← Указатели

Указатели · id 23671

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

محمود سالم محمد

Полный текст (576 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المستقلة، التي تذوب رقة وعذوبة، وتتقد شوقا وحنينا إلى البقاع التي رفع الله قدرها، وجعل زيارتها فرضا على كل مسلم، وفيها يفصح الشعراء عن مشاعرهم الدينية وعواطفهم السامية ويظهرون مقدرتهم الفنية، فلا توجد روايات وأحاديث، يضطرون إلى نظمها فيسيؤون إلى الرواء الشعري، ولا يوجد من يفرض عليهم هذا اللون من الشعر، ولا يتملّقون به أحدا، فجاء نظمهم لهذا الفن حرا، يضع فيه الشاعر كل ما أوتي من شفافية ومقدرة فنية، لذلك شارك فيه الشعراء على خلاف مذاهبهم ومشاربهم، وحتى الشعراء الفاطميون افتتحوا بعض قصائدهم في مدح الخلفاء بذكر المقدسات والتشوق إليها، مثل قول المؤيد داعي الدعاة في مطلع قصيدة: هلمّ إلى الأرض المقدّسة التي ... بساحتها سكّانها أمنوا الموتا إلى علم الإيمان والقبلة التي ... عليها بلا شكّ دللت ووجّهتا «١» وللشاعر الأجلّ «٢» قصيدة في مدح الخليفة الناصر، بدأها على النحو التالي: حلفت بأعلام المحصّب من منى ... وما ضمّ من نسك حجون وأبطح وبالجمرات السّبع تلقي رماتها ... بإلقائها الأوزار عنها وتطرح وبالبدن تهدى كالهضاب توامكا ... تقلّد من أرسانها وتوشّح وقد أخذت منها الجنوب مصارعا ... وأذعن للجزّار نحر ومذبح وبالوفد ميلا في الرّجال كأنّما ... سقاهم سلاف الرّاح ساق مصبّح إذا قطعوا في طاعة الله صحصحا ... بدا لهم فاستأنفوا السّير صحصح «٣»

стр. 107

فالأجلّ لم يكتف في تقديمه لمدح الخليفة بذكر الأماكن المقدسة والقسم بها، بل جمع إليها بعض مناسك الحج، ووصف الراحلين إلى الحجاز، فأظهر ما هم عليه من تقوى وسرور لتجشمهم عناء السفر في طاعة الله وفوزهم بأمانيهم، وكأنه بدأ بذكر الديار المقدسة وثنى بذكر الرحلة إليها، ليلائم بين مقدمته هذه التي تناسب مقام الممدوح الديني، وبين مقدمات المديح التقليدية التي تبدأ بذكر الديار وتثني بذكر الرحلة. إن انتشار ذكر الأماكن المقدسة وإظهار التشوق إليها، جعل شعراء ليس لهم أي توجه ديني يوردونه، وربما جاروا غيرهم من الشعراء المتصوفة، لظنهم أن تلك الطريقة في التعبير، تسترعي الانتباه أكثر من غيرها وتثير مشاعر الحنين عند المتلقين فيتمّ تجاوبهم العاطفي مع الشاعر. ومما شجع على انتشار المديح النبوي، واكتماله في هذا العصر، ظهور الاحتفالات بمولد النبي الكريم وما تحتاجه هذه الاحتفالات من شعر ينشد فيها، يمجّد رسول الله ﷺ صاحب هذه الذكرى، وينبه على قدره السامي. وكان الفاطميون يقيمون موالد متعددة لرسول الله ﷺ ولعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل البيت- رضوان الله عليهم-، وهذه الموالد ذكّرت الشعراء بما يجب عليهم اتجاه رسول الله ﷺ . ويقال إن أول من احتفل بالمولد النبوي هو مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وصهر صلاح الدين الأيوبي الذي توفي سنة (٦٣٠ هـ) «١» . وفي هذه الأثناء انتشر الاحتفال بالمولد النبوي بين شرق البلاد العربية الإسلامية وغربها، وكان يحتفل به احتفالا صاخبا، يشارك فيه أصحاب الأمر وأعوانهم، والفقهاء والمتصوفة والوعاظ والقراء والمنشدون، وسيمر معنا عند الحديث عن المولد النبوي تفصيل هذه الاحتفالات وما ألّف في المولد وما نظم فيه.

стр. 108

وكان للحروب الصليبية أثرها في ذكر رسول الله ﷺ في هذا العصر، إذ إن الغزو الأوربي لمشرق الوطن العربي ومغربه كان باسم الدين، ويظهر أن الغزاة الذين اتخذوا الصليب شعارا لهم ولحملاتهم، انتقصوا من الإسلام ومن رسوله الكريم، مما دعا الشعراء إلى الدفاع عن الإسلام ونبيه، ومدحه، والإشادة بالقادة الذين يحرزون انتصارات على الصليبيين ومدحهم بأنهم نصروا الإسلام ونبيه، لذلك كثيرا ما نجد في مدائح القادة مثل قول ابن منير الطرابلسي «١» في مدح نور الدين الشهيد: ألبست دين محمّد يا نوره ... عزّا له فوق السّها أساد «٢» واستمرت في هذا العصر طريقة الشعراء في التمثّل بأحوال رسول الله ﷺ ، والدعوة إلى الاقتداء بسيرته الكريمة، والتأسّي بما جرى له، والمقارنة بين عمل حصل في هذا العصر وعمل حصل في عهد رسول الله ﷺ فعمارة اليماني «٣» يدعو الناس إلى الاعتبار برسول الله، والاقتداء بطريقته في التعامل مع المصائب، فيقول: ومن أراد التأسّي في مصيبته ... فللورى برسول الله معتبر «٤» ويكثر ابن حيوس من مثل هذه الأمثال والمقارنات، فيقول في التأسي: لكم في رسول الله أعظم أسورة ... فلا تظهر الشّكوى ولا يتعب الفكر «٥»

стр. 109

ويقول في ممدوحه، وفيما أحرزه من عزّ لبني جلدته: بنيت للعجم المجد المبلّغهم ... مجدا بناه رسول الله للعرب «١» فكأن سيرة النبي الكريم وأحواله حضارة دائما في ذهن ابن حيوس وأمثاله، يلتقط منها ما يناسب موضوعه ليتمثل بها ويحتج لكلامه، وليس هناك أبلغ وأصدق من التمثل برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله. وقد ظهرت في هذا العصر مدائح نبوية متكاملة، عدت بداية فن المدائح النبوية، وإن كنا نجد مدائح نبوية سابقة لهذا العصر، لكنها كانت قليلة ومتباعدة، ولم تشكل ظاهرة أدبية، ولكنها في هذا العصر، وخاصة في المرحلة الأيوبية، كثرت، وأضحى المديح النبوي فنا أدبيا مستقلا بذاته، يشارك فيه معظم الشعراء. وقد تداخل العصر الأيوبي مع العصر المملوكي، لأن معظم الشعراء الذين نظموا في المديح النبوي عاشوا شطرا من حياتهم في دولة بني أيوب، وأمضوا الشطر الآخر في دولة المماليك، والظواهر الاجتماعية والأدبية لا تخضع في تقسيمها للتقسيم السياسي، وإن الأخذ في تقسيم عصور الأدب وتطوره حسب تعاقب الدول لا يهدف إلا لتسهيل الدراسة، ليس إلا. فإن أي تغير سياسي أو اجتماعي، لا يستجيب له الأدب إلا بعد مدة مناسبة من الزمن، فالأدباء يظلون على تقاليدهم الأدبية التي نشؤوا عليها، ويحتاج الجديد إلى وقت ليختمر في النفوس، وليتمثّله الأدباء ومن ثم ليرتد إلى خارج النفس على شكل إبداع أدبي. ولذلك نجد البدايات في قصائد المديح النبوي قصائد معارضة لقصائد مدح فيها النبي الأمين في حياته تهيّبا من الإقدام على مثل هذا العمل الجليل، وخوفا من الوقوع في الخطأ وقلّة الانتباه، وللتدرب على كيفية الحديث عن رسول الله ﷺ ومخاطبته قبل

стр. 110

أن يعبّر الشاعر تعبيرا ذاتيا محضا في الشكل والمضمون عما يكنه للرسول الكريم من مشاعر الحب والتقديس، ومن هذه القصائد قصيدة لابن الساعاتي «١» في معارضة قصيدة كعب بن زهير بدأها بقوله: جدّ الغرام وزاد القال والقيل ... وذو الصّبابة معذور ومعذول «٢» وقد مزج في مقدمة قصيدته بين الغزل وذكر ديار المحبوبة، ووصف الرحلة، دون أن يفرق بينها، ففارق كعبا في ذلك مثلما فارقه في طبيعة الغزل وفي الأسلوب الذي نحا فيه منحى الصنعة التي تفشت في أيامه، حتى إذا استنفذ المقدمة التي بثّ فيها لواعجه وحنينه، أظهر ما بنفسه من حزن، لأن له أعداء ينتقصون منه، فيرد عليهم قائلا: يا حاسدا نال من فضلي بمنقصة ... عليك نفسك إنّ الجهل مفضول حسبي الثلاثة بالتّبريز شاهدة ... البيد واللّيل والعيس المراسيل وكيف أخمل في دنيا وآخرة ... ومنطقي ورسول الله مأمول وهكذا أنهى مقدمته بالرد على منتقصيه والفخر بنفسه، واتخذ هذا مدخلا إلى مديح النبي ﷺ مدحا دينيا خالصا، لم يخلطه بالمعاني التقليدية التي درج الشعراء على مدح رسول الله ﷺ بها، والتي حفلت بها قصيدة كعب التي يعارضها ابن الساعاتي، فقال: هو البشير النّذير العدل شاهده ... وللشّهادة تجريح وتعديل لولاه لم تك شمس لا ولا قمر ... ولا الفرات وجاراها ولا النّيل

