وصنت عن الخليقة حرّ وجه ... بهم ما زال في تعب وعتب
ليصفو بامتداح علاكك عيشي ... ومن جدوى يديك يطيب كسبي
وأنقل في الثّرى من ضيق لحد ... لقصر في ذرا الجنّات رحب
فنيت فليس فيّ سوى لسان ... بذكرك يا جميل الذّكر رطب «١»
فالشعراء أبدوا كلفهم بالمديح النبوي، وارتياحهم لنظمه، فوصفوه وصفا ماديا ومعنويا، أظهر تعلقهم بذكر رسول الله ﷺ .
فالبوصيري خاطب نفسه، وحبّذ لها مدح النبي ﷺ ، لأن مدحه مسك للروح، وعبير للسامع، وهو في ذلك يظهر أثر المدائح النبوية على الناظم والسامع، فقال:
يا نفس دونك مدح أحمد إنّه ... مسك تمسّك ريحه والرّيح
ونصيبك الأوفى من الذّكر الذي ... منه العبير لسامعيه يفوح «٢»
وإذا انتشى البوصيري من عبق طيب المديح النبوي، فإن غيره قد ثملوا وسكروا بهذا المديح، وليس السكر الذي يعرفه طلاب الملذات، وإنما هو السكر الذي تحدث عنه المتصوفة، السكر بحب الله تعالى ورسوله، والذي تحدث عنه الواعظ البغدادي في قوله:
ثملنا سكرنا من مديح محمّد ... أعده علينا فالمسّرات تحدث «٣»
وأوضح الحلّي ما تتركه المدائح النبوية في نفوس السامعين، فقال في إحدى مدائحه النبوية:
стр. 282
يروي غليل السّامعين قطارها ... ويجلو عيون النّاظرين قطورها
هي الرّاح لكن بالمسامع رشفها ... على أنّه نفنى ويبقى سرورها «١»
وإذا كان المديح النبوي يفتح باب الأمل أمام أصحابه بالمغفرة والرضوان، وإذا ملك عليهم أنفسهم، فانتشت به أرواحهم، فلا أقل من أن يعبّر الشعراء عن تمسكهم بالمديح النبوي، واستمرارهم في نظمه. وهذا ما أوضحه الصرصري في قوله:
أرى نظم شعري في مديحك قربة ... فلست له ما اسطعت عمري بتارك «٢»
وإذا أكد الصرصري أنه لن يترك مدح النبي مادام حيا، فإن ابن العطار جعل المديح النبوي مذهبا له، لا يحيد عنه، فقال:
صيّرت أمداح النّبيّ المصطفى ... لي مذهبا يا نعم هذا المذهب
وبمدحه شمس الرّضا طلعت على ... أفقي تضيء ونورها لا يغرب «٣»
ووصل كلف النواجي بالمديح النبوي، ومداومته على نظمه إلى الحد الذي لقّب فيه بمدّاح النبي، فاغتبط بهذا اللقب وقال:
سمّيت باسمك والمدّاح لي لقب ... يا حبّذا الاسم أو يا حبّذا اللّقب «٤»
فشعراء المديح النبوي تحدثوا في مدائحهم عن رؤيتهم للمديح النبوي وكلفهم به، فأوضحوا نظرتهم ونظرة معاصريهم إلي هذا الفن الجميل الجليل، والمشاعر التي يثيرها عند الناس، فأغنوا بذلك عن الاستنتاج والتخمين.
стр. 283
القسم الرابع- المعاني:
إن المعاني التي ترد في الشعر العربي مستقاة من البيئة العربية والمجتمع العربي، ومن ثقافة الشاعر التي تمدّه بمعان تكثر وتقلّ حسب اتساع هذه الثقافة.
والشعراء يتابع بعضهم بعضا في ذكر المعاني التي يشكّلون منها مواضيع قصائدهم، ويتفاوتون في مقدرتهم على إبداع المعاني الجديدة، بتفاوت مواهبهم، وقد اشتهر شعراء كثيرون بمقدرتهم على إبداع المعاني وتوليدها، فقلما نجد شاعرا لم يبدع معنى من المعاني على نحو ما.
وإذا لم يتسنّ للشاعر معنى جديد، فإنه يضع المعنى القديم أو المعروف في قالب جديد، يبدو معه جديدا كل الجدة، أو يعمل عقله في المعنى القديم، ليخرج منه معنى جديدا، عن طريق نقل المعنى من موضوع إلى موضوع، أو عكسه أو الاجتزاء منه أو الاتساع به، أو غير ذلك من التغييرات التي يبدو معها المعنى جديدا.
ومعاني المديح النبوي موزعة على المقدمة وتنوعها، ومديح رسول الله ﷺ بمعان مختلفة المصادر، ومعاني الموضوعات الآخرى التي تضاف إلى المدحة النبوية.
وعند حديثنا عن المديح النبوي في عصر رسول الله ﷺ ، تبيّن لنا أن الشعراء في البداية لم يستطيعوا الاتساع في الحديث عن مفهوم النبوة في شعرهم، فمدحوا رسول الله ﷺ بالمعاني التقليدية التي درجوا على استخدامها في مدح سادتهم، وكانت المعاني التقليدية غالبة على هذا المديح، على الرغم من ظهور الأثر الديني في هذا المديح، واستخدام الشعراء لمعان دينية مقتبسة من المفاهيم الدينية والقرآن الكريم.
وقد تابع شعراء المديح النبوي غيرهم في استخدام المعاني التقليدية في التعبير عن موضوعات مدائحهم النبوية، وخاصة في المقدمة التقليدية التي مهّدوا بها لمدح رسول
стр. 284
الله ﷺ ، وعند الذين وقفوا على الأطلال فيها مجاراة لشعراء رسول الله ﷺ ، الذين ذكروا الأطلال في مقدمات قصائدهم التي مدحوه بها.
فالصرصري افتتح إحدى مدائحه النبوية قائلا:
لمن دمن بالرّقمتين أراها ... محارسمها طول البلى وعفاها
تحمّل عنها كلّ أغيد آنس ... ولم يبق إلّا عفرها ومهاها
فأضحت قواء بعد طول غنائها ... ينعّم فيها ريمها وطلاها «١»
فالطلول التي عفا الزمان على معالمها، معنى قديم تعاوره الشعراء، وإسكان المها الأطلال معنى تقليدي كذلك.
