرى ينقص من شرف هذه العشيرة وقدرها. لذلك كان الاضطهاد قصرا على: (أ) حالات لا تتأثر فيها العلاقات العشائرية، كأن يكون المضطهد (بكسر الهاء) من العشيرة نفسها أو ألا يكون الضحية مشمولا بحماية أية عشيرة من العشائر. (ب) أعمال لا تدخل ضمن ما تعورف عليه من أنه يمس الشرف القبلى أو العشائرى، كالضغوط الاقتصادية وربما أيضا الايذاء بالقول والاهانات الصغيرة التى تؤثر فى الشخص فقط لا فى عشيرته كلها. هذا الاضطهاد المحدود ربما كان كافيا للنقر على أصابع الاسلام الوليد؛ لكنه لم يكن كافيا لتراجع أى مسلم جاد عن دينه. بل ربما قوى الاسلام بأن جعل الفقراء يتحولون اليه. (ب) الضغط على بنى هاشم لقد كان نظام الأمن الذى شرحناه انفا هو ما جعل محمدا ﷺ قادرا على الاستمرار فى دعوته للاسلام حتى سنة ٦٢٢ م رغم معارضة زعماء مكة. لقد كان زعيم هاشم فى هذا الوقت هو عم النبى، أبو طالب الذى كان مستعدا- رغم عدم اعتناقه للاسلام- أن يقدم الحماية الكاملة لمحمد ﷺ بوصفه عضوا فى العشيرة. وقد لجأ زعماء قريش وعلى رأسهم أبو جهل أكثر من مرة لأبى طالب طالبين منه اما أن يوقف محمدا ﷺ عن اعلان دينه الجديد أو أن يسحب حمايته له. وعلى أية حال، فان أبا طالب رفض كلا العرضين ودبر أموره داخل عشيرته للموافقة على موقفه هذا «٤٣» (رغم أن عشيرة المطلب كانت من الناحية الرسمية عشيرة مستقلة، الا أنها انضمت لهاشم لأغراض مختلفة وصارتا معا كعشيرة واحدة) .

стр. 247

فرفع شأن العشيرة وزيادة شرفها قد يكون فى حد ذاته سببا كافيا لأبى طالب لفعل ما فعله، لكن ربما كانت هناك أمور أكثر من ذلك. لقد سبق أن لاحظنا مما ذكرناه انفا أنه يبدو أن عشيرة هشام كانت أوضاعها قد تدهورت خلال الحقب السابقة، فأن تفقد واحدا من خيرة شبابها (يقصد محمدا ﷺ فى هذه المرحلة يعد خسارة كبيرة لها تفقدها جانبا من قوتها. وأكثر من هذا، فبالاضافة لقضية محمد وشرف العشيرة ربما كانت هناك مسألة السياسة الاقتصادية، فدعوة محمد الى الاسلام رغم أنها دعوة- فى الأساس- دينية الا أنها مست أمورا اقتصادية مسا وثيقا، ومن هذه الناحية ربما كان يمكن اعتبارها استمرارا لاتجاه حلف الفضول فى معارضته للاحتكاريين المجردين من المبادىء الخلقية. واذا كان الأمر كذلك، فانه يمكن اعتبار محمد ﷺ استمرارا للسياسة التقليدية لعشيرة هاشم؛ وبالتالى فليس هناك ما يدعو للدهشة اذا تلقى هو أيضا قدرا معينا من الدعم العام لعشيرته. والجدير بالملاحظة أن أبا طالب قد بسط حمايته أيضا على مسلم اخر هو أبو سلمة بن عبد الأسد ابن أخته الذى ينتمى لعشيرة مخزوم «٤٤» ، وقد أيده أبو لهب فى ذلك. وحالة أبى لهب حالة شائقة دراستها، طالما أنه استسلم للضغوط الواقعة على عشيرة هشام. لقد كان أبو لهب هو الأخ الأصغر لأبى طالب لكنه كان يدبر لزواجه من أخت أبى سفيان أحد زعماء عبد شمس، وبعد السنة الثانية للهجرة أصبح هو الزعيم الأساسى لمكة كلها. وعندما اشتدت المعارضة لمحمد ﷺ أخذ جانب عشيرة زوجته ضد ابن أخيه (يقصد محمدا ﷺ ، ومما لا شك فيه أنه فى حوالى هذا الوقت تم الانفصال بين ابنتى محمد ﷺ وابنيه. وقد يجوز لنا أن نفترض أن اتجاه أبى لهب هذا كان متأثرا بعلاقاته التجارية والمصلحية مع عبد شمس. أما وقد فشل أعداء محمد ﷺ فى عزله عن عشيرته، فقد دبروا أمر تحالف كل عشائر قريش ضد بنى هاشم (ومعها بنو المطلب) . من ناحية تعد هذه الخطوة مرحلة من مراحل المعركة ضد محمد ﷺ ،

стр. 248

لكنها أيضا تعد من ناحية أخرى مرحلة لتعاظم شأن مخزوم وما يرتبط بها من عشائر على حساب حلف الفضول، فما حدث يعنى تدهور هذا ال؟؟؟؟ وقصيدة أبى طالب «٤٥» بالاضافة لملاحظات ابن اسحق تعدان دليلا مهما

стр. 249

يؤكد ذلك. وحتى اذا كان بعض هذه القصيدة قد جرى تلفيقه بعد ذلك، فان كثيرا منها لا بد أن يكون شخص ما ذو خبرة بأمور مكة فى هذه الفترة هو الذى نظمها، وربما كانت من نظم أبى طالب بالفعل. وبعض الأسماء المذكورة لم تدرج- عادة- فى قوائم أعداء محمد ﷺ . وما هو أكثر أهمية أن الذين تعرضوا للوم لأنهم أصبحوا أعداء لبنى هاشم كانوا جميعا من عشائر حلف الفضول، وهم- اذا قبلنا رواية ابن اسحاق: من عبد شمس، أسيد وابنه، وأبو سفيان وأبو الوليد وعتبة. ومن تيم، عثمان بن عبيد الله وقنفذ بن عمير بن جدعان. ومن زهرة، أبى أو الأخنس ابن شريق والأسود بن عبد يغوث. ومن الحارث بن فهر، سبيع. ومن أسد، نوفل بن خويلد. ومن نوفل، أبو عمرو ومطعم. وأكثر من هذا فان هؤلاء الرجال قد تعرضوا للوم لتحالفهم مع أعدائهم القدامى: الغياطل أو بنو سهم، وبنو خلف أو بنو جمح ومخزوم. ومع تكوين هذا الحلف الكبير، ظهرت حركة مقاطعة هاشم والمطلب التى قضت ألا تتعامل هذه العشائر المتحالفة مع هاشم والمطلب ولا يتزوجوا منهم ولا يزوجوهم. وظهر أن هذه المقاطعة قد استمرت لأكثر من عامين، مع أنها ربما لم تكن صارمة بما فيه الكفاية طالما أن كثيرين من العشائر المقاطعة (بكسر الطاء) كانوا مصاهرين بالفعل لبنى هاشم. واذا كانت هاشم قادرة على مواصلة ارسال قوافلها للشام فمن المحتمل أنها لم تتأثر كثيرا جدا بهذه المقاطعة، وعلى أية حال، لا تذكر لنا تذمرا أو شكوى بهذا الخصوص (أى بخصوص قوافل هاشم الى الشام) والمسار العام للروايات يشير الى أن بسط الحماية على محمد ﷺ لم يكن هو السبب الوحيد للنزاع (المقاطعة) . ووفقا لرواية ابن اسحق «٤٦» عن نهاية المقاطعة، فان البادىء بهذا العمل (انهاء المقاطعة) هو هشام بن عمرو وأيده فى ذلك زهير بن أبى أمية (من مخزوم) والمطعم بن عدى (من نوفل) وأبو البخترى وزمعة ابن الأسود (وكلاهما من أسد) . وعلى أية حال، فعند اجتماع قريش كان

стр. 250

زهير هو الذى قام أولا. وأم زهير هى عاتكة بنت عبد المطلب، وكان أبو طالب هو خاله، لذا فقد كان لديه أسباب لانجذابه لبنى هاشم. والجدير بالملاحظة أنه فى قصيدة أبى طالب التى أشرنا اليها انفا «٤٧» مديح قوى لزهير لمساعدته لبنى هاشم، ويمكن ربط هذا المديح بذلك الموقف. ومرة أخرى من المهم أن نلاحظ العشائر التى ينتمى اليها هؤلاء الخمسة، فهذا يوضح لنا- شيئا ما- طبيعة المعارضة داخل هذا التحالف الكبير (تحالف المقاطعة) . من المفترض أن زهيرا كان يتحرك أساسا انطلاقا من رابطة الدم (النسب) لكنه من حيث كونه من مخزوم فقد كان هو الشخص المناسب لتزعم الهجوم ضد السياسة التى بدأتها فى الأساس عشيرة مخزوم. وعلى أية حال، فربما كان الاخرون يتحركون لعوامل أخرى. لقد كانوا ينتمون لعشائر: نوفل وأسد وعامر التى كانت قد كونت الحلف الكبير (حلف المقاطعة) ؛ لكنهم لم يكونوا أعضاء فى الأحلاف القديمة التى ربما كان أعضاؤها يشكلون تكتلا داخليا فى باطن الحلف الكبير. وربما كان غياب الأعضاء الاخرين لحلف الفضول غير ذى معنى الا فيما يتعلق بعبد شمس، لكن فى الفترة الأخيرة يفترض أن عبد شمس قد أصبحت ذات ارتباطات مصلحية وتجارية قوية مع مخزوم ونتيجة لهذه المصالح المشتركة بدأت الأحلاف القديمة الان يعاد تشكيلها من جديد. واذا كان لنا أن نخمن دوافع قادة الغاء المقاطعة، لقلنا انه بمرور الوقت تحققوا من أن الحلف الكبير والمقاطعة قد دعما من موقف العشائر القوية التى هدفت الى احكام السيطرة الاحتكارية على تجارة مكة، وأن ذلك أدى بالتالى الى اضعاف العشائر الاخرى. وبموت أبى طالب بعد نهاية المقاطعة، مرت علاقة محمد ﷺ بعشيرته بمرحلة أخرى، وسنتناول ذلك فى الفصل التالى.

