← Указатели

Указатели · id 23671

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

محمود سالم محمد

Полный текст (576 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأحقية في الخلافة وقد شهد العصر الأموي عودة الصراع القبلي، والنعرات القبلية، لأن الأمويين كانوا يستندون في حكمهم على مجموعة قبائل معينة، وكانت بعض القبائل تتعصّب للهاشميين وكانت قبائل أخرى تهوى هوى الخوارج، لذلك اشتدت المفاخرات بين القبائل وشعرائها، وأكبر هذه المفاخرات ما كان يجري بين العدنايين والقحطانيين، الفرعين الرئيسيين للقبائل العربية، فكان العدنانيون يفخرون بأن رسول الله ﷺ منهم، وكان القحطانيون يفاخرون بنصرته. وهكذا كان الشعراء في عهد بني أمية يتفاخرون بانتسابهم إلى رسول الله ﷺ مهما ابتعد هذا النسب، مثلما فعل عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، أمه بنت الزبير بن العوّام، في قوله: أبونا أبو سفيان أكرم به أبا ... وجدّي الزّبير ما أعفّ وأكرما حواري رسول الله يضرب دونه ... رؤوس الأعادي حاسرا وملأمّا «١» وكذلك فعل عثمان بن واقد الذي ينتسب إلى الخليفة الفاروق- ﵁ عند ما قال مفتخرا: جدّي وصاحبه فازا بفضلهما ... على البريّة لا جارا ولا ظلما هما ضجيعا رسول الله نافلة ... دون البريّة مجد عانق الكرما «٢» فكل رجل وكل قبيلة عادوا إلى البحث عما يفخرون به، في زمن زاد فيه التفاخر بالأمجاد والأنساب، ولو كانت هذه الأمجاد جاهلية، فتباهوا بأيام قبائلهم وبغزواتها وسلبها ونهبها، فكيف لا يتباهى من ينتسب إلى صحابي، أو إلى قبيلة ناصرت رسول الله ﷺ ، وكان لها معه أثر؟

стр. 72

فقد قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان «١» ، وعند ما سأله الخليفة، ممن الرجل؟ قال: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ فعادت كما كانت لأوّل أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدّ «٢» فقتادة بن النعمان صحابي أصيب في عينه في إحدى الغزوات، وخرجت عينه من محجرها، فأعادها رسول الله ﷺ ، وردّها، فكانت أحسن عينيه، وهذه إحدى معجزات الرسول العظيمة التي ردّدها شعراء المديح النبوي فيما بعد. ومثل هذا ما روي عن الصحابي معاوية بن ثور البكائي «٣» ، الذي قدم إلى النبيّ الكريم ومعه ابن له يقال له بشرا، فقال: يا رسول الله، امسح وجه ابني هذا ففعل، وقد فخر ابن بشر محمد بذلك فيما بعد، فقال: وأبي الذي مسح النّبيّ برأسه ... ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا ثواجل لسن باللّجبات بوركن من منح وبورك مانح ... وعليه منّي ما بقيت صلاتي «٤» فإذا كان هذا حال من ينتسب إلى صحابي كريم، فكيف بمن ينتسب إلى الهاشميين، وهم آل الرسول وبنو عمه؟

стр. 73

إن فخرهم ليشتد ويعلو على كل فخر، مثل قول الفضل بن العباس «١» بن عتبة بن أبي لهب يساجل الفرزدق: من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدّلو على عقد الكرب برسول الله وابني عمّه ... وبعبّاس بن عبد المطّلب «٢» وقد نال علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وأبناؤه، النصيب الأوفر من محبة الناس، وتشيعوا لهم ولحقهم في الخلافة، فأشادوا بفضائلهم، وفي مقدمتها قرابتهم من رسول الله ﷺ ، ومن ذلك قول كثيّر عزّة في محمد «٣» بن علي بن أبي طالب، ابن الحنفية: ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منى ... من النّاس يعلم أنّه غير ظالم سميّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم «٤» ولم تقتصر المفاخرة على الانتساب إلى رسول الله ﷺ بشكل أو باخر، كما فعل الشعراء السابقون، بل كثيرا ما قارن الشعراء بين عمل يقوم به أحد الأمراء أو القادة، وعمل قام به الرسول الأمين، يطلبون من وراء هذه المقارنة تعظيم العمل والقائم به، وإضفاء الشرعية عليه، مثلما فعل سراقة بن مرداس «٥» في وصف انتصار المختار الثقفي على الأمويين في قوله:

стр. 74

نصرت على عدوّك كلّ يوم ... بكلّ كتيبة تنعي حسينا كنصر محمّد في يوم، بدر ... ويوم الشّعب إذ لاقى حنينا «١» وربما أراد الشاعر من المقارنة مهاجمة فئة معينة، مثل قول الكميت: وعطّلت الأحكام حتّى كأنّنا ... على ملّة غير التي نتنحّل كلام النّبيّين الهداة كلامنا ... وأفعال أهل الجاهليّة نفعل «٢» وقد أخذ الحنين إلى الحجاز يطل علينا في شعر هذا العصر بعد أن انساح العرب في الأقطار المفتوحة لسبب أو لآخر، ولمّا طال بهم الأمد اشتد بهم الشوق إلى مرابع الصبا في الجزيرة العربية، وقد ذكر بعضهم في شعر الحنين هذا، مدينة الرسول المنورة وقبره الشريف، ومن ذلك قول أبي قطيفة «٣» بن أبي معيط يتشوق إلى المدينة المنورة: ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... قباء وهل زال العقيق وحاجره وهل برحت بطحاء قبر محمّد ... أراهط غرّ من قريش تباكره لهم منتهى حبّي وصفو مودّتي ... ومحض الهوى منّي وللنّاس سائرة «٤» وسنرى فيما بعد أن ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أضحى فنا شعريا خاصا، وصار من مستلزمات قصيدة المدح النبوي. وأهم ما يطالعنا في المديح النبوي في أثناء العصر الأموي، هو هاشميات الكميت ابن زيد الأسدي التي انتصر فيها لحقّ الهاشميين في الخلافة، ومدحهم فيها، واتسع في

стр. 75

الإشادة بهم، فذكر فضائلهم، وأحقيتهم في الخلافة، وكان رائدا في هذا الباب، جعل من قصائده التي مدح بها بني هاشم مناظرات مثيرة في حقوق الهاشميين، لا تعتمد كما هو الحال في الشعر- على العاطفة والإقناع العاطفي، لكنها اعتمدت أولا على الإقناع العقلي. إن أول ما مدح به الهاشميين هو انتسابهم لرسول الله ﷺ وهذا ما جعله يمدح الرسول الكريم ﷺ ، فإن ذكر النبي الأمين يدفع المرء دفعا إلى مدحه، فتذكّر هذه الشخصية العظيمة يجعل من يتمثّلها لا يملك إلا أن يشيد بها، وخاصة إذا كان مؤمنا مسلما، ومنتميا إلى هذه الأمة التي يرجع فضل تكوينها إليه ﷺ ، فالكميت مدح الهاشميين في إحدى قصائده، فلما وصل إلى انتسابهم إلى نبي الإنسانية قال: أسرة الصّادق الحديث أبي القا ... سم فرع القدامس القدّام خير حيّ وميّت من بني آ ... دم طرّا مامومهم والإمام أنقذ الله شلونا من شفيّ النّ ... نار به نعمة من المنعام طيّب الأصل طيّب العود في ال ... بنية والفرع يثربيّ تهامي صحيح أن الكميت لم ينشئ قصيدته هذه، ولا قصائده الآخرى من أجل مدح رسول الله ﷺ خاصة، وإنما كان مديحه للرسول الأمين مما استدعاه مدحه لآله، لكنه لا يمدح آل البيت لذواتهم فقط، وإنما يعلّل مدحه لهم بقرابتهم من رسول الله ﷺ ، لذلك فصّل في هذا المدح كما نرى، فأشاد بذات النبي الكريم، وفضّله على كل البشر، وأشار إلى أثره في أمته، وفضله على الإنسانية، فجمع في مديحه بين المعاني الدينية والمعاني الاجتماعية التقليدية. ولم يخرج الكميت عن سنته هذه، فهو يمدح الهاشميين حتى إذا وصل إلى ذكر قرابتهم من الرسول الكريم ﷺ أخذ يمدحه، ففي قصيدة ثانية جادل في حق الهاشميين في الخلافة وحقهم في إرث رسول الله ﷺ وقال بعد ذلك:

стр. 76

بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة ... فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب حياتك كانت مجدنا وسناءنا ... وموتك جذع للعرانين موعب فبوركت موّلودا وبوركت ناشئا ... وبوركت عند الشّيب إذ أنت أشيب وقد أعاد الكميت في هذه القصيدة ما كان ذكره في قصيدته السابقة، فجمع في مدحه لرسول الله ﷺ بين ما كان يمدح به السادة والعظماء وبين ما اختص به رسول الله ﷺ لأنه نبي مرسل من الله تعالى، وأظهر أثر الرسول الأمين في العرب وتوحيدهم تحت راية الإسلام، وأضاف إلى ذلك كله شيئا من الرثاء عند ما ذكر موت الرسول الكريم، وكأنه في رثائه بعد هذه المدة الطويلة يأسى لما حصل للمسلمين بعد وفاته، ولما حصل لآل النبي الكرام من تقتيل وتنكيل. وإذا كان الكميت في قصيدتيه السابقتين قد أفاض في مدح بني هاشم، ومن خلال ذلك، مدح الرسول الكريم فإن له قصيدة ثالثة أفاض فيها في مدح النبي الأمين، وكانت في معظمها مديحا له، فاقتربت بذلك من صورة المدحة النبوية التي تشكلت بعد ذلك عند مداح النبي ﷺ ، فقال فيها: إلى السّراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع الن ... ناس إليّ العيون وارتقبوا إليك يا خير من تضمّنت ال ... أرض وإن عاب قولي العيب لجّ بتفضيلك اللّسان ولو ... أكثر فيك الضّجاج واللّجب أنت المصطفى المهذّب المحض في الن ... نسبة إن نصّت قومك النّسب والسّابق الصّادق الموفّق وال ... خاتم للأنبياء إذ ذهبوا

стр. 77

والحاشر الآخر المصدّق لل ... أوّل فيما تناسخ الكتب يا صاحب الحوض يوم لا شرب لل ... وارد إلّا ما كان يضطرب نفسي فدت أعظاما تضمّنها ... قبرك فيه العفاف والحسب «١» لقد أعطى الكميت مديح النبي الأمين الكثير من حقه في قصيدته هذه، فأشاد بنسبه الطاهر منذ آدم، وحديثه عن هذا النسب أضحى أصلا لحديث شعراء المديح النبوي بعده، وكذلك الأمر في إدراج صفاته وأسمائه ﷺ . ولم يقف في قصيدته هذه عند سرد صفات النبي الفريدة وأخلاقه، بل تطرق إلى شيء من السيرة، وناقش النصارى في نظرتهم إلى نبيهم، وتحدث عن يوم القيامة، وشفاعة رسول الله ﷺ فيه، وكل هذه المعاني التقليدية والدينية أضحت من لوازم المدحة النبوية ومفرداتها عند جميع شعراء المديح النبوي في العصور اللاحقة. إن مدح الكميت لرسول الله ﷺ يعد إضافة متميزة للمدح النبوي على طريق تطوره منذ بدايته في حياة رسول الله ﷺ وحتى العصر المملوكي. لكن مدح الكميت للنبي الكريم الذي بلغ مبلغا رائعا، لم يتخلص من أسر التوجه الرئيسي للكميت، وهو مدح آل البيت، ولم يصبح لديه مدحا خالصا للنبي في قصائد خاصة. وقد أثارت بعض معانيه في مدح الرسول الأمين جدلا نقديا، تناول طريقة أداء هذه المعاني، وخاصة حين يتحدث عن اعتراض قوم على مدح رسول الله ﷺ ، وإضمار الكراهية للكميت نتيجة لذلك. بدأ الجاحظ هذا الجدل، فقال: «ومن غرائب الحمق، المذهب الذي ذهب إليه الكميت بن زيد في مديح النبي ﷺ حيث يقول:

стр. 78

وقيل أفرطت، بل قصدت ولو ... عنّفني القائلون أو ثلبوا إليك يا خير من تضمّنت الأر ... ض ولو عاب قولي العيب لجّ بتفضيلك اللّسان ولو ... أكثر فيك اللّجاج واللّجب فمن رأى شاعرا مدح النبي ﷺ فاعترض عليه واحد من جميع أصناف الناس، حتى يزعم هو أن ناسا يعيبونه ويعنفونه» «١» . وأعاد الجاحظ كلامه في كتاب آخر، فقال: «ومن المديح الخطأ الذي لم أر قط أعجب منه، قول الكميت بن زيد، وهو يمدح النبي ﷺ ... فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبه بذلك بعض بني هاشم، ولو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال «٢» الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد «٣» لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب «٤» لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف «٥» ، أما مديح النبي ﷺ فمن هذا الذي يسوؤه ذلك» «٦» . وهذا ما جعل الشريف المرتضى يرد على انتقاد الجاحظ، ويحاول إيجاد مخرج

стр. 79

لمعاني الكميت، فقال: «ظاهر الخطاب للنبي ﵇، والمقصود أهل بيته ﵈، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله ﵇ والإطناب في وصف فضائله ومناقبه ولا يعنفّ في ذلك أحد، وإنما أراد الكميت، وإن أكثر في أهل بيته وذويه ﵈ الضجاج واللجب والتعنيف، فوّجه القول إليه والمراد منه» «١» . فالشريف المرتضى أوّل كلام الكميت على عادة المتأوّلة من الشيعة، وصرف مديحه للنبي الكريم إلى مديح آل بيته، وفي هذا تخريج لكلام الكميت، وإيضاح لمقاصده، وإخراجه من الخطأ، وفيه انتصار لآل البيت الذين ينتمي المرتضى إليهم. وتابعه في هذا التأويل صاحب كتاب تأويل مشكل القرآن، فقال: «فورّى عن ذكرهم به، وأراد بالعائبين بني أمية، وليس يجوز أن يكون هذا للنبي ﷺ .. ومن ذا يساوى به ويفضل عليه «٢» . «وإن الشعراء ليمدحون الرجل من أواسط الناس، فيفرطون ويفرّطون، فيغلون، وما يرفع الناس إليهم العيون، ولا يرتقبون، فكيف يلام هذا على الاقتصاد في مدح من الإفراط في مدحه غير تفريط، ولكنه أراد أهل بيته» «٣» . وتابع المصنفون هذا الجدل، فمنهم من رأى رأي الجاحظ، ومنهم من أخذ بقول الشريف المرتضى، دون أن يضيفوا إلى هذا الجدل شيئا، فللجاحظ فضل السبق والتنبيه، وهو الحريص على سلامة أداء المعاني وبلاغتها، وربما كان الشريف المرتضى على صواب، وسواء قصد الكميت ما ذهب إليه الشريف المرتضى، أو أنه قصّر في التعبير فإن إثارة هذا الجدل لفت الأنظار إلى فن المديح، وإلى ضرورة الحرص في أداء معانيه. وأخذ الجاحظ على الكميت أيضا تقصيره، في قوله:

стр. 80

وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به، وله أهل بذلك، يثرب لقد غيبّوا برّا وحزما ونائلا ... عشيّة واراه الصّفيح المنصّب فقال: «وهذا شعر يصلح في عامة الناس» «١» . ثم عاد وفصّل كلامه في موضع آخر، فقال: «فلو كان لم يمدحه ﵇ إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب، لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا» «٢» . ومع وجود هذه الانتقادات البسيطة، التي لا تتجاوز طريقة أداء المعاني، فإن الكميت أعطى للمديح النبوي دفعة كبيرة في عصر توقّف أو كاد هذا اللون من الشعر، واستطاع أيضا أن يتسع في معاني المديح النبوي. ففي هذا العصر لم نجد قصائد خاصة في المديح النبوي، وكان المديح النبوي- في الغالب- مديحا غير مباشر، يأتي في أثناء قصائد التشيع، أو قصائد الفخر أو عند المقارنة، ولولا وجود الكميت، لما بقي من ذكر رسول الله ﷺ في شعر العصر إلا ظلال قليلة، تكاد تكون انقطاعا لما كان عليه المديح النبوي في عصر البعثة النبوية. القسم الرابع- في العصر العباسي: أفاد العباسيون من الحركات المناوئة للأمويين، ومن الثورات المتواصلة عليهم، فوصلوا إلى السلطة في الدولة العربية الإسلامية، وبنوا حكمهم على أسس دينية وسياسية ووفق ما يلائم نظرات الفرق المختلفة إلى الخلافة، فقد قاد العلويون حركة المقاومة ضد الأمويين على أساس أنهم أحق الناس بالخلافة، لكنهم لم ينجحوا في

стр. 81

حركتهم، فاستغل العباسيون ذلك، ووصلوا إلى الخلافة، وأظهروا أنهم أعادوا الحق إلى أصحابه الهاشميين، فسكت أبناء عمومتهم العلويون على ذلك في بادئ الأمر، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن أبناء عمومتهم العباسيين يتنكرون لهم، فجددوا ثوراتهم للوصول إلى الخلافة. ولما كانت الخلافة في جوهرها خلافة رسول الله ﷺ في تولي أمور المسلمين، كان لا بد من أن يذكر الرسول الأمين في كل حديث عن الخلافة، وخاصة أن المختصمين حول الخلافة، ادعى كل منهم وراثته للنبي الكريم بطريق أو باخر. وكانت مسألة وراثة الخلافة قد ظهرت في وقت مبكر، لكن الحديث عنها اشتد في زمن بني العباس، الذين رأوا أنهم أحق الناس بوراثة رسول الله ﷺ لأنه عند ما توفي ﷺ كان عمه العباس على قيد الحياة، وهو الذي يستحق وراثته، في حين أن العلويين يذهبون إلى أن رسول الله ﷺ خلّف ابنته فاطمة، فهي التي ترثه، ويرثها من بعدها أولادها. وقد صال شعراء بني العباس وجالوا في الانتصار لا دعاآتهم، ومن ذلك قول ابن هرمة «١» : تراث محمّد لكم وكنتم ... أصول الحقّ إذ نفي الأصول «٢» وقال مروان بن أبي السمط «٣» موضحا مسألة وراثة الخلافة:

стр. 82

لكم تراث محمّد ... وبعدلكم تنفى الظّلامه يرجو التّراث بنو البنا ... ت ومالهم فيها قلامه والصّهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامه «١» وظل الشعراء يتقربون إلى بني العباس بهذه النغمة، لأن وراثة النبي الكريم تعطيهم مكانة سامية، وتعطي حكمهم شرعية، ظل الناس يعتقدون بها حتى نهاية الدولة المملوكية، وعلى الرغم من أن خلفاء بني العباس أصبحوا في الدور الثاني من دولتهم لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون من أمرهم شيئا، إلا أن جميع الذين تسلطوا على الخلافة لم يجرؤوا على إزالتها إلا بعد وقت طويل، وعلى يد بني عثمان الأتراك. فهذه العلاقة بين الخليفة والنبي الأمين. والتي هي علاقة قربى وإرث، جعلت ذكر رسول الله ﷺ محتما في مدح الخلفاء، الحريصين على إضفاء الصبغة الدينية على أنفسهم خاصة، لذلك مدح الخلفاء وغيرهم من الهاشميين بالانتساب إلى الرسول الكريم ﷺ أو باتباع سنّته، أو بالتسمي باسمه. ومن ذلك قول مروان بن أبي حفصة «٢» : أحيا أمير المؤمنين محمّد ... سنن النّبيّ حرامها وحلالها ملك تفرّع نبعة من هاشم ... مدّ الإله على الأنام ظلالها «٣»

стр. 83

ومما مدح به خلفاء بني العباس في انتسابهم للرسول الأمين لبس بردته، كما قال علي بن المنجم «١» في المعتز: بدا لابسا برد النّبيّ محمّد ... بأحسن ممّا أقبل البدر طالعا سميّ النّبيّ وابن وارثه الذي ... به استشفعوا أكرم بذلك شافعا «٢» ولم يقتصر الفخر بالانتساب إلى رسول الله ﷺ على بني العباس، وهم قد أكّدوا هذه المسألة لدواعي سياسية لا تخفى على أحد بل شاركهم بذلك العلويون، وهم أول من أوضح هذا الانتساب وقالوا به، وأقاموا مطالبهم السياسية، ومذهبهم الديني على قرابتهم من الرسول الكريم، وهم أول من افتخر بذلك، وتابعوا فخرهم هذا في كل العصور، فهذا أحد الطالبيين يفخر على غيره من الهاشميين بقوله: هل كان يرتحل البراق أبوكم ... أو كان جبريل عليه ينزل أم من يقول الله إذ يختاره ... للوحي قم يا أيّها المتزمّل يبدا المؤذّن في الآذان بذكره ... من بعد ذكر الله ثمّ يهلّل «٣» وديوان الشريف الرضي «٤» حافل بمثل هذا الفخر بالانتساب إلى النبي الأمين وآل بيته الكرام، فهو يقول:

стр. 84

جدّي النّبيّ وأمّي بنته وأبي ... وصيّه وجدودي خيرة الأمم «١» وقد مدح العلويون بهذه النسبة، وهذه الصّلة مع النبي الكريم مثلما مدح العباسيون، فقال السلامي «٢» في مدح الشريف الرضي: الموسوي النّاصري أبوة ... وخؤولة علويّة الأنساب في حيث أرّثت النّبوة نارها ... فخبا لنور الحقّ كلّ شهاب «٣» وظل العلويون والمتشيعون لهم يفخرون بالانتساب إلى رسول الله ﷺ ، ولكنهم لم يمدحوا الرسول الكريم بقصائد مستقلة، وكل ما قالوه من إشادة به ﷺ جاء في قصائد التشيع، التي تشيد باله، وقد أوجب هذا الموضوع ذكر رسول الله ﷺ ، والفخر بالانتساب إليه، دون أن يكون الهدف من إنشاء الشعر مدحه. ولو تابعوا ما وصل إليه الكميت أيام بني أمية، لوجدنا المديح النبوي في وقت مبكر، لكنهم لم يصلوا في مدح النبي الكريم في أثناء قصائدهم إلى القدر الذي وصل إليه الكميت. وقد ورد ذكر النبي الأمين في شعر هذا العصر الذي يتحدث عن العقيدة، فعند ما ينظم الشاعر تسبيحا لله تعالى وتعظيما، يذكر رسول الله ﷺ ، مثل قول الحسن بن مظفر النيسابوري «٤» :

стр. 85

سبحان من ليس في السّماء ولا ... في الأرض ندّله وأشباه أحاط بالعالمين مقتدرا ... أشهد ألاإله إلّا هو وخاتم المرسلين سيّدنا ... أحمد ربّ السّماء سمّاه أشرقت الأرض بعد بعثته ... وحصحص الحقّ من محيّاه «١» وعند ما يريد الشاعر أن يؤكّد اعتقاده في ذات الله تعالى، ويردّ على المشبهة، لا يجد تأكيدا أكبر من القسم برسول الله ﷺ ، وهذا ما فعله أبو حامد الشهرزوري «٢» ، قاضي حلب، حين قال في التنزيه: أقسمت بالمبعوث من هاشم ... والشّافع المقبول يوم الجدال ما ربّنا جسم ولا صورة ... موّصوفة بالميل والاعتدال «٣» ونجد مدحا لرسول الله ﷺ في حديث الشعراء عن الحج، فقد كان الشوق يأخذ بألباب الناس وقلوبهم إلى رؤية الأماكن المقدسة التي عظمها الله تعالى والتي شهدت بعثة رسول الله ﷺ وجهاده، ونزول الوحي عليه، وأخذ التعبير عن هذا الشوق يزداد شيئا فشيئا إلى أن أضحى غرضا فنيا قائما بذاته، وأصبح من مستلزمات المدحة النبوية. وكان الشاعر إذا أزمع الحج عبر عن شوقه إلى الديار المقدسة، وإلى زيارة قبر النبي الشريف، كما فعل ابن عبدوس الدهان «٤» بقوله:

стр. 86

أتيتك راجلا ووددت أنّي ... ملكت سواد عيني أمتطيه ومالي لا أسير على الماقي ... إلى قبر رسول الله فيه «١» وحين يصل الشاعر إلى الأماكن المقدسة يشعر بالارتياح، وعند ما يزور ضريح النبي الكريم ويركن إلى السكينة والاطمئنان، فتكون حاله حال أبي الخطاب الجبلي «٢» في قوله: رويدك قد أصبحت جارا لأحمد ... وحسب امرء أن يستجير بجاره لأفضل من يغشى على بعد داره ... وأكرم من يعشى إلى ضوء ناره «٣» لكننا لا نعدم في هذا العصر مدحا خالصا للنبي الكريم لا يشاركه فيه موضوع آخر، فالشاعر الذي لا يمدح خليفة، أو لا ينحاز إلى الشيعة، أو لا يرى رأي فرقة معينة، ولا يتحدث عن الحج أو عن العقيدة، وأراد ذكر رسول الله ﷺ ، فإن ذكره له يكون خالصا للمديح، فمهيار الديلمي «٤» بعد إسلامه ذكر رسول الله ﷺ ، فقال: أمثل محمّد المصطفى ... إذا الحكم ولّيتموه لبيبا بعدل مكان يكون القسيم ... وفصل مكان يكون الخطيبا وثبت إذا الأصل خان الفروع ... وفضل إذا النّقص عاب الحسيبا وصدق بإقرار أعدائه ... إذا نافق الأولياء الكذوبا

стр. 87

أبان لنا الله نهج السّبيل ... ببعثته وأرانا الغيوبا «١» فمهيار مدح النبي الأمين وفضّله على العالمين، وأنكر أن يكون له شبيه في الفضائل التقليدية، وزاد على ذلك بالإشارة إلى أثره في البشرية، وهدايتها إلى سواء السبيل، وهذه الهداية هي التي أكدها أبو العلاء المعري حين ذكر رسول الله ﷺ مادحا، فقال: دعاكم إلى خير الأمور محمّد ... وليس العوالي في القنا كالسّوافل حداكم تعظيم من خلق الضّحى ... وشهب الدّجى من طالعات وآفل وألزمكم ما ليس يعجز حمله ... أخا الضّعف من فرض له ونوافل وحثّ على تطهير جسم وملبس ... وعاقب في قذف النّساء الغوافل وحرّم خمرا خلت ألباب شربها ... من الطيش ألباب النّعام الجوافل فصلّى عليه الله ماذرّ شارق ... وما فتّ مسكا ذكره في المحافل «٢» وإذا زاد المعري الصلاة على النبي في قطعته هذه، فإن ابن الدهان أظهر رغبته في السعي لزيارة رسول الله ﷺ مهما كانت الصعاب. زيادة على تأكيده معنى الهداية في قوله: أيا خير مبعوث إلى خير أمّة ... نصحت وبلّغت الرّسالة والوحيّا فلو كان في الإمكان سعي بمقلتي ... إليك رسول الله أفنيتها سعيا «٣»

стр. 88

ونجد في هذا العصر مقطعات تذهب هذا المذهب، وتعدّ من مصادر المدائح النبوية التي كثرت بعد ذلك واستوى خلقها، ومن ذلك مقطوعة يأخذ صاحبها بمعنى أن رسول الله ﷺ خلاصة الشرف الإنساني، وأنه أفضل خلق الله، فيقول: للعرب الفضل على النّاس ... وخيرها أولاد إلياس والنّضر منظور إلى فضله ... ثم قريش عزّها راسي والسّادة الغرّ بنو هاشم ... خيارها في الجود والياس والمصطفى خير بني هاشم ... وخير مبعوث إلى النّاس أحمد ذو النّور الذي ضاق عن ... وصف علاه كلّ قرطاس فلم يزل يدعو إلى ربّه ... في لطف لان به القاسي حتّى غدا الشّيطان ذا رنّة ... من دولة الشّرك على ياس صلّى عليه الله أعداد ما ... أوجد من نفس وأنفاس وأصبح الدّين رفيع الذّرا ... ثابت أركان وتأساس «١» ويتضح من هذا الشعر أن الشاعر ينظم الحديث النبوي «أنا خيار من خيار من خيار» «٢» وهذا المعنى انتشر بين مدّاح النبي الكريم، وقلما تخلو منه قصيدة نبوية، ثم أشار إلى ما أرسل رسول الله ﷺ من أجله، وقيامه برسالته على أكمل وجه حين نقل النّاس من ظلام الجهالة إلى نور الهداية.

стр. 89

ومن الظواهر التي برزت في هذا العصر، تنامي حركة التصوف وتشعبها، وتطرف بعض المتصوفة، الذين أضافوا إلى حركة التصوف الإسلامية ما أخذوه عن الفلسفات الأجنبية المتباينة والأديان المختلفة. وقد تفاعلت حركة التصوف مع المذاهب الدينية الإسلامية، فأخذت عنها وأعطتها، وصاغت لنفسها طريقة للعبادة ونظريات دينية مختلفة حول الكون وعلاقته مع الخالق، وكان لرسول الله ﷺ نصيب من نظريات المتصوفة الذين قالوا بالحقيقة المحمدية التي أضحت لازمة في قصائد المديح النبوي، وتحدثوا عن النبي الكريم حديثا لم يكن المسلمون قد تداولوه من قبل، أغرقوا فيه بالغيبيات ورفعوا رسول الله ﷺ فوق مراتب الخلق جميعا، وجعلوه مبدأ الوجود كله، والسابق إلى الوجود، وفي ذلك يقول الحلاج «١» : «أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر، وأقدم من القدم، سوى نور صاحب الكرم، همّته سبقت الهمم، وجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم» «٢» . وقد أغنت حركة التصوف المديح النبوي، وحلّقت بمدّاح النبي الأمين في عوالم غيبية بعيدة، وخاصة في المرحلة الثانية التي اتسع فيها التصوف، ليصل تأثيره إلى معظم المثقفين وليصبح من نسيج ثقافة كل متعلم، ويخالط معتقد عامة الناس. وكثر في العصر العباسي التمثل بأحوال رسول الله ﷺ في الشعر، وخاصة عند الشعراء الذين يطلبون المثل ويلّحون عليه في شعرهم، فإنهم لم يجدوا في كل منحى من مناحي الحياة أعظم من شخصية رسول الله ﷺ ، ولذلك ضربوا به المثل حين أرادوا تقرير

стр. 90

معنى من المعاني، وتأكيد ما يذهبون إليه من وجهات نظر متباينة إزاء قضية من القضايا، فإذا ما أراد الشاعر أن يحتج لرأيه في مسألة خلل النظام الاجتماعي الذي يكرّم الناس لنسبهم لا لذواتهم، لا يجد حجة أفضل من الإشارة إلى أن النبي الكريم شرفت به آباؤه، ولم يشرف بهم، وهذا ما ذهب إليه ابن الرومي حين قال: فكم أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان «١» وقال أبو تمام: وكذلك قد ساد النّبيّ محمّد ... كلّ الأنام وكان آخر مرسل «٢» وحين أراد أبو تمام أن يعتذر عن نفسه أو عن ممدوحه عند ما ركن إلى منافقين، يظهرون له الحب، ويضمرون الكراهية، ويعملون على إيذائه، ولم يستطع اكتشاف أمرهم، لم يجد ما يحتج به إلا ما حصل للنبي ﷺ مع المنافقين، فقال: هذا النّبيّ وكان صفوة ربّه ... من بين باد في الأنام وقار قد خصّ من أهل النّفّاق عصابة ... وهم أشدّ أذى من الكفّار حتّى استضاء بشعلة السّور التي ... رفعت له سجفا عن الأسرار «٣» وأكثر ما تمثل به من أحوال النبي الكريم، التعزي عند فقد عزيز على النفس، عملا بقوله ﷺ «من أصابته مصيبة، فليذكر مصيبته بي» «٤» .

стр. 91

فأخذ الشعراء هذا المعنى، واستخدموه عند التعزية، وعند التفكّر في المصائب، ومن ذلك قول ديك الجن «١» : تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفت ... أعاش رسول الله أم ضمّه قبّر «٢» إن العصر العباسي عصر طويل نسبيا، ولم تسر فيه الأمور رتيبة متشابهة، ولم تكن الظروف متماثلة، ولذلك كان لا بد من اختلاف الظواهر الأدبية وتطورها، وليس دمج الحقب العباسية في عصر واحد إلا لتسهيل الدراسة، فخصائص الأدب في صدر العصر العباسي تختلف عنها في نهايته، إذ إن القسم الثاني من زمن الدولة العباسية شهد سيطرة العناصر الأعجمية على الخلافة، وانقسام الدولة إلى ممالك لا تدين للخلافة العباسية إلا بالولاء الإسمي فقط، ولكن هذا لا يعني أن الحركة الثقافية قد انقسمت إلى حركات متباينة، ولا يعني أن الأدب العربي في هذا العصر قد اختلف بين دولة وأخرى، لأن الثقافة والأدب ظلّا على تواصلهما وتفاعلهما، وإن تلون الأدب بألوان خافتة، تظهر أثر القطر الذي كتب فيه، فقد بقي تطور الأدب العربي على خط واحد تقريبا في جميع الأقطار العربية الإسلامية وبقيت الظواهر الأدبية العامة مشتركة بينها، فلا يظهر فن أدبي في هذا القطر، حتى ينتشر بسرعة كبيرة في الأقطار العربية الإسلامية الآخرى، ولا تشيع طريقة فنية في قطر حتى يتلقفها الأدباء في بقية الأقطار، حتى يصعب على الباحث أن يقرر أوّلية هذا الفن أو ذاك، وهذه الطريقة أو تلك، ومن هذه الفنون فن المدائح النبوية، الذي يصعب معرفة أين ظهر متكاملا أول مرة، أفي مشرق الوطن العربي الإسلامي أم في مغربه، هذا إذا استثنينا عصر البعثة النبوية، وإني هنا سأتحدث عن

стр. 92

المدائح النبوية في العصر العباسي في المشرق، وسأتحدث عنها في المغرب فيما بعد، ولن يكون حديثي مفصلا، وسأكتفي بالإشارة إلى أهم القضايا المتعلقة بالمديح النبوي إلى أن وصل إلى العصر المملوكي. ظهرت في الدور الثاني من العصر العباسي قصائد عدة في مدح رسول الله ﷺ ، بدأها الشعراء بمعارضة قصائد قيلت في مدح النبي الكريم في أثناء حياته، وخاصة قصيدة كعب بن زهير (البردة) ، ومن الذين عارضوا هذه القصيدة في هذا الدور، الشاعر العربي الأبيوردي «١» في قصيدة مطلعها: خاض الدّجى ورواق اللّيل مسدول ... برق كما اهتزّ ماضي الحد مصقول «٢» ويبدو أن الشعراء كانوا متهيبين من مدح رسول الله ﷺ ، لأنهم لا يدرون كيف يخاطبونه، وما هي معاني المديح التي تليق به، ولا يدرون كيف يبنون قصائد مديحه، خوفا من الخطأ والإساءة من حيث لا يدرون ولا يقصدون، فوجدوا أن أسلم طريقة لذلك هي معارضة قصائد مدح بها رسول الله ﷺ في حياته، ورضي عنها وكافأ عليها، ولهذا نجد الأبيوردي يبدأ قصيدته مثلما بدأها كعب بوصف الرحلة، وعلى طريقة كعب، لكنه لم يتابع كعبا بيتا بيتا، ولم يجاره في المطلع، ولم يتسع اتساعه في وصف الرحلة والغزل، فبعد أن شام البرق في مطلع قصيدته، وصف رحلته ببضعة أبيات، انتقل بعدها إلى الغزل ليتركه قائلا: صدّت ووقّرني شيبي فما أربي ... صهباء صرف ولا غيداء عطبول وحال دون نسيبي بالدّمى مدح ... تحبيرها برضا الرّحمن موصول

стр. 93

أزيرها قرشيّا في أسرّته ... نور ومن راحتيه الخير مأمول تحكي شمائله في طيبها زهرا ... يفوح، والرّوض مرهوم ومشمول «١» هو الذي نعش الله العباد به ... ضخم الدّسيعة متبوع ومسؤول وهكذا مضى الشاعر في مدح رسول الله ﷺ جامعا بين القيم التقليدية التي سار عليها القوم في المدح، ومتخذا من كعب بن زهير قدوة له في ذلك، وبين المفاهيم الدينية التي ينفرد بها رسول الله ﷺ عن سائر الناس، ثم أكدأنه سيظل على سنته، وأنه سينصر دين الله تعالى بكل ما أوتي من قوة، فقال: يا خاتم الرّسل إن لم تخش بادرتي ... على أعاديك، غالتني إذا غول والنّصر باليد منّي واللّسان معا ... ومن لوى عنك جيدا فهو مخذول وساعدي- وهو لا يلوي به خور ... على القنا في اتّباع الحقّ- مفتول وكأن في نفس الشاعر شيئا مما يرى حوله، وقد اصطرع المسلمون فيما بينهم، واختلفوا في أمر عقيدتهم، وانقسموا إلى أحزاب وملل، وحاد قسم منهم عن الحق، فهو يعاهد رسول الله ﷺ على الجهاد إلى أن يعود الحق إلى مكانه. وقد أجاد الأبيوردي معارضة كعب، فأخذ روح القصيدة، ولم يتبع جزئياتها، فجاءت أصيلة مبدعة، تعبر عن نفسه، وتوضح مكنوناتها، ربط فيها بين حبه لرسول الله ﷺ وبين ما يستشعره اتجاه ما يجري في عصره، وإن ظلت في أسلوبها وصياغتها تضارع قصيدة كعب، وترتد إلى عصرها. وكان في مدحه للنبي الكريم متحفظا، فترسم معاني كعب التقليدية، وذكر فضل رسول الله ﷺ على الناس، وهدايته لهم، بعد أن كانوا في غيهم يعمهون.

стр. 94

وعارض الزمخشري «١» قصيدة كعب أيضا وابتدأ مثل الأربيوردي بذكر البرق الذي يذكي الشوق، وتوقف عند أطلال المحبوبة، لكنه لم يتسع في وقوفه وغزله، واكتفى منهما بجلاء مشاعره الدينية التي يكنّها للأماكن المقدّسة، وانتقل بعدها إلى شيء من الحكمة الممزوجة بتوجهه الديني، فهو من المعتزلة الذين يعلون شأن العقل، ويطلبون إعماله في العقيدة لذلك نراه يقول في مقدمة قصيدته: والفعل أرضاه عند الله أعرفه ... وما تناكره الألباب مرذول والحقّ فالحقّ ما جاء الرّسول به ... سيف على هام أهل الشّرك مسلول الفضل فضل نبيّ من بني مضر ... إليه أفضل خلق الله مفضول محمّد إن تصف أدنى خصائصه ... فيا لها قصّة في شرحها طول «٢» لقد جعل الزمخشري من الحديث المقتضب عن العقيدة مدخلا إلى مدح رسول الله ﷺ فمزج مزجا موفقا بين القيم التقليدية وبين القيم الدينية، وبعد أن أكّد أن الرسول فوق جميع البشر، وأنه لا يحاط بأدنى خصائصه، عاد ليؤكد نبوته ﷺ ويأتي بشيء يسير من سيرته، وكأنه بذلك يردّ على من أخذ عليه اعتزاله، وأن المعتزلة يشكّون بنبوة رسول الله ﷺ فقال: هو الذي إن يخالج في نبوّته ... ريب فما القول بالتّوحيد مقبول هو الذي وعد الرّحمن ناصره ... نصرا عزيزا ووعد الله مفعول ملك الأكاسرة الممنوع غادره ... والتّاج منعقر والعرش مفلول

стр. 95

ثم ينتقل بعد ذلك ليشيد بالصحابة رضوان الله عليهم، وبشجاعتهم ونصرتهم لرسول الله ﷺ ، ولم يفرّق بينهم أو يخصّ أحدهم بالفضل، وكأنه بذلك يقرر حقيقة من حقائق مذهبه، ويرد على الذين يفرّقون بين الصحابة الكرام في الفضل والتقدمة، فهو يحبهم جميعا، ويفرح لذكرهم، لذلك يقول: حفّته أشياع صدق كاللّيوث بهم ... دم الذين استضاموا الدّين مطلول إذا جرى ذكرهم رفّ القلوب له ... كما يرفّ الخزامى وهو مطلول وفي ختام قصيدته يظهر الزمخشري ما بنفسه، فيستشفع برسول الله ﷺ مؤكدا أنه لم يخرج عن الدين ولم يقرب حراما، وأن قومه المعتزلة ما زالوا على تقواهم واتباع الحق بخلاف الفرق المضلله التي تناوئهم، فقال: يا خاتم الرّسل إنّ الطّول منك على ... راجي الشّفاعة يوم الحشر مأمول وطّاء أعقاب قوم ما لهم عمل ... في نصرة الدّين والإسلام مجهول لهم ضمائر للتّفكير قارعة ... وألسن كلّها بالذّكر مشغول موحّدون إلها أنت صفوته ... مصدّقوك فلا غالتهم غول إن زال عن رمي أغراض الهدى فرق ... تلهو مضلّلة قالت لهم زولوا فقوس قومي بالتّقوى موتّرة ... وسهمهم باتّباع الحقّ منصول وواضح من القصيدة أن الزمخشري تسلل بذكاء داخل المديح النبوي، ليدافع عن نفسه وعن مذهبه، وأنه اختار المديح النبوي ليعبر من خلاله عن مذهبه وآرائه، وليزيد في تأكيد ارتباطه برسول الله ﷺ ، وإقراره بنبوته، وأن ما يذهب إليه المعتزلة من تعظيم شأن العقل وإعماله في العقيدة، لا يبعدهم عن الإسلام الصحيح، وعن مبادئه ومفاهيمه، لذلك لم يبق من معارضته لقصيدة كعب غير هيكل القصيدة، ووزنها

стр. 96

وقافيتها، أما المضمون، فإنه مغاير لما عند كعب، ولم يلتقيا إلا في مدح الرسول الكريم ﷺ ، كلّ على طريقته ووفق ما سمحت به ظروفه. وبذلك تقدم الزمخشري بالمدحة النبوية إلى الأمام حين ربط بينها وبين العصر، وحين جعل منها وسيلة لرفع ذكر رسول الله ﷺ والتنبيه على قدر سنّته الغراء من ناحية، ولنشر ما يعتقده من آراء وأفكار من ناحية ثانية، وما كانت المعارضة إلا توطينا لنفسه على المديح النبوي، وللإفادة من وزن القصيدة وبعض ألفاظها وشهرتها. ويطالعنا في هذا العصر (البلوي) «١» مؤلف كتاب (ألف با) بقصيدة نبوية، أضرب فيها عن المقدمات، وباشر المدح، وقد أوضح في التقديم لها أن المديح النبوي قد ازداد على عهده، وأن ذلك حرّك في نفسه دواعي مجاراة مدّاح النبي، فنظم قصيدته هذه، وبيّن في بداية القصيدة أنه نظمها طلبا للأجر والثواب، لذلك فهي خالصة للمديح النبوي والتشفع بالنبي الأمين، لا يخالطها شيء آخر، بدأها قائلا: قد قلت قولا أبتغي أجره ... من ملك رحمته تطلب في القرشيّ الهاشميّ الذي ... يقصّر في مدحه المطنب محمّد المنتخب المصطفى ... من مثله أو منه من يقرب أرسله الله لنا رحمة ... والكفر في ظلمته يحطب فجمع الله به شملنا ... بعد شتات أمره معطب وأصبح النّاس به إخوة ... أبوهم الإسلام نعم الأب

стр. 97

ذاك أبو القاسم ماذا عسى ... يحصي لساني أو يدي تكتب والبحر لو كان مدادا وما ... في الأرض أقلام بها يكتب «١» لم نبلغ العشر ولا عشره ... من وصفه هيهات لا تعجبوا «٢» وبعد أن مدح رسول الله ﷺ بتفضيله على الناس أجمعين، وذكر فضله على أمته، إذ هداها إلى سواء السبيل ووحدها، أكد أنه لا يستطيع أن يفي الرسول الأمين حقه، واستعار المعنى القرآني للتعبير عن هذا الموقف الذي تكرر عند مدّاح رسول الله ﷺ كافة، ثم انتقل إلى وصف اليوم الآخر، ومكانة النبي الكريم فيه، وشفاعته لأمته، فقال: فهو حبيب الله وهو الذي ... في جاهه تطمع يا مذنب وصاحب الحوض الرّواء الذي ... أمّته منه غدا تشرب ويميل بعض الميل إلى نظم الأحاديث والروايات عن موقف الرسل الكرام يوم القيامة، وتهيّبهم من الشفاعة للناس وتصدي الرسول الكريم ﷺ لهذه الشفاعة، فيقول: كلّ رسول منهم قائل ... نفسي نفسي عنقها يطلب وهو ينادي أمّتي أمّتي ... ربّي مالي غيرهم مطلب هذا إلى أشياء لم أحصها ... يعجز عنها اللّقن المسهب فمن يقل ما شاء فيه يقل ... حقّا وما أحسبه يكذب

стр. 98

وقد انتشر نظم الروايات والأحاديث في المدائح النبوية، حتى جار على الشعر فيما بعد، وكذلك إباحة أن يقول الشعراء ما يشاؤون في رسول الله ﷺ ، وأن كل ما يقولونه حق، فهذه المسألة أدخلت المديح النبوي في خضم الصراع العقائدي، وجعلت بعضهم يوغل في الغيبيات معتمدا على الأحاديث الضعيفة، والروايات المشكوك فيها، فذهب ذلك برونق المدحة النبوية وأخرجها في كثير من الأحيان من دائرة الشعر إلى دائرة النظم العلمي. أما شاعرنا فإن تباشير النظم عنده خفيفة لينة، لم تجر على الشعر، وقد اختتم قصيدته بالدعاء فقال: كلّ لساني وانتهت طاقتي ... ولم أصل بعض الذي أرغب فملت عن مدحته للدّعا ... عسى دعائي عنه لا يحجب فليس مثلي مادحا مثله ... لا لا ولا العير الذي يركب صلّى عليه الله من سيّد ... ما تطلع الشّمس وما تغرب وبذلك نرى أن المديح النبوي في العصر العباسي، بدأ من ذكر النبي الكريم في مدح الخلفاء، وإيجاد علاقة تربطهم به، ومن فخر العلويين بانتسابهم إليه ﷺ ، وظهر شيء من المديح النبوي في قصائد العقيدة، وفي حديث الشعراء عن الحج، ومع تقدم الزمن ظهرت مقطوعات خاصة خالصة لمدح النبي الأمين، إلى جانب ما تمثّل به الشعراء من أحواله- ﵇. وجاء التصوف وتطوره ليعطي لشعراء المدائح النبوية آفاقا غيبية رحبة، يحلّقون فيها، ثم وجدنا قصائد كاملة، نظمت في مدح رسول الله ﷺ ، وإن كانت في البداية معارضة لقصائد قيلت في الرسول على عهده، أقبل عليها وخلع على قائليها، لكن الشعراء سرعان ما نظموا مدائح نبوية خالصة، نظرت إلى كل ما تقدم، بيد أنها كانت مما سمحت به قرائح الشعراء أنفسهم.

стр. 99

وقد شهد العصر العباسي مراحل مختلفة من مراحل تطور المديح النبوي، وظهر فيه كثير من مفردات المدائح النبوية ولوازمها. القسم الخامس- في العصر الفاطمي والأيوبي: شهد هذا العصر اضطرابا كبيرا، إذ شكلت الدولة الفاطمية تحديا خطيرا للدولة العباسية، ونازعتها السيادة الدينية والسياسية على البلاد العربية الإسلامية، وانقسم الناس بين مؤيد لهذه الخلافة أو تلك، بالإضافة إلى انسلاخ قسم كبير من أجزاء الدولة الشرقية، وابتعادها عن العروبة شيئا فشيئا، وكثرة الدول المستقلة على أطراف الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه. ومن ثم بداية الغزو الأوروبي العاتي الذي استطاع أن يحتل باسم الدين مناطق كبيرة من الساحل الشامي وبرّه، وأن يستولي على مدينة القدس ويقطع طريق الحج، ويمضي في اعتداآته على العرب المسلمين، مهددا بالاستيلاء على المنطقة واستيطانها. ومن بين هذه الفوضى الشاملة، والعجز المستشري في الدولة الإسلامية، برز الزنكيون ليقودوا حركة الجهاد الواسعة ضد الصليبيين، والتي آتت أكلها بطرد الصليبيين من الوطن العربي فيما بعد، واستطاعوا تقليل الخلافات بين الممالك العربية الإسلامية، وتوحيد مصر والشام، لتكونا دولة قوية تقف بالمرصاد لكل معتد خارجي. وكان لهذه الأحداث العاصفة صدى في نفوس الناس، والشعراء منهم خاصة، فظهر في شعرهم أثرها واصطبغ بصبغتها، وخاصة ما عملت الدولة الفاطمية على نشره بين الناس، وما تركته حركة الجهاد في نفوسهم. فالدولة الفاطمية التي نسب خلفاؤها أنفسهم إلى علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وادعت أنها الدولة الإسلامية الشرعية في عصرها، عملت على نشر عقيدتها عن طريق دعاة نشيطين، انبثوا في أنحاء البلاد العربية الإسلامية، وأحاطت خلفاءها

стр. 100

بهالة من القداسة، فشارك الشعراء في عملية الدعاية هذه، وحمل شعرهم العقيدة الفاطمية، وما تذهب إليه في الخلفاء. وقد أوسعت الحروب الصليبية بلاد الشام حرقا وقتلا وسلبا، وانتهكت الحرمات فيها باسم الدين، فكان لا بد من أن يدافع الشعراء عن دينهم، وعن صاحب هذا الدين، رسول الله ﷺ ، الذي هاجمه الفرنج وانتقصوا قدره. فذكر رسول الله ﷺ جاء في الشعر الذي مدح به الخلفاء الفاطميون، لأنهم يرجعون بنسبهم إليه، وفي الشعر الذي قيل في الدفاع عن الدين الإسلامي ونبيّه، ففي هذا الشعر مدح مستفيض لرسول الله ﷺ ، بالإضافة إلى الشعر الذي خرج من بيئات المتصوفة، الذين اشتدت حركتهم واتسعت في هذا العصر، نتيجة للاضطرابات والحروب، فشعرهم ينبض بتمجيد الله تعالى وتسبيحه، وتعظيم مقدساته، لذلك كان للرسول الكريم ﷺ نصيب من شعرهم. أما ما مدح به الخلفاء الفاطميون، فإنه يظهر على جانب كبير من المبالغة والتطرف عند من لا يدين بشرعتهم، فهم رفعوا الخلفاء فوق مستوى البشر، ومدحوهم بما تمدح به الأنبياء، وأشركوهم في خصائص الرسول الكريم ﷺ ، فقد نقل عن مخطوط بعنوان (مجموعة أشعار إسماعيلية) شعر للخليفة الفاطمي العزيز بالله، يقول فيه: أنا ابن رسول الله غير مدافع ... تنقّلت في الأنوار من قبل آدم لي الشّرف العالي الذي خضعت له ... رقاب بني حوّاء من كلّ عالم «١» فإذا كان الخليفة يقول عن نفسه هذا القول، ويدعي أنه وجد قبل آدم، فماذا يقول الشعراء؟.

стр. 101

لقد ذهبوا إلى أن الخليفة الفاطمي زكّاه الله تعالى وبعثه ليقوم بأمر الناس، ولذلك يقول له ظافر الحداد «١» : ومدحك في كتاب الله نصّ ... وحسبك منه كاف أيّ كاف «٢» فظافر الحداد مدح الخليفة الفاطمي بما يمدح به رسول الله ﷺ ، فقال فيه: صلّى الإله عليك يا ابن رسوله ... وهدى لطاعتك الورى لسبيله فيك استقرّ الحقّ واتّضح الهدى ... وأبان للثّقلين وجه دليله «٣» لكن الشعراء لم يكونوا جميعا منساقين لمثل هذه المبالغات، وظلوا يمدحون الخلفاء الفاطميين بانتسابهم إلى رسول الله ﷺ ، فابن حيوس «٤» يمدح نقيب الطالبيين بقوله: خصّ الإله محمّدا من بينكم ... لا زال محروسا بأكرم آل وبراكم من طينة مسكيّة ... لمّا برى ذا الخلق من صلصال «٥» صحيح أن ابن حيوس رفع الهاشميين فوق الناس جميعا، حتى جعل طينتهم تختلف عن طينة باقي البشر، لكنه لم يجعل الممدوح بمرتبة النبي بل جعل انتساب الطالبيين إلى النبي الأمين محط الفخر والمدح. والملاحظ أن الشعراء الفاطميين يجعلون للخلفاء وللطالبيين من الهاشميين صفة الهداية والشفاعة، فيتوسلون بهم إلى الله تعالى، ولم يصلوا على الرغم من كثرة ذكر رسول الله ﷺ في شعرهم إلى إفراد مدحه في قصائد خاصة، واكتفوا بما يتيسر لهم أثناء

стр. 102

مدح الفاطميين أو رثائهم، كما فعل طلائع بن رزيك «١» حين رثى العترة الطاهرة بقوله: لا تبك للجيرة السّارين في الظّعن ... ولا تعرّج على الأطلال والدّمن وتب إلى الله واستشفع بخيرته ... من خلقه، ذي الأيادي البيض والمنن محمّد خاتم الرّسل الذي سبقت ... به بشارة قسّ وابن ذي يزن وأنذر النّطقاء الصّادقون بما ... يكون من أمره والطّهر لم يكن الكامل الوصف في حلم وفي كرم ... والطّاهر الأصل من دان ومن درن ظلّ الإله ومفتاح النّجاة وينبو ... ع الحياة وغيث العارض الهتن فاجعله ذخرك في الدّارين معتصما ... له وبالمرتضى الهادي أبي الحسن «٢» وهذا مدح نبوي خالص شدّد فيه على صدق نبوة رسول الله ﷺ وعلى كماله، وأظهر ما يعتقده الفاطميون والمتصوفة في أن النبي الكريم هو أول المخلوقات، وأنه ينبوع الحياة وطلب التشفع به وبعلي بن أبي طالب، وهنا بدأ في رثاء آل البيت، فقد جعل مدح النبي الكريم من مقدمات قصيدته في رثاء علي وأولاده رضوان الله عليهم. وهذا الأمر فعله المؤيد «٣» داعي الدعاة، إذ جعل من مديح رسول الله ﷺ مقدمة لمديح آل البيت، فقال:

стр. 103

وهذا رسول الله أفضل مرسل ... وليس يطيق النّاعتون له نعتا ومن هو خير الخلق أصلا ومحتدا ... وأكرمهم نفسا وأطهرهم نبتا أقام عمود الدّين والرّشد والهدى ... وحتّ سنام الكفر بالحقّ فانحتّا وأحمد بيت النّور، لا شكّ بابه ... أبو حسن (والبيت من بابه يؤتّى) «١» فالشعراء الفاطميون لم يفردوا مدح الرسول في قصائد خاصة، وجعلوا مدحهم له ممزوجا في قصائد مديح الفاطميين ورثائهم، ولوّنوا هذا المدح بعقائدهم، فظهرت في شعرهم صفات لرسول الله ﷺ لم تكن متداولة قبل ذلك. والظاهرة الدينية البارزة التي سادت في هذا العصر، وكان لها تأثير في المديح النبوي، هي ظاهرة اتساع التصوف، فالمتصوفة شكّلوا تصورا خاصا بهم للكون، كان لرسول الله ﷺ مكان متميز فيه، وبحثوا ماهية النبوة وعلاقتها بالولاية، فكان لهم في ذلك آراء شجاعة أثارت استهجان عامة الناس واستنكارهم، ومن هنا جاء ذكر رسول الله ﷺ فيما تركوه من مؤلفات في طريقتهم، وفيما نظموه من شعر في مذهبهم، وجاء ذكر رسول الله ﷺ عندهم أيضا حين جاروا الشيعة في ادعاء وراثة النبي الأمين فهم يرون أنفسهم الفئة الوحيدة التي يحق لها وراثة نبي الله، وبنوا على ذلك نظاما هرميا رأسه الرسول الكريم ﷺ وقاعدته المريدون، وبينهما تتدرج مراتب رجال الصوفية. وقد نص ابن عربي «٢» على مبدأ الوراثة هذا في قوله: ورثت محمّدا فورثت كلّا ... ولو غيرا ورثت ورثت جزآ «٣»

стр. 104

إلا أن المتصوفة مزجوا ذكرهم لرسول الله ﷺ بعقائدهم، وبرموزهم التي تستغلق على المطلع، والتي لا يعرف مدلولاتها إلا من تشبع بمبادئهم ورياضاتهم الروحية، فابن عربي يقول: يا أهل يثرب لا مقام لعارف ... ورث النّبيّ الهاشميّ محمّدا عمّ المقامات الجسام عروجه ... وبذاك أضحى في القيامة سيّدا صلّى عليه الله من رحموته ... ومن أجله الرّوح المطهّر أسجدا لأبيه آدم والحقائق نوّم ... عن قولنا وعن انشقاق قد هدى فجوامع الكلم التي أسماؤهما ... في آدم هي للمقرّب أحمدا «١» ويتضح من شعر ابن عربي أنه يمدح رسول الله ﷺ من منطلق عالم الصوفية الغيبي، فالمتصوفة لا يتحدثون عنه إلا ضمن عالم الغيب الذي بنوه لأنفسهم، لذلك يتضح من شعرهم جانب، ويغمض جانب، وهم يدورون داخل نطاق الحقيقة المحمدية، لا يخرجون عنها، وحين بذكر ابن عربي الرسول الأمين مادحا يذكره ضمن قصائد تتحدث عن طريقته، أو ضمن مقطوعات صغيرة، بدأها واضحا، ثم استغرق في إبهام لا يحسن تفسيره إلا المتصوفة أنفسهم، وكأنه يعطي السامع أو القارئ ما يدل على الموضوع، ويسير به شيئا فشيئا إلى عالمه الخاص، ومن ذلك قوله: صلّى عليه الله من سيّد ... لولاه لم نعلم ولم نهتد قد قرن الله به ذكره ... في كلّ يوم، فاعتبر ترشد عشر خفيّات وعشر إذا ... أعلن بالتّاذين في المسجد فهذه عشرون مقرونة ... بأفضل الذّكر إلى الموعد «٢»

стр. 105

وهذه طريقة معظم المتصوفة في مدح الرسول الكريم، ولنر كيف نظم ابن عربي الحديث الشريف «أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر» «١» ، فقال على لسان النبي: الله يعلم والدّلائل تشهد ... أنّي إمام العالمين محمّد لكن لنا وقت تراقب كونه ... فإذا أتى فالسّلك فيه مهنّد «٢» إنهم لا يستطيعون أن يخرجوا عن عالمهم الغامض، الذي يشفّ أحيانا، فيزيد الشعر عذوبة ورقة وسموا، ويزيد فيستحيل الشعر إلى طلاسم ورموز، لا ندري لها فكاكا، وقد يتحدثون عن النبي الكريم فلا نعلم إلا بعد لأي، أو من سياق القصيدة. لذلك لا نجد عند كبار المتصوفة مدحا خالصا لرسول الله ﷺ ، لأنهم استغرقوا في عالمهم الغيبي وفي إظهار معتقدهم، وإذا خرجوا عن ذلك جاؤوا إلى قصائد الهيام والحب الإلهي برموز أشهرها الغزل المبطن، الذي ظاهره غزل في محبوبة، وباطنه غزل بالذات الإلهية وهيام بحبها وفناء فيها. وفي قصائد الغزل والهيام عند المتصوفة، يلفت النظر موضوع أضحى فيما بعد من لوازم المدحة النبوية وهو التشوق إلى الأماكن المقدسة والتغزل بالكعبة والحنين إلى البقاع التي شهدت بعثة النبي الكريم ونزول الوحي، ولذلك قلما تخلو قصيدة لمتصوف من ذكر المقدسات، وكأنهم قد استعاضوا بها عن ذكر المقدمات الطللية، وذكر المنازل والرحلة في الشعر العربي. فالتشوق إلى المقدسات الذي رأيناه عند الشريف الرضي، والذي كان حنينا إلى الحجاز، موطن آبائه وأجداده، والذي نظمه بعض الشعراء في حنينهم إلى قضاء فريضة الحج، وفي أثناء توجههم لأدائها، صار في هذا العصر فنا قائما بذاته، تنظم فيه القصائد

стр. 106

المستقلة، التي تذوب رقة وعذوبة، وتتقد شوقا وحنينا إلى البقاع التي رفع الله قدرها، وجعل زيارتها فرضا على كل مسلم، وفيها يفصح الشعراء عن مشاعرهم الدينية وعواطفهم السامية ويظهرون مقدرتهم الفنية، فلا توجد روايات وأحاديث، يضطرون إلى نظمها فيسيؤون إلى الرواء الشعري، ولا يوجد من يفرض عليهم هذا اللون من الشعر، ولا يتملّقون به أحدا، فجاء نظمهم لهذا الفن حرا، يضع فيه الشاعر كل ما أوتي من شفافية ومقدرة فنية، لذلك شارك فيه الشعراء على خلاف مذاهبهم ومشاربهم، وحتى الشعراء الفاطميون افتتحوا بعض قصائدهم في مدح الخلفاء بذكر المقدسات والتشوق إليها، مثل قول المؤيد داعي الدعاة في مطلع قصيدة: هلمّ إلى الأرض المقدّسة التي ... بساحتها سكّانها أمنوا الموتا إلى علم الإيمان والقبلة التي ... عليها بلا شكّ دللت ووجّهتا «١» وللشاعر الأجلّ «٢» قصيدة في مدح الخليفة الناصر، بدأها على النحو التالي: حلفت بأعلام المحصّب من منى ... وما ضمّ من نسك حجون وأبطح وبالجمرات السّبع تلقي رماتها ... بإلقائها الأوزار عنها وتطرح وبالبدن تهدى كالهضاب توامكا ... تقلّد من أرسانها وتوشّح وقد أخذت منها الجنوب مصارعا ... وأذعن للجزّار نحر ومذبح وبالوفد ميلا في الرّجال كأنّما ... سقاهم سلاف الرّاح ساق مصبّح إذا قطعوا في طاعة الله صحصحا ... بدا لهم فاستأنفوا السّير صحصح «٣»

стр. 107

فالأجلّ لم يكتف في تقديمه لمدح الخليفة بذكر الأماكن المقدسة والقسم بها، بل جمع إليها بعض مناسك الحج، ووصف الراحلين إلى الحجاز، فأظهر ما هم عليه من تقوى وسرور لتجشمهم عناء السفر في طاعة الله وفوزهم بأمانيهم، وكأنه بدأ بذكر الديار المقدسة وثنى بذكر الرحلة إليها، ليلائم بين مقدمته هذه التي تناسب مقام الممدوح الديني، وبين مقدمات المديح التقليدية التي تبدأ بذكر الديار وتثني بذكر الرحلة. إن انتشار ذكر الأماكن المقدسة وإظهار التشوق إليها، جعل شعراء ليس لهم أي توجه ديني يوردونه، وربما جاروا غيرهم من الشعراء المتصوفة، لظنهم أن تلك الطريقة في التعبير، تسترعي الانتباه أكثر من غيرها وتثير مشاعر الحنين عند المتلقين فيتمّ تجاوبهم العاطفي مع الشاعر. ومما شجع على انتشار المديح النبوي، واكتماله في هذا العصر، ظهور الاحتفالات بمولد النبي الكريم وما تحتاجه هذه الاحتفالات من شعر ينشد فيها، يمجّد رسول الله ﷺ صاحب هذه الذكرى، وينبه على قدره السامي. وكان الفاطميون يقيمون موالد متعددة لرسول الله ﷺ ولعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل البيت- رضوان الله عليهم-، وهذه الموالد ذكّرت الشعراء بما يجب عليهم اتجاه رسول الله ﷺ . ويقال إن أول من احتفل بالمولد النبوي هو مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وصهر صلاح الدين الأيوبي الذي توفي سنة (٦٣٠ هـ) «١» . وفي هذه الأثناء انتشر الاحتفال بالمولد النبوي بين شرق البلاد العربية الإسلامية وغربها، وكان يحتفل به احتفالا صاخبا، يشارك فيه أصحاب الأمر وأعوانهم، والفقهاء والمتصوفة والوعاظ والقراء والمنشدون، وسيمر معنا عند الحديث عن المولد النبوي تفصيل هذه الاحتفالات وما ألّف في المولد وما نظم فيه.

стр. 108

وكان للحروب الصليبية أثرها في ذكر رسول الله ﷺ في هذا العصر، إذ إن الغزو الأوربي لمشرق الوطن العربي ومغربه كان باسم الدين، ويظهر أن الغزاة الذين اتخذوا الصليب شعارا لهم ولحملاتهم، انتقصوا من الإسلام ومن رسوله الكريم، مما دعا الشعراء إلى الدفاع عن الإسلام ونبيه، ومدحه، والإشادة بالقادة الذين يحرزون انتصارات على الصليبيين ومدحهم بأنهم نصروا الإسلام ونبيه، لذلك كثيرا ما نجد في مدائح القادة مثل قول ابن منير الطرابلسي «١» في مدح نور الدين الشهيد: ألبست دين محمّد يا نوره ... عزّا له فوق السّها أساد «٢» واستمرت في هذا العصر طريقة الشعراء في التمثّل بأحوال رسول الله ﷺ ، والدعوة إلى الاقتداء بسيرته الكريمة، والتأسّي بما جرى له، والمقارنة بين عمل حصل في هذا العصر وعمل حصل في عهد رسول الله ﷺ فعمارة اليماني «٣» يدعو الناس إلى الاعتبار برسول الله، والاقتداء بطريقته في التعامل مع المصائب، فيقول: ومن أراد التأسّي في مصيبته ... فللورى برسول الله معتبر «٤» ويكثر ابن حيوس من مثل هذه الأمثال والمقارنات، فيقول في التأسي: لكم في رسول الله أعظم أسورة ... فلا تظهر الشّكوى ولا يتعب الفكر «٥»

стр. 109

ويقول في ممدوحه، وفيما أحرزه من عزّ لبني جلدته: بنيت للعجم المجد المبلّغهم ... مجدا بناه رسول الله للعرب «١» فكأن سيرة النبي الكريم وأحواله حضارة دائما في ذهن ابن حيوس وأمثاله، يلتقط منها ما يناسب موضوعه ليتمثل بها ويحتج لكلامه، وليس هناك أبلغ وأصدق من التمثل برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله. وقد ظهرت في هذا العصر مدائح نبوية متكاملة، عدت بداية فن المدائح النبوية، وإن كنا نجد مدائح نبوية سابقة لهذا العصر، لكنها كانت قليلة ومتباعدة، ولم تشكل ظاهرة أدبية، ولكنها في هذا العصر، وخاصة في المرحلة الأيوبية، كثرت، وأضحى المديح النبوي فنا أدبيا مستقلا بذاته، يشارك فيه معظم الشعراء. وقد تداخل العصر الأيوبي مع العصر المملوكي، لأن معظم الشعراء الذين نظموا في المديح النبوي عاشوا شطرا من حياتهم في دولة بني أيوب، وأمضوا الشطر الآخر في دولة المماليك، والظواهر الاجتماعية والأدبية لا تخضع في تقسيمها للتقسيم السياسي، وإن الأخذ في تقسيم عصور الأدب وتطوره حسب تعاقب الدول لا يهدف إلا لتسهيل الدراسة، ليس إلا. فإن أي تغير سياسي أو اجتماعي، لا يستجيب له الأدب إلا بعد مدة مناسبة من الزمن، فالأدباء يظلون على تقاليدهم الأدبية التي نشؤوا عليها، ويحتاج الجديد إلى وقت ليختمر في النفوس، وليتمثّله الأدباء ومن ثم ليرتد إلى خارج النفس على شكل إبداع أدبي. ولذلك نجد البدايات في قصائد المديح النبوي قصائد معارضة لقصائد مدح فيها النبي الأمين في حياته تهيّبا من الإقدام على مثل هذا العمل الجليل، وخوفا من الوقوع في الخطأ وقلّة الانتباه، وللتدرب على كيفية الحديث عن رسول الله ﷺ ومخاطبته قبل

стр. 110

أن يعبّر الشاعر تعبيرا ذاتيا محضا في الشكل والمضمون عما يكنه للرسول الكريم من مشاعر الحب والتقديس، ومن هذه القصائد قصيدة لابن الساعاتي «١» في معارضة قصيدة كعب بن زهير بدأها بقوله: جدّ الغرام وزاد القال والقيل ... وذو الصّبابة معذور ومعذول «٢» وقد مزج في مقدمة قصيدته بين الغزل وذكر ديار المحبوبة، ووصف الرحلة، دون أن يفرق بينها، ففارق كعبا في ذلك مثلما فارقه في طبيعة الغزل وفي الأسلوب الذي نحا فيه منحى الصنعة التي تفشت في أيامه، حتى إذا استنفذ المقدمة التي بثّ فيها لواعجه وحنينه، أظهر ما بنفسه من حزن، لأن له أعداء ينتقصون منه، فيرد عليهم قائلا: يا حاسدا نال من فضلي بمنقصة ... عليك نفسك إنّ الجهل مفضول حسبي الثلاثة بالتّبريز شاهدة ... البيد واللّيل والعيس المراسيل وكيف أخمل في دنيا وآخرة ... ومنطقي ورسول الله مأمول وهكذا أنهى مقدمته بالرد على منتقصيه والفخر بنفسه، واتخذ هذا مدخلا إلى مديح النبي ﷺ مدحا دينيا خالصا، لم يخلطه بالمعاني التقليدية التي درج الشعراء على مدح رسول الله ﷺ بها، والتي حفلت بها قصيدة كعب التي يعارضها ابن الساعاتي، فقال: هو البشير النّذير العدل شاهده ... وللشّهادة تجريح وتعديل لولاه لم تك شمس لا ولا قمر ... ولا الفرات وجاراها ولا النّيل
следующие страницы →