ويعود ذلك إلى اعتماد الشعراء في أخذ أفكارهم ومعانيهم على الكتب الكثيرة التي ألّفت حول سيرة رسول الله وخصائصه وشمائله ودلائل نبوته، وهي كتب تكرر بعضها، ولا تختلف إلا في النهج أو الأسلوب أو في الاتساع والاختصار.
محبته:
فجميع مدّاح النبي أظهروا محبتهم لرسول الله ﷺ وتشوقهم لزيارته، وحنينهم إلى القرب منه، وقد مرّ معنا كيف أظهروا تشوقهم، وكيف جلوا مشاعرهم اتجاهه، وكيف عمرت قلوبهم المفعمة بمحبته التي ملكت عليهم أنفسهم، والتي أوجبها الإيمان ومكانة النبي السامية عند ربه، ومكّنها ما عرفوه عن رسول الله ﷺ من كمال ورحمة، ومدى تأثيره في البشرية.
فالبوصيري عبّر عن حبه وتعلقه برسول الله ﷺ في قوله:
وبحبّ النّبيّ فابغ رضا الل ... له ففي حبّه الرّضا والحباء «١»
ووصفه في قصيدة أخرى، فقال:
بشر سعيد في النّفوس معظّم ... مقداره، وإلى القلوب محبّب «٢»
وأظهر شعراء المديح النبوي هيامهم برسول الله، وأبدوا تعلّقهم بذاته الكريمة، وارتياحهم لذكره، وشعورهم بالطمأنينه لمحبته، والانتماء إليه، فقال السندفائي «٣» :
стр. 212
مكانك من قلبي وعيني كلاهما ... مكان السّويدا من فؤادي وأقرب
وذكرك في نفسي وإن شفّها الظّما ... ألذّ من الماء الزّلال وأعذب «١»
بل وصل عندهم حب النبي إلى الحد الذي يمتزج فيه بدمائهم، مثلما قال الوتري:
دماء مزجناها بحبّ محمّد ... وأكبادنا من شوقه تتوقّد «٢»
فهذا الشوق وهذا الحب الذي يبديه شعراء المدائح النبوية للرسول هو شعور ديني، يظهر تعلق المسلمين برسولهم الكريم، ويظهر مكانته عندهم، فهو أغلى ما في الوجود لديهم، وهو أملهم في حياتهم ومماتهم، ولو لم يكن على هذا القدر من الكمال والسّمو لما تعلق به الناس بعد موته، ولما حاز إعجاب غير المسلمين واحترامهم، مثلما حاز وجد المسلمين به وتقديسهم له.
فضائله:
أخذ شعراء المديح النبوي يتغنون بفضائله، وبمقامه السامي عند ربه، ويمزجون ذلك بمشاعر الود له، مثلما قال ابن العطار:
المصطفى أعلى البريّة منصبا ... قد جلّ في العلياء ذاك المنصب
حاز السّيادة والكمال محمّد ... فإليه أشتات المحامد تنسب
محبوبنا ونبيّنا وشفيعنا ... يدني إلى روض الرّضا ويقرّب «٣»
واستمر الشعراء الذين مدحوا الرسول يذكرون فضائله، ويظهرون انبهارهم بسمو قدره، وإيمانهم بنبوته ورسالته، وتعلّقهم بذاته الكريمة، ويعرضون مواهب الله له.
стр. 213
وقد أبدى شعراء المدائح النبوية تنوعا كبيرا في بيان فضائل الرسول الكريم، وكل منهم يهتمّ بجملة من الفضائل التي تؤيد توجهه الديني، فالمتصوفة مثلا اهتموا بالغيبيات في شخصية النبي الأمين وبزهده الذي هو ركيزة التصوف، والذي يظهر أن رسول الله كان مهيّأ لحمل الرسالة، وفي ذلك قال البوصيري:
ألف النّسك والعبادة والخل ... وة طفلا وهكذا النّجباء
وإذا حلّت الهداية قلبا ... نشطت في العبادة الأعضاء «١»
وطفق شعراء المديح النبوي يبحثون عن فضائل رسول الله ليدرجوها في مدائحهم له، وليذكّروا الغافلين بها، إلى جانب الكتب الكثيرة التي ألّفت في مناقب الرسول الكريم وفضائله، مثل كتاب عجالة الراكب الذي جاء فيه الحديث التالي: عن فضائل رسول الله ﷺ : «في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة» «٢» .
وقد تعلّق مدّاح النبي الكريم بهذا الحديث الشريف وأمثاله، فنظموها في قصائدهم، مثل قول الشهاب محمود في الحديث السابق:
والله خصّك في الأنام بخمسة ... لم يعطها بشر سواك رسولا
حلّ الغنائم في الجهاد ولم تزل ... للنّار يوم تقرّب مأكولا
والأرض أجمع مسجد وترابها ... طهر يبيح الفرض والتّنفيلا
стр. 214
وشفاعة عمّت وإرسال إلى ... كلّ الورى طرّا وجيلا جيلا
ونصرت بالرّعب الشّديد فمن ترد ... تغزوه بات بذعره مخبولا «١»
وربما أجمل الشاعر فضائل رسول الله، أو ذكر فضل الله عليه، دون أن يحدد أية فضيلة، مكتفيا بتقرير هذه الحقيقة، مثل قول البوصيري:
إنّ النّبيّ محمّدا من ربّه ... كرما بكلّ فضيلة ممنوح
الله فضّله ورجّح قدره ... فليهنه التّفضيل والتّرجيح «٢»
ولذلك دعا الشعراء إلى نسب كل الفضائل إلى رسول الله، وإلى الحديث عنه بأية طريقة لائقة به، فمهما جنح القائل فيها إلى التعظيم والمبالغة، فإن أي حديث عنه يصدق طالما أن الله تعالى كمّله، وهذا ما أوضحه النواجي في قوله:
تجانست فيه أوصاف الكمال فقل ... مهما تشافهو مأمون ومأمول «٣»
هديه:
وكما أفاض شعراء المديح النبوي في الحديث عن فضائله وخصائصه وميزاته، أفاضوا كذلك في الحديث عن رسالته وهدايته للناس، وتبليغه لشرع الله، على أكمل وجه وأحسنه، أو كما قال البرعي:
هداية الله في الدّنيا وخيرته ... من خلقه فهو هادي كلّ حيران «٤»
وهذا ما ذهب إليه الصرصري حين تحدث عن مقام رسول الله ﷺ الذي ما بعده
стр. 215
مقام، والذي أدّى تكليف خالق الكون أحسن أداء، ثم التفت إلى مدحه بسمات النبوة وجلالها، فقال:
مصطفى الله ذي الجلال من الخل ... ق نبيّ له علينا الولاء
فأتاهم من ربّه بكتاب ... هو للنّاس رحمة وشفاء
ولقد أحسن البلاغ وأبقى ... سنّة لا تشوبها الآراء «١»
وأكدّ البوصيري أن رسول الله ﷺ هو الذي وضع الحد الفصل بين الخير والشر، بين شرع الله ونوره، وضلالات الناس وجهالاتهم، فالله تعالى أرسله بهديه لينقذ البشرية من مفاسدها، وجعله صلاح أمرها، فقال:
لولا النّبيّ محمّد وعلومه ... لم يعرف التّحسين والتّقبيح
عقد الإله به الأمور فلم يكن ... لسواه إمساك ولا تسريح «٢»
وأجمل السبكي «٣» تفضيل رسول الله ﷺ وتفضيل شرعه وأمته، فقال:
وخير نبيّ جاء من خير عنصر ... بخير كتاب قد هدى خير أمّة
لقد رفع الرّحمن ذكرك فاغتدى ... يقارن ذكر الله عند التّحيّة «٤»
إن قدر رسول الله عند ربه قدر عظيم، حاول شعراء المديح النبوي إيضاح ذلك والدلالة عليه، كما فعل السبكي، حين جعل اقتران ذكر رسول الله بذكر الله تعالى من علامات رفع الله قدر نبيه، وحين جعل ابن مليك الحموي «٥» قسم الله به ما يدل على علو
стр. 216
قدره عند ربه، فالله أقام النبي محمدا ﷺ مقاما لم يقمه أحدا من قبله ولا بعده، فقال في ذلك:
نبيّ به الرّحمن أقسم واسمه ... من الحمد والفرقان قد جاء مشتقّا
نبيّ غدا في حلبة الفضل سابقا ... فمن ذا يجاريه وقد أحرز السّبقا
فبالغ وحدّث عن علوّ مقامه ... فكلّ غلوّ جاء في مدحه طبقا «١»
وبعد أن أفرغ شعراء المدائح النبوية ما في جعبتهم حول فضائل رسول الله وأوصافه، تحدثوا عن صبره ومصابرته في تبليغ رسالته، وجهاده في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق، وإزهاق الباطل، وأفاضوا في الحديث عن جهاد رسول الله ﷺ وصحبه، وقتاله في سبيل الله، وشجاعته في مواجهة أعداء الله والحق، فأشادوا ببطولته المتناهية حين واجه الجاحدين للحق، وقاد المسلمين من نصر إلى نصر بتأييد من الله وبجنود من عنده، حتى أقام عمود الإسلام، وهدم صرح الشرك والضلاله.