стр. 251

(ج) عروض التسوية على محمد ﷺ توجد اشارة طريفة أوردها كل من ابن اسحق والطبرى بعد بداية المقاطعة وربما قبل بدايتها- لمحاولة بعض زعماء مكة عرض تسوية أو صفقة مع محمد ﷺ . ويورد الطبرى روايتين، ويورد ابن اسحق «٤٨» ثالثة، وتشير رواية الطبرى الثانية الى أنها منقولة من ابن اسحق ومع هذا فهى غير واردة فى كتاب ابن هشام. ويتضح من هذه الروايات أن أربعة رجال قابلوا محمدا ﷺ وعرضوا عليه الثروة والجاه اذا كف عن سب أوثانهم (الهتهم) وأنهم سيعبدون الله، وأن عليه أن يعترف بالهتهم.idols مثل هذه الصفقة (المساومة) كما وردت انفا كانت ستكون هى القاضية على دعوة محمد ﷺ ، لذلك رفضها. والتعرف على هؤلاء الأربعة أمر مثير. لقد كانوا هم: الوليد بن المغيرة (من مخزوم) ، والعاص ابن وائل (من سهم) ، والأسود بن المطلب (من أسد) ، وأمية بن خلف (من جمح) . وكان ثلاثة من هؤلاء من عشائر تنتمى للأحلاف التى كانت منافسة قديما لبنى هاشم وحلف الفضول، وهذا يؤكد صحة الرواية. فذكر الوليد يشير الى أن هذا الحدث (مساومة النبى) حدث قبل أن يدعى أبو جهل زعامة مخزوم، وبالتالى قبل بدء المقاطعة. وربما كان الهدف من هذا العرض هو التحقق من أنه لو تم القبول بنبوة محمد ﷺ لكان معنى هذا قبول زعامته كأمر لا فكاك منه. وعلى أية حال، فمن الممكن أيضا أن هذا الحدث (العرض أو المساومة) بعد بدء المقاطعة- هو ما تذكره المصادر وأن هؤلاء الأربعة لم يكونوا موافقين تماما على المقاطعة. وكان الوليد باعتباره رجلا كبير السن لا يستطيع أن يعتبر محمدا منافسا خطيرا له على العكس من نظرة أبى جهل اليه (أى الى الرسول ﷺ ، وربما كان الوليد أيضا أكثر اهتماما بأمر عبادة الأوثان. وعلى هذا فهذه العروض التى عرضت على الرسول ﷺ اذا كانت الروايات بهذا الشأن صحيحة- تتضمن أن هؤلاء الرجال قد تحققوا على نحو ما من المواهب القنادية لمحمد ﷺ (النص: من مواهبه كرجل دولة. (Statesman

стр. 252

٤- شهادة القران (الكريم) يؤيد القران الكريم- كما لاحظ كيتانى «٤٩» - الانطباع ابدى خرجنا به من دراستنا النقدية لكتابات المؤرخين الأوائل- وهو أن اضطهاد المسلمين كان من النوع المعتدل ولم يكن يتضمن أية أفعال تمنعها الأعراف منعا حادا. فالاشارات المتتالية فى القران الكريم لأعداء محمد ﷺ مركز على النقد اللفظى (الكلامى) لرسالته وله شخصيا. لقد كان هناك كما سنرى ذكر لمؤامرات ومكاند ضد محمد ﷺ والمسلمين، لكننا لا نكاد نجد شيئا يستحق حقيقة أن نسميه اضطهادا. وربما كان الهجوم الكلامى قد بدأ ضد الرسول قبل حكاية ايات الغرانيق بمدة طويلة، فمن المؤكد أن هذا الهجوم قد ارتبط بمرحلة من نزول القران الكريم أسبق من المرحلة التى ذكرت فيها الأوثان وجرى فيها التأكيد على أن الله لم يتخذ ولدا. (أ) النقد الكلامى لرسالة محمد ﷺ تشير الايات المكية مرارا الى انكار أهل مكة للبعث (يوم الحساب) ، فاهل مكة- لأنهم كانوا يعتبرون الجسد جزا أساسيا من الانسان- لم يكونوا قادرين على الاقتناع بأن الجسد البشرى يمكن اعادته للحياة بعد أن أصبح رميما. لقد بدا ذلك لهم ردا حاسما على تأكيدات محمد ﷺ كما تشير ايات كثيرة «٥٠» ، منها الايات التاليات: (وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) ..) السورة ٣٧ (الصافات) .

стр. 253

وبينما ظل سؤالهم هذا يتردد بشكل أساسى لأسباب جدلية الا أنه فى الحقيقه متمش مع معتقدات أهل مكة فهم كانوا يقولون، كما أشار القران (الكريم) : (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) ..) السورة ٤٥ (الجاثية) . ويوبخهم القران الكريم مرة تلو مرة؛ لانكارهم الحياة الاخرى وقصر تفكيرهم على متاع الحياة. والايات القرانية من السورة ٣٧ (الصافات) الانف ذكرها توضح أيضا نقطة أبعد ترتبط أحيانا بالاية الاخرى رقم ٢٤ من سورة الجاثية التى ذكرناها لتونا. فالمكيون يصفون اعادة الجسد الى الحياة بعد أن يكون قد أصبح رميما بأنها مسألة سحر، وكلمة السحر يبدو أنها اشارة الى فعل (مضلل) أو (خادع) وليس فعلا حقيقيا صحيحا «٥٢» . وهذه الفكرة ربما كانت موجودة قبل اشارة القران الكريم الى السحر، الا أنه ربما أيضا كانت بعض الاشارات الى السحر- خاصة الاشارة الى محمد ﷺ كساحر- يقصد بها الوحى. ولم ترتبط ايات القران الكريم بعملية البعث بشكلها المجرد (أى مطلق بعث) ، وانما بالبعث المرتبط بالحساب الذى ينتج عنه خلود فى الجنة أو عقاب بدخول جهنم. فمسألة احياء الأموات (بعث أجسادهم) كانت مثارة بين أتباع محمد ﷺ لأنها بدت لهم أمرا غريبا متعارضا مع عقائدهم فى الاخرويات. لقد وضح القران رفضهم لهذه العقيدة رفضا تاما، رغم أن اشارات القران لذلك موجزة «٥٣» ، هذا الايجاز قد يعنى أن

стр. 254

مسألة احياء الجسد الرميم قد احتلت مكانا بارزا فى المناقشات بين عامة أهل مكة، لكن رفض فكرة الحساب فى الآخرة ربما كانت هى الأخطر لنتائجها العملية المهمة مادامت تعنى أنها وازع أو دافع تم ادخاله ليتحكم فى سلوك الأفراد. فعدم الاعتقاد فى اليوم الاخر ربما كان كامنا أيضا وراء السؤال «٥٤» الذى وجهوه لمحمد ﷺ : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) ..) السورة ٧٩ (النازعات) . وقد أجاب القران الكريم عن هذا السؤال أو على الأقل كانت استجابته فيها تحاش له، لكن قد يكون الهدف من توجيه السؤال هو ارباك محمد ﷺ . وكثير من ايات القران التى تتحدث عن «ايات» الله يبدو أنها استجابة أو رد فعل للصعوبة التى تكتنف احياء الجسد (بعث الأبدان) . لقد قدم لنا القران عملية خلق الله للانسان خلال سلسلة من الأفكار وخلال تطور بطىء هو تطور الجنين فى الرحم ونفخ الله سبحانه الروح فيه، ودلل القران الكريم على أن ذلك اية (علامة) من ايات الله سبحانه؛ لأنه هو واحده القادر على ذلك، وبالتالى فهو واحده سبحانه قادر على اعادة الحياة اليه بعد أن يصبح رميما. وبينما بعض ايات القران الكريم تهتم بشكل أساسى باظهار وجود الله سبحانه وبيان قدرته بشكل عام، فان هناك ايات أخرى توضح أن أهمية كثير من الايات (العلامات) أنها برهان على قدرة الله سبحانه فى احياء الأجساد بعد موتها، ومن هذه الايات «٥٥» نذكر:

стр. 255

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ..) السورة رقم ٧٥ (القيامة) . ليست هناك حاجة للقول ان المعارضين المتسمين بالعناد لمحمد ﷺ والدين الذى يدعو اليه، لم يكونوا مقتنعين بهذه الايات، بل لقد زادتهم كفرا على كفرهم «٥٦» ، لقد كانوا أحيانا يرفضون هذه الايات على أساس أنها من أساطير الأولين «٥٧» ، وهى عبارة وردت عدة مرات فى القران «٥٨» وارتبطت بانتقاد هذه العلامات (الايات) وما وراءها من معان. لقد كانت كل الانتقادات التى وجهوها للمحتوى القرانى ذات صلة بالاخرويات (الأفكار عن العالم الاخر) وهذا التركيز على الاخرويات فى المناقشات بين محمد ﷺ والمناوئين له يظهر أنها كانت تميل الى تأكيد وجهة النظر الواردة فى الفصل الثالث، وهى أن بعض التعاليم عن اليوم الاخر كانت جزا من الهدف الأساسى لرسالة القران الكريم. وقد وصف القران الكريم موقفهم كله وصفا وصل ذروته فى كلمة (تكذيب) وهى كلمة مقابلة للايمان. فالمكذب هو المنكر للبعث واليوم الاخر والحياة بعد الموت وايات الله، والتحذيرات التى وردت فى رسالة محمد ﷺ . وأحيانا يورد القران كلمتى (تكذيب) و (مكذبون) دون تحديد للمجال الذى جرى بشأنه التكذيب، وكلمة (المكاذبين) تأتى مرادفا (لأعداء محمد ﷺ أو مناوئيه. والمحور الرئيسى الاخر للمناقشات الدائرة فيما يتعلق بمحتوى الوحى هو مسألة الأوثان، وتوحيد الله سبحانه. وفى هذا المجال نجد القران الكريم هو الذى يتخذ المبادرة فى الهجوم على المنكرين، بينما نجد مشركى مكة فى موقف دفاع. لقد تعرضنا لهذه النقطة فى القسم الأول

стр. 256

من هذا الفصل الى حد ما فلا حاجة لتناولها مرة أخرى هنا. الا أنه قد يجوز لنا أن نذكر- على أية حال- دعوى مناوئى محمد أنهم سائرون على خطى ابائهم. فالمكيون (وغيرهم) دأبوا على القول أنهم هكذا وجدوا اباءهم وأن الحكمة تقتضى اتباع دين هؤلاء الاباء «٥٩» . ولم يكن اتهامهم لمحمد ﷺ بالانحراف عن دين الاباء والأجداد واضحا محددا، لكنه ربما يكون مفهوما ضمنا. وكان ردهم هذا أقرب الى أن يكون- من الناحية الظاهرية- موقفا دفاعيا، فهم لم يكونوا مستعدين لاتباع محمد ﷺ حتى ولو أتاهم بأفضل الهدى، وانما هم يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم، وعبروا عن ذلك فى مصطلحات عامة توضح اتجاههم المحافظ (غير الراغب فى التغيير) . وجانب من قصص الأنبياء التى تظهر كثيرا فى ايات القران الكريم فى المرحلة المكية تعد بمثابة عاصفة تعصف بهذا الزعم (رغم اتباعهم دين ابائهم) . ولا بد أن المسلمين كانوا قد أحسوا أنهم قد تخلوا عن دين هؤلاء الاباء (المشركين) خاصة عند مواجهتهم لأسئلة صعبة عن أوضاع ابائهم وأجدادهم فى الوقت الحاضر وفى المستقبل. ولا شك أن قصص الأنبياء ساعدتهم فى التحقق من ذلك، وهو أنهم كأتباع للنبى فهم يعتبرون باتباعهم له من أمته، وأنهم ينتمون اليه انتماء روحيا. وعلى هذا فقصص الأنبياء هذه لم تكن فقط تشجع المسلمين، وانما أيضا تفتح لهم مجالا للفخر على نحو ما كان الشاعر يشيد بمفاخر قبيلته. وهو لون من ألوان الشعر كان سائدا قبل الاسلام، وبالتالى فقد شعر المسلمون أنهم ينتمون الى جماعة لها جذور عميقة فى الماضى «٦٠» . والجدير بالملاحظة أنه لم يكن هناك نقد صريح فى القران الكريم متعلق بالكرم (المقصود اتهامهم بأنهم غير كرماء) ، وهذا من الممكن أن

