كفاكم من عظيم القدر أنّكم ... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له «١»
أما الشعراء المغاربة، فإن ذكرهم لآل البيت، لا يتعدى ما قالوه في غيرهم من الصحابة، ونادرا ما يخصون آل البيت بحديث خاص في شعرهم، ومعظم ذكرهم لآل البيت يأتي في قصائد المديح النبوي، أو في القصائد التي يتشوقون فيها إلى الأماكن المقدسة، أو في الشعر الذي ينظمونه عند الوصول إلى المشاهد الحجازية، فحين وصل أحدهم إلى الحجاز، وزار معاهده، وقف على قبر حمزة سيد الشهداء- ﵁ فقال:
يا سيّد الشّهداء بعد محمّد ... ورضيع ذي المجد المرفّع أحمد
يا بن الأعزّة من خلاصة هاشم ... سرح المعالي والكرام المجّد
يا من لعظم مصابه خصّ الأسى ... قلب الرّسول وعمّ كلّ موحّد
جئناك يا عمّ الرّسول وصنوه ... قصد الزّيارة فاحتفل بالقصّد
واسأل إلهك في اغتفار ذنوبنا ... شيم المزور قيامه بالعوّد «٢»
وحين يذكرون عليا، فإنهم يذكرونه ضمن الصحابة الكرام، ويشيدون بفضائله، مثلما يشيدون بفضائلهم، ولا ينسون صلته بالرسول ﷺ ، لأن الصلة بالرسول الكريم هي مدار التفاضل بين المسلمين.
ويظهر مما تقدم أن مدح آل البيت قديم، بدأ منذ كان رسول الله حيا، فكان يضاف مدحهم إلى مدحه، ثم استقل بعد ذلك، حيث انقسم المسلمون حول الخلافة، وتشيع قسم منهم لعلي بن أبي طالب وأبنائه من بعده.
стр. 142
وقد توجه إليهم الشعراء بالمدح والإشادة، يدافعون عن حقهم في الخلافة، ويظهرون صفاتهم ومزاياهم ويذكرون قرابتهم من رسول الله ﷺ . وحين يتعرضون لهذه الصلة مع الرسول الكريم، فإنهم يخصونه بشيء من المدح، لكن هذا المدح لم يكن مقصودا لذاته عند شعراء الشيعة، ولم تكن القصائد مبنية عليه، لذلك لا يعد مديح آل البيت من المديح النبوي، وإن التقى معه في ذكر النبي الكريم، فالأصل أن تكون القصيدة منظومة من أجل مديح النبي، وإن ذكر فيها آل البيت ومدحوا، أما إذا كانت في مدح آل البيت واستدعى الموضوع مدح الرسول الكريم، فإنها لا تكون من المديح النبوي.
ولا شك في أن مديح آل البيت قد أثّر في المديح النبوي أو تأثر به، فشعراء الشيعة، والفاطميون منهم خاصة، أضفوا على آل البيت من الصفات العالية ما يليق بالنبي ﷺ ، وبنوا قصائدهم على غرار قصائد المديح النبوي، واستخدموا معاني المديح النبوي، ولولا القرائن التي تظهر المقصود بالمديح، لظن قارئ تلك القصائد أنها مدائح نبوية خالصة.
ويظهر أن كثيرا من مبالغات مدّاح النبي، واستغراقاتهم في الغيبيات، جاءتهم من شعراء الشيعة، ومن مجاراتهم فيما قالوه في علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وفي الخلفاء الفاطميين، فإنهم وجدوا أن رسول الله ﷺ أحق بتلك الصفات من علي بن أبي طالب.
ولذلك أضحت قصائد الشيعة في مدح أئمتهم أحد المؤثرات في قصائد المديح النبوي من حيث الشكل والمضمون على حد سواء.
إن هذا التداخل بين المدح النبوي ومدح آل البيت، هو الذي دفع بعض الباحثين إلى إدراج مدح آل البيت ضمن المدح النبوي، أو إلى جعله لونا من ألوانه، لكن إمعان النظر في قصائد مدح آل البيت يظهر الفرق بين الفنين الشعريين، وإن تشابها في نواح عدة، فالفصل بينهما يعتمد على المقصود من المدح، وعلى الموضوع الذي تبنى عليه
стр. 143
القصيدة، ولا بأس في أن يرد المدح النبوي في قصائد مدح آل البيت، أو أن يرد مدح آل البيت في قصائد المدح النبوي.
والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها، هي أن الشعراء الشيعة هم أقل فئات الشعراء مدحا للنبي في قصائد مستقلة، بل إن بعضهم مدح آل البيت دون أن يشير من قريب أو بعيد إلى رسول الله ﷺ .
القسم الثالث- الشعر الصوفي:
عرف العرب المسلمون التصوف منذ وقت مبكر، لكنه كان بسيطا نقيا مستمدا من سيرة الرسول الكريم وأحاديثه، ومن دعوة الإسلام إلى الإعراض عن زخارف الدنيا وبهرجها، وإلى إخلاص النية لله تعالى وتقواه في السر والعلن.
وقد اتخذ بعض المسلمين الصحابة قدوة لهم في معيشتهم وسلوكهم، فكان تصوفهم إسلاميا خالصا، لا تشوبه شائبة، يقتصدون في مأكلهم ومشربهم، ويعرضون عن مغريات الدنيا وملذاتها، ويتشددون في إظهار تقوى الله، وفي تطبيق تعاليم الإسلام، لا يخرجون عنها قيد أنملة.
بيد أن الفتوحات الإسلامية الواسعة، واختلاط العرب المسلمين بغيرهم من الشعوب ذات الحضارات المزدهرة، والأديان المختلفة، والفلسفات المتباينة، ترك أثره في مناحي الحياة في الدولة العربية الإسلامية وخاصة ما يتعلق منها بالفكر والثقافة، فدخلت آراء جديدة إلى فكر الفرق الإسلامية المتصارعة حول الخلافة وإلى فكر أولئك الذين نبذوا الصراع الدامي المحتدم، ونأوا بأنفسهم عنه، منقطعين إلى العبادة، وإلى التفكر بخلق الله وعظمته، وشاب زهدهم شيء من الأفكار التي انحدرت إليهم من المسيحية وأديان الفرس والهند وفلسفة اليونان «١» .
стр. 144
وظل تيار التصوف هذا يتنامي ويشتد مع مرور الزمن، وتتضح أبعاده، وتتشكل فلسفته الخاصة المعقدة ويتشعب إلى شعب كثيرة، وفرق متنوعة، أبقى بعضها على كثير من الأصل العربي الإسلامي، وتطرف بعضها، فجاء بأفكار جديدة على العرب وعلى روح الإسلام، مما جعل الناس ينظرون إليهم نظرتهم إلى الزنادقة الخارجين عن الإسلام، وجعل القائمين بالأمر يلاحقونهم، ويقتلون من يتشدد في مذهبه، ويرفض العدول عنه.
وقد اتسع تيار التصوف اتساعا كبيرا في المرحلة السابقة للدولة المملوكية، وظل على اتساعه طول العصر المملوكي كله لأسباب كثيرة، منها الغزو الخارجي الذي كاد أن يعصف بالمسلمين، واضطراب الأوضاع بسبب ذلك، واصطلاح ذلك كله مع الكوارث الطبيعية والأوبئة على العرب المسلمين، مما جعل كثيرا منهم ينصرفون إلى التصوف، ويتخذه قسم آخر طريقا للهرب من الواقع الأليم، وطلبا للأمان الروحي.
وكان للمتصوفة أثر كبير في الفكر والثقافة، وخاضوا معارك فكرية مع أهل السنة من ناحية، ومع الفلاسفة من ناحية ثانية، وأضحى كثير من أفكارهم وعباراتهم، وطريقتهم في التعبير من مستلزمات الأدباء، ومن الظواهر التي تتردد في أدب العصر المملوكي والعصر الذي سبقه.
ومع ذلك لم يتفق الباحثون- على الرغم من ثراء التراث الصوفي- على تحديد مذهبهم، وبيان طريقتهم، لأن المتصوفة أنفسهم لم يظهروا كل ما عندهم، وأحاطوا فكرهم بالغموض، وعبّروا عنه بالرموز، فلا يستطيع الولوج إلى عالمهم إلا كل من قطع شوطا كبيرا في اتباع طريقتهم. لذلك ظل الباحثون حائرين في فهم رموزهم، بل لم يتفقوا على معنى محدد للتصوف، فمنهم من ذهب إلى أنه مشتق من الصوف، وهو اللباس الخشن للزاهدين المعرضين عن نعيم الدنيا، ومنهم من ذهب إلى أنه مشتق من تسمية أهل الصفة من فقراء المسلمين، الذين كان الرسول الكريم يجمعهم ويرعاهم،
стр. 145
ومنهم من يقول: إنه مشتق من الصفاء، أساس عقيدتهم القائمة على الصفاء الروحي في علاقتهم مع خالقهم.
وحين رأى المتصوفة ما يتقوّل به الناس عليهم، انبرى بعضهم لتصحيح الفكرة الخاطئة عنهم، وأعادوا طريقتهم إلى أصولها الإسلامية، وأوضحوا أنها خلاصة العبادة المفروضة على المسلمين، وقالوا: «التصوف علم انقدح في قلوب الأولياء، حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، وهو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة» «١» .
فهم يؤكدون أنهم يعملون بروح الشريعة لا ظاهرها، ولذلك لا يقدّر من لا يرى رأيهم ما يفعلونه، وقد لا يفهم ما يقولونه، فيفسره تفسيرا بعيدا عن المقصود منه، ولهذا أوضح كتّابهم أن «طريق القوم مشيّدة بالكتاب والسنة، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء، وبيان أنها لا تكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير» «٢» .
لكن ذلك كله لم يذهب الشكوك عن المتصوفة، وظل الفقهاء المتشددون يهاجمونهم، وينظرون إليهم بريبة، بسبب تصرفاتهم، وبسبب ما ينسبونه لأنفسهم من كرامات، مما جعل إحدى فرقهم وهي الملاماتية، تدعو إلى ستر كرامات الأولياء، وهذه الفرقة قامت طريقتها على لوم النفس وإساءة الظن بها لكشف خباياها، ولذلك داوى أتباعها ميل النفس إلى المعاصي بالإعراض عنها، وتأديبها بمخالفتها. وقد فرقت هذه الفرقة بين كرامة الولي ومعجزة النبي حتى لا يساء الظن بالمتصوفة، وذهبت إلى أن «الرسل مضطرون إلى الظهور بمعجزاتهم، لكي تتأيد بها دعواهم، ويتيسر بها سبيلهم إلى تبليغ رسالاتهم، أما الأولياء، فليسوا في حاجة إلى هذا التأييد.. ولهذا كان ظهور النبي بالمعجزة كمالا وظهور الولي بالكرامة نقصا» «٣» .
стр. 146
وقد اختلفت مناحي انتقادات الناس للصوفية، فمنهم من انتقدهم في عقيدتهم، وعاب عليهم اتخاذ عقائد تباين الإسلام، أو تبدو غريبة عنه، مثل قولهم بالحلول ووحدة الوجود وغير ذلك من معتقداتهم ولذلك قال فيهم الطاهر الجزري «١» وهو من مدّاح البويهيين:
أرى جيل التّصوّف شرّ جيل ... فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي «٢»
فإلى جانب ما أخذه عليهم في عقيدتهم، هاجم طريقتهم في الحياة، فانتقد إقبالهم على الولائم وإفراطهم في الأكل، ورقصهم في مجالس الذكر، والذي اتّخذ وسيلة للتعبير عن انفعالاتهم الروحية، وطريقا للصفاء والاستغراق في الوجد.
ومثل ذلك ما قاله فيهم يعقوب بن صابر المنجنيقي «٣» ، الذي ساءه لباسهم القصير وميلهم إلى شرب العصير:
قد لبسوا الصّوف لترك الصّفا ... مشايخ العصر لشرب العصير
وقصّروا للعشق أثوابهم ... شرّ طويل تحت ذيل قصير «٤»
ويظهر أن طريقة المتصوفة في لبسهم وعاداتهم في الطعام والشراب، وانحراف بعضهم عن جادة الصواب تحت ستار التصوف، قد نبّهت الناس إلى ما ينطوي عليه التصوف، إذا ابتعد عن جوهره، من مخاطر على العقيدة والمجتمع، وخاصة حين يتخذ
стр. 147
التصوف للحصول على الرزق دون عمل، وللتكاسل عن الكسب، والتواكل، لهذا نجد ابن تيمية ينظم على لسان المتصوفة أبياتا، يسخر فيها من تواكلهم ومجالس ذكرهم، فيقول:
والله ما فقرنا اختيارا ... وإنّما فقرنا اضطرار
جماعة كلّنا كسالى ... وأكلنا ماله عيار
تسمع منّا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلّها فشار «١»
وتهكم جوبان القواس «٢» من كلام الصوفية وأفكارهم حول الحلول ووحدة الوجود، فقال على لسان أحدهم:
متّ في عشقي ومعشوقي أنا ... ففؤادي من فراقي في عنا
غبت عنّي فمتى أجمعني ... أنا من وجدي منّي في فنا
أيّها السّامع تدري ما الذي ... قلت والله ولا أدري أنا «٣»
وللصوفية أدب كثير، وشعر غزير، عبروا به عن أفكارهم ومشاعرهم، وأظهروا فيه وجدهم وانفعالاتهم، وكان لرسول الله ﷺ ذكر في أدبهم، لأن له مكانة سامية في معتقدهم، فهم يصفونه بالقطب الأكبر لهم، ويذهبون إلى أن أولياءهم هم خلفاؤه، وحملة سنته، لهذا يحمدون الله الذي «أتبع الأنبياء ﵈ بالأولياء، يخلفونهم في سننهم، ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم» «٤» .
стр. 148
لذلك ورد ذكر رسول الله ﷺ في شعرهم، ومدحه بعضهم في قصائد تصوفهم، أو في قصائد خاصة، ومن هنا جاء التداخل بين الشعر الصوفي وشعر المديح النبوي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة المتصوفة في شعرهم، وفي غزلهم الرمزي قد انتقلت إلى قصائد المديح النبوي، وقد أكثروا في مطالع قصائدهم من الحنين إلى الأماكن المقدسة، وذكر المعاهد الحجازية وانتقل هذا الأمر أيضا إلى المدائح النبوية.
فالعلاقة بين شعر التصوف والمديح النبوي علاقة وثيقة، وخاصة حين ينظم المتصوفة قصائد المديح النبوي ويطبعونها بطابعهم، لكن الفيصل بين المديح النبوي والشعر الصوفي، هو أن الشعر الصوفي الذي ذكر فيه الرسول الكريم لم يكن يقصد به مدح الرسول ﷺ ، ولكن الموضوع فرض على الشاعر ذكره، ولذلك لا يعد هذا الشعر من المدائح النبوية، وكذلك إذا نظم شاعر قصيدة في مدح النبي وتطرق في قصيدته إلى بعض عقائد المتصوفة، أو اتخذ طريقتهم في التعبير، فإن هذا الشعر هو من المدائح النبوية، وإن عد من الشعر الصوفي على وجه من الوجوه.
وقد اتخذ المتصوفة من الغزل والخمر وسيلة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، واتخذوهما رمزا لعواطفهم ومواجدهم، ولذلك انتقل هذا الغزل الرمزي إلى شعر المديح النبوي، ويبدو أن أوائل المتصوفة كانوا يعبرون عن مشاعرهم بأبيات غزلية يحفظونها، يبقونها كما هي، أو يغيّرون فيها لتلائم ما يريدون إيصاله إلى سامعيهم، وأخذ من جاء بعدهم ينظم على غرار هذه الأبيات، إلى أن ثبتت طريقة للتعبير عن الوجد الإلهي عند المتصوفة، وكذلك الأمر في شعر الخمر.
ومن هذا الغزل الرمزي، والحنين إلى المقدسات، قول الفائز ابن شاهنشاه بن أيوب الذي ترك الإمارة وصار صوفيا:
إذا نفحت ريح المحصّب من نجد ... طربت لمسراها بما هاج من وجدي
стр. 149
فيالك من ريح إذا هبّ نفحها ... يزيد الذي في القلب من شدّة الوقد
تخبّر أخبار الغرام عن الحمى ... وتسنده نقلا عن البارق النّجدي
لها أسانيد المحبّة شاهد ... صحيح بما يرويه في الحبّ عن هند «١»
فنحن نرى حبا ونرى وجدا، ونرى شوقا، ولكنّا لا نعرف لمن هذا الحب وهذا الشوق، وبمن هذا الوجد وقد اصطلح القوم على أن مثل هذا الشعر، هو مواجد إلهية، وحنين إلى الصفاء الإلهي، وإلا فبماذا نفسر قول ابن بهادر القرشي «٢» ، الذي يطفح بالعاطفة الجياشة والحنين المتوقد:
رأي عقلي ولبّي فيه حارا ... فأضرم في صميم القلب نارا
وخلّاني أبيت اللّيل ملقى ... على الأعتاب أحسبه نهارا
فيا لله من وجد تولّى ... على قلبي فأعدمه القرارا
ومن حبّ تقادم فيه عهدي ... فأورثني عناء وانكسارا
ألا يا لائمي دعني فإنّي ... رأيت الموت حجّا واعتمارا «٣»
ويظهر من ختام الأبيات أن غزل الشاعر وحنينه ليس موجها إلى حبيبة بعينها، وليس بقصد به إنسانة يعرفها الشاعر ويحبها، وإنما هو غزل غير متعين، ربما كان في الكعبة المشرفة، كما انتشر بعد ذلك بين الشعراء.
ويبدو أن طريقة المتصوفة هذه في غزلهم، كانت تواجه شكوكا واستهجانا
стр. 150
عند الناس، وهذا ما حفز ابن عربي إلى شرح ديوانه (تراجم الأشواق) ، ليظهر الأسرار الإلهية التي أودعها غزله، حتى لا يساء فهمه، أو كما قال: «وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان، أشير بها إلى معارف ربانية وأنوار إلهية وأسرار روحانية وعلوم عقلية وتنبيهات شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها» «١» .
فابن عربي يرى أن استخدام الغزل في حمل أفكار المتصوفة ومشاعرهم، هو فقط لجلب انتباه الناس، وحثهم على مطالعته، لأن الغزل يستميل القلوب، وهذه هي الحجة التي سوغ فيها النقاد القدامى وجود الغزل في مقدمات قصائد المديح، وقد فعل ابن عربي ما وعد به، فأورد قصائده الغزلية، ثم شرحها شرحا مغايرا لظاهر ألفاظها، فحوّل معانيها من الغزل إلى التصوف على نحو لم يعهد من قبل، فكانت قصائده ذات عالمين، عالم غزلي ظاهري، وعالم صوفي باطني، وقد أوضح هذا الأمر بقصيدة قال فيها:
كلّما أذكره من طلل ... أو ربوع أو مغان كلّما
وكذا إن قلت أنجد لي ... قدر في شعرنا أو أتهما
وكذا السّحب إن قلت بكت ... وكذا الدّهر إذا ما ابتسما
أو أنادي بحداة يمّموا ... بانة الحاجر أو ورق الحمى
أو بدور في خدور أفلت ... أو شموس أو نبات أنجما
أو بروق أو رعود أو نقا ... أو جبال أو تلال أو رما
стр. 151
أو خليل أو رحيل أو ربى ... أو رياض أو غياض أو حمى
أو نساء كاعبات نهّد ... طالعات كشموس أو دمى
كلّما أذكره ممّا جرى ... ذكره أو مثله أن يفهما
منه أسرار وأنوار جلت ... أو علت جاء بها ربّ السّما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها ... واطلب الباطن حتّى تعلما «١»
وعلى هذا النحو سار شعر المتصوفة في رمزية، يتفاوت فيها الشعراء، منها ما يظهر للمطلع عند إمعان النظر فيها، ومنها ما لا يظهر إلا للراسخين في العلم، وقليل هم، وعلى هذا النهج كان ذكرهم لرسول الله ﷺ ومدحه، فلا تتضح معاني المديح إلا بصعوبة، ويلفها الغموض، ويحجبها الرمز، وتجنح في معظمها إلى الغيبيات، مثل قول ابن عربي:
دثّروني زمّلوني قول من ... خصّه الرّحمن بالعلم الحسن
حين جلّى الرّوح بالأفق له ... وهو في غار حراء قد سجن
نفسه فيه لأمر جاءه ... في غيابات الفؤاد المستكن
لتجلّ قام في خاطره ... صورة مجموعة من كلّ فن
كلّما أحضره في خلدي ... حنّ قلبي لتجلّيه وأنّ
فلذا يقلقني سهده ... ولذا أزهد في دندن دن «٢»
والملاحظ أن قصيدة ابن عربي هذه في رسول الله ﷺ استغرقت الحديث عن لحظة
стр. 152
البعثة، ونزول الوحي على رسول الله ﷺ لأول مرة، ووصف ما جرى له من وراء ذلك، وهذا هو الجانب الذي اهتم به المتصوفة، جانب الوحي، وعالم الغيب، واتصال العالم المحسوس به، وهم الذين قامت طريقتهم على إيجاد هذه العلاقة وإقامتها بين العالمين.
وقد حفلت القصيدة بالرموز الصوفية التي يحار فيها المتلقي مثل (سينية صادية، دندن دن) وهي تعبير عن الأسرار الإلهية التي حرص الصوفية على إخفائها عن غيرهم وعن المبتدئين منهم ولذلك نجد ابن عربي يقول عن نفسه:
إنّي خصصت بسّر ليس يعلمه ... إلّا أنا والذي في الشّرع نتبعه
هو النّبيّ رسول الله خير فتى ... بالله نتبعه فيما يشّرعه «١»
ويصل ابن عربي في قوله في رسول الله ﷺ إلى الحد الذي لا مزيد بعده، فهو يذهب إلى أن الناس تعجز عن إدراك صفاته، لأنه نسيج وحده، ويشي كلامه بأن له شيئا من الصفات الإلهية، فيقول:
اليثربيّ الذي لا نعت يضبطه ... ولا مقام ولا حال يعيّنه
مرخى العنان على الإطلاق نشأته ... قامت فلا أحد منّا يبيّنه
من قال إنّ له نعتا فليس له ... علم به عند ما يبدو مكوّنه
فعلمنا إن علمناه يشير به ... وجهلنا هو في علمي يزيّنه «٢»
وأكثر ما تعلق به المتصوفة من معجزات الرسول الكريم، ومن سيرته، هو الإسراء والمعراج، فإن هذه المعجزة التي انتقل فيها رسول الله ﷺ إلى جوار ربه وعاد، والتي
стр. 153
تمثّل أرقى اتصال بين عالمنا المادي والعالم الروحي، أو بين الأرض والسماء، هو ما يجعله المتصوفة نصب أعينهم، في مسعاهم الحثيث ليعرجوا بأرواحهم إلى السماء، وليفنوا في خالقهم، لذلك حرص شعراء المتصوفة على ذكر هذه المعجزة بالإشارة حينا، وبالتفصيل حينا آخر، لأن الحديث عنها يعبر عن طموحاتهم، ويحمل آراءهم، ويتيح لهم الخوض في الغيبيات كما يحلو لهم، وبالقدر الذي يشبع رغبتهم في الانطلاق إلى العالم النوراني البعيد عن مادية الأرض وأسر الجسد، وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألم تر أنّ الله أسرى بعبده ... من الحرم الأدنى إلى المسجد الأقصى
إلى أن علا السّبع السّماوات قاصدا ... إلى بيته المعمور بالملأ الأعلى
إلى السّدرة العليا وكرسيّه الأحمى ... إلى عرشه الأسنى إلى المستوى الأزهى
فكان تدلّيه على الأمر إذ دنا ... من الله قربا قاب قوسين أو أدنى
وشال حجاب العلم عن عين قلبه ... وأوحى إليه في الغيوب الذي أوحى «١»
ومن القضايا المتعلقة برسول الله ﷺ في أدب الصوفية وكتبهم، قضية العلاقة بين النبوّة والولاية، والمفاضلة بينهما، فقد أخذ على المتصوفة تفضيلهم الولي على النبيّ، وهذا ما أحرجهم، لذلك تصدوا لشرح هذه القضية وبيان مذهبهم في ذلك، فقال ابن عربي «هذه مسائل لا يعلمها إلا الأكابر من عباد الله، الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء زمن النبوة، وهي النبوة العامة، فإن النبوة انقطعت بوجود رسول الله ﷺ » «٢» فابن عربي يذهب إلى أن كلامهم في مسألة النبوة، ووصف كبارهم بالأنبياء، لا يفهمه على حقيقته إلا الأكابر من عباد الله، وهؤلاءهم أقطاب الصوفية وكبارهم، وإلا فإن الناس سيفهمون كلام الصوفية فهما خاطئا.
стр. 154
وعاد ليفرق بين النبوة والولاية، وخاصة فيما يتعلق بالنبي محمد ﷺ فقال:
«ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتمّ من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع.. فإذا سمعت أحدا من أهل الله يقول أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة.. أو يقول: إن الوليّ فوق النبي والرسول، فإنه يعني بذلك في شخص واحد هو أن الرسول ﵇، من حيث هو ولي، أتمّ من حيث هو نبي رسول» «١» .
وقد نظم رأيه في هذه المسألة شعرا، لكنه زاد هذه المسألة غموضا، ولم يبيّن ما يقصده بمقام النبوة حين قال:
بين الولاية والرّسالة برزخ ... فيه النّبوّة حكمها لا يجهل
لكنّها قسمان إن حقّقتها ... قسم بتشريع وذاك الأوّل
عند الجميع وثمّ قسم آخر ... ما فيه تشريع وذاك الأنزل «٢»
أما ابن الفارض «٣» ، فلم يكن ذكر رسول الله ﷺ عنده على هذه الدرجة من الوضوح، ولم يكن مدحه له ظاهرا متعينا، مما حدا بالباحثين إلى تخمين ذلك تخمينا، فسلطان العاشقين تدرج في عشقه ووجده من الأولياء والصالحين والصحابة وغيرهم من شيوخ التصوف، في قصيدته اليائية التي افتتحها بالغزل والتشوق للمقدسات فقال:
سائق الأظعان يطوي البيد طي ... منعما عرّج على كثبان طي
كان لي قلب بجرعاء الحمى ... ضاع منّي هل له ردّ علي «٤»
стр. 155
ثم تطور حبه وارتقى، فأضحى موضوعه ذات النبي الكريم، وذلك في قصيدته التي يقول فيها:
وجاء بأسرار الجميع مفيضها ... علينا ختما على حين فترة
فعالمنا منهم نبيّ ومن دعا ... إلى الحقّ منّا قام بالرّسليّة
وعارفنا في وقتنا الأحمديّ من ... أولي العزم منهم آخذ بالعزيمة
وما كان منهم معجزا صار بعدهم ... كرامة صدّيق له أو خليفة «١»
فهو يرى الرسول حاملا للأسرار الإلهية أو ما يسميها ابن عربي جميع العلوم، وهو الذي أفاضها على أتباعه، ويتحدث ابن الفارض هنا عن المتصوفة الذين جعلوا من أنفسهم خلفاء للرسول الكريم، أخذوا عنه الأسرار الإلهية، ولذلك أضحى عالم المتصوفة نبيّا ورسولا في زمانه، تظهر على يديه الكرامات، مثلما كانت تظهر المعجزات على أيدي الأنبياء. وهذا ما تحدث عنه ابن عربي في التفريق بين الولاية والنبوة، ولم يتجاوز ابن الفارض في ذكر رسول الله ﷺ ما جاء به هنا، لكنه أكثر من ذكر الأماكن المقدسة والمعاهد الحجازية، في مقدمات قصائده، وهذه المقدمات أضحت من لوازم قصيدة المدح النبوي.
وقد عارض شعراء المديح النبوي قصائد ابن الفارض، وحولوها من الوجد الصوفي إلى المديح النبوي، وخاصة قصيدتاه المشهورتان، التائية واليائية.
وما عدا ذلك استغرق ابن الفارض في مواجده الصوفية، والعشق الإلهي، حتى سمي بسلطان العاشقين.
ويظهر لنا أن المتصوفة وصلوا إلى مدح النبي الكريم على طريقتهم، وأفردوا له
стр. 156
قصائد خاصة، وهذا ما جعل الدكتور زكي مبارك يقطع بأن المتصوفة «ابتدعوا فن المدائح النبوية» «١» .
وأن «المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف» «٢» .
ولم يظهر لي ما ذهب إليه الدكتور زكي مبارك، فالمدائح النبوية ظهرت في زمن متقدم على هذا الشعر، وخاصة في المغرب العربي، وأما ما ظهر عند المتصوفة من مدح نبوي، فهو لا يزيد عما ظهر عند الشعراء من الشيعة أو السنة على حد سواء، وإذا أفرد المتصوفة المديح النبوي في قصائد خاصة، فإن مدحهم هذا من المديح النبوي العام، يفترق عن باقي شعر التصوف الذي ذكر فيه النبي الكريم ضمن موضوعات كثيرة، كما هو الأمر في قصائد ابن الفارض وابن عربي وأضرابهما من المتصوفة.
والقضية الهامة التي يحسن الوقوف عندها في شعر التصوف، والتي تتعلق بالمدائح النبوية هي قضية الحقيقة المحمدية، التي قال بها شعراء المدائح النبوية جميعهم، والتي اختلف الباحثون فيمن أتى بها أول مرة. فمنهم من قال إن المتصوفة هم الذين ابتدعوها، ومنهم من قال إن الشيعة هم الذين أدخلوها إلى الفكر العربي، ومنهم من ذهب إلى أن أهل السنة هم الذين قالوا بالحقيقة المحمدية، وأخذها الشيعة والمتصوفة عنهم.
والحقيقة المحمدية، أو نظرية تنقل النور المحمدي، أو قدم الوجود المحمدي، هي القول بأن النور المحمدي موجود قبل هذا الوجود، وأنه تجسد في شخص آدم، وظل ينتقل من نبي إلى نبي حتى ظهر في شخص النبي ﷺ ، والصوفية يذهبون إلى أن هذا النور لا زال ينتقل من قطب إلى قطب، وسوف يظل كذلك إلى يوم الدين.
وقد عبّر الدسوقي عن اعتقاد الصوفية في الحقيقة المحمدية، وانتقالها إلى الأقطاب في قوله:
стр. 157
نعم نشأتي في الحبّ من قبل آدم ... وسرّي في الأكوان من قبل نشأتي
أنا كنت في العلياء مع نور أحمد ... على الدرة البيضاء أو في خلوّتي
أنا كنت في رؤيا الذّبيح فداؤه ... بلطف عنايات وعين حقيقة
أنا كنت مع عيسى على المهد ناطقا ... وأعطيت داودا حلاوة نغمة
أنا كنت مع نوح بما شهد الورى ... بحارا وطوفانا على كفّ قدرة
أنا ذلك القطب المبارك أمره ... فإنّ مدار الكلّ من حول ذروتي «١»
وقد شغلت نظرية الحقيقة المحمدية حيزا كبيرا من تفكير ابن عربي، لأنه يؤكد على مبدأ وراثة الأقطاب للأنبياء، وهذا يعلي من شأن الصوفية، وكبارهم على وجه الخصوص، ويجعل المريدين يمتثلون لكل ما يأتي به القطب. ففي معرض حديثه عن خزائن الجود والكرم، قال: «هي الأسماء الإلهية المتجلية في الموجودات على اختلاف أنواعها، فمحمد ﷺ يمد المخلوقات بها، لأنه هو وحده المظهر الكامل لها جميعها، وبذلك استحق اسم عبد الله، والله اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية. ولأن محمدا أو حقيقة محمد واسطة الخلق، وحلقة الاتصال بين الذات الإلهية والمظاهر الكونية، فهو بمثابة العقل الأول في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وبمثابة المسيح في الفلسفة المسيحية، وبمثابة المطاع في فلسفة الغزالي» «٢» .
وأوضح ابن عربي رأيه في الحقيقة المحمدية من طريق آخر، هو طريق الاصطفاء الإلهي للرسول الكريم، فهو خيار من خيار من خيار، فقال: «واصطفى واحدا من خلقه، هو منهم وليس منهم، هو المهيمن على جميع الخلائق، جعله عمدا أقام عليه قبة
стр. 158
الوجود، جعله أعلى المظاهر وأسناها، صح له المقام تعيينا وتعريفا، فعلمه قبل وجود طينة البشر، وهو محمد رسول الله ﷺ » «١» .
وهنا يشير ابن عربي إلى الحديث الشريف الذي نظمه شعراء المديح النبوي، وهو «إني عبد الله في أم الكتاب وإن آدم لمنجدل في طينته» «٢» .
وقد سبق الحلاج هؤلاء المتصوفة إلى القول بالحقيقة المحمدية في كتابه (الطواسين) ، حين جعل نور النبي محمد ﷺ أساس أنوار الأنبياء، وجعل وجوده أقدم من القدم، وقبل أن يخلق الكون، فقال: «أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر، وأقدم من القدم، سوى نور صاحب الكرم، همّته سبقت الهمم، وجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم» «٣» .
وقال أيضا: «كان مشهورا قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل مذكورا قبل القبل، وبعد البعد، والجوهر والألوان» «٤» .
لاقت الحقيقة المحمدية قبولا عند معظم شعراء المديح النبوي، المنتمين إلى اتجاهات دينية مختلفة، فتسابقوا إلى إيضاحها، وصبّها في قوالب شعرية معبرة، يزيدون عليها ما يلائم مذهب كل منهم، ويقفون في نسبها عند رسول الله ﷺ حينا، ويجاوزونه إلى علي بن أبي طالب حينا آخر، ويصلون بها إلى الخلفاء والأقطاب في أحيان كثيرة، وكلهم يطلب القداسة لما يذهب إليه، ويدعم قوله بروايات غيبية وأحاديث شريفة، وجعلوا من الحقيقة المحمدية أقصى ما يمدحون به رسول الله ﷺ .
стр. 159
واتخذوها ردا وموازاة لما يذهب إليه النصارى في المسيح، حين احتدم الجدال بين المسلمين وأهل الكتاب إبّان الحروب الصليبية، وذهبوا في تلوينها وتغييرها كل مذهب، لكنهم جميعا حافظوا على جوهرها القائم على قدم النور المحمدي الذي خلق قبل خلق الكون، والذي فاضت عنه المخلوقات جميعها، فأضحى بذلك علّة الكون، كما يقول ابن الفارض على لسان النبي الكريم:
ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن ... شهود ولم تعهد عهود بذمّة
فلا حيّ إلّا عن حياتي حياته ... وطوع مرادي كلّ نفس مريدة «١»
ومدح ابن عربي الرسول الكريم بصفات كثيرة، منها المكانة السامية، وإصلاح الزمان، ونفاذ إرادته لكنه بدأ مدحه بالحقيقة المحمدية:
ألا بأبي من كان ملكا وسيّدا ... وآدم بين الماء والطّين واقف
فذاك الرّسول الأبطحيّ محمّد ... له في العلا مجد تليد وطارف «٢»
وقد يذكر الشعراء المتصوفون الحقيقة المحمدية، ويدّعون وراثتها، وكأنهم بذلك يمدحون أنفسهم، بعد أن مدحوا صاحبها، وكما كان آل البيت يمدحون بالانتساب إلى رسول الله ﷺ ، وكان الخلفاء يحرصون على أية نسبة إليه، مهما كانت بعيدة، ولو كان تشابها في الاسم، أو تشبها بالعمل، فإن المتصوفة مدحوا أنفسهم، أو افتخروا بالانتساب إلى الرسول الكريم ووراثة علمه عن طريق الحقيقة المحمدية الخالدة، التي وجدت قبل خلق الكون، وستستمر إلى يوم القيامة، فأمّنوا بذلك إشادة لأنفسهم، وأضفوا عليها شيئا من القداسة، جعلت الناس تقدرهم، والسلاطين يتصاغرون أمامهم، فلا عجب أن يدعي ابن عربي أنه ولد الأنبياء فيقول:
стр. 160
أقول لآدم أصل الجسوم ... كما أصل الرّسالة شرع نوح
وأنّ محمّدا أصل شريف ... عزيز في الوجود لكلّ روح
أنا ولد لآباء كرام ... فنوري في الإضاءة مثل يوح
فبرّ الوالدين عليّ فرض ... فيا نفسي على التّفريط نوحي
أنا بن محمّد وأنا بن نوح ... كما أني ابن آدم في الصّحيح
فيا من يفهم الألغاز هذا ... لشأن رموزنا بالعلم نوحي «١»
فابن عربي يذهب إلى أن روح رسول الله ﷺ أصل أرواحنا، فهو أول الآباء روحا، وآدم أول الآباء جسما، ونوح أول رسول أرسل، ومن كان قبله إنما كان نبيا.
وهو قد ورث هؤلاء جميعا على وجه من الوجوه، وحتى لا يؤخذ كلامه مأخذا خاطئا، ويفهم على نحو يسيء رأي الناس في عقيدته، توارى خلف الرمز، وقال لسامعه أو قارئه، إن ما يقوله رموز يصعب فهمها.
وهكذا انتشر مدح رسول الله بالحقيقة المحمدية، فأضحت من لوازم المديح النبوي، يقولها الشعراء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، وتقع على ألسنة الكتاب في خطب كتبهم، وخاصة المتصوفة منهم، مثل خطبة كتاب إيقاظ الهمم، فعند ما وصل المؤلف إلى الصلاة على النبي قال:
«والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، منبع العلوم والأنوار، ومعدن المعارف والأسرار» «٢» .
وقد حفلت قصائد المتصوفة في مدح النبي الكريم بألفاظهم وتعابيرهم، فوصفهم
стр. 161
للرسول يختلف عن وصف غيرهم له، فهو الغوث والقطب ومفيض العلوم ومنبع الأسرار، وغير ذلك من اصطلاحاتهم.
وأكثر ما يتضح الاتجاه الصوفي في المديح النبوي عند ابن زقاعة «١» ، فديوانه حافل بالقصائد الصوفية، ومنها قصائد في مدح رسول الله على طريقتهم، ففي إحداها نجد مقدمة طويلة في ذكر الأماكن المقدسة، ثم يصل إلى مدح النبي الكريم، فيقول:
أحمد الماجد الكريم المفدّى ... صاحب المكرمات والمعجزات
قلت لمّا رأيته في منامي ... يا رفيع العماد والدّرجات
يا طراز الجمال يا حلّة المج ... د وتاج العلا وكهف العناة
أنت عين الزّمان يا صاحب ال ... وقت وغوث الأنام في المعضلات
أنت سرّ الوجود يا كعبة الوج ... د وأمانا للخائفين والخائفات «٢»
وتظهر قصائده ما يمكن أن يقوله صوفي من مواجد وغيبيات ورموز، وغزل وخمر، وتوسل، بالإضافة إلى مدح النبي الكريم على النحو الذي رأيناه، يضيف إليه أحيانا ما تواضع عليه شعراء المديح النبوي من معاني التفضيل والهداية، وذكر المعجزات، وبعض القيم التقليدية.
ومن الشعراء المتصوفة الذين مدحوا رسول الله ﷺ ، الجعبري «٣» ، الذي أظهر في قصائده الشوق والوجد، وأضفى على النبي الكريم كل الصفات التي مدحه بها الشعراء
стр. 162
على اختلاف مذاهبهم، فهو يتشوّق إلى روح رسول الله ﷺ ، مظهرا حبه ووجده به، فيقول:
فإن متّ من وجدي غراما بحبّكم ... فقولوا قتيل، مات وهو متيّم
فموتي حياتي في هوى ساكن الحشا ... مليح الجمال صلّوا عليه وسلّموا «١»
ويقترب الجعبري من الحقيقة المحمدية، حين يجعل الرسل جميعا، يطلبون شفاعة النبي محمد ﷺ ويتوسلون به، وهذا يعني أنه موجود قبلهم، وأنهم يعرفون قدره ومكانته عند الله تعالى، فيقول:
فادم لمّا أن توسّل باسمه ... تقبّل منه ربّه كلّ دعوة
ونوح من الطّوفان نجّاه ربّه ... بدعوته من كلّ هول وكربة
ونجّى إبراهيم لمّا دعا ربّه ... وأخمدت النّيران من بعد قوّة
وموسى وعيسى بالنّبيّ توسّلا ... وعمّ البرايا فضل خير البريّة «٢»
والملاحظ أن الشاعر المتصوف يمهد لقصيدته في مدح النبي بما يمهد لقصائده في الوجد والعشق الإلهي، ويضفي على الرسول الكريم الصفات التي كان يستخدمها في قصائد التصوف للإشارة إلى الذات الإلهية حينا، وللإشادة بكبار المتصوفة حينا آخر، منطلقا من أن رسول الله ﷺ هو أول المتصوفة وقطبهم. وهذا ما نراه في نبوية صوفية لعلي وفا «٣» قال فيها:
стр. 163
قطب النّهى غوث العوالم كلّها ... أعلى عليّ ساد أحمد من حمد
روح الوجود حياة من هو واجد ... لولاه ما تمّ الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصّدور جميعهم ... هم أعين هو نورها لمّا ورد
لو أبصر الشّيطان طلعة نوره ... في وجه آدم كان أوّل من سجد «١»
فالحقيقة المحمدية ظاهرة في الأبيات والنبي هو سبب الوجود وهو نور الأنبياء وهداهم، وهو القطب أو غوث العوالم كلها، وهذه كلها معان صوفية لا يني الشعراء المتصوفة يذكرونها في شعرهم. والشاعر هنا يستغرق في عالمه الصوفي، فلا يظهر لنا الفصل بين عالمه المتخيل وبين حقيقة ما يتحدث عنه، لأن الألفاظ عند المتصوفة تستحيل إلى رموز قد تشفّ وقد تستغلق، فلا يفكّها إلا من اتّبع طريقتهم وسار شوطا كبيرا في مدارجهم ورياضتهم الروحية. نصل من ذلك كله إلى أن الشعر الصوفي، تيار قائم بذاته، يعبر عن أحوال المتصوفة وتطلعاتهم وعقائدهم ومواجدهم. وقد جاء ذكر رسول الله ﷺ في هذا الشعر، لأنه شعر ديني، فلا بد من أن يذكر صاحب الدين فيه، ولأن بعض المتصوفة تطلعوا إلى مقام النبوة، ولأن من معتقدهم أن رسول الله ﷺ هو القطب الأول للصوفية، وهم ورثته، لكن هذا الذكر ظل متفاوتا ما بين الإشارة الغامضة إلى المديح الصريح، وهذا الذكر لا يدخل الشعر الصوفي ضمن المدائح النبوية، لأنه لم ينظم أصلا من أجل مديح رسول الله ﷺ .
وعند ظهور المدائح النبوية، شارك المتصوفة في هذا الفن الجليل مشاركة واسعة فاعلة، وأثّروا فيه تأثيرا كبيرا، فكانت مقدماتهم الغزلية، وحنينهم إلى المعاهد المقدسة، من الأشياء التي حافظت عليها المدحة النبوية، بالإضافة إلى كثير من أفكارهم واصطلاحاتهم وعباراتهم التي أضحت شائعة متداولة في الشعر العربي عامة، وشعر
стр. 164
المديح النبوي خاصة، لأن التصوف أضحى من الثقافة العامة التي يتأثر بها الناس على اختلاف درجاتهم ومشاربهم.
القسم الرابع- التشوق إلى المقدسات:
إن ذكر ديار الأحبة، والتشوق إلى الديار عند الابتعاد عنها، معروف في الشعر العربي منذ بدايته، فإن المكان الذي يعيش فيه المرء ويألفه، تمتزج إلفته بنفسه، حتى إذا ابتعد عنه أخذت نوازع الحنين إليه تتحرك في النفس، فيحزن لفراقه، ويدعو له بالسقيا والخير، ويستعيد ذكرياته السعيدة والحزينة عما جرى له في ذلك المكان.
وكان العرب في جزيرتهم دائمي الارتحال من مكان لآخر، طلبا للماء والكلأ والأمان، فكان ذلك سببا لهياج الشوق إلى الأماكن التي ارتحلوا عنها، ولاسترجاع الذكريات، ومن هنا جاء وقوف الشعراء العرب على أطلال الديار التي تركها أصحابها، يناجونها، ويستنطقونها عن أصحابها، وخاصة إذا كان للشاعر في الراحلين حبيبة، أخذها الترحال بعيدا عنه.
وقد أضحى ذكر الأطلال تقليدا ثابتا عند الشعراء، قلما يخرجون عنه، وخاصة في شعر المديح، وكثر عندهم ذكر الديار والدعاء لها ومناجاتها، ووصفوا ما تثير في نفوسهم من عواطف وأهواء.
وكان لمرابع الجزيرة العربية النصيب الأوفر من الذكر عند الشعراء، لأن قسما منهم تركها عند الفتح الإسلامي وما بعده، ولأن قسما آخر جاراهم في ذكر هذه الأماكن التي أضحت رمزا أكثر منها حقيقة، وتمهيدا لذكر الحبيبة والغزل، فجرير مثلا يحيي منازل الحجاز بقوله:
حيّ المنازل إذ لا نبتغي بدلا ... بالدّار دارا وبالجيران جيرانا
стр. 165
نهدي السّلام لأهل الغور من ملح ... هيهات من ملح بالغور مهدانا
أحبب إليّ بذاك الجزع منزلة ... بالطّلح طلحا وبالأغصان أغصانا «١»
ويذكر عبيد الله بن قيس الرقيات «٢» بعض منازل الحجاز في مطلع قصيدة له، فيقول:
ما هاج من منزل بذي العلم ... بين لوى المنجنون فالسّلم «٣»
ويستذكر التّهامي «٤» حبيبته التي تركها في الحجاز، فيقول:
أستودع الله في أرض الحجاز رشا ... في روضة القلب مأواه ومرتعه «٥»
وكان التشوق إلى أرض الحجاز في بداية الأمر من أهله الذين ابتعدوا عنه لسبب أو لآخر، وخاصة عند ما يكون هذا الابتعاد قسريا، مثلما جرى لأبي قطيفة ابن أبي معيط، الذي نفاه ابن الزبير عن المدينة، فأظهر شوقه إلى المدينة المنورة ومعاهدها، وقبر الرسول الكريم، فقال:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... قباء وهل زال العقيق وحاجره
وهل برحت بطحاء قبر محمّد ... أراهط غرّ من قريش تباكره
لهم منتهى حبّي وصفو مودّتي ... ومحض الهوى منّي وللنّاس سائره «٦»
стр. 166
وأكد الأبيوردي، الشاعر العربي الذي عاش بعيدا عن الجزيرة العربية، هذا التوجه في حنين أهل الجزيرة إليها، فأكثر في شعره من ذكر معاهدها، وأفرد في ديوانه قسما خاصا لذلك أسماه كتاب النجديات، وجعل من الشوق للجزيرة العربية ما يؤكد به عروبته في وسط أعجمي، فقال في وصف حاله وحال راحلته بعد أن أسقط عليها ما يجد في نفسه من لواعج الحنين:
أحنّ وللأنضاء بالغور حنّة ... إذا ذكرت أوطانها بربا نجد
وتصبو إلى رند الحمى وعراره ... ومن أين تدري ما العرار من الرّند «١»
والشاعر الذي اشتهر بحنينه إلى الحجاز عامة وللمدينة خاصة هو الشريف الرضي، الذي حفل ديوانه بقصائد كثيرة، تفيض حنينا لمرابع أجداده الهاشميين، وقد اختلط حنينه هذا بشعور ديني إلى المقدسات التي تضم رفاة رسول الله ﷺ ورفاة أجداده العلويين، وشاب هذا الحنين طموح سياسي، بوصول آل البيت إلى حقهم في الخلافة، ومن هنا كثر ذكر الأماكن المقدسة في شعره وشعر المتشيعين، ومن ذلك قوله:
سقى الله المدينة من محلّ ... لباب الماء والنّطف العذاب
وجاد على البقيع وساكنيه ... رخيّ الذّيل ملآن الوطاب
صلاة الله تخفق كلّ يوم ... على تلك المعالم والقباب «٢»
وقد وصل في حجازياته هذه إلى قصائد رائعة، أظهر فيها مقدرته الفنية، وأوضح مشاعره العارمة، وما يجول في نفسه من أفكار وعواطف، فقال في إحداها يخاطب محبوبته المزعومة:
стр. 167
يا ظبية البان ترعى في خمائله ... ليهنك اليوم أنّ القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه ... وليس يرويك إلّا مدمعي الباكي
هبّت لنا من رياح الغور رائحة ... بعد الرّقاد عرفناها بريّاك
سهم أصاب وراميه بذي سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك «١»
وإذا كان الشعراء العرب جميعا قد اتخذوا من ذكر الديار مقدمات لقصائدهم، فإن شعراء الشيعة قد اتخذوا من ذكر الأماكن المقدسة في الحجاز مقدمة لقصائد تشيعهم، وصار ذكر الأماكن المقدسة من لوازم قصائد الشيعة مدحا ورثاء وفخرا، يفتتحون بذكرها قصائدهم، ويحملونّها أشواقهم وعواطفهم، ويؤكدون من خلال ذلك أصالة آل البيت وفضلهم وحقهم في الخلافة، فعند ما رثى الصاحب بن عباد أحد العلويين، لم يجد أكثر من الأماكن المقدسة تأثيرا في النفس واستنهاضا للهمم، حين تشارك الناس في البكاء عليه فقال:
تبكيه مكّة والمشاعر كلّها ... وحجيجها والنّسك والإحرام
تبكيه طيبة والرّسول ومن بها ... وعقيقها والسّهل والأعلام «٢»
ومثلما تعلق الشيعة بالأماكن المقدسة، لأنها موطن آباء الهاشميين، فإن المتصوفة تعلقوا بها أيضا، لأنها تمثل أقدس أقداسهم، فهي شهدت البعثة والوحي، أو اتصال الأرض بالسماء، ذلك الاتصال الذي يسعون إليه بكل طاقاتهم، ولأن الأماكن المقدسة خير ما يستفتتحون بذكرها قصائدهم الدينية التي يتشوقون بها ويظهرون مواجدهم
стр. 168
ويبدون حنينهم لبيت الله على الأرض ولمثوى رسول الله ﷺ قطب الأقطاب وسيد الخليقة، الذي يحجّون إليه بأرواحهم، ولأنها أضحت رموزا من رموزهم الكثيرة التي يعبّرون بها عن طريقتهم، لذلك نجد شعر ابن الفارض مثلا يفيض بأسماء الأماكن الحجازية مثل قوله في قصيدته التي حمّلها سلامه وتحياته إلى مرابع الحجاز، يتشوق إليها متمنيا أن تهبّ عليه نسمة منها، أو أن يصل إلى جرعة من مائها:
هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم ... أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم
أرواح نعمان هلّا نسمة سحرا ... وماء وجرة هلّا نهلة بفم
يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا ... طيّ السّجلّ بذات الشّيح من إضم
ناشدتك الله إن جزت العقيق ضحى ... فاقر السّلام عليهم غير محتشم «١»
والملاحظ أن ابن الفارض يحشد أسماء الأماكن الحجازية في شعره، وربما لم يفته اسم مكان منها، وقد تابعه الشعراء في الإكثار من ذكر أسماء المعاهد الحجازية، وخاصة شعراء المديح النبوي.
وقد مزج ابن الفارض وغيره من المتصوفة ذكر الأماكن المقدسة في الغزل الرمزي مثلما يمزج الشعراء ذكر الديار والوقوف على الأطلال بغزلهم وشوقهم إلى محبوباتهم، وكما يكون ذكر الديار عند الشعراء مدخلا إلى الغزل وتذكر المحبوبة وعرض مشاعرهم نحوها وحنينهم إليها يكون ذكر المقدسات عند المتصوفة مدخلا للغزل الرمزي، وبث لواعج الوجد، وإظهار مشاعر المحبة الإلهية، مثل قول العفيف التلمساني «٢» :
стр. 169
لولا الحمى وظباء بالحمى عرب ... ما كان في البارق النّجدي لي أرب
وفي رياض بيوت الحيّ من إضم ... ورد جنيّ ومن أكمامه النّقب
وبي لدى الحلّة الفيحاء غصن نقا ... يهفو فيجذبه حقف فينجذب
أعاهد الرّاح أنّي لا أفارقها ... من أجل أنّ الثّنايا شبهها الحبب «١»
فالمتصوفة أكثروا من ذكر الأماكن المقدسة، ومزجوه بالغزل الرمزي، وهم دائمو الحنين إليها، لأنها تحمل عندهم قيما سامية، ترمز إلى أحوال غيبية، ولأنها شهدت وحي السماء وحياة قطب الأقطاب، سيدنا محمد ﷺ لذلك أخذ الحج عندهم مقاما يفوق مناسكه المعروفة، مثل غيره من العبادات، التي لا يقفون عند أدائها الظاهر، وإنما يتعدون ذلك إلى سرّها أو باطنها كما يقولون. فكانوا يتشوّقون لمكة، ويتحسرون إذا فاتتهم زيارتها.
وتكون الحسرة على أشدها، حين يرى المشتاق نياق الحجيج، وقد عادت براكبيها الذين فازوا برضا الله تعالى وزيارة بيته، وضريح رسوله، وتمتعوا بمشاهدة الأماكن المقدسة، وتقلبوا بين مشاهدها، فيقول:
يا نياق الحجيج لا ذقت سهدا ... بعدها لا ولا تجشّمت وخدا
لا فدينا سواك بالرّوح منّا ... أنت أولى من بات بالرّوح يفدى
يا بنات الذّميل كيف تركتن ... ن شعاب الغضا وسلع ونجدا
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بوجوه رأت معالم سعدى «٢»
стр. 170
فالمؤمنون جميعا في شوق إلى الأماكن المقدسة، وإلى أداء فريضة الحج، وزيارة قبر النبي الكريم، أما المتصوفة فإن طريقتهم في العباد تجعل شوقهم إلى المقدسات يستبد بهم، ويأخذ عليهم أنفسهم.
وهكذا اشتد ذكر الأماكن المقدسة للدواعي المختلفة التي عرضنا لها، وأضحى هذا الذكر فنا شعريا قائما بذاته، يعبر به الشعراء عن شوقهم للأماكن التي رفع الله قدرها، والتي شهدت ولادة رسول الله ونشأته ومبعثه ووفاته.
ولا يوجد في هذا الفن ما يفرض على الشعراء قيودا من أي نوع، لذلك ذهب به الشعراء كل مذهب، وأجادوا في قوله أيما إجادة، وعبّروا من خلاله بحرية تامة عن عواطفهم الدينية، ومشاعرهم السامية، وأظهروا فيه مقدرتهم الفنية، فجعلوه نفثات أنفسهم، ورفيف أرواحهم، ووجدوه أنسب ما يقدمون به للشعر الديني، وقصائد المديح النبوي منه خاصة، فأحيوا تلك الأماكن وناجوها، واستنطقوا تلك المعاهد وحاوروها، وحمّلوا النسيم والبرق رسائلهم إليها، وأضفوا على نياقهم المشاعر الإنسانية، وخلعوا عليها عواطفهم وأحاسيسهم، فأشركوها معهم في شوقهم وحنينهم، مثل قول جعفر السراج (ت ٥٠٠ هـ) :
قضت وطرا من أرض نجد وأمّت ... عقيق الحمى مرخى لها في الأزمّة
وخبّرها الرّوّاد أنّ لحاجر ... حيا نورّت منه الرّياض فحنّت
وغنّى لها الحادي فأذكرها الحمى ... وأيّامها فيه وساعات وجرة
وقد شركتني في الحنين ركائبي ... وزدن علينا رنّة بعد رنّة «١»
وقد أسكن الشعراء معاهد الحجاز محبوباتهم، وأرسلوا إليهن شوقهم ووجدهم،
стр. 171
وليست محبوباتهم من لحم ودم، وإن فصّلوا في محاسنهن، فهنّ رموز لما يعتلج في نفوس الشعراء، تسهّل عليهم التعبير الشجي المؤثر.
وتظهر الرمزية أكثر حين نحس أن الشاعر يخاطب الحجاج على طريقة مخاطبة الظعن، فمخاطبة الحجاج لا تسمح له بإظهار مشاعره بحرارة ودقة، لذلك يرمز لهم بجماعة النساء اللواتي يقطعن الفيافي من معهد إلى معهد، والشاعر يتتبع أخبارهن بلهفة وشوق، ويحسدهن على حلولهن في تلك المرابع التي يحنّ للوصول إليها، مثل قول القاضي الرشيد بن الزبير «١» :
رحلوا فلا خلت المنازل منهم ... ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم
ما ضرّهم لو ودّعوا ما أودعوا ... نار الغرام وسلّموا من أسلموا
هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا ... أو أيمانوا أو أنجدوا أو أتهموا «٢»
ومضى الشعراء يبثون المعاهد الحجازية أشواقهم، ويظهرون لها مواجدهم، فهم في حنين دائم إليها، وفي حرقة لمشاهدتها، يذرفون العبرات لعجزهم عن الوصول إليها، فيستحيل وجدهم بها وجدا عاما، أو حالا دائمة، تشبه نزعة الصوفي الدائمة إلى الصفاء، أو كما أوضح ابن جياء الكاتب «٣» في حديثه عن حاله عند ما قال:
حتّام أجري في ميادين الهوى ... لا سابقا أبدا ولا مسبوق
стр. 172
ما هزّني طرب إلى رمل الحمى ... إلّا تعرّض أجرع وعقيق
شوق بأطراف البلاد مفرّق ... يحوي شتيت الشّمل منه فريق «١»
ويرسل الشعراء أشواقهم وحنينهم إلى الأرض المقدسة، حينما يكونون بعيدين عنها، ولا يستطيعون الوصول إليها، مرة يحملونها للراحلين إلى الحجاز للحج أو للعمرة أو للتجارة أو لأي شأن من شؤون الدين والدنيا، ومرة أخرى يحملونها للبرق والنسيم، فحين يشاهد الشاعر البرق يومض من جهة الحجاز يتذكر المرابع التي يتحرق شوقا لرؤيتها، فيخاطبه بقوله:
أعديا برق ذكر أهيل نجد ... فإنّ لك اليد البيضاء عندي
أشيمك بارقا فيضلّ عقلي ... فواعجبا تضلّ وأنت تهدي «٢»
وافتنّ الشعراء كذلك في تحميل النسيم أشواقهم وحنينهم إلى معاهد الحجاز ومشاهده، وجعلوها تشاركهم في وجدهم ومحبتهم للأماكن المقدسة، مثل الحاجري «٣» الذي جعل النسيم مهيجا لأشجانه، وحاملا لسلامه إلى أهل البقاع الطاهرة، فقال:
هيّجت وجدي يا نسيم الصّبا ... إن كنت من نجد فيا مرحبا
جدّد فدتك النّفس عهد الصّبا ... بذكرك الحيّ وتلك الرّبا
إن المقيمين بسفح اللّوى ... من لا أرى لي عنهم مذهبا
أبقوا الأسى لي بعدهم مطمعا ... والدّمع حتى نلتقي مشربا «٤»
стр. 173
وأفاضوا في ذكر المقدسات، معبرين عن عواطفهم الدينية ومشاعرهم الروحية، وانتشر هذا الأسلوب من التعبير، فلا يكاد يخلو ديوان شاعر منه في ذلك الوقت، وانتقلوا به من التوجه الديني إلى توجهات أخرى، أهمها الغزل الذي قرن به في هذا الموضع، وإن كان هنا رمزيا، فإن الغزل الآخر الذي ذكر الشعراء معه الأماكن المقدسة لم يكن رمزيا، فقد أضحت أسماء الأماكن الحجازية ذات ظلال محببة إلى النفوس، وإيحاآت مثيرة للشجون، يقوى بها الغزل ويؤثر، فالتلعفري «١» الذي أدمن الخمر وتعاطى القمار، يقول في مقدمة موشح غزلي:
ليس يروي ما بقلبي من ظما ... غير برق لائح من إضم
إن تبدّى لك بان الأجرع ... وأثيلات النّقا من لعلع
يا خليلي قف على الدّار معي ... وتأمّل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدّمى ... كم أراقت في رباها من دمي «٢»
وكأن ذكر الأماكن المقدسة تعويض عن ذكر الأطلال والوقوف عليها، فلم يعد من المناسب أن يقف الشاعر على أطلال لم يعرفها ولم يرها، فساقه الاتجاه الأدبي السائد إلى الديار التي انتشر ذكرها، وهي الديار المقدسة.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في غزل البهاء زهير «٣» ، فلا ندري ما هي الظلال التي تلقيها كلمات مثل البان والحمى في شعره، وهل هي نفسها الظلال التي تتركها في النفس حين تستخدم في غير هذا الموضع من قوله:
стр. 174
يحدّثني زيد عن البان والحمى ... أحاديث يحلو ذكرها ويطيب
فقلت لزيد إنّها لبشارة ... وإنّي لنشوان بها وطروب «١»
لكن ذكر الأماكن المقدسة ظل- في الغالب- على حرمته، لا يخرج به الشعراء عما يتركه في النفس من شجى وشوق ومشاعر سامية، وإن امتزج بالغزل، فالغزل يظل رمزيا.
وعند اتساع المديح النبوي، ورسوخه رسوخ فن مستقل له أصوله ومقوماته، صار ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أصلا من أصول هذا الفن، ومن لوازمه، يقدم به الشعراء لقصائد مديحهم النبوية، ويجعلونه بديلا لذكر الأطلال والديار في قصائد المديح التقليدية، مثل افتتاح محمد بن علوان الصنعاني «٢» لمدحة نبوية بقوله:
أهدت نسيم الصّبا في طيبها خبرا ... عن أهل طيبة لمّا أن سرت سحرا
فاستنشق الصّبّ منها نفحة فغدا ... يميل سكرا ولا والله ما سكرا «٣»
فالشاعر أراد استمالة سامعيه بذكر المكان المناسب لموضوعه، وبذلك الأثر الذي يتركه في نفوس المتلقين، وبنشوة التقوى التي يحملها النسيم من مدينة رسول الله، فيتهيّأ المتلقون لسماع قصيدته، ويدخلون في الجو القدسي الذي يلائم مقام النبي.
وقدم الكارمي (عبد اللطيف) «٤» لمدحته النبوية بذكر بعض المعاهد الحجازية، ممزوجا بالغزل الرمزي، الذي يرقّق عواطف السامع، ويأخذه إلى عالم عابق بالتقوى والقداسة، وهو ما يلائم موضوع القصيدة، ويستميل القلوب، ويشحن الوجدان بالمشاعر الدينية السامية، فقال:
стр. 175
لي بالأجيرع دون وادي المنحنى ... قلب تقلّبه الصّبابة والضّنا
أتبعتهم يوم استقلّت عيسهم ... بحشاشة ألفت معاناة العنا
ونثرت من جفني عقيق مدامع ... حين التّفرّق فاستحالت أعينا «١»
وكان لحنين المغاربة وتشوقهم للأماكن المقدسة، لون خاص، نبع من بعد بلادهم عن الحجاز، وما يتجشمونه في الرحلة إليه، فكان الوصول إلى الأماكن المقدسة عندهم غاية لا تدرك، وأمنية الأماني، وخاصة في الأوقات التي ينقطع فيها الطريق، وتحفّه المخاطر في البر والبحر.
وقد سكنت في مسامعهم أسماء الأماكن التي شهدت انبثاق الدين السامي، وشهدت صراع المسلمين مع المشركين وتقلّب رسول الله ﷺ بينها، داعيا مجاهدا متلقيا لوحي السماء، وبانيا أسس الدولة العربية الإسلامية.
لذلك يجتاحهم شوق جارف لرؤية هذه الأماكن، فإذا قعدت ببعضهم الموانع عن تحقيق رغبتهم الملحة التي تسكن نفوسهم، يكون حالهم مثلما وصفه ابن العريف «٢» في قوله:
شدّوا المطيّ وقد نالوا المنى بمنى ... وكلّهم بأليم الشّوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها ... طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النّبيّ المصطفى لهم ... روح إذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين إلى المختار من مضر ... زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
стр. 176
إنّا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا «١»
ولننظر إلى مدى الشوق للمقدسات الذي يشعر به المغاربة، حين يدخل الشاعر ابن سهل إلى نفوس المؤمنين ويخرج بخفاياها، فظهر لهفتهم لرؤية المقدسات، ومدى تعلقهم بحب رسول الله، وهو إنما يتحدث عن نفسه وعمّا يجول فيها، ويعمّمه على صحبه من المؤمنين الذين شدوا الرحال إلى الديار المقدسة، فيقول:
وركب دعتهم نحو يثرب نيّة ... فما وجدت إلا مطيعا وسامعا
يسابق وخد العيس ما اسوّدّ منهم ... فيغنون بالشّوق المدى والمدامعا
تضيء من التّقوى خبايا صدورهم ... وقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا
تكاد مناجاة النّبيّ محمّد ... تنمّ بها مسكا على الشّمّ ذائعا «٢»
وهم دائمو الوصف للركب، يشركون مشاعر الشوق بين الراحل والراحلة، ويضفون عليها أحاسيس إنسانية ليظهروا مدى حنينهم لرؤية المقدسات، فإذا تكرر تخلف أحدهم عن قافلة الحج، قال متحسرا مع الجياني بعد وصف الراحلين:
حملت أشباهها فهي بهم ... كقسيّ قد أقلّت أسهما
أوهن الوخد قواهنّ فإن ... لاح نجد خلت فيها لمما
مدّت الأعناق لمّا رمّلت ... بنقا الرّمل وأكناف الحمى
من عذيري من زمان قد مضى ... أقرع السّنّ عليه ندما
حسرتا إن لم أبلّغ أملي ... قبل أن يأتي الرّدى مخترما «٣»
стр. 177
فإذا ما أسعف الدهر أحدهم بالوصول إلى الأماكن المقدسة، وشاهد على البعد المدينة المنورة، اتّقد شوقه وزاد وجده، وعلت همّته، وأسرع بالمسير على الرغم من بعد السفر ومبلغ الجهد، وانتابته مشاعر الهيبة والقداسة وشعر كأنه دخل عالما آخر أو تهيأ للدخول.
وقد وصف أحدهم ما حصل حين شارف الحاج المغربي المدينة المنورة، فقال: «لما دخلنا المدينة، ومعنا الوزير أبو عبد الله بن أبي قاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها، نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار، وإعظاما لمن حلّ تلك الديار، فأحس بالشفاء، فقال:
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبّا
وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا
وإنّ بقائي دونه لخسارة ... ولو أنّ كفّي تملأ الشّرق والغربا «١»
من كل ذلك يبدو لنا أن فن التشوق للأماكن المقدسة، كان في بداية أمره حنينا من أهل الحجاز إليه، وكان بديلا في القصائد الدينية عن الوقوف على الأطلال، ثم ظهر معبرا عن الشوق والحنين عند الذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج وزيارة تلك المعاهد الطاهرة، ومعبرا عن العشق والوجد عند المتصوفة الذين جعلوا للأماكن المقدسة مكانا هاما في طريقتهم، فانتشر هذا الفن الشعري، واستقل بقصائد خاصة به، ثم أضحى من لوازم المديح النبوي، وأفضل ما يقدم به للمدحة النبوية.
وإذا كان التشوق للمعاهد الحجازية نابعا من قدسيتها، وهذه القداسة تعود فيما تعود، إلى شهودها ولادة رسول الله ﷺ وبعثه ودفنه فيها، فإن ذكر الأماكن المقدسة
стр. 178
يفترق عن المديح النبوي، لأن قصائده لم تنشأ في الأصل لمدح النبي الأمين، وإن ورد ذكره في بعضها.
ويلتقي فن التشوق للمقدسات مع المديح النبوي أحيانا، عند ذكره للرسول الكريم، وحين يقدم لقصائد المديح النبوي به، فهذا الفن له علاقة بالمديح النبوي، لكنه لا يعد مدحا نبويا خالصا، ذلك الفن الذي تقاطع مع فنون أخرى، وافترق عنها، وهو موضوع دراستنا هذه.
القسم الخامس- المولد النبوي:
إذا كان الناس يحتفلون بذكرى عظائمهم، وكان أصحاب الديانات المختلفة يحتفلون بميلاد أنبيائهم وأصحاب شرائعهم، فإنه يحق للمسلمين أن يحتفلوا بميلاد سيد الرسل، وأفضل البشر، لأن الاحتفال بمولده يذكّر الناس بعظمته وكماله وأثره في البشرية، وإن كان من المفروض أن ذكر رسول الله ﷺ لا يغرب عن بال مسلم. وأن تمثّل حياته باق نصب عينيه، ولكن لا بأس من أن يتضافر الذكر الفردي مع الذكر الجماعي، ليظل القدوة والمثل في الأنفس والقلوب، بعد أن أخذت الحياة ومشاغلها الناس شيئا ما عن مجالس الذكر والتدبّر.
ويبدو أن من فكر بإحياء ليلة المولد والاحتفال بها، رأى ما عند غير المسلمين من المناسبات المماثلة، ولمس الحاجة إلى إقامة مثل هذه الاحتفالات لغايات كثيرة، منها ما هو ديني ومنها ما هو سياسي لأن الأخبار المتعلقة بالمولد النبوي لا ترقى إلى أقدم من الدولة الفاطمية، وعصر الحروب الصليبية، ولم يكن الاحتفال بهذه الذكرى في أيام رسول الله ﷺ ولا في أيام الصحابة والتابعين، ولذلك عدت بدعة، رآها بعض المسلمين بدعة حسنة، فحبّبوها، ورآها بعضهم الآخر بدعة يساء الاحتفال بها، فانتقدوها.
стр. 179
ورأى بعض الباحثين في المولد النبوي ضربا من التأليف في السيرة النبوية، وعدوه نوعا من التلخيص لها، يقتصر على مدة محددة من حياة الرسول، هي طور الولادة والطفولة والنشأة وما سبقها من إرهاصات، وقد تتسع لتشمل الشباب حتى البعثة، «وهو من قبيل ما يعده العلماء الدينيون ليلقوه في الموسم الرسمي، العام بعد العام، في المساجد أو غيرها، وقد زخرت بهذا النوع خزانة التأليف، حتى أصبحت الرسائل التي وضعت فيها لا تدخل تحت حصر» «١» .
وقد اختلف الباحثون حول الزمن الذي ظهر فيه المولد النبوي، والمكان الذي احتفل به، فأرجعه الدكتور عمر فروخ إلى القرن الرابع الهجري، وإلى الدولة الفاطمية، لأن الفاطميين أرادوا «أن يجعلوا لحكمهم السياسي وجاهة، فاتخذوا عددا من المناسبات المشهورة، وتألفوا بها عوام الناس بإقامة المادب العامة وبإقامة معالم الزينة بالأنوار وبقراءة السيرة، وأحب العامة ذلك» «٢» .
وإذا كان الفاطميون قد فكروا في المولد النبوي، فإن الظن يذهب إلى اطلاعهم على الأديان الآخرى، التي أخذوا عنها بعضا من عقائدهم، فأخذوا معها فكرة الاحتفال بالموالد. للغايات التي ذكرها الدكتور فروخ.
ويؤيد هذا الرأي وأن الدولة الفاطمية هي التي سنّت الاحتفال بالمولد النبوي وموالد آل البيت، ذكر المقريزي لمولد نبوي عند الفاطميين سنة (٥١٦ هـ) ، ووصفه للاحتفال بهذا المولد، وما يتمّ فيه من قراءة القرآن وإلقاء الخطب، وإنشاد المدائح، وتوزيع الصدقات، وقد عدد المقريزي الموالد الفاطمية، فوصل بها إلى ستة موالد، هي مولد النبي الكريم ومولد علي ومولد فاطمة ومولد الحسن ومولد الحسين- ﵃ ومولد الخليفة الحاضر «٣» .
стр. 180
وعزا بعض الباحثين ظهور المولد النبوي إلى زمن متأخر، وذهبوا إلى أن أمير إربل مظفر الدين كوكبوري المتوفى سنة (٦٣٠ هـ) ، صهر صلاح الدين الأيوبي، هو أول من احتفل بالمولد النبوي، ووضع قواعد هذا الاحتفال، وأن أهل الأندلس اصطنعوا هذا الاحتفال في بلادهم، فكان ابن دحية المتوفى سنة (٦٣٣ هـ) هو أول من وضع دراسة عن هذه الاحتفالات في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) «١» .
فعادة تعظيم المولد النبوي بدأت في المشرق، «وانتقلت إلى المغرب والأندلس على يد أبي العباس العزفي بسبتة، فكان يعقوب المريني أول من احتفل به في المغرب، ثم انتقل هذا الرسم إلى الأندلس» «٢» .
وكان لأبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل غاية من وراء احتفاله بالمولد النبوي، فقد جهد في إصلاح إربل وزيادة عمرانها، و «أراد بعد هذه الاصلاحات العمرانية أن يجعل إربل قبلة الأنظار، يقصدها الناس من جميع الطبقات، فجعل مولد الرسول ﷺ موسما تمتد فيه الحفلات اثني عشر يوما» «٣» .
وربما لم يكن البحث عن مظاهر العظمة هي وحدها وراء احتفاء كوكبوري بالمولد النبوي، أو المشاعر الدينية عنده، بل قد يكون طلب المغفرة، والتوسل بالرسول الكريم، الدافع المباشر لإقامته هذه الاحتفالات الباذخة في ذكرى المولد، فإنه «كان عسوفا في استخراج المال، ويحتفل بمولد النبي ﷺ وينفق عليه الأموال الجليلة» «٤» .
وانتشر الاحتفال بالمولد النبوي في الأقطار العربية الإسلامية بسرعة كبيرة، وأضحى من الأعياد الدينية التي يشارك فيها الناس جميعا، وصار له تقاليده الثابتة