بالإضافة إلى الجدل الديني بين الفرق الإسلامية، والتنافس فيما بينها، وإغناء بعض الفرق فكرها باراء ونظريات أجنبية، وتطعيم معتقداتها بأشياء من الأديان الآخرى، والفلسفات المتباينة، كل ذلك جعل الحقيقة المحمدية من أبرز النظريات الدينية التي شاعت في ذلك العصر، فكان لا بد لشعراء المديح النبوي من ذكرها، ومدح رسول الله ﷺ بها، لأنها تضع النبي المصطفى في مرتبة سامية لا يدانيها مخلوق، وهم يسعون إلى ذلك، وهذا في رأيهم منتهى المدح له ﷺ ، وأقل ما يليق به.
الرسول والبشرية:
إن الدافع لمدح رسول الله ﷺ في المقام الأول، هو المحبة للنبي الكريم، والإشادة بأثره في البشرية فرسول الله ﷺ حمل رسالة السماء إلى الناس، فنقلهم من وضع إلى وضع، وأخرجهم من ظلمات الجهل ومفاسد النفس إلى نور الهداية وصفاء النفس، ووضع أسس العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه، وبين الناس في حياتهم الدنيا، فحقق للإنسان إنسانيته، وأعطى لوجوده معنى، ولحياته رسالة وهدفا.
وقد حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله ﷺ في الناس كافة في قصائدهم، وزادوا على ذلك، فأشركوا الكون كله في التفاعل مع النبي، فالمكان الذي له علاقة برسول الله ﷺ سما على الأمكنة كلها، والزمان الذي بعث فيه رسول الله ﷺ زها على الأزمنة جميعها، ومن قبل حين تحدثنا عن الرحلة في المدحة النبوية، تبين لنا كيف أضفى شعراء المديح النبوي على راحلاتهم مشاعر الحنين لزيارة قبر رسول الله ﷺ ، ومشاعر الغبطة بالوصول إليه.
فالكون كله متأثر بسيد الخلق، مبتهج جذل بمبعثه، وكأن شعراء المدائح النبوية خلعوا مشاعرهم على كل ما حولهم، إذا نظرنا إلى المعجزات أو الإرهاصات بعيدا عن النظرة الدينية.
стр. 247
وإذا استثنينا حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله ﷺ في حياتهم ونفوسهم، وتركنا ذلك إلى الحديث عن الاستجارة به، فإن شعراء المدائح النبوية، سجلوا في قصائدهم أثر رسول الله ﷺ في الناس وهدايته لهم، مثل قول البوصيري:
وجلا ظلام الظّلم لمّا أومضت ... ومضت لديه صحائف وصفيح «١»
وتحدث البوصيري عن الأثر الذي تركه رسول الله ﷺ في أمته، فقال:
في أمّة خصّت بكلّ كرامة ... وتفيّأت ظلّ الصّلاح ظليلا «٢»
وأضاف متحدثا عن أثر رسول الله ﷺ في الإنسانية، فقال:
أحيا القلوب الغلف أسمع كلّ ذي ... صمم وكم داء أزال دخيلا
يوصي إلى الأمم الوصايا مثلما ... يوصي الأب البرّ الرّحيم سليلا «٣»
وأشرك البوصيري الطبيعة في الفرح بمبعث رسول الله ﷺ ، فقال:
فرحت به البريّة القصوى ومن ... فيها وفاضلت الوعور سهولا «٤»
ونجد للبوصيري إشارات خاطفة إلى أثر سيدنا رسول الله ﷺ في الدنيا، ضمن قصيدته المحمدية التي جاء فيها:
محمّد زينة الدّنيا وبهجتها ... محمّد كاشف الغمّات والظّلم
محمّد طابت الدّنيا بمبعثه ... محمّد جاء بالآيات والحكم «٥»
стр. 248
أما الصرصري، فإنه يظهر في إحدى مدائحه النبوية أثر رسول الله ﷺ في الأرض التي حل بها، وفي الأشياء التي لمسها أو استخدمها، ليصل بعد ذلك إلى أثره في آله، فيقول:
أضحى ثرى عرصاته إذ حلّها ... يشفي من الدّاء العضال غباره
فخرت به خير القبائل هاشم ... وحوى به المجد الأثيل نزاره
سعدت به أولاده ونساؤه ... وصحابه وزكت به أصهاره
وسمت به غلمانه وإماؤه ... وجواده وبعيره وحماره
وحوى الفخار سريره وفراشه ... وخيامه وقبابه وجداره
وتضوّعت أردان بردته به ... طيبا وطاب رداؤه وإزاره «١»
فهنا نلاحظ أن الصرصري تنقل بين الزمان والمكان، مظهرا تأثرهما وسموهما برسول الله ﷺ ، فالزمان أضحى عطرا ينشر أريجه، والمكان سكنه الأنس ولحقته العزة، وحاجيات رسول الله ﷺ تميّزت عن مثيلاتها لملامسة النبي الكريم لها، أما أهل رسول الله الكرام فإنهم فاقوا البشر جميعا عزة ورفعة وفخارا.
لكن الصرصري لا ينسى أثر رسول الله ﷺ الأكبر، وهو هداية البشرية إلى نور الحق، وشرع السماء، فتحدث في مدحة نبوية عن هذا الأثر العظيم، ووصف الناس قبل مبعث رسول الله ﷺ وكيف صاروا بعد مبعثه، فقال:
أتى بصراط مستقيم من الهدى ... له نبأ بادي البيان لباحث
فصادف عميا يعمهون، قلوبهم ... من الغيّ غلف تابعي كلّ عائث
стр. 249
فأخرجهم من ظلمة الجهل نوره ... وأنقذهم من موبقات الهناهث
وأضحت شموس الحقّ مشرقة السّنا ... قد اتّضحت آثارها للمباحث «١»
وإذا كان الصرصري قد تحدث في الأمثلة السابقة عن هداية رسول الله ﷺ للناس أجمعين، فإنه لا ينسى أن يتحدث عن أثر النبي الكريم في أمته، فقال في مدحة نبوية:
حبا بعظيم الفضل أمّته فلم ... يلتها ولا النّصح المبين ألاها «٢»
وفي رأي الصرصري، فضل رسول الله على أمته لم يكن في وقت محدد، ولا أثناء حياته فقط، بل هو فضل دائم، فقال:
ونفعك الآن موصول لأمّتك ال ... غرّ الأفاضل وصلا غير منحسم «٣»
وبذلك أضحت أمة رسول الله أفضل الأمم، وستظل على فضلها إلى آخر الدهر:
حازت به قصبات السّبق أمّته ... وأحرزت رتبة تعلو بها الرّتبا
وفضل أمّته لا ينقضي أبدا ... حتّى ينزّل عيسى يكسر الصّلبا «٤»
وأظهر البرعي الأثر السامي لرسول الله ﷺ في الإنسانية، وهدايته لها إلى نور الحق، فقال في وصف النبي الكريم:
هداية الله في الدّنيا وخيرته ... من خلقه فهو هادي كلّ حيران
في أمّة كان هاديها وليس لها ... إلّا عبادة أصنام وأوثان
لم يبق للشّرك عزّا يطمئن به ... ولا نصيرا لذي بغي وعدوان
стр. 250
وأصبحت ملّة الإسلام ظاهرة ... بالحقّ فالنّاس في يمن وإيمان
وبدّل الغيّ رشدا والضّلال هدى ... في الأرض والدّين فردا بعد أديان «١»
وجعل شمس الدين ابن الموصلي «٢» هداية رسول الله ﷺ للناس علاجا للقلوب المريضة بالجهالة، فقال:
وكم مراض قلوب حين عالجها ... باللّطف صحّت ومن سكر الضّلال صحت «٣»
أما ابن دقيق «٤» ، فإنه تابع غيره في إظهار أثر رسول الله ﷺ في الناس، وهدايته لهم، وأضاف إلى ذلك الإشارة إلى أثره في الكون. فرأى أن النجوم سعدت بصحبته، فقال:
سعدت منه أنجم اللّيل بالصّح ... بة حين اشتكى الفراق وساده «٥»
أما كيف تفاعل المكان مع رسول الله ﷺ ، فهذا ما يوضحه ابن دقيق العيد في قوله:
فتأثّرت منه بأحسن بهجة ... أفدي الجمال مؤثّرا ومؤثّرا
فتبرّجت بجماله وتشرّقت ... بجلاله ورأت مقاما أكبرا «٦»
وأظهر القيراطي «٧» تأثر الشمس والقمر بمبعث رسول الله ﷺ مضفيا عليهما المشاعر الإنسانية في قوله:
стр. 251
فعلى البدر صفرة من خشوع ... وعلى الشّمس حمرة من حياء «١»
وهكذا حفلت المدائح النبوية بذكر أثر رسول الله ﷺ في الحياة، ومستقبل البشرية، فأفاض شعراء المديح النبوي في الحديث عن هدايته للناس، وعن أثره في عقولهم ونفوسهم، وتجاوزوا بالفرح به والاستبشار ببعثه، البشر إلى الكون بسمائه وأرضه، وإلى الزمان والمكان، فتغنوا بهذه الماثر العظيمة لرسول الله ﷺ الذي اعترف له غير المؤمنين به، بأنه أول خلق الله تأثيرا في البشرية خلال تاريخ وجودها على هذه الأرض.