стр. 257

يرجع الى حقيقه انه رغم ممارستهم للوتنيه فانهم لم يكونوا خالين تماما من الفضائل التى دعا اليها القران، لذا لم يكونوا ميالين للدفاع العلنى عن ممارساتهم. فأن تكون أنانيا ذلك شىء، وأن تدافع عن الانانية كمبدأ ذلك شىء اخر. ولسنا فى حاجة الى أن نفترض أن الوتنيين كانوا ذوى ضمائر سيئة فى هذا الموضوع، رغم أن قلة منهم من ذوى الضمائر، ربما شعروا بوخز الضمير. لقد كانوا فى حاجة فقط لأن يكونوا على وعى بحقيقة أن سلوكهم كان مناقضا لروح المفاهيم التقليدية للشرف عند العرب، رغم أنهم من الناحية الرسمية لم يكسروا أية أعراف مقبوله. واذا كان هذا صحيحا، فانه يجعلنا نميل لاظهار القران الكريم وكانه لم يكن نظاما أخلاقيا جديدا تماما، وانما هو امتداد للأفكار الأخلاقية التقليدية العربية بعد اخراجها لظروف وأحوال جديدة خارج التجربة البدوية. (نقل الأخلاق العربية ذات الطبيعة البدوية ليوائمها مع الحياة المدنية) . (ب) النقد الكلامى لنبوة محمد ﷺ الى جانب النقد الموجه لفحوى رسالة الاسلام، كان هناك نقد وجهه أعداء للنبى الرسول- نقد لقول محمد ﷺ انه نبى يتلقى الوحى من الله، كما أنهم نقدوا عملية الوحى فى حد ذاتها. فالاعتقاد بأن الكلمات التى تلقاها محمد وحى من الله سبحانه كانت مسألة حاضرة فى عقل محمد وقلبه منذ البداية، مهما كانت الطبيعة الدقيقة للتجربة الأولى المتعلقة بالوحى، وكان الاعتقاد فى الوحى كامنا فى الدعوة الأولى للاسلام منذ البداية. وتسجل بعض الايات القرانية الأولى محاولات المعارضة لاقلاق محمد ﷺ ، بافتراض تفسيرات أخرى للتجربة التى خاضها (الوحى) غير أن ما يأتيه من كلام ينزله الله سبحانه عليه. لقد كان الزعم الذى أشاعه مناوئو محمد ﷺ تفسيرا لظاهرة الوحى هى أن محمدا مجنون، أو بتعبير اخر تملكه جن «٦١» لكنهم افترضوا

стр. 258

أيضا أنه كاهن «٦٢» ينمق الكلام، كما افترضوا أنه ساحر «٦٣» أو ساحر شاعر٦» . ومن الصعب أن نعدل تفكيرنا ليتمشى مع عقليه وتنيى مكه عندما نطقوا بهذه الكلمات، لكن من خلال القران الكريم ومن مصادر أخرى «٦٥» يمكن توضيح معانى العناصر الرئيسيه. فالدين زعموا هذه المزاعم لم ينكروا أن تجربة محمد ﷺ مع الوحى لها بمعنى أو اخر سبب فوقى (علوى أو فوق طبيعى (Supernatural Cause لكنهم لم يرجعوا هذا السبب لله ، وانما أرجعوه أما لموجود شيطانى أو قوة عليا أدنى درجة من الله سبحانه المهيمن على الكون. وحتى تأكيدهم على أن محمدا شاعر يشير أيضا الى قوى علوية، فقد كانت الفكرة لدى معاصريه أن للشاعر روحا تتملكه أو جنا يتلبسه، ونحن نجد بالفعل عبارة (شاعر مجنون) فى القران الكريم «٦٦» . هذه التأكيدات عن أصل الوحى (كما يراه أعداء محمد ﷺ كان لها تتابعاتها وهى ألا ينظروا للتحذيرات التى جاءهم بها الوحى نظرة جدية، فليس من الضرورى- فيما يرى أعداء محمد ﷺ أن تكون تحذيرات حقيقية. فاذا كانت مصادر الوحى كما يراه المشركون فى ما ذكرناه انفا، فهذه المصادر اما أن تكون شريرة حاقدة، أو أن تكون قاصرة المعلومات. هذه الادعاات (الاكاذيب) قد يكون الهدف منها هو تكذيب محمد ﷺ فحسب وتشويه صورته، وليس بقصد تحويل من آمنوا به الى مصادقين لهم (أى لأعداء محمد ﷺ ، وعلى أية حال فقد كان مناوئو محمد ﷺ يعتقدون بشكل عام أن تصوراتهم صحيحة. وقد فند القران الكريم ادعااتهم وكذبها. وهناك عدة ايات- على أية حال- يمكن أن تكون دحضا لايات الغرانيق (الايات الشيطانية) «٦٧» وقد ناقشناها فى سياق سابق، وتكفى الاشارة اليها هنا.

стр. 259

والمحاولة الثانية التى قام بها معارضو محمد ﷺ فيما يتعلق بالوحى هو تأكيدهم على أنه انتاج بشرى، أى اما أن محمدا ﷺ قد وضعه بنفسه أو ساعده على وضعه بشر اخرون «٦٨» . واذا كانت هذه الايات راجعة الى الحقبة المدنية، فيمكن للمرء أن يتخيل ببساطة أن مثل هذه المهمة (مهمة الاخرين الذين زعم المشركون مساعدتهم محمدا ﷺ فى وضع القران) قد قام بها اليهود، أو أن المقصود هم يهود المدينة، لكن هذه التهمة- تقليديا- قد ظهرت أثناء الحقبة المكية «٦٩» ، وظهرت أسماء كانت هناك افتراضات من المشركين بأنهم ساعدوا محمدا فى وضع القران الكريم «٧٠» . وسيعرف المؤرخ ثقة محمد التامة وايمانه الكامل بأن الوحى يأتيه من مصدر خارج ذاته، وقد يوافق المؤرخ أيضا أن محمدا قبل أن يتلقى الوحى، كان قد سمع بعض القصص من أشخاص مزعومين، وقد أشار القران الكريم الى هذه التهمة. فهذه المزاعم التى مؤداها أن محمدا قد خرج برسالته للناس بعد أن تلقى دعما بشريا- مثل هذا الزعم بطبيعة الحال يختلف عن تهمة أخرى وردت فى القران الكريم عدة مرات وهو أن هذا الوحى (القران) ما هو الا كلام بشر، وقد وردت هذه التهمة فى سياق الحديث عن السحر «٧١» ، فالكلام المسجوع شبيه فى رأى أعداء محمد بكلام السحرة والمشعوذين الذين يضمنون أسجاعهم معانى غامضة، لكن هذا القول- بلا شك- يفترض أيضا أن محمدا يتلقى معلوماته من الجن. أما النقد الثالث، فمساره أن محمدا لم تكن شخصيته من النوع الذى يأتيه الوحى. فلم يكن- فى رأيهم- مهما بما فيه الكفاية «٧٢» بدليل أنه عندما أخبر بأنه نبى تعرض- ببساطة- للسخرية «٧٣» . وقصص الأنبياء التى أوردها القران الكريم تعكس ظروف محمد ﷺ ،

стр. 260

فنحن نجد أن ثمودا تقول لصالح انه كان واحدا منهم وانهم كانوا يثقون به (قبل هذا الذى أتى به) «٧٤» ، وخاطبت مدين شعيبا قائلة انها كانت تظنه معتدلا صحيح العقل «٧٥» ، لكنهم عادوا فأخبروه أنه ضعيف فيهم وهددوه بالرجم «٧٦» . والتركيز على عدم أهمية محمد لا بد أن يصرفه المرء نحو الحقبة المكية، أما فى المدينة فقد ارتفع شأنه ﷺ . والاشارة الى أتباع الانبياء الاخرين كعبيد أو فقراء «٧٧» ، ربما تعنى أيضا سخرية من محمد ﷺ لكن هذه النقطة لا يمكن مهاجمتها. ويمكن أيضا أن نتصور نوعا اخر من المناوئين توقعوا ألا ينزل الوحى الا على شخص ذى مواصفات فوق طبيعية، بينما هم يرون محمدا بشرا عاديا، فاستبعدوا أن يكون هو رسول الله، وبين القران الكريم أفكار هؤلاء وأقوالهم: (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ

стр. 261

لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (٩٥) ..) سورة الاسراء «٧٨» . ويوجد بعض الاختلاف فى الطبيعة الدقيقة لما يطلبون أن يكون عليه النبى أو يتوقعونه، لكن الافتراض الكامن فى ذلك دائما واحد، أعنى أن الله سبحانه لا يمكن أن يتجلى (يظهر) الا فى وقت يكون فيه نظام الطبيعة (الكون) قد اختل. والفكرة السامية القديمة التى مؤداها أن الخير أو الصلاح يزدهر (ينجح) فى هذا العالم، قد تكون أى هذه الفكرة- حاضرة أيضا. وثمة نقد اخر- ربما ينتمى الى هذه السلسلة من أفكارهم- وهو قولهم لماذا لم ينزل القران على محمد ﷺ دفعة واحدة «٧٩» ؟ وبالاضافة لبعض التأكيدات انفة الذكر، يبدو أنهم وجهوا نقدا ما لدوافع محمد ﷺ وأغراضه، وذلك ان جاز لنا أن نربط بين ما نسبوه اليه وما نسبه أعداء نوح له: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) ..) السورة ٢٣ (المؤمنون) . فمعظم المعانى الواردة فى هذه الايات تنطبق على الوضع فى مكة وطبيعة عقلية أهلها رغم أنها تشير الى نوح «٨٠» وقومه، فعرض زعماء مكة على محمد الثروة والمكانة- بفرض أن الرواية بهذا الشأن صحيحة-