وتمسّك كثير من شعراء المدائح النبوية بهذه السّنة التقليدية في افتتاح قصائدهم، فوصفوا الأطلال مثل وصف الشعراء السابقين لها، وبالمعاني نفسها دون أن يضيفوا إلى معاني المقدمة المعروفة معنى جديدا، إلا أنهم انتقلوا نقلة واحدة من وصف الطلل وذكر منازل المحبوبة إلى ذكر الأماكن المقدسة، والتشوق إليها، وقد مرّت معنا أمثلة كثيرة على ذكر المقدسات وتعدادها بالطريقة نفسها التي ذكر فيها القدماء الأطلال، مثل قول البوصيري:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبّت الرّيح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظّلماء من إضم «٢»
وحين ذكر الشعراء الرحلة، ووصفوا الراحلة، لم يخرجوا في قسم كبير من وصفهم عن المعاني التقليدية التي تقال عادة في الحديث عن الرحلة والراحلة، إلا أنهم
стр. 285
في أحيان كثيرة أضافوا إلى المعاني التقليدية في وصف الرحلة والراحلة معاني الشوق والحنين إلى الأماكن المقدسة، والوجد والحب لرسول الله ﷺ ، ومثال ذلك قول البوصيري:
سارت العيس يرجعن الحنينا ... ويجاذبن من الشّوق البرينا
داميات من حفى أخفافها ... تقطع البيد سهولا وحزونا
وعلى طول طواها حرمت ... عشبها المخضّر والماء المعينا
كلّما جدّ بها الوجد إلى ... غاية لم تدرها إلّا ظنونا «١»
فشعراء المديح النبوي استخدموا المعاني التقليدية التي تواضع عليها الشعراء الذين سبقوهم، فلو استقصينا كتابا في المعاني مثل كتاب محاضرات الأدباء، الذي حاول مؤلفه تتبع معاني الشعر العربي والتمثيل لها، وتمعّنا في معاني المديح والغزل وذكر الأطلال ووصف الرحلة، ووصف المعارك، والحديث عن النفس والتوبة، لرأينا أن هذه المعاني لم تكن جديدة في شعر المديح النبوي، وأن شعراء المدائح النبوية لم يخترعوها أو يوجدوها من العدم، وإنما هي مستقاة مما قيل عن هذه المعاني في التراث الأدبي العربي، وكل ما فعله شعراء المديح النبوي، هو أنهم نقلوا هذه المعاني من موضوع إلى موضوع، وسموا بها إلى المقام النبوي الشريف، وأعادوا صياغتها وطريقة استخدامها، وأضافوا إليها إضافات بسيطة، لوّنوها بها، فظهرت جديدة نوعا ما، إلى جانب ما استقوه من السيرة والحديث الشريف، ومتابعة بعضهم بعضا.
لقد لاحظ أدباء العصر المملوكي صعوبة الابتداع، لأنهم وجدوا أنهم مسبوقون إلى المعاني، لكن ذلك لم يدفعهم إلى اليأس، ففي المقدمة الغزلية للمدحة النبوية، نجد شعراء يذكرون معاني اعتاد سابقوهم ذكرها في مقدمات قصائدهم المدحية، أو في
стр. 286
قصائد الغزل الخالص، مثل معاني الاستسقاء لماضي الزمان، والتلهف على أحوال سالفة، فقول ابن نباتة:
سقى الله أكناف الغضا سائل الحيا ... وإن كنت أسقى أدمعا تتحدّر
وعيشا نضا عنه الزّمان بياضه ... وخلّفه في الرّأس يزهو ويزهر «١»
يذكرنا بقول الشاعر:
سقى الله أياما لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهنّ طلوع
إذ العيش صاف والأحبّة جيرة ... جميع وإذ كلّ الزّمان ربيع «٢»
ولو تتبعنا المعاني التي استقاها شعراء المديح النبوي من الشعر العربي القديم، لأعجزنا ذلك، فلا توجد مدحة نبوية إلا وفيها معنى من معاني الشعراء السابقين، وربما تجاوز الشاعر المعنى إلى التعبير الأصلي، أو ما يقرب من التعبير الأصلي، فنتذكر المعنى وصاحبه، فابن سيد الناس «٣» قال في مدحة نبوية:
لو لم أر الموت عذبا في الغرام بكم ... ما شاقني لحسام البرق تقبيل «٤»
فما نكاد نتم البيت الأول حتى يقفز إلى ذاكرتنا معنى عنترة بن شداد، حين يخاطب محبوبته بقوله:
ووددت تقبيل السّيوف لأنّها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم «٥»
ومثل هذا كثير في المدائح النبوية، يفيد مادحو النبي من معاني القدماء، وينقلونها
стр. 287
من موضوعها الأصلي إلى المديح النبوي، فابن حجر يقول في مدحة نبوية:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بمكّة أشفي ذا الفؤاد المفنّدا «١»
ولا شك في أنه حينما نظم هذا البيت كان يتذكر البيت المشهور لمالك بن الريب:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلوص النّواجيا «٢»
وقول النواجي في مدحة نبوية:
وتلدغ قلبي بالملام كأنّها ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع «٣»
مأخوذ شطره الثاني من قول النابغة:
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع «٤»
أما ابن نباتة الشاعر الكاتب، فإنه قد أفاد من التراث العربي في مجمله، فإذا ما قرأنا بيته التالي من مدحة نبوية:
وينكرني ليلي وما خلت أنّه ... إذا وضع المرء العمامة ينكر «٥»
نستذكر خطبة الحجاج، والبيت الذي استشهد به في خطبته، وهو بيت سحيم بن وثيل «٦» :
стр. 288
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «١»
فاتسع بعض شعراء المديح النبوي في أخذ المعاني من الشعر القديم، ووضعها في سياق المدحة النبوية، مع المحافظة على التعبير الأصلي، أو تغيير ترتيب الجمل.
والطريف من المدائح النبوية في هذا الباب، ما نظمه بعض شعراء المديح النبوي، حين شطروا قصائد قديمة مشهورة، مثل قصائد امرئ القيس، ومنها مدحة نبوية لحازم القرطاجني «٢» ، أخذ فيها معلقة امرئ القيس، وشطرها، فجعل كل بيت من القصيدة يحوي شطرا من أبيات قصيدة امرئ القيس، على هذا النحو:
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلا ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل «٣»
وتمضي مدحته النبوية على هذا النحو، يجهد الشاعر عقله في الملاءمة بين المعنى القديم وما يمكن أن يصير إليه عند إتمامه وتضمينه ونقله إلى المديح النبوي، فصرف المعاني القديمة الوصفية والغزلية في قصيدة امرئ القيس يحتاج إلى مقدرة وصناعة وحذق وتفكير أكثر من الشاعرية.
وزيادة على التظارف وإظهار المقدرة الفنية والعقلية، اتكأ الشعراء هنا على الشعر القديم، فأخذوا منه المعنى والوزن والقافية.
وقد عد أدباء ذلك العصر هذه الطريقة في نظم المدائح النبوية من دواعي بروز الشاعر، واشتهاره بالمقدرة على المواءمة، لذلك أظهر ابن حجة الحموي في خزانته
стр. 289
إعجابه الكبير بما فعله ابن الوردي حين مدح رسول الله ﷺ بقصيدة، ضمّن فيها أعجاز قصيدة أبي العلاء المعري وبعض صدورها، وهي القصيدة الرائية التي مدح بها أبو العلاء أحد فضلاء عصره، ونقلها ابن الوردي «١» إلى مستحقها ﷺ ، فمطلع قصيدة المعري:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السّمر ... لعلّ بالجزع أعوانا على السّهر
فقال زين الدين:
وقف على الجزع واذكرني لساكنه ... لعلّ بالجزع أعوانا على السّهر
إذا تبسّم ليلا قل لمبسمه ... يا ساهر البرق أيقظ راقد السّمر
وقال أبو العلاء:
يودّ أنّ ظلام اللّيل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر
نقله زين الدين إلى المديح، فقال:
تشرّف الرّكن إذ قبّلت أسوده ... وزيد فيه سواد القلب والبصر «٢»
وتمضي القصيدة على هذا النحو، يتبع فيها ابن الوردي أبا العلاء بيتا بيتا، وينقل معانيها إلى المدح النبوي.