стр. 111

ولم يجب آدم في حال دعوته ... نعم ولم يك قابيل وهابيل فسيّد الرّسل حقّا لا خفاء به ... وشافع في جميع النّاس مقبول بثّت نبوّته الأخبار إذ نطقت ... فحدّثت عنه توارة وإنجيل أضاء هديا وجنح الكفر معتكر ... ووجه حقّ وسرّ الشّكّ مسدول وقد أوجز ابن الساعاتي في مدحه القصير لرسول الله ﷺ ما فصّله غيره في قصائد طوال، فبدأ بذكر صفات رسول الله ﷺ الدينية، ثم تحدث عن مكانته عند ربه بالحقيقة المحمدية، وذهب إلى أن رسول الله ﷺ هو علّة الكون وسبب وجوده، وأنه سيد المرسلين والشافع في جميع الناس، وأن الكتب السماوية بشّرت بنبوته، وأنه هدى الناس ونقلهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان. ولا يفوتنا أن نذكر هنا النحوي الذي أكثر من نظم الشعر، وهو ملك النّحاة الحسن ابن صافي «١» ، الذي ترك ديوانا من الشعر فيه عدة قصائد من المديح النبوي، يقول في إحداها مازجا بين القيم التقليدية في المدح والقيم الدينية. لله أخلاق مطبوع على كرم ... ومن به شرّف العلياء والكرم أغرّ أبلج يسمو عن مساجلة ... إذا تذوكرت الأخلاق والشيّم يا من رأى الملأ الأعلى فراعهم ... وعاد وهو على الكونين يحتكم يا من له دانت الدّنيا وزخرفت الأخ ... رى ومن بعلاه يفخر النّسم علوت عن كلّ مدح يستفاض فما ال ... جلال إلّا الذي تنّحوه والعظم على علاك سلام الله متّصلا ... ما شئته والصّلوات تبتسم «٢»

стр. 112

وإذا كنّا قد تحدثنا عن مسيرة فن المديح النبوي في المشرق العربي، فهذا لا يعني أن المغرب العربي كان لا يعرف هذا الفن، ولم ينظمه شعراؤه، بل ربما سبق المغاربة المشارقة إلى هذا الفن، لأننا نجد عندهم قصائد كاملة في مدح رسول الله ﷺ ، متقدمة زمنيا على ما نجده عند المشارقة، ولسنا هنا في معرض البحث عن أوّلية هذا الفن، ومن الذي بدأه، وفي أي قطر من الأقطار العربية الإسلامية ظهر بادئ ذي بدء، لأن هذا الأمر يظل تخمينا وعرضة للخطأ بسبب فقدان قسم كبير من الشعر العربي ودواوين الشعراء، وخاصة تلك التي ترجع إلى القرون الأولى من عمر الدولة العربية الإسلامية، ولا أظن أن فائدة كبيرة ترجى من معرفة أوّل من نظم المديح النبوي بعد عصر النبي الأمين، وفي أي مكان كان ظهور هذا الفن على الشكل الذي ساد بعد ذلك، وإنما نحاول ذلك تقريبا، من خلال استعراض التراث العربي في عصوره المتتابعة لنبيّن ملامح تطور هذا الفن إلى أن وصل إلى الدولة المملوكية. فنجد مثلا لابن حبيب، عبد الملك السلمي «١» ، الذي توفي سنة (٢٣٨ هـ) قصيدة يذكر فيها رسول الله ﷺ في معرض حديثه عن زيارته للمدينة المنورة، فيقول: لله درّ عصابة صاحبتها ... نحو المدينة تقطع الفلوات حتى أتينا القبر قبر محمّد ... خصّ الإله محمّدا بصلاة خير البريّة والنّبيّ المصطفى ... هادي الورى لطرائق الجنّات لمّا وقفت بقربه لسلامه ... جادت دموعي واكف العبرات صلّى الإله على النّبيّ المصطفى ... هادي البريّة كاشف الكربات «٢»

стр. 113

والملاحظ أن في هذه القصيدة مدحا للنبي الكريم، فهو خير البرية وهاديها، وإن كان هذا المدح قد جاء في أثناء الإشادة بالمدينة المنورة ومعاهدها، وخاصة روضة رسول الله ﷺ وقبره وحجرته، فالشاعر لم يقصد أن ينظم قصيدة في مدح النبي الكريم، لكن رؤيته لمعاهد المدينة المنورة أثارت عواطفه الدينية، فتحدث عنها شعرا، وكان لا بد له من أن يذكر ساكن هذه المعاهد ومشرفها ﵊. وفي العصر الذي نستعرضه، نجد المديح النبوي منتشرا في المغرب العربي، وبأشكال مختلفة، منها القصائد العشرينيات التي يمدح بها الشاعر النبي الأمين، وتتألف كل قصيدة من عشرين بيتا، وعدد القصائد بعدد حروف الهجاء، مرتبة على ترتيبها، ومن هذه القصائد العشرينيات ديوان لأبي زيد الفزازي «١» ، روي عنه في المسجد الحرام سنة (٦٢٤ هـ) . وقد خمّس الديوان كاملا أبو بكر محمد بن المهيب المغربي. وعند تجريد إحدى قصائد الديوان من التخميس، جاءت على النحو التالي: بيثرب نور للنّبوّة لا يخبو ... تشارك في إدراكه الطّرف والقلب بكلّ كتاب للنّبيّين نعته ... وقد مرّ ما قال النبيّون والكتب بشير نذير موثر متعطّف ... له الدّيمة الهطلاء والعطن الرّحب بواطنه نور ظواهره هدى ... فلا هديه يخفى ولا نوره يخبو بنى قبّة الإسلام فوق دعائم ... من الخمس في أفيائها العجم والعرب «٢»

стр. 114

فالشاعر جمع في قصائده كل ما يقال في المديح النبوي، وذهب في مدح النبي الكريم مذاهب عدة من الحديث عن إرهاصات النبوة إلى ذكر أوصافه وفضائله الدينية والدنيوية مرورا ببيان أثره في الناس وموقعه بين الرسل الكرام. إن الاهتمام بالشكل الشعري والبحث عن التميز من خلاله يعني أن المديح النبوي عند الشاعر قد وصل إلى مرتبة متقدمة وأن سابقيه قد أفاضوا القول فيه ولذلك لجأ إلى الشكل لعلّه يجد فيه ما يظهره بين غيره من الشعراء، فالمضمون عنده قد انتهى إلى ما لا مزيد عليه. ويظهر من قصائده أن القيود التي قيّد الشاعر نفسه بها قد كلّفته من الصنّعة شططا، وجعلته يقترب من النظم المجرد الذي يخلو من روح الشعر، فجاء مخمّس الديوان ليعطي لهذا الشعر شيئا من الحيوية مستفيدا من المعنى والوزن، مضيفا إلى المعنى مالديه من مشاعر وأفكار، أو ليكمل المعنى ويوضحه في الشعر الأصلي، ومن أمثلة ذلك تخميس القصيدة الهمزية الذي جاء على النحو التالي: له رتبة فوق السّماكين قد سمت ... وكفّ ندى تحكي السّحاب متى همت وآي هدى بالأمر والنّهي أحكمت ... إذا عدّدت للرّسل آي تقدّمت فاي رسول الله أجلى وأضوأ هو المصطفى المحبوب طبعا وقربة ... تقدّس ذاتا ثمّ قبرا وتربة أقول وأعنيه هوى ومحبّة ... أحبّ رسول الله شوقا وحسبة لعلّي غدا عن حوضه لا أحلأ «١» وبدا أن صاحب التخميس يحاول في عمله أن يضيف معاني جديدة إلى معاني القصيدة الأصلية، وأن يوجه المعنى أحيانا وجهات أخرى غير التي وضعت لها في