التوسل به والصلاة عليه:
إن التوسل بالنبي الكريم والتشفع به والصلاة عليه، من لوازم المدائح النبوية، التي لا تخلو منها قصيدة، فمهما كانت الأسباب الموضوعية التي تحدو بالشعراء إلى نظم المديح النبوي، تبقى الأسباب الذاتية هي المحرك الفعلي لهذا التوجه، أو تصبح الأسباب الموضوعية أسبابا ذاتية، والشاعر يريد من وراء مدح رسول الله ﷺ وذكره، الثواب على مدحه، والجائزة التي يطلبها مادح النبي، ليست من مثل الجوائز التي يطلبها الشعراء حين يمدحون الملوك والسادة، بل هو يريد من وراء مدحه أن يفرج الله كربه، ويديم نعمه عليه، ويغفر ذنوبه؛ لذلك حرص شعراء المدائح النبوية جميعهم على التوسل برسول الله ﷺ وطلب المغفرة من الله تعالى جزاء على مدحهم لرسوله.
أما الصلاة على النبي في المدائح النبوية، فهي من ألصق ما يقال بموضوع المديح النبوي، فإذا كانت القصائد العادية تختتم بالصلاة على النبي، وإذا كانت تفتتح بها، وإذا كانت الكتب والرسائل تفتتح بالصلاة على النبي وتختتم، فماذا يكون حال المدائح النبوية؟
стр. 252
والله تعالى حث على الصلاة على نبيه، فصلّى عليه «١» ، والرسول الأمين نفسه حث على ذلك، لهذا حرص المسلمون على الصلاة والسلام عليه، واتخذت الصلاة على النبي في ذلك العصر وجوها شتى، وجعلها المتصوفة درجات وأنواعا، واتخذوها وسيلة لرؤيا النبي في نومهم، فكان لذلك صداه في المدائح النبوية، التي حفلت بالصلاة على النبي في ثناياها، وخاصة في خاتمتها.
ويظهر أن علماء الدين جعلوا التوسل بالنبي مسألة خلافية، أقره معظمهم، وأنكره بعضهم، فشغلوا به، وراح كل فريق يبحث عمّا يثبت رأيه، فذهب المؤيدون للتوسل بالنبي إلى أبعد الحدود في اندفاعهم لتأكيد هذه المسألة، فقال قائلهم: «لقد أثبت العلماء في مؤلفاتهم القيامة، التوسل بالنبي ﷺ قبل وجوده وبعد وجوده في الدنيا، وبعد موته مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة» «٢» .
وأيّد الغزالي الرأي الذي يثبت الشفاعة والتوسل، ويدعو إلى التشفع برسول الله ﷺ والأنبياء جميعهم، بالإضافة إلى العلماء والصالحين، فقال في ذلك: «اعلم أنه إذا حقّ دخول النار على طوائف من المؤمنين، فإن الله تعالى بفضله يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين، بل شفاعة العلماء والصالحين، وكل من له عند الله جاه وحسن معاملة، فإن له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه» «٣» .
وعلى هذا الرأي جمهور المسلمين الذين يجيزون التشفع برسول الله، عملا بقوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ «٤» .
وأنه تعالى قد منح رسوله الكريم حق الشفاعة يوم القيامة.
стр. 253
أما الفريق المنكر للتوسل، فهم الذين يرون رأي ابن تيمية، ولا يجيزون الاستغاثة والتوسل إلا بالله تعالى، لأن التوسل لون من ألوان العبادة التي لا يحل صرف شيء منها لغير الله، فالشفاعة لا تطلب إلا منه، فإن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه، ولذلك يتوجه إلى الله بالدعاء لقبول شفاعة النبي في أي أمر من الأمور.
وأوضح ابن تيمية موقفه من التوسل في كتاب خاص، هو (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) ، بيّن فيه أحوال التوسل، ومتى يكون مقبولا، ومتى لا يصح، ومما جاء في كتابه قوله: «اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاها عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، ولكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم» «١» .
وقال: «التوسل يراد به ثلاثة أمور، أمران متفق عليهما بين المسلمين، أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني دعاؤه وشفاعته..
ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد» «٢» .
واستنكر ابن تيمية طريقة التوسل في قصائد المديح النبوي «٣» .
وأوضح أنه «يحمل قول: أسألك بنبيك محمد، أي أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، لكن العوام لا يقصدون إلى ذلك عند توسلهم» «٤» .
وأضاف: «الدعاء بطلب الحوائج عند القبر لم يفعله أحد من السلف» «٥» .
стр. 254
وذهب ابن تيمية إلى أن «أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف» «١» .
ويظهر أن مسألة التوسل بالنبي، كانت مثارة قبل هذا العصر، ونجد صدى ذلك في رسائل إخوان الصفاء الذين جعلوا قضية التوسل مرتبطة بدرجة معرفة المؤمن بالله تعالى فقالوا في ذلك: «من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله، وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم، ومساجدهم ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم ... فأما من يعرف الله حق معرفته، فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله. وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته، فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه وأوصيائهم وعباده الصالحين» «٢» .
وعلى الرغم من هذا الجدل، فإن شعراء المديح النبوي لم يتوقفوا عن التوسل بالنبي وطلب شفاعته، ليرفع عنهم البلاء، ولتتحقق حوائجهم في الدنيا، إلى جانب محو ذنوبهم في الآخرة، وهذا هو السبب الذاتي لتوجههم نحو المديح النبوي.
فالباعونية تصرح في تقديمها لإحدى مدائحها النبوية بغايتها من وراء مدحها لرسول الله ﷺ ، فتقول: «ونويت بذلك وجه الله تعالى، والأعمال بالنيّات، والمسؤول من الرحمن أن يجعل جائزتي عليها وفور حظي وحظ ولدي وذريتي وأحباي فيه من فضله العظيم، وأن ينظمنا في سلك خواص حضرة هذا الحبيب» «٣» .
стр. 255
وقد عرف شعراء المديح النبوي الأحاديث التي شاعت حول التوسل وشفاعة النبي لأمته يوم القيامة، حين يعتذر باقي الأنبياء عن التصدي لهذه المهمة، فنظموها في قصائدهم، وعملوا بها «١» .
فالبوصيري اختتم إحدى مدائحه النبوية بطلب الشفاعة والغفران والصلاة على النبي، فقال:
رسول الله دعوة مستقيل ... من التّقصير خاطره هيوب
دعاك لكلّ معضلة ألمّت ... به ولكلّ نائبة تنوب
وللذّنب الذي ضاقت عليه ... به الدّنيا وجائبها رحيب
لجود المصطفى مدّت يدانا ... وما مدّت له أيد تخيب
شفاعته لنا ولكلّ عاص ... بقدر ذنوبه منها ذنوب
صلاة الله ما سارت سحاب ... عليه وما رسا وثوى عسيب «٢»
والملاحظ أن البوصيري مثل غيره من شعراء المديح النبوي، يفتنّ في ذكر الصّلاة على النبي، ويربط دوامها أو عددها بمظهر من مظاهر الطبيعة، أو بعدد مما لا يحصى، للدلالة على دوامها وكثرتها، فهنا ربط دوامها بدوام سير السحاب، وهو لا ينقطع، وببقاء جبل عسيب في مكانه.
ونراه في قصيدة ثانية، يقيد الصلاة على النبي بدوام إشراق الشمس، ويشرك الصحابة الكرام في صلاته على النبي، فيقول:
стр. 256
صلوات الله تترى عليه ... وعليهم طيّبات عذابا
يفتح الله علينا بها من ... جوده والفضل بابا فبابا
ما انتضى الشّرق من الصّبح سيفا ... وفرى من جنح ليل إهابا «١»
وأشار البوصيري في صلاته على النبي إلى فضل هذه الصلاة، التي تفتح على من يقولها باب جود الله وفضله، ولذلك نجده في قصيدة أخرى، يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ليقبل شفاعة نبيه فيه، وليغفر له ذنوبه، ولكنه يعبر عن ذلك بضمير الجماعة، فهو يطلب المغفرة لجميع المسلمين، ويقول:
يا ربّ هبنا للنّبي وهب لنا ... ما سوّلته نفوسنا تسويلا
واجعل لنا اللهمّ جاه محمد ... فرطا تبلّغنا به المأمولا
واصرف به عنّا عذاب جهنّم ... كرما وكفّ ضرامها المشعولا
واجعل صلاتك دائما منهلّة ... لم تلف دون ضريحه تهليلا
ما هزّت القضب النّسيم ورجّعت ... ورقاء في فنن الأراك هديلا «٢»
ويصل الأمر بالبوصيري في هذا الباب إلى أن ينظم قصيدة خاصة في الصلاة على النبي والتشفع به، سماها (القصيدة المضرية في الصلاة على خير البرية) ، اقتصر فيها على الصلاة على النبي الأمين والرسل الكرام والصحابة الأخيار، وطلب المغفرة ورفع الكرب، وأتى فيها بصور متعددة من الأشياء التي لا تعد، ليدلل على كثرة الصلاة واستمرارها، وافتتحها بقوله:
стр. 257
يا ربّ صلّ على المختار من مضر ... والأنبيا وجميع الرّسل ما ذكروا
وصلّ ربّ على الهادي وشيعته ... وصحبه من لطيّ الدّين قد نشروا
أزكى صلاة وأنماها وأشرفها ... يعطّر الكون ريّا نشرها العطر
عدّ الحصى والثّرى والرّمل يتبعها ... نجم السّما ونبت الأرض والمدر
وما أحاط به العلم المحيط وما ... جرى به القلم المأمون والقدر
لا غاية لا انتهاء يا عظيم لها ... ولا لها أمد يقضى وينتظر
يا ربّ واغفر لتاليها وسامعها ... والمرسلين جميعا أينما حضروا «١»
فالبوصيري لم يترك مدحة نبوية من مدائحه، دون أن يودعها التوسل بالنبي والتشفع به ليرتاح مما ينغّصه في الدنيا ومما يخشاه في الآخرة، وكان في معظم تشفعه ذاتيا، إلا أنه شمل جميع المسلمين في دعواته أحيانا وظل في حدود الدين والعبادة، ولم يطلب في توسله شيئا يتعلق بعصره، غير أنه افتّنّ في طريقة عرضه للصلاة على النبي الكريم.
في حين نجد الصرصري الذي عاصر البوصيري، والحروب الصليبية، وترقب غزو المغول، وقتل على أيديهم يتوسل برسول الله ﷺ لنصرة العرب والمسلمين، وردّ المعتدين، ورفع الخلاف والفتن من الأمة، فربط بذلك بين المديح النبوي وبين عصره، وما يشغل الناس في أيامه، إلى جانب ما طلبه لنفسه من مغفرة ومعافاة وعافية، فقال في إحدى قصائده متوسلا بالنبي ليرفع عن أمته فتنة التتار، ويجبر كسرها:
سل جبر أمّتك الكسيرة إنّه ... لم يبق في قوس التّجلّد منزع
стр. 258
محقت طغاة التّرك أطراف القرى ... فالمال نهب والمنازل بلقع
واشفع إلى الرّحمن في غفران ما ... هذي عقوبته فأنت مشفّع «١»
وبدأ توسله بالنبي في إحدى قصائده بطلب الرحمة لنفسه ولعترته، ثم انتقل إلى أمته، فطلب لها الحيا والخير والأمن والسلامة، واختتم توسله بالصلاة على النبي، فقال:
واسأل لأمّتك الحيا غدقا فقد ... فقد المزارع ماءها السّحاحا
والأمن والعيش الرّغيد ونضرة ... كاماقهم ومعونة وصلاحا
واسأل إلهك أن يكون بقهره ... لعدوّهم مستأصلا مجتاحا
صلّى عليك الله ما سرت الصّبا ... وشدا حمام في الغصون وناحا «٢»
ولا تقتصر استجارة الصرصري برسول الله ﷺ على طلب النصرة للأمة، والغيث لأرضها، بل تتعدى ذلك إلى طلب الثبات على العقيدة، والتخلص من الفتن الدينية، والانحرافات في العقيدة، فقال في ختام مدحة نبوية:
فقل يا رسول الله أنت نصيرنا ... على فتن في وقتنا تتقرّع «٣»
ولا ينسى الصرصري نفسه في التوسل والاستغاثة، فهو مثل غيره من شعراء المدائح النبوية، يطلب المغفرة والفرج، والنجاة في الآخرة، فخصّ نفسه في طلب الغوث من رسول الله ﷺ ، ليعينه على خطب شديد ألمّ به، وليسأل الله تعالى له المغفرة يوم القيامة، فقال:
стр. 259
يا نبيّ الهدى عليك سلام ... يبقى مني غضّا على الآناء
أنت جاري وعدّتي ونصيري ... وعمادي في شدّتي ورخائي
فأعنّي على زمان فظيع الخط ... ب في أهله شديد العناء
واسأل الله حين تعرض أعما ... لي عليك الغفران لي يا رجائي «١»
وقد سجل شعراء المديح النبوي أمثلة كثيرة ومختلفة على التوسل برسول الله ﷺ عند الأزمات والكوارث، أو عند حصول حادثة غريبة لا يملكون لها تفسيرا، مثل ارتجاج الأرض، وظهور نار عظيمة في الحجاز، أدخلت الرعب إلى قلوب الناس، فضجوا بالدعاء إلى الله تعالى، ليكشف عنهم ضر هذه الظاهرة، متوسلين في ذلك برسول الله ﷺ ، ومن ذلك قول المشد «٢» ابن قزل:
ولمّا نفى عنّي الكرى خبر التي ... أضاءت بأحد ثم رضوى ويذبل
ولاح سناها من جبال قريظة ... لسكّان تيما فاللّوى فالعقنقل
وأخبرت عنها في زمانك منظرا ... بيوم عبوس قمطرير مطوّل
وأبدت من الآيات كلّ عجيبة ... وزلزلت الأرضون أيّ تزلزل
طفى النّار نور من ضريحك ساطع ... فعادت سلاما لا تضرّ بمصطل «٣»
فشاعر المديح النبوي يحرص على التوسل برسول الله ﷺ في مدحته، ويذكر سبب لجوئه إلى النبي الكريم، وهذا السبب يكون عاما حينا، يتعلق بالأمة كلها، ويكون خاصا
стр. 260
حينا، يتعلق بالشاعر نفسه، فإما أن يكون لحاجة من حوائج الدنيا، وإما أن يكون طلبا للمغفرة والتكفير عما فرط منه، مثل قول ابن أرقم النميري «١» :
وكيف أخاف ذنوبا مضت ... وأحمد في زلّتي يشفع «٢»
فالشاعر طلب المغفرة، وأبدى شيئا من الارتياح، لتيّقنه من شفاعة رسول الله ﷺ له، ولذلك نجد شاعرا آخر هو ابن يحيى الغرناطي «٣» ، يتشفع بالنبي الأمين، وهو موقن بالقبول، لأنه يتشفع بمن توسّل به أبو البشر، فيقول:
جرمي عظيم يا عفوّ وإنّني ... بمحمّد أرجو التّسامح فيه
فبه توسّل آدم من ذنبه ... وقد اهتدى من يقتدي بأبيه «٤»
ويظهر أن الشاب الظريف «٥» قد استشعر عظم ذنبه، وتماديه في لهو الشباب، فنظم المدائح النبوية ليكفّر عن ذنبه، وليبدأ حياة جديدة من التقوى، لذلك نجده في آخر إحدى مدائحه النبوية التي وصلتنا، يتشفّع برسول الله ﷺ ، ويستجير به من ذنبه، فيقول:
لي من ذنوبي ذنب وافر فعسى ... شفاعة منك تنجيني من اللهب
وقد دعوتك أرجو منك مكرمة ... حاشاك حاشاك أن تدعى فلم تجب «٦»
واقترب الشرف الأنصاري من الشاب الظريف في توجهه نحو رسول الله ﷺ
стр. 261
لطلب الشفاعة، والتوسل به للتخلص من الذنوب، وليحصل على الراحة النفسية، فطلب من الناس التشفع برسول الله ﷺ ، وقال في إحدى مدائحه النبوية:
تشفّع به فهو نعم الشّفيع ... وسله المنى فهو بحر السّخاء
فعطفا على من تناهت به ال ... خطايا، وما عطفت لانتهاء
فأنت النّبيّ الوجيه الذي ... حوى في الشّفاعة فضل الجزاء
فشرّفه الله مختاره ... بخير صلاة وأزكى ثناء «١»
لقد مزج الشرف الأنصاري بين التشفع والمدح، وأدرج الصلاة على رسول الله ﷺ بخفة ورشاقة، وجاء بها على هيئة المدح بذكر مواهب الله تعالى لنبيه الكريم، وكل مناه أن تتحقق له الشفاعة وتغفر ذنوبه، فهو ينظر في توسله إلى اليوم الآخر، في حين نجد شعراء آخرين، يتوسلون برسول الله ﷺ طالبين الراحة في الدنيا والآخرة.
وأظهر شرف الدين القناوي «٢» في مديحه لرسول الله ﷺ ما يعتقده في التوسل بالنبي، وطلب شفاعته، فقال:
على نايبات الدّهر أرجو محمّدا ... يساري في اليسرى ويمناي في اليمنى
مناي من الدّنيا زيارة أحمد ... وقصدي في الآخرى شفاعته الحسنى «٣»
وأكثر الشعراء استجارة برسول الله ﷺ وتوسلا من الذين مدحوه، هو البرعي الذي كان يعتقد اعتقادا جازما في أن مديحه لرسول الله ﷺ سيجلب له الشفاعة، ويحقق
стр. 262
له حاجاته في الدنيا، ويثيبه الله تعالى عليه بالمغفرة والأجر يوم القيامة، فنراه في إحدى مدائحه النبوية يستجير برسول الله ﷺ بحرارة وورع، ويقول:
يا سيّدي يا رسول الله خذ بيدي ... في كلّ هول من الأهوال ألقاه
يا عدّتي يا نجاتي في الخطوب إذا ... ضاق الخناق لخطب جلّ بلواه «١»
فالبرعي يخصص لنفسه قدرا كبيرا من المدحة النبوية، يناجي به رسول الله ﷺ ، ويطلب منه ما يرفع الكرب عنه، ويستجير به من ذنوبه، ويطلب شفاعته، ليتخلص من أدران الحياة الدنيا، وليتخلص من ذنوبه، يوم يعرض على الحساب في الآخرة، وهذا دأب البرعي في كل قصائده النبوية، فميله إلى التصوف جعله ينحو منحى المناجاة والدعاء والتوسل في مدائحه النبوية، ويستشعر عظم ذنبه، ويتوسل إلى رسول الله ﷺ لغفرانه، ويتسع في طلبه، فلا يقتصر على نفسه وعلى أهله فقط، بل ربما استجار برسول الله ﷺ في مدائحه، ليحقق غرضا من أغراض الدنيا والآخرة لأحد معارفه، مثلما فعل في تخميس له، جعل الشطر الخامس لازمة للصلاة على النبي، فقال:
يا خير مبعوث لأكرم أمّة ... أنت المؤمّل عند كلّ ملمّة
فاعطف على عبد الرّحيم برحمة ... فغمام فضلك فيضه متسجّم
فبحقّه صلّوا عليه وسلّموا
وابن الوهيب سميّك أحمدا ... وأغثه في الدّارين يا علم الهدى
واجمع بنيه ووالديه بكم غدا ... فلأنت حصن للسّميّ وملزم «٢»
فبحقّه صلّوا عليه وسلّموا
стр. 263
ولا يبعد ابن حجة «١» في توسله عن غيره من شعراء المديح النبوي، فيختتم مدائحه النبوية بطلب الشفاعة للخلاص من ذنوبه، ويفتنّ في عرض هذا المعنى، وفي الصلاة على النبي، فيقول في إحدى مدائحه النبوية:
عسى وقفة أو قعدة لابن حجّة ... على بابكم يسعى بها وهو محرم
فقد جاء يشكو من ذنوب تعاظمت ... وقدرك في يوم الشّفاعة أعظم
فيا وردنا الصّافي طيور قلوبنا ... عليك إذا ما نابها الضّيم حوّم «٢»
فالتوسل برسول الله، ذكره جميع شعراء المدائح النبوية، ولم تخل قصيدة نبوية من طلب شفاعة النبي الكريم، فأضحى التوسل والتشفع أحد أركان المدحة النبوية، ومن لوازمها، بل أخذ الشعراء يطلبون من الناس أن يتشفعوا برسول الله عند ما يحزمهم الكرب، وتضيق بهم الحياة، ويظهرون منافع التوسل، مثل قول السوفي «٣» :
بجاه النّبيّ المصطفى أتوسّل ... إلى الله فيما أبتغي وأؤمّل
وأقصد باب الهاشميّ محمّد ... وفي كلّ حاجاتي عليه أعوّل
إذا مسّني ضيم أنوّه باسمه ... فيدفع ذاك الضّيم عني وينقل «٤»
ويلاحظ أن شعراء المديح النبوي أخذوا يدعون الناس إلى زيارة رسول الله ﷺ ، والتوسل به، والاستغاثة من ذنوبهم، وكأنهم بذلك يريدون تعميم التوسل بالنبي، وأن
стр. 264
يقوم به الناس كلهم حسب مقدرتهم، فإذا كان الشعراء قادرين على تسجيل توسلهم بالنبي، فإن غيرهم يمكن أن يقوموا بذلك خلال زيارة قبر رسول الله، وطلب الشفاعة عنده، ومثال ذلك ما قاله ابن خطيب داريا «١» في مدحة نبوية:
يا من يروم النّجا في يوم محشره ... كن يا أخيّ عن العصيان منعزلا
وأقصد حمى طيبة وانزل بساحتها ... ما خاب من في حمى المختار قد نزلا «٢»
وتردّد صدى هذه الدعوة في المديح النبوي، فعبّر شعراؤه عن شوقهم لزيارة رسول الله ﷺ ، وعن غرضهم من الزيارة، فإذا ما حرم الشاعر من زيارة قبر رسول الله لسبب من الأسباب، أرسل مدحته النبوية إلى الروضة الشريفة، تحمل توسله واستجارته بالنبي الأمين، مثلما فعل لسان الدين بن الخطيب حين قال:
فإن أحرم زيارته بجسمي ... فلم أحرم زيارته بقلبي
فدونك يا رسول الله منّي ... تحيّة مؤمن وهدى محبّ «٣»
فالتوسل برسول الله وطلب شفاعته أخذ حيّزا مهمّا من المدحة النبوية، واحتفل له شعراء المديح النبوي وكأنهم جعلوه الغاية من نبوياتهم، وما يريدونه لأنفسهم من وراء مديحهم للنبي الكريم، فاقتصر بعض الشعراء في بعض قصائدهم النبوية على التشفع برسول الله ﷺ وطلب غوثه وعونه، والصلاة عليه، وسمي هذا النوع من المديح النبوي الوسيلة، التي انتشرت في وقت متأخر من العصر المملوكي، وخاصة عند المتصوفة، ومن ذلك وسيلة لأبي الحسين الأهدل «٤» ، بدأها بقوله:
стр. 265
يا رسول الله عونا مدد ... أنتم الوالد والعبد الولد
يا رسول الله ما لي عتد ... غير حبّك ويا نعم العتد
يا رسول الله كن لي شافعا ... أنت والله شفيع لا ترد
يا مليح الوجه يا خير الورى ... أنت بعد الله نعم المعتمد
واسأل الرّحمن لي من فضله ... العفو والغفران والرّزق الرّغد «١»
فالدعاء والتوسل هو أكثر مواطن المدحة النبوية دلالة على نفس الشاعر، وإظهارا لما يجيش فيها من عواطف وأحاسيس، وفيه يظهر الغرض الذاتي للشاعر من وراء مديحه النبوي.
ومثلما حرص شعراء المديح النبوي على التشفع برسول الله والاستجارة به والتوسل إلى الله بجاهه وحبه، لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، فإنهم جعلوا من الصلاة على النبي خاتمة لمدائحهم، لا يتخلون عنها، ويفتنون في عرضها، وفي تقليب معاني تكثيرها ودوامها، مثلما رأينا عند البوصيري، فالقيراطي اختتم إحدى مدائحه النبوية بقوله:
يا إمام الهدى عليك صلاة ... وسلام في الصّبح ثمّ العشاء
ما صبا في أصائل قلب صبّ ... ذكر الملتقى على الصّفراء «٢»
ويقرب من هذه الصلاة الخاتمة للمدحة النبوية، ما اختتم به لسان الدين بن الخطيب «٣» إحدى مدائحه النبوية بقوله:
стр. 266
عليك صلاة الله ما طيّب الفضا ... عليك مطيل بالثّناء مطيب
وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّح ... وما افترّ ثغر للبروق شنيب «١»
وإذا ربط ابن الخطيب صلاته السابقة على النبي بهبوب الريح واهتزاز الأغصان ولمعان البرق، فإنه ربط في نبوية أخرى مدة صلاته على النّبي باستمرار طواف الحجيج حول الكعبة وكثرتهم، فربط المعنى الديني بالمعنى الديني، مغيّرا ما درج عليه شعراء المدائح النبوية من ربطه بالعدد، واستمرار مظاهر الطبيعة وتكرارها، فقال:
عليك سلام الله ما طاف طائف ... بكعبتك العليا وما قام قائم
وأهدي صلاتي والسلام لأحمد ... لعلّي به من كبّة النّار سالم «٢»
وأجمل السيوطي «٣» ما قصده مدّاح النبي ﷺ من ربط الصلاة عليه بما يصعب حصره وحده للتعبير عن دوام الصلاة التي يدعون الله تعالى أن يمنحها لرسوله الأمين، فقال:
عليه مني صلاة ما لها عدد ... تفصيل مجملها يربو على الدّيم «٤»
وأضاف النواجي إلى مظاهر الطبيعة في الصلاة على النبي بعض الموافق النفسية، ودوام سير المسلمين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، فجمع مظاهر الطبيعة ومظاهر العبادة وبعض مظاهر النفس الإنسانية، وربط ذلك كله بالصلاة على النبي فقال:
عليه صلاة الله ما لاح بارق ... وما لعلع الحادي سحيرا لمكّة
стр. 267
وما حنّ مشتاق وما أن عاشق ... وما سار ركب طالبا أرض طيبة «١»
إلا أن التلوين المعنوي للصلاة على النبي في خاتمة المدحة النبوية، لم يكن مرتبطا دائما بأشياء خارجة عن الحيز الديني، للدلالة على الاتساع والاستمرار، وإنما أراد الشعراء بذلك الابتعاد عن التكرار، وإظهار مقدرتهم الفنية، بالإضافة إلى التعبير عن مشاعرهم السامية والصافية نحو رسول الله ﷺ .
ولا أدلّ على تعلق شعراء المديح النبوي بالصلاة على رسول الله ﷺ في مدائحهم من قول ابن العطار، الذي أظهر فيه قدر ذكر رسول الله، واحتفال المسلمين به:
فيا معشر الأحباب إنّ نبيّنا ... إلى فوزنا راع وساع وخاطب
ألا فاذكروه كلّ حين وسلّموا ... عليه بذاك الذّكر تسمو المراتب
وقوموا على أقدامكم عند ذكره ... فذلك في شرع المحبّة واجب «٢»
فالتوسل بالنبي ﷺ وطلب شفاعته، والصلاة عليه، مما حرص شعراء المديح النبوي على ذكره في قصائدهم، وهو جزء هام من أجزاء المدحة النبوية، فهو يجلو مشاعر الشاعر، ويظهر مكنونات نفسه، وهمومه الذاتية والعامة، ويبيّن نظرة المسلمين إلى رسولهم الأمين، ودوافع مديحه الذي غدا من أهم الفنون الشعرية في العصر المملوكي.
стр. 268
آثار النبي الكريم:
لقد عظّم المسلمون كل ماله علاقة برسول الله ﷺ ، فأجلّوا الأزمنة التي تخصه، مثل يوم مولده ويوم هجرته، والأمكنة التي تقلب فيها مثل مكان مولده وتعبده ومسجده ومدفنه، وأضفوا القداسة على الأدوات التي كان يستخدمها في حياته من سرير ولباس وآنية، وغير ذلك من متاع الدنيا. وحرصوا أشد الحرص على ما تركه رسول الله ﷺ منها بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وتبرّكوا باثاره، فالخلفاء ظلوا يتوارثون بردته وجعلوها علامة الخلافة، وكدّوا أنفسهم في تحصيل كل ماله علاقة برسول الله ﷺ ، وقد وصل إلى العصر المملوكي شيء من هذه الآثار.
ولا شك في أن وجود هذه الآثار أمام عيون الناس، قد هيّج وجدهم برسول الله ﷺ ، ودفعهم إلى مدحه ومناجاته، فقال ابن خطيب داريا بهذه الآثار:
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشطّ مزاره
فلقد ظفرت من الزّمان بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره «١»
وابن رشيد السبتي «٢» «له أبيات كتبها على حذو نعل النبي ﷺ بدار الحديث الأشرفية، وهي:
هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد جدّي قد ظفرت بمقصدي
وقبّلتها أشفي الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظما عند موردي
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بمطلعه أرّخت مولد أسعدي
стр. 269
عليه صلاة نشرها طيّب كما ... يحبّ ويرضى ربّنا لمحمّد «١»
ويظهر أن الناس في ذلك الوقت قد صنعوا أمثلة لنعل رسول الله ﷺ ، وتناقلوها في الأمصار الإسلامية، ليتبرّكوا بها ويشبعوا حنينهم إلى رسول الله ﷺ وعهده المبارك، وفضولهم إلى معرفة شكل الأشياء التي كان يستعملها النبي الأمين، وكانت هذه الأمثلة تثير كوامن نفوس الشعراء، فينظمون فيها الشعر الذي يظهرون فيه مشاعرهم الدينية، ومحبتهم الكبيرة لرسول الله ﷺ .
وانتشر الحديث شعرا عن النعل النبوي الشريف في المغرب العربي خاصة، فاتخذه الشعراء وسيلة لإظهار عواطفهم الدينية، وتوطئة لمدح صاحب النعل، فزادوا بذلك معاني المدحة النبوية، وحرّكوا مضمونها، فأكثروا من نظم القصائد التي تتحدث عن نعل رسول الله ﷺ ، ومن يطالع كتاب (أزهار الرياض) يجد ما يوازي ديوانا كاملا من القصائد التي يشيد فيها أصحابها بالنعل النبوي، ويظهرون تقديسهم لها.
وقد أوسع ابن فرج السبتي «٢» نعل النبي نظما، فأنشأ فيها قطعا على حروف المعجم في لزوم ما لا يلزم، سمّاها القطع المخمسة، كل قطعة خمسة أبيات، وهي في مدح رسول الله ﷺ ، يفتتحها بالحديث عن نعل النبي، ومنها قوله:
أتمثال نعل كان يلبسها الذي ... إذا غدت الأرسال ليس له كفء
أبو القاسم الأسمى الذي وطئ السّما ... بأخمصه ليلا فشرّفها الوطء
أقبّل في طرس حواك كأنّني ... عليل وفي تقبيل شكلك لي البرء «٣»
وهكذا حرص مدّاح النبي ﷺ على ذكر كل ما يتعلق به في مدائحهم النبوية،
стр. 270
فذكروا آثاره، وأبدوا تقديسهم لها، واتخذوها مطية إلى إظهار مشاعرهم نحو رسول الله ﷺ وتوطئة لمدحه.
ذكر الآل والصحابة:
حين تحدثنا عن الفنون الشعرية التي تقرب من المدائح النبوية، والتي عدها بعض الباحثين من المدائح النبوية، مرّ معنا مدح آل البيت، الفن الشعري الذي انتشر عند الشيعة وغيرهم، وذهبنا إلى أن مدح آل النبي كان مقصودا لذاته، وإن كان تعظيم آل النبي نابعا من تعظيمه، وأن قصائد مدح آل البيت لا تدخل في نطاقق المديح النبوي، وإن ذكر النبي فيها، لأنها نظمت أساسا لمدح آل البيت، ولا يمكن أن يذكر آل البيت دون أن يذكر رسول الله ﷺ .
وقد ورد ذكر آل النبي والصحابة في المدائح النبوية، فحين يذكر مادحو النبي سيرته، لا ينسون أصحابه وآله الذين حملوا معه رسالة الإسلام، وجاهدوا في الله حق جهاده، وضربوا أروع الأمثلة على التضحية والإيمان والإخلاص لله ورسوله، فكان لهم على مدّاح النبي حق ذكرهم والإشادة بهم، وهذا ما فعله معظم شعراء المدائح النبوية، حتى غدا ذكر الآل والصحابة من مضمون المدحة النبوية، يردّدونه في ختام القصيدة حين يجمعونهم في صلاتهم على النبي معه، أو في أثناء القصيدة عند عرضهم لجهاد الرسول ﷺ وبطولته، ولمواقف من سيرته.
فالبوصيري عند ما ختم قصيدته بالصلاة على النبي، قال:
ثمّ الصلاة على المختار ما طلعت ... شمس النّهار وما قد شعشع القمر
ثمّ الرّضا عن أبي بكر خليفته ... من قام من بعده للدّين ينتصر
وعن أبي حفص الفاروق صاحبه ... من قوله الفصل في أحكامه عمر
стр. 271
وجد لعثمان ذي النّورين من كملت ... له المحاسن في الدّارين والظّفر
كذا عليّ مع ابنيه وأمّهما ... أهل العباء كما قد جاءنا الخبر
والآل والصّحب والأتباع قاطبة ... ما جنّ ليل الدّياجي أو بدا السّحر «١»
وإذا كان البوصيري قد فصّل في هذه القصيدة، فذكر أسماء الصحابة، وبدأ بذكرهم، فإنه في قصيدة ثانية، بدأ بمدح آل البيت بعد أن استوفى مدح رسول الله ﷺ ، وثنّى بصحابته الكرام، فقال:
آل النّبيّ بمن أو ما أشبّهكم ... لقد تعذّر تشبيه وتمثيل
وهل سبيل إلى مدح يكون به ... لأهل بيت رسول الله تأهيل
إنّ المودّة في قربى النّبيّ غنى ... لا يستميل فؤادي عنه تمويل
وكم لأصحابه الغرّ الكرام يد ... عند الإله لها في الفضل تخويل
قوم لهم في الوغى من خوف ربّهم ... حسن ابتلاء وفي الطّاعات تبتيل
كأنّهم في محاريب ملائكة ... وفي حروب أعاديهم رآبيل «٢»
ويكاد يكون ذكر الآل والصحابة مدحا مستقلا في مدحة عائشة الباعونية، فبعد أن أفرغت ما بجعبتها في مدح رسول الله ﷺ ، التفتت إلى الصحابة، فمدحتهم بقولها:
جلّ الذي خصّ سادات بهم شرفوا ... آلا وصحبا كرام الأصل والشّيم
في الله قد بذلوا أرواحهم وسلوا ... وجودهم وخلصوا صدقا لربّهم
واستودعوا فوعوا واستحافظوا فرعوا ... واستنهضوا فسعوا نصرا لدينهم
стр. 272
عزت فضائلهم عمت فواضلهم ... رقّت شمائلهم شاقوا بذكرهم «١»
فشعراء المديح النبوي جميعا ذكروا صحابة رسول الله ﷺ وآله في قصائدهم، لأنهم لا يستطيعون أن يذكروا سيرته العطرة دون أن يذكروا مكان الصحابة والآل فيها، ولا يستطيعون أن يشيدوا بجهاد رسول الله ﷺ وصبره ومصابرته في رفع كلمة الله، من غير أن يذكروا من كانوا معه في نشر الدعوة، وبناء الدولة الإسلامية.
إلى جانب أن الصلاة على النبي، تجمع بينه وبين آله وصحابته الكرام، لذلك أضحى ذكر آل رسول الله وصحابته من مستلزمات المدحة النبوية، ومن مفردات مضمونها.
القسم الثالث- مواضيع أخرى:
لم يقتصر مدّاح رسول الله ﷺ في مدائحهم النبوية على ذكر ماله علاقة به من قريب أو بعيد، وإن كان هذا هو الموضوع الأساس للمدائح النبوية، إلا أنهم أدرجوا في المدائح النبوية ما يعتمل في نفوسهم من مشاعر وأفكار، وما ينعكس على صفحة هذه النفوس من حوادث ومظاهر، وجدت أمام الشاعر، وانفعل بها فتسربت إلى قصائده النبوية، وبذلك حوت المدائح النبوية إشارات كثيرة إلى حياة شعرائها وعصرهم.
وقد ظهر لنا فيما سبق كيف جسّد الشعراء عواطفهم الدينية، وميولهم في العقيدة أثناء مدحهم لرسول الله ﷺ ، وكيف تضافرت أسباب مختلفة، دفعتهم إلى مدح رسول الله ﷺ ، فلم تبق قصائد المديح النبوي قصائد مناجاة دينية فحسب، بل أصبحت قصائد حياة لهؤلاء الشعراء، ولمن يسمعونها ويتذاكرونها.
وأقرب المواضيع إلى المديح النبوي في المدحة النبوية، هو الحديث عن الحج ومشاعر المسلمين أثناء تأدية مشاعره.
стр. 273
وكانت الرحلة لزيارة النبي الكريم تقترن غالبا بالرحلة لأداء فريضة الحج، لذلك أكثر الشعراء من ذكر الحج وخاصة حين يذكرون الأماكن المقدسة ويتشوّفون إليها، وقد يذكرون الحج منفردا عن ذكر المقدسات في الحجاز، وكأن شعراء المدائح النبوية يعرّفون مناسك الحج من يجهلها، أو يثيرون مشاعر الحنين إلى المعاهد المقدسة عند المتلقين لشعرهم، ليسارعوا إلى تلبية نداء الله تعالى، وفي ذلك قال القيراطي من مدحة نبوية:
حبّذا الكعبة التي قد تبدّت ... وهي تزهو في حلّة سوداء
قبّل الخال لا أبالك عشرا ... يا أخا حبّها بغير إباء
واشربن من شراب زمزم كأسا ... دبّ منها السّرور في الأعضاء
ثمّ قف خاضعا على عرفات ... علّ تعطى عوارف الإعطاء «١»
فشعراء المدائح النبوية وجدوا في قصائدهم مناسبة لذكر الحج والمشاعر نحوه، إذ إن الحج عبادة تبيّن تعلق المسلمين بمقدساتهم، وطاعتهم لربهم، وحبهم لرسولهم، وتذكّرهم بالمعاهد التي درج فيها رسول الله ﷺ ، وشهدت الوحي والبعثة.
كذلك وجد مدّاح النبي ﷺ في قصائدهم متّسعا للتعبير عن آرائهم الدينية، ولخوض معاركهم العقائدية مع أهل الكتاب الذين حاولوا الانتقاص من الإسلام ونبيّه، وقد مرّت معنا أمثلة على هذا الجدل، وردّ المسلمين على الغزاة، ودفاعهم عن دينهم ورسولهم، ومن هذا الجدل قول البوصيري:
فإن تخلق له الأعداء عيبا ... فقول العائبين هو المعيب «٢»
ولم يكن الجدل الديني بين المسلمين وغيرهم فقط، بل كان فيما بينهم أيضا،
стр. 274
ويظهر أن هذا الجدل قد اشتد شيئا ما في ذلك الوقت، فوصل إلى المدائح النبوية، حتى ضجّ منها الصرصري، فقال مستغيثا برسول الله ﷺ :
وفتّنة البدع الشّنعاء قد خلطت ... على البريّة ما تنحو وتعتقد
أثارها خلف سوء خالفوا سفها ... منهاج سنّتك المثلى فما رشدوا «١»
وأوضح الصرصري في مدحة نبوية آراءه الدينية، فقال في التوحيد:
أشهد أنّ الله جلّ ذكره ... فوق السّماوات على العرش استوى
سبحانه من واحد منزّه ... عن إفك من قال محالا وادّعى
صفاته كريمة قديمة ... كلامه القديم غير مفترى
وكلّ ما جاءت به الأخبار من ... صفاته تأويلها لا يبتغى
فهذه عقيدتي نظمتها ... أجعلها عندك ذخرا يرتجى «٢»
وأشاد شعراء المديح النبوي بالحديث الشريف وبرواته وكتبه، ومنهم ابن حجر الذي قال في مدحة نبوية بعد الإشادة بالصحابة، وحفظهم للحديث الشريف:
والتّابعين لهم بإحسان فهم ... نقلوا لما حفظوه منهم عنهم
وأتى على آثارهم أتباعهم ... فتفقّهوا فيما رووا وتعلّموا
هم دوّنوا السنن الكرام فنوّعوا ... أبوابها للطّالبين وقسّموا
وأصحّ كتبهم من المشهور ما ... جمع البخاري قال ذاك المعظّم
стр. 275
وتلاه مسلم الذي خضعت له ... في الحفظ أعناق الرّجال وسلّموا «١»
في حين نجد المتصوفة يشيدون بمذهبهم، وبرجال التصوف وأقطابه، حتى إن عائشة الباعونية افتتحت إحدى مدائحها النبوية بالإشادة الحارّة بشيوخها، وأظهرت تعلّقها بهم، فقالت:
ومذهبي في الهوى ألاأحول ولا ... ألوي عناني لحيّ غير حيّهم
هم كعبتي حيث ما وجّهت يشهدهم ... قلبي وينظرهم سرّي بنورهم «٢»
وإذا كان شعراء المديح النبوي قد عبّروا عما يدور في عصرهم من قضايا دينية، فإنهم استنجدوا برسول الله ﷺ من الكوارث والمصائب التي حدثت في أيامهم، وقد مرّت معنا أمثلة وافية على ذلك وعلى ما كان يعانيه الناس من الكوارث والحروب والمظالم، فظهر أثر ذلك كله في المدائح النبوية، وربما كان تبرّم الناس بأحوالهم القاسية، وضيقهم الشديد من الظروف السيئة التي تكربهم، وراء الاتساع في نظم المدائح النبوية، فإذا ما أصاب القوم مصيبة، توجهوا إلى النبي الكريم، يمدحونه ويستغيثون به، مثل استغاثة النواجي في مدحة نبوية من وباء الطاعون في قوله:
وانظر لأمّتك القوم الضّعاف فقد ... عمّ البلاء وزاد الويل والحرب
من وخز طاعون جلّ، فيه كم طعنوا ... بالجرح عدلا وللأرواح قد سلبوا «٣»
بيد أن الهمّ الشخصي كان له وجود في قصائد المديح النبوي إلى جانب الهمّ الجماعي، فالشعراء كان يشيرون إلى حوادث خاصة جرت لهم، وعانوا منها، وظلت
стр. 276
تحزّ في نفوسهم، فتسللت إلى مدائحهم النبوية، لأن قصائد المديح النبوي كانت تنفيسا لما يكرب الشاعر الذي يحاول من خلالها أن يعيد لنفسه الصفاء.
فابن هتيمل طلب مساعدة رسول الله ﷺ على أعدائه، وليدرك ثأره منهم، فما فعلوه به يؤلمه ويقض مضجعه، وهو لا يستطيع أخذ حقه منهم، ولذلك مدح رسول الله ﷺ واستنجد به ليدرك ثأره، فقال:
إنّي رجوتك والأيّام قد نحلت ... عودي وأثقل ظهري حمل أوزاري
من لي ومن لبنيّ الذّاهبين على ... رغمي بقتلة مقداد وعمّار
لي أسوة في عليّ والحسين وفي ... ثأر لحمزة لم أحصل على ثار «١»
ومثل ذلك حال النواجي الذي تبرّم بأناس اعتدوا عليه، وتقوّلوا على لسانه الأقاويل، وظلوا يكيدون له، وهو صابر، لا يجد إلا مدح رسول الله ﷺ عزاء وسلوى، فيقول:
أشكو إليك أناسا قد طغوا وبغوا ... عليّ واختلفت منهم أقاويل
كم أظهروا كيد سوء فيّ واقترفوا ... ذنبا وفي كيدهم خسر وتضليل
وكم تسلّيت إذ جاؤوا بإفكهم ... وقلت صبرا ففي الأيّام تحويل «٢»
وهكذا ظهر لنا أن المدائح النبوية حملت همّ الناس، وعبّرت عن آمالهم، فكانت صورة عن عصرها، تعكس ما يجري فيه من حوادث، وما يعتمل في العقول والنفوس، ولم تكن مجرد مناجاة دينية لا تتعدى نفس قائلها.
стр. 277
الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح:
من الملاحظ في قصائد المديح النبوي، حديث الشعراء عن مديحهم للنبي الكريم، ووصفهم لهذا المديح، وذكر غايتهم منه، وغير ذلك مما يتعلق بالمديح النبوي شكلا ومضمونا، وخاصة اعترافهم جميعا بتقصيرهم في مدح سيد الخلق، وعجزهم عن الإحاطة بصفاته وخصائصه وفضائله، وهذا ما جعل كثيرا من الشعراء يتهيّبون مدح رسول الله ﷺ ، لإدراكهم أنهم عاجزون عن إيفائه حقه، أو هذا ما ذهب إليه بعض المتتبعين للمديح النبوي، فقال أحدهم: «لمّا كانت محاسن رسول الله لا تحصى، وشمائله لا تستقصى، أمسك بعض الشعراء المحبين عن المدح فيه، لعلمهم العجز والقصور عن إدراك معانيه، وأن ذلك ليس في قوة البشر، بل في قدرة خالق الورى والقدر، وبعضهم تصدّى لذلك بقدر طاقته، وصرف نحو ذلك همّته وعنايته.. حتى شحّت بذلك الدفاتر، ونفذت دون نفاذه المحابر» «١» .
لكن النبهاني الذي صنع ديوانا كبيرا للمدائح النبوية، وكانت له مشاركة كبيرة في هذا الفن الجميل الجليل، لم يأخذ بهذا الرأي، ولم يعذر الشعراء لتركهم مدح رسول الله ﷺ بحجة العجز عن إيفائه حقه، فقال: «لكن ذلك لا يمنع الشعراء من مدحه، للتقرب إلى رضاه ورضا مولاه بقدر استطاعتهم، فإن الله تعالى شرع لنا على لسان نبيه ﷺ أن نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه مع عجزنا كمال العجز عما يجب له ويليق به » «٢» .
وقد أخذ بعض الكتاب يرددون مسألة العجز عن مدح رسول الله ﷺ ، ويضيفون إليها وينقصون، فالأبشيهي يتساءل قائلا: «وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى، وأثنى عليه ... والله لو أن البحار مداد، والأشجار أقلام، وجميع
стр. 278
الخلائق كتّاب، لما استطاعوا أن يجمعوا النزر اليسير من بعض صفاته، ولكلّوا عن الإتيان ببعض بعض وصف معجزاته ﷺ » «١» .
فالأبشيهي استعار المعنى القرآني والتعبير القرآني، الذي قرّب به الله إلى أذهاننا عدد كلماته، وصرفه إلى الحديث عن فضل رسول الله ﷺ وعجز الناس عن مدحه.
ووصل ابن حجر في هذه المسألة إلى ما يشبه الفرض، وجعلها «ممّا يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا ﷺ لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق ... وأن المادحين لجنابه العلي، والواصفين لكماله الجلي لم يصلوا إلا إلى أقل من كلّ لا حدّ لنهايته، وغيض من فيض لا وصول إلى غايته» «٢» .
وإذا ترسّخت هذه القناعة في نفوس الشعراء، فكيف يكون مدحهم لرسول الله ﷺ ، وإلى أي مدى يصلون فيه، وهذا الميدان تكلّ فيه فرسان البديهة والروية؟
وقد أخذ الشعراء يضمنّون مدائحهم النبوية معاني العجز عن الوصول بمدحه إلى الكمال أو ما يقرب من الكمال. فقال الشهاب محمود في ذلك:
ماذا يقول النّاس في وصف من ... أنزل فيه الله طه ونون
الأمر فوق الوصف لكنّه ... يمدح كي يسمو به المادحون «٣»
وقال الصفي الحلي في مدحة نبوية مقتربا من المعنى القرآني:
стр. 279
ولو أنّي وفيّت وصفك حقّه ... فني الكلام وضاقت الأوزان «١»
ويرى الشهاب محمود أنه لم يعد أمام الناس ما يقولونه في مدح رسول الله ﷺ بعد أن أثنى الله تعالى عليه في كتابه العزيز، ولكن الشعراء يمدحون النبي الكريم ليسموا بهذا المديح، فقال:
بمديح رسول الله أرفع قدري ... وأرجّي بنظمه حطّ وزري
إنّ من قد أثنى الإله عليه ... لغنيّ عن كلّ نظم ونثر
وكفاه ما أنزل الله فيه ... من ثناء من الأنام وشكر
إنّما عادة المحبّين أن يغ ... روا بذكر الأحباب والحبّ يغري «٢»
فإذا ما اجتمع هذا الاعتقاد مع التّهيّب، كان الحذر الشديد في مدح رسول الله ﷺ ، وكان الإخلاص في مدحه، وكان التعبير الصادق المفعم بالإيمان والحب لرسول الله ﷺ .
بيد أن البوصيري لم يستسلم لهذه الحقيقة، وجرّد همّته لقطف بعض معاني السمو المحمدي، فقال:
وكيف تأبى جني أوصافه همم ... يروقها من قطوف العزّ تذييل
وليس يدرك أدنى وصفه بشر ... أيقطع الأرض ساع وهو مكبول
كلّ الفصاحة عيّ في مناقبه ... إذا تفكّرت والتّكثير تقليل
لو أجمع الخلق أن يحصوا محاسنه ... أعيتهم جملة منها وتفصيل «٣»
стр. 280
وكذلك الأمر في رأي ابن حجر الذي جعل التسليم بحقيقة العجز عن مدح رسول الله ﷺ من المتعين على كل مكلّف، لكنه دعا إلى مدحه والتفنّن في ذلك على الرغم من استحالة الإحاطة بأوصاف الذات المحمدية، فقال: «وصحّ لمحبيه أن ينشدوا فيه:
وعلى تفنّن واصفيه بوصفه ... يفنى الزّمان وفيه ما لم يوصف» «١»
إلّا أنّ التعبير عن التقصير في إعطاء رسول الله حقه من المديح، لم يكن كل ما تحدث به شعراء المديح النبوي عن مديحهم للنبي الكريم، بل أظهروا غايتهم من هذا المديح الذي يتلخص في طلب الغفران ورضا الله تعالى ورسوله الأمين.
فالواعظ البغدادي «٢» بعد أن أظهر عجزه عن الإحاطة بفضائل رسول الله ﷺ في مدحه، جعل هذا المدح ذخرا له يوم القيامة، فقال:
مدحتك لا أنّي بمدحك قائم ... ومن ذا بإحصاء الرّمال يقوم
مديحك ذخري ثم زادي وعدّتي ... ليوم به يجفو الحميم حميم «٣»
ولم يبعد البوصيري عن هذه الغاية في مدحه للنبي الكريم، فأفصح عنها أكثر من مرة، وقال في إحدى مدائحه النبوية:
أمدائح لي فيك أم تسبيح ... لولاك ما غفر الذّنوب مديح
حدّثت أنّ مدائحي في المصطفى ... كفّارة لي والحديث صحيح «٤»
وعبّر النواجي عن ولعه بمديح رسول الله ﷺ الذي ملك عليه نفسه، ومنحه الطمأنينة بالمغفرة والإثابة، فقال:
стр. 281
وصنت عن الخليقة حرّ وجه ... بهم ما زال في تعب وعتب
ليصفو بامتداح علاكك عيشي ... ومن جدوى يديك يطيب كسبي
وأنقل في الثّرى من ضيق لحد ... لقصر في ذرا الجنّات رحب
فنيت فليس فيّ سوى لسان ... بذكرك يا جميل الذّكر رطب «١»
فالشعراء أبدوا كلفهم بالمديح النبوي، وارتياحهم لنظمه، فوصفوه وصفا ماديا ومعنويا، أظهر تعلقهم بذكر رسول الله ﷺ .
فالبوصيري خاطب نفسه، وحبّذ لها مدح النبي ﷺ ، لأن مدحه مسك للروح، وعبير للسامع، وهو في ذلك يظهر أثر المدائح النبوية على الناظم والسامع، فقال:
يا نفس دونك مدح أحمد إنّه ... مسك تمسّك ريحه والرّيح
ونصيبك الأوفى من الذّكر الذي ... منه العبير لسامعيه يفوح «٢»
وإذا انتشى البوصيري من عبق طيب المديح النبوي، فإن غيره قد ثملوا وسكروا بهذا المديح، وليس السكر الذي يعرفه طلاب الملذات، وإنما هو السكر الذي تحدث عنه المتصوفة، السكر بحب الله تعالى ورسوله، والذي تحدث عنه الواعظ البغدادي في قوله:
ثملنا سكرنا من مديح محمّد ... أعده علينا فالمسّرات تحدث «٣»
وأوضح الحلّي ما تتركه المدائح النبوية في نفوس السامعين، فقال في إحدى مدائحه النبوية:
стр. 282
يروي غليل السّامعين قطارها ... ويجلو عيون النّاظرين قطورها
هي الرّاح لكن بالمسامع رشفها ... على أنّه نفنى ويبقى سرورها «١»
وإذا كان المديح النبوي يفتح باب الأمل أمام أصحابه بالمغفرة والرضوان، وإذا ملك عليهم أنفسهم، فانتشت به أرواحهم، فلا أقل من أن يعبّر الشعراء عن تمسكهم بالمديح النبوي، واستمرارهم في نظمه. وهذا ما أوضحه الصرصري في قوله:
أرى نظم شعري في مديحك قربة ... فلست له ما اسطعت عمري بتارك «٢»
وإذا أكد الصرصري أنه لن يترك مدح النبي مادام حيا، فإن ابن العطار جعل المديح النبوي مذهبا له، لا يحيد عنه، فقال:
صيّرت أمداح النّبيّ المصطفى ... لي مذهبا يا نعم هذا المذهب
وبمدحه شمس الرّضا طلعت على ... أفقي تضيء ونورها لا يغرب «٣»
ووصل كلف النواجي بالمديح النبوي، ومداومته على نظمه إلى الحد الذي لقّب فيه بمدّاح النبي، فاغتبط بهذا اللقب وقال:
سمّيت باسمك والمدّاح لي لقب ... يا حبّذا الاسم أو يا حبّذا اللّقب «٤»
فشعراء المديح النبوي تحدثوا في مدائحهم عن رؤيتهم للمديح النبوي وكلفهم به، فأوضحوا نظرتهم ونظرة معاصريهم إلي هذا الفن الجميل الجليل، والمشاعر التي يثيرها عند الناس، فأغنوا بذلك عن الاستنتاج والتخمين.
стр. 283
القسم الرابع- المعاني:
إن المعاني التي ترد في الشعر العربي مستقاة من البيئة العربية والمجتمع العربي، ومن ثقافة الشاعر التي تمدّه بمعان تكثر وتقلّ حسب اتساع هذه الثقافة.
والشعراء يتابع بعضهم بعضا في ذكر المعاني التي يشكّلون منها مواضيع قصائدهم، ويتفاوتون في مقدرتهم على إبداع المعاني الجديدة، بتفاوت مواهبهم، وقد اشتهر شعراء كثيرون بمقدرتهم على إبداع المعاني وتوليدها، فقلما نجد شاعرا لم يبدع معنى من المعاني على نحو ما.
وإذا لم يتسنّ للشاعر معنى جديد، فإنه يضع المعنى القديم أو المعروف في قالب جديد، يبدو معه جديدا كل الجدة، أو يعمل عقله في المعنى القديم، ليخرج منه معنى جديدا، عن طريق نقل المعنى من موضوع إلى موضوع، أو عكسه أو الاجتزاء منه أو الاتساع به، أو غير ذلك من التغييرات التي يبدو معها المعنى جديدا.
ومعاني المديح النبوي موزعة على المقدمة وتنوعها، ومديح رسول الله ﷺ بمعان مختلفة المصادر، ومعاني الموضوعات الآخرى التي تضاف إلى المدحة النبوية.
وعند حديثنا عن المديح النبوي في عصر رسول الله ﷺ ، تبيّن لنا أن الشعراء في البداية لم يستطيعوا الاتساع في الحديث عن مفهوم النبوة في شعرهم، فمدحوا رسول الله ﷺ بالمعاني التقليدية التي درجوا على استخدامها في مدح سادتهم، وكانت المعاني التقليدية غالبة على هذا المديح، على الرغم من ظهور الأثر الديني في هذا المديح، واستخدام الشعراء لمعان دينية مقتبسة من المفاهيم الدينية والقرآن الكريم.
وقد تابع شعراء المديح النبوي غيرهم في استخدام المعاني التقليدية في التعبير عن موضوعات مدائحهم النبوية، وخاصة في المقدمة التقليدية التي مهّدوا بها لمدح رسول
стр. 284
الله ﷺ ، وعند الذين وقفوا على الأطلال فيها مجاراة لشعراء رسول الله ﷺ ، الذين ذكروا الأطلال في مقدمات قصائدهم التي مدحوه بها.
فالصرصري افتتح إحدى مدائحه النبوية قائلا:
لمن دمن بالرّقمتين أراها ... محارسمها طول البلى وعفاها
تحمّل عنها كلّ أغيد آنس ... ولم يبق إلّا عفرها ومهاها
فأضحت قواء بعد طول غنائها ... ينعّم فيها ريمها وطلاها «١»
فالطلول التي عفا الزمان على معالمها، معنى قديم تعاوره الشعراء، وإسكان المها الأطلال معنى تقليدي كذلك.
وتمسّك كثير من شعراء المدائح النبوية بهذه السّنة التقليدية في افتتاح قصائدهم، فوصفوا الأطلال مثل وصف الشعراء السابقين لها، وبالمعاني نفسها دون أن يضيفوا إلى معاني المقدمة المعروفة معنى جديدا، إلا أنهم انتقلوا نقلة واحدة من وصف الطلل وذكر منازل المحبوبة إلى ذكر الأماكن المقدسة، والتشوق إليها، وقد مرّت معنا أمثلة كثيرة على ذكر المقدسات وتعدادها بالطريقة نفسها التي ذكر فيها القدماء الأطلال، مثل قول البوصيري:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبّت الرّيح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظّلماء من إضم «٢»
وحين ذكر الشعراء الرحلة، ووصفوا الراحلة، لم يخرجوا في قسم كبير من وصفهم عن المعاني التقليدية التي تقال عادة في الحديث عن الرحلة والراحلة، إلا أنهم
стр. 285
في أحيان كثيرة أضافوا إلى المعاني التقليدية في وصف الرحلة والراحلة معاني الشوق والحنين إلى الأماكن المقدسة، والوجد والحب لرسول الله ﷺ ، ومثال ذلك قول البوصيري:
سارت العيس يرجعن الحنينا ... ويجاذبن من الشّوق البرينا
داميات من حفى أخفافها ... تقطع البيد سهولا وحزونا
وعلى طول طواها حرمت ... عشبها المخضّر والماء المعينا
كلّما جدّ بها الوجد إلى ... غاية لم تدرها إلّا ظنونا «١»
فشعراء المديح النبوي استخدموا المعاني التقليدية التي تواضع عليها الشعراء الذين سبقوهم، فلو استقصينا كتابا في المعاني مثل كتاب محاضرات الأدباء، الذي حاول مؤلفه تتبع معاني الشعر العربي والتمثيل لها، وتمعّنا في معاني المديح والغزل وذكر الأطلال ووصف الرحلة، ووصف المعارك، والحديث عن النفس والتوبة، لرأينا أن هذه المعاني لم تكن جديدة في شعر المديح النبوي، وأن شعراء المدائح النبوية لم يخترعوها أو يوجدوها من العدم، وإنما هي مستقاة مما قيل عن هذه المعاني في التراث الأدبي العربي، وكل ما فعله شعراء المديح النبوي، هو أنهم نقلوا هذه المعاني من موضوع إلى موضوع، وسموا بها إلى المقام النبوي الشريف، وأعادوا صياغتها وطريقة استخدامها، وأضافوا إليها إضافات بسيطة، لوّنوها بها، فظهرت جديدة نوعا ما، إلى جانب ما استقوه من السيرة والحديث الشريف، ومتابعة بعضهم بعضا.
لقد لاحظ أدباء العصر المملوكي صعوبة الابتداع، لأنهم وجدوا أنهم مسبوقون إلى المعاني، لكن ذلك لم يدفعهم إلى اليأس، ففي المقدمة الغزلية للمدحة النبوية، نجد شعراء يذكرون معاني اعتاد سابقوهم ذكرها في مقدمات قصائدهم المدحية، أو في