стр. 262

يبين أن أهل مكة يدركون طموح محمد ﷺ ويريدون اللعب على هذا الوتر. وعلى أية حال، فان رفض محمد ﷺ لعروضهم هذه والاتجاه العام لمسلكه فى مكة، يجعل من غير المحتمل أن يكون الطموح السياسى كان من بين دوافعه المسيطرة. والقران الكريم يكرر باصرار المرة تلو المرة أن محمدا مجرد نذير. وذلك يعنى أن مهمته- ببساطة- هى أن يحذر الناس أو ينذرهم من حساب يعقبه نعيم أو عذاب. كيف استجابوا لهذا التحذير؟ تلك مسئوليتهم. لقد أنذرهم محمد ﷺ وانتهى الأمر! وفى احدى الايات ما يشير الى أن محمدا ليس عليهم بمسيطر «٨١» أى أنه ليس حاكما لهم يملك الأمر والنهى. بل وثمة اصرار أبعد من هذا وهو أن محمدا ﷺ مثله مثل الأنبياء الاخرين- لا يريد أى أجر أو مكافأة من البشر وانما ينتظر ثوابه من الله سبحانه فحسب، ولا شك أن التركيز على هذه المعانى يعد بمثابة الرد على اتهامه بأنه يبتغى تحقيق مصالح لشخصه «٨٢» . وأخيرا، فهناك ايتان يرجع تاريخ نزولهما فيما يظهر الى بداية الحقبة المدنية تشيران الى قبول فكرة القيادة السياسية التى خولها الله سبحانه لمحمد ﷺ : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٤) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٥) ..) السورة ٢٨ (القصص) «٨٣» . رغم أن هاتين الايتين تشيران الى موسى ﵇ وقومه الذين أذلهم فرعون، فليس هناك شىء متناقض فى مثل هذا الاتجاه، فوفقا لما ورد فى القران فان محمدا مقتنع تماما أن مهمته الأولى والأساسية هى مهمة دينية وتتمثل هذه المهمة فى أنه نذير، لكن هذه المهمة الدينية بالنسبة لأهل مكة تنطوى على مضامين سياسية، وعندما تطورت الأحداث كان تحويل هذه المضامين السياسية الى أفعال سياسية أمرا ضروريا فلم

стр. 263

يتراجع محمد عن ممارسة هذه الأفعال السياسية مادام يعتبر أن القيادة (السياسية) أمر كلفه الله به. (ج) أفعال معارضى محمد كانت المعارضة الكلامية أو القولية هى المكون الأساسى لصورة المعارضة ضد محمد كما بينها القران الكريم، لكن كانت هناك أيضا مادة كافية تبين أن المعارضين قد مارسوا الفعل كما مارسوا القول. حقيقة ليس لدينا وصف كامل لما فعلوه لكن غالب ما وصلنا اشارات لمؤامرات، وغالبا ما يتعرض القران الكريم لأفعال أعداء محمد بكلمتى: (الكيد) «٨٤» و (المكر) «٨٥» وتبدو كلمة (الكيد) قد استخدمت قبل كلمة (المكر) . ويبدو أنه لا اعتراض على أن هاتين الكلمتين تشيران فى القران الكريم (فى الايات المكية) الى مؤامرات المعارضة التى أشرنا اليها فى القسم السابق من هذا الفصل، خاصة المؤامرات السياسية والاقتصادية التى بلغت ذروتها فى مقاطعة عشيرتى هشام والمطلب. وكانت استجابة القران لهذا (المقاطعة) هو حث محمد ﷺ على الصبر وأن ينتظر حكم الله «٨٦» فالله سيحبط مؤامراتهم الماكرة كما أحبط أفعال أصحاب الفيل «٨٧» ، لقد أخبر الله محمدا ﷺ فيما مضى- أن يتحمل ايذاءهم القولى له بصبر «٨٨» ، وكان النحلى بالصبر اتجاها واضحا يتصف بالحكمة فى مكة. وقد شجعت قصص الأنبياء المسلمين على الاحتمال والصبر بتبيان كيف عاقب الله الذين لم يصدقوا أنبياءهم الذين أرسلهم الله لهم، وكيف أن الله تولى أنبياءه ومن آمنوا برسالاتهم. وربما جرى التركيز على العقاب الانى (الحالى) باعتباره منفصلا عن العقاب الأبدى (الاخروى) كرد فعل أو كاستجابة للأفعال العدوانية (الأفعال وليس الأقوال) للمعارضة. من المؤكد أن

стр. 264

الفكرة قد انبثقت بشكل طبيعى من خلال هذا السياق (أو من خلال هذه الظروف) ، فالمتامر حاقت به مؤامرته (وقع فى شرك نصبه لغيره) أو بتعبير اخر لقد ارتد الى صدره السهم الذى أطلقه على غيره، وقد فشلت المؤامرة بفضل الله، فكان التراجع الذى حاق (بالدعوة الاسلامية) مؤقتا. وثمة مثال أكثر وضوحا للنشاط المعادى ضد الاسلام هو منع العبد من أداء الصلاة «٨٩» . ولان كلمة العبد قد تعنى مجرد (الخادم) ، كما قد تعنى أيضا أبعادا أخرى باضافتها الى الله سبحانه (عبد الله) فقد تشير الاية التى تضمنت ذلك الى محمد ﷺ نفسه، وقد تعنى كلمة عبد- على اية حال- ما يفيد الرق، لان هؤلاء الرقيق من المسلمين كانوا أقل الناس تأثيرا فى مجتمعهم الجديد، وبالتالى كانوا عرضه للمعاناة أكثر من غيرهم. وقصة أصحاب الأخدود «٩٠» تشير تقليديا الى غواية مسيحيى نجران واضطهادهم، وان كانت هذه الحكاية صحيحة فربما كانت تعكس أوضاع الاضطهاد فى مكة، لكن الباحثين الغربيين يميلون الان الى النظر لهذه الاية باعتبارها وصفا للجحيم. ومن المؤكد أن هذه الاية فى حد ذاتها لا تقوم كدليل على طبيعة اضطهاد المسلمين فى مكة. والاية المدنية «٩١» التى تتحدث عن المسلمين الذين هاجروا بعد تعرضهم للفتنة، لا تعنى أكثر من تعرضهم للكيد بالاضافة للضغوط الأسرية. وعلى أية حال، فان مفتتح سورة القلم «٩٢» يبدو وكأنه يبين نوعا من محاولات استدراج محمد ﷺ للوقوع فى نوع من التسوية؛ خاصة عندما تشير الايات الى أن المشركين ودوا أن يكون محمد ﷺ مخادعا يظهر غير ما يبطن فيفعلوا مثله (ودوا لو تدهن فيدهنون) السورة ٦٨ (القلم) ، الاية ٩. وكان الله يشد من أزره لرفض عروض أعدائه «٩٣» وعدم الرضوخ لتهديداتهم. وثمة ايات تشير- وفقا للتفسير التقليدى- لرفض ايات

стр. 265

الغرانيق رغم أنه يمكن اعتبارها مشيرة لبعض المناسبات الاخرى، حتى المناسبات المدنية منها- نوضح أن عروض المشركين لتسويات أو أمور وسط، كانت تشكل تهديدا حقيقيا للدعوة: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)) السورة ١٧ (الاسراء) «٩٤» . انه لمن الصعب- وان لم يكن من المستحيل- أن نرى كيف أن رفض شخص للهداية عند سماعه للقران يمكن أن يكون دليلا صحيحا ضد أعداء محمد ﷺ «٩٥» ؛ لذا فيمكن للمرء أن يجرب أن يتخيل أن الاية قد تشير لنوع من المعارضة بين المؤمنين برسالة محمد أو بين المرتدين (الذين أسلموا ثم تركوا الاسلام، والمقصود على عهد الرسول لا بين من عرفوا- تجاوزا- بعد ذلك بالمرتدين أيام أبى بكر الصديق رضى الله عنه) . واذا كانت الايات التى تتحدث عن الذين لا يؤدون الزكاة على أنهم مكيون، فربما كانوا هم المقصودين بهذا «٩٦» . ان استخلاصنا لحقيقة أو برهان فيما يتعلق بهذه النقطة من القران الكريم أمر مشكوك فيه الى حد ما. وبشكل عام، فان الأدلة المستقاة من القران الكريم تميل الى تأكيد الصورة التى استقيناها من المصادر التاريخية التقليدية. فالنقد الكلامى والنزاع الجدلى كانا هما- فيما يبدو- الملمح الرئيسى للمعارضة التى شنها أتباع محمد ﷺ . فالنشاط المعادى الأساسى كان يطلق عليه اسم (الكيد) و (المكر) وهى كلمات تعنى حبك المؤامرات باستخدام حدة

стр. 266

الذهن، وربما كانت من النوع الخطر، ولكنها كانت دائما فى النطاق المشروع. وقد تؤدى الى اختلاق أكاذيب والحاق خسائر لكن ليس هناك برهان أكيد على أن المعارضة تحولت الى اضطهاد للمسلمين. ٥- قادة المعارضة ودوافعهم يبقى أن نسأل عن طبيعة المجموعة المكية- أو المجموعات- التى عارضت محمدا ﷺ ودوافعها. أما عن طبيعة هذه المجموعة- أو المجموعات- فهى الشق الأسهل فى مبحثنا هذا. وحتى اذا أخذنا بالرأى القائل بأن المعارضة كانت أكثر اعتدالا مما يشاع، فانه من الواضح أنه قد قادها زعماء عشائر قريش (أو ذوو النفوذ من عشائر قريش) وقد نظر الباحثون الغربيون ببعض الشك لأسماء الأشخاص الذين اعتبروا مناوئين لمحمد ﷺ أثناء الحقبة المكية؛ لأن الأسماء وردت فى قوائم من قتلوا أو أسروا فى غزوة بدر، لذا فهذه الأسماء تعكس الأوضاع (فيما يتعلق بأعداء محمد ﷺ فى السنة الثانية للهجرة، أى بعد مغادرة الرسول مكة مهاجرا للمدينة بعامين. ويزداد هذا الشك بحقيقة أن قصيدة أبى طالب التى ذكرناها فيما سبق والتى تتعرض للأوضاع السياسية فى فترة المقاطعة وما حولها، والتى قد تكون- أى القصيدة- صحيحة غير موضوعة- هذه القصيدة تحوى عدة شخوص مختلفة لم يردوا- فى العادة- كمعارضين لمحمد ﷺ . ومن ناحية أخرى، فان قوائم المعارضين تشمل عدة أشخاص ماتوا قبل غزوة بدر مثل المطعم بن عدى، وهذا معناه افتقاد الرواية للتواريخ الصحيحة. لكن يكاد يكون مؤكدا أن هذه القوائم- قوائم أعداء محمد- قد اعتمدت مادة تاريخية سليمة، وبالتالى فهى صحيحة بشكل عام. لقد كان أبو جهل من عشيرة مخزوم هو أكثر أعداء محمد ﷺ شهرة طوال عدة سنوات قبل مقتله (أى مقتل أبى جهل) فى غزوة بدر، وقبل ذلك ربما زعيم مكة الرئيسى هو الوليد بن المغيرة «٩٧» زعيم عشيرة مخزوم،