стр. 115

القصيدة، فقد تمثّل معاني القصيدة ودمجها فيما يريد قوله، فظهرت وكأنها من إنتاج قريحته في مجملها، وقد أعطى التخميس للقصيدة حركة، وكسر رتابة الوزن وأسر القافية الواحدة، فصارت أقرب إلى الإنشاد في مجالس الذكر. وفي هذا العصر ظهرت في المغرب، وفي وقت مبكر، قصيدة فريدة في بابها، هي القصيدة الشقراطيسية التي نظمها أبو محمد عبد الله بن زكريا الشقراطيسي «١» ، وهي قصيدة طويلة، نظم فيها الشاعر سيرة رسول الله ﷺ وبدأها بقوله: الحمد لله منّا باعث الرّسل ... هدى بأحمد منّا أحمد السبّل خير البريّة من بدو ومن خضر ... وأكرم الخلق من حاف ومنتعل توراة موسى أتت عنه فصدّقها ... إنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل «٢» فالشاعر أضرب عن المقدمات، ودخل مباشرة في المديح، وأظهر منذ بداية القصيدة أنه يريد أن يقول ما يستطيع نظمه من سيرة الرسول الكريم، لذلك استحالت القصيدة إلى جمع للأخبار والروايات، وقسرها صاحبها على الدخول في قالب النظم، فظهر أثر ذلك واضحا منذ البداية. وشرع في نظم المعجزات نظما خالصا، لم يتدخل فيه، ولم يضف عليها مشاعره، حتى إذا حشد من المعجزات ما ارتاح إلى وجوده في قصيدته، التفت إلى السيرة وأحداثها، فنظم منها ما شاء، وبعد أن نظم السيرة، واكتفى بما نظم، التفت إلى صاحب السيرة العطرة، فشرع في مدحه قائلا: حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا ... وملت بالخوف عن خيف وعن ملل

стр. 116

وأصبح الدّين قد حفّت جوانبه ... بعزّة النّصر واستعالى على الملل تعرّقت منه أعراق العراق ولم ... يترك من التّرك عظاما غير منتثل «١» لم يبق للفرس ليث غير مفترس ... ولا من الحبش حبش غير منجفل وما أن يفرغ من الإشادة بما حققه رسول الله ﷺ من انتصارات، وبما حققه المسلمون من فتوحات حتى يتوجه إلى الرسول الكريم متشفعا فيقول: نحلتك الودّ عليّ إذ نحلتكه ... أحبى بفضلك منه أفضل النّحل ولولا هذه الخاتمة التي يظهر فيها الشاعر لما اختلفت القصيدة في شيء منها عن المتون العلمية، وعن المنظومات التعليمية، فليس للشعر في هذه القصيدة نصيب كبير، خاصة مع طغيان الصنعة الثقيلة عليها. وقد اقتدى كثير من الشعراء، والعلماء منهم خاصة، بهذه القصيدة فأصبحت مدائحهم في رسول الله ﷺ منظومات تسرد سيرة الرسول الأمين ومعجزاته. وهكذا يظهر لنا بوضوح أن فن المديح النبوي قد تكامل في هذا العصر، وانتشر في جميع الأقطار العربية، وتعددت مذاهبه وطريقة تناوله، وافتن الشعراء في شكل القصيدة وأسلوبها. وقد بدأ هذا الفن على عهد الرسول الكريم، فمدحه الصحابة بقصائد أضحت مثالا يحتذى للشعراء فيما بعد، لكن المديح النبوي في حياة الرسول الأمين لا يدخل ضمن المدائح النبوية التي ضمّها هذا الفن، فهي قيلت في حياته، وهو موجود يسمع ويكافئ، فالعبرة في فن المديح النبوي أنه قيل بعد وفاته ﷺ بزمن طويل، وهنا جاءت المفارقة في مديح الميت، وفي أسباب هذا المديح وأهدافه.

стр. 117

وفي العصر الراشدي والأموي لا نقع على قصائد خاصة في المديح النبوي، وكان ذكر رسول الله يأتي في قصائد الفخر أو في معرض المقارنة، أو في قصائد التشيع، وخاصة عند الكميت بن زيد الأسدي. وظل ذلك ساريا على الدور الأول من العصر العباسي، وزاد لحرص الخلفاء على صفتهم الدينية، وعلى ارتباطهم برسول الله ﷺ ثم ظهرت مقطوعات خالصة للمدح النبوي، تبعتها قصائد كاملة، كانت في بدايتها معارضة لقصائد قيلت في حياة رسول الله ﷺ ، وشهد هذا العصر ظهور كثير من فنون القول التي أضحت بعد ذلك من أجزاء المدحة النبوية. أما في العصر الفاطمي والأيوبي، فقد تكاملت المدحة النبوية، ووصلت إلى العصر المملوكي على جانب كبير من النضج الفني، حيث استقر هذا الفن وشاع شيوعا كبيرا، وظهرت فيه القمم، والدواوين المنفردة الكثيرة، والشعراء الذين وقفوا حياتهم وفنهم على النظم فيه، والتفت إليه النقاد، يحاولون وضع قواعد ثابتة له.

стр. 118

الفصل الثاني حدود المديح النبوي القسم الأول- الشعر التقليدي: قلنا إن الشعر الذي مدح به الرسول ﷺ في حياته، لا يعد من المديح النبوي الذي ندرسه، هو مديح نبوي لأنه قيل في النبي وأثاب عليه، لكنه لم يكن يقصد به أن يكون فنا شعريا مستقلا، وإنما مدح به الرسول قبل أن يتضح في أذهان معظم الشعراء مفهوم النبوة، فبقي مدحهم له في جله- مدحا تقليديا يقارب ما يمدح به سادة القوم وعظاماؤهم، فكان مدار المدح هو القيم التي تواضع الناس على تعظيمها وتقديرها في الجاهلية، والتي استمرت في الإسلام بمفاهيم جديدة ومنطلقات اجتماعية إنسانية، فجاء معظم هذا المدح يصحّ أن يقال في غير النبي، ولم يميّزه عن باقي الناس كما هو في الحقيقة. ومن ناحية ثانية فإن الشعر الذي مدح به النبي في زمن البعثة، وإن تطرق للمعاني الدينية، وتوجه إلى الرسول لكونه نبيا، فهو يفترق عن باقي المديح النبوي، لأنه قيل قبل أن ينتقل الرسول الكريم إلى جوار ربه، فلم تتم له المفارقة بين المديح والرثاء، وكانت دواعيه حية حاضرة، تختلف عن دواعي المديح النبوي الذي جاء بعد ذلك، والذي قصد به الشعراء النبي ﷺ بعد وفاته بقرون عدة، والذي أضحى فنا أدبيا قائما بذاته، له أصوله وقواعده. ويمكن أن يلحق بهذا الضرب من المديح النبوي شعر الشعراء الذين مدحو النبي بعد وفاته، والذين لم يتجاوزوا في مدحه ما تواضع عليه الناس في مدح السادة والقادة، فكانت جل معانيهم مما يقال في أي إنسان، وليست مما يختص به سيد الناس وهاديهم.

стр. 119

ولذلك كان لا بد من تميّز هذا اللون من المديح النبوي، والإشارة إليه، لنخلص بعد ذلك إلى المفهوم السائد في العصر المملوكي للمدحة النبوية، والذي جعلها تتميز عن غيرها من قصائد المديح. لقد مرّ معنا عند الحديث عن الشعر الذي مدح به الرسول ﷺ في حياته أمثلة كثيرة تذهب في مدح الرسول مذهبا تقليديا، لا نجد فيها أثر للدين الجديد، أو نجد أثرا باهتا لا يتعدى المفردات التي علقت بأذهان الشعراء عن رسول الله ﷺ ، ومما جاء به القرآن الكريم، وظل النهج الجاهلي هو السائد في أساليب الشعراء ومعانيهم، لأنهم ظلوا على تقاليدهم الفنية الجاهلية، ولم يسعفهم الوقت لتتم داخل نفوسهم عملية التغيير والانفعال بالوضع الجديد الذي خلقه الإسلام، لذلك لا نجد عندهم قصائد كثيرة توازي في سويتها الفنية ما كان عندهم قبل البعثة، فقد أدخلت عملية التغيير الارتباك والحيرة إلى نفوسهم فهم لا يدرون كيف يخاطبون النبي ﷺ ، وليس لهم عهد بمخاطبة الأنبياء، وليس بين أيديهم تراث من ذلك القبيل. وإذا كان لشعراء زمن البعثة ما يسوّغ لهم التقليدية في مدح رسول الله، فإن من جاء بعدهم، وعاش الإسلام منذ الصغر، وتشبّع بمبادئه، لا يوجد ما يسوّغ لهم التأكيد على القيم التقليدية في مدح الرسول الكريم، ففي العصر المملوكي الذي ذهب فيه الشعراء بالمدح النبوي كل مذهب، لم تختف القيم التقليدية من المدحة النبوية، وظل الشعراء يرددون في مدح الرسول ﷺ ما كان يمدحه به الشعراء المخضرمون في حياته، وقد خلطوا القيم التقليدية بالمفاهيم الدينية التي تشعبت على عهدهم وفق مذهب الشاعر الديني، وكانت نسبة المعاني التقليدية تقل وتكثر حسب ثقافة الشاعر وموقعه ومذهبه الديني، وتتفاوت من قصيدة إلى أخرى، تطغى القيم التقليدية أحيانا، فيستحيل المدح في معظمه تقليديا، لا يتعدى القيم الحياتية الدنيوية التي يمدح بها الشعراء السادة والعظماء، وتختفي أحيانا أخرى، فتكون الصبغة الدينية هي التي تصبغ المدحة كلها.

стр. 120

لذلك لا نعجب إن وجدنا مدحا لرسول الله ﷺ من مثل قول الشهاب محمود «١» : زان عبد الله لا بل هاشما ... بل قريشا كلّها بل مضرا فلذا إن ذكروا الفخر به ... لم يطق غيرهم أن يفخرا «٢» فجعل الرسول الأمين مبعث فخر للهاشميين والقرشيين ومضر كلها، وإذا صح ذلك لهم فإن رسول الله ﷺ بعث للناس كافّة، ويحق لكل مؤمن به أن يفخر به وباتباع هديه وسنته. وحين يمزج الشاعر بين القيم التقليدية في مدح رسول الله ﷺ والقيم الدينية، فإنه يوازن بينها ويخضعها جميعا لغرض المديح، ويرقى بها إلى مقام الممدوح السامي، فلم تعد القيم التقليدية التي اصطلح الناس على المدح بها تحمل الدلالات نفسها حين يمدح بها شخص آخر غير رسول الله ﷺ ، لكن بعض الشعراء لم يستشعروا هذا الأمر، وكأنهم يؤدّون ما يجب اتجاه سيد البشر حين يحشدون الصفات حشدا، وحين يبالغون في المعاني التقليدية. والشعراء من قبلهم وصلوا في المبالغة إلى ما لا مزيد بعده في مدح ممدوحيهم. والعجب كله من شعراء عرفوا بالتصوف، فكانت قصائدهم نفحات روحية، واستغراقا وجدانيا في حب الله- وفي الهيام برسوله ومقدساته، ثم يأتون بعد ذلك في مدح الرسول بمثل ما مدحه به البرعي في قوله: مهذّب قرشيّ الأصل يشرف عن ... حام وسام وعن روم وأتراك

стр. 121

جلالة ملئت جودا ومرحمة ... من ماجد لدم الطّاغين سفّاك غضبان تحت ظلال السّمر ممتلئا ... بأسا وعند عبوس الدّهر ضحّاك أغنى وأقنى وأحيا دين أمّته ... بصولة بثّها في كلّ معراك والحرب قامت على ساق به وسمت ... إذ قام منتقما من كلّ أفّاك فاتوا فأدركهم بالسّيف منتصرا ... فما يفيقون من فوت وإدراك «١» وحتى حين يمدح بعض الشعراء الرسول بمعان دينية، فإنهم يتبعون أسلوبا تقليديا، لا يوحي بمقصد الشاعر، فعبد الله بن أسعد اليافعي «٢» ، مدح الرسول بقصيدة طلب فيها شفاعته لكنه عبر عن هذا الطلب بطريقة القوم في طلب العطاء، فقال: ألا يا رسول الله يا أكرم الورى ... ومن جوده خير النّوال ينيل ومن كفّه سيحون منها وجيحن ... ودجلة تجري والفرات ونيل مدحتك أرجو منك ما أنت أهله ... وأنت الذي في المكرمات أصيل فيا خير ممدوح أثب شرّ مادح ... عطا مانح منه الجزاء جزيل «٣» إن مدح رسول الله ﷺ بالقيم التقليدية لم ينقطع حتى يومنا هذا، فالشعراء لا زالوا يستحضرون سيرة الرسول الأمين ووصفه، فيشيدون بمناقبه ويثنون على خصاله الحميدة، ويفخرون بأفعاله المباركة، إلا أن هذا المدح ينطلق من منطلق ديني وإن كان التعبير عنه تعبيرا تقليديا، وخاصة أن رسول الله ﷺ أكّد على بشريته وإنسانيته، وضرب

стр. 122

للناس المثل الأعلى في كرم الأخلاق، وأقرّ من القيم العربية ما وافق روح الإسلام، وهذّبها وأعطاها مفهوما جديدا، فلا عجب حين يمدح الشعراء رسولهم الكريم بمثل هذه القيم، لأنها عنده تأخذ أبعادا جديدة، وتشع بالتقوى والقداسة، وهم يفعلون ذلك لرسوخ التقاليد الفنية في نفوسهم، ولأنهم يريدون ممن حولهم أن يقتدوا بالجانب الإنساني والأخلاقي من شخصية الرسول العظيمة ولتشيع محاسن الأخلاق بين الناس، والتي أكد رسول الله أنه جاء ليتمها «١» ، وأنه يريد للإنسانية خير الدنيا والآخرة، وأن الإسلام ليس دين عبادة فقط، بل هو دين عبادة ودين حياة. ولا يسعنا إلا أن نقر بروعة ما مدح به الرسول الكريم على هذه الطريقة، وخاصة ما مدح به في حياته وهو لا شك، لون من ألوان المديح النبوي، إلا أن تشابهه مع ما مدح به غير رسول الله ﷺ ، يجعلنا نزحزحه قليلا عن بقية المدح النبوي، الذي أخذ صورة أخرى تقرب من هذا الشعر حينا، وتبتعد حينا آخر. ولم يكن شعراء زمن البعثة يرمون من وراء مديحهم للنبي ﷺ أن يكون هذا المديح متميّزا، وفنا قائما بذاته، ولم يكن مديحهم مديحا دينيا محضا، وإن ظهرت فيه السمات الدينية، في حين أن المدائح النبوية هي شعر ديني خالص، امتزج بنفس الشاعر وبما انعكس من أحوال العصر عليها. القسم الثاني- مدح آل البيت: ظهر الانحياز لآل البيت والتحزب لهم في وقت مبكر من عمر الدولة العربية الإسلامية، ويمكن أن يعد الشيعة أول فئة سياسية دينية في الإسلام، قالوا بتفضيل آل البيت عامة وأبناء علي بن أبي طالب وفاطمة- ﵃ خاصة، وبأحقيتهم في

стр. 123

الخلافة، لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، ولهم فضلهم وسبقهم إلى الإسلام، فعلي بن أبي طالب كفله الرسول الكريم، وتربّى في حجره، وآمن به وهو طفل، ورافق النبي الكريم في مراحل الدعوة كافة، وكانت له المواقف العظيمة في نصرة الإسلام ونبيه، وتزوج فاطمة ابنة رسول الله، وأنجب منها شابين، هما سبطا رسول الله، وكان على جانب عظيم من العلم والعقل والإيمان ومحاسن الأخلاق والشجاعة، فكان أهلا للخلافة، ولذلك فضّله قسم من المسلمين على غيره من الصحابة- رضوان الله عليهم-، وقدموه عليهم في أحقية الخلافة. وقد ورد في القرآن الكريم ما يشيد بذوي القربى، من ذلك قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٤٢/ ٢٣] ، وقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣/ ٣٣] . وإن ورد في صحيح البخاري تفسير للآية الأولى، يبعدها عن التشيع، فروي عن ابن عباس- ﵄ «إلا المودة والقربى، قال: فقال سعيد بن جبير: قربى محمد ﷺ ، فقال: النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا وله فيه قرابة» «١» . ويضاف إلى ذلك ما يذهب إليه الشيعة من أن رسول الله أوصى بالخلافة بعده لعلي صراحة، ويوردون في ذلك حديث الغدير، والوصية الصفراء، وحديث أهل العباء، وغير ذلك من الأحاديث التي تنص على تفضيل علي وأهل بيته، وحقهم في إمامة المسلمين. ومعظم هذه الأحاديث لم ترد في كتب الحديث المعروفة، وإن جاءت بعض معانيها على نحو مختلف في غير كتب الصحاح، وما ورد في هذا الشأن في صحيح

стр. 124

مسلم ما رواه بسنده في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب، ومنه قول رسول الله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون بن موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» «١» . وأورد حديثا آخر نصه هو: «دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي» «٢» . وهذا الحديث هو الذي يدعونه حديث العباء، ويقولون إن رسول الله ﷺ أحاطهم بعباءته، فسموا أهل العباء. وورد في الصحيح أيضا خطبة غدير خم، وفيها يقول الرسول الكريم: «أنا تارك فيكم ثقلين: أو لهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ... وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي» «٣» . وجاء في مسند الإمام أحمد بعض الأحاديث التي تقترب من هذه الأحاديث، منها قول أحدهم «سمعت عليا وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله يوم غدير خم، وهو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلا، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله وهو يقول، من كنت مولاه، فعلي مولاه ... » وعقّب المحقق على هذا الحديث بقوله: «إسناده ضعيف» «٤» . وجاء في المسند أيضا حديث عن علي يقول فيه: «والله إنه مما عهد إليّ رسول الله أنه لا يبغضني إلا منافق، ولا يحبني إلا مؤمن» «٥» . وما يوردونه حول وصية رسول الله لعلي لا نجد لها في كتب الصحاح ما يؤيده، فقد جاء في صحيح مسلم، كتاب الوصية، الحديث التالي: ذكروا عند عائشة أن عليا كان

стр. 125

وصيا فقالت: «متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه» «١» . وهكذا نشأ تيار يناصر أهل بيت رسول الله، ويتشدد في موالاتهم، تحول شيئا فشيئا إلى حزب سياسي ديني، فناوأ بني أمية وقاتلهم، وقاتل العباسيين، وظل ثائرا، يطالب بالخلافة، وخلال ذلك نشأ له تراث كبير من الفكر الديني، والأدب، تلوّن بألوان مختلفة، وتأثر بأفكار غريبة، وخاصة عند فرقه المتطرفة. فلا عجب إذا وجدنا شعرا يمدح به آل البيت على عهد الرسول ﷺ يجمع به الشعراء مدحهم إلى مدحه، حتى إذا انتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه، وتباينت آراء المسلمين في خلافته وانحاز بعضهم إلى علي- كرم الله وجهه- وجدنا مدح علي وآل رسول الله يزداد، ويظهر، مثل قول عامر بن واثلة، أبي الطفيل «٢» (له صحبة وتشيع) : إنّ النّبيّ هو النّور الذي كشفت ... به عمايات باقينا وماضينا ورهطه عصمة في ديننا ولهم ... فضل علينا وحقّ واجب فينا «٣» ويبدو أن مديح الرسول ومديح آله اقترنا كما يظهر في هذين البيتين، منذ وقت مبكر كما قلنا، وكما هو حاصل في صلاة المسلمين، فإذا كان المدح موجها للنبي ﷺ وذكر فيه آل البيت، فهو مدح نبوي، أما إذا كان موجها لآل البيت وذكر فيه الرسول ﷺ فهو يخرج عن إطار المديح النبوي، ومن هنا جاء التفريق بين مديح آل البيت ومديح النبي، على الرغم من أن بعض الباحثين لم يفرقوا بين هذين اللونين من المديح، وعدوا

стр. 126

مديح آل البيت من المديح النبوي، لأنّ النبي ﷺ علة تفضيلهم ومدحهم، بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى نظر، لأن الشعراء الذين توجهوا إلى آل البيت بالمدح، لم يكن غرضهم مدح رسول الله ﷺ ، وإنما جاء ذكره في هذا المدح، لأن آل البيت ينتسبون إليه، ولأن غاية ما يمدحون به هو علاقتهم بسيد الوجود، ولذلك نجد الشيعة من الشعراء أقل الشعراء مدحا لرسول الله ﷺ وكأنهم اكتفوا بمدح آله، وعدّوا ذكره فيه مكافئا لمدحه منفردا، ومن هنا جاء التباين بين هذا الشعر وبين المدائح النبوية. ولذلك لا يمكننا أن نعد القصائد التي مدح بها آل البيت من المديح النبوي، ففي الغالب تكون قصائد الشيعة دفاعا عن حق آل البيت في الخلافة، وتفضيلهم على من سواهم، وانتصارا لتوجه ديني، يضفي على آل البيت القداسة والصفات النبوية، بعد أن كان مدحهم في البداية لا يتعدى إظهار مشاعر الحب لهم، كما قال أبو الأسود الدؤلي «١» : أحبّ محمّدا حبّا شديدا ... وعبّاسا وحمزة والوصيّا فإن يك حبّهم رشدا أصبه ... وفيهم أسوة إن كان غيّا «٢» وكان الصحابة والتابعون المتشيعون لعلي بن أبي طالب، يرون في نصرته نصرة لدين الله تعالى، ويرون في النهوض معه جهادا في سبيل الله، ويظهرون نحوه مشاعر الحب والإجلال، كما قال هاشم بن عتبة المرقال «٣» ، يذكر نفورهم إلى علي ﵇:

стр. 127

وسرنا إلى خير البريّة كلّها ... على علمنا أنّا إلى الله نرجع نوقّره في فضله ونجلّه ... وفي الله ما نرجو وما نتوقّع ونخصف أخفاف المطيّ على الوجا ... وفي الله ما نزجي وفي الله نوضع «١» وقد بيّن الشعراء أسباب التفافهم حول آل البيت، وأظهروا عواطفهم الدينية الممزوجة بتوجههم السياسي الذي يرمي إلى وصول آل البيت إلى الخلافة، والخلافة مقام ديني وسياسي في الوقت نفسه، وظل ذلك متداولا بين الشعراء الذين يميلون إلى التشيع أما الشعراء الذين لا يرون رأي الشيعة، فإنهم يمدحون آل البيت ويذكرون قرابتهم من رسول الله ﷺ ومكانتهم الرفيعة في الإسلام، مثل قول الفرزدق في زين العابدين: الله شرّفه قدما وعظّمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمّته دانت له الأمم مشتقّة من رسول الله نبعته ... طابت مغارسه والخيم والشّيم من معشر حبّهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كلّ بدء ومختوم به الكلم «٢» ومرّ معنا ما قاله الكميت في هاشمياته التي جادل فيها الأمويين في حق الهاشميين في الخلافة والتي أشاد فيها بال البيت، واتسع في ذكر رسول الله ﷺ اتساعا يسيرا. واستمر الشعراء في مدح آل النبي مدحا دينيا حينا ومدحا سياسيا حينا آخر، وقد نسب للإمام الشافعي شعر يشيد فيه بال البيت، وكأن الإمام الشافعي يردّ على من انتقص قدرهم، فيقول:

стр. 128

يا أهل بيت رسول الله حبّكم ... فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر أنّكم ... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له «١» وأوضح الإمام الشافعي موقفه الذي لا يفرق فيه بين الصحابة، ولا ينكر فضل أحدهم، فقال: إذا نحن فضّلنا عليّا فإنّنا ... روافض بالتّفضيل عند ذوي الجهل وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته ... رميت بنصب عند ذكري للفضل فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما ... بحبّيهما حتى أوسّد بالرّمل «٢» وهكذا أخذ الشعراء يمدحون آل النبي الكريم، ويذهبون في مدحهم كل مذهب، ويذكرون في مدحهم رسول الله ﷺ ، يتسعون في ذكره ويقتصرون، وهم في معظم شعرهم يقصرون هذا الذكر على قرابة آله منه، وافتخارهم بالانتساب إليه، ومن ذلك مدح محمد بن حبيب الضبي «٣» لعلي بن أبي طالب بقوله الذي اكتفى فيه بذكر وصية النبي لعلي فقط: وصيّ محمّد حقّا عليّ ... وقتّال الجبابر والقروم وخازن علمه وأبو بنيه ... ووارثه على رغم المليم شفاعته لمن والاه حتم ... إذا فرّ الحميم من الحميم ومن يعلق بحبل الله فيه ... فقد أخذ الأمان من الجحيم «٤»

стр. 129

ويدخل في هذا الباب الرثاء الحار الذي رثى به شعراء الشيعة آل البيت، والذين استشهدوا منهم خاصة، على يد خصومهم السياسيين من الأمويين وغيرهم، مثل قول دعبل «١» في قصيدته المشهورة: مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالرّكن والتّعريف والجمرات ديار عفاها جور كلّ منابذ ... ولم تعف للأيّام والسّنوات هم أهل ميراث النّبيّ إذا اعتزوا ... وهم خير قادات وخير حمات وإن فخروا يوما أتوا بمحمّد ... وجبريل والفرقان ذي السّورات «٢» واستمر تيار التشيع في الشعر على هذا النحو، يبدأ الشعراء ويعيدون في الإشادة بال النبي، ويتوسلون بهم، ويتشفعون، يشمل مدحهم الهاشميين جميعا حينا، ويقتصرون على آل علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة حينا آخر. وظاهر من كل ما تقدم أن مدح الرسول الكريم لم يكن هدف الشعراء الذين مدحوا آل البيت، وأن ذكر الرسول ﷺ اقتضاه مقام المديح، وهو من لوازمه التي يقوم عليها، ولولاه لما كان مديح آل البيت والإشادة بهم والاعتقاد بمكانتهم الدينية. وصار التشيع من التيارات البارزة في الشعر العربي، اختص به الشعراء الذين يرون رأي الشيعة، وتأثر به الشعراء الذين لا يذهبون مذهبهم، ودخلت تعابير الإشادة بهم في كتب الأدب، ومعاجم المعاني فالثعالبي أفرد التعابير التي تقال في آل النبي بفصل

стр. 130

خاص، وهذا يؤكد أن هذه التعابير صارت شائعة، وأنها أضحت من عدة الأديب، فقال مثلا في كتابه (سحر البلاغة) تحت عنوان (ذكر الآل) : «وعلى آله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا، أعلام الإسلام، وأمان الإيمان.. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وطهّرهم من الأدناس، وجعل مودتهم أجرا على الناس ... » «١» . وأورد أيضا في كتاب الممادح والأثنية ما يخص منها أبناء النبوة، فقال: «استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدي الرسالة، وتهدلت أغصانه عن نبعة الإمامة» «٢» . وظل الشعراء على عهد بني العباس يمدحون آل النبي بما تقدم، وظلوا على شيء من الاتزان في الحديث عنهم، لا يتعدون إظهار المحبة، والدعوة إلى تبجيلهم، وضرورة وصولهم إلى حقهم، ويهاجمون من يعاديهم مثل قول الصاحب بن عباد «٣» : أحبّ النّبيّ وآل النّبيّ ... لأنّي ولدت على الفطرة إذا شكّ في ولد والد ... فايته البغض للعتره «٤» لكن الغلو أخذ بالظهور عند شعراء الشيعة شيئا فشيئا، بعد أن أخذت الأفكار. الغريبة طريقها إلى الشيعة، والفرق المتطرفة منهم خاصة، فابن أبي الحديد يقول في قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ إنه علي بن أبي طالب «٥» . ويقول في النبي الكريم وعلي بن أبي طالب:

стр. 131

ولكنّ سرّ الله شطّر فيكما ... فكنت لتسطو ثم كان ليغفرا «والمعنى أن النبي ﷺ والأمير سرّان لله، فالنبي سرّ العفو، وعلي فيه سر الانتقام» «١» . ونسبوا إلى علي كرم الله وجهه معجزات عرفت لرسول الله ﷺ ، فقالوا: «ردّت الشمس له مرتين، مرة بالمدينة عند حياة الرسول ﷺ ، ومرة بالعراق بعد وفاته ﷺ » . ووصلوا في الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ إلى ما لا مزيد بعده، فقد عقب شارح القصائد السبع العلويات على قول ابن أبي الحديد: علّام أسرار الغيوب ومن له ... خلق الزّمان ودارت الأفلاك «٢» «روى الخوارزمي بإسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله تعالى من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، ولم يزل الله تعالى ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره في صلب عبد المطلب، ثم أخرجه من صلب عبد المطلب، وقسمه قسمين، قسما في صلب عبد الله، وقسما في صلب أبي طالب، فعليّ منّي وأنا منه» «٣» . وهذا الحديث ورد في كتب الأحاديث الموضوعة «٤» . فإلى هذا الحد أوصل غلاة الشيعة عليّا، وأحاطوا آله بهالة من القداسة، وخاطبوهم كما تخاطب الأنبياء، حتى إذا قامت الدولة الفاطمية، التي جعل خلفاؤها من أنفسهم أصحاب الحق الذين وصلوا إليه، وتبنّوا كل ما قيل عنهم منذ عهد الرسول

стр. 132

صلّى الله عليه وسلّم إلى عهدهم، وزادوا عليهم ببناء فلسفة تعطيهم القداسة المطلقة والعصمة، ولذلك يقول ابن أبي حصينة المعري «١» في مدح المستنصر الفاطمي: لولا بنو الزّهراء ما عرف التّقى ... فينا ولا تبع الهدى الأقوام يا آل أحمد ثبّتت أقدامكم ... وتزلزلت بعداكم الأقدام لستم وغيركم سواء، أنتم ... للدّين أرواح وهم أجسام يا آل طه حبّكم وولاؤكم ... فرض وإن عذل اللّحاة ولاموا «٢» وقد أفرط الشعراء الفاطميون في مدح خلفائهم، وجاوزوا بذلك الحد، وخلعوا عليهم صفات النبوة وأشركوهم فيما ذهبوا إليه من سبق الرسول الكريم بالخلق على كل الخلائق، وجعله علة الكون، ومصدر فيض الموجودات، وبدؤوا ذلك بتشبيههم بالنبي ﷺ في جلالته وهيبته، مثل قول الأجلّ في مدح المستنصر: جلالة هيبة هذا المقام ... تحيّر عالم علم الكلام كأنّ المناجي به قائما ... يناجي النّبي ﵇ «٣» وثنّوا بإشراك آل البيت للرسول ﷺ بالشفاعة، فتوسّلوا بحبهم للخلاص من الذنوب والعذاب، وفي ذلك يقول الأجلّ: معشر حبّهم وطاعتهم حص ... ن لنا من عذاب نار السّعير مدحهم في المعاد ذخري إذا أف ... لست من كلّ مقتنى مذخور «٤»

стр. 133

وبعد ذلك لم نعد نجد فرقا بين ما مدح به المادحون رسول الله ﷺ وبين ما مدح به شعراء الفاطميين خلفاءهم، فالمؤيد داعي الدعاة يمدح المستنصر بقصيدة، لولا القرينة لظننا أنه يمدح النبي الكريم بقوله: تزيّن مدح المادحين بذكره ... فعنه تبدّت مدحة وثناء إذا ما لواء الحمد زيّن أهله ... فأنت لمحمود اللّواء لواء تباهي بك الأرض السّماء حقيقة ... فأنت لمن فوق السّماء سماء «١» ثم دخل شعراء الفاطميين في غلوهم المستمد من العقيدة الفاطمية، وهذا الغلو هو ما قال به المتصوفة في النبي ﷺ ، وغيرهم، الذين يقولون بالحقيقة المحمدية، فالفاطميون هم أول من تجلى الله بهم واستجار بهم الأنبياء، وخدمتهم الملائكة، وفي ذلك يقول داعي الدعاة: هم الألى بهم تجلّى ربّنا ... لخلقه سبحانه «٢» ويظهر من شعر الفاطميين تأكيد على بيان مذهبهم، وجوانب عقيدتهم، فكان التفاتهم إلى مدح النبي ﷺ قليلا، ولولا ادعاء الفاطميين بالانتساب إليه ووراثته لما وجدنا عندهم هذه الالتفاتة العجلى، وحتى عند ما عادوا إلى الوراء، وتحدثوا عن علي ابن أبي طالب وفضائله وخلافته للرسول الكريم لم يزيدوا على ما ذكروه شيئا. فطلائع ابن رزيك الذي سرد في قصيدة له بعض أخبار علي، لم يزد في ذكر الرسول ﷺ على ما جاء به غيره، فقال: بال رسول الله ناجيت خالقي ... بصدق فينجي من نوب النّوائب وبوّاني منه أمانا موسّعا ... وقد كنت أخشى أن تسدّ مذاهبي

стр. 134

فمنهم إمام الحقّ حيدرة الذي ... أبان غموض المشكلات الغرايب عليه ترى الإجماع لا شكّ واقعا ... ولم تره بعد النّبيّ لصاحب وزوّجه الرّحمن بالطّهر فاطما ... وقد ردّ عنها راغما كلّ خاطب «١» ويتأكد من ذلك كله أن شعراء الفاطميين قد أخذوا بالعقيدة الفاطمية، ولم يلتفتوا إلى ما سواها، فأفرغوا قدراتهم في جلائها، ومدح الخلفاء الفاطميين وآل البيت، وكان من الطبيعي أن يمدحوا مدار فخرهم وعلة تفضيلهم، وهو الرسول العظيم، لكنهم لم يفعلوا، وظل الأمر عندهم يرد عرضا دون قصد إليه. ويؤكد هذا الاتجاه طلائع بن رزيك الذي وصل إلى مرحلة نظم الروايات والأحاديث التي تؤكد وصية النبي لعلي بن أبي طالب، لكنه لم يخص رسول الله ﷺ بالمدح ما خص به عليّا، فقال في إحدى قصائده: ويوم (خمّ) وقد قال النّبيّ له ... بين الحضور وشالت عضده يده من كنت مولى له هذا يكون له ... مولى، أتاني به أمر يؤكّده من كان يخذ له فالله يخذله ... أو كان يعضده فالله يعضده نادى بأعلى العلا جبريل ممتدحا ... هذا الوصيّ وهذا الطّهر أحمده وفي الفرات حديث إذ طغى فأتى ... كلّ إليه لخوف الهلك يقصده قالوا: أجرنا، فقام المرتضى فرحا ... بالفضل والله بالإفضال مفرده وقال للماء غض طوعا فبان لهم ... حصباؤه حين وافاه يهدّده «٢»

стр. 135

ويظهر أنه أراد بسرد هذه الروايات أن يثبت ما لعليّ من كرامة ومعجزات تشابه معجزات الأنبياء، ويؤكد وصول علي إلى مرتبة الأنبياء حين يجعل قصده مثل الحج، وحين يجعله علة قبول العبادات والطاعات، في قوله: فلولا أنت لم تقبل صلاتي ... ولولا أنت لم يقبل صيامي عسى أسقى بكأسك يوم حشري ... ويبرد حين أشربها أوامي «١» فأين ذكر رسول الله في هذا الشعر؟ لا نجده، لأن شعراء الفاطميين كدّوا أذهانهم للإحاطة بعقائدهم وغيبياتهم التي جعلت من الخلفاء تجسيدا للسر الإلهي أو للجوهر الفرد، كما قال عمارة اليمني حين ردّ على أحد الشعراء الذي ذمّ الدولة الفاطمية: والجوهر الفرد نور ليس يعرفه ... من البريّة إلّا كلّ من عرفا لولا تجسّمه فيهم لكان على ... ضعف البصائر للأبصار مختطفا «٢» لذلك أظهر الشعراء عجزهم عن الإحاطة بفضائل الفاطميين، وهذا المعنى تناقله شعراء المدائح النبوية الذين وجدوا أنفسهم مقصرين في كل ما يقولونه عن رسول الله ﷺ ، فهذا عمارة اليمني يخاطب العاضد قائلا لا يبلغ البلغاء وصف مناقب ... أثنى على إحسانها التّنزيل شيم لكم غرّ أتى بمديحها ال ... فرقان والتّوراة والإنجيل سير نسخناها من السّور التي ... ما شانها نسخ ولا تبديل «٣» ولم يكتف عمارة بقوله إن القرآن مدح الفاطميين، بل زاد على ذلك ورود مدحهم

стр. 136

في التوراة والإنجيل، وهذا ما يذهب إليه المؤلفون في دلائل النبوة، وفي أن الكتب السماوية بشّرت بمبعث رسول الله ﷺ ، وهذا ما ردّده شعراء المدائح النبوية بعد ذلك. لكن هذا التوجه لم يكن عند الشعراء الفاطميين جميعا، فكان بعضهم يؤكد في مدحه على التوجه السياسي والديني، ويشير إلى علاقتهم برسول الله ﷺ ، من مثل قول ظافر الحداد في الآمر: لأنت وارث ملك الأرض قاطبة ... ومدّعيه سواك الغاصب العادي وسوف تكمل ما استوجبت حوزته ... بمنزل الوحي لا أخبار آحاد بجند نصرك فرسان ملائكة ... لا ما يرى النّاس من خيل وأجناد بها أمدّ أباك الله في أحد ... وفي حنين وبدر أيّ إمداد فأنت للخلق روح ظاهر وبه ... يحيا ولو لاك أضحى رمّ أجساد «١» ويوضح هذا التوجه ابن سناء الملك «٢» حين طلب الشفاعة من الخليفة الفاطمي، لكنه جعله واسطة بينه وبين صاحب الشفاعة، رسول الله ﷺ فقال: يا ابن النّبيّ عسى في البعث تبعث لي ... من عند جدّك عتقا لي من النّار «٣» وقد تأثر الشعراء الذين لا يتشيّعون بهذا التوجّه في مدح آل البيت، وظلوا يذكرونهم بعد القضاء على الدولة الفاطمية، مثل قول البوصيري فيهم:

стр. 137

فقل لبني الزّهراء والقول قربة ... يكلّ لسان فيهم أو قصائد أحبّكم قلبي فأصبح منطقي ... يجادل عنكم حسبة ويجالد وهل حبّكم للنّاس إلّا عقيدة ... على أسّها في الله تبنى القواعد وإنّ اعتقادا خاليا من محبّة ... وودّ لكم آل النّبيّ لفاسد «١» وظل ذكر آل البيت في الشعر المملوكي سائرا، ومدحهم موجودا في المدائح النبوية وسواها، وخاصة حين يقصد الشاعر أحد الهاشميين مادحا، فإنه لا يجد مدحا لهم أكثر من انتسابهم إلى رسول الله ﷺ وربما أضاف إلى ذلك ما تسرّب إليه من شعراء الدولة الفاطمية، أو ما كان يمدح به الهاشميون قبل عصره، فالجزار «٢» الشاعر المملوكي مثلا، يقول في مدح الشريف تقي الدين بن ثعلب: ليت شعري أيقظة أم مناما ... نظرت مقلتاي هذا المقاما وقفتني ببيت من كانت الأم ... لاك قدما لبيته خدّاما ببني جعفر ابن عمّ رسول الل ... له أرجو من الخطوب اعتصاما طالما جاءهم من الله جبري ... ل فأهدى تحيّة وسلاما «٣» واستمر الاحتفال بيوم عاشوراء يجدد ذكرى أليمة لكل المسلمين، وليس للشيعة منهم فقط، فكان هذا اليوم يعيد إلى أذهان الناس استشهاد الحسين- ﵁ وقتله مع آل بيته شر قتله، وهذا أمر مستنكر من المسلمين جميعا، بل إن قتل أي مسلم

стр. 138

فاضل أمر يستنكره المسلمون، فكيف بقتل الحسين، سبط رسول الله ﷺ على هذه الصورة التي نقلتها كتب التاريخ، لذلك نجد الشعراء أمثال أبي الحسين الجزار يسارعون إلى التعبير عما يثيره هذا اليوم في النفس، فهو يقول: ويعود عاشوراء يذكّرني ... رزء الحسين فليت لم يعد أمّا وقد قتل الحسين به ... فأبو الحسين أحقّ بالكمد «١» ويقول أحد شعراء دمشق في هذا اليوم، وقد وقع به مطر غزير: يوم عاشوراء جادت بالحيا ... سحب تهطل بالدّمع الهمول عجبا حتى السّماوات بكت ... رزء مولاي الحسين ابن البتول «٢» وإذا نظرنا إلى شعراء المديح النبوي، وجدنا أنهم لم ينسوا ذكر آل البيت في أشعارهم، يشركونهم في المديح مع رسول الله ﷺ ، لكن هذا المدح لم يكن مقصودا لذاته، وإنما يستدعيه مدح الرسول الكريم واستذكار سيرته أو عند ما يصلون على النبي. فإن الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على آله، ولهذا نجد البوصيري أشهر مدّاح النبي يقول في إحدى نبوياته: ريحانتاه على زهر الرّبا زهتا ... فما لقلبي وذكر البان والأثل ريحانتاه من الزّهراء فاطمة ... خير النّساء ومن صنو الإمام علي إذا امتدحت نسيبا من سلالته ... فهو النّسيب لمدحي سيّد الرّسل «٣» ولا نعدم عند شعراء المديح النبوي قصائد خاصة يفردونها لمدح آل البيت، فإن

стр. 139

محبة آل البيت في القلوب، والتعاطف معهم على أشده، لأنهم على فضلهم ومكانتهم، لم يقيض لهم أن يصلوا إلى حقهم، وظلوا زمنا طويلا عرضة للإضطهاد، فلم يبق لهم في عهد المماليك حول ولا قوة، فهل أقل من مدحهم والإشادة بهم، يقوله شاعر لإنصافهم، ويخفي وراء مدحهم نزعته العربية، فلا يعترضه معترض، ولا يأخذه الأتراك بقوله؟ ومن هؤلاء الشعراء الذين مدحوا آل البيت شاعر يدعي الأسنائي «١» ، نظم في مدحهم قصيدة اشتهرت في عصره، يقول فيها: يا أهيل الحيّ من نجد عسى ... تجبروا قلب أسير من جراح فهو لاح لأولي آل العبا ... معدن الإحسان طرّا والسّماح آل طه لو شرحنا فضلهم ... رجعت منّا صدور في انشراح جدّكم أشرف من داس الثّرى ... في مقام وغدو ورواح وأبوكم بعده خير الورى ... فارس الفرسان في يوم الكفاح «٢» وأشهر من تشيع من شعراء المديح النبوي في العصر المملوكي هو صفي الدين الحلي، الذي نظم عدة قصائد في مدح علي بن أبي طالب وآل البيت، واعتمد في تفضيل علي على ما جاء من أحاديث وروايات تنص على تفضيل رسول الله ﷺ له فقال فيه: فو الله ما اختار الإله محمّدا ... حبيبا، وبين العالمين له مثل

стр. 140

كذلك ما اختار النّبيّ لنفسه ... عليّا وصيّا، وهو لا بنته بعل وصيّره دون الأنام أخا له ... وصنوا، وفيهم من له دونه فضل وشاهد عقل المرء حسن اختياره ... فما حال من يختاره الله والرّسل «١» وقد يشتد في مدحه، فيمدحه مثلما يمدح الأنبياء، ولولا أنه ذكر سابقا أن عليّا يأتي بعد الرسول ﷺ لظننا أنه يمدح النبي في قصيدته التي جارى فيها المدائح النبوية والتي قال فيها: جمعت في صفاتك الأضداد ... فلهذا عزّت لك الأنداد زاهد، حاكم، عليم، شجاع ... ناسك، فاتك، فقير، جواد شيم، ما جمعن في بشر قطّ ... ولا حاز مثّلهن العباد فلهذا تعمّقت فيك أقوام ... بأقوالهم، فزانوا وزادوا وغلت في صفات فضلك (ياسين) ... و (صاد) وآل سين وصاد ظهرت منك للورى معجزات ... فأقرّت بفضلك الحسّاد جلّ معناك أن يحيط به الشّع ... ر وتحصي صفاته النّقاد ذاك مدح الإله فيكم فإن فه ... ت بمدح فذاك قول معاد «٢» وأوضح شاعر من القرن التاسع أسباب تعلق الناس بال البيت، فذهب إلى أن حبهم فرض من الله وأن الصلاة عليهم إتمام للصلاة، فقال: يا أهل بيت رسول الله حبّكم ... فرض من الله في القرآن أنزله

стр. 141

كفاكم من عظيم القدر أنّكم ... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له «١» أما الشعراء المغاربة، فإن ذكرهم لآل البيت، لا يتعدى ما قالوه في غيرهم من الصحابة، ونادرا ما يخصون آل البيت بحديث خاص في شعرهم، ومعظم ذكرهم لآل البيت يأتي في قصائد المديح النبوي، أو في القصائد التي يتشوقون فيها إلى الأماكن المقدسة، أو في الشعر الذي ينظمونه عند الوصول إلى المشاهد الحجازية، فحين وصل أحدهم إلى الحجاز، وزار معاهده، وقف على قبر حمزة سيد الشهداء- ﵁ فقال: يا سيّد الشّهداء بعد محمّد ... ورضيع ذي المجد المرفّع أحمد يا بن الأعزّة من خلاصة هاشم ... سرح المعالي والكرام المجّد يا من لعظم مصابه خصّ الأسى ... قلب الرّسول وعمّ كلّ موحّد جئناك يا عمّ الرّسول وصنوه ... قصد الزّيارة فاحتفل بالقصّد واسأل إلهك في اغتفار ذنوبنا ... شيم المزور قيامه بالعوّد «٢» وحين يذكرون عليا، فإنهم يذكرونه ضمن الصحابة الكرام، ويشيدون بفضائله، مثلما يشيدون بفضائلهم، ولا ينسون صلته بالرسول ﷺ ، لأن الصلة بالرسول الكريم هي مدار التفاضل بين المسلمين. ويظهر مما تقدم أن مدح آل البيت قديم، بدأ منذ كان رسول الله حيا، فكان يضاف مدحهم إلى مدحه، ثم استقل بعد ذلك، حيث انقسم المسلمون حول الخلافة، وتشيع قسم منهم لعلي بن أبي طالب وأبنائه من بعده.

стр. 142

وقد توجه إليهم الشعراء بالمدح والإشادة، يدافعون عن حقهم في الخلافة، ويظهرون صفاتهم ومزاياهم ويذكرون قرابتهم من رسول الله ﷺ . وحين يتعرضون لهذه الصلة مع الرسول الكريم، فإنهم يخصونه بشيء من المدح، لكن هذا المدح لم يكن مقصودا لذاته عند شعراء الشيعة، ولم تكن القصائد مبنية عليه، لذلك لا يعد مديح آل البيت من المديح النبوي، وإن التقى معه في ذكر النبي الكريم، فالأصل أن تكون القصيدة منظومة من أجل مديح النبي، وإن ذكر فيها آل البيت ومدحوا، أما إذا كانت في مدح آل البيت واستدعى الموضوع مدح الرسول الكريم، فإنها لا تكون من المديح النبوي. ولا شك في أن مديح آل البيت قد أثّر في المديح النبوي أو تأثر به، فشعراء الشيعة، والفاطميون منهم خاصة، أضفوا على آل البيت من الصفات العالية ما يليق بالنبي ﷺ ، وبنوا قصائدهم على غرار قصائد المديح النبوي، واستخدموا معاني المديح النبوي، ولولا القرائن التي تظهر المقصود بالمديح، لظن قارئ تلك القصائد أنها مدائح نبوية خالصة. ويظهر أن كثيرا من مبالغات مدّاح النبي، واستغراقاتهم في الغيبيات، جاءتهم من شعراء الشيعة، ومن مجاراتهم فيما قالوه في علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وفي الخلفاء الفاطميين، فإنهم وجدوا أن رسول الله ﷺ أحق بتلك الصفات من علي بن أبي طالب. ولذلك أضحت قصائد الشيعة في مدح أئمتهم أحد المؤثرات في قصائد المديح النبوي من حيث الشكل والمضمون على حد سواء. إن هذا التداخل بين المدح النبوي ومدح آل البيت، هو الذي دفع بعض الباحثين إلى إدراج مدح آل البيت ضمن المدح النبوي، أو إلى جعله لونا من ألوانه، لكن إمعان النظر في قصائد مدح آل البيت يظهر الفرق بين الفنين الشعريين، وإن تشابها في نواح عدة، فالفصل بينهما يعتمد على المقصود من المدح، وعلى الموضوع الذي تبنى عليه

стр. 143

القصيدة، ولا بأس في أن يرد المدح النبوي في قصائد مدح آل البيت، أو أن يرد مدح آل البيت في قصائد المدح النبوي. والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها، هي أن الشعراء الشيعة هم أقل فئات الشعراء مدحا للنبي في قصائد مستقلة، بل إن بعضهم مدح آل البيت دون أن يشير من قريب أو بعيد إلى رسول الله ﷺ . القسم الثالث- الشعر الصوفي: عرف العرب المسلمون التصوف منذ وقت مبكر، لكنه كان بسيطا نقيا مستمدا من سيرة الرسول الكريم وأحاديثه، ومن دعوة الإسلام إلى الإعراض عن زخارف الدنيا وبهرجها، وإلى إخلاص النية لله تعالى وتقواه في السر والعلن. وقد اتخذ بعض المسلمين الصحابة قدوة لهم في معيشتهم وسلوكهم، فكان تصوفهم إسلاميا خالصا، لا تشوبه شائبة، يقتصدون في مأكلهم ومشربهم، ويعرضون عن مغريات الدنيا وملذاتها، ويتشددون في إظهار تقوى الله، وفي تطبيق تعاليم الإسلام، لا يخرجون عنها قيد أنملة. بيد أن الفتوحات الإسلامية الواسعة، واختلاط العرب المسلمين بغيرهم من الشعوب ذات الحضارات المزدهرة، والأديان المختلفة، والفلسفات المتباينة، ترك أثره في مناحي الحياة في الدولة العربية الإسلامية وخاصة ما يتعلق منها بالفكر والثقافة، فدخلت آراء جديدة إلى فكر الفرق الإسلامية المتصارعة حول الخلافة وإلى فكر أولئك الذين نبذوا الصراع الدامي المحتدم، ونأوا بأنفسهم عنه، منقطعين إلى العبادة، وإلى التفكر بخلق الله وعظمته، وشاب زهدهم شيء من الأفكار التي انحدرت إليهم من المسيحية وأديان الفرس والهند وفلسفة اليونان «١» .

стр. 144

وظل تيار التصوف هذا يتنامي ويشتد مع مرور الزمن، وتتضح أبعاده، وتتشكل فلسفته الخاصة المعقدة ويتشعب إلى شعب كثيرة، وفرق متنوعة، أبقى بعضها على كثير من الأصل العربي الإسلامي، وتطرف بعضها، فجاء بأفكار جديدة على العرب وعلى روح الإسلام، مما جعل الناس ينظرون إليهم نظرتهم إلى الزنادقة الخارجين عن الإسلام، وجعل القائمين بالأمر يلاحقونهم، ويقتلون من يتشدد في مذهبه، ويرفض العدول عنه. وقد اتسع تيار التصوف اتساعا كبيرا في المرحلة السابقة للدولة المملوكية، وظل على اتساعه طول العصر المملوكي كله لأسباب كثيرة، منها الغزو الخارجي الذي كاد أن يعصف بالمسلمين، واضطراب الأوضاع بسبب ذلك، واصطلاح ذلك كله مع الكوارث الطبيعية والأوبئة على العرب المسلمين، مما جعل كثيرا منهم ينصرفون إلى التصوف، ويتخذه قسم آخر طريقا للهرب من الواقع الأليم، وطلبا للأمان الروحي. وكان للمتصوفة أثر كبير في الفكر والثقافة، وخاضوا معارك فكرية مع أهل السنة من ناحية، ومع الفلاسفة من ناحية ثانية، وأضحى كثير من أفكارهم وعباراتهم، وطريقتهم في التعبير من مستلزمات الأدباء، ومن الظواهر التي تتردد في أدب العصر المملوكي والعصر الذي سبقه. ومع ذلك لم يتفق الباحثون- على الرغم من ثراء التراث الصوفي- على تحديد مذهبهم، وبيان طريقتهم، لأن المتصوفة أنفسهم لم يظهروا كل ما عندهم، وأحاطوا فكرهم بالغموض، وعبّروا عنه بالرموز، فلا يستطيع الولوج إلى عالمهم إلا كل من قطع شوطا كبيرا في اتباع طريقتهم. لذلك ظل الباحثون حائرين في فهم رموزهم، بل لم يتفقوا على معنى محدد للتصوف، فمنهم من ذهب إلى أنه مشتق من الصوف، وهو اللباس الخشن للزاهدين المعرضين عن نعيم الدنيا، ومنهم من ذهب إلى أنه مشتق من تسمية أهل الصفة من فقراء المسلمين، الذين كان الرسول الكريم يجمعهم ويرعاهم،

стр. 145

ومنهم من يقول: إنه مشتق من الصفاء، أساس عقيدتهم القائمة على الصفاء الروحي في علاقتهم مع خالقهم. وحين رأى المتصوفة ما يتقوّل به الناس عليهم، انبرى بعضهم لتصحيح الفكرة الخاطئة عنهم، وأعادوا طريقتهم إلى أصولها الإسلامية، وأوضحوا أنها خلاصة العبادة المفروضة على المسلمين، وقالوا: «التصوف علم انقدح في قلوب الأولياء، حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، وهو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة» «١» . فهم يؤكدون أنهم يعملون بروح الشريعة لا ظاهرها، ولذلك لا يقدّر من لا يرى رأيهم ما يفعلونه، وقد لا يفهم ما يقولونه، فيفسره تفسيرا بعيدا عن المقصود منه، ولهذا أوضح كتّابهم أن «طريق القوم مشيّدة بالكتاب والسنة، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء، وبيان أنها لا تكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير» «٢» . لكن ذلك كله لم يذهب الشكوك عن المتصوفة، وظل الفقهاء المتشددون يهاجمونهم، وينظرون إليهم بريبة، بسبب تصرفاتهم، وبسبب ما ينسبونه لأنفسهم من كرامات، مما جعل إحدى فرقهم وهي الملاماتية، تدعو إلى ستر كرامات الأولياء، وهذه الفرقة قامت طريقتها على لوم النفس وإساءة الظن بها لكشف خباياها، ولذلك داوى أتباعها ميل النفس إلى المعاصي بالإعراض عنها، وتأديبها بمخالفتها. وقد فرقت هذه الفرقة بين كرامة الولي ومعجزة النبي حتى لا يساء الظن بالمتصوفة، وذهبت إلى أن «الرسل مضطرون إلى الظهور بمعجزاتهم، لكي تتأيد بها دعواهم، ويتيسر بها سبيلهم إلى تبليغ رسالاتهم، أما الأولياء، فليسوا في حاجة إلى هذا التأييد.. ولهذا كان ظهور النبي بالمعجزة كمالا وظهور الولي بالكرامة نقصا» «٣» .
следующие страницы →