وقد أولع شعراء المديح النبوي بهذه الطريقة في إنشاء مدائحهم، فأكثروا منها، وخاصة في أواخر العصر المملوكي.
стр. 290
فمثلما رأى ابن حجة في قصيدة المعري أن معانيها تستحق أن تقال في رسول الله ﷺ ، رأى صاحب سكردان السلطان ذلك حين قال:
كان ﷺ في الفخر والعلا أحق بقول أبي العلاء:
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل «١»
وإذا كان شعراء المديح النبوي قد أخذوا بعض معانيهم من الشعر العربي القديم، ونقلوا هذه المعاني إلى المديح النبوي، فمن الأولى أن يأخذوا معانيهم من قصائد المديح النبوي السابقة والمشهورة، وخاصة أنهم يكررون المعاني نفسها، أو أن يأخذوا بعض معانيهم من قصائد قريبة في موضوعها من المديح النبوي، مثل قصائد التصوف أو التشوق للمقدسات، وهذا ما فعلته عائشة الباعونية حين نظمت إحدى مدائحها النبوية معارضة لقصيدة في التصوف لابن الفارض، وهي اليائية، فأخذت بعض معانيها، وقالت:
سعد إن جئت ثنيّات اللّوى ... حيّ عنّي الحيّ من آل لؤي
واجر ذكري وإذا صفوا له ... صف لهم ما قد جرى من مقلتي
ذبت حتّى كاد شخصي يختفي ... عن جليسي فكأنّي رسم في «٢»
وقد أخذ شعراء المدائح النبوية يعارض بعضهم بعضا، ويأخذون معاني بعضهم، وخاصة معاني القصائد المشهورة، مثل بردة كعب بن زهير، التي عارضها البوصيري في قصيدته التي سمّاها (ذخر المعاد في وزن بانت سعاد) ، صرّح فيها بمعارضته لكعب، وقارن بين قصيدته وقصيدة كعب، فقال:
стр. 291
لم أنتحلها ولم أغصب معانيها ... وغير مدحك مغصوب ومنحول
وما على قول كعب إن توازنه ... فربّما وازن الدّرّ المثاقيل «١»
فالبوصيري تحدث عن أخذ المعاني من القصيدة المعارضة، ونفى أن يكون هذا الأخذ نوعا من الغصب والسرقة، وخاصة في مدح رسول الله ﷺ ، فشعراء المدائح النبوية تعاوروا معاني محددة في جميع قصائدهم، فممدوحهم واحد ونظرتهم إليه واحدة، وتفاضلهم يكون في مقدرتهم على توليد معان جديدة من المعاني المعروفة، وعلى استخدام هذه المعاني استخداما جديدا متفردا يزيدها عمقا ويمنحها دلالات جديدة وإيحاآت مؤثرة.
وعارض الشرف الأنصاري لامية كعب، فقال:
أو همت نصحا (لو أنّ النّصح مقبول ... لا ألهينّك إنّي عنكك مشغول)
بان التّجلّد عنّي والتّصبّر مذ ... (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)
تيّاهة آثرت صدّا لمغرمها ... (متيّم إثرها لم يفد مكبول) «٢»
فمعارضة الشرف الأنصاري هي تشطير لقصيدة كعب (بانت سعاد) ، جعل الشطر الأول من نظمه، ولاءم بينه وبين الشطر الثاني الذي اختاره من قصيدة كعب، فأخذ جلّ معاني قصيدة كعب.
وجاء بعد ذلك ابن مليك الحموي، فعارض قصيدتي كعب والبوصيري، فأخذ معاني من هذه، ومعاني من تلك، وقال:
لا تحسبوا طرفه بالنّوم مكتحلا ... ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول
стр. 292
يا صاح دعني من ذكر الحبيب ومن ... بانت سعاد فقلبي اليوم متبول «١»
وهكذا تعاور شعراء المديح النبوي معانيهم ومعاني الشعراء الذين سبقوهم، مثل أخذ ابن نباتة عن كعب بن زهير وابن سينا في قوله:
بانت سعاد فليت يوم رحيلها ... فسح اللّقا فلثمت كعب مودّعي
بعد الحواميم التي بثنائها ... هبطت إليك من المحلّ الأرفع «٢»
وإذا دققنا في معاني شعراء المديح النبوي، وأرجعناها إلى أصولها في الشعر العربي، نرى أن مدّاح رسول الله ﷺ قد استقوا معاني كثيرة، يصعب حصرها، فإذا ما تذكرنا مطلع بردة البوصيري التي أضحت مثل اللازمة عند شعراء المديح النبوي المتأخرين، وهو:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «٣»
نجد شبيها لهذا المعنى أو أصلا له في قول الشاعر المتقدم:
مزجت دموع العين من ... ني يوم بانوا بالدّما
وكأنّما مزجت بخد ... دي مقلتي خمرا بما «٤»
أو في قول أبي علي النهرواني المتوفي سنة (٥٢٥ هـ) :
قل لجيران بذي سلم ... لم تسامحتم بسفك دمي «٥»
стр. 293
إن أخذ شعراء المدائح النبوية للمعاني من الشعر العربي لا يقلل من مقدرة شعراء المدائح النبوية، ولا يقدح في موهبتهم وثقافتهم، فهذه سنّة الشعر والأدب عند كل أمة، يا بني الجديد علي القديم، ويضيف إليه معاني جديدة، والمعاني التقليدية أو التي استعارها شعراء المدائح النبوية من الشعر العربي ليست معاني المديح النبوي كلها، بل هي نسبة ضئيلة من معاني المدح النبوي التي أخذها مدّاح النبي من سيرته العطرة، وحديثه الشريف، وقبل كل ذلك من القرآن الكريم. فنجد المعنى القرآني بالتعبير القرآني يزين قصائد المديح النبوي، ويعطر موضوعاتها، فالصرصري مثلا يفتتح إحدى مدائحه النبوية قائلا:
سبحان من رفع السّماوات العلا ... سبعا وزان السّقف بالأبراج
وأطاح بالقمر المنير ظلامها ... وأضاءها بسراجها الوهّاج
وبأمره البحران يلتقيان لا ... يبغي على عذب مرور أجاج
والفلك سخّرها لمنفعة الورى ... فجرين فوق المزبد العجّاج «١»
ومضى الصرصري في تسبيحه، وكأنه ينظم المعاني القرآنية، حتى إذا وصل إلى المديح النّبوي ظل يقتبس المعاني القرآنية، ويمزجها بالمعاني المستقاة من السيرة الكريمة، فقال:
وهو المسمّى في القران بشاهد ... وبمنذر ومبشّر وسراج
أسرى من البيت الحرام به إلى ... أقصى مساجده بليل داج «٢»
стр. 294
أما المعاني المقتبسة من السيرة النبوية، فكثيرة جدا، لم يترك شعراء المدائح النبوية معنى من معانيها دون أن يذكروه في قصائدهم، وخاصة أن كتّاب السيرة النبوية، والخصائص والدلائل، بذلوا جهودا كبيرة في تسجيل كل صغيرة وكبيرة عن حياة رسول الله ﷺ ، وكل ما يتعلق بها من أحداث ومواقف ومعجزات، وكل ما نطق به أو فعله.