стр. 267

لكن من الممكن ألا يكون منخرطا فى عداوة مريرة ضد محمد ﷺ ، فقد كان أبو جهل هو الذى نظم تحالف العشائر العديدة ضد عشيرتى هاشم والمطلب. لكن فض هذا الحلف يشير الى وجود حزب قوى من المشركين كان أفراده غير مستعدين للانسياق وراء أبى جهل الى اخر المدى، ولا يمكننا الا بالكاد أن نقول شيئا عن أهدافهم المحددة فى معارضة محمد ﷺ . وأحيانا كان يفترض أن أقوى الدوافع الكامنة وراء معارضة محمد ﷺ ، هو الخوف من أن مكة اذا دخلت الاسلام وتخلت عن الوثنية توقف البدو عن التردد على الكعبة كمعقل وثنى وبالتالى تحطمت تجارة أهل مكة. الا أن هذا الفرض- على أية حال- غير مقنع. فليس لدينا ما يشير الى انتقاص توقير الكعبة فى القران أو فى أى نصوص اسلامية دينية أخرى، كل ما نعلمه هو تغير نسك العبادة عند الكعبة وتطهيرها (من الأوثان) بعد فتح مكة. لقد كان الهجوم الاساسى على الأوثان لا على الكعبة، كما كان الهجوم كما ذكرنا فيما سبق على نظم العبادة الوثنية عند بعض الأنصاب بالقرب من مكة. وربما كانت هذه الأنصاب المجاورة لمكة لا تكاد تكون من الأهمية بدرجة كافية تجعل هجرها أمرا كافيا لهدم تجارة مكة. فالحقيقة، أنه ربما كان قدر كبير من تجارة مكة قد أصبح فى هذه الفترة مستقلا لا يتأثر بزيارة البدو للكعبة أو الأنصاب الموجودة الى الجوار من مكة، وعلى هذا فمن المستحسن أن ننسى النظرية التى مؤداها أن المخاوف الاقتصادية كانت كامنة وراء الخوف من الهجوم على الأوثان. والذى يكاد يكون مؤكدا هو أن هؤلاء النفر الذين كانت لهم ارتباطات تجارية ببعض الأنصاب قد تضايقوا؛ لأن مهاجمة هذه الأنصاب كانت تنطوى على هجوم عليهم. وكانت اللات فى الطائف من بين هده الأنصاب، وفى خطاب عروة الذى أوردناه فى الصفحات السابقة ما يفيد أن بعض القرشيين الذين كانت لهم ممتلكات فى الطائف هم الذين بدعوا المعارضة الفعالة لمحمد ﷺ . ومن الممكن بنفس القدر أنه كانت هناك مجموعات أخرى تأثرت مصالحها الخاصة ببعض النقاط التى تضمنتها دعوة محمد ﷺ .

стр. 268

وعلى أية حال، فالسبب الرئيسى للمعارضة كما يبدو مؤكدا هو أن زعماء قريش رأوا فى نبوة محمد- اذا ما اقروها- مضامين سياسية. فالتقاليد العربية القديمة تعطى الحكم أو الزعامة فى القبيلة أو العشيرة له (لمحمد ﷺ مادام (بحكم نبوته) هو الأكثر حكمة وتدبيرا وهو الاكثر قدرة على الفصل فى أى نزاع ينشب. واذا صدق المكيون تحذيرات محمد ﷺ وأرادوا بعد ذلك أن يعرفوا كيف يدبرون أمورهم فى ضوئها، فمن هو أفضل من يستشيرونه غير محمد؟! الذى لا شك فيه أنهم تذكروا العلاقة بين اعتناق عثمان بن الحويرث للمسيحية ومحاولته أن يكون أميرا لمكة. وحتى اذا كان محمد حريصا على أن يكون مجرد نذير، فربما فكروا، هل سيكون محمد ﷺ قادرا على مقاومة القبض على زمام السلطة العليا اذ أتاحت له الظروف ذلك؟ وربما كان زعماء قريش من بعد النظر بمكان بحيث يدركون التعارض بين قيم القران الكريم من ناحية ونشاطاتهم التجارية- التى كانت بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت- من ناحية أخرى. فلم تكن هناك أية اشارة لتحريم الربا حتى بعد الهجرة بمدة طويلة، لكن كان هناك منذ البداية نقد لاتجاهاتهم الفردية نحو احراز المال واكتنازه. لا بد أن هذا كان يدور فى عقول ماليى مكة حتى ولوا تحاشوا مناقشته علنا. ربما شعروا أن هذه القيم القرانية ستعطى محمدا دعما سياسيا ان هو فكر فى القيادة السياسية. بل وربما شعر بعضهم أن هذه القيم القرانية المتعلقة بالمال ما هى الا اعادة فتح للنزاع القديم بين مخزوم وأتباعها من ناحية، وعشائر حلف الفضول من ناحية أخرى. وعندما نضع فى الاعتبار هذه الخلفية الكامنة وراء المعارضة لمحمد ﷺ أمام نواظرنا، فلن نفهم أن هجوم القران على الوثنية كان ليمر دون مقاومة. لقد كان العرب بطبيعتهم أو بحكم نشأتهم محافظين، ويصف القران الكريم فى مواضع كثيرة الوثنيين الذين تمسكوا بوثنيتهم بأنهم لا يفعلون ذلك الا لمجرد أن اباءهم كانوا على هذا الدرب سائرين. وقد ظل هذا الاتجاه المحافظ حتى بعد فترة من ظهور الاسلام فكلمة (بدعة) هى الكلمة التقليدية التى تستخدم لتعنى الهرطقة. وهذا الاتجاه المحافظ

стр. 269

يفترض أنه كان المحرك لبعض طبقات المعارضة، خاصة الزعماء كبار السن الذين لم يكونوا ينظرون لمحمد ﷺ كمنافس شخصى لهم كالوليد بن المغيرة. ولم يكن لدى معارضى محمد ﷺ دفاع نظرى يقدمونه عن الوثنية، فالمسألة لا تعدو كراهية التغيير الذى ربما اعتبروه عملا غير أخلاقى رغم أن الالهة أو الأرباب (الأوثان) لا تهمهم الا قليلا. وهناك سبب اخر للمعارضة بالاضافة لمهاجمة الأوثان، وهو التأكيد على أن اباءهم وأجدادهم الوثنيين خالدون فى جهنم فالولاء للاباء والأجداد مرتبط ارتباطا وثيقا بما تركوه من تراث. وبينما كان بعض المعارضين لمحمد ﷺ ينطلقون من منطلق فردى عميق، فان الأكثر محافظة منهم ربما احتفظوا بولاء من نوع خاص للجماعة. وعلى هذا فانهم رأوا فى اتجاه الاسلام نحو ايجاد فصل حاد فى الأسرة أو العشيرة (المقصود فصل بين الأجداد أو الاباء الوثنيين، والأبناء المسلمين) دليلا على أن الابتعاد عن نهج الاباء والأجداد سيؤدى الى عواقب وخيمة، وربما بدا لهم أن هذا التغيير سيمس البناء الاجتماعى كله. والحقيقة، أن الاسلام- بمعنى أو اخر- كان يفعل ذلك حقا. وعلى هذا، فان الأرضية التى انطلقت منها المعارضة للاسلام كانت- بالاضافة للخوف من تعرض المصالح الشخصية للخطر- خوفا من المضامين السياسية والاقتصادية للاسلام، بالاضافة الى ميل خالص للاتجاه المحافظ (عدم الرغبة فى التغيير) . ان الوضع الذى واجه محمدا ﷺ كان بمثابة توعك (بداية حالة مرضية) لها أعراضها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقلية. وكانت رسالته فى جوهرها دينية حاولت علاج الجوانب الدينية فى هذا المجتمع المريض دينيا، لكنه تعرض بالضرورة لجوانب أخرى غير دينية، وبالتالى كان للمعارضة أيضا أوجهها الكثيرة.

стр. 270

الفصل السادس افاق ممتدة ١- تدهور فى أوضاع محمد ﷺ لم يمض وقت طويل على انتهاء المقاطعة حتى فقد محمد ﷺ فى وقت قصير كلا من عمه وحاميه- أبى طالب، وزوجته المؤمنة الوفية المعينة- خديجة. وربما كان هذا فى العام ٦١٩ للميلاد. وليس لدينا دليل على ما كانت تعنيه خديجة بالنسبة لمحمد ﷺ فى هذه الفترة. أما قبل ذلك، فتخبرنا المصادر أنها شجعته عندما بدأ يتخوف، ويمكننا أن نحدس على الأقل أن دعمها له وشدها من أزره كان لا يزال يعنى بالنسبة له شيئا. واذا كان الأمر كذلك، فالذى لا شك فيه أنه كان خيرا له أن يلجأ الى مزيد من الاعتماد على النفس. حقيقة، لقد تزوج بعد ذلك بفترة غير طويلة من سودة بنت زمعة وهى احدى المسلمات الأوائل وكانت وقت تزوجها أرملة. وهذا قد يشير الى حاجته لصحبة روحية (لأنيس يؤنس روحه ويكون له بمثابة صديق) ، لكننا لا نعرف عن سودة الا قليلا ويمكننا أن نفترض أن علاقتها بمحمد ﷺ كانت فى الأساس فى نطاق دورها كزوجة.in the domestic sphere ان تجربة محمد ﷺ فى نخلة عند عودته من الطائف، حيث تلقى مواساة عندما كان حزينا محبطا- ربما يمكن اعتبارها علامة على مرحلة دالة على عدم تعويله على الاعتماد على رفاق من البشر* (ربما يقصد الاعتماد على

стр. 271

لدعم البشرى. وهى عبارة تبدو متناقضة وغير مفهومة- المترجم) . لقد كانت نتائج وفاة أبى طالب واضحة على المستوى السياسى، فقد خلف أبا طالب فى زعامة بنى هاشم أخوه أبو لهب. ورغم أن أبا لهب كان قد انضم الى الحلف الكبير ضد هاشم أثناء فترة المقاطعة، الا أنه يقال انه وعد فى البداية أن يحمى محمدا ﷺ بالطريقة نفسها التى حماه بها أبو طالب «١» . وقد تكون هذه الرواية مقبولة لأن احترام السيد العربى لنفسه يؤيد هذا الاتجاه. وان كان هذا يتناقض مع ما سبق أن أبداه من عداوة لرسول الله ﷺ ، فيمكننا تخفيف حدة هذا التناقض بافتراض أن ما ذكر عن عداوة أبى لهب لمحمد ﷺ قبل وفاة أبى طالب كان مبالغا فيه بسبب اسفافه فى العداء لمحمد ﷺ بعد ذلك (المترجم: لقد نزلت سورة قرانية فى أبى لهب وزوجته حمالة الحطب، فليس هناك اذن مبالغة) . وعلى أية حال، فبعد فترة رفض أبو لهب رسميا حماية محمد على أساس أن محمدا- على حد قوله- زعم أن عبد المطلب فى النار. والرواية التقليدية بهذا الشأن تخبرنا أن عقبة بن أبى معيط وأبا جهل رأيا أن يوجها سؤالا لمحمد ﷺ بهذا الشأن. والطريقة التى وردت بها الرواية تشير الى السذاجة، ومع هذا فليس هناك سبب يدعونا للشك فيها. لقد أشار أعداء محمد على أبى لهب أنه مادام محمد يذكر جدهم المشترك عبد المطلب* بسوء (قوله انه فى جهنم) ، فيمكن أن يسحب أبو لهب حمايته له دون أن يلومه أحد، أو بتعبير أدق دون أن يفقد شرفه أو احترامه لنفسه. كان افتقاد محمد ﷺ للأمن بسحب الحماية المبسوطة عليه خسارة كبيرة- فى الظاهر- له ولقضية الاسلام. لكن الحقيقة أنه لم تكن هناك حالات مهمة للتحول للاسلام منذ أسلم عمر بن الخطاب ربما