وهذا ما عبر عنه الصرصري في قوله:
مؤيّد الجيش بالأملاك تقدمه ... للنّصر في حومة الهيجاء ريح صبا
فأصبح الدّين معمور الجناب به ... ومربع الكفر أضحى مقفرا خربا «٢»
وأشار الشهاب محمود إلى صبر رسول الله وأناته في تبليغ دعوته، وإيصالها إلى الناس بالطرق المختلفة والسبل المتاحة، مؤيّدا بنصر من الله، وحمايته من كيد الأعداء، فقال:
فصبرت تدعوهم وتحلم عنهم ... وتروض جامحهم وتلطف قيلا
وحماك ربّك من حبائل كيدهم ... ليتمّ سابق أمره المفعولا
أوحى إليك الله ما أوحى وما ... كذب الفؤاد ولا استراب ذهولا «٣»
стр. 217
فشجاعة رسول الله وثباته في جهاده من أجل الحق، حقيقة يجب أن تبقى ماثلة في نفوس المسلمين، وأن يقتدوا بها في صراعهم مع أعدائهم، ولذلك كررها شعراء المديح النبوي في قصائدهم.
وهكذا استقصى شعراء المديح النبوي فضائل رسول الله وخصائصه، والمعاني الدينية المتعلقة به، وكرروها في جميع قصائدهم، منتشين بعظمة رسولهم الكريم، وبأثره الخيّر في حياة الإنسانية، مازجين هذه المعاني السامية التي ينفرد بها النبي المصطفى بالمعاني التقليدية التي اعتاد العرب على المدح بها ليظهروا ما كان عليه رسول الله من عظمة وسمو في الجانب الديني والجانب الإنساني، وما تركه من خير ورحمة لأمّته، فوصفه البرعي بقوله:
محمّد من زكت شمس الوجود به ... وطاب من ثمرات الكون عرفاه
فرد الجلالة فرد الجود ألبسه ... تاج الجلالة من للخلق أهداه
ومثله ما رأت عين ولا سمعت ... أذن ولا نطقت به في الكون أفواه «١»
لقد حاول شعراء المديح النبوي قدر استطاعتهم أن يجملوا فضائل رسول الله، وأن يوضحوا خصائصه وميزاته، فنشروها في قصائدهم، وتتبّعوها في مصادرها، حريصين على ألّا يفوتهم شيء منها، ليردّوا على منتقصي النبي الكريم من ناحية، وليشيعوا هذه الشمائل الكريمة بين الناس، لينعموا بذكرها، ويقتدوا ويعتبروا من ناحية ثانية.
стр. 218
السيرة:
لم يكتف شعراء المديح النبوي بمدح رسول الله ﷺ بالقيم الاجتماعية التقليدية التي كانت مدار فخر العرب، ولا بالفضائل الدينية التي تميّزه عن غيره من البشر، لأنه نبي مرسل، وعلى الرغم من اتساعهم في هذا المنحى اتساعا كبيرا، إلا أنهم اتسعوا أكثر في حديثهم عن سيرته المباركة ومعجزاته الخارقة.
فسيرته حافلة بضروب الكفاح والصبر والتصميم، والمواقف الإنسانية الرائعة، التي يطيب ذكرها والتمثّل بها، والاقتداء بما تدل عليه، لذلك حرص شعراء المديح النبوي على إيراد شيء من سيرته العطرة في قصائدهم، وربما قصروا بعض قصائدهم على السيرة، فاقتربت هذه القصائد من المنظومات التعليمية التي لايهم أصحابها إلا الإحاطة بملامح السيرة الأساسية دون تدخل من الشاعر أو تعقيب، أو التفكّر بها وإظهار مشاعره نحوها.
وقد ظهر هذا اللون من المدائح النبوية في وقت مبكر نوعا ما، مثل القصيدة الشقراطيسية التي نظمها عبد الله بن زكريا الشقراطيسي، وقصرها على إيراد معجزاته ﷺ وسيرته، فابتدأها بقوله:
الحمد لله منّا باعث الرّسل ... هدى بأحمد منّا أحمد السبّل
ثم أخذ يسرد معجزاته، مبتدئا بما ظهر عند مولده، فقال:
ضاءت لمولده الآفاق واتّصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطّفل «١»
بعد ذلك عرض سيرته العطرة، ودعوته المباركة، وما لاقاه مع المسلمين الأوائل في سبيل هذه الدعوة، حتى تمّ لهم النصر وفتح مكة، فقال:
стр. 219
قالوا: محمّد قد حلّت كتائبه ... كالأسد تزأر في أنيابها العصل
فويل مكّة من آثار وطأته ... وويل أمّ قريش من جوى الهبل
فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم ... تلمم ولا بأليم اللّوم والعذل «١»
ولم ينس الشقراطيسي أن يتحدث عن شجاعة رسول الله ﷺ وانتصاره على أعدائه، وجهاد الصحابة معه، وغير ذلك من الأحداث الكبيرة في سيرة رسول الله ﷺ .
وهذا ما فعله البوصيري في همزيته، إذ عرض فيها سيرة النبي الكريم، وما رافقها من معجزات، فبدأ ذلك بالحديث عن المولد، وقال:
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحقّ الهناء
ومضى البوصيري في عرض مولد رسول الله، فأشار إلى أنه ﷺ ولد رافعا رأسه إلى السماء، وأن معجزات باهرة رافقت هذا المولد، وبعد ذلك انتقل إلى رضاعه وطفولته في بني سعد، وما جرى له في طفولته. ثم عرض البوصيري صورا من نشأة رسول الله ﷺ ، فقال:
ألف النّسك والعبادة والخل ... وة طفلا وهكذا النّجباء
ورأته خديجة والتّقى والز ... زهد فيه سجيّة والحياء
فدعته إلى الزواج وما أح ... سن ما يبلغ المنى الأذكياء
وأتاه في بيتها جبريل ... ولذي اللّبّ في الأمور ارتياء
ثمّ قام النّبيّ يدعو إلى الل ... له وفي الكفر نجدة وإباء
وهكذا استمر البوصيري في قصيدته، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة من حياة رسول
стр. 220
الله وسيرته، عارضا بعض ما يتذكره منها برشاقة لم تعهد عند ناظمي سيرة النبي الكريم، فنراه يتحدث عن دعوة الرسول الأمين وجهاده، بقوله:
وهو يدعو إلى الإله وإن شق ... ق عليه كفر به وازدراء
وتوالت للمصطفى الآية الكب ... رى عليهم والغارة الشّعواء
فإذا ما تلى كتابا من اللّ ... له تلتّه كتيبة خضراء
والقصيدة زاخرة بالتفاصيل التي تدل على معرفة البوصيري بالسيرة وبدقائقها، والتي انتخبها البوصيري ليظهر فيها ما تدل عليه هذه الأحداث من عظمة رسول الله، وليتعظ الناس بهذه السيرة الكريمة، ويشبعوا مشاعرهم الدينية بتذكر المواقف المملوءة بالدلالات، والتي حدثت مع نبيهم المعظم، أو كما قال:
واملأ السّمع من محاسن يملي ... ها عليك الإنشاد والإنشاء «١»
أو كقوله في قصيدة أخرى، داعيا إلى ذكر رسول الله ونشر سيرته ومناقبه:
وانشر أحاديث النّبيّ فكلّ ما ... ترّويه من خبر الحبيب مليح
واذكر مناقبه التي ألفاظها ... ضاق الفضاء بذكرها واللّوح «٢»
ونجد عند البوصيري عرضا رائعا لبعض وقائع السيرة، يضفي عليها مشاعره وأحاسيسه، فجاءت في سياق المدح مندمجة فيه، وليست إيرادا فقط، أو ذكرا مجردا، فقد قال في واقعة الهجرة والغار:
وا غيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبي معمور ومأهول
стр. 221
كأنّما المصطفى فيه وصاحبه الص ... صدّيق ليثان قد آواهما غيل
وجلّل الغار نسيج العنكبوت على ... وهن فيا حبّذا نسج وتجليل «١»
ومن الشعراء الذين عرضوا السيرة في مدائحهم، الصرصري الذي اتسع في نظم المديح النبوي اتساعا كبيرا، ونظم للسيرة والمعجزات قصيدة طويلة بلغت ثماني مئة وخمسين بيتا، بدأها منذ بداية الخلق، فقال:
أصبحت أنظم مدح أكرم مرسل ... لهجا به في رائق الأوزان
حبّرت فيه قصيدة أودعتها ... من مسند الأخبار حسن معان «٢»
وبعد أن تحدث الصرصري عن بداية الخلق وقدم النور المحمدي، تحدث عن دلائل النبوة وتبشير الكتب السماوية به، ثم أخذ يتابع حياة رسول الله وسيرته مرحلة مرحلة، فتحدث عن الدعوة والهجرة وصراع المسلمين مع المشركين وما ظهر لرسول الله من معجزات أثناء ذلك، ثم وصفه وصفا خارجيا، وكأنه يريد تعريف أهل عصره بصفات النبي الكريم ومحاسنه، ليشكلوا في أذهانهم صورة قريبة مما وصفه به الصحابة الكرام.