وقد مرّت معنا أمثلة كثيرة على ذلك حين تحدثنا عن مضمون المدحة النبوية.
وربما أفاد الشعراء من معاني مصطلحات العلوم، فعبروا بها عن مواضيع المديح النبوي، مثل قول ابن نباتة:
كأنّ الحبّ دائرة بقلبي ... فحيث الانتهاء الابتداء
لنا سند من الرّجوى لديه ... غداة غد يعنعنه الوفاء «١»
إلا أن استقاء شاعر المديح النبوي للمعاني من سابقيه، لا يعني أن الأمر مسلم به كليا، فمن الصعوبة بمكان أن نحكم على أخذ اللاحق من السابق، فربما كان الأمر من قبيل توارد الخواطر، ووقع الحافر على الحافر- كما يقولون-، وقد شعر ابن حجة بصعوبة الجزم في التسليم لشاعر بأنه مبتدع أحد المعاني، فقال: «كان عنّ لي أن أورد هنا من سلامة الاختراع للمتقدمين والمتأخرين جملة مستكثرة، ولم يصدني عن ذلك إلا الخيفة ممّن تبحّر عليّ في المطالعة، فيورد ما أثبت من المعنى المخترع لزيد أنه مسبوق إليه من عمرو» «٢» .
ولم تكن كل المعاني التي جاء بها الشعراء في المديح النبوي، معاني تقليدية أو قديمة أو أنها غير مبدعة، بل إن شعراء المديح النبوي أبدعوا في مدح رسول الله ﷺ ووصفه ومناجاته، والتعبير عن حبهم له، معاني كثيرة، ولكن يصعب أن تظهر لنا هذه المعاني
стр. 295
البديعة في هذا الكم الهائل من شعر المديح النبوي، وإلا بعد أن ترتب جميع المدائح النبوية ترتيبا زمنيا، ليتضح متى ظهر هذا المعنى أو ذاك أوّل مرة، ومن الذي ابتدعه، فمعاني المديح النبوي سرعان ما تنتشر بين مدّاح النبي ﷺ في مشرق الأقطار العربية الإسلامية ومغربها.
واستطاع بعض شعراء المديح النبوي أن يولّدوا من المعاني القديمة التقليدية معاني تكاد تكون بديعة جديدة، بفضل تطور استخدامها عبر الزمن، وبفضل الألوان التعبيرية المستجدة، فمن المقدمة الغزلية لقصيدة المدح التقليدية إلى الغزل الرمزي عند المتصوفة، الذي يخرج بالغزل المعروف عند الشعراء العرب عن آفاقه المعهودة ومراميه المعروفة، إلى الغزل الذي أضحى مقدمة للمدحة النبوية بشروط تواضع عليها شعراء المديح النبوي، نجد بعض المعاني التي جمعت بين التعبير الغزلي، ومضمون التشوق الديني للأماكن المقدسة، مثل التغزل بالكعبة المشرفة، فإن شعراء المدائح النبوية استطاعوا أن يجمعوا في الحديث عنها بين التعابير الرقيقة التي اعتاد عليها الشعراء، وبين مشاعر الشوق والحنين والتقديس لها برمزية شفافة، فجاءت المعاني بإيحاآت الألفاظ التي تعبّر عنها طريفة، فيها شيء من الجدّة، كقول ابن الزملكاني في مخاطبة الكعبة:
أهواك يا ربّة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك «١»
وقول العزازي «٢» :
دمي بأطلال ذات الخال مطلول ... وجيش صبري مهزوم ومفلول «٣»
فرّبة الأستار هي الكعبة التي تتسابق الأقطار الإسلامية إلى صنع كسوتها وأستارها، وهي نفسها ذات الخال، وهو الحجر الأسود الذي يسعى المسلمون إلى لمسه وتقبيله والتبرّك به.
стр. 296
فالشعراء استطاعوا اقتناص هذه الصفات والإفادة منها في تشكيل معان بديعة.
ويقرب من هذا ما نجده في حديث شعراء المدائح النبوية عن الرحلة إلى الحجاز، فإنهم تابعوا سابقيهم في وصف الرحلة، وفي إضفاء المشاعر الإنسانية على رواحلهم، ولكنهم استطاعوا أن يضيفوا إلى ذلك مشاعر التقوى واللهفة، ونسبها إلى هذه الرواحل، وأن يشملوها بالمشاعر الدينية التي تغلب على الراحلين إلى الحجاز.
وظلت المشاعر الدينية تحيط بكل ما يقوله شعراء المدائح النبوية في مقدماتهم، وحتى عند ما وصفوا الطبيعة تمهيدا للمدح، لم يجدوا فيها ما يبهج النفس فقط، بل جعلوها مظاهر لقدرة الله تعالى، وأنطقوها بشكره وتسبيحه، مثل قول الصرصري:
والورق تهتف في الأوراق شاكرة ... إحسان مبتدئ بالفضل مشكور «١»
وعلى الرغم من أن شعراء المديح النبوي استخدموا المعاني التقليدية في المديح، إلا أن نسبها إلى الرسول الكريم أخرجها عن تقليديتها، واستطاع الشعراء المثقفون ثقافة دينية كبيرة أن يولّدوا من المعاني التقليدية معاني جديدة، لها صبغة دينية، فجاءت بديعة جديدة، فكم أثنى الشعراء على أخلاق ممدوحيهم، ولكن لم يخطر على بال أحدهم أن يتحدث عن مصادر أخلاق الممدوح، وأن يميّز بين هذه المصادر، مثلما فعل البوصيري في الثناء على أخلاق رسول الله ﷺ حين قال:
خلائقه مواهب دون كسب ... وشتّان المواهب والكسوب «٢»
وحين أثنى البوصيري على تقوى رسول الله ﷺ ، واجتهاده في عبادته، عبّر عن ذلك بمعنى بديع يقرب من الجدة، ضربه مضرب المثل، فقال:
стр. 297
وإذا حلّت الهداية قلبا ... نشطت في العبادة الأعضاء «١»
واستطاع البوصيري أيضا أن يخرج بمعان جديدة من حديثه عن المعجزات، حين قارن بين المكاذبين لرسالته الغراء، وموقف الحيوان والجماد، الذي أظهر المعجز في سيرة رسول الله ﷺ ، في قوله:
والجمادات أفصحت بالذي أخ ... رس عنه لأحمد الفصحاء
ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ... ألفته ضبابها والظّباء
وسلوه وحنّ جذع إليه ... وقلوه وودّه الغرباء
أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء «٢»
فالمعجزات التي نقلها شعراء المديح النبوي نقلا إلى قصائدهم، ونظموها نظما، فجارت على شعرهم وأفقدته رواءه، أوحت للبوصيري بمعان جديدة متميزة، أظهرت مقدرته الفائقة على الملاحظة الدقيقة، واقتناص المعاني الجديدة، وتوليدها.
ولا يفوتنا هنا ما أضافه المتصوفة من معان جديدة وغريبة إلى المدائح النبوية، والمتأتية من مذهبهم، ومن طريقتهم في التعبير، والتي تقوم على الرمز والاستبطان، والتعبير عن معان غامضة بتعابير لها معان ظاهرة، يريد الشاعر أن يصرف المتلقي عن المعاني الظاهرة إلى المعاني المستترة وراء الكلمات ووراء العلاقات فيما بينها.
وأكثر ما يظهر ذلك في معاني الحقيقة المحمدية، التي لم تكن معروفة بين الشعراء في المراحل الأولى من المديح النبوي، والتي استجدت في العصر المملوكي أو قبيله بقليل، فتناولها الشعراء بطرق مختلفة، ومن وجوهها الكثيرة، منها مسألة المفاضلة بين
стр. 298
الأنبياء- ﵈ وتفضيل رسول الله ﷺ عليهم جميعا، فرسول الله ﷺ هو أوّل الأنبياء، وهو الحقيقة الثابتة المستمرة التي تتجسد في كل عصر بنبي من الأنبياء، فهم صور متعددة لحقيقة واحدة، وهذا معنى لم نعهده من قبل في الشعر العربي، يدل عليه قول البوصيري:
إنّما مثّلوا صفاتك للنّا ... س كما مثّل النّجوم الماء «١»
وكذلك الأمر في مدح المتصوفة لرسول الله ﷺ ، فإن معاني مدحهم له جديدة مستمدة من مذهبهم، وهي معان لم تكن معروفة سابقا، مثل قول الصرصري:
يا سيّد البشر الذي هو غوثنا ... في حالتي جدب الزّمان وخصبه «٢»
ومن معانيهم الجديدة في المديح النبوي، المعنى المستمد من اعتقادهم أن رسول الله ﷺ هو سر الوجود وعلّته، مثل قول الدروكي.
يا قطب دائرة الوجود بأسره ... لولاك لم يكن الوجود المطلق «٣»
ومن معاني الحقيقة المحمدية التي تبدو جديدة على المديح النبوي، قول العفيف التلمساني في أبوّة رسول الله لآدم- ﵉، ووجوده السابق للوجود:
وقد كنت قبل الغيب فيه ممكّنا ... فأوجب إمكاني الوجود المحقّق
أبا لأبي الآباء كنت ونشأتي ... لها آخر الأبناء يعزى فيخلق «٤»
ونجد شيئا من الجدة في معاني تأثير رسول الله ﷺ في الكون ومظاهر الطبيعة والإنسانية وأمته، مثل قول البوصيري في فرح الطبيعة برسول الله ﷺ :
стр. 299
فرحت به البريّة القصوى ومن ... فيها وفاضلت الوعور سهولا «١»
وقول الصرصري:
تبشبش وجه الأرض مذ حلّها كما ... بطلعته وجه السّماء تبشبشا «٢»
وقد أسهب الشعراء في إظهار أثر رسول الله ﷺ في الإنسانية، فهو طبيب لأرواح الناس أو قلوبهم المريضة، كما قال ابن الموصلي مسجلا معنى بديعا فيه شيء من الجدة:
وكم مراض قلوب حين عالجها ... باللّطف صحّت ومن سكر الضّلال صحت «٣»
ومن أمثلة المعاني البديعة التي جاءت في معرض الحديث عن أثر رسول الله في أمته قول لسان الدين بن الخطيب «٤» ، يربط بين انتصارات المسلمين الأوائل على الامبراطوريات القديمة، وصراع العرب المسلمين مع الغزاة الصليبيين:
ولولاك لم يعجم من الرّوم عودها ... فعود الصّليب الأعجميّ صليب «٥»
ولا نعدم في حديث الشعراء عن مدائحهم بعض المعاني البديعة الجديدة، التي تظهر موقع المديح النبوي في نفوس الناس، فالحلي يصف المدائح النبوية بقوله:
هي الرّاح لكن بالمسامع رشفها ... على أنّه تفنى ويبقى سرورها «٦»
стр. 300
لقد تطورت معاني المديح النبوي مع تقدم الزمن واتساع الثقافة، وتنوعت تنوع مذاهب الشعراء واختلافها واستجد منها ما استجد مع الأفكار الدينية والفلسفية التي دخلت إلى الثقافة العربية.
فمعاني مديح المتصوفة لرسول الله ﷺ تختلف عن معاني غيرهم من المسلمين، والمعاني التي مدح بها شعراء المديح النبوي الرسول الأمين في بداية العصر المملوكي تتباين قليلا عن المعاني التي مدحوه بها في آخره.
وكذلك الأمر حين تظهر فكرة جديدة، ففي بداية المديح النبوي مثلا لم تكن معاني الحقيقة المحمدية متداولة، في حين أضحت في العصر المملوكي من لوازم المدحة النبوية.
ومثل ذلك يحدث حين ينقل مادح النبي المعنى من موضوع ما إلى المديح النبوي بخفّة وبراعة، فإنه يصبح معنى جديدا من معاني المديح النبوي، وخاصة حين يرصد الشاعر علاقته برسول الله ﷺ وتعلقه به، وعلاقة رسول الله ﷺ بالكون والحياة، فإن ذهنه يتفتق عن معان جديدة جميلة.
إن معاني المدحة النبوية مستقاة من سيرة رسول الله الكريمة، وحديثه الشريف، ومن كل ما له علاقة برسول الله ﷺ وبعضها مقتبس من القرآن الكريم.
وإلى جانب ذلك أخذ شعراء المديح النبوي معانيهم من التراث العربي، وشعره خاصة، ونقلوها إلى المديح النبوي، مثلما أخذوا المعاني التي حفلت بها قصائد المديح النبوي السابقة.
واستطاع شعراء المديح النبوي في العصر المملوكي أن يضيفوا إلى معاني المديح النبوي معاني جديدة، جاءت من الأفكار الجديدة التي عرفوها في عصرهم، ومما تفتقت عنه قرائحهم، فالمبرّزون منهم لم يقيدوا أنفسهم بما تواضع عليه سابقوهم من معاني
стр. 301
المديح النبوي، بل حاولوا أن يتسعوا في مصادر معانيهم، فاقتنصوا المعنى من هنا وهناك، وبالقدر الذي أسعفتهم به ثقافتهم وموهبتهم.
إن مضمون المدحة النبوية هو كل ما يتعلق برسول الله ﷺ بسبب، فإذا تجاوزنا المقدمات المتنوعة للمدائح النبوية، وجدنا القيم التقليدية التي مدح بها الشعراء رسول الله ﷺ جريا على سنة المدح العربي، والتي أضحت ذات خصوصية متميزة حين مدح بها النبي الكريم.
ومدح الشعراء رسول الله ﷺ مدحا دينيا، وهو المضمون الأساس للمدحة النبوية، فعبروا عن حبهم له وتعلقهم به، وعددوا فضائله، وتحدثوا عن أثره في أمته والبشرية والكون، ومكانته السامية عند ربه، مجسدة بالحقيقة المحمدية، وتغنوا بشمائله وخصائصه، وأشاروا إلى مواطن العظمة في سيرته، وعددوا معجزاته، وتوسلوا به وتشفعوا ليفّرج الله تعالى كروبهم، ويغفر ذنوبهم.