стр. 272

قبل ذلك بثلاث سنوات أو اربع، لكن فشل المقاطعه يمكن أن ينظر اليه كبدايه حركه تؤدى الى تحسين فرص ازدهار الدين الجديد. وعلى أية حال، فقد كان تحلى ابى لهب عن حماية محمد ﷺ قد أخمد كل هذه الامال فى مهدها. وحتى اذا استطاع المسلمون البقاء فى مكة- وهو أمر كان يمكنهم فعله بالتأكيد- فلم يكن هناك احتمال قوى أن يعتنق الاسلام أفراد جدد. وفى مثل هذه الظروف- اذا لم يكن الاسلام قد ذبل أو اضمحل- كان لا بد من توجيه نشاط جديد فى اتجاه اخر. فكل ما كان يمكن فعله فى مكة قد تم فعله؛ لذا كان الأمل الأساسى متمثلا فى احراز تقدم فى أماكن أخرى. لقد كان محمد ﷺ يعتبر نفسه نبيا أرسله الله سبحانه فى الأساس لقريش أو لقريش فقط، ولم تكن هناك اشارة قبل موت أبى طالب الى أنه فكر فى مد رسالته للعرب كافة (المترجم) *: ليس المقصود هنا أن الاسلام نزل لقريش فقط، وانما المقصود أن تفكير الرسول ﷺ فى المرحلة الأولى من الدعوة كان موجها الى قريش الدين كان يعتبرهم عدته لنشر دعوته بعد ذلك، فكيف يكون الحديث مفصلا عن اسلام العرب والفرس والروم.. الخ، وهو ما زال يدعو أهل مكة، وقد أشار المؤلف فى كتابه هذا الى مراحل انتشار الاسلام، كما أشار فى كتاب اخر ترجم بعنوان الاسلام والمسيحية** الى أن الاسلام يضم كل القيم والأفكار الأساسية فى الأديان التى سبقته؛ لذلك فهو دين المستقبل) وعلى أية حال، فقد أدى تدهور أوضاع النبى ﷺ فى مكة الى بحثه عن افاق جديدة خارج مكة، فنحن نسمع خلال سنواته الثلاث الأخيرة فى مكة عن لقااته مع القبائل البدوية وأهل الطائف ويثرب. ٢- زيارة النبى للطائف كانت الطائف- على نحو من الأنحاء- نسخة طبق الأصل من مكة، رغم وجود اختلافات مهمة. فقد كانت الطائف مركزا تجاريا ذا علاقات خاصة وثيقة باليمن. فقبيلة ثقيف كانت تقطن الطائف وارتبطت بتجارة

стр. 273

المسافات الطويلة، وغالبا ما كان ذلك بالاشتراك مع قريش. وفى الوقت نفسه كانت الطائف ذات مناخ أفضل من مناخ مكة، وكانت أجزاء مما يحيط بها ذوات تربة خصبة جدا. وكانت ذات شهرة بالزبيب، وكان احد ملامح الطائف المميزة أن أهلها كانوا يعيشون على الحبوب، بينما كان العرب الاخرون قانعين بالتمور والحليب. وكان كثيرون من أثرياء أهل مكة يمتلكون أراضى فى الطائف يتخذون منها منتجعا فى فصل الصيف. وكانت عشيرتا هاشم وعبد شمس تحتفظان بعلاقات وثيقة مع الطائف، وكانت لمخزوم معاملات مالية- على الأقل- مع ثقيف. وبشكل عام، كانت ثقيف أقل قوة من قريش وكان عليها أن تعرف تفوق قريش فى مجان المال- من الممكن أن يكون ذلك نتيجة حرب الفجار «٢» - وما يستتبع هذا من نتائج. لكن العلاقة بينهما لم تكن لصالح طرف واحد تماما، مادام الأخنس بن شريق، أحد الحلفاء (من الطائف) ، كان لفترة من الفترات- رجلا مهما فى عشيرة زهرة بمكة «٣» . وكانت هناك مجموعتان سياسيتان أساسيتان فى الطائف، هما: بنو مالك والأحلاف، وربما كان الأحلاف هم الأقدم من حيث الاقامة فى الطائف؛ لأنهم كانوا رعاة حرم الربة (النصب أو الوثن) ، وسننساق وراء خطأ ان تحدثنا عنهم كعوام أو أجلاف) as plebeians المقصود ليسوا من ذوى الحسب والنسب، أو اعتبارهم خاوين من التأثير السياسى. أما بنو مالك فكانوا- بشكل أساسى- مرتبطين بقبيلة هوازن الكبيرة التى كانت مسيطرة على المناطق المحيطة، بينما كان الأحلاف قد بحثوا عن الدعم من قريش ليوازنوا تحالف بنى مالك مع هوازن. وعلى هذا، فان تدنى ثفيف من حيث المنزلة عن قريش كان يرجع الى أن ثقيفا كانت غير مترابطة داخليا الى حد كبير. وهو أمر مؤكد بلا جدال. ومن الواضح أن محمدا لجأ أول ما لجأ الى الطائف بحثا عن مجال جديد للدعوة الاسلامية. والرواية التقليدية بهذا الشأن «٤» هى أنه

стр. 274

نظرا لازدياد قسوة المعاملة التى واجهها بعد موت عمه أبى طالب ذهب ليبحث عن حام له، لكن هذا لا يمكن أن يكون هو السبب الوحيد فالمصادر تتحدث عن أمله فى تحويل الناس الى الاسلام، ومثل هذا الامل ربما كان كامنا بالفعل فى فكرة انشاء مجتمع اسلامى كالذى أنشأه بعد ذلك فى المدينة. وفى الوقت نفسه لا يمكننا انكار امكانية حدوث ذلك تماما، فقد كان محمد ﷺ يتوقع أن تصيب مكة بعض الكوارث بعد رفضها اياه ورغبتها فى ازاحة أتباعه. ولا شك أيضا أنه يكاد يكون مؤكدا أن شيئا ما من الشقاق أو الخلاف فى المجال السياسى قد حدث وأن محمدا ﷺ حاول الاستفادة منه؛ لكننا لا نملك الأدلة الكافية لمعرفة طبيعة هذا الشقاق أو الخلاف السياسى، فالأشخاص الذين اقترب منهم محمد ﷺ هم عبد يليل (فى الطبرى عبد ياليل- المترجم) واخوته وكانوا ينتمون الى عشيرة عمرو بن عمير التى كانت من بين الأحلاف الذين أشرنا لهم سابقا، لذا فقد كان من المفترض أنهم متعاطفون مع قريش، وربما أراد محمد ﷺ أن يستميلهم باغرائهم بانتزاع مزايا مالية من مخزوم «٥» . ومهما كانت الطبيعة الدقيقة لأهداف محمد ﷺ والأسباب التى دعت بنى عمرو بن عمير الى رفض مقترحاته، فقد أبعدوا محمدا ﷺ دون أن يحصل منهم على شىء بل وأغروا أهل الطائف بقذفه بالأحجار. ويقال انه تخلص من هذه الورطة باللجوء الى بستان أخوين من عشيرة عبد شمس المكية يردان غالبا فى سياق كبار مناوئيه. وأخيرا اتخذ محمد طريق العودة الى مكة، وكان- بلا شك- محبطا احباطا شديدا. وتقول الروايات كيف أنه وهو فى نخلة أثناء الليل وبينما كان منشغلا بالصلاة والدعاء، أتت اليه مجموعة من الجن واستمعوا اليه ودخلوا فى الاسلام «٦» . وحتى اذا كانت هذه الرواية وضعت فى زمن متأخر، فانه يجوز لنا أن نصدق أنه فى هذه المرحلة الحرجة من حياة محمد زاد اعتماده على الله سبحانه.

стр. 275

ولم يدخل محمد ﷺ مكة بمجرد وصوله لها وانما لجأ الى غار حراء فى ضواحيها، ومن هناك بدأ يفاوض للحصول على الحماية (الجوار) عند أحد زعماء العشائر. وهذا يعنى أن أبا لهب زعيم عشيرته رفض حمايته، وأكثر من هذا فحالما أصبحت أخبار زيارته للطائف معروفة لمعارضيه فى مكة، زاد عداؤهم له بشكل فعال. وكان أول من عرض عليهم أمره الأخنس ابن شريق من بنى زهرة وسهيل بن عمرو بن بنى عامر، وقد رفضا طلبه، وأخيرا وافق المطعم بن عدى زعيم بنى نوفل على ان يدخل مكة فى جواره، ويمكننا أن نتصور أن ذلك تم وفقا لشروط، رغم أن المصادر لا تشير لشىء من هذا. وعلى أية حال، فهذا لا يدعو للدهشة مادامت هذه الرواية قد سيقت فى معرض مدح عشيرة نوفل والاشادة بشر فها. وأما ما حدث بعد ذلك، فقد مرت عليه المراجع مرا خفيفا مادام غير ملائم لبنى هاشم. ويبدو أن ابن اسحق «٧» قد حذف ما يتعلق بهذه الفترة، والجدير بالذكر أن أحدا من المسلمين- بمن فيهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه- لم يكن لديه القوة الكافية لتقديم الحماية لمحمد ﷺ . ٣- الاقتراب من القبائل البدوية تذكر الروايات المتعارف عليها فيما، يتعلق بهذا الموضوع، أن محمدا ﷺ انتهز الفرص التى أتاحتها الأسواق المختلفة لدعوة بعض القبائل البدوية. فالمصادر المبكرة «٨» تذكر على نحو خاص بنى كندة (وزعيمها مليح) وبنى كلب وبنى حنيفة وفردا من بنى عامر بن صعصعة. والثلاثة الأول رفضوا دعوة محمد ﷺ رفضا تاما، والأخير رفض دعوة محمد ﷺ بعد أن رفض الرسول أن يعده بأن يكون وريثا سياسيا له. ومن الصعب أن نعرف لماذا ذكرت هذه القبائل دون غيرها من القبائل. ربما كان ذلك بالصدفة، لكن ربما أيضا لأن محمدا ﷺ كان لديه أسباب خاصة تجعله يتوقع أنها ربما استمعت اليه. ومن الظاهر أن قسما من بنى عامر بن صعصعة قد استمالهم محمد ﷺ ، كما نفهم من