ولم ينس الصرصري أن يمدح رسول الله بخصائصه وشمائله وفضائله وأن يتحدث عن أمور في العقيدة كانت مثارة في عصر الشاعر، وأن يشير إلى بعض قضايا المديح النبوي.
فجاءت قصيدته شاملة لوقائع السيرة والمعجزات، ولمعاني المديح النبوي وقضاياه.
وتابع شعراء المديح النبوي البوصيري والصرصري في نظم قصائد مدحية
стр. 222
تستعرض سيرة رسول الله، وتظهر مواقف العظمة والعبرة فيها، فمنهم من جعل الحديث عن السيرة في قصائد خاصة، ومنهم من عرض أجزاء منها في ثنايا مدائحهم النبوية، فاستوفوا السيرة بكل تفاصيلها، يأخذ كل منهم جانبا منها، وفق المعنى الذي يريد إبرازه في قصيدته، وكأنهم نثروا كتب السيرة في قصائدهم.
واختلف الشعراء في طريقة عرضهم للسيرة، فمنهم من اقتطع منها مواقف محددة ذات دلالة، وأدمجها في قصيدته لتكمل المعاني وتؤكدها، وأظهر مشاعره نحو هذه المواقف، ومنهم من أخذ في نظم السيرة النبوية الكريمة نظما موضوعيا، مبتدئا من المولد، منتهيا بالوفاة، مارّا بأبرز الأحداث والمواقف في حياة رسول الله دون أن يشرح أو يعقّب أو يستخلص العبرة والمثل ومواطن العظمة والاقتداء، فاقتربت المدائح النبوية بذلك من المنظومات التعليمية.
المعجزات:
إلا أن سرد السيرة في المدائح النبوية اختلط بذكر المعجزات التي ظهرت مع مولده ﷺ وبعثته ودعوته، وقد اتسع شعراء المديح النبوي في ذكر هذه المعجزات اتساعا كبيرا، بسبب شيوع الحديث عن هذه المعجزات والتأليف فيها، وبسبب الجدل الديني مع أهل الكتاب، وغذّى هذا التوجه نحو الإفراط في نسب المعجزات إلى رسول الله، سيادة الاتجاه الصوفي، الذي يميل أصحابه إلى الخوارق والكرامات، وادّعائها وقد يكون في نسبتها إلى رسول الله ما يسوّغ لهم نسبتها إلى أنفسهم، ويعطيهم مصداقية لما يدعون.
ويظهر أن نسبة الكثير من المعجزات إلى النبي الكريم كانت محل أخذ ورد بين علماء الدين، فمنهم من أنكر قسما كبيرا منها، وعدّها من المنحول، ومن صنع
стр. 223
القصّاصين الذين تزيّدوا في أمور الدين ليرضوا خيال العامة، وليزيدوا من الترغيب والترهيب. ومنهم من قبل هذه المعجزات جميعها، وحرص على نسبتها إلى رسول الله لأن مكانة رسول الله عند ربه، وعلو قدره، تتيح له أن تظهر المعجزات المختلفة على يديه.
وقد حفلت كتب السيرة عامة، والمتأخّرة منها خاصة، بالمعجزات المختلفة التي لا تعلي قدر رسول الله، ولا تزيد من كرامته، فمقامه السامي ليس بحاجة إلى مثل هذه المعجزات ليعرفه الناس، وليتسع بها المؤلفون والمادحون اتساعا كبيرا، فقيل في ذلك:
«كان له ﵊ كرامات ومعجزات في حياته وقبل مولده، وبعد موته» «١» .
فمن المعجزات التي أطنب المؤلفون في ذكرها، واتسع المادحون في نظمها، المعجزات التي ظهرت عند مولد النبي، ومنها «احتباس الشياطين ورجمها، وانشقاق إيوان كسرى، وخمود نار فارس، وغيض بحيرة ساوة، وسجود الكعبة نحو مقام إبراهيم ﵊، وتساقط الأصنام» «٢» .
أخذ البوصيري هذه المعجزات ونظمها، فقال:
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنّار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنّهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «٣»
стр. 224
أما الشهاب محمود، فقد صرّح بأن هذه الظواهر التي رافقت مولده ﷺ هي معجزات له، فقال:
وخمود بيّت النّار من آياتك ال ... لاتي تردّ الطّرف عنك كليلا
وكذاك في الإيوان أعظم معجز ... بهر العقول وحيّر المعقولا «١»
ولم تقتصر معجزات المولد على الظواهر التي حدثت يوم المولد أو قبيله، مبشرة بمولد رسول الإنسانية بل ظهرت المعجزات في حمله ومولده ﷺ ، الذي اختلف في ذلك عن غيره من البشر، فقيل في هذا: «ولد رسول الله ﷺ معذورا مسرورا..
وكانت أمه تحدّث أنها لم تجد حين حملت به ما تجد الحوامل من ثقل ولا وحم ولا غير ذلك، ولمّا وضعته ﷺ وقع على الأرض، مقبوضة أصابع يديه، مشيرا بالسبابة كالمسبّح بها» «٢» وقد نظم بهاء الدين السبكي «٣» هذه الرواية، فقال:
وآمنة لم تلق في حملك الأذى ... وقد أمنت من كلّ ضيم وشدّة
وقد أبصرت نورا أضاء لها به ... معاهد بصرى كلّها وتجلّت
ولدت سعيدا رافع الرّأس واضعا ... يديك لتعظيم الإله وحرمة «٤»
وحاول البوصيري في ذكره لمعجزات المولد أن يحرك رتابة الرواية، فقال:
يوم نالت بوضعه ابنة وهب ... من فخار ما لم تنله النّساء
رافعا رأسه وفي ذلك الرّف ... ع إلى كلّ سؤدد إيماء
رامقا طرفه السّماء ومرمى ... عين من شأنه العلوّ العلاء «٥»
стр. 225
ومضى شعراء المديح النبوي في تتبعهم للسيرة، يعرضون ما أدرج في كتبها من معجزات، فبعد أن ولد رسول الله ونما، أرسل إلى البادية للرضاع، وليشب قوي البنية، وأثناء ذلك ظهرت له عدة معجزات، نظمها البوصيري في قوله:
وبدت في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خفاء
إذ أبته ليتمه مرضعات ... قلن ما في اليتيم عنّا غناء
فأتته من آل سعد فتاة ... قد أبتها لفقرها الرّضعاء
أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنّبيّ منها غذاء
وإذا أحاطت به ملائكة الل ... له فظنّت بأنّهم قرناء
شقّ عن قلبه وأخرج منه ... مضغة عند غسله سوداء
ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم تذع له أنباء «١»
ومعجزة انشقاق الصدر، كلف بها مدّاح النبي، فرددوها في قصائدهم، واختلفوا في عدد المرات التي شق فيها صدره الشريف، فقال الصرصري:
وأبثّ بعض المعجزات فنظمها ... درّ ثمين بالمسامع يلقط
شرح الملائك صدره في أربع ... يا حبّذا ما ضمّ منه المخيط
وكذاك في عشر وفي معراجه ... نقل الثّلاثة حافظ لا يغلط «٢»
وقد حرص شعراء المديح النبوي على ذكر كل ما ورد عن رسول الله ﷺ من معجزات وكرامات، لا يتركون منها كبيرة ولا صغيرة، يتتبعون كتب السيرة
стр. 226
والخصائص، وينظمون ما يرد فيها، ولو كانت أحاديث المعجزات ضعيفة متروكة، مثل حديث إحياء الله تعالى لأبوي رسول الله ﷺ ليؤمنا به، الذي أعاده السيوطي إلى أهل العلم والحديث، فقال: «ويرون أن ضعف إسناده في هذا المقام مغتفر، وأن إيراد ما ضعف من الفضائل والمناقب معتبر، وقد خرّجت الأئمة في أبواب المناقب ما هو أشد ضعفا من هذا، وتسامحوا فيها بإيراد ما لم يصل إلى رتبته ولا حاذى، ووجّهوه بأنواع من التوجيه، وارتضوه لما فيه من التبرئة والتزيين.
وقد قال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي «١» في حديث إحياء والدي رسول الله:
حبا الله النّبيّ مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا
فأحيى أمّه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا
فسلّم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا «٢»
لقد حفل كتاب الخصائص الكبرى، بمثل هذه الكرامات والمعجزات، التي وصلت إلى السيوطي، فاستقصاها في كتابه، وهذا ما حمل محقق الكتاب على تتبع روايات المعجزات وأحاديثها، وتفنيدها، فأقرّ بعضها، وأنكر بعضها الآخر، فقال مثلا:
«انشقاق القمر صحيح» «٣» .
وقال: «معجزاته ﷺ في تكثير الطعام، أحاديث كثيرة وصحيحة» «٤» .
стр. 227
أما ما أنكره، فمنه حديث نطق الذئب، حيث قال: «لماذا انفردت الذئاب وحدها بإرسال وافدها.. الحديث وأشباهه، تشبه أن تكون من أسمار الرعاة» «١» .
وذهب هذا المذهب في نظرته إلى روايات إحياء الموتى وكلامهم، وقال إنها موضوعة «٢» .
وشكّك أيضا بأحاديث حياته ﷺ في قبره «٣» .
وقد قال الدكتور زكي مبارك عن مثل هذه الأخبار: «بعض أخبار المعجزات يحتاج إلى تحقيق.. فهي مسائل يحتاج عرضها إلى مخاطرة، وهي مخشية الضر قبل أن تكون مرجوة النفع» «٤» .
ويبدو أن مثل هذه الأحاديث والروايات كانت موضع جدال بين علماء الدين، وهذا ما ذكره السيوطي في مقاماته، وذكره الشاعر ابن ناصر الدين الدمشقي، وقبل فيه الأحاديث الضعيفة إذا كانت تتعلق بقدرة الله وحباء رسوله بالمعجزات، فقدرة الله لا حد لها، وكرمه على عباده لا حد له، وكأن هذه القدرة الكلية، وهذا الكرم المتناهي، يغفران التزيّد والتقوّل في الدين، أو كأن رسول الله ﷺ بحاجة إلى مثل هذه الأحاديث، ليزيد تقدير المؤمنين له، أو ليزيد عدد المؤمنين برسالته.
ويظهر أن معظم شعراء المديح النبوي لم يلتفتوا إلى هذا الجدل حول معجزات رسول الله ﷺ ، فأخذوها جميعها، وأدرجوها في مدائحهم النبوية، وربما كان ميل الشعراء إلى المبالغة، قد وجد ضالته في مثل هذه الأحاديث، فالقاضي المحدث
стр. 228
بهاء الدين السبكي، يصرح في إحدى مدائحه النبوية، بأنه سيعرض فيها بعض المعجزات على كثرتها، وعجز الناس عن حصرها، فيقول:
له المعجزات الغرّ لاحت خوارقا ... وباهر آيات عن الحصر جلّت
ولكن سنأتي من بدائع حسنها ... بنزر يسير وقعة بعد وقعة «١»
وقد تفاوت شعراء المديح النبوي في القدر الذي يذكرونه من هذه المعجزات، فمنهم من اقتصر على معجزة واحدة، ومنهم من انتخب منها الأصح والأثبت، ومنهم من ذكر منها ما وسعه إلى ذلك سبيلا، فابن حجر انتخب بعض هذه المعجزات، وضمّنها مدحته النبوية، فقال:
ذي المعجزات فكلّ ذي بصر غدا ... لصوابها بالعين ذا تصويب
وانشقّ بدر التّمّ معجزة له ... وبه أتاه النّصر قبل مغيب
نطق الجماد بكفّه وبه جرى ... ماء كما ينصبّ من أنبوب «٢»
وخصّص بعض شعراء المديح النبوي جلّ قصائدهم لذكر المعجزات، وكأنهم بلغوا بذلك في المدح النبوي منتهاه، لأن المعجزات في نظرهم أهم جانب في شخصية الإنسان، وهي دليل القوة الخارقة، والقرب من الله تعالى.
فصار ذكر المعجزات سمة عامة في المدائح النبوية، يحاول الشاعر أن يحشد أكبر قدر من المعجزات في قصيدته، ولا يتوقف عندها ليستخلص العبر، أو ليظهر عواطفه اتجاهها، وإنما يمضي في سردها سردا مجردا، بل إن بعض القصائد أوقفت على إيراد
стр. 229
المعجزات، وكأن همّ أصحابها هو أن ينظموا فيها كل ما ذكرته كتب السيرة والخصائص، مثل القصيدة الشقراطيسية التي مرّت معنا.
أما البوصيري، فإنه لا يسرد المعجزات سردا، بل ينثرها في قصيدته، ويظهر ما يراه فيها، ومشاعره نحو صاحبها، وربما أوردها في باب المقارنة بين معاملة أهل رسول الله ﷺ له، وبين تعاطف الطبيعة معه، مظهرا المعجز في ذلك، وقد يورد بعض هذه المعجزات للدلالة على مكانة رسول الله، وإثباتا لنبوته، وخاصة عند ما يجادل أهل الكتاب، فبعد إحدى هذه المجادلات، قال:
عجبا لهم لم ينكرون نبوّة ... ثبتت ولم ينفخ بادم روح
أعجبت أن غدت الغمامة آية ... لمحمّد يغدو بها ويروح
أو أن أتت سرح إليه مطيعة ... فكأنّما أتت الرّياض سروح «١»
ولمنبع الماء المعين براحة ... راح الحصى وله بها تسبيح
وبأن يرى الأعمى وتنقلب العصا ... سيفا ويحيا الميت وهو طريح
وبأن يفيض له ويعذب منهل ... قد كان مرّا ماؤه المنزوح
يا برد أكباد أصاب عطاشها ... ماء بريق محمّد مجدوح «٢»
والبوصيري يدافع عن هذه المعجزات وصحتها، لأن العقل يتوافق فيها مع النص، فيقول:
وكم أتت عن رسول الله بيّنة ... في فضلها وافق المنقول معقول
стр. 230
نور فليس له ظلّ يرى وله ... من الغمامة أنّى سار تظليل
ولا يرى في الثّرى أثر لأخمصه ... إذا مشى وله في الصّخر توحيل «١»
ويدعو في قصيدة أخرى إلى التصديق بمعجزات رسول الله ﷺ ، فيقول:
صدّق بما حدّثت عنه ففي الورى ... بالغيب عنه مصدّق ومكذّب
فاطرب لتسبيح الحصى في كفّه ... فمن السّماع لذكره ما يطرب
والجذع حنّ له وبات كمغرم ... قلق بفقد حبيبه يتكرّب
واهتزّ من فرح (ثبير) تحته ... ومن الجبال مسبّح ومؤوّب
وشفى جميع المؤلمات بريقه ... يا طيب ما يرقي به ويطيّب «٢»
فالبوصيري متفرّد في تحريك عرضه للمعجزات، عن طريق التمثيل والتشبيه والتعقيب وإظهار مشاعره، ونادرا ما نجد شاعرا يجاريه في هذه المقدرة. وظل الشعراء يذكرون المعجزات، فلا يخرجون عن تعدادها، ونظمها وراء بعضها، وكأن الشاعر يقرر علما من العلوم.
وأكبر معجزات رسول الله ﷺ هي القرآن الكريم، ومع ذلك فإن بعض شعراء المديح النبوي، لم يتسعوا في ذكرها اتساعهم في ذكر غيرها، لكن بعضهم بسط القول فيها، مثل البوصيري الذي أسهب في الحديث عنها وعرض مزايا القرآن الكريم ووجوه إعجازه.
فتحدث في بردته عن آيات القرآن الكريم وفضلها وخلودها وأثرها في الناس، فقال:
стр. 231
آيات حقّ من الرّحمن محدثة ... قديمة، صفة الموصوف بالقدم
دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة ... من النّبيّين إذ جاءت ولم تدم
ردّت بلاغتها دعوى معارضها ... ردّ الغيوريد الجاني عن الحرم
قرّت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى ... أطفأت نار لظى من وردها الشّبم «١»
والمعجزة التي ذكرها مدّاح النبي جميعا، وأفاضوا في الحديث عنها، هي معجزة الإسراء والمعراج، والتي ألّفت فيها كتب خاصة، وتحدثت عنها كتب السيرة والخصائص والدلائل، فعكس شعراء المدائح النبوية هذا الاهتمام، وخاصة أصحاب التوجه الصوفي منهم، لأنها تمثّل الاتصال المباشر بين الأرض والسماء، والمتصوفة يريدون من وراء طريقتهم إقامة صلة لهم بالسماء، والحادثة المقدسة مناسبة للتوسع في الحديث عن الغيبيات التي كلف بها المتصوفة، لذلك اختلفت روايات الإسراء والمعراج، وتباينت آراء الفقهاء في طريقة حدوثها، فقال السيوطي عن هذا التباين: «اختلف في المعراج والإسراء، هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وأيّهما كان قبل الآخر؟ وهل كان في اليقظة أم في المنام، أو بعضه في اليقظة وبعضه في المنام؟ وهل كان مرّة أو مرتين أو مرات؟
فذهب الجمهور من المفسرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلمين إلى أنهما وقعا في ليلة واحدة، في اليقظة، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة» «٢» .
ولذلك يقول ابن حجر «٣» في إحدى مدائحه النبوية:
سرى للمسجد الأقصى بليل ... من البيت الحرام إلى السّماء
стр. 232
رفيق الرّوح بالجسم ارتقى في ... طباق حفّ فيها بالهناء
علا ودنا وجاز إلى مقام ... كريم خصّ فيه بالاصطفاء
ولم ير ربّه جهرا سواه ... لسرّ فيه جلّ عن امتراء «١»
والبيت الأخير يشير إلى خلاف آخر بين العلماء حول رؤية رسول الله لربه عيانا، فرجّحه بعضهم، ومنهم ابن حجر، والسيوطي في كتابه (الآية الكبرى) «٢» .
وتباين شعراء المديح النبوي في طريقة تناولهم لمعجزة الإسراء والمعراج، وفي اتساعهم في الحديث عنها، فالبوصيري عرض لهذه المعجزة في همزيته فقال:
فصف اللّيلة التي كان للمخ ... تار فيها على البراق استواء
وترقّى به إلى قاب قوسي ... ن وتلك السّيادة القعساء
رتب تسقط الأمانيّ حسرى ... دونها ما وراءهنّ وراء «٣»
وهو يشدّد على مكانة الرسول الكريم عند ربه، والتي لا يدانيه فيها أحد، ولولا هذه المكانة ما قرّ به الله هذا القرب، وما عرّج به إلى ملكوته، ويرى أن رسول الله ﷺ بإسرائه ومعراجه أضحى في مرتبة سامية متفرّدة.
وأشار في قصيدة أخرى إلى أن رسول الله ﷺ قد كشف عنه الحجاب أثناء إسرائه ومعراجه، وحاز العلوم الإلهية كلها، وهذا ما يشغل المتصوفة من حادثة الإسراء والمعراج، وما يسعون إليه في طريقتهم، ولذلك جعلوا رسول الله صاحب مذهبهم ورأس طريقتهم، فقال:
стр. 233
كشف الغطاء له وقد أسري به ... فعلومه لا شيء عنها يغرب
ولقاب قوسين انتهى فمحلّه ... من قاب قوسين المحلّ الأقرب
فات العبارة والإشارة فضله ... فعليك منه بما يقال ويكتب «١»
وعاد البوصيري إلى التأكيد على أن رسول الله ﷺ قد أسري به وعرّج بجمسه وروحه، وليس بروحه فقط، مؤيدا بذلك وجهة النظر السائدة، والتي رجّحها كثير من العلماء على الرأي الذي يقول إنه أسري به وعرّج بروحه فقط، فقال:
أسرى الإله بجسمه فكأنّه ... بطل على متن البراق مشيح
ودنا فلا يد آمل ممتدّة ... طمعا ولا طرف إليه طموح
حتى إذا أوحى إليه الله ما ... أوحى وحان إلى الرّجوع جنوح
عاد البراق به وثوب أديمه ... ليلا بماء حيائه منضوح «٢»
فمعجزة الإسراء والمعراج معجزة مشتركة بين المدائح النبوية، قلّما نجد شاعرا ينظم مدحة نبوية، ولا يذكر هذه المعجزة، فمنهم من أسهب في الحديث عنها، ومنهم من اقتصر على الإشارة إليها إشارة عابرة في ذكره معجزات رسول الله ﷺ .
إن تعلق الشعراء بالمعجزات في المديح النبوي، لم يجاره إلا إظهار مشاعرهم الدينية، فجميع مدّاح النبي الكريم ذكروا معجزات رسول الله ﷺ ، واتسعوا في الحديث عنها، ولم يتركوا مظهرا من مظاهر إعجازه ﷺ إلّا أشاروا إليه في قصائدهم، وكأنهم بلغوا الغاية في مدح رسول الله ﷺ ، أو أنهم يريدون تعريف الناس بها، وخاصة أولئك الذين لا يتصلون بالكتاب، ولا يجيدون قراءته، أو أنهم يريدون تحريك نوازع الإيمان
стр. 234
والتقوى في نفوس اللاهين، أو الذين يميلون إلى الخوارق في كل شيء، وخاصة العامة الذين يستهويهم القص، ويرغبون في الخوارق التي تشبع عواطفهم الدينية، ولذلك لم يلتفت شعراء المدائح النبوية إلى ما يثار حول هذه المعجزات من جدل؛ ولم يميزوا بين ما هو ثابت الرواية صحيح النقل، وبين ما هو ضعيف مشكوك فيه، لأنهم وجدوا أنفسهم في رحاب الفن الذي يستجيب للخارق المفعم بالدلالات، وليسوا في مجالس العلم التي تدقق في كل شيء.
تفضيله:
أراد شعراء المدائح النبوية إيصال ما يشعرون به إلى الناس بأية طريقة، وما يشعرون به هو كمال رسول الله، وتفرّده وعلو مقامه، وليس أفضل من المعجزات تعبيرا عن ذلك. وربما انساقوا إلى هذا الحرص على ذكر المعجزات بفعل الجدل الديني مع أهل الكتاب، الذين نسبوا إلى أنبيائهم معجزات كثيرة في معرض التفاضل بين الأنبياء والأديان، فجارى المسلمون هؤلاء في الإكثار من نسب المعجزات إلى رسول الله، ونثرها بين الناس، وهذا ما قادهم في مدائحهم النبوية إلى تفضيل النبي محمد ﷺ على الأنبياء جميعا، وتقديمه عليهم في معجزاته وكماله ومكانته عند الله تعالى، وقد أشاروا إلى ذلك في حديث الإسراء والمعراج، إذ إن حديث الإسراء والمعراج يفصح عن أن رسول الله ﷺ قد أمّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصلّى بهم في المسجد الأقصى، وقابلهم أثناء عروجه إلى السماوات العلى، وقد افتتح البوصيري همزيته في التفضيل هذا فقال:
كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
لم يّساووك في علاك وقد حا ... ل سنا منك دونهم وسناء
إنّما مثّلوا صفاتك للنّا ... س كما مثّل النّجوم الماء «١»
стр. 235
فالبوصيري جعل الأنبياء صورة لفضائل النبي المصطفى، وليسوا مثله في ذاته وجوهره، وليس البوصيري بدعا بين شعراء المدائح النبوية في الإغراق والمبالغة في مسألة تفضيل رسول الله ﷺ على سائر الأنبياء والرسل، فهذه المسألة أشبعها أصحاب كتب السيرة المتأخرون، وكتب الخصائص، توسيعا وتفصيلا، بأحاديث وروايات غيبية كثيرة، وقد جاء في كتاب (تاريخ الخميس) أن السيوطي جمع بعض خصائص النبي الكريم في رسالة، سمّاها (نموذج اللبيب في خصائص الحبيب) ، وقال: هي منحصرة في قسمين، القسم الأول في الخصائص التي اختص بها عن جميع الأنبياء، ولم يؤتها نبي قبله، وهي أربعة أنواع: النوع الأول ما اختص به في ذاته في الدنيا ... والنوع الثاني ما اختص به في ذاته في الآخرة..» «١» .
ومضى أصحاب كتب الخصائص في ذكر ما اختص به رسول الله ﷺ دون غيره من الأنبياء، وما فضلهم به، وكأنهم في معركة حاسمة مع أهل الكتاب، يريدون كسبها في هذه المفاضلة، كما يريدون كسب معركة الأمة مع الغزاة الصليبيين.
وعلى الرغم من أنهم رووا حديثا عن رسول الله ﷺ ، ينهى فيه عن تفضيله، وقالوا: إنه حديث مشهور، إلا أنهم ذكروا تأويلا لهذا الحديث، يفضي إلى أنه يجب تفضيله «٢» .
واستندوا في ذلك على آيات القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وذهبوا إلى أن الله تعالى فضّل بعض الأنبياء على بعض، فرفع بعضهم فوق بعض درجات، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ «٣» .
стр. 236
وبذلك قرروا أن «نبينا ﷺ أفضل هذا الأفضل، فهو أفضل مخلوق وأكمله» «١» .
وقد أظهر الدكتور زكي مبارك امتعاضه من المبالغة في تفضيل رسول الله ﷺ على سائر إخوته من الأنبياء، فحين عقّب على قول البوصيري:
فإنّه شمس فضل هم كوكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظّلم
قال: «هذا المعنى ينافي الأدب الجميل في رعاية حقوق الأنبياء، وهو يساير به نزعة ساذجة لا يقرها عقل، ولا يدعو إليها دين، وليس ممّا ينقص مجد النبي ﷺ أن يكون لمن سبقوه من الأنبياء شخصية مستقلة عنه كل الاستقلال» «٢» .
أخذ شعراء المديح النبوي أحاديث تفضيل رسول الله ﷺ على الأنبياء ورواياته، ونظموها في مدائحهم النبوية، موضحين مظاهر هذا التفضيل وجوانبه.
فالبوصيري جعل تفضيل رسول الله ﷺ على غيره من الرسل، قائما على المفاضلة بين معجزاتهم ومعجزاته، فقال:
وكلّ آي أتت الرسل الكرام بها ... فإنّما اتّصلت من نوره بهم
فإنّه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظّلم «٣»
فجرّد الرسل الكرام من معجزاتهم، ونسبها إلى رسول الله ﷺ لأن الرسل استمدوها من نوره، وهو بالنسبة إليهم كالشمس ترسل نورها إلى الكواكب التي تعكس هذا النور، ولهذا فالرسل الكرام توسلوا إلى الله به، وهذا ما أشار إليه الشهاب محمود في قوله:
стр. 237
يا من به الرّسل الكرام توسّلوا ... فغدا توسّلهم به مقبولا «١»
وأكّد عليه الحلي في قوله:
وبك استغاث الأنبياء جميعهم ... عند الشّدائد ربّهم ليعانوا «٢»
في حين جعل ابن بنت الأعز «٣» التفاضل بين الأنبياء مدخلا لسرد معجزات رسول الله ﷺ فقال:
وأراه كيف تفاضل الأملاك والر ... رسل الكرام وكان غير مقلّد
هل جاء قبلك مرسل بخوارق ... إلّا وجئت بمثله أو أزيد
فعصا الكليم تبدّلت أعراضها ... وكذا عصاك تبدّلت بمهنّد «٤»
أما الباعونية، فتقيم تفضيل النبي محمد ﷺ على سائر الأنبياء، على الأحاديث الغيبية، وعلى ما روى في قصة الإسراء والمعراج، فتقول:
ولقد قامت على تفضيله ... حجج كالشّمس ما عنها غطي
أمّه بالرّسل منها وكذا ... حشرهم تحت لواه يا أخي
وإذا ما أحجموا عن رتبة ... قام فيها شافعا من غير لي «٥»
ويظهر أن المفاضلة بين الأنبياء وتفضيل رسول الله ﷺ عليهم، ما كانت لتتم بهذه الحدة وتأخذ من جهد الكتّاب والشعراء هذا القدر، لو لم يكن العصر الذي شهد ظهور كتب الخصائص وقصائد المديح النبوي، عصر صراع مع عدو خارجي، أراد محو هذا
стр. 238
الأمة من الوجود، وجعل الطعن في الإسلام وصاحبه أحد أسلحة عدوانه، فما كان من المسلمين إلا أن ردّوا على هذا الطعن بإظهار مقام نبيهم الكريم والإدلال على أهل الكتاب بهذا المقام السامي، وزاد في المبالغة التي اتسم بها هذا الجانب من الحديث عن رسول الله ما أشاعه المتصوفة من آراء ونظريات متطرفة في الدين، وميلهم المغرق إلي الغيبيات، وتفسيرهم الآيات والأحاديث تفسيرا غيبيّا، لا يتطابق مع تفسيرها الظاهر، وكأنهم يبحثون عما يستتر خلف الحروف لأنهم جعلوا كل شيء رمزا لما يقابله في عالم الغيب الذي يتوقون إليه، وإلى كشف أسراره، حتى إذا وصلوا في مذهبهم إلى رسول الله ﷺ ، جعلوه قطب أقطابهم، وصاحب طريقتهم، فرفعوه فوق كل مخلوقات الله، وأقاموا عليه نظرية الإنسان الكامل، والحقيقة المحمدية، وأن محمدا ﷺ هو أوّل المخلوقات، وهو أبو الأنبياء، أو أنه تجلّى في شكل الأنبياء السابقين له، ومن هنا أعاد بعض شعراء المدائح النبوية فضائل الأنبياء إلى رسول الله ﷺ ، واستغرقوا في الروايات الغيبية التي تتحدث عن هذه العلاقة بين رسول الله ﷺ وبين بقية الأنبياء، هذه العلاقة التي تقوم على استمداد الكرامات والمعجزات من رسول الله ﷺ ، أو عكس نوره الأزلي في ذواتهم، وإلّا فإنّ رسول الله ﷺ لم يذكر نبيا من أنبياء الله إلا بكل تقدير واحترام، وأعطى لكل نبي حقه، فهم إخوته في حمل رسالة الله وهدايته إلى الإنسانية، وإن أحد أركان الإيمان في الإسلام هو الإيمان برسل الله وأنبيائه جميعا، وتقديرهم واحترامهم، أو كما قال البوصيري في إحدى مدائحه النبوية:
صلوات الله ذي الفضل على ... رسل الله إلينا أجمعينا
أكرم الخلق هم الرّسل لنا ... وأبو القاسم خير المرسلينا «١»
стр. 239
الحقيقة المحمدية:
إن ذكر معجزات رسول الله ﷺ والاتساع في عرضها في المدائح النبوية، إلى جانب المفاضلة بين الأنبياء وتفضيل رسول الله ﷺ عليهم جميعا، والجنوح في ذلك كله إلى الغيبيات، يقودنا إلى الحديث عن الحقيقة المحمدية التي أفاض مادحو الرسول في ذكرها وتفصيلها، فإليها يرجع قدر كبير من المعجزات، ومنها يستمد تفضيله على الأنبياء والخلق أجمعين.
والحقيقة المحمدية نظرية دينية، اختلف العلماء في مصدرها، فمنهم من أعادها إلى الدين الإسلامي واتجاهاته المتعددة ومنهم من ذهب بها وبأصولها إلى مؤثرات غريبة عن الإسلام، ترجع إلى المسيحية والفلسفات اليونانية، وخاصة الأفلطونية الحديثة.
إن ما يفهم من الحقيقة المحمدية التي فسّرت تفاسير شتى، وتلونت بألوان مختلفة، وصيغت صياغات كثيرة، غامضة في مجملها، أن الله تعالى بدأ خلق الوجود بخلق نور، هذا النور هو أفضل ما في الخلق. وهو النور المحمدي، أو هو النور الذي تجسّد فيما بعد بالنبي محمد ﷺ .
ويذهب بعض أصحاب هذه النظرية إلى أن النور المحمدي كان يتجسد في أشخاص آخرين قبل أن ينتهي إلى تجسيده الحقيقي والأخير، وهو رسول الله محمد ﷺ ، وهؤلاء الأشخاص هم أنبياء الله، فهم بذلك تجسيد لحقيقة واحدة، أو لنور واحد، هو النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية.
وقد وضعت هذه النظرية في قالب آخر، لتحمل دلالة أخرى، وهي أن هذا النور أودع في صلب آدم- ﵊ ولا زال ينتقل من صلب إلى صلب، ومن رحم إلى رحم، إلى أن أودع في صلب عبد الله بن عبد المطلب، ورحم آمنة بنت وهب،
стр. 240
والدي رسول الله ﷺ ، وهم بذلك يريدون الاقتراب من قيمة النسب التي حرص عليها العرب واعتزوا بها، وأعطوها عند النبي الكريم نوعا من القداسة.
إلا أن بعض من قالوا بالحقيقة المحمدية، غالوا أكثر من ذلك، فجعلوا النور المحمدي أول مخلوق، ثم جعلوا الوجود كله مخلوقا من هذا النور المحمدي، أو كما قال صاحب (تاريخ الخميس) في فاتحة كتابه: «الحمد لله الذي خلق نور نبيه قبل كل أوائل، ثم خلق منه كل شيء، من الأعالي والأسافل» «١» .
واشتقت من هذه النظرية فكرة تفضيل رسول الله ﷺ على رسل الله وأنبيائه جميعهم، وجعله أصلهم وأبيهم، فهو وإن كان آخر الأنبياء في عالم الشهادة، لكنه أولهم في عالم الغيب، فالنبي المصطفى «أبو الأرواح، كما أن آدم أبو الأشباح.. فبعد ما خرج من الحجب تنفس بأنفاس، فخلق من أنفاسه أرواح الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء وسائر المؤمنين والملائكة» «٢» .
وقد عبّر المتصوفة عن نظرية الحقيقة المحمدية بشكل آخر، حين صاغوا منها فكرة الإنسان الكامل، فقالوا: «المراد بالنبي ﷺ والرسول، هو الإنسان الكامل الذي اختاره الله تعالى من جنسه، وقربه إليه واصطفاه بالوحي والرسالة..» «٣» .
وقد تنبه الباحثون على أن نظرية الحقيقة المحمدية تلتقي بنظريات مماثلة في الأديان السماوية والفلسفات الأجنبية، أو أنها مأخوذة عن هذه الأديان أو الفلسفات «٤» .
بيد أن هذا التقوّل على رسول الله ﷺ ، والمغالاة في الحديث عنه، والاستغراق في أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، مجاراة لغير المسلمين، لم تمرّ دون معارضة، فكثير من
стр. 241
علماء المسلمين، رفضوا هذه النظريات وحاربوها، وكثير منهم تهيّبوا من الخوض فيها، واستند الرافضون والمتهيبون في مواقفهم على الأصول الإسلامية من قرآن وحديث، فرسول الله ﷺ هو أوّل من ردّ على أصحاب هذه النظريات في ذاته، فروي عنه ﷺ :
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» «١» .
فالنبي الكريم ألهمه الله تعالى في حديثه عن الغيب أو المستقبل أمورا شتى تحققت وستتحقق، ومن هذه الأمور انقسام أمته على نفسها في أمور عقيدتها، وفي النظرة إليه والحديث عنه، ولذلك شدّد في حديثه هذا وفي مجمل أحاديثه على عبوديته لله تعالى قبل كل شيء، فقد اختاره الله سبحانه ليحمل رسالة الهدى والحق، وليعيد العلاقة بين الخالق والمخلوق إلى حقيقتها، وهي علاقة عبودية للخالق، وليست علاقة بنوّة أو تفويض بالخلق، أو بالوساطة مع الخلق، إلى غير ذلك مما جاءت به الحقيقة المحمدية وتفاسيرها، فرسول الله ﷺ أثبت ما هو ثابت له، وهو العبودية والرسالة، وأسلم لله ما هو له لا لسواه ولا يشاركه فيه أحد، من القدرة والخلق، وغير ذلك من صفات الله المنفرد بها عن خلقه.
أخذ شعراء المدائح النبوية جميعهم بالحقيقة المحمدية، أخذ بدهية دينية لا تحتاج إلى النقاش، وذكروها في قصائدهم، ومدحوا رسول الله ﷺ بها، بل جعلوها أقصى ما يمدح به، فقد استهوتهم نظرية الحقيقة المحمدية، لأنها تتجاوب مع تحليق الخيال، ومع المبالغة الشعرية، وقد مدّهم أصحاب السيرة والخصائص والدلائل بفيض من هذه الروايات الغيبية، التي تثير المخيلات، وتفسح المجال أمام القول الشعري، لكن هذه الروايات الغيبية، التي فرح بها الشعراء لها خطرها على العقيدة، أو كما قال محقق كتاب الخصائص الكبرى في مقدمته: «لا شيء أفسد للتاريخ والسّير من تلك الروايات المحلقة في سماء الخيال، والتي تنقل الحياة البشرية من عالم الواقع إلى جو الأساطير،
стр. 242
وليست هناك حياة كانت على الأرض هي أغنى بواقعها المجرد من حياة سيد الخلق محمد ﷺ ، فهي حياة تنطق كل حركة منها، ويشهد كل موقف من مواقفها بأنها حياة بلغت في السلوك البشري حد الإعجاز، وأن خصائصه ومعجزاته التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم والسنن الصحيحة والآثار المعتبرة، لهي من الكثرة والوفرة بحيث لا تحتاج إلى تلك الزيادات التي يمجها الذوق السليم، وتعافها حياة الفطرة، والتي لا يشهد لها سند صحيح ولا نقل موثق» «١» .
فإذا ما التفتنا إلى المدائح النبوية، وجدناها حافلة بضروب مختلفة من صور نظرية الحقيقة المحمدية، وقلما تجاوز ذكرها شاعر من شعراء المديح النبوي، فابن عربي يعبّر عن نظريته في الحقيقة المحمدية شعرا، ويقول:
ويكون هذا السّيّد العلم الذي ... جرّدته من دورة الخلفاء
وجعلته الأصل الكريم وآدم ... ما بين طينة خلقه والماء
ونقلته حتى استدار زمانه ... وعطفت آخره على الإبداء «٢»
ونجد نظرة المتصوفة هذه إلى رسول الله ﷺ ، والمنطلقة من الحقيقة المحمدية، في قول ابن زكريا الدروكي «٣» من مدحة نبوية:
يا قطب دائرة الوجود بأسره ... لولاك لم يكن الوجود المطلق
مذ كنت أوّله وكنت أخيره ... في الخافقين لواء مجدك يخفق
كنت النّبيّ وآدم في طينة ... ما كان يعلم أيّ خلق يخلق «٤»
стр. 243
أما البوصيري، فإن ذكره للحقيقة المحمدية لم يكن واسعا، ولم يرد في مدائحه النبوية إلا ثلاث مرات، أوضحها في معرض مدح النبي الكريم وذكر معجزاته، والدلالة على قربه من ربه، ورسوخه في النبوة، قال:
كان سرّا في ضمير الغيب من ... قبل أن يخلق كون أو يكونا
أسجد الله له أملاكه ... يوم خرّوا لأبيه ساجدينا
ودعا آدم باسم المصطفى ... دعوة قال لها الصّدق آمينا «١»
فالبوصيري شدد على قدم النور المحمدي، وعلى استمرار هذا النور في آباء رسول الله ﷺ منذ بداية الخلق، وعلى عظم قدر هذا النور عند الله تعالى، ولم يعط تفصيلات أكثر لنظرية الحقيقة المحمدية.
وهذه المعاني وردت عند الصرصري، ولم يزد عليها شيئا غير التصريح بأن اسم رسول الله ﷺ كان مكتوبا على العرش عند خلق آدم ﵊، فقال في إحدى مدائحه النبوية، وهو يعدّد خصائصه ﷺ :
ورأى بعينيه على العرش اسمه ... فدعا به حين استقلّ بذنبه «٢»
فالصرصري يذكر رواية غيبية عن بداية الخلق، فيها كتب الله اسم رسوله محمد ﷺ على العرش، وتوسل آدم باسم النبي الكريم لينال مغفرة الله تعالى، وقدم نبوة رسول الله التي تتقدم على خلق آدم ووضع النور المحمدي في جبهة آدم، لينتقل بعد ذلك في آباء رسول الله الكرام حتى تجسّد بشخصه الكريم، وهذه كلها صور من صور الحقيقة المحمدية.
стр. 244
ووضع الحلّي الحقيقة المحمدية في صورة جديدة، وعلى شكل شروط لحوادث تاريخية، لو اقترنت بخاصة من خصائص الرسول الكريم لما جرت على النحو الذي وقعت به، فقال:
لو أنّ جودك للطّوفان حين طمت ... أمواجه ما نجا (نوح) من الغرق
لو أنّ عزمك في نار الخليل وقد ... مسّته، لم ينج منها غير محترق
لو أنّ بأسك في موسى الكليم وقد ... نوجي، لما خرّ يوم الطّور منصعق «١»
فالحلي، جعل الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- يتوسلون برسول الله ليكشف الله تعالى كربهم، وجعله السر في معجزاتهم. ومن هنا جاءت مقارنة الجعبري بين ما أعطي الأنبياء من فضائل، وبين فضائل النبي الكريم في قوله على لسان الخالق :
إن كان آدم للخلائق أوّلا ... ها أنت يا مختار أوّل خلقنا
أو كان إبراهيم أعطي خلّة ... ها أنت يا مختار صرت حبيبنا
أو كان يوسف بالجمال منحته ... ها أنت يا مختار أجمل خلقنا «٢»
وحتى المغاربة الذين اتسم مدحهم النبوي بالاعتدال. وبعده عن التلوّن العقائدي، وصلت الحقيقة المحمدية إلى مدحهم الديني، فجعل ابن زمرّك «٣» رسول الله ﷺ علّة الوجود وسرّه، فقال:
وأنت لهذا الكون علّة كونه ... ولو لاك ما امتاز الوجود بأكوان
стр. 245
ولولاك للأفلاك لم تجل نيّرا ... ولا قلّدت لبّاتهن بشهبان «١»
فشعراء المديح النبوي لم يتركوا معنى من معاني الحقيقة المحمدية إلا ذكروه في قصائدهم، وخاصة العلماء منهم، الذين اقتربت مدائحهم من المنظومات العلمية، فهم أرادوا أن يذكروا فيها كل شيء عن رسول الله ﷺ ، ما وسعهم إلى ذلك سبيلا، أما الشعراء الذين نظموا المدح النبوي وسواه، فإنهم لم يطيلوا الوقوف عند الحقيقة المحمدية، واكتفى كل منهم بذكر جانب من جوانب الحقيقة المحمدية.
فالباعونية المتصوفة التي أغرمت بالفضائل والمعجزات، لم تزد في الحقيقة المحمدية على قولها:
محمّد المصطفى الهادي الذي وجدت ... أنواره قبل خلق اللّوح والقلم «٢»
أما ابن مليك الحموي، فإنه تابع غيره من شعراء المديح النبوي في ذكر الحقيقة المحمدية، ولم يضف شيئا إليهم، فقال في إحدى مدائحه النبوية:
لولاه ما كان لا شمس ولا قمر ... ولا سماء ولا أرض ولا جبل
ولا بحار ولا ملك ولا ملك ... ولا سماك ولا حوت ولا حمل «٣»
فالحقيقة المحمدية، نظرية دينية انتشرت في العصر المملوكي وما قبله، لظروف موضوعية، دعت إلى ذيوعها، منها الصراع العقائدي مع أهل الكتاب، ومحاولة مجاراتهم في صفة السيد المسيح وطبيعته، ومنها انتشار التصوف الذي يميل مريدوه إلى الغيبيات والمعجزات، ويسعون إلى تشكيل عالم علوي لأرواحهم، يتوقون إليه، ويحتل فيه رسول الله ﷺ مكانا متميزا بين الخالق ومخلوقاته.
стр. 246
بالإضافة إلى الجدل الديني بين الفرق الإسلامية، والتنافس فيما بينها، وإغناء بعض الفرق فكرها باراء ونظريات أجنبية، وتطعيم معتقداتها بأشياء من الأديان الآخرى، والفلسفات المتباينة، كل ذلك جعل الحقيقة المحمدية من أبرز النظريات الدينية التي شاعت في ذلك العصر، فكان لا بد لشعراء المديح النبوي من ذكرها، ومدح رسول الله ﷺ بها، لأنها تضع النبي المصطفى في مرتبة سامية لا يدانيها مخلوق، وهم يسعون إلى ذلك، وهذا في رأيهم منتهى المدح له ﷺ ، وأقل ما يليق به.
الرسول والبشرية:
إن الدافع لمدح رسول الله ﷺ في المقام الأول، هو المحبة للنبي الكريم، والإشادة بأثره في البشرية فرسول الله ﷺ حمل رسالة السماء إلى الناس، فنقلهم من وضع إلى وضع، وأخرجهم من ظلمات الجهل ومفاسد النفس إلى نور الهداية وصفاء النفس، ووضع أسس العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه، وبين الناس في حياتهم الدنيا، فحقق للإنسان إنسانيته، وأعطى لوجوده معنى، ولحياته رسالة وهدفا.
وقد حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله ﷺ في الناس كافة في قصائدهم، وزادوا على ذلك، فأشركوا الكون كله في التفاعل مع النبي، فالمكان الذي له علاقة برسول الله ﷺ سما على الأمكنة كلها، والزمان الذي بعث فيه رسول الله ﷺ زها على الأزمنة جميعها، ومن قبل حين تحدثنا عن الرحلة في المدحة النبوية، تبين لنا كيف أضفى شعراء المديح النبوي على راحلاتهم مشاعر الحنين لزيارة قبر رسول الله ﷺ ، ومشاعر الغبطة بالوصول إليه.
فالكون كله متأثر بسيد الخلق، مبتهج جذل بمبعثه، وكأن شعراء المدائح النبوية خلعوا مشاعرهم على كل ما حولهم، إذا نظرنا إلى المعجزات أو الإرهاصات بعيدا عن النظرة الدينية.
стр. 247
وإذا استثنينا حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله ﷺ في حياتهم ونفوسهم، وتركنا ذلك إلى الحديث عن الاستجارة به، فإن شعراء المدائح النبوية، سجلوا في قصائدهم أثر رسول الله ﷺ في الناس وهدايته لهم، مثل قول البوصيري:
وجلا ظلام الظّلم لمّا أومضت ... ومضت لديه صحائف وصفيح «١»
وتحدث البوصيري عن الأثر الذي تركه رسول الله ﷺ في أمته، فقال:
في أمّة خصّت بكلّ كرامة ... وتفيّأت ظلّ الصّلاح ظليلا «٢»
وأضاف متحدثا عن أثر رسول الله ﷺ في الإنسانية، فقال:
أحيا القلوب الغلف أسمع كلّ ذي ... صمم وكم داء أزال دخيلا
يوصي إلى الأمم الوصايا مثلما ... يوصي الأب البرّ الرّحيم سليلا «٣»
وأشرك البوصيري الطبيعة في الفرح بمبعث رسول الله ﷺ ، فقال:
فرحت به البريّة القصوى ومن ... فيها وفاضلت الوعور سهولا «٤»
ونجد للبوصيري إشارات خاطفة إلى أثر سيدنا رسول الله ﷺ في الدنيا، ضمن قصيدته المحمدية التي جاء فيها:
محمّد زينة الدّنيا وبهجتها ... محمّد كاشف الغمّات والظّلم
محمّد طابت الدّنيا بمبعثه ... محمّد جاء بالآيات والحكم «٥»
стр. 248
أما الصرصري، فإنه يظهر في إحدى مدائحه النبوية أثر رسول الله ﷺ في الأرض التي حل بها، وفي الأشياء التي لمسها أو استخدمها، ليصل بعد ذلك إلى أثره في آله، فيقول:
أضحى ثرى عرصاته إذ حلّها ... يشفي من الدّاء العضال غباره
فخرت به خير القبائل هاشم ... وحوى به المجد الأثيل نزاره
سعدت به أولاده ونساؤه ... وصحابه وزكت به أصهاره
وسمت به غلمانه وإماؤه ... وجواده وبعيره وحماره
وحوى الفخار سريره وفراشه ... وخيامه وقبابه وجداره
وتضوّعت أردان بردته به ... طيبا وطاب رداؤه وإزاره «١»
فهنا نلاحظ أن الصرصري تنقل بين الزمان والمكان، مظهرا تأثرهما وسموهما برسول الله ﷺ ، فالزمان أضحى عطرا ينشر أريجه، والمكان سكنه الأنس ولحقته العزة، وحاجيات رسول الله ﷺ تميّزت عن مثيلاتها لملامسة النبي الكريم لها، أما أهل رسول الله الكرام فإنهم فاقوا البشر جميعا عزة ورفعة وفخارا.
لكن الصرصري لا ينسى أثر رسول الله ﷺ الأكبر، وهو هداية البشرية إلى نور الحق، وشرع السماء، فتحدث في مدحة نبوية عن هذا الأثر العظيم، ووصف الناس قبل مبعث رسول الله ﷺ وكيف صاروا بعد مبعثه، فقال:
أتى بصراط مستقيم من الهدى ... له نبأ بادي البيان لباحث
فصادف عميا يعمهون، قلوبهم ... من الغيّ غلف تابعي كلّ عائث
стр. 249
فأخرجهم من ظلمة الجهل نوره ... وأنقذهم من موبقات الهناهث
وأضحت شموس الحقّ مشرقة السّنا ... قد اتّضحت آثارها للمباحث «١»
وإذا كان الصرصري قد تحدث في الأمثلة السابقة عن هداية رسول الله ﷺ للناس أجمعين، فإنه لا ينسى أن يتحدث عن أثر النبي الكريم في أمته، فقال في مدحة نبوية:
حبا بعظيم الفضل أمّته فلم ... يلتها ولا النّصح المبين ألاها «٢»
وفي رأي الصرصري، فضل رسول الله على أمته لم يكن في وقت محدد، ولا أثناء حياته فقط، بل هو فضل دائم، فقال:
ونفعك الآن موصول لأمّتك ال ... غرّ الأفاضل وصلا غير منحسم «٣»
وبذلك أضحت أمة رسول الله أفضل الأمم، وستظل على فضلها إلى آخر الدهر:
حازت به قصبات السّبق أمّته ... وأحرزت رتبة تعلو بها الرّتبا
وفضل أمّته لا ينقضي أبدا ... حتّى ينزّل عيسى يكسر الصّلبا «٤»
وأظهر البرعي الأثر السامي لرسول الله ﷺ في الإنسانية، وهدايته لها إلى نور الحق، فقال في وصف النبي الكريم:
هداية الله في الدّنيا وخيرته ... من خلقه فهو هادي كلّ حيران
في أمّة كان هاديها وليس لها ... إلّا عبادة أصنام وأوثان
لم يبق للشّرك عزّا يطمئن به ... ولا نصيرا لذي بغي وعدوان
стр. 250
وأصبحت ملّة الإسلام ظاهرة ... بالحقّ فالنّاس في يمن وإيمان
وبدّل الغيّ رشدا والضّلال هدى ... في الأرض والدّين فردا بعد أديان «١»
وجعل شمس الدين ابن الموصلي «٢» هداية رسول الله ﷺ للناس علاجا للقلوب المريضة بالجهالة، فقال:
وكم مراض قلوب حين عالجها ... باللّطف صحّت ومن سكر الضّلال صحت «٣»
أما ابن دقيق «٤» ، فإنه تابع غيره في إظهار أثر رسول الله ﷺ في الناس، وهدايته لهم، وأضاف إلى ذلك الإشارة إلى أثره في الكون. فرأى أن النجوم سعدت بصحبته، فقال:
سعدت منه أنجم اللّيل بالصّح ... بة حين اشتكى الفراق وساده «٥»
أما كيف تفاعل المكان مع رسول الله ﷺ ، فهذا ما يوضحه ابن دقيق العيد في قوله:
فتأثّرت منه بأحسن بهجة ... أفدي الجمال مؤثّرا ومؤثّرا
فتبرّجت بجماله وتشرّقت ... بجلاله ورأت مقاما أكبرا «٦»
وأظهر القيراطي «٧» تأثر الشمس والقمر بمبعث رسول الله ﷺ مضفيا عليهما المشاعر الإنسانية في قوله: