إنّا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا «١»
ولننظر إلى مدى الشوق للمقدسات الذي يشعر به المغاربة، حين يدخل الشاعر ابن سهل إلى نفوس المؤمنين ويخرج بخفاياها، فظهر لهفتهم لرؤية المقدسات، ومدى تعلقهم بحب رسول الله، وهو إنما يتحدث عن نفسه وعمّا يجول فيها، ويعمّمه على صحبه من المؤمنين الذين شدوا الرحال إلى الديار المقدسة، فيقول:
وركب دعتهم نحو يثرب نيّة ... فما وجدت إلا مطيعا وسامعا
يسابق وخد العيس ما اسوّدّ منهم ... فيغنون بالشّوق المدى والمدامعا
تضيء من التّقوى خبايا صدورهم ... وقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا
تكاد مناجاة النّبيّ محمّد ... تنمّ بها مسكا على الشّمّ ذائعا «٢»
وهم دائمو الوصف للركب، يشركون مشاعر الشوق بين الراحل والراحلة، ويضفون عليها أحاسيس إنسانية ليظهروا مدى حنينهم لرؤية المقدسات، فإذا تكرر تخلف أحدهم عن قافلة الحج، قال متحسرا مع الجياني بعد وصف الراحلين:
حملت أشباهها فهي بهم ... كقسيّ قد أقلّت أسهما
أوهن الوخد قواهنّ فإن ... لاح نجد خلت فيها لمما
مدّت الأعناق لمّا رمّلت ... بنقا الرّمل وأكناف الحمى
من عذيري من زمان قد مضى ... أقرع السّنّ عليه ندما
حسرتا إن لم أبلّغ أملي ... قبل أن يأتي الرّدى مخترما «٣»
стр. 177
فإذا ما أسعف الدهر أحدهم بالوصول إلى الأماكن المقدسة، وشاهد على البعد المدينة المنورة، اتّقد شوقه وزاد وجده، وعلت همّته، وأسرع بالمسير على الرغم من بعد السفر ومبلغ الجهد، وانتابته مشاعر الهيبة والقداسة وشعر كأنه دخل عالما آخر أو تهيأ للدخول.
وقد وصف أحدهم ما حصل حين شارف الحاج المغربي المدينة المنورة، فقال: «لما دخلنا المدينة، ومعنا الوزير أبو عبد الله بن أبي قاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها، نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار، وإعظاما لمن حلّ تلك الديار، فأحس بالشفاء، فقال:
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبّا
وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا
وإنّ بقائي دونه لخسارة ... ولو أنّ كفّي تملأ الشّرق والغربا «١»
من كل ذلك يبدو لنا أن فن التشوق للأماكن المقدسة، كان في بداية أمره حنينا من أهل الحجاز إليه، وكان بديلا في القصائد الدينية عن الوقوف على الأطلال، ثم ظهر معبرا عن الشوق والحنين عند الذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج وزيارة تلك المعاهد الطاهرة، ومعبرا عن العشق والوجد عند المتصوفة الذين جعلوا للأماكن المقدسة مكانا هاما في طريقتهم، فانتشر هذا الفن الشعري، واستقل بقصائد خاصة به، ثم أضحى من لوازم المديح النبوي، وأفضل ما يقدم به للمدحة النبوية.
وإذا كان التشوق للمعاهد الحجازية نابعا من قدسيتها، وهذه القداسة تعود فيما تعود، إلى شهودها ولادة رسول الله ﷺ وبعثه ودفنه فيها، فإن ذكر الأماكن المقدسة
стр. 178
يفترق عن المديح النبوي، لأن قصائده لم تنشأ في الأصل لمدح النبي الأمين، وإن ورد ذكره في بعضها.
ويلتقي فن التشوق للمقدسات مع المديح النبوي أحيانا، عند ذكره للرسول الكريم، وحين يقدم لقصائد المديح النبوي به، فهذا الفن له علاقة بالمديح النبوي، لكنه لا يعد مدحا نبويا خالصا، ذلك الفن الذي تقاطع مع فنون أخرى، وافترق عنها، وهو موضوع دراستنا هذه.
القسم الخامس- المولد النبوي:
إذا كان الناس يحتفلون بذكرى عظائمهم، وكان أصحاب الديانات المختلفة يحتفلون بميلاد أنبيائهم وأصحاب شرائعهم، فإنه يحق للمسلمين أن يحتفلوا بميلاد سيد الرسل، وأفضل البشر، لأن الاحتفال بمولده يذكّر الناس بعظمته وكماله وأثره في البشرية، وإن كان من المفروض أن ذكر رسول الله ﷺ لا يغرب عن بال مسلم. وأن تمثّل حياته باق نصب عينيه، ولكن لا بأس من أن يتضافر الذكر الفردي مع الذكر الجماعي، ليظل القدوة والمثل في الأنفس والقلوب، بعد أن أخذت الحياة ومشاغلها الناس شيئا ما عن مجالس الذكر والتدبّر.
ويبدو أن من فكر بإحياء ليلة المولد والاحتفال بها، رأى ما عند غير المسلمين من المناسبات المماثلة، ولمس الحاجة إلى إقامة مثل هذه الاحتفالات لغايات كثيرة، منها ما هو ديني ومنها ما هو سياسي لأن الأخبار المتعلقة بالمولد النبوي لا ترقى إلى أقدم من الدولة الفاطمية، وعصر الحروب الصليبية، ولم يكن الاحتفال بهذه الذكرى في أيام رسول الله ﷺ ولا في أيام الصحابة والتابعين، ولذلك عدت بدعة، رآها بعض المسلمين بدعة حسنة، فحبّبوها، ورآها بعضهم الآخر بدعة يساء الاحتفال بها، فانتقدوها.
стр. 179
ورأى بعض الباحثين في المولد النبوي ضربا من التأليف في السيرة النبوية، وعدوه نوعا من التلخيص لها، يقتصر على مدة محددة من حياة الرسول، هي طور الولادة والطفولة والنشأة وما سبقها من إرهاصات، وقد تتسع لتشمل الشباب حتى البعثة، «وهو من قبيل ما يعده العلماء الدينيون ليلقوه في الموسم الرسمي، العام بعد العام، في المساجد أو غيرها، وقد زخرت بهذا النوع خزانة التأليف، حتى أصبحت الرسائل التي وضعت فيها لا تدخل تحت حصر» «١» .
وقد اختلف الباحثون حول الزمن الذي ظهر فيه المولد النبوي، والمكان الذي احتفل به، فأرجعه الدكتور عمر فروخ إلى القرن الرابع الهجري، وإلى الدولة الفاطمية، لأن الفاطميين أرادوا «أن يجعلوا لحكمهم السياسي وجاهة، فاتخذوا عددا من المناسبات المشهورة، وتألفوا بها عوام الناس بإقامة المادب العامة وبإقامة معالم الزينة بالأنوار وبقراءة السيرة، وأحب العامة ذلك» «٢» .
وإذا كان الفاطميون قد فكروا في المولد النبوي، فإن الظن يذهب إلى اطلاعهم على الأديان الآخرى، التي أخذوا عنها بعضا من عقائدهم، فأخذوا معها فكرة الاحتفال بالموالد. للغايات التي ذكرها الدكتور فروخ.
ويؤيد هذا الرأي وأن الدولة الفاطمية هي التي سنّت الاحتفال بالمولد النبوي وموالد آل البيت، ذكر المقريزي لمولد نبوي عند الفاطميين سنة (٥١٦ هـ) ، ووصفه للاحتفال بهذا المولد، وما يتمّ فيه من قراءة القرآن وإلقاء الخطب، وإنشاد المدائح، وتوزيع الصدقات، وقد عدد المقريزي الموالد الفاطمية، فوصل بها إلى ستة موالد، هي مولد النبي الكريم ومولد علي ومولد فاطمة ومولد الحسن ومولد الحسين- ﵃ ومولد الخليفة الحاضر «٣» .
стр. 180
وعزا بعض الباحثين ظهور المولد النبوي إلى زمن متأخر، وذهبوا إلى أن أمير إربل مظفر الدين كوكبوري المتوفى سنة (٦٣٠ هـ) ، صهر صلاح الدين الأيوبي، هو أول من احتفل بالمولد النبوي، ووضع قواعد هذا الاحتفال، وأن أهل الأندلس اصطنعوا هذا الاحتفال في بلادهم، فكان ابن دحية المتوفى سنة (٦٣٣ هـ) هو أول من وضع دراسة عن هذه الاحتفالات في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) «١» .
فعادة تعظيم المولد النبوي بدأت في المشرق، «وانتقلت إلى المغرب والأندلس على يد أبي العباس العزفي بسبتة، فكان يعقوب المريني أول من احتفل به في المغرب، ثم انتقل هذا الرسم إلى الأندلس» «٢» .
وكان لأبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل غاية من وراء احتفاله بالمولد النبوي، فقد جهد في إصلاح إربل وزيادة عمرانها، و «أراد بعد هذه الاصلاحات العمرانية أن يجعل إربل قبلة الأنظار، يقصدها الناس من جميع الطبقات، فجعل مولد الرسول ﷺ موسما تمتد فيه الحفلات اثني عشر يوما» «٣» .
وربما لم يكن البحث عن مظاهر العظمة هي وحدها وراء احتفاء كوكبوري بالمولد النبوي، أو المشاعر الدينية عنده، بل قد يكون طلب المغفرة، والتوسل بالرسول الكريم، الدافع المباشر لإقامته هذه الاحتفالات الباذخة في ذكرى المولد، فإنه «كان عسوفا في استخراج المال، ويحتفل بمولد النبي ﷺ وينفق عليه الأموال الجليلة» «٤» .
وانتشر الاحتفال بالمولد النبوي في الأقطار العربية الإسلامية بسرعة كبيرة، وأضحى من الأعياد الدينية التي يشارك فيها الناس جميعا، وصار له تقاليده الثابتة
стр. 181
الراسخة، وقد نقل المؤرخون كثيرا من أوصاف الاحتفال بالمولد النبوي في أقطار مختلفة متباعدة، وكلها متشابهة تقريبا، فصاحب إربل الذي عزيت إليه بداية الاحتفال بالمولد النبوي، أو وضع شعائر هذا الاحتفال، كان احتفاله به يقصر الوصف عن الإحاطة به، «كان الفقهاء والصوفية والوعاظ والقرّاء والشعراء يتوافدون إليه من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، فيعمل القباب ويزيّنها ويقعد في كل قبة جوق من المغاني، وجوق من أرباب الخيال وأصحاب الملاهي، يتفرج عليها الناس، ويفعل هو كذلك، ثم يخرج الإبل والبقر قبل المولد بيومين، ويزفّها بالطبول والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان وينحرها ويطبخها، فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه الشموع المشتعلة ... فإذا كان صبيحة يوم المولد، أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية، ثم ينزل إلى الخانقاه حيث تجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب (كرسي) للوعاظ، ويعرض الجند في ذلك النهار، ثم يقدم الطعام لعامة الناس، وللمجتمعين عند الكرسي، ويخلع على المتوافدين عليه، ويبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة» «١» .
ويظهر أن ابن دحية «٢» قد وصل إلى إربل، فرأى اهتمام صاحبها بالمولد النبوي، فعمل له كتاب «التنوير في مولد السراج المنير» «٣» .
فإذا كان هذا حال صاحب إربل مع الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يكون حال المماليك الذين حرصوا على مظاهر البذخ والعظمة في كل عمل من أعمالهم؟
стр. 182
لقد حرص المؤرخون على ذكر الاحتفال بالمولد النبوي في كل سنة من سنوات حكم المماليك الذين اهتموا به اهتماما كبيرا، وحرصوا على المشاركة به، وإظهار تقواهم وتعظيمهم لصاحب المناسبة، وكرمهم مع رجال الدين والعامة، فكان السلطان يقيم خيمة المولد، و «تقام أحواض العصير، يبدأ الاحتفال عند الظهر وينتهي عند ثلث الليل، فيتعاقب القارئون والمنشدون والوعاظ، وتمد الأسمطة بأنواع الحلوى والمأكولات، وعند ثلث الليل يبدأ السماع الذي يستمر حتى الفجر، فتأتي طوائف الصوفية، طائفة بعد طائفة، ويستمرون في الذكر، والسلطان جالس في صدر الخيمة، كذلك يترقب عامة الناس المولد، ليقيموا الولائم، ويتصدقوا على الفقراء، ويظهروا السرور» «١» .
وهكذا انتشرت الاحتفالات بالموالد النبوية بين المسلمين، فكانوا يستمعون فيها إلى قراءة القرآن الكريم والمواعظ وأناشيد المتصوفة والمدائح النبوية، ويقيمون الولائم، ويوسعون على أنفسهم وعلى فقرائهم في الطعام والحلوى والأشربة، ويتصدقون، ويظهرون السرور، وكان يشارك في هذا الاحتفال جميع الناس من السلطان إلى من لا شأن له في المجتمع، فهي مناسبة للتضامن الاجتماعي، ومناسبة لتقرب الحاكمين من المحكومين، ومناسبة مفرحة للفقراء الذين لا يجدون ما يمسك رمقهم.
لكن هذا الانتشار السريع للاحتفال بالمولد النبوي لم يمرّ بسلام، فقد وقف بعض علماء الدين ضد الاحتفال به، وعدوه بدعة غير مستحبة، لأن الاحتفال به اختلط ببعض التصرفات التي لا تتفق مع روح الدين، مثل الإفراط بالزينة، وإقامة الملاهي، واستغلال المناسبة لأغراض سياسية أو للتظاهر والتباهي، ويظهر أن الظواهر السلبية كانت ترافق الاحتفالات بالموالد النبوية منذ وقت مبكر، إذ كان أولي الأمر يعتسفون في تحصيل المال، ويظلمون الناس من أجل البذخ في الاحتفالات الدينية، وكان بعض العلماء على حذر من كل بدعة.
стр. 183
وقد يكون مأخذ العلماء على المحتفلين بالمولد النبوي، يتعدى المظاهر، وما يفعل به من أعمال لا تتلائم مع الشريعة، وينصبّ على ما يقال في هذا المولد، والذي يختلط بعقائد فاطمية تسرّبت إليه، لأن الفاطميين هم من أوائل الذين احتفلوا بالمولد النبوي، ولا شك أنهم جعلوه مناسبة لترويج عقائدهم، وكذلك المتصوفة، الذي أدخلوا بعض آرائهم إلى المولد النبوي، فهم الذين كانوا يحيون احتفال المولد، ويقيمون حلقات الذكر فيه، ويتغنون بأناشيدهم، والمعروف عنهم ميلهم إلى الغيبيات، ووضع قصص المعجزات، مثلهم مثل الوعاظ الذين يؤلّفون قصص الوعظ الحافلة بمبالغات الترغيب والترهيب، فدخلت القصص الخيالية إلى الموالد النبوية التي جعلها المتصوفة «أحبولة يتصيّدون بها أهواء الناس ... فهم لا يكتفون بقراءتها في الذكرى، ولكنهم يقرأونها حين تخلق المناسبات كحفلات الأعراس» «١» .
ولذلك كانت مقاومة بعض علماء المسلمين لهذه الأفكار نابعة من حرصهم على ألا يصبح المولد النبوي مدخلا للأفكار الغريبة التي تشوه صفاء الشريعة، أو مدخلا لإضفاء نوع من الشرعية على بعض ألوان الملاهي، لهذا أطنب أحد العلماء «في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والتغني بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف» «٢» .
بيد أن كتاب المولد النبوي كانوا متحمسين للمولد، لا يعبؤون بما يقال عنهم، ويدعمون توجههم باراء علماء الدين الذين استحبوا هذه البدعة، فجاء في مولد الهدى: «وقد أقر الإمام أبو شامة «٣» شيخ الإمام النووي، «٤» ، وابن الجوزي «٥» ،
стр. 184
والحافظ ابن حجر، هذه السنّة الحسنة التي تكثر فيها الصدقات والمبرّات، والمعروف والخير، والبر والإحسان، والتي تشعر، وتدعو الناس إلى محبة النبي وتعظيمه، واتباع هديه ﷺ وكثرة الصلاة والسلام عليه» «١» .
وعلى الرغم من جدال المعارضين والمحبذين، انتشرت الموالد النبوية، وتسابق المؤلفون إلى وضعها، يميلون إلى التأريخ وسرد السيرة حينا آخر، ويوردون الأحاديث الشريفة والروايات بسندها مرة، ويتركون لأنفسهم العنان مرة أخرى، وبعض هذه الموالد تقتصر على النثر فقط، وبعضها الآخر يمتزج فيها الشعر بالنثر، وكلما تقدمنا في الزمن يرجح نصيب الشعر فيها، ويميل النثر إلى التوقيع الموسيقي، والتقطيع الإيقاعي، ليسهل إنشاده والتغني به، وهذا يظهر أن وضع هذه الموالد، كان هدفه الإنشاد في مناسبة المولد، وفي غيرها من المناسبات الدينية.
وقد حفلت بعض الموالد بالخرافات، والقصص المختلقة التي لا تثبت عند أدنى نظر فيها، مثل الروايات التي ذكرت على لسان الصحابة والتابعين، والتي تحثّ على الاحتفال بالمولد النبوي وتزكّيه، فقد جاء في المولد المنسوب إلى ابن حجر مثلا: «قال أبو بكر الصديق- ﵁: من أنفق درهما على قراءة مولد النبي ﷺ كان رفيقي في الجنة ... وقال عمر: من عظّم مولد النبي ﷺ فقد أحيا الإسلام ...
عثمان: من أنفق درهما على قراءة مولد النبي ﷺ فكأنما شهد غزوة بدر وحنين ...
علي: من عظّم مولد النبي ﷺ وكان سببا لقراءته، لا يخرج من الدنيا إلا بالإيمان، ويدخل الجنة بغير حساب» «٢» .
стр. 185
فهل كان المولد مكتوبا على عهد هؤلاء الصحابة؟ وهل عرف الصحابة الاحتفال بهذه المناسبة؟ فالظاهر من هذه الروايات التي تعظم قراءة المولد النبوي وتحث عليه، أن واضعيها أرادوا أن يجعلوا للمولد مهابة في النفوس وقداسة، وأرادوا دفع الناس إلى الاعتقاد ببركته، وإلى البذل على الاحتفال به، ووعدوهم أعلى المراتب عند الله تعالى فرفعوا قراءة المولد على العبادات، ولم يتركوا عالما أو فقيها له شهرة إلا نقلوا عنه كلاما في فضائل قراءة المولد، فنقلوا عن الحسن البصري «١» قوله: «وددت لو كان لي مثل جبل أحد ذهبا، فأنفقه على قراءة مولد النبي ﷺ » .
وقال معروف الكرخي «٢» : (من هيّأ طعاما لأجل قراءة مولد النبي ﷺ وجمع إخوانا، وأوقد سراجا، ولبس جديدا وتبخّر وتعطر، تعظيما لمولد النبي ﷺ حشره الله يوم القيامة مع الفرقة الأولى من النبيين، وكأنه في أعلى عليين» «٣» .
أيمكن أن يقال في هذا الكلام غير أنه مختلق، وضع لإرساء تقاليد معينة لقراءة المولد النبوي؟
ومثل هذا يقال عمّا نقل على لسان الإمام الرازي «٤» : «ما من شخص قرأ مولد النبي ﷺ على ملح أو برّ أو شيء آخر من المأكولات، إلا طرحت فيه البركة.. وغفر
стр. 186
الله لآكله.. وإن قرأ على ماء.. فمن شرب من ذلك الماء، دخل قلبه ألف نور ورحمة» «١» .
إن استعراض ما جاء في الموالد النبوية من روايات وقصص، يثير العجب والاستغراب، فقد جعلوا لقراء المولد النبوي والذين يقيمون الاحتفال به من الكرامات والثواب، ما يلبي لهم حوائج الدنيا، ويؤمن له حسن العقبى في الآخرة، والأمر جميعه مختلق لا يثبت عند النظر فيه. بل وصل الأمر بمختلقي هذه الروايات إلى تكفير تارك قراءة المولد النبوي، فقال أحدهم: «نص الفقهاء على كفر تاركه، لإشعاره بعدم حبّه له ﵊، وحيث أن عمل المولد انعقد عليه الإجماع من الأئمة الذين فضلهم في الأمة شاع، فلتاركه مع القدرة عليه العذاب المهين لإبدائه باتباع غير سبيل المؤمنين» «٢» .
وعلاوة على ذلك فقد جعلوا من طقوس قراءة المولد، القيام عند الوصول إلى خبر المولد، ونقلوا عن الفقهاء وغيرهم، أنهم «أجمعوا على القيام عند وصول القارئ إلى خبر ولادته، لما فيه من سرور أمته وإيقانهم بقرب مشاهدته، حيث أن القيام من علامات التوقير والاحترام» «٢» .
ولذلك نفر بعض كتّاب المولد النبوي من مثل هذه الروايات المختلقة، وحذروا منها، واشترطوا أن يكون المولد من «تحرير عالم متقن بخلاف الخرافات الشائعة بين الجهّال، فذلك ممّا يجب إنكاره» «٣» .
ولم يقتصر ما يستنكر من الموالد النبوية على القصص والروايات المختلقة التي تهدف إلى جلب اهتمام العامة إلى الموالد، وإثارة خيالهم، بل ظهر في وقت متأخر في
стр. 187
الموالد شعر غزلي، مسرف في غزله، «مما يأباه كل ذي طبع سليم، ولا يستحليه إلا كل ذي ذوق سقيم، وقد أدخلوا بعض تلك الأشعار في قصة المولد الشريف المنسوبة إلى بعض العلماء، وصارت تقرأ في مجالس العوام فلا تنكر، وذلك من أقبح المنكر» «١» .
وأكثر ما حفلت به الموالد النبوية هو المعجزات التي رافقت مولده ﷺ ، وإرهاصات مولده ومبعثه، والروايات المثيرة التي نقلت عن الرهبان والكهان والجن، وقد انتقلت هذه الروايات والأخبار إلى قصائد المديح النبوي، والمثير أن معظم هذه الروايات دون سند، يأتي بها كاتب المولد النبوي دون أن يهتم بصحتها، ومن يقرأ مولد ابن حجر، سيرى من الغيبيات وقصص المعجزات ما يثير الغرابة والاستهجان، وهذا ما دفع الدكتور زكي مبارك إلى القول: «ولم يعرف لشيء من ذلك سند صحيح من التاريخ، ولا نعرف متى نشأت هذه الأخبار عند المسلمين، وأغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين أرادوا أن يصوروا مولد الرسول بالصور التي أثرت عن أنبياء الهنود» «٢» .
فمولد ابن حجر مثلا يبدأ بالحديث عن رسول الله ﷺ فيقول: (ألبسه الله تاج النبوة، وجعله نبي الأنبياء، وآدم منجدل مندمج في الطين «٣» .
فهو يعتمد على الأحاديث الغيبية، وعلى ما يهتم به الصوفية من الجانب الروحي المحض من حياة رسول الله ﷺ ، ولذلك يعود إلى وصفه بقوله: «كان سر سجود آدم، ودعوة إبراهيم» «٤» .
ثم يورد معجزاته ﷺ ، ويقف بين المقطع والمقطع، لينظم أبياتا من الشعر، تتناول جانبا من جوانب حياته، فيقول مثلا:
стр. 188
صلّوا عليه وسلّموا تسليما ... حتى تنالو جنّة ونعيما
يا أمّة بنبيّها متفضّله ... صلوا عليه وسلّموا في الأوّله
أمة محمّد بالقطوف الدّانيه ... صلّوا عليه وسلّموا في الثانيه
يا من تورّق له الغصون اليابسه ... صلّوا عليه وسلّموا في الخامسه
جاء ابن عبد الله يبشّر آمنه ... صلّوا عليه وسلّموا في الثامنه «١»
ويلاحظ على هذا النظم الذي يقرب من العامية أو الزجل العامي، أنه نظم لتأكيد الأفكار التي وردت في النثر وليردده الحاضرون، مثل تكرار الصلاة عليه بطرق مختلفة، منها ما ورد في مقدمة الأبيات السابقة، ومنها ما يشبه الموشح في قوله:
الصلاة عليك السلام عليك ... من باب السلام
الصلاة عليك السلام عليك ... في جنح الظلام «٢»
ومع أن هذا النظم الذي تحفل به الموالد في النبي الكريم، وهو يتحدث عن معجزاته وحياته وبعض صفاته، إلا أنه يخرج عن المديح النبوي، لأنه نظم لشرح قطعة نثرية، وللتعقيب على فكرة، ولكسر جمود القراءة النثرية، وليتمكن السامعون من المشاركة في المولد، فيرددون هذا النظم، الذي يكون في الغالب ضعيفا، يعتوره اللحن والخطأ، وإلا فماذا نقول في مثل هذا الشعر:
صلوا عليه وسلموا تسليما ... حتى تنالوا جنة ونعيما
لي نبيّ اسمه محمّد يا مولاي ... لم يزل فضله عليّا
стр. 189
هو نبييّ هو شفيعي يا مولاي ... غدا من النّار القويّا
أنطق النّخل بفضله يا مولاي ... وله وجه مضيّا
أنفه أقنى كسيف يا مولاي ... والحواجب أنوريّا «١»
ولا أظن أن هذا شعر يقال في سيد الخلق. وهكذا يسير المولد من نثر إلى شعر، حتى يختم بدعاء معهود.
ويضاف إلى ذلك أن الشعر الذي يرد في الموالد النبوية، والذي فرضه سياق المولد وظروف قراءته، لم يشكل بمجموعه شعرا خاصا متميزا، ولم يطل مؤلف المولد النظر فيه، وهو غالبا لا يجيد الشعر ولا يعرف منه غير الشكل الخارجي، وهو لم ينظمه ليكون شعرا في مدح رسول الله ﷺ ، وإنما استكمالا لشكل المولد، وإشباعا لحاجته الإيقاعية، ولمّا كان موضوع المولد هو قسم من حياة رسول الله ﷺ ، فإن أي شعر يدرج في هذا المولد يجب أن يكون قريبا من هذا الموضوع، وبالتالي فهو يتحدث عن النبي الكريم، فهو شعر نبوي جاء من وحي الموضوع وليلائم المكان الذي يوضع فيه.
صحيح أن المولد النبوي شيء يتردد بين التأريخ لشطر من حياة رسول الله ﷺ ، وبين تمجيده والثناء عليه ومدحه إلا أنه لم يكن خالصا للمديح النبوي، وظل على شيء من الاختلاف عن المديح النبوي كما عرفناه في العصر المملوكي وفي العصور التي سبقته.
والمولد الذي يقرب ما جاء فيه من المديح النبوي هو مولد عائشة الباعونية «٢» ، التي
стр. 190
اتجهت به اتجاها صوفيا واضحا، وفسّرت كل ما حدث لرسول الله ﷺ تفسيرا صوفيا، وعبّرت عن المعاني في المولد النبوي تعبيرا صوفيا محضا، وقد سارت في مولدها على نهج محدد، فهي تتحدث عن ناحية من نواحي حياة الرسول الكريم وعن فضيلة من فضائله، ثم تنظم ما قالته شعرا، فجاء الشعر أقرب إلى المنظومات التعليمية منه إلى الشعر الحقيقي. فبعد أن تحدثت عن خلق النبي الكريم من منطلق الحقيقة المحمدية، نظمت ما تحدثت عنه، فقالت:
عبير الثّنا في الخافقين يفوح ... وبشر الهنا في الكائنات يلوح
بإيجاد من لولاه ما كان كائن ... ولا علمت نفس ولا نعمت روح
وجيه بعرش الله في رقم اسمه ... دليل على التّخصيص فيه وضوح
وآدم مذ أضحى به متوسّلا ... أجيب وداود ومن قبله نوح
ونجّى من النّار الخليل لأجله ... وأسعف منّا بالفداء ذبيح
وكم بشر بالمصطفى قد تتابعت ... وأفصحهم نطقا بتلك مسيح
وكم أضحت الأحبار تهتف باسمه ... وتعرب عن مجد العلا وتبوح
وكم أنشأ الكهّان سجعا ببعثه ... وأبدع شقّ في الحلى وسطيح «١»
وحين تحدثت عن معجزات مولده، وأفاضت فيها نثرا، عادت ونظمت هذه المعجزات شعرا، فقالت:
الله أكبر كم وافت بشارات ... وكم تبدّت لتعظيم إشارات
وكم تجلّت براهين ومعجزة ... وكم توالت كرامات وآيات
стр. 191
أعظم بها ليلة جلّت بدائعها ... وأفصحت بالهنا فيها الجمادات
وزيّنت حضرات الغيب وانتصبت ... من أجل ياسين أعلام ورايات
وجلّل العرش بالأنوار واتّشح ال ... كرسيّ وزخرف فردوس وجنّات «١»
وهكذا مضت في مولدها، تنتقل من الحديث عن المولد إلى الحديث عن المعجزات إلى سرد شيء من السيرة، لتصل إلى صفاته الجسمية، وفضائله الخلقية، وتعقب على كل فقرة بقصيدة تنظم فيها ما تقدمت به، ولتختتم المولد بقصيدة في الصلاة على النبي، بدأتها بقولها:
صلّوا على من عليه الله خالقه ... صلّى وسلّم في الآزال والقدم
صلوا على بهجة الكونين أحمد من ... سما وسمّي قبل اللّوح والقلم
صلّوا عليه يصلّي الله تكرمة ... عشرا ويشملكم بالفضل والكرم «٢»
وما ذكرته عائشة الباعونية شعرا ونثرا، يدخل في بناء المدحة النبوية، لكنها لم تخرج عن نطاق الغيبيات والنظرة الصوفية إلى النبي الكريم، وشعرها هنا يعد مدحا نبويا روحيا خالصا، مضمّنا في مولد نبوي، إلا أن النظم غلب عليه.
ومن هنا جاء التداخل بين الشعر الذي قيل في المولد النبوي وبين المديح النبوي، لكن القصائد والمقطوعات الشعرية التي توجد في الموالد النبوية، تقتصر كل منها على معنى محدد من معاني المديح النبوي، ونادرا ما جمعت قصيدة أو قطعة شعرية معاني مختلفة من معاني المديح النبوي، وهذا ما نلاحظه بوضوح في مولد عائشة، فكل قصيدة تدور حول معنى محدد هو المعنى الذي قدمت له، ولم تأخذ القصائد شكل المدحة
стр. 192
النبوية المتكاملة المعروف من مقدمة غزلية أو ذكر للمقدسات، إلى مدح النبي الكريم بقيم مختلفة، ومن نواح متباينة مع ذكر بعض المواضيع الآخرى، واختتامها بالدعاء والصلاة عليه، ولذلك افترق شعر الموالد النبوية عن شعر المدائح النبوية، فهو يلتقي معه في الموضوع، إذ إنه يتعلق برسول الله ﷺ وبالهدف، فهو يرمي إلى تمجيد رسول الله ومدحه لكنه يبتعد أحيانا عند ما يكون هدفه التأريخ ونظم معنى من المعاني أو قضية من القضايا، وعند ما لا يقصد به إلا الترنم والإنشاد، وهو يفترق عنه أيضا في الشكل الفني.
فالمولد النبوي بشعره ونثره، فيه لون من ألوان المديح النبوي، وفيه صنعة فنية من نوع ما، ربما امتزجت فيه القصة والملحمة والشعر، وربما كان لونا فنيا خاصا، أو بداية للون فني خاص، فهو يلتقي مع المدح النبوي كما عرف في العصر المملوكي بأشياء، ويفترق عنه بأشياء أيضا.
وإلى جانب ذلك يوجد شعر قيل في المولد النبوي فقط، وأشاد به، وورد ذكر المولد أيضا في قصائد المديح النبوي، فهو أحد معاني مديحه ﷺ ، بالإضافة إلى ظهور قصائد خاصة، تنظم بمناسبة يوم المولد، يذكر فيها المولد، ويمدح النبي الكريم، ثم يمدح السلطان في ذلك الوقت، فإذا كان حاضرا الاحتفال بالمولد- وهو الغالب- تنشد القصيدة بين يديه.
وانتشر هذا اللون من القصائد في المغرب خاصة، وسميت القصيدة منه بالمولدية، لمناسبة نظمها، ولتعرضها لمولد الرسول الأمين.
فمن المدائح النبوية التي ذكر فيها المولد، قصيدة لسليمان السمهودي «١» ، بدأها بقوله:
стр. 193
أضاء النّور وانقشع الظّلام ... بمولد من له الشّرف التّمام
ربيع في الشّهور له فخار ... عظيم لا يحدّ ولا يرام
به كانت ولادة من تسامت ... به الدّنيا وطاب بها المقام «١»
والملاحظ في ذكر الشاعر للمولد النبوي أنه تناول أثر هذا المولد على الكون، وفضل شهره على غيره من الشهور، وهذا الأمر يتكرر دائما في القصائد المولدية، التي لا تفترق عن المدائح النبوية إلا بأمرين: الأول هو نظمها بمناسبة المولد، والتأكيد على ذكر أهمية المولد في تاريخ البشرية، والثاني هو مدح سلطان الوقت الذي نظمت فيه القصيدة، فهي بذلك لون من ألوان قصائد المديح النبوي.
ومن ذلك قصيدة لعبد الله بن سيف النجاري الخزرجي «٢» ، يمدح فيها النبي الكريم، ويذكر مولده، ويمدح ملك المغرب عبد العزيز المريني، يقول فيها:
لله مولدك الكريم وفادة ... وإفادة يروي الظّماء جمامها
هو أكبر الأعياد بشرى آذنت ... ألايودّع شهرها أو عامها
وافى ربيع الخير منه بليلة ... عن وجه ذاك البدر حطّ لثامها
طفئت بها نيران فارس بعد ما ... لم تطف ألفا عدّدت أعوامها
هي ليلة فاق اللّيالي فضلها ... وتشّرفت بزمانها أيّامها
أبدى الكريم إمامنا تعظيمها ... وله يحقّ بواجب إعظامها
стр. 194
فهو المليك الصّالح العلم الرّضا ... محيّي الشّريعة، عزّها ونظامها «١»
والطريف أن نجد أرجوزة لابن البرهان الفاقوسي «٢» ، يتحدث فيها عن المولد، وكأنه نظم المولد رجزا، أو أنه صنعها على غرار المنظومات التعليمية، فأودعها المعلومات المختلفة حول المولد النبوي، وقد افتتحها بقوله:
الحمد لله الحميد الصّمد ... منوّر الأكوان بالممجّد
محمّد خير الورى المكمّل ... أهدى إلينا في ربيع الأوّل
أعلام سعد المصطفى قد نشرت ... في الخافقين تلألأت وتضوّأت
فاح الوجود بنشر عرف المصطفى ... لمّا مشى ما بين زمزم والصّفا
من قبل نشأة آدم أنواره ... قد سطّرت في العرش لمّا اختاره «٣»
ونجد كذلك من يجعل إحياء ليلة المولد والاحتفال بها، معنى من معاني مدح الأمراء والسلاطين، يضاف إلى المعاني الدينية التي انتشرت في مدح ذوي الأمر آنذاك، فالفرفوري «٤» مدح السلطان قانصوه الغوري قبيل انقضاء الدولة المملوكية، فقال:
محبّ لأهل العلم والفضل والتّقى ... بحيث إليهم دائما يتودّد
ومولد خير الخلق أجراه عادة ... بها كلّ خير دائما يتولّد «٥»
стр. 195
أما المشارقة، فإنهم نظموا القصائد المولدية، لكنهم لم يقحموا فيها مدح السلطان، وظلت مثل المدحة النبوية العادية، إلا أن الشاعر يتسع فيها بذكر المولد النبوي ومعجزات هذا المولد.
ومن ذلك قصيدة لصفي الدين الحلي، بدأها بقوله:
خمدت لفضل ولادك النّيران ... وانشقّ من فرح بك (الإيوان)
وتزلزل النّادي، وأوجس خيفة ... من هول رؤياه (أنو شروان)
فتأوّل الرّؤيا (سطيح) وبشّرت ... بظهورك الرّهبان والكهّان
وعليك (إرميا) و (شعيا) أثنيا ... وهما و (حزقيل) لفضلك دانوا
بفضائل شهدت بهنّ السّحب والت ... توارة والإنجيل والفرقان
فوضعت لله المهيمن ساجدا ... واستبشرت بظهورك الأكوان
متكمّلا لم تنقطع لك سرّة ... شرفا، ولم يطلق عليك ختان
فرأت قصور الشّام (آمنة) وقد ... وضعتك لا تخفى لها أركان
وأتت (حليمة) وهي تنظر في ابنها ... سرّا تحار لوصفه الأذهان
وغدا ابن ذي يزن ببعثك مؤمنا ... سرّا ليشهد جدّك الدّيّان
شرح الإله الصّدر منك لأربع ... فرأى الملائك حولك الإخوان «١»
وهكذا تمضي القصيدة في سرد معجزات مولد رسول الله ﷺ ونشأته، لتنظم معظم ما جاءت به الموالد النبوية، وليتابع الشاعر بعد ذلك مدح النبي الكريم بالمعجزات التي ظهرت علي يديه بعد البعثة.
стр. 196
لكن القصائد المولدية لم تكن كلها متشابهة، فربما نظم بعض الشعراء قصائد في مناسبة المولد النبوي، لكنهم لا يذكرون فيها المولد من قريب أو بعيد، ولا يمدحون فيها صاحب الأمر في وقتهم، ويقتصرون في قصائدهم تلك على المديح النبوي فقط، فتكون القصيدة مدحة نبوية خالصة، لكن اسم مولدية أتاها من نظمها بمناسبة المولد، أو لأن صاحبها أنشدها في احتفال المولد، وكان من مراحل احتفال المولد الأساسية إنشاد المدائح النبوية، دون أن يعني ذلك أن تكون خالصة للمولد النبوي، فيكفي أن يمدح الرسول ﷺ صاحب المناسبة المحتفى بها.
فالمولد النبوي هو نوع من السيرة، يتناول مرحلة المولد والنشأة، وهو نوع من المدح والتمجيد، يعتني بمعجزات المرحلة الأولى من حياة الرسول الكريم، يختلط فيه الشعر بالنثر، ويقتصر على معنى واحد من معاني المديح النبوي، ولذلك يتشابه مع المديح النبوي ويفترق عنه.
أما القصائد التي نظمت في هذه المناسبة وسميت بالمولدية، فإنها قصائد مديح نبوي، تلتقي مع سواها من المدائح النبوية في كل شيء، وتفترق عنها بالتوسع في ذكر المولد، وفي مدح صاحب الأمر آنذاك، وبذلك يتقاطع المدح النبوي مع المولد النبوي ويفترق عنه، فما جاء في المولد النبوي هو قسم من المديح النبوي، ولا يسعنا أن نتجاهل بعض القصائد التي وردت فيها، لأنها تلتقي مع قصائد المديح النبوي في جوانب كثيرة، أهمها أنها جميعا تقال في تمجيد رسول الله ﷺ ومدحه.
من كل ذلك يتبين لنا أن المدح التقليدي للنبي الكريم يتشابه مع غيره، وأنه جاء بسبب رسوخ التقاليد الفنية في نفوس الشعراء، وهو لون من ألوان المديح النبوي، بدأه شعراء البعثة، الذين لم يكونوا يرمون من وراء مدحهم للنبي الكريم أن يكون هذا المدح متميزا، وفنا قائما بذاته.
стр. 197
أما مدح آل البيت، فإنه موجه لآل رسول الله، يشيد بهم ويدافع عن حقهم في الخلافة، ويذكر قرابتهم من رسول الله، فيأتي فيه شيء من مدحه ﷺ ، لكن الشعراء الذين ذكروا رسول الله في مدحهم لآل البيت، لم يكونوا يقصدون في شعرهم مدح النبي الكريم، بل استدعى موضوع شعرهم هذا المدح.
في حين أن الشعر الصوفي، وهو فن شعري مستقل، استدعى موضوعه ذكر رسول الله ﷺ ، لكن مدحه في الشعر الصوفي لم يكن هدفا رئيسا لقصائد المتصوفة، بيد أن الشعر الصوفي أثّر في المديح النبوي مثلما أثّر شعر الشيعة، وتأثرا به.
وشعر التشوق إلى الأماكن المقدسة يفترق عن المديح النبوي، وإن ذكر الرسول الكريم فيه، فهو فن شعري مستقل، أضحى في أيام المماليك من لوازم المديح النبوي.
والمولد النبوي، وما ورد فيه من شعر هو لون من ألوان المديح النبوي، يقتصر على معنى من معانيه، ويتحدث عن واقعة واحدة من وقائع سيد البشر.
وبذلك تكون هذه الفنون الشعرية قريبة من فن المديح النبوي، ومتميزة عنه ومتقاطعة معه، فهي تقترب وتبتعد، وتتداخل وتتمايز مع المديح النبوي، لكننا لا نستطيع أن نجعلها بكل صورها من فن المديح النبوي، الذي عرف في العصر المملوكي على صورة معينة، يصعب دمج هذه الألوان معه.
لكن هذه الفنون أثّرت في المديح النبوي وتأثرت به، وأعطته الصورة التي نعرفها.
стр. 198
الباب الثالث المدحة النبوية
стр. 199
المدحة النبوية إن المديح النبوي في العصر المملوكي قد أضحى فنا شعريا مستقلا، له أصوله وقواعده، وله شعراؤه الذين وقفوا شعرهم عليه، وله مريدوه وسامعوه الذين انفعلوا به، فكان سميرهم في مجالس العلم والشعر، وحلقات الدرس والذكر، وكان وسيلة للتعبير عن مشاعرهم وآلامهم وآمالهم، ولطلب الراحة والطمأنينة لنفوسهم المضطربة القلقة، بسبب الهزات العنيفة التي تعرض لها المجتمع العربي الإسلامي على أكثر من صعيد.
وكانت المدائح النبوية تعكس رغبة الناس في الخلاص والصفاء؛ لأن العرب المسلمين كانوا وما زالوا ينظرون إلى العصور الإسلامية الأولى على أنها المثل الأعلى للحياة الحقة، التي تعطي للإنسان قيمته الإنسانية، وتجعله يعيش حرا كريما عزيزا، يشعر بمعنى الحياة، ويحس أنه يعيش من أجل هدف سام يريد الوصول إليه.
وتعكس كذلك شوقهم إلى المثل الأعلى والبطولة الفذة والفضائل السامية التي تجسدت في شخصية الرسول الكريم. فكانت المدائح النبوية على هذا الانتشار وعلى هذه الفاعلية، وعلى هذا التقدير، لذلك احتفل لها شعراؤها أيّما احتفال.
والمدحة النبوية تعني أنها قصيدة مدح، لذلك فهي ترتبط بفن المدح الذي عرفه العرب منذ وقت مبكر من تاريخهم، ووصل إلينا مع وصول الشعر العربي في بداياته، لذا فهي لا تخرج في نهجها العام عن قصائد المديح في الشعر العربي، وعن الطريقة التي مدح بها الشعراء.
стр. 200
والمديح سابق للمدحة النبوية، لذلك أخذت عنه، وجارى شعراء المديح النبوي سابقيهم في المضمون والأسلوب.
وتعني أيضا أنها تنظم مدحا لرسول الله ﷺ فقط، فلا يعد مديح غيره من المديح النبوي، مهما كانت علاقته بالنبي الكريم وثيقة.
وبذلك تكون المدحة النبوية مرتبطة بفن المديح العربي عامة، ومدح النبي الأمين خاصة.
стр. 201
الفصل الأول المضمون
مضمون المدحة النبوية الأساس هو مدح النبي الكريم، وإلى جانبه ما يمهّد لهذا المدح ويختمه، وما يضيفه الشاعر لغرض في نفسه.
القسم الأول- المدح بالقيم التقليدية:
إن مضمون المدحة النبوية الأساس هو مدح رسول الله ﷺ ، والمدح كما عرف عند الشعراء العرب هو الثناء على الرجل وأخلاقه وفضائله وأفعاله وكل ما يتصل به، وهذا ما فعله مدّاح رسول الله، إلا أنهم أضافوا إلى المدح العربي قيما أخرى، اقتضتها طبيعة من يمدحونه، فهو رسول الله ﷺ ، وهو سيد الخلق، وهو وحيد في خصائله وشمائله وفضائله، وهو أكبر مؤثّر في الإنسانية، لذا كان لا بد من أن يتفرّد عن غيره من البشر في مديحه، وأن يختص بقيم مدحية لا يشاركه فيها سواه.
وقد تنوعت طريقة المدح النبوي تنوعا كبيرا، واتسعت معاني مديحه أيّما اتساع، لأن شخصية رسول الله ﷺ شخصية رحبة غنية، يحار المادحون من أي جانب يشيدون بها. فبعضهم مدحه مدحا تقليديا مثلما جرت عليه العادة في مدح عظام الناس، وبعضهم مدحه مدحا دينيا لمكانته الدينية السامية التي لا يدانيه فيها أحد، وبعضهم مدحه مدحا خلقيا، لسمو خلقه ورفعته، وبعضهم أظهر أثره في البشرية، وحرص بعضهم على إظهار معجزاته وبيان مواطن العظمة في سيرته، وإلى غير ذلك من إمكانيات المدح التي لا حصر لها، ولذلك اعترف المادحون جميعهم بتقصيرهم في مدحه، وبعجزهم عن إيفائه حقه.
стр. 202
فالنبي الكريم اختاره الله تعالى ليحمل رسالة الهداية والرحمة للناس أجمعين، فهيّأه لهذه المهمة الكبرى «وخصّه بخصائص لم يشاركه أحد فيها» «١» .
فهو نسيج وحده في كمال خلقه وخلقه، وفي فضائله ومكانته، أثنى عليه ربه مرات كثيرة، وجعله مثالا للكمال الإنساني، فكيف يستطيع البشر الوفاء بمدحه ووصفه وحصر فضائله؟
وقد مرّ معنا في السابق كيف مدحه أصحابه وشعراء زمانه مدحا تقليديا، لا يكاد يخرج عمّا اعتادوا عليه وألفوه في مدح ساداتهم وأشرافهم، وكيف تابعهم بعض مدّاح النبي في ذلك، فلم يخرجوا إلا قليلا عن القيم الاجتماعية المعروفة، والتي كانت تحظى بالتقدير عندهم، فيمدح بها من نال إعجابهم ورضاهم، ومن جسّد مثلهم وأحياها.
فالقيم الاجتماعية المعروفة عند العرب مثل الكرم والشجاعة والعزة وطيب المحتد، اعتنى بها الإسلام وهذّبها وأقرّها، وأعطاها مفهوما إنسانيا جديدا، مغايرا لما كانت عليه فأضحت من عوامل التقدم والتكافل الاجتماعي، بعد أن كانت للمباهاة وحب الظهور، بل إن رسول الله ﷺ قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «٢» .
ومنذ القدم تعلق الناس بأخلاق رسول الله ﷺ ، وأشادوا بها، بل لقد أثنى عليها خصومه المشركون الذين كفروا برسالته، لكنهم لم يستطيعوا إلا أن يعترفوا برفعة أخلاقه وسمو روحه، وهذا ما بهر شعراء المدائح النبوية، فأخذوا يبدؤون ويعيدون في ذكر أخلاقه وشمائله الطيبة، ويفتنّون في عرضها، فالبوصيري يؤخذ بفضائل النبي الكريم فيميزها عن فضائل غيره، ويقول:
стр. 203
خلائقه مواهب دون كسب ... وشتّان المواهب والكسوب
وآداب النّبوّة معجزات ... فكيف ينالها الرّجل الأديب «١»
فأخلاق رسول الله ﷺ مواهب من الله تعالى، خلقه عليها، ولم يتعلمها من محيطه، ويكتسبها من غيره، ولذلك فإن هذه الفضائل تمتاز عند رسول الله عنها عند بقية الناس، بل إن كل فضيلة عند الناس مقتبسة من فضائله، ومنسوبة إليه:
مصباح كلّ فضيلة وإمامها ... ولفضله فضل الخلائق ينسب «٢»
فشعراء المديح النبوي هاموا بفضائل رسول الله ﷺ ، وتغنوا بها، فأتى المدح التقليدي عندهم غير المدح المعروف عند الناس، لأن رسول الله ﷺ يختلف عن باقي الناس في كل شيء، ومن ذلك أخلاقه وميزاته، فإذا كان الشعراء يمدحون الرجل بطيب المحتد وعراقة الأصل، وكرم الأجداد والآباء، فإن رسول الله عند مدّاحه أفضل الناس أصلا، وأزكاهم نسبا، وأكرمهم محتدا.
وهو خيار من خيار من خيار، وصفوة خلق الله لا يقاربه في كرم المنبت أحد، ولا يدانيه في سمو الأصل أحد وفي ذلك قال أحد مدّاحه:
لله ممّا قد برا صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصّفوة من بينهم ... محمّد النّور أبو القاسم «٣»
فرسول الله هو أزكى النّاس نسبا، وهو لم يشرف بنسبه- كما يحصل لغيره من البشر- وإنما شرف نسبه به، وأخذ عنه المجد والرفعة، أو كما قال الشهاب محمود:
стр. 204
أنت المبوّأ من ذؤابة هاشم ... شرفا أناف على الكواكب طولا
بك كرّم الله الجدود وطهّر ال ... آباء إذ ولدوك جيلا جيلا «١»
فأين ذلك كله ممّن يعتزون بنسبهم، ويرفعون من قيمته، ويتباهون به على غيرهم؟
لقد وجد شعراء المدائح النبوية أنفسهم أمام بحر من الفضائل والمكرمات، فأخذوا يغترفون منه كيفما شاؤوا فلا يستطيعون لفضائله حصرا، ولا يجدون لمكرماته نفادا، فهو لا يدانى في حسبه ونسبه، ولا يدانى في كرمه أو كما قال البرعي:
أعزّ الورى أصلا وفعلا ومنشأ ... وأعلى وأسمى في الفخار وأحسب
وأحسن خلق الله خلقا وخلقة ... وأطولهم في الجود باعا وأرحب «٢»
ونرى في مثل هذه الأشعار أن مدّاح النبي قرنوا كرمه الذي لا يجارى بشجاعته النادرة، وصلابته في الحق، فهو شاف لكل أدواء مجتمعه، يخلّص الناس ممّا ينغّص حياتهم، وينتقص من إنسانيتهم، وهو:
متمكّن الأخلاق إلّا أنّه ... في الحكم يرضى للإله وبغضب
يشفي الصّدور كلامه فدواؤه ... طورا يمرّ لها وطورا يعذب «٣»
وهو إلى جانب عزته ومقدرته وسطوته، حليم رؤوف، يغفر الزلات، ويحلم عن المخطئين بحقه، لأن الحلم من طبعه الذي خلق عليه، وفي ذلك قال ابن جابر «٤» :
стр. 205
قد خالط الحلم سجايا طبعه ... كمثل ما قد خالط الثّوب السّتا «١»
ولم يؤخذ بعزته ونصره، ومواهب الله له، بل ظل متواضعا، ليّن الجانب للمؤمنين والضعفاء والفقراء:
زيّنه تواضع على علا ... فما ازدهى بعزّة ولا نخا «٢»
أما شجاعته، فيضرب بها المثل، لا يخشى في سبيل الله عدوا، ولا تساور نفسه رهبة، إذا حمي الوطيس تحامى أصحابه به، فوضع الله الرعب في قلوب أعدائه، لا يعرفون عند لقائه محيصا، وقد قال فيه الشهاب المنصوري «٣» عند ما مدحه:
لك رعب في قلب كلّ عدّو ... كسنا البيض والقنا المهزوز «٤»
وقد أفاض شعراء المدائح النبوية في الحديث عن شجاعة رسول الله وبطولته، واقتحامه غمرات الحرب ليحفزوا همم معاصريهم على الجهاد، فالصرصري الذي قتل في سقوط بغداد على يد التتار، وصف رسول الله في إحدى مدائحه بقوله:
إذا انبرى لغارة ... شهباء ذات شرر
جلا قتام نقعها ... بصارم ذي أثر «٥»
إلا أن شعراء المديح النبوي لم يقفوا عند كل فضيلة من فضائل النبي طويلا، بل ذكروا هذه الفضائل بعضها مع بعض دون تفصيل، فيكفي أن يشار إلى هذه الفضائل، لينتشي السامعون بعبقها، ولم يدّع شعراء المدائح النبوية أنهم جلوا فضائل رسول الله
стр. 206
كلها، ولم يفخروا بنشرها، لأنهم عاجزون عن حصر هذه الفضائل أو عن إدراك جوهرها، أو كما قال تقي الدين الطبيب «١» :
مجد كبا الوهم عن إدراك غايته ... وردّ عقل البرايا وهو معقول «٢»
ولم يفت شعراء المدائح النبوية أن يجاروا غيرهم، ويمدحوا رسول الله بجمال الخلقة والهيئة، بل إن الوصف الخارجي الذي لا يعد من المديح المجلي، والذي نادرا ما يلجأ إليه الشعراء إلا بلمحات خاطفة، يصبح عند شعراء المديح النبوي ذا دلائل خاصة، فهو يشبع حاجة الناس لمعرفة شكل رسولهم الممجّد، وتشكيل صورة له في أذهانهم وأحلامهم، وهو من ناحية ثانية يعبّر عن الجمال المطلق الذي تعلّق به الصوفية، والذي هو من درجات الكمال، ولمّا كان الرسول الكريم أفضل البشر أخلاقا وأعلاهم مقاما وجب أن يكون عند الشعراء أجمل الناس وجها، وأتمهم خلقة، لذلك أكثروا من وصف جماله، والتغني بحسنه وبهائه، وهم يقتدون بشاعره حسان بن ثابت، الذي قال فيه:
وأحسن منك لم تر قطّ عيني ... وأجمل منك لم تلد النّساء
خلقت مبرّأ من كلّ عيب ... كأنّك قد خلقت كما تشاء «٣»
وبكعب بن زهير الذي وصفه بقوله:
مسح النّبيّ جبينه ... فله بياض بالخدود
وبوجهه ديباجة ... كرم النّبوّة والجدود «٤»
стр. 207
وقد أولع الصرصري بوصف جمال رسول الله، وفصّل محاسنه الجسدية، وشبهها، وكأنه يتغزل بهذه المحاسن، فقال في إحدى مدائحه:
طلق المحيّا نوره ... يكسف نور القمر
كأنّما شمس الضّحى ... في وجهه المدوّر
أبيض قد زان محي ... ياه سواد الشّعر
فوق جبين واضح ... أزهر رحب أنور
في مقلتيه دعج ... مترجم عن حور
وجنته أحسن من ... ورد الرّياض الأحمر
أقنى يلوح النّور من ... عرنينه المنوّر «١»
وقد استرسل الصرصري في وصف محاسن رسول الله الجسدية، فلم يترك عضوا من أعضائه الكريمة إلا وصفه وشبّه كأحسن ما يكون الوصف والتشبيه، فقد أطلق لمخيلته العنان ليشكل صورة خارجية لرسول الله ﷺ معتمدا على الروايات التي جاءت في وصفه، مضيفا إليها الأوصاف التي يراها مثالية في نظره، والتي اصطلح العرب على استحسانها والإشادة بها.
وأحسن البوصيري في وصف محاسنه ﷺ وتشبيهها في قوله:
ستر الحسن منه بالحسن فاعجب ... لجمال له الجمال وقاء
فهو كالزّهر لاح من سجف الأكما ... م والعود شقّ عنه اللّحاء «٢»
стр. 208
وهكذا مضى الشعراء في وصف رسول الله ﷺ ، ومدحه بالقيم التقليدية التي عرفت في المديح العربي، لكنهم وصلوا فيها إلى مراتب لم يصلها مدّاح غيره، لأن حدود المبالغة مفتوحة أمامهم، لا يوجد ما يحدهم في الإشادة به كيفما يشاؤون، فيمزجون القيم الأخلاقية مع المحاسن الجسدية، مع الفضائل الاجتماعية، في تناسق وتكامل، اقتضته شخصية رسول الله المتكاملة، فمدحه النصيبي «١» بقوله:
نبيّ سخيّ حييّ وفيّ ... أبرّ البريّة قولا وفعلا
وسيم عليه يلوح القبول ... وسيما السّعادة مذ كان طفلا
وما زال يملأ أرض العدوّ ... في طاعة الله خيلا ورجلا «٢»
وظل شعراء المديح النبوي ينظمون مناقب رسول الله ﷺ وخصائصه الفاضلة في عقد بديع، ويقرنون بعضها إلى بعض، باذلين جهودهم في إخراجها الإخراج الذي يليق بصاحبها، فالصرصري وصفه بقوله:
جمعت له غرّ المناقب فهي كال ... عقد النّظيم لا تتوزّع «٣»
ولم يقارن شعراء المدائح النبوية رسول الله بأحد، فالمقارنة لا تصح هنا، لكنهم فضّلوه على جميع البشر فقال الصرصري:
جمعت ما في الكرام الزّهر مفترق ... وزدت فضلا عظيما غير محصور
فأنت سيّد أهل الفضل أجمع في ... أصل وفرع وتقديم وتأخير «٤»
стр. 209
وظلوا على تفضيله، يؤكدون أن قدره فوق الخلق جميعا، لذلك حرصوا على إظهار تفرده وإبعاد أي شبه لأخلاقه وفضائله، فرسول الله نسيج وحده، وهو تجسيد للكمال الإنساني الذي قال عنه الشرف الأنصاري «١» :
أبان نقص الجميع عنه ... لمّا غدا في الكمال مفرد «٢»
وبذلك نجد أن شعراء المديح النبوي قد أجادوا في مديح النبي الكريم بالقيم التقليدية المعروفة عند العرب، والتي مدحوا بها ساداتهم.
لكن هذه المعاني التقليدية أخذت طابعا خاصا في المدائح النبوية، وأصبح لها وهج خاص عند مدح رسول الله بها، فسمت عند نسبتها إليه، فكأنها غادرت تقليديتها، واكتسبت خصوصية وقداسة فالشعراء افتنّوا في عرضها، وفي الذهاب بها إلى الغاية التي يعرفونها عند البشر، دون أن يحذروا الوقوع في المبالغة المفرطة، لأنهم مهما غالوا في هذه القيم، ستظل مغالاتهم قاصرة عن الوصول إلى المرتبة التي يحتلها النبي الكريم.
فلم يبق المدح التقليدي تقليديا، ولا يصح مثلا أن نقتطع مقطعا من هذا المدح، ونقوله في إنسان آخر غير رسول الله ﷺ ، كما يمكن أن يحدث في مدح غيره.
ولم يكن المدح بالقيم التقليدية في المدائح النبوية أثناء العصر المملوكي متطابقا مع المدح التقليدي الذي مدح به رسول الله ﷺ في حياته، لأن الشعراء باتوا يدركون مفهوم النبوة، ويعرفون قدر النبي الأمين حق المعرفة، فمدحهم وإن كان يأخذ الجانب الإنساني من شخصية الرسول الفريدة، كان يراعي الجانب الروحي والنبوي ومكانته الدينية، وكان في غالب الأحيان مختلطا به، ويصعب الفصل في مدحهم بين الجانب الديني والجانب الدنيوي، وما كان الفصل إلا مفتعلا لتسهيل الدراسة، وبيان ألوان المديح النبوي في المدائح النبوية خلال العصر المملوكي.
стр. 210
القسم الثاني- المدح الديني:
رأينا كيف مدح الصحابة والشعراء الذين شهدوا البعثة رسول الله ﷺ ، مثلما كانوا يمدحون ساداتهم، لأنهم ظلوا في مديحهم له على تقاليدهم الشعرية التي حذقوها في المدح، ولأن الوقت لم يكن كافيا لتظهر المؤثرات الدينية في شعرهم، ولم يكن مفهوم النبوة واضحا في أذهانهم، فليس أمامهم مثال يحتذونه، ولم يسبق لهم أن مدحوا نبيا.
وقد استمرت هذه الطريقة في مدح رسول الله ﷺ بعد ذلك، أو أن القيم التقليدية لهذا المدح استمرت راسخة في المدائح النبوية التي ظهرت في العصر المملوكي وما قبله.
بيد أن المظاهر الدينية في مدح الرسول الكريم أخذت تظهر عند الشعراء الذين مدحوا رسول الله في حياته، فامتزجت المعاني الدينية بالمعاني التقليدية، وقلما خلصت مدحة نبوية لأحد الاتجاهين، فالقيم التقليدية أضحى لها طابع ديني عند مدح رسول الله ﷺ بها، وخاصة أن الإسلام أقرّ هذه القيم وهذّبها ومنحها مفهوما جديدا، ومن هنا جاء التداخل بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الدينية في مدح رسول الله ﷺ ، وما الفصل بينهما إلا فصل نظري، اقتضته متطلبات الدراسة.
فرسول الله ﷺ هو الذي بلّغ الرسالة السماوية، وهو الذي علّم الناس دينها، وهو شخصية دينية في المقام الأول، فلا يعقل أن يمدح دون أن يتطرق مادحه إلى مكانته الدينية، ودون أن تذكر خصائصه وفضائله ومواهب الله له، فالمدائح النبوية هي لون من ألوان الأدب الديني، تتعلق بصاحب الدين، وهادي الناس إلى النور والحق، لذلك عبقت بالمشاعر الدينية، وامتلأت بالمفاهيم الدينية، وتعرضت لسيرة النبي وفضائله ومعجزاته، وأظهرت تميّزه بين البشر.
وحاول مدّاح النّبي الأمين أن يجلوا شخصية رسول الله الرحبة قدر المستطاع، لكن المتميز منهم من طرق جانبا جديدا من جوانب هذه الشخصية الفذة العظيمة، أما معظمهم فقد ردّدوا المعاني نفسها، وأعادوا الأفكار ذاتها، وإن أعادوا صياغتها.
стр. 211
ويعود ذلك إلى اعتماد الشعراء في أخذ أفكارهم ومعانيهم على الكتب الكثيرة التي ألّفت حول سيرة رسول الله وخصائصه وشمائله ودلائل نبوته، وهي كتب تكرر بعضها، ولا تختلف إلا في النهج أو الأسلوب أو في الاتساع والاختصار.
محبته:
فجميع مدّاح النبي أظهروا محبتهم لرسول الله ﷺ وتشوقهم لزيارته، وحنينهم إلى القرب منه، وقد مرّ معنا كيف أظهروا تشوقهم، وكيف جلوا مشاعرهم اتجاهه، وكيف عمرت قلوبهم المفعمة بمحبته التي ملكت عليهم أنفسهم، والتي أوجبها الإيمان ومكانة النبي السامية عند ربه، ومكّنها ما عرفوه عن رسول الله ﷺ من كمال ورحمة، ومدى تأثيره في البشرية.
فالبوصيري عبّر عن حبه وتعلقه برسول الله ﷺ في قوله:
وبحبّ النّبيّ فابغ رضا الل ... له ففي حبّه الرّضا والحباء «١»
ووصفه في قصيدة أخرى، فقال:
بشر سعيد في النّفوس معظّم ... مقداره، وإلى القلوب محبّب «٢»
وأظهر شعراء المديح النبوي هيامهم برسول الله، وأبدوا تعلّقهم بذاته الكريمة، وارتياحهم لذكره، وشعورهم بالطمأنينه لمحبته، والانتماء إليه، فقال السندفائي «٣» :
стр. 212
مكانك من قلبي وعيني كلاهما ... مكان السّويدا من فؤادي وأقرب
وذكرك في نفسي وإن شفّها الظّما ... ألذّ من الماء الزّلال وأعذب «١»
بل وصل عندهم حب النبي إلى الحد الذي يمتزج فيه بدمائهم، مثلما قال الوتري:
دماء مزجناها بحبّ محمّد ... وأكبادنا من شوقه تتوقّد «٢»
فهذا الشوق وهذا الحب الذي يبديه شعراء المدائح النبوية للرسول هو شعور ديني، يظهر تعلق المسلمين برسولهم الكريم، ويظهر مكانته عندهم، فهو أغلى ما في الوجود لديهم، وهو أملهم في حياتهم ومماتهم، ولو لم يكن على هذا القدر من الكمال والسّمو لما تعلق به الناس بعد موته، ولما حاز إعجاب غير المسلمين واحترامهم، مثلما حاز وجد المسلمين به وتقديسهم له.
فضائله:
أخذ شعراء المديح النبوي يتغنون بفضائله، وبمقامه السامي عند ربه، ويمزجون ذلك بمشاعر الود له، مثلما قال ابن العطار:
المصطفى أعلى البريّة منصبا ... قد جلّ في العلياء ذاك المنصب
حاز السّيادة والكمال محمّد ... فإليه أشتات المحامد تنسب
محبوبنا ونبيّنا وشفيعنا ... يدني إلى روض الرّضا ويقرّب «٣»
واستمر الشعراء الذين مدحوا الرسول يذكرون فضائله، ويظهرون انبهارهم بسمو قدره، وإيمانهم بنبوته ورسالته، وتعلّقهم بذاته الكريمة، ويعرضون مواهب الله له.
стр. 213
وقد أبدى شعراء المدائح النبوية تنوعا كبيرا في بيان فضائل الرسول الكريم، وكل منهم يهتمّ بجملة من الفضائل التي تؤيد توجهه الديني، فالمتصوفة مثلا اهتموا بالغيبيات في شخصية النبي الأمين وبزهده الذي هو ركيزة التصوف، والذي يظهر أن رسول الله كان مهيّأ لحمل الرسالة، وفي ذلك قال البوصيري:
ألف النّسك والعبادة والخل ... وة طفلا وهكذا النّجباء
وإذا حلّت الهداية قلبا ... نشطت في العبادة الأعضاء «١»
وطفق شعراء المديح النبوي يبحثون عن فضائل رسول الله ليدرجوها في مدائحهم له، وليذكّروا الغافلين بها، إلى جانب الكتب الكثيرة التي ألّفت في مناقب الرسول الكريم وفضائله، مثل كتاب عجالة الراكب الذي جاء فيه الحديث التالي: عن فضائل رسول الله ﷺ : «في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة» «٢» .
وقد تعلّق مدّاح النبي الكريم بهذا الحديث الشريف وأمثاله، فنظموها في قصائدهم، مثل قول الشهاب محمود في الحديث السابق:
والله خصّك في الأنام بخمسة ... لم يعطها بشر سواك رسولا
حلّ الغنائم في الجهاد ولم تزل ... للنّار يوم تقرّب مأكولا
والأرض أجمع مسجد وترابها ... طهر يبيح الفرض والتّنفيلا
стр. 214
وشفاعة عمّت وإرسال إلى ... كلّ الورى طرّا وجيلا جيلا
ونصرت بالرّعب الشّديد فمن ترد ... تغزوه بات بذعره مخبولا «١»
وربما أجمل الشاعر فضائل رسول الله، أو ذكر فضل الله عليه، دون أن يحدد أية فضيلة، مكتفيا بتقرير هذه الحقيقة، مثل قول البوصيري:
إنّ النّبيّ محمّدا من ربّه ... كرما بكلّ فضيلة ممنوح
الله فضّله ورجّح قدره ... فليهنه التّفضيل والتّرجيح «٢»
ولذلك دعا الشعراء إلى نسب كل الفضائل إلى رسول الله، وإلى الحديث عنه بأية طريقة لائقة به، فمهما جنح القائل فيها إلى التعظيم والمبالغة، فإن أي حديث عنه يصدق طالما أن الله تعالى كمّله، وهذا ما أوضحه النواجي في قوله:
تجانست فيه أوصاف الكمال فقل ... مهما تشافهو مأمون ومأمول «٣»
هديه:
وكما أفاض شعراء المديح النبوي في الحديث عن فضائله وخصائصه وميزاته، أفاضوا كذلك في الحديث عن رسالته وهدايته للناس، وتبليغه لشرع الله، على أكمل وجه وأحسنه، أو كما قال البرعي:
هداية الله في الدّنيا وخيرته ... من خلقه فهو هادي كلّ حيران «٤»
وهذا ما ذهب إليه الصرصري حين تحدث عن مقام رسول الله ﷺ الذي ما بعده
стр. 215
مقام، والذي أدّى تكليف خالق الكون أحسن أداء، ثم التفت إلى مدحه بسمات النبوة وجلالها، فقال:
مصطفى الله ذي الجلال من الخل ... ق نبيّ له علينا الولاء
فأتاهم من ربّه بكتاب ... هو للنّاس رحمة وشفاء
ولقد أحسن البلاغ وأبقى ... سنّة لا تشوبها الآراء «١»
وأكدّ البوصيري أن رسول الله ﷺ هو الذي وضع الحد الفصل بين الخير والشر، بين شرع الله ونوره، وضلالات الناس وجهالاتهم، فالله تعالى أرسله بهديه لينقذ البشرية من مفاسدها، وجعله صلاح أمرها، فقال:
لولا النّبيّ محمّد وعلومه ... لم يعرف التّحسين والتّقبيح
عقد الإله به الأمور فلم يكن ... لسواه إمساك ولا تسريح «٢»
وأجمل السبكي «٣» تفضيل رسول الله ﷺ وتفضيل شرعه وأمته، فقال:
وخير نبيّ جاء من خير عنصر ... بخير كتاب قد هدى خير أمّة
لقد رفع الرّحمن ذكرك فاغتدى ... يقارن ذكر الله عند التّحيّة «٤»
إن قدر رسول الله عند ربه قدر عظيم، حاول شعراء المديح النبوي إيضاح ذلك والدلالة عليه، كما فعل السبكي، حين جعل اقتران ذكر رسول الله بذكر الله تعالى من علامات رفع الله قدر نبيه، وحين جعل ابن مليك الحموي «٥» قسم الله به ما يدل على علو