стр. 276

خلال الحوادث التى رويت عن بئر معونة فى العام الرابع للهجرة. والقبائل الثلاث الاخرى تقع مضاربها على مسافات بعيدة من مكة وكانت قبائل مسيحية اما تماما أو جزئيا. لكن من الصعب أن نتأكد من أن هذه الحقائق هى السبب فى ذكرها فى هذا السياق. وما نصدقه هو أن محمدا ﷺ فى هذه المرحلة بدأ يجتمع بأفراد من القبائل البدوية ليدعوهم للاسلام، وكان وراء هذا النشاط على الأقل فكرة غامضة عن واحدة كل العرب. ٤- المفاوضات مع المدينة (أ) توطئة يكتب الانجليز كلمة المدينة على هذا النحو Medina وهى تعنى التجمع السكانى الحضرى، وربما كانت تعنى موطن العدالة، والكلمة (المدينة) تشير على سبيل الاختصار لعبارة (مدينة النبى) ، وكانت معروفة قبل ارتباط محمد ﷺ بها باسم يثرب. ولم تكن يثرب مدينة بالمفهوم المعروف، وانما كانت مجموعة من القرى الصغيرة والمزارع والحصون متناثرة على واحة أو قطعة أرض خصبة، وربما كانت حوالى عشرين ميلا مربعا، تحيط بها تلال وصخور وأرض صخرية كلها غير مزروع. وكان القسم الرئيسى السائد من السكان يتمثل فى بنى قيلة الذين عرفوا فيما بعد بالأنصار (أى الذين نصروا محمدا ﷺ ، وكانت هذه القبيلة أو الجماعات القبلية تتكون من أرومة بينها صلات قربى، من الأوس والخزرج، وكان كل منهما ينقسم بدوره الى عدد من العشائر، وكل عشيرة تنقسم الى عدد من البطون.Sub -clans ووفقا للمرويات، فقد قدم الأوس والخزرج الى يثرب مهاجرين من جنوب شبه الجزيرة العربية، واستقروا فى أراض خالية من السكان فيما يبدو، وذلك فى حماية (فى جوار) السكان الموجودين. وأخيرا ازداد عددهم واستطاعوا- بعد أن

стр. 277

أتاهم دعم من الخارج- أن يحرزوا السيطرة السياسية فى الواحة فى حوالى منتصف القرن السادس للميلاد أو بعد ذلك بقليل «٩» . وبالنسبة للسكان السابقين على الأوس والخزرج، فقد كانوا مكونين من مجموعتين قويتين ثريتين تشغلان أراضى خصبة ظلت الى حد كبير منفصلة عن الأوس والخزرج، وأعنى بهما: بنى قريظة، وبنى النضير. وكانوا يشبهون جيرانهم من الأوس والخزرج فى كثير من النواحى، وقد اعتنق بنو قريظة وبنو النضير الدين اليهودى واحتفظوا بطقوسهم بشكل نشط. وليس من الواضح ما اذا كانوا مجموعة عبرية (من بنى اسرائيل (Hebrew Stock أو عربا تهودوا، وربما كانوا مجموعة عربية منعزلة ربطت نفسها بمجموعات عبرية صغيرة «١٠» . وفى زمن محمد ﷺ ، كانت هناك أيضا قبيلة يهودية ثالثة أقل نفوذا هى قبيلة بنى قينقاع، كما كانت هناك كيانات عربية صغيرة غير قبيلتى الأوس والخزرج ربما كانت أى هذه الكيانات- بقايا عرب سكنوا الواحة قبل وصول اليهود واستيطانهم. ونشأت بين الأوس والخزرج ثارات متتابعة، وغالبا ما كانت هذه الثارات تنشأ بين عشيرة أو عشيرتين فقط من كل جانب، لكن ما يسمى حرب حاطب تكاد تكون قد شملت كل الأوس والخزرج (وكذلك القبائل اليهودية) وبلغت ذروتها فى معركة بعاث (بضم الباء وفتح العين) قبل الهجرة بسنوات قلائل، ربما فى سنة ٦١٧ للميلاد. وقد أدت هذه الحرب الى اختلال التوازن، أساسا لأنها استنفدت طاقات كل من اشترك بها. كانت المدينة اذن تعانى من خلل (ظواهر مرضية اجتماعية (a malaise لم يكن يقل خطورة عن الخلل والظواهر المرضية

стр. 278

الاجتماعية التى حاقت بمكة، وان اختلفت اعراض المرض فى الحالتين. أعنى عدم تكيف أو تواؤم العادات والتقاليد البدوية مع حياة المجتمع المستقر (بتعبير اخر أن البدو عندما يستقرون لا يستطيعون الا بعد فتره طويله أن يكيفوا بين أيديولوجيتهم البدوية، وحياة الاستقرار الجديدة) . والجانب الاقتصادى لهذه الاضطرابات كان- بلا شك- نتيجة الضغط الذى سببه الازدياد السكانى مع قلة الموارد الغذائية. ونتيجة الحرب المريرة التى انخرط فيها أهل يثرب هى أن المنتصرين راحوا- بشكل متتابع- يحتلون أراضى المنهزمين «١١» ، وكما حدث بعد معركة بعاث، فعندما لم يكن هناك سلام رسمى (معتمد أو جرى الاتفاق عليه) وانما مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس، كان على الناس أن يكونوا فى حالة حذر دائم (ترقب) ضد هجوم مفاجىء غادر وفى حالة احجام عن دخول أراضى الطرف الاخر. ومع أن انتاج التمور لا يحتاج الى رعاية فائقة كانتاج المحاصيل الاخرى، فان حالة الاضطراب هذه أثرت ولا بد فى تدهور المشروع كما وكيفا. وعادة ما كانت الأطراف المتقاتلة لا تلحق ضررا بالنخيل نفسها، لكن عدم استقرار الحيازة قد أدى بالضرورة الى عدم تفكير الناس فى مشاريع زراعية طويلة المدى. لقد ساد اذن مبدأ الصحراء (احتفظ بما يستطيع سلاحك المحافظة عليه) ، وجرى تطبيق هذا المبدأ فى مجال الأراضى الزراعية. انه اذا تم تطبيق هذا المبدأ عند رعى القطعان فى مساحات شاسعة فلا بأس، لكن ان تم تطبيقه فى واحة خصبة صغيرة المساحة لأدى الى عواقب وخيمة. لقد احتفظت يثرب بأسس التنظيم الاجتماعى السائد فى الصحراء، فكانت كل عشيرة مسئولة عن أعضائها فكان الأخذ بالثأر أو دفع الدية «١٢» . واذا دافع شخص عن ممتلكاته ففقد حياته، فان التضامن القبلى يضمن أمن الممتلكات. لكن لغياب عامل بعد المسافة الموجود فى

стр. 279

الصحراء، فان هذا الاساس للامن القائم على القوة (القوة المسلحة للمجموعة) يصبح نكبة مدمرة. فالمجتمع المستقر يحتاج الى سلطة واحدة قوية لحفظ السلام بين الأفراد والجماعات المتنافسة، وهذا الى حد ما خارج المدى الذى يمكن أن يصل اليه الفكر البدوى. لقد أدت المصالح التجارية فى مكة الى ربط الجماعات المختلفة معا ودعمت معنى واحدة قريش (رغم أن الظلم والشعور بالضيم الذى أحس به الفقراء وغير الأثرياء كان له تأثير انفصالى أو كان سببا للشفاق والنزاع) ولم يكن فى المدينة مثل هذا العامل الداعى لتوثيق الروابط؛ لأن سكانها أقل تجانسا من سكان مكة. فالأسرة الصغيرة كانت هى الواحدة الكافية؛ لأنها تتواءم مع العمل الزراعى. ومن ناحية أخرى، ربما كانت النزعة الفردية أقل مما هى فى المحيط التجارى لمكة؛ لأنه مما لا شك فيه أن ظروف الزراعة العربية لا تعطى فرصة للتفاوت الشديد فى الثروات، كما يحدث فى المجتمع التجارى. وفى كتاب الطبقات لابن سعد نجد أنه فى معرض الحديث عن غزوة بدر على الجانب الاسلامى تم ترتيب المقاتلين من القرشيين فى ١٥ عشيرة. بينما ذكر ٣٣ من الأوس والخزرج، وربما كان ذلك لاظهار أن ظروف المجتمع الزراعى تعزز الانقسام (التحول الى شظايا. (fragmentation * وزيادة عدد التقسيمات (العشائر أو البطون.. الخ) فى قبائل المدينة، ربما يكون راجعا الى أن ذلك يلائم المشتغلين بالأنساب مادامت هناك تقسيمات كثيرة بالنسبة لأهل المدينة أكثر بكثير من تقسيمات قريش، أو- مرة أخرى- ربما كان ذلك- بشكل أو اخر- مرتبطا باستمرار تأثير النظام الأمومى matriarchy فى المدينة، أو لتوالى الأجيال فى الفترة ما بين أنصار بدر (الأنصار زمن غزوة بدر) من ناحية، وجدهم المشترك من ناحية أخرى. وعلى أية حال، فبصرف النظر تماما عن صحة هذه التعليلات، فقد كان أهل المدينة أكثر تقسيما بكثير، وكانت تنقصهم الواحدة بالاضافة الى

стр. 280

الحروب العنيفة (الانتحارية (Suicidal التى كانت تنشب بينهم، ومن هنا فان نبوة محمد ﷺ بما فيها من مضامين سياسية- كانت من الزم الأمور للمدينة لبعث الامل فى السلام. وربما عبرت الاية القرانية التالية «١٣» عن هذه الفكرة: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)) السورة ١٠ (يونس) . فالنبى- بسلطته القائمة على الدين لا على الدم- يمكنه أن يعلو فوق الأعراق المتحاربة وأن يكون حكما بينها. وتحدثنا المصادر أن الأنصار تصوروا محمدا ﷺ المسيح المنتظر الذى كان يتوقع اليهود مجيئه، فسارعوا- أى الأنصار- بقبوله «١٤» . لكن- ان كان فى هذه الرواية قدر من الصحة- فان هذه الفكرة عن المسيح هى التى ألفت بين الأنصار، بالاضافة الى فكرة الجماعة Community التى يتحلق أفرادها حول شخصية دينية ذات مواهب خاصة. لقد كان لدى الأنصار اذن سبب قوى لقبول محمد ﷺ نبيا، وكان لهذا السبب- بلا شك- تأثيره. وبالاضافة لهذا، فقد كانت الأمراض الاجتماعية فى يثرب ذوات جذور دينية. فالنظرة البدوية التى يشارك فيها الأوس والخزرج تجعل معنى الحياة يكمن فى الشرف وشجاعة القبيلة أو العشيرة. وتتحقق مثل هذه الفكرة كأفضل ما يكون فى الجماعة الصغيرة المتماسكة نسبيا. انها لا تنطبق على الواحدة الكبيرة كالأنصار (يقصد اذا نظرنا للأنصار كواحدة كبيرة واحدة) ، ففى هذه الواحدة الكبيرة ليس من الضرورى أن يكون لكل فرد فيها ارتباطات خارج المجموعة الكبيرة (الأنصار) . فالحياة البدوية لا تدعم روح التضامن الا فى نطاق المجموعات الصغيرة. وبالاضافة لذلك، ففى يثرب لم يكن هناك ما يدعو للفخر- الا قليلا- فى هذا القتال المرير الذى استمر فترة طويلة.

стр. 281

ويبدو أن عبد الله بن أبى حاول أن يتخذ موقفا حياديا فى معركة بعاث أو على الأقل لم يشارك فيها، وربما دل هذا على مرض عضال اعترى نفسه نتيجة الثارات والعداوات التى لا نهاية لها. وبالنسبة لهذه المشكلة الدينية- ان جاز لنا وصفها بهذا الوصف- كان لدى الاسلام الحل. انه عقيدة تشير لليوم الاخر وهو ما يعنى أن معنى الحياة يظهر فى نوعية سلوك الفرد. هذه الفكرة قابلة لأن تصبح أساسا يقوم عليه مجتمع كبير، لأنها ان تم قبولها فمعناها أنه لم يعد مكسب انسان مؤديا الى خسارة اخر.anothers Loss One mans gain no longer entails والذى لا شك فيه، أن الأنصار كان لديهم بعض التحقق من هذه المضامين عندما قبلوا بالدين الاسلامى، لكن غالبهم- كما نفترض- قد أصبحوا مسلمين لايمانهم بأن الاسلام هو الدين الحق. أو بتعبير أوضح لايمانهم بأن الله سبحانه أرسل محمدا ﷺ برسالة الى العرب. (المترجم: الاسلام دين عالمى النزعة، كما كررنا مرارا، لكن السياق هنا يعنى أنه بعد انتهاء المرحلة القرشية «المكية» انتقل الاسلام الى مرحلة أخرى «المرحلة المدنية» ) . (ب) بيعتا العقبة، الأولى والثانية تسجل الروايات مزاعم متعلقة بفردين من الأوس قتلا قبل معركة بعاث وكانا على الاسلام، أى أنهما قتلا كمسلمين. وعلى أية حال، فان أول المسلمين المعروفين بشكل محدد (المقصود أول المسلمين من المدينة) كانوا ستة رجال من الخزرج قدموا الى محمد ﷺ ، ربما فى سنة ٦٢٠ م، وفى موسم حج سنة ٦٢١ م عاد خمسة أو الستة جميعا وقد صحبوا معهم سبعة اخرين، منهم اثنان من الأوس. ويقال ان هؤلاء الاثنى عشر رجلا تعهدوا بترك المعاصى المختلفة وتعهدوا بطاعة النبى ﷺ . وعرفت بيعتهم هذه ببيعة النساء «١٥» . وأرسل محمد ﷺ معهم الى المدينة مصعب بن عمير المسلم الصادق، والمجيد لحفظ ايات القران الكريم.

стр. 282

وخلال العام التالى، كان فى كل اسرة من اسر المدينة مسلمون، فيما عدا أسر قسم من الأوس كان معروفا باسم أوس مناة أو أوس اللات. وفى موسم حج سنة ٦٢٢ م، ذهب الى مكة ٧٣ رجلا وامرأتان وقابلوا محمدا ﷺ سرا فى الليل عند العقبة وعاهدوه لا على الطاعة فقط وانما على الجهاد معه أيضا، فكانت تلك هى بيعة الحرب. وحضر هذه البيعة العباس عم النبى ﷺ ليبين أن هاشما لم تتخل عن محمد ﷺ ، وأن المسئولية عن سلامته قد انتقلت للأوس والخزرج. وطلب محمد ﷺ من هذا الوفد تعيين اثنى عشر نقيبا (ممثلا) وتم ذلك بالفعل، وسمعت قريش عن هذه المفاوضات التى بدت لهم عدائية وسألوا عنها بعض وثنيى المدينة الذين أجابوهم بحسن نية- نظرا لعدم علمهم بها- أنه لا صحة لوجود مثل هذه المفاوضات. وبدأ محمد الان يشجع أتباعه على الذهاب للمدينة، بل انه ليقال ان أبا سلمة قد ذهب للمدينة حتى قبل بيعة العقبة وأخيرا وصل المدينة سبعون مسلما، بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، وكلمة الهجرة التى ارتبطت بهذا الحدث يقابلها بالانجليزية الكلمة المنقولة من العربية حرفا حرفا، Hijrah أما كلمة flight وتعنى الفرار فليست ترجمة دقيقة، ويتم اعتبار هجرة النبى التى بدأت فى ١٦ يوليو ٦٢٢ م بدا للتاريخ الهجرى أو بداية الحقبة الاسلامية «١٦» ، وقد وقع هذا الاختيار فيما بعد (فى وقت لاحق) . وقد حفظ لنا الطبرى رواية عروة بن الزبير التى يمكن مقارنتها بما ذكرناه انفا، فرواية عروة من الروايات المبكرة، وفيما يلى نص ما أورده الطبرى «١٧» : «وحدثنى على بن نصر بن على، وعبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد الوارث- قال على بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثنى أبى- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا

стр. 283

هشام بن عروة، عن عروة، انه قال: لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر اليها قبل هجرة النبى ﷺ الى المدينة، جعل أهل الاسلام يزدادون ويكثرون، وانه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الاسلام، فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج الى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم فى الخروج اليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم انه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فانا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج الى المدينة؛ وهى الفتنة التى أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه وخرج، وهى التى أنزل الله فيها: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) » *. وعندما ننظر الى رواية عروة لا بد أن نضع فى اعتبارنا أنه ينتمى الى أسرة الزبير التى كانت معادية لبنى أمية، وأن تراث أسرته كان بالتالى يميل الى المبالغة فى الاضطهاد وتأثيره على مسيرة الأحداث؛ نظرا لأن بنى أمية كانوا مشاركين وبعمق فى المعارضة ضد محمد ﷺ . ومن هنا فان الدوافع التى ذكرها عروة لا يمكن اعتبارها رواية متوازنة، فالاية القرانية التى استشهد بها تعود لحقبة مدنية متأخرة «١٨» ؛ وبالتالى فليس يصلح الاستشهاد بها هنا. واغفال عروة لذكر بيعتى العقبة قد يكون وراء ميل بعض الباحثين الغربيين الى القول بأنه لم تكن هناك الا بيعة واحدة. والأرضية التى

стр. 284

انطلقوا منها فى ذلك هو أن العهد الذى قطعوه للرسول فى الاجتماع الأول- وهو المعروف ببيعة النساء- قائم على نص قرانى «١٩» . (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)) السورة رقم ٦٠ (الممتحنة) . لكن حتى اذا كان هذا هو المعنى الدقيق للبيعة- أى كما ورد بالاية- فليس هناك ما يمنع من وجود بيعة أخرى (ثانية) . بل العكس، فانه من الواضح أنه لا بد أن تكون هناك مفاوضات طويلة ودقيقة بين محمد ﷺ وأهل المدينة. فعندما أرسل الرسول مصعبا لم يكن ذلك فقط ليعلم المسلمين الجدد دينهم، وانما أيضا ليرسل للرسول تقارير عن الوضع هناك (فى المدينة) . وعلى هذا قد يكون من المقبول أن نوافق على هذه الرواية، فالاتصالات (أو الاتفاقات) الفعالة الأولى كانت مع الخزرج؛ لكن محمدا ﷺ اصر على مقابلة مزيد من ممثلى الجماعات من أهل المدينة؛ لأنه لم يكن ليأمن على نفسه ان هو اعتمد على عشيرة واحدة من بين العشائر المتنافسة دون العشائر الاخرى. ولا بد أن التفاصيل الدقيقة- على أية حال- قد تم تناولها فى هذا الاجتماع (البيعة) ، ولا بد أن اتفاقية قد عقدت بين محمد ﷺ وأهل المدينة تضمنت بعض المعلومات عن نبوة محمد (رغم أن هذه المعلومات قد تكون أقل- بلا شك- مما أصبح معروفا بعد صلح الحديبية) . ومرة أخرى، ففى سياق بيعة العقبة الثانية وهى البيعة الرئيسية (الاجتماع الرئيسى) كانت هناك تفاصيل محل بحث، لكن الخطوط الدينية أو الأفكار العامة كانت محل قبول بصرف النظر عن التفاصيل. وربما كانت الاشارة الى موقف العباس عم النبى اشارة يمكننا رفضها؛

стр. 285

باعتبارها وضعت بعد ذلك لشجب المعاملة السيئة التى لاقاها الرسول ﷺ من بنى هاشم فى هذا الوقت. وعند عودة الرسول ﷺ من الطائف دخل فى جوار (حمايه) زعيم عشيرة نوفل ونظرا لعدم وجود ايه اشاره فى المصادر تفيد تغير هذا الوضع، فمن المؤكد انه ظل تحت حمايه بنى نوفل وليس تحت حماية عشيرته. فاذا قيل ان حكايه العباس عم النبى وتوثقه من حماية أهل المدينة لمحمد ﷺ جائزة حتى لو كان العباس لم يسلم- فان هذا قول غير صحيح، والرواية المنسوبة الى وهب بن منبه والتى حفظتها لنا أوراق البردى «٢٠» تميل الى تأكيد الرأى المذكور انفا. ففى رواية وهب امتدح العباس محمدا ﷺ مدحا عظيما، الا أن أهل المدينة زادوا فى مدحه ليروه أنهم أكثر حبا لمحمد ﷺ منه، وأكثر تقديرا له منه. والانطباع الذى نخرج به من هذه الرواية أنها رد على دعاية العباسيين الذين أقاموا الدولة العباسية بعد ذلك (بعد سقوط الدولة الأموية) ، وبصرف النظر تماما عن رواية وهب هذه (التى تثير فى حد ذاتها بعض الأسئلة الصعبة) فان الغرض الذى يكاد يكون مرضيا، هو أن حكاية زيارة العباس للعقبة ما هى الا مجرد اختراع (تلفيق) صرف من وضع أبواق الدعاية العباسية. وثمة بعض الصعوبات الاخرى فيما يتعلق بتعيين الاثنى عشر نقيبا لأن المهام المنوطة بهم غير واضحة، ويظن الباحثون الغربيون أن ما يتعلق بهؤلاء النقباء موضوع بعد ذلك لتشبيه محمد ﷺ بموسى وعيسى ﵉ (فكما كان لكل منهما نقباء، فلم لا يكون لمحمد ﷺ نقباء أيضا؟!) . ففى رواية وهب بن منبه نجد واحدا من أهل المدينة يبايع محمدا ﷺ بالمصطلحات نفسها التى بايع بها نقباء قبيلة اسرائيل، موسى ﵇ ، وواحد اخر يستخدم فى مبايعته المصطلحات نفسها التى استخدمها الحواريون فى مبايعة عيسى ابن مريم «٢١» وعلى أية حال، فان الرواية التى تشير الى أن محمدا ﷺ أصبح نقيبا لبنى النجار عندما مات ممثلهم (نقيبهم) الأصلى تبين أن الشك فى رواية النقباء هذه لا أساس
следующие страницы →