واتسعوا في مضمون المدحة النبوية، فتحدثوا عن آثار رسول الله ﷺ المادية الباقية، وأظهروا تقديسهم لها، وأشادوا باله وصحابته الكرام، وعكسوا همومهم وآمالهم وأوضاع عصرهم.
стр. 302
الفصل الثاني الأسلوب
الأسلوب الشعري هو الطريقة التي يعبّر فيها الشاعر عن أفكاره ومعانيه، وبه يتفاوت الشعراء حين يتناولون موضوعا واحدا، وهو أساس تصنيف الشعراء وتمايزهم، وبه يعرف توجه الشاعر الفني، ومفهومه للشعر.
وقد ربط دارسو الأدب ونقدته بين الأسلوب والمضمون، فذهبوا إلى أن كل موضوع يناسبه شكل معين من أشكال التعبير الشعري، فالمدح يحتاج إلى الأسلوب الفخم والقصائد الرسمية الكاملة، التي يحتفل الشاعر لتشكيلها وصياغتها، والفخر يقرب من ذلك، أما الغزل والوصف، فإنهما يحتاجان إلى القصائد الرقيقة، التي يذهب فيها الشعراء كل مذهب، لكن شعراء المديح النبوي لم يتقيدوا بمثل هذا الربط بين الشكل والمضمون، فحفلت قصائدهم بالأشكال الشعرية المختلفة التي عرفها الشعر العربي.
وسنتعرض في هذا الفصل لشكل القصيدة الذي عرف في شعر المديح النبوي، والذي تدرج ما بين القصائد الكاملة التي يحرص الشاعر فيها على المقدمة المعروفة، والانتقال المعهود، والخاتمة التي يوضح فيها الشاعر غرضه من المديح، وما بين المقطوعات القصيرة التي يعبّر فيها الشاعر عن موقف محدد من الممدوح، وكذلك الأمر بين القصائد والأراجيز، إلى جانب الأشكال الشعرية الآخرى التي انتشرت في العصر المملوكي، مثل الموشح والمسمطات وغير ذلك من التصرف بالقصائد والإضافة إليها، والقيود المسبقة التي وضعها الشعراء لأنفسهم قبل نظم قصائدهم، كأن يحدد عدد أبياتها مسبقا، أو يتقيد في بداية كل بيت بحرف القافية، إلى جانب المعارضة التي اشتدت في هذا العصر، وخاصة في المديح النبوي.
стр. 303
وسنحاول تلمس أبرز ملامح الصياغة الشعرية التي اصطنعها شعراء المديح النبوي، والتي تراوحت ما بين الصياغة التقليدية ومحاولة مجاراة القدماء، والصياغة التي تميّز بها العصر، والتي تحفل بضروب الزخرف والصنعة البديعية، التي نحاول التعرف عليها وعلى أنواعها وكيفية استخدام الشعراء لها.
فالشعراء والأدباء العرب مالوا إلى التقييد والتقعيد في شكل الشعر، ومالوا إلى التقليد، ولم يحبذوا الجنوح إلى الخروج عمّا هو مألوف في طريقة نظم القصائد، وهو ما أسموه عمود الشعر، لذلك ظلت القصيدة العربية غنائية أو أقرب إلى الغنائية، وتلوّنت في هذا الإطار، ولم تخرج عنه إلا في ضروب شعرية ظهرت في هذا العصر، إلا أننا لا نحبّذها لأنها اتخذت اللهجة العامية للتعبير الشعري.
فالتطور في الصناعة الشعرية كان أوضح من التطور في المضمون، إلا أن عصرا من العصور لم يخلص لمذهب أدبي واحد، ولكن ربما انتشر أحد المذاهب أكثر من غيره.
ففي العصر المملوكي ظهر مذهب الصنعة البديعية على غيره، أو اشتد ليسم العصر بميسمه، لكن أدنى متابعة لشعر هذا العصر، تظهر أن ثلاثة اتجاهات رئيسية، كانت تشغل اهتمامات الشعراء، الاتجاه الأول هو الاتجاه التقليدي الذي حرص فيه الشعراء على متابعة القدماء والاقتداء بهم في شكل القصيدة وصياغتها، فأكثروا من المعارضة لتتم لهم هذه المتابعة، وتتحقق لهم هذه الرغبة.
والاتجاه الثاني هو الاتجاه البديعي السائد الذي حرص فيه الشعراء على اصطناع ضروب البديع، ووضعها في المقام الأول في العمل الشعري.
والاتجاه الثالث هو الاتجاه الشعبي، وأصحابه شعراء لم يتلقوا قدرا كافيا من الثقافة، أو أنهم نظموا شعرهم على هذا الوجه لافتتانهم به، أو طلبا للشهرة والانتشار وهو شعر ملحون.
стр. 304
وقد وصف الدارسون هذا العصر بالجمود والركود الأدبي، وافتقاد حوافز التجديد والإبداع، وانخفاض سوية الأدب، واستغراق الأدباء في تقليب الصناعة اللفظية والزخارف البديعية.
ونحن لا نستطيع أن نطلق حكما عاما على أدب عصر من العصور، وخاصة على أدب العصر المملوكي، الذي اتّسم بخصب الحركة الثقافية وتنوع إنتاجها، عصر الموسوعات والمؤلفات الكبيرة التي حفظت تراث الأمة. والمسألة لا تتعدى أسلوبا في التعبير يختلف بين عصر وعصر، وليست مسألة إبداع وابتكار، فشعراء ذلك العهد كانت لهم وجهة نظرهم التي تتحدد في طلب التميّز، وكان معيار التميّز في ذلك الوقت إتقان الصنعة، وبذل الجهد العقلي في الملاءمة بين عناصر متباعدة، وفي التلاعب بالألفاظ للدلالة على الثقافة والمقدرة، ولإدهاش المتلقين، فقد كانوا يظنون أنهم يطرفون حياة الناس بهذا الضرب من الشعر، وكان الناس يطلبون هذا الضرب من الشعر ويستحسنونه، لأنه يعبر عن حياتهم وما اعتادوه فيها.
وعند ما تابع شعراء العصر سابقيهم وجاروهم في أسلوبهم، لم يكونوا مفتونين جدا بالقديم، ولم يكونوا يقدسونه لقدمه، بل لظروف موضوعية جدّت في عصرهم، فقد أحس العرب «أن الأمم تريد أن تتخطفهم من حولهم، وأن من واجبهم أن يتجمعوا ضدها، وأن يحافظوا أقوى المحافظة على أمتهم، وكل ما يشخّصها ويمثّلها من شعر وغير شعر، ومن هنا مضوا يضمون شعر الأسلاف إلى صدورهم، لا تقديسا للقديم من أجل قدمه.. وإنما صدروا عن شعور عميق بوجوب استمرار العروبة وروحها العظيمة، وهو بذلك استمرار حي، لا يعني بحال التحجر والجمود، وإنما يعني الخصب والنماء» «١» .
стр. 305
إلا أن الشعراء لم يحسنوا متابعة القدماء، ولم يستطيعوا اللّحاق بهم لأنهم داخلوا بين النهج القديم وصنعتهم، فجاءت المتابعة في معظمها مهجنة.
وربما كان من أسباب المظاهر السلبية التي وجدت في الشعر المملوكي، مثل الإغراق في الصنعة، وظهور فنون الشعر الملحونة، إعراض الحكام المماليك عن الشعر الفصيح البليغ، لقصور ملكاتهم عن إدراك مقاصد العربية الدقيقة، وأسرار بلاغتها، وميلهم إلى ما يستطيعون إدراكه واستساغته من فنون اللهجة السائدة، وهذا ما عبّر عنه شمس الدين الضفدع «١» :
قد طال فكري في قريضي الذي ... من نفعه لست على طائل
أمّرني زيد فصرت امرأ ... صاحب ديوان بلا حاصل «٢»
ولهذا السبب وغيره من ظروف العصر عدل بعض الشعراء عن الشعر الجاد الذي يجهدون ليأتي عالي المستوى، إلى شعر التسلية الذي يفتقد الجدية في موضوعاته وأسلوبه، والذي يتلاعبون فيه بالمعاني والألفاظ، ويبحثون من خلاله عن النكتة الفنية.
ويضاف إلى ذلك قلّة المحترفين من الشعراء، فقلّما تفرغ الشاعر لفنه، وأوقف حياته علية، فأضحى الشعر بابا مفتوحا يلجه كل من يأنس في نفسه أدنى مقدرة على المشاركة فيه، فدخل فيه العلماء وعامة الشعب وأصحاب الحرف، ومن الطبيعي أن أكثر هؤلاء لم يرتفعوا إلى مستوى المحترفين، فأفسدوا صورة الشعر، حتى ضاق بهم الشعراء المجيدون ذرعا، فهاجموهم، وقال ابن الخياط فيهم «٣» :
وفي متشاعري عصري أناس ... أقلّ صفات شعرهم الجنون
يظنّون القريض قيام وزن ... وقافية وما شاءت تكون «٤»
стр. 306
فالناس في ذلك الوقت كانوا منشغلين بالشعر، يستسهلون نظمه، فكثر المتشاعرون والناظمون، ويظهر أن مفهومهم للشعر كان مختلا، إذ اكتفوا منه بالهيّن الهش، وتقاعسوا عن طلبه والتدرب عليه، وهذا ما أوضحه حازم القرطاجني حين قارن بين أهل زمانه وبين العرب القدماء في قوله:
«العرب القدماء كانت تتعلم الشعر، لا تجد شاعرا مجيدا منهم إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة، وتعلم منه قوانين النظم، واستفاد منه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية.. فإذا كان أهل ذلك الزمان قد احتاجوا إلى التعلم الطويل، فما ظنك بأهل هذا الزمان، بل أية نسبة بين الفريقين.
وأنت تجد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ قافية أو فقرة من أهل زماننا، وله القليل الغث منه بالكثير من الصعوبة، بأى وشمخ، وظن أنه سامى الفحول وشاركهم، رعونة منه وجهلا، من حيث ظن أن كل كلام موزون شعر» «١» .
أما المدائح النبوية، فكانت فنا متميّزا في الشعر المملوكي، حمل جميع المظاهر الشعرية التي كانت سائدة في ذلك العصر، أو التي ظهرت فيه، وحث الشعراء على الارتقاء في فنهم الشعري إلى أقصى درجة يستطيعون الوصول إليها، ليناسب قدر الممدوح ﵇، لكن قسما كبيرا من مادحي رسول الله ﷺ لم تسعفهم الشاعرية الخصبة والموهبة الأصلية، فنظموا المدائح النبوية للفوز بالمجد الأدبي في الدنيا، وبالشفاعة في الآخرة، لذلك نجد تفاوتا كبيرا في الأسلوب بين شعراء المديح النبوي، كذلك شارك كثير من العلماء وغيرهم في هذا الفن بالطريقة التي يقدرون عليها ويحسنونها، فظهرت الموشحات المدحية، والزجل المدحي، وغير ذلك من فنون الشعر التي انتشرت في هذا العصر.
стр. 307
بيد أن معظم قصائد المدح النبوي جاءت قريبة من النمط العربي المعروف، وكانت أقرب إلى المحافظة، فشعراء المديح النبوي نظموا قصائدهم وعيونهم على غرر الشعر العربي في العصور التي سبقتهم، ولذلك نجد المبرزين في فن المدائح النبوية مثل الصرصري ينظمون مدائحهم النبوية على غرار القصائد القديمة في شكلها وصياغتها، فالصرصري لا يكاد يخرج عن النهج التقليدي في مدائحه النبوية، ويظهر استعدادا كبيرا لمتابعة الشعراء الذين سبقوه، ويبدو أنه أهّل نفسه لمثل هذا الشعر، فقيل «إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بكاملها» «١» .
ويجاريه البوصيري في هذه الميزة، بالإضافة إلى أن كليهما يظهران معرفة واسعة بالشعر العربي القديم، وباللغة العربية وألفاظها، ويملكان موهبة شعرية فياضة، جعلتهما يخضعان الروايات والأحاديث للشعر وروائه.
ويلاحظ في المديح النبوي أيضا إطالة الشعراء لمدائحهم، فكثرت القصائد التي تتجاوز المئة والمئتين وتصل في بعض الأحيان إلى مئات الأبيات مثل نونية الصرصري التي وصلت إلى ثماني مئة وخمسين بيتا، بيد أن هذه القصائد الطويلة، لم يسلم معظمها للشاعرية، فاقتربت كثيرا من المنظومات التعليمية.
إلا أننا لو قارنا مجموع شعر المديح النبوي مع غيره من الفنون الشعرية في ذلك العصر، لوجدنا أن شعر المديح النبوي تميّز عن غيره بالقوة والجزالة وجودة السبك وحسن الأداء، والابتعاد عن الضعف الذي اتسع في بقية الفنون الآخرى.
والذي جعل شعراء المديح النبوي يميلون في مديحهم إلى الأشكال الشعرية الآخرى مثل الموشح أو الزجل أو تشطير القصائد وتخميسها وغير ذلك من التغييرات التي أجروها على القصيدة، هو مسايرة للاتساع في مجالس الذكر والإنشاد، والبحث عن الشكل الحافل بالإيقاع، ليتلاءم مع الإنشاد في هذه المجالس والاحتفالات الدينية.
стр. 308
القسم الأول- الشكل الشعري:
ذكر الأماكن:
أول ما نجده في مضمون المدحة النبوية هو المقدمة أو التمهيد، وهي سنّة قديمة في قصائد المدح العربية، أخذها مدّاح النبي الأمين وغيّروا فيها لتتلاءم مع مدحهم لسيد الخلق.
والمقدمة تحتوي مواضيع متنوعة، منها الوقوف على الأطلال، وهو تقديم قديم، يراد منه إثارة مشاعر المتلقي، وخلق الجو النفسي الذي يهيّئه لسماع مضمون القصيدة، ويشدّه لمتابعة ما يأتي به الشاعر، ويجعله أقرب إلى التأثر بما يريده.
وكانت مقدمات المدائح النبوية في بداية أمرها تقليدية خالصة، لأن شعراء المديح النبوي في عهد رسول الله ﷺ لم يكن أمامهم مثال يحتذونه، فلم يخرجوا في مدحهم له عمّا عرفوه في مدح غيره، إلا بإضافة بعض المعاني الإسلامية إلى مديحهم.
فظلوا يقدمون لمدح رسول الله ﷺ بما اعتادوا على تقديمه في مدح غيره، لأنه لم ترسخ المفاهيم الإسلامية في صنعتهم الشعرية، ولم يتح لهم الوقت الكافي ليجسّدوا مفهوم النبوة شعريا، وظلوا على تقاليدهم الشعرية التي رسخت في وجدانهم.
ومن العجب أن نجد شعراء المدح النبوي في العصر المملوكي يقلدون الشعر الذي مدحه به الشعراء القدامى في الوقوف على الأطلال ويفتتحون به مديحهم النبوي، وربما لم يروا طللا، لكنها سنة الشعراء التي تعطي الشاعر شيئا من الأصالة التي يريد أن يدلّ بها على غيره.
فالصرصري مثلا، يقدّم لإحدى مدائحه النبوية بقوله:
стр. 309
لمن طلل دون الرّبا والتّنائث ... يعفّى بأيدي العاصفات العوائث
ومنخرق السّربال يخترق الفلا ... ويقدم إقدام الشّجاع الدّلاهث
فقلت له إن رمت أمنا وعزّة ... فعذ من عوادي النّائبات الكوارث
بأفضل مبعوث إلى خير أمّة ... بخير كتاب جاء من خير باعث «١»
وبعد أن وقف الصرصري على أطلاله المزعومة، التي أذكت شوقه وحنينه على طريقة الشعراء القدامى، تحدث عن رحلته وراحلته التي أوصلته إلى الحجاز، وأوصله الحديث عنها إلى مديحه.
وأخذ شعراء المديح النبوي يستعيضون شيئا فشيئا عن ذكر الأطلال والديار التي درج عليها الشعراء بذكر الأماكن الحجازية، والتشوق إليها، لأنها الأنسب للمديح النبوي، فهذه الأماكن مقدسة عند المسلمين، تهفو إليها أفئدتهم، وهي التي شهدت ولادة رسول الله ﷺ ونشأته وبعثته وجهاده وانتقاله إلى جوار ربه، وضمّت جسده الطاهر، فذكرها يوصل إلى ذكر من شرفت به، إضافة إلى أنه يهيّئ المتلقي لسماع المديح النبوي، بعد أن يذكر له هذه الأماكن التي تثير حنينه، وتشيع في نفسه القداسة والصفاء.
وكان شعراء العصر السابق للعصر المملوكي قد فتنوا بالتشوق للأماكن المقدسة، وجعلوه فنا شعريا مستقلا، لما أشاعه المتصوفة في شعرهم من وجد وهيام بهذه الأماكن، وقد وردت معنا أمثلة وافية عند الحديث عن شعر التشوق إلى الأماكن المقدسة. والملفت للنظر في ذكر المقدسات، تغزل شعراء المديح النبوي بالكعبة المشرفة،
стр. 310
وبثها الأشواق والحنين، ومخاطبتها مخاطبة المحبوبة، فالصرصري يسميها ربّة الستور، ويرمز لها باسم حبيبته، فيقول:
تهت يا ربّة السّتور على الصّ ... بّ دلالا وعزّ منك اللّقاء
آه لو بلّغت إليك على بع ... د مغانيك جسرة وجناء «١»
ويصفها العزازي بذات الخال، فيقول مفتتحا إحدى مدائحه النبوية:
دمي بأطلال ذات الخال مطلول ... وجيش صبري مهزوم ومفلول «٢»
ويصرّح ابن الزملكاني «٣» بحبه للكعبة ربّة الأستار بقوله:
أهواك يا ربّة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدني ... عسى يشاهد معناك معنّاك
يا ربّة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه من أين هذا الأمن لولاك
وقد حططّت رحالي في حماك عسى ... تحطّ أثقال أوزاري بلقياك «٤»
وهكذا أصبح ذكر الأماكن المقدسة تقليدا ثابتا في مقدمة المدحة النبوية، تثير لدى الشعراء والمتلقين معا مشاعر الوجد الديني، والحنين إلى مهبط الوحي، وتشيع في حنايا نفوسهم دفء الطمأنينة والقداسة فإظهار الشوق إلى الأماكن المقدسة، يكاد لا تخلو منه مقدمة مدحة نبوية، وهو الذي يظهر عواطف الشاعر، ويجلو مشاعره، ويحرّك المشاعر
стр. 311
الدينية في نفوس السامعين، لذلك افتتح به كثير من شعراء المدائح النبوية قصائدهم، متجاوزين الوقوف على الأطلال، مظهرين براعتهم في استمالة النفوس إلى نفثات أرواحهم، وإلى إجادتهم للنسيب الرمزي الذي ترتاح إليه القلوب، ويزداد هذا الشوق حرقة وتأججا، حين يجد الشاعر موانع قاسية تحول بينه وبين الوصول إلى الحجاز، وخاصة حين يكون بلده بعيدا جدا عنه، مثل المغاربة الذين كانوا يكابدون مشقات جمّة للوصول إلى الحجاز، فابن سعيد «١» وصل بعد جهد وعناء إلى الإسكندرية، لكنه تعذّر عليه الحج، فنظم فيها مدحة نبوية أودعها شوقه وحنينه، وافتتحها بقوله:
وارحمة لمتيّم ذي غربة ... ومع التّغرّب فاته ما يقصد
قد سار من أقصى المغارب قاصدا ... من لذّ فيه مسيره إذ يجهد
لا طاب عيشي أو أحلّ بطيبة ... أفقا به خير الأنام محمّد «٢»
وإن كان ابن سعيد قد لمّح إلى سبب شوقه ووجده، وتجشمه المصاعب، فإن النواجي «٣» قد بدأ مدحته النبوية ببيان سبب الشوق، ودواعي الرحيل، فقال:
إليك رسول الله جبنا الفلا وخدا ... ولولاك لم نهو العقيق ولا الرّندا
ولولا اشتياقي أن أراك بمقلتي ... لما كنت أشتاق الغوير ولا نجدا «٤»
стр. 312
الغزل:
وإذا كانت القصيدة التقليدية في المدح قد حوت في مقدمتها الغزل بالمحبوبة التي هيّج ذكراها الوقوف على الأطلال وذكر الديار، فإن المدحة النبوية لم تخل من الغزل، جريا على عادة الشعراء، واتّباعا لسنّة العرب في شعرهم، لأن الغزل يستميل القلوب، وتهواه الأسماع، وكان الشعراء يوردونه في بداية قصائدهم ليسترعوا انتباه سامعيهم إلى غرضهم ومقصدهم من الشعر.
وقد نقل شعراء المديح النبوي هذه السنّة إلى قصائدهم، وجاروا بها الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ في حياته، مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير، بيد أن شعراء المديح النبوي في العصر المملوكي، والأدباء الