← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويبدو أن عبد الله بن أبى حاول أن يتخذ موقفا حياديا فى معركة بعاث أو على الأقل لم يشارك فيها، وربما دل هذا على مرض عضال اعترى نفسه نتيجة الثارات والعداوات التى لا نهاية لها. وبالنسبة لهذه المشكلة الدينية- ان جاز لنا وصفها بهذا الوصف- كان لدى الاسلام الحل. انه عقيدة تشير لليوم الاخر وهو ما يعنى أن معنى الحياة يظهر فى نوعية سلوك الفرد. هذه الفكرة قابلة لأن تصبح أساسا يقوم عليه مجتمع كبير، لأنها ان تم قبولها فمعناها أنه لم يعد مكسب انسان مؤديا الى خسارة اخر.anothers Loss One mans gain no longer entails والذى لا شك فيه، أن الأنصار كان لديهم بعض التحقق من هذه المضامين عندما قبلوا بالدين الاسلامى، لكن غالبهم- كما نفترض- قد أصبحوا مسلمين لايمانهم بأن الاسلام هو الدين الحق. أو بتعبير أوضح لايمانهم بأن الله سبحانه أرسل محمدا ﷺ برسالة الى العرب. (المترجم: الاسلام دين عالمى النزعة، كما كررنا مرارا، لكن السياق هنا يعنى أنه بعد انتهاء المرحلة القرشية «المكية» انتقل الاسلام الى مرحلة أخرى «المرحلة المدنية» ) . (ب) بيعتا العقبة، الأولى والثانية تسجل الروايات مزاعم متعلقة بفردين من الأوس قتلا قبل معركة بعاث وكانا على الاسلام، أى أنهما قتلا كمسلمين. وعلى أية حال، فان أول المسلمين المعروفين بشكل محدد (المقصود أول المسلمين من المدينة) كانوا ستة رجال من الخزرج قدموا الى محمد ﷺ ، ربما فى سنة ٦٢٠ م، وفى موسم حج سنة ٦٢١ م عاد خمسة أو الستة جميعا وقد صحبوا معهم سبعة اخرين، منهم اثنان من الأوس. ويقال ان هؤلاء الاثنى عشر رجلا تعهدوا بترك المعاصى المختلفة وتعهدوا بطاعة النبى ﷺ . وعرفت بيعتهم هذه ببيعة النساء «١٥» . وأرسل محمد ﷺ معهم الى المدينة مصعب بن عمير المسلم الصادق، والمجيد لحفظ ايات القران الكريم.

стр. 282

وخلال العام التالى، كان فى كل اسرة من اسر المدينة مسلمون، فيما عدا أسر قسم من الأوس كان معروفا باسم أوس مناة أو أوس اللات. وفى موسم حج سنة ٦٢٢ م، ذهب الى مكة ٧٣ رجلا وامرأتان وقابلوا محمدا ﷺ سرا فى الليل عند العقبة وعاهدوه لا على الطاعة فقط وانما على الجهاد معه أيضا، فكانت تلك هى بيعة الحرب. وحضر هذه البيعة العباس عم النبى ﷺ ليبين أن هاشما لم تتخل عن محمد ﷺ ، وأن المسئولية عن سلامته قد انتقلت للأوس والخزرج. وطلب محمد ﷺ من هذا الوفد تعيين اثنى عشر نقيبا (ممثلا) وتم ذلك بالفعل، وسمعت قريش عن هذه المفاوضات التى بدت لهم عدائية وسألوا عنها بعض وثنيى المدينة الذين أجابوهم بحسن نية- نظرا لعدم علمهم بها- أنه لا صحة لوجود مثل هذه المفاوضات. وبدأ محمد الان يشجع أتباعه على الذهاب للمدينة، بل انه ليقال ان أبا سلمة قد ذهب للمدينة حتى قبل بيعة العقبة وأخيرا وصل المدينة سبعون مسلما، بمن فيهم محمد ﷺ نفسه، وكلمة الهجرة التى ارتبطت بهذا الحدث يقابلها بالانجليزية الكلمة المنقولة من العربية حرفا حرفا، Hijrah أما كلمة flight وتعنى الفرار فليست ترجمة دقيقة، ويتم اعتبار هجرة النبى التى بدأت فى ١٦ يوليو ٦٢٢ م بدا للتاريخ الهجرى أو بداية الحقبة الاسلامية «١٦» ، وقد وقع هذا الاختيار فيما بعد (فى وقت لاحق) . وقد حفظ لنا الطبرى رواية عروة بن الزبير التى يمكن مقارنتها بما ذكرناه انفا، فرواية عروة من الروايات المبكرة، وفيما يلى نص ما أورده الطبرى «١٧» : «وحدثنى على بن نصر بن على، وعبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد الوارث- قال على بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثنى أبى- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا

стр. 283

هشام بن عروة، عن عروة، انه قال: لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر اليها قبل هجرة النبى ﷺ الى المدينة، جعل أهل الاسلام يزدادون ويكثرون، وانه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الاسلام، فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج الى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم فى الخروج اليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم انه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فانا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج الى المدينة؛ وهى الفتنة التى أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه وخرج، وهى التى أنزل الله فيها: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) » *. وعندما ننظر الى رواية عروة لا بد أن نضع فى اعتبارنا أنه ينتمى الى أسرة الزبير التى كانت معادية لبنى أمية، وأن تراث أسرته كان بالتالى يميل الى المبالغة فى الاضطهاد وتأثيره على مسيرة الأحداث؛ نظرا لأن بنى أمية كانوا مشاركين وبعمق فى المعارضة ضد محمد ﷺ . ومن هنا فان الدوافع التى ذكرها عروة لا يمكن اعتبارها رواية متوازنة، فالاية القرانية التى استشهد بها تعود لحقبة مدنية متأخرة «١٨» ؛ وبالتالى فليس يصلح الاستشهاد بها هنا. واغفال عروة لذكر بيعتى العقبة قد يكون وراء ميل بعض الباحثين الغربيين الى القول بأنه لم تكن هناك الا بيعة واحدة. والأرضية التى

стр. 284

انطلقوا منها فى ذلك هو أن العهد الذى قطعوه للرسول فى الاجتماع الأول- وهو المعروف ببيعة النساء- قائم على نص قرانى «١٩» . (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)) السورة رقم ٦٠ (الممتحنة) . لكن حتى اذا كان هذا هو المعنى الدقيق للبيعة- أى كما ورد بالاية- فليس هناك ما يمنع من وجود بيعة أخرى (ثانية) . بل العكس، فانه من الواضح أنه لا بد أن تكون هناك مفاوضات طويلة ودقيقة بين محمد ﷺ وأهل المدينة. فعندما أرسل الرسول مصعبا لم يكن ذلك فقط ليعلم المسلمين الجدد دينهم، وانما أيضا ليرسل للرسول تقارير عن الوضع هناك (فى المدينة) . وعلى هذا قد يكون من المقبول أن نوافق على هذه الرواية، فالاتصالات (أو الاتفاقات) الفعالة الأولى كانت مع الخزرج؛ لكن محمدا ﷺ اصر على مقابلة مزيد من ممثلى الجماعات من أهل المدينة؛ لأنه لم يكن ليأمن على نفسه ان هو اعتمد على عشيرة واحدة من بين العشائر المتنافسة دون العشائر الاخرى. ولا بد أن التفاصيل الدقيقة- على أية حال- قد تم تناولها فى هذا الاجتماع (البيعة) ، ولا بد أن اتفاقية قد عقدت بين محمد ﷺ وأهل المدينة تضمنت بعض المعلومات عن نبوة محمد (رغم أن هذه المعلومات قد تكون أقل- بلا شك- مما أصبح معروفا بعد صلح الحديبية) . ومرة أخرى، ففى سياق بيعة العقبة الثانية وهى البيعة الرئيسية (الاجتماع الرئيسى) كانت هناك تفاصيل محل بحث، لكن الخطوط الدينية أو الأفكار العامة كانت محل قبول بصرف النظر عن التفاصيل. وربما كانت الاشارة الى موقف العباس عم النبى اشارة يمكننا رفضها؛

стр. 285

باعتبارها وضعت بعد ذلك لشجب المعاملة السيئة التى لاقاها الرسول ﷺ من بنى هاشم فى هذا الوقت. وعند عودة الرسول ﷺ من الطائف دخل فى جوار (حمايه) زعيم عشيرة نوفل ونظرا لعدم وجود ايه اشاره فى المصادر تفيد تغير هذا الوضع، فمن المؤكد انه ظل تحت حمايه بنى نوفل وليس تحت حماية عشيرته. فاذا قيل ان حكايه العباس عم النبى وتوثقه من حماية أهل المدينة لمحمد ﷺ جائزة حتى لو كان العباس لم يسلم- فان هذا قول غير صحيح، والرواية المنسوبة الى وهب بن منبه والتى حفظتها لنا أوراق البردى «٢٠» تميل الى تأكيد الرأى المذكور انفا. ففى رواية وهب امتدح العباس محمدا ﷺ مدحا عظيما، الا أن أهل المدينة زادوا فى مدحه ليروه أنهم أكثر حبا لمحمد ﷺ منه، وأكثر تقديرا له منه. والانطباع الذى نخرج به من هذه الرواية أنها رد على دعاية العباسيين الذين أقاموا الدولة العباسية بعد ذلك (بعد سقوط الدولة الأموية) ، وبصرف النظر تماما عن رواية وهب هذه (التى تثير فى حد ذاتها بعض الأسئلة الصعبة) فان الغرض الذى يكاد يكون مرضيا، هو أن حكاية زيارة العباس للعقبة ما هى الا مجرد اختراع (تلفيق) صرف من وضع أبواق الدعاية العباسية. وثمة بعض الصعوبات الاخرى فيما يتعلق بتعيين الاثنى عشر نقيبا لأن المهام المنوطة بهم غير واضحة، ويظن الباحثون الغربيون أن ما يتعلق بهؤلاء النقباء موضوع بعد ذلك لتشبيه محمد ﷺ بموسى وعيسى ﵉ (فكما كان لكل منهما نقباء، فلم لا يكون لمحمد ﷺ نقباء أيضا؟!) . ففى رواية وهب بن منبه نجد واحدا من أهل المدينة يبايع محمدا ﷺ بالمصطلحات نفسها التى بايع بها نقباء قبيلة اسرائيل، موسى ﵇ ، وواحد اخر يستخدم فى مبايعته المصطلحات نفسها التى استخدمها الحواريون فى مبايعة عيسى ابن مريم «٢١» وعلى أية حال، فان الرواية التى تشير الى أن محمدا ﷺ أصبح نقيبا لبنى النجار عندما مات ممثلهم (نقيبهم) الأصلى تبين أن الشك فى رواية النقباء هذه لا أساس

стр. 286

له، كما أنه لا مجال- بالتالى- للقول بمحاكاة أقوالهم لنقباء بنى اسرائيل أو حواريى المسيح. والاحتمال الأرجح هو أن يكون نظام النقباء كان جزا من النظام الأولى أو الأساسى للمجتمع الجديد أو الأمة الجديدة فى المدينة، وأنه سرعان ما دخل فى طوايا النسيان أولم يعد مستخدما. ومن ناحية أخرى، فان النقطة الاساسية حول هذا اللقاء أو الاجتماع (البيعة) ، وهى الحرب (الجهاد) ، غير واضحة فالى أى مدى ذهب المبايعون فى وعدهم بالحرب* واستمرارهم فيها فى حالة حدوثها، ولا بد أن أهل المدينة قد وافقوا أيضا على استقبال المهاجرين من مكة بشروط ودودة. وما هو غير واضح هو الى أى مدى قيد أهل المدينة أنفسهم بمعاداة قريش. والذى لا شك فيه أن تزايد قوة مكة أمر غير مؤكد، كما أن الحقيقة التى مؤداها أن محمدا ﷺ لم يكن شخصا مرغوبا فيه فى مكة Persona non grata تجعلنا نتأكد أنه من المحال أن يستخدم أى محمد- لمد نفوذ مكة. لكن أكان الترحيب بمحمد ﷺ فى المدينة والتخلى له عن النفوذ فيها بمثابة القاء القفاز فى وجه أهل مكة؟ (المقصود أكان ذلك بمثابة اعلان للحرب على أهل مكة؟) . ان الاجابة عن هذا السؤال مرتبطة بالاجابة عن أسئلة أخرى. ماذا أعد محمد ﷺ من خطط لأصحابه بعد ذهابهم للمدينة؟ وكيف كانت طبيعة وجودهم فى المدينة كما اقترحها عليهم؟ انه لا يستطيع أن يجعلهم ضيوفا عاطلين بشكل دائم على أهل المدينة، ولم يكن يكاد يتوقع منهم أن يقيموا فى المدينة ويعملوا كفلاحين. انهم فى المدينة لا يستطيعون العيش الا كتجار يرسلون القوافل، أو ينظمون أنفسهم لشن الغارات على قوافل أهل مكة. وحتى اذا كان الخيار الأول هو القائم أو هو الخطة الأصلية (مع قلة الشواهد على ذلك) ، أليس هذا مؤديا لقيام عداوة ضارية مع قريش؟ وأ لم يكن محمد ﷺ يتوقع ذلك؟! وباختصار، فلا بد أن محمدا ﷺ كان على يقين من أن هجرته الى المدينة ستؤدى عاجلا أم أجلا للحرب مع

стр. 287

أهل مكة. الى أى مدى أخبر محمد أهل المدينة بذلك؟ وبأية طريقة صاغ لهم هذا؟ والى أى مدى كان أهل المدينة واثقين من أنفسهم «٢٢» ؟ وقد عبر كيتانى «٢٣» Caetani عن وجهة النظر التى مؤداها أن أهل المدينة قد قبلوا محمدا ككاهن أعلى Superior Soothsayer لمجرد أنهم كانوا راغبين فى استتباب سلام داخلى فى المدينة، وليس لقبولهم كل تعاليم القران الكريم، على الأقل بالمعنى المقصود، ويظن كيتانى أن عدد المتحولين للاسلام تحولا صحيحا كان قليلا. وهذه النظرة تؤكد فعلا العوامل المادية (كما فعل ابن اسحق حقا) لكن ليس من الضرورى أن نقلل من شأن العوامل الدينية أو الأيديولوجية، فالعوامل المادية من ناحية والعوامل الدينية من ناحية أخرى ليس من الضرورى أن تكونا متعارضتين، بل انهما متكاملتان. وقد نتفق على أن الانقسام الأساسى فى المدينة كان بين أولئك الراغبين فى حضور محمد ﷺ للمدينة، وأولئك المعارضين لحضوره، وأن التحول للاسلام لم يكن يعنى التحول النهائى، وانما كان مرهونا بالنجاحات السياسية التى سيحرزها محمد ﷺ (المترجم: هذا التعبير لا يزيد عن كونه: نجاح دعوته) . ومن الممكن أيضا أن يكون أهل المدينة كما افترض كيتانى قد فسروا الأفكار اليهودية والمسيحية الواردة فى القران وفقا لمصطلحات وثنية عربية، وبالتالى لم يفهموها على حقيقتها. ومع هذا، فلا بد أن نصدق أن جمهور أهل المدينة الذين آمنوا بمحمد رسولا قد فهموا فحوى الاسلام وجوهره ومبادئه وقبلوها: لقد آمنوا بأن الله هو الخالق، وهو المهيمن على الكون، وهو الحكم العدل يوم القيامة وآمنوا أن محمدا هو حامل رسالة الله الى العرب (المترجم: سبق أن أوضحنا أن هذا لا يعنى أن الاسلام لم ينزل للناس كافة، وانما المؤلف يتعامل مع مراحل: المرحلة القرشية، والمرحلة العربية.. الخ) . لقد كان المسلمون يوجدون مجتمعا من نوع جديد فى المدينة، وهذا يتطلب أسسا أيديولوجية واضحة ومحددة. وبالنسبة لأهل المدينة

стр. 288

المسلمين، فان قلة منهم كانت تمتلك يقينا دينيا متحمسا، وكان غائبهم بالضرورة- مقتنعين اقتناعا كافيا بحقيقة العلاقات الدينية، وربطوا ذلك بتجربة قيام مجتمع على أسس من الروابط الدينية بدلا من الروابط العرقية. ٥- هجرة النبى ﷺ الى المدينة أما وقد بايع أهل المدينة محمدا على دعمه وتأييده، فانه لم يضيع وقتا فشرع فى تنفيد خططه. لقد ظلت البيعة سرية وكان لا بد من انجاز أكبر قدر ممكن قبل القيام بأعمال واضحة صريحة تعطى لأعداء محمد ﷺ دلالات على ما يريد عمله. وعلى هذا، فقد أمر أتباعه بمغادرة مكة الى المدينة، ورواية ابن اسحق «٢٤» توضح أن دوافع النبى ﷺ وأصحابه لذلك كانت هى امكانية ازدهار الحركة فى المدينة، أما قول عروة بن الزبير أنهم هاجروا للمدينة هربا من الاضطهاد، فالتركيز على ذلك يعطى انطباعا خاطئا. فلم تكن هناك سلسلة جديدة متواصلة من الاضطهاد قبل الهجرة، اللهم الا اذا استثنينا من ذلك حالة أبى سلمة «٢٥» ، والاهانات التى لاقاها محمد ﷺ وأبو بكر الصديق، لكن ربما تحركت نوازع الاضطهاد بعد ذلك عندما تحقق زعماء قريش مما سيفعله محمد ﷺ . وفى ظل هذه الظروف، يمكننا أن نفترض أن توجيهات محمد ﷺ لأصحابه كانت حثا وتشجيعا ونصحا وليست أوامر. فقد بقى فى مكة نعيم النحام وكان مسلما بارزا، وبقى اخرون، ولم يكن ذلك يعنى ارتدادهم عن الاسلام «٢٦» وقد أشار القران الكريم الى ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى

стр. 289

يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)) السورة ٨ (الأنفال) . لقد كانت هذه الموجة الأولى المهاجرة تتكون فيما يقال من حوالى سبعين شخصا، رحلوا فى مجموعات صغيرة ووصلوا الى المدينة بأمان، وقدم لهم أهل المدينة المأوى «٢٧» . وأخيرا- وفقا للرواية المتداولة- لم يبق مع محمد ﷺ فى مكة سوى على وأبى بكر (رضى الله عنهما) ، وربما ترجع أسباب محمد ﷺ لانتظاره حتى وصول غالبية أتباعه الى المدينة، الى رغبته فى التأكد من أن المترددين لم يمنعهم ترددهم من اكمال الشوط، وليتأكد من أنه سيكون فى موقف قوى ومستقل وألا يكتفى بالاعتماد على مسلمى المدينة وحدهم عندما يصل الى المدينة. وفى هذه الأثناء، كان زعماء قريش على وعى بأن شيئا ما يجرى فعقدوا اجتماعا ووافقوا- بعد بعض المناقشات- على خطة أبى جهل أن يكونوا مجموعة من الشباب، من كل قبيلة شاب، فينهالوا على محمد ﷺ بسيوفهم فى وقت واحد فيتفرق دمه بين القبائل، أى تشارك كل القبائل فى قتله، فلا يمكن تحديد قاتل بعينه «٢٨» . والجدير بالملاحظة أن عشيرة نوفل كانت ممثلة فى هذا الاجتماع؛ اذ حضر عنها طعيمة Tuaymah بن عدى، وجبير بن مطعم، والأول هو أخو الرجل الذى سبق أن قدم الحماية (الجوار) لمحمد عند عودته من الطائف، والثانى ابنه. أكان هذا الرجل (المطعم بن عدى) قد مات أم فضل البقاء بعيدا عن الأحداث؟ لا ندرى. أما القبائل الاخرى التى شاركت فى هذا الاجتماع فهى: عبد شمس، وعبد الدار، وأسد، ومخزوم، وسهم، وجمح، وهى فى الحقيقة مكونة من المجموعتين (ب) و (ج) فى القائمة التى وردت فى فصل سابق. والذى يبدو أنه ليس من سبب يجعلنا ننكر عقد مثل هذا الاجتماع، ان الذين حضروه- كما يقول ابن اسحق- قد

стр. 290

تحققوا- أن محمدا ﷺ كان يخطط لنشاطات معادية لهم. ومن ناحية أخرى، فان توالى الأحداث وضح أنه لم يكن هناك محاولة تتسم بالتصميم على قتل محمد، وعلى هذا فالاتفاق الذى اتفق عليه زعماء قريش فى هذا الاجتماع كان أقل خطورة مما تؤكده المصادر. وعلى أية حال، فان الخطر المحدق (الخطر وشيك الحدوث) ربما عجل برحيل محمد ﷺ (هجرته) . ومن الصعب أن نكون متأكدين من طبيعة هذا الخطر ومداه، فالرواية عن الهجرة بشكل عام تتسم بوجود كثير من الزخارف المقحمة، وحتى المراجع الأولى ربما لا تخلو من الاضافات. ومن الممكن أن يكون محمد ﷺ بعد الاجتماع الذى عقده زعماء قريش- قد تعرض للازعاج والمضايقة فى مكة، وان كان الخطر الأعظم كما نفهم من تصرفات الرسول كان أثناء الطريق الى المدينة، فالذى لا شك فيه أنه كانت هناك مرحلة فى الطريق يفترض أنه ان وصلها أصبح خارج زمام الحماية التى يقدمها له حماته فى مكة، بينما لا يكون قد وصل الى المنطقة التى يكون فيها تحت حماية مسلمى المدينة، اذ كان من الممكن أن يتعرض للقتل فى هذه المنطقة الانتقالية دون أن يتعرض قاتله للقتل ثارا، وربما كان أبو بكر الذى صاحب الرسول فى هجرته فى الوضع نفسه؛ لأن عشيرته- فيما يبدو- قد تخلت عنه «٢٩» . ويروى ابن اسحق أن محمدا ﷺ وقد تأكد أنه لا بد مهاجر- عهد الى على بأن ينام مكانه حتى يظن أهل مكة أنه لازال نائما فى أمان، ثم انسل هو- أى محمد ﷺ ومعه أبو بكر بعيدا عن ملاحظة قريش الى كهف غير بعيد عن مكة الى الجنوب منها، وفى الكهف قضى مع صاحبه يوما أو يومين حتى جاء الخبر من ابن أبى بكر أن قريشا قد كفت عن البحث عن الرسول، فانطلق الرسول وصاحبه ومعهما عتيق أبى بكر واسمه عبد الله بن أرقط *Arqat على الجمال، وفى المرحلة الأولى من

стр. 291

الرحلة تعمدا المسير فى الممرات النائية بعيدا عن الطرق المطروقة التى لم يسيرا فيها الا بعد أن ابتعدا عن مكة، ووصلا ومعهما عبد الله بن أرقط بسلام الى قباء على حافة الواحة (المدينة) فى ١٢ ربيع الأول «٣٠» الموافق ٢٤ سبتمبر سنة ٦٢٢ م. وتؤكد اية مدنية مبكرة قصة الغار (الكهف) : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)) السورة رقم ٩ (التوبة) . وهناك اية أخرى ربما تشير الى اجتماع قريش، وان كنا غير متأكدين من ذلك، والاية هى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)) السورة ٨ (الأنفال) . وبوصول النبى ﷺ الى قباء بدأت المرحلة المدنية، وهى المرحلة الثانية التى باشر فيها الرسول مهمته. ٦- حصاد الحقبة المكية كان ظهور الدين الجديد (الاسلام) هو الانجاز الكبير فى الحقبة المكية، فالخطوط العريضة أو المفاهيم الأساسية لهذا الدين- يمكن أن يقال- انها اكتملت فى وقت الهجرة. وان كانت معظم مؤسساته لازالت فى حالة لم تتطور فيها بعد. فالصلوات المفروضة لم تكن قد تحددت بشكل نهائى رغم أنها- بلا شك- عرفت فى المرحلة المكية. ومن ناحية

стр. 292

أخرى، فيبدو أن صلاة الليل كانت الى حد كبير منتشرة (رائجة) «٣١» . وكانت بقية أركان الاسلام فى هذه الحقبة معروفة، وهى: الصيام وايتاه الزكاة والشهادتان والحج، وان كانت أقل تطورا الى حد ما مما حدث بعد ذلك. بل لقد شهدت الحقبة المكية الماما بالأفكار الأساسية عن الله سبحانه واليوم الاخر والجنة والنار، وارسال الله سبحانه للرسل. ويناقش بعض الباحثين الغربيين مدى صحة الروايات عن غالبية المتحولين الى الاسلام، ومالوا الى التأكيد على أن معظم المتحولين كانت دوافعهم فى الأساس مادية. وهذه مسألة من الافضل ألا نأخذ بها مادامت الأفكار الاسلامية تعتبر غريبة بالنسبة للغرب (يقصد أن الغربيين لم يفهموا روح الاسلام) . ربما كان صحيحا أنه كان هناك تحول قليل، وقليل من التقوى الحقيقية بالمفهوم السائد فى الغرب، لكن هذا يرجع الى أن الأفكار الغربية لا يمكن تطبيقها على مظاهر الدين فى الشرق الأدنى. أما بالنسبة للمقاييس السائدة فى الشرق الأدنى فربما كان التحول (للاسلام) والتقوى أمرين صحيحين، فربما كان الاعلان عن الاسلام (دخول الاسلام) يعنى أمرا مهما بالنسبة للعربى فى ذلك الوقت، أكثر بكثير مما يعنيه لدى الغربى فى أيامنا هذه. فالدوافع المادية غير بعيدة عن الدوافع الدينية وربما كانتا متكاملتين. حقا، ان الأفكار الدينية من الضرورى أن تجعل البشر واعين بأوضاعهم العامة ككل وواعين بأهداف نشاطاتهم (أعمالهم) ، ففى حركة التفكير الدينى مع الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية يجعلها- أى الحركة- واعية بذاتها. وهذه الفكرة (عدم انفصال الدين عن الدنيا) غالبا- وربما دائما- تعد حقيقة واقعة فى الشرق الأدنى. انها فكرة يراها الغرب غريبة. فغربة هذه الأفكار بالنسبة للغرب- على أية حال- لا يجب أن تعمى بصائرنا عن الحقيقة التى مؤداها أن الجوانب الدينية فى الاسلام كانت دائما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجوانب الاخرى.

стр. 293

ولأن هذا الدين الجديد قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمعات غير البدوية فى غرب شبه الجزيرة العربية، فقد كان قادرا على احداث تغيير اجتماعى عميق. ففى مكة والمدينة كانت الأخلاق البدوية والنظرة البدوية- على أية حال- مناسبة تماما للظروف البدوية التى ثبت انها غير صالحة لاقامة مجتمعات مستقرة. وفى مكة ربما كانت المشكلة الرئيسية متمثلة فى الفردية الأنانية، أما فى المدينة فقد كانت الحاجة الى قيام سلطة عليا تفرض العدل هى الأكثر وضوحا. وبمعنى من المعانى، فان انجاز الاسلام العظيم هو مواءمة الأخلاق البدوية لتصبح صالحة للمجتمعات المستقرة، وكان مفتاح ذلك هو وضع مبدأ جديد لتنظيم المجتمع. وحتى اليوم فان رابطة المجتمع اعتبرت هى رابطة الدم، لكن هذه الرابطة الأخيرة تعتبر ضعيفة جدا فى حالة المجموعات أو الجماعات الأكبر، فالأصل المشترك للأوس والخزرج لم يمنع الثارات المريرة بينهما، كما أن الولاء للمجموعة برهن على أنه وازع غير كاف للسلوك طالما أن النزعة الفردية فى حالة نمو. من الصعب أن نصيغ هذا المبدأ الجديد الذى أدخله الاسلام بشكل محكم، لكن نواة هذا المبدأ هى فكرة (النبى) كمحور لتكامل المجتمع. ان الواحدة الاجتماعية الجديدة قد تضم عشائر مختلفة (قد تكون ذوات قرابة بعضها ببعضها الاخر أولا) ، لكنها تترابط معا بمقتضى الحقيقة التى مؤداها أن النبى قد أرسل لهم جميعا. وعلى هذا، فان أفراد المجتمع يقع عليهم اطاعة أوامر الله لهم كما أوحاها الى نبيه. وعلى هذا وجد مبدأ التضامن ومبدأ السلطة العليا التى تعلو فوق الجماعات المتنافسة، أعنى النبى ﷺ أو- كما يمكننا أن نقول- كلمة الله. وتطور هذه الفكرة الجديدة يظهر واضحا فى القران الكريم، بازدياد استخدام كلمة (أمة) فى الايات التى نزلت فى فترة متأخرة. خاصة فى سياق الحديث عن اليوم الاخر، حيث يبعث الله كل أمة ويحاسبها وهذا لا يمنع من أن يلقى كل (فرد) جزاءه من ثواب أو عقاب وفقا لما يستحقه، وأشار القران الكريم الى (أمم) لم تصدق أنبياءها:

стр. 294

(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)) السورة ٢٧ (النمل) . وتضاد كلمة (أمة) كلمة (قوم) التى تعنى قبيلة tribe of people التى تشير الى مجموعة لا تربطها سوى صلة الدم. واستخدام كلمة (أمة) كوصف رسمى فى (دستور المدينة) «٣٢» مسألة جديرة بالملاحظة، فالمؤمنون من قريش ويثرب ومن امن معهم هم جميعا أمة واحدة. ولا شك أن هذه المعانى والأفكار لم تتبلور تبلورا تاما الا بعد الهجرة بفترة، لكن لا بد أنها كانت حاضرة فى حالتها الجنينية عندما بدأ محمد ﷺ مفاوضاته مع رجال المدينة (بيعتى العقبة) ، فلا بد أن محمدا ﷺ كان واعيا بأفكار ومعان (أيديولوجية) يمكن تطويرها لتكون أساسا لحركة التوسع العربى العظيمة، وهذا يعد مقياسا لاتساع ادراكه لحاجات عصره، وعظمة انجازاته خلال الحقبة المكية.

стр. 295

الملاحق

стр. 296

الملحق (أ) الأحابيش لم يدعم هـ. لامانس H.Lammens وجهة نظره الساخرة فى مقاله عن «الأحابيش) والتنظيم العسكرى فى مكة ... » «١» بالمصادر. فقد رأى لامانس أن أهل مكة المناوئين لمحمد ﷺ قد كفوا عن ولعهم بحربه، وأنهم كانوا فى شئونهم العسكرية يعتمدون بصفة رئيسية على قوات الأحابيش المكونة من عبيد من الحبشة ومن الزنوج، أما العمود الفقرى لهذه القوات فمن بدو يحملون رماحا كانوا أفضل قليلا من قطاع الطرق. وهناك الكثير مما هو صحيح فى أقوال لامانس، خاصة تأكيده على أن الأحابيش لم يكونوا مجرد «حلفاء «Confederates» «كما ذهب الى ذلك فلهوزن.Wellhausen وعلى أية حال، فقد غالى لامانس لسوء الحظ- فى الاتجاه المناقض لما ذهب اليه فلهوزن، وكانت معالجته للمصادر معالجة غير علمية، فقد رفضها ورضى أن ينساق وراء أفكاره وأحكامه المسبقة ولم يخضع للمبادئ الموضوعية. ففى عبارة «أحابيش وعبيد أهل مكة» تعتبر (الواو) بين (الأحابيش والعبيد) واوا شارحة

стр. 297

وليست واو اضافة (واو عطف) ، أى أن الأحابيش مرادفة للعبيد، بينما فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم من قبائل كنانة وأهل تهامة» - والضمير فى أطاعهم عائد لقريش- فان (الواو) فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم» تضع لنا فاصلا حادا، (أى تعد واو عطف) . لكن لماذا؟ السبب هو أن لامانس يفترض صدق النظرية التى يحاول اثباتها. ولكى نصل الى نظرة أكثر حيادا، سيكون من المفيد أن نتعرض أولا للمصادر التى تناولت الأحابيش (ابن هشام والواقدى والطبرى) . (أ) ففى سياق خروج أبى بكر الصديق من مكة وطلبه الحماية من ابن الدغنة (أو ابن الدغينة) يقال ان ابن الدغنة الذى كان من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، كان فى ذلك الوقت هو «سيد الأحابيش ... والأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون ابن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق بن خزاعة» «٢» . أما سبب تسميتهم بالأحابيش، فهو أنهم «تحالفوا» فى واد اسمه وادى أحبش. «٣» Ahbash (ب) .. وعندما فعل أبو سفيان وشركاؤه فى القافلة ذلك (دفعوا مالا) وافقت قريش أن تحارب رسول الله بأحابيشهم ومن أطاعهم- أى أطاع قريشا- من قبائل كنانة وأهل تهامة «٤» . وفى كتاب المغازى للواقدى، ص ١٩٩ «ومن تبعنا من الأحابيش» ، وفى المرجع نفسه، ص ٢٠١ أن واحدا من الثلاثة كانوا «من بين الأحابيش» .. وكل هذا فى سياق الحديث عن غزوة أحد. (ج) وفى غزوة أحد «لما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة» «٥» . (د) «كان الحليس بن زبان) Zabban فى الطبعة التى بين أيدينا- مكتبة الايمان بالأزهر: زيان بالياء) أخو بنى عبد الحارث بن

стр. 298

عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مر بأبى سفيان، وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب ... » «٦» . (هـ) من قصيدة لحسان بن ثابت فى غزوة أحد: جمعتموها أحابيشا بلا حسب ... أئمة الكفر غرتم طواغيها وفى قراءة «بلا عدد» بدلا من «بلا حسب» وفسرت كلمة «حسب» هنا بمعنى «شرف» . والنص على أية حال غير مؤكد، والتفسير أيضا غير مؤكد، ومن هنا فلا قيمة كبيرة يمكن أن نخلص بها من طريقة استخدام الكلمة «٧» . (و) وفى قصيدة كعب بن مالك: فجئنا الى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة الاف ونحن نصية ... ثلاث مئين ان كثرنا وأربع «٨» والنصية هم خيار القوم. (ز) وفى سياق الحديث عن غزوة الخندق (حصار المدينة المنورة) نقرأ: «ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومه بين الجرف وزغابه فى عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وأهل تهامة..» «٩» . (ح) وفى الحديبية كان الحليس بن علقمة (أو ابن زبان) هو سيد الأحابيش، وهو من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما راه

стр. 299

رسول الله ﷺ قال: «ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه ... » ، وقد تأثر الحليس بمنظر «الهدى الذى ساقه الرسول» فهدد قريشا بالانضمام الى محمد ﷺ بمن معه من الأحابيش، اذا لم يسمح أهل مكة لمحمد بزيارة «١٠» البيت الحرام. (ط) وفى قصيدة الأخزر بن لعط الدؤلى (فى الطبعة التى بين أيدينا من السيرة: «الدعلى» ) نقرأ: ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا ... رددنا بنى كعب بأفوق ناصل حبسناهم فى دارة البعد رافع ... وعند بديل محبسا غير طائل ويفهم من القصيدة أنه لا حرب لأن الأحابيش بعيدون. والقصوى: أنثى الأقصى وهو البعيد. بأفوق ناصل: من قول العرب بأفوق ناصل أى رددته خائبا، والأصل فيه أن الأفوق هو السهم الذى انكسر فوقه أى طرفه الذى يكون من ناحية الوتر، والناصل الذى ذهب نصله أى حديده الذى يكون فيه. ودارة العبد: الدار، والدارة بمعنى واحد «١١» . (ى) الأحابيش الذين كانوا فى مكة عندما فتحها محمد ﷺ كانوا من بين القليلين الذين قاوموا قوات المسلمين «١٢» . وبالاضافة لما ذكرناه انفا، يمكن أن نضيف المراجع الاتية للوقائع السابقة على الهجرة. (ك) بعد الوقائع التى أدت لحرب الفجار (بكسر الفاء) ، فان قريشا وقبائل أخرى من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش وهم قبائل: الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل والقارة

стр. 300

ودش والمصطلق من خزاعة- بسبب حلفهم مع بنى الحارث بن عبد مناة- ظلوا مستعدين تماما لهذا الصراع «١٣» . (ل) قبل حربى الفجار، كان حرب بن أمية زعيم قريش فى الحرب مع بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان الأحابيش أثناء هذه الحرب مع بكر الانف ذكره وعقدوا حلفهم هذا على جبل يقال له الحبشى (بحاء مضمومة) ، ضد قريش وترجع تسميتهم بالأحابيش نسبة لهذا الجبل «١٤» . من خلال ما اقتبسناه انفا من المصادر- وهى مختلفة كثيرا عن المصادر التى رجع اليها لامانس- تبدو النتائج التالية مؤكدة بدرجة معقولة: ١- ليس هناك ما يدعونا للافتراض بأن الأحابيش لم يكونوا عربا، بل ان هناك ما يؤكد أنهم عرب بالفعل. انظر ما أوردناه انفا فى الفقرة (ى) على نحو خاص. واستنتاج لامانس قائم أساسا على أصل الكلمة، لكن القول انها مشتقة من الحبش أو الأحباش نسبة الى الحبشة، ليس هو الاحتمال الوحيد. وهناك الاشتقاق الذى أورده ابن هشام، فقد تكون الأحابيش هى جمع أحبوش أو أحبوشة وتعنى مجموعة رجال ليسوا من قبيلة واحدة. (Lane) وحتى اذا كانت مشتقة من (حبش) ، فان هذا لا يعنى أن الأحابيش كانوا زنوجا فقد يكونون عربا من ناحية ابائهم، مع احتمال أن تكون أمهاتهم زنجيات، ومن هنا كانت بشرتهم داكنة. وعلى هذا فليست هناك أسباب ملزمة للاعتقاد بأن الأحابيش كانوا عبيدا من الحبشة، فهناك أدلة كثيرة لرفض ذلك. ٢- لقد كان الأحابيش- بشكل واضح- تنظيما قبليا، فكلمة (سيد) تطلق عادة على زعيم قبلى «١٥» . وعلى أية حال، فان بعض

стр. 301

العبارات المستخدمة تشير الى أن الأحابيش لم يكونوا قبيلة بالمفهوم المعتاد أو مجموعة قبائل، كعبارة «أحابيشهم» «١٦» . فالكلمة فى هذه العبارة تتفق مع المعنى الذى أورده لين Lane للأحبوشة، واذا كان الأمر كذلك فقد يكون الأحابيش مكونين أساسا من رجال غير قبليين أصبحوا متحالفين مع القبائل الوارد ذكرها فى الفقرة (أ) . فهذه القبائل يمكن- بالكاد- أن تعتبر هى الحلفاء المعتادين لقبيلة قريش والتى ربما حاربت جنبا الى جنب مع الاسرات (القبائل) التى ارتبطوا بها. وكان بعض الحلفاء أشخاصا ذوى أهمية فى مكة، مثل الأخنس بن شريق الذى طلب محمد ﷺ حمايته فى موقف من المواقف. أما عبارة (بلا نسب) «١٧» - ان كانت صحيحة- فهى تعنى ببساطة- تواضع الأصل (ذوو أصل متواضع) . وحقيقة أن ظهورهم للمرة الأولى كمناوئين لقريش (انظر الفقرة ل) تجعلنا نميل الى التأكيد أنهم كانوا مجموعة ضعيفة تشكل ما يشبه التنظيم القبلى، فى المناطق المجاورة لمكة. ٣- وأفعال ابن الدغنة يمكن أن تشير الى وضع خاص له فى مكة، لكن أهميته مغالى فيها فهو لم يكن فى الحقيقة مستعدا للعمل ضد قريش. وفى الفقرتين: (د) و (ح) نجد الحليس يتصرف كزعيم مستقل يتعامل مع قريش على قدم المساواة ومثل هذا التصرف قد يكون كافيا لتوضيح ما اذا كانت العلاقة بين الأحابيش وقريش- مثلا- مثل علاقتها ببنى بكر بن عبد مناة. ٤- لقد كان لدى أهل مكة عبيد سود- ربما كان عددهم كبيرا- وقد اشترك هؤلاء العبيد فى المعارك، ويبدو أن بعضهم كانوا يحاربون عن سادتهم (أو فى صف سادتهم) ؛ لكن الفقرة (ج) تشير الى وجود تشكيل عسكرى خاص بهم فى معركة أحد، وهو تنظيم منفصل عن تنظيم الأحابيش. فالعبيد يعيشون فى مكة كما هو مفترض، أما الأحابيش فيعيشون على بعد رحلة قوامها يومان من مكة (الفقرة أ) .

стр. 302

٥- ولا بد أن نتذكر امكانية الخلط فى بعض الفقرات بين معنى (الاثيوبيين- الأحباش) وهم رجال ليسوا من قبيلة واحدة، و «رجال الأحباش، men or Ahbash «فمثل هذه الاشتقاقات المزعومة، يفترض أنها مرتبطة بمؤرخين حوليين متأخرين- أتوا فى زمن لاحق. ٦- مهما يكن أمر الأحابيش، ومهما كان الغموض الدائر حولهم، فلم يكونوا ذوى أهمية كبيرة فى المعارك المذكورة، رغم أن عددهم قد يكون أضاف شيئا للصعوبات التى واجهها المسلمون. فالافتراض الضار (غير الصحيح Wicked (الذى ذهب اليه لامانس بأن قوة مكة كانت قائمة على جيش من العبيد- افتراض لا حقيقة له. فلم يكن تجار مكة الكبار مولعين بالحرب بل لقد كانوا يحاولون تحاشيها، وان كان هذا لا يمنع من اتخاذهم الحيطة لأنفسهم عند الضرورة.

стр. 303

الملحق (ب) التوحيد عند العرب والتأثيرات اليهودية المسيحية ظل الكتاب طوال جيل أو جيلين يتسائلون عن مدى امتداد التأثيرات اليهودية والمسيحية على محمد ﷺ نفسه، وكان الفرض المهم السائد بينهم- مع استثناات بسيطة- أنه لم يكن بين العرب الذين دعاهم* محمد للاسلام «توحيد» . على أية حال، لقد اتضح بشكل متزايد- أن هذا الفرض غير صحيح. فالسور القرانية التى نزلت فى فترة مبكرة، تفترض أن العرب كانوا يعرفون فكرة التوحيد (الايمان باله واحد) وأنها ليست غريبة عليهم، ولا كان القبول بها غريبا عليهم. وثمة أدلة أخرى تنحو الى التأكيد أن الحياة الفكرية فى شبه الجزيرة العربية بشكل عام وفى مكة بشكل خاص قد نفذت اليها فكرة التوحيد (عبادة اله واحد مهيمن. «١» (Supreme being ويقدم لنا مرجليوث D.S.Margoliouth فى مقاله عن أصول الشعر العربى the Origins of Arabic Poetry عددا من الأمثلة عن ورود فكرة التوحيد- كما نادى بها الاسلام بعد ذلك- فى الشعر الجاهلى. حقيقة لقد استخدم مرجليوث ذلك ليدلل به على أن الشعر الجاهلى موضوع (يشكك فى مصداقية نسبة هذا الشعر الى فترة ما قبل الاسلام) ؛ لكن التفسير الأبسط لذلك هو أن القران (الكريم) قدم بدوره

стр. 304

فكرة التوحيد. ومرة أخرى نجد أن تورى C.C.Torrey فى كتابه «الأساس اليهودى للاسلام The Jewish foundation of Islam فى مجال سوقه الأدلة لتأكيد فكرته، يقدم الادلة لاثبات العكس، فهو يقول: «ان القران بلغته العربية- كعمل عبقرى يعد انجازا عظيما لرجل عظيم قد قام حقا على أسس كانت سائدة فى شبه الجزيرة العربية (أى اتخذ مادته منها) ، فكل الأسلوب القرانى حتى بما يتضمنه من كلمات أجنبية وأعلام- كان شائعا مألوفا فى مكة قبل ظهوره- أى ظهور القران الكريم» ** «٣» . وتورى- الى حد ما- يفكر فى المصطلحات الدينية التى كانت شائعة على السنة اليهود المتحدثين باللغة العربية، لكنه من المؤكد أن كثيرا من هذه المصطلحات كان يستخدمها أيضا العرب الخلص. والان، فان وجود الألفاظ لا بد أن يكون دليلا على وجود الأفكار التى تعبر عنها. على الأقل على نحو أسميه «التوحيد البدائى» أو الفج Vague monotheism وأقصد به التوحيد الذى لا يعبر عنه بممارسات عبادية محددة، والذى لا يكون الوعى فيه كاملا بالفرق بينه وبين الوثنية. وعلى هذا فالعلم الصحيح، وكذلك النزاهة اللاهوتية التى ينبغى أن يتحلى بها المؤرخ تقتضى أن القضية المطروحة عن تأثير الأفكار اليهودية

стр. 305

والمسيحية (وربما غيرهما) على أهل مكة فى القرن السابع للميلاد، وليس على محمد ﷺ نفسه (بل وأكثر من هذا على القران الكريم) - هذه النزاهة تقتضى منا أن نقول أن هذا التأثير غير مؤكد، كما أنه قضية غير بسيطة، أى لا يمكن اطلاق القول فيها على عواهنه. ووجود هذا التأثير غير المباشر، أو التأثير الناتج عن البيئة المشتركة لا يعنى أن التأثير المباشر يجب انكاره تماما. (المترجمان: تشابه بعض الأفكار فى الأديان الثلاثة يعنى أن لها جميعا مصدرا واحدا هو الله سبحانه، ولا يعنى أن أحد الأديان قد تأثر بالدينين الاخرين، بالمفهوم الدنيوى لكلمة التأثر) . وعلى أية حال، فالافكار لو كانت فى الهواء) in the air أى ليس لها بذور فى البيئة) لما استطاع محمد ﷺ أن يبلغها بسهولة للعرب (المترجمان: من المفهوم أن الاسلام دين عالمى نزل للعالمين، عرب وغير عرب، وحديث المؤلف هنا عن العرب فقط أمر اقتضاه السياق ولا أكثر) ، لذا فانه يبدو من الأفضل أن نفترض بشكل عام أنه لا بد أن نتعامل مع تأثيرات توحيدية فى بيئة مكة، وأن نفترض فقط أن التأثير المباشر لظهور داعية للتوحيد فى هذه البيئة يعد دليلا جيدا على ذلك. والجانب الرئيسى من هذا الدليل يتمثل فى الاشارة الى معلم يتحدث لغة غير عربية، فى سورة النحل: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) ... » . وتورى Torrey الذى بنى كثيرا من النتائج على هذه النقطة (ص ٤٣ وما بعدها) لاحظ أن محمدا ﷺ لم ينكر أنه «التقى بمعلم من البشر*، لكنه- أى محمد ﷺ أكد على أنه تلقى تعاليم الاسلام من الله سبحانه» . واذا افترضنا أنه كان لمحمد ﷺ مثل هذا المعلم، فسيكون من الطبيعى جدا أن نربطه بشىء يبدو حقيقيا، وبالتحديد علاقة القران

стр. 306

الكريم بالقصص التوراتى وهو أمر ملحوظ فى القران الكريم* (المترجمان: التشابه أو حتى التماثل ناتج عن أن المصدر واحد هو الله

стр. 307

سبحانه، ولم يأت الاسلام ليهدم كل أفكار الدينين السابقين وانما ليصحح ما شابهما من فساد فى الأفكار لكثرة تداول النصوص بين اللغات المختلفة، ونسبة بعض الأحبار والرهبان ما يكتبونه الى الله سبحانه..) . والمسلم السنى اذا تقبل هذه الملاحظة- أى وجود تطور بالزيادة فى المعلومات الواردة فى النص القرانى- فربما يذهب مذهب أن الله سبحانه قد صاغ كلمات القران (الكريم) لتكون لمحمد ﷺ وأتباعه، وربما بناء على هذا يذهب الى أن هذه القصص كانت معروفة بالفعل للبشر، وأن الله سبحانه يركز على ما بها من عظات وعبر، لكن هذا يتعارض مع الاية الكريمة: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» السورة ١١/ هود/ الاية ٤٩.

стр. 308

واذا أردنا أن نجمع بين تصديقنا لمحمد ﷺ كنبى من ناحية، ووجود مصادر بشرية لمعلوماته، فان أمامنا ثلاثة احتمالات: ١- ان محمدا ﷺ خلط بين القصة نفسها و «العظة» الكامنة فيها، ولأن العظة أتته عن طريق الوحى، فقد اعتبر القصة، والعظة، معا وحيا. (المترجمان: نورد الترجمة الأمينة لنعرف كيف يفكر المستشرقون وهذا أمر ضرورى، لكن القارىء الفطن أيا كان دينه يستنكر ذلك فكيف تكون العظة وحيا، والقصة بشرية؟! وبالتالى، فان هذا الفرض غير قائم) . ٢- وربما أتته القصة وحيا* بطريقة استشعارية. ٣- وربما كانت الترجمات التى بين أيدينا للقران الكريم غير دقيقة خاصة كلمة (نوحى) التى تعنى ايصال المعلومات بالوحى، فقد تعنى أيضا معنى مختلفا اختلافا يسيرا عن ذلك مثل (افهام العظة أو العبرة أو التعاليم الكامنة فى هذه القصة أو بيان معناها) ، وربما كمنت الحقيقة بين الاحتمالين الأول والثالث. فالقصص القرانى دائما يتم الاخبار به انطلاقا من نقطة بعينها، ويتم الاخبار به مرة أخرى بطريقة فيها تلميح أكثر more allusive وبطريقة أكثر ايجازا.elliptic fassion فعلى سبيل المثال، فهذا القصص يبين كيف أن المناوئين للنبى الذين يرفضون رسالته سينطبق عليهم فى النهاية أسوأ ما فى القصة، وكيف سيتم خلاص المؤمنين. وأيضا، فان هذا القصص القرانى ككل ربما يحمل معانى أبعد، وهو أن يوضح للعقلية العربية الواعية بالأنساب أن هذه الحركة الجديدة (الاسلام) لها أجداد (لها أصول) روحيون مشرفون. ليست هناك صعوبة كبيرة فى القول أن الشكل المحكم لهذه القصص ومعناها البعيد ومقاصدها التى تقصد اليها، قد وصلت لمحمد ﷺ عن طريق الوحى، وليس نتيجة اتصاله بمصدر بشرى مزعوم.

стр. 309

tnamrofni degella sih fo noitac -inummoc eht morf ton dna noitalever yb dammahuM ot emaC seirots eht fo ecnacitingis roiretlu eht dna tniop eht ,morf esicerp eht taht gnimialc ni ytluciffid taerg on si erehT فالارتباك الذى تسببه مثل هذه الايات لأولئك الراغبين فى التشكيك فى صدق محمد ﷺ ، لا يجب أن يصرف الانتباه عن الأهمية الضئيلة نسبيا للرسالة التى يريد أن يبلغها لهم أحد المواحدين. فمحمد ﷺ والمسلمون كانوا مهتمين بالأنبياء الأوائل السابقين عليه (أى على محمد ﷺ (وكانوا- من المحتمل- يحاولون تحصيل مزيد من المعلومات عنهم) ؛ لأن ذلك- من ناحية- يعطيهم مزيدا من التشجيع والسلوى، ولأن- وهذا هو الأساس- ذلك يعد بمثابة فخر بالأجداد (من قبيل فخر الانسان بمزايا أجداده) ، وقبل كل ذلك لأن الرسالة الأساسية للقران (الكريم) كانت بالفعل متغلغلة فى مجتمع مكة، فتفاعل الشكل القرانى المحكم (الدقيق (Precise مع الوضع المعاصر له (القائم فعلا) والذى لم يكن ينقصه سوى دعوة نبى (النص: حدس النبوة. (Prophetic intuition ما أخبر يهودى أو مسيحيي محمدا أنه نبى*. ومن هنا فلكى نفهم الاسلام، فان القضية الأساسية المطروحة هى بأى الوسائل، والى أى مدى كانت الأفكار اليهودية والمسيحية قد تأقلمت فى الحجاز!

стр. 310

الملحق (ج) الحنفاء يذكر ابن اسحق «١» أربعة رجال من جيل سابق لجيل محمد ﷺ اتفقوا معا على ترك عبادة الأوثان وأن يقصدوا الحنيفية- دين ابراهيم ﵇ . وابن قتيبة «٢» يذكر لنا ستة أشخاص كان الاخرون يسمونهم حنفاء، منهم: أمية بن أبى الصلت، وأبو قيس بن الأسلت. كيف نتصرف ازاء هذه الاشارات؟ ألا تدل على وجود نوع من التوحيد فى شبه الجزيرة العربية غير التوحيد اليهودى والتوحيد المسيحيي «٣» ؟ لقد أراق المؤرخون أحبارا كثيرة فى هذا الموضوع الخلافى منذ تناوله Sprenger وحتى الان، بحيث أصبح من المستحيل هنا حتى مجرد تلخيص وجهات النظر المختلفة، ولا بد أن نرضى أنفسنا بالاكتفاء بأكثر جوانب الموضوع اتصالا بحياة محمد ﷺ «٤» . واستخدام كلمة (حنيف) فى القران (الكريم) يصلح كمنطلق وثيق ومؤكد. فهنا نجد أن «الحنفاء» كانوا هم أتباع الدين العربى الأصلى والمثالى، ولم يكونوا يمثلون مجرد (مذهب) أو (فرقة) أو

стр. 311

جماعة انقرضت «٥» (النص: جماعة تاريخية (historical أولم يكن لها وجود عند ظهور الاسلام. وما أظهره القران الكريم فى بواكير المرحلة المدنية- عندما كانت علاقة محمد ﷺ باليهود متوترة- هو أن المسلمين قد استعادوا دين ابراهيم ﵇ فى شكله النقى، بينما حرفه اليهود والنصارى «٦» . ويبدو اكثر وضوحا، أن كل الاشارات الى الحنفاء فى المراجع المبكرة تعمد الى ايجاد الحقائق التى توضح ما ذكره القران (الكريم) ، ولا تذكر شخصا واحدا بالاسم يسمى نفسه حنيفا أو كان يبحث عن الحنيفية. وهناك عدة أمثلة حقيقية على استخدام كلمة (حنيف) بالعربية قبل محمد ﷺ (رغم أنه ليس من السهل دائما أن نذكر أى هذه الأمثلة حقيقى وأيها موضوع أو زائف) ؛ لكنه استخدام مختلف ذو معان متباينة. والدارسون المحدثون الذين درسوا هذه المسألة، يعتقدون أن الكلمة- بصفة أساسية- مستعارة من النبط *Nabateans فهى

стр. 312

فى لغتهم تعنى من يعتنق بعض فروع دينهم الشامى- العربى المتاثر- جزئيا- بالثقافة الهيلينيه «٧» . وعلى أية حال، فمسالة أصل الكلمة مسألة ثانويه، وحتى اذا كانت الفكرة السابقة صحيحة فليس من الضرورى ان هذا التحوير (التكييف) للهيلينية* يشكل اى اسهام حقيقى فى تغلغل أفكار التوحيد فى شبه الجزيرة العربية، فما البال اذا كانت فكرة أصل الكلمة كما ذكرناه سابقا- فكرة بعيدة الاحتمال. ورغم أن الاشخاص الأربعة فى رواية ابن اسحق لم يطلقوا على أنفسهم اسم الحنفاء، الا أنهم مع هذا كان لديهم شعور (وعى) بطريقهم نحو التوحيد. واثنان من هؤلاء الأربعة من عشيرة أسد القرشية: ورقة ابن نوفل ابن عم خديجة بنت خويلد (رضى الله عنها) وعثمان بن الحويرث، وكلاهما كان قد تحول للمسيحية، رغم أن مسيحية هذا الأخير (عثمان) - على الأقل- كان لها مضامين سياسية. واخر هو عبيد الله بن جحش كان متحالفا مع عشيرة عبد شمس وابنا لابنة عبد المطلب، وقد تحول- بعد ذلك- للاسلام وكان من بين من هاجروا للحبشة، وهناك ارتد للمسيحية، والرابع هو زيد بن عمرو من عدى، وقد ظل مواحدا دون انتماء محدد. ونجد فى كتاب الأغانى مزيدا من المعلومات عن هؤلاء الرجال «٨» . وعلى هذا، فعندما تتم ازاحة كل ما علق بالموضوع من بدع وسوء فهم- بطريقة موضوعية، ستبقى الحقائق المسلم بها، لكنها لا تعطينا رخصة كافية لاعادة صياغة الأحداث، فلسنا متأكدين من وجود صلة بين الرجال الأربعة، فان كانت هناك صلة، فلا بد أن يكون لهذه الرابطة بعد سياسى الى جانب البعد الدينى، وفى

стр. 313

هذه الحالة ربما لا يكون الأمر بعيدا عن محاولة عثمان السيطرة على مقاليد الأمور فى مكة*. لكن قد يكون كل واحد منهم- ببساطة- قد اتخذ طريقة لهذا التوحيد بشكل مستقل. ومن الممكن أن نسلم بأن أحدا منهم لم يكن غائب الوعى تماما عن العوامل غير الدينية التى أدت للوضع المزعج الذى وصلت اليه حال بلادهم، مع أنه من المحتمل أن يكونوا أكثر اهتماما بالعامل الدينى. ورغم الغموض الذى استمر يحيط بهؤلاء الرجال الذين ارتبط بهم مسمى الحنفاء، الا أن ما نعرفه عنهم يعد كافيا بدرجة تجعلنا نعتبرهم عاملا اضافيا يوضح لنا الطريقة التى تغلغلت بها أفكار التوحيد فى البيئة التى نشأ بها محمد ﷺ ، والتى جذبت بعض أكثر العرب تنورا. فهؤلاء المسلمون بالحنفاء لم يكونوا هم واحدهم الذين انجذبوا لفكرة التوحيد، لقد كان هناك اخرون بين أتباع محمد ﷺ الأوائل، مثل عثمان بن مظعون وواحد على الأقل فى المدينة المنورة هو أبو عامر عبد عمرو بن صيفى الذى عارض الرسول ﷺ معارضة مريرة. وبالنسبة للدارس لحياة محمد ﷺ ، يعد الحنفاء ذوى أهمية لأنهم يقدمون برهانا على أن أفكار التوحيد كانت موجودة بالفعل فى البيئة التى ظهر فيها- أى ظهر فيها محمد النبى ﷺ .

стр. 314

الملحق (د) مبحث حول (تزكى) ترجمة لفظ تزكى، وغيرها من مشتقات الأصل [ز ك ا] (بصرف النظر عن زكاة) . كما ورد فى القران (الكريم) يثير بعض الصعوبات. فأحد الباحثين جعل لها مقابلا انجليزيا purify oneseir أى تطهير النفس، لكنه أضاف بين قوسين فى الحواشى موضحا أن تطهير النفس يكون [بتقديم الصدقات. «١» [almsgiving وهناك باحث اخر جعل لها مقابلا بسيطا هو، «٢» be charitable أى أحسن أو تصدق. واذا نحينا لفظ (زكاة) ، فان الجذر (زكا) ومشتقاته ورد فى القران (الكريم) حوالى ٢٦ مرة، ومن المفيد أن نتناول ما هو مهم من هذه الأمثلة (المقصود الايات القرانية التى ورد فيها الجذر ومشتقاته) . انها تقع فى أربع مجموعات: المجموعة الأولى: نجد فيها المعنى واضحا، فهى كلها أمثلة للجذر الثانى زكى (بتشديد الكاف) المستخدم بمعنى «التبرئة من الاثم Justify «أو، count just تماما بنفس معنى الكلمة الانجليزية فى الأناجيل. ففى مثل هذه الحالات نجد أن الفكرة التى يدور حولها السياق هى ألا يزكى أحد نفسه، وانما الله هو الذى يزكى من يشاء. وكل الاشارات هنا مرتبطة بالايمان بالاخرويات، وكلها تشير الى اليهود فيما عدا الاية الأخيرة (سنورد الايات فى السطور التالية) . لقد ارتبط

стр. 315

استخدام الكلمة بهذا المعنى بتوجيه انتقادات لليهود، على النحو نفسه الذى وجهت الأناجيل (العهد الجديد) النقد لليهود: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» البقرة/ الاية ١٧٤. «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ال عمران/ الاية ٧٧. «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» ٤ (النساء) / الاية ٤٩. «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» ٥٣ (سورة النجم) / الاية ٣٢*. وفى المجموعة الثانية يبين السياق أن الرسول ﷺ قد أرسله الله (ليزكى) الناس بمعنى يطهر، Purify وتعود الايات التى تستخدم الكلمة بهذا المعنى الى بواكير منتصف الحقبة المدنية (سنورد الايات فيما يلى) فالاية الأولى فى سياق خطاب لليهود، والايات الاخرى تشير الى محمد ﷺ . ومادام الرسول لا يمكنه أن يطهر الناس (يزكيهم Purify (بالمعنى نفسه الذى نقصده عندما نتحدث عن أن الله (سبحانه) هو الذى (يطهر) أو (يزكى) ، ومن هنا فاستخدامنا للفعل Justify لا بد أن يعنى (تزكية) الله سبحانه كنتيجة لبعثة محمد ﷺ ، وعلى النحو نفسه يجب أن يكون استخدامنا للكلمة الانجليزية.Purify وعلى أية حال، فربما كان من الممكن أن يمتد معنى الكلمة ليصبح «التوجيه

стр. 316

نحو التزكية أو الهداية. «to dired to Justification of Purification ومن ناحية أخرى فانها قد تعنى (دفع زكاة) وهذا مناسب اذا لم تكن كلمة (الزكاة) قد أخذت معناها الاصطلاحى وان احتفظت بشىء من الارتباط «بوسائل التطهر أو التزكى» . وعلى هذا، فحيثما تستخدم كلمة (يزكى) مرتبطة بالرسول، ربما كان معناها (أن يتطهر بفرض الزكاة) : «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» البقرة/ الاية ١٢٩. «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» البقرة/ الاية ١٥١. «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» . ال عمران/ الاية ١٦٤. «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» السورة ٦٢ (الجمعة) / الاية ٢. أما استخدام أهل مكة (وربما فى المرحلة المدنية المبكرة أيضا) لكلمة (تزكى) وكلمة (التزكى) التى تمثل المجموعة الثالثة، فمختلف اختلافا يسيرا، ولنبدأ بذكر الايات: «جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» السورة ٢٠ (طه) الاية ٧٦. «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ

стр. 317

بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» السورة ٣٥ (فاطر) الاية ١٨. «فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى» السورة ٧٩ (النازعات) / الاية ١٨. «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» السورة ٨٠ (عبس) الاية/ ٣. «وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى» السورة ٨٠ (عبس) الاية/ ٧. «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» السورة ٨٧ (الأعلى) الاية/ ١٤. «الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى» السورة ٩٢ (الليل) الاية/ ١٨. ففى الايتين ٣ و ٧ من سورة عبس (المذكورة أعلاه) ، يبدو أن هدف الدعوة الاسلامية هو الوصول بالانسان الى رحلة التزكى التى تبدو- فى الغالب- مساوية للتحول للاسلام. وفى اية سورة طه (الواردة انفا) وعد بجنات عدن لمن تزكى، وشىء من هذا المعنى فى معظم الايات الاخرى (التى أوردناها انفا) . وعلى هذا، فان التزكى يبدو دليلا على الامتياز الخلقى الذى هو جزء من الأهداف السامية للحياة. وهذا متفق مع ما كتبه الباحثون الغربيون عن الاستخدام المتماثل للكلمات الشبيهة فى العبرية والارامية والسريانية «٣» . فالجذر العربى (ز ك ا) يعنى فى المعنى الأساسى نما أو ازدهر، لكن استخدامه قد تأثر بهذه اللغات الاخرى (المترجمان: ليس من الضرورى ذلك. فالزكاة مثلا مع أنها مال يدفعه المزكى، الا أن المفهوم دينيا أنها تزيد فى حسنات المزكى، فما نقص مال من صدقة..) . ففى هذه اللغات تعنى الكلمة المقابلة- على نحو خاص- الطهارة الأخلاقية. وغرابة هذه الفكرة بالنسبة للعرب- رغم أنها قد لا تكون وصلتهم عن طريق القران الكريم- قد تساعدنا فى تفسير استخدامهم لمصطلح مثل تزكى لوصف هذه الفكرة. انها منفصلة عن الطهارة كنسك

стр. 318

أو طقس (انظر: طهر فى سورة المدثر: «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» الاية/ ٤) التى كانت معروفة- بلا شك- فى الديانة القديمة (السابقة على الاسلام) . وعلى هذا، فان معنى (تزكى) ربما كان أفضل- ليعبر عن (الصلاح - (righteousness ومن (الطهارة؛ (Purity وبذلك ارتبط بالفعل (زكى) الوارد فى الايات التى أوردناها فى المجموعة الأولى. وأية صعوبة فى افتراض أن الناس كانوا «صالحين» بالفعل يمكن أن نتجنبها باعتبار الكلمة تعنى «القصد الى الصلاح أو العمل ليكونوا صالحين aim at reightness واتخاذه مبدا» ؛ ولكن التمييز الكامن هنا ربما لم يكن موجودا بالنسبة للعرب. وربما أضفنا لهذه المجموعة مثالين اخرين من الجذر الثانى، هما: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٢١. «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها» السورة ٩١ (الشمس) / الاية ٩. وربما يكون معنى يتزكى فى السورة ٩٢ (الليل) / الاية ١٨ (الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) هو المعنى نفسه فى الايات السابقة لكن لاحتمال انها فى مرحلة مدنية متأخرة [المترجمان: سورة الليل مكية وليست مدنية] * ولأنها تتعرض للمال، فربما كان المعنى الأقرب هو: الذى يقدم ماله ليطهر نفسه بالزكاة. وربما كانت تشير الى الزكاة كمصطلح فقهى لكن هذا لا ينفى معنى التطهر. فليس هناك اية مكية تشير الى رباط بين (تزكى) والمال، بل العكس، فهناك اشارة خاصة تبدو أحيانا فى غير سياقها كما فى حالة فرعون:

стр. 319

«اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) » السورة ٧٩ (النازعات) . وفى سورة عبس رغم الاشارة الى رجل (أو رجال) ثرى، فقد ورد ذكر الرجل الأعمى كاحتمال أن يتزكى (يزكى) . وهناك أيضا مجموعة رابعة (من الايات) يسود فيها الاستخدام العربى الأصلى للجذر، نوردها كما يلى: «وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» البقرة/ ٢٣٢. «وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً» السورة ١٨ (الكهف) / الاية ١٩. «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ، قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً» السورة ١٨ (الكهف) / الاية ٧٤. «قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا» السورة ١٩ (مريم) / الاية ١٩. «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٢٨. «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» السورة ٢٤ (النور) / الاية ٣٠. وهذا لا يضيف عناصر جديدة لمشكلتنا ولا يحتاج الى مناقشة.

стр. 320

أما كلمة زكاة فتتردد فى القران (الكريم) بمعناها الفنى (الفقهى) وعادة ما يقترن ذكرها بذكر الصلاة، لكن هذا لا يمنع من استخدامها فى بعض الحالات فى غير معناها الاصطلاحى (الفقهى) كمعنى التميز الخلقى أو الصلاح، أى بالمعنى الوارد فى المجموعة الأولى من الايات التى أوردناها انفا، وأفضل أمثلة على ذلك تتضح من الايات التالية: «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً» السورة ١٨ (الكهف) / الاية ٨١. «وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ» السورة ٢٣ (المؤمنون) / الاية ٤*. وربما كانت الايات الواردة فى سورة مريم (١٣، ٣١، ٥٥) أمثلة أخرى على هذا الاستخدام، لكن لارتباطها بالأنبياء فقد يكون معناها مما يندرج تحت المعنى الوارد فى المجموعة الثالثة التى أوردناها انفا، وهذه الايات هى: «وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا» مريم/ ١٣. «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» مريم/ ٣١. «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» مريم/ ٥٥. وأخيرا، فان الاية ١٠٣ فى السورة رقم ٩ (التوبة) تبدو مرتبطة بالمعنى الأخلاقى للفعل زكى مرتبطا بالطهارة كطقس (طهر) . «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم» فقد أمر الله محمدا أن يجمع من الناس صدقة لتطهيرهم وتنقيتهم (من الاثام) . ويميل بعض المفسرين الى معنى «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، ثم انك بدفعهم الصدقة ستزكيهم» ، وفى تفسير اخر أن التزكية والتطهير فكرتان متصلتان مترابطتان. وقد يكون
следующие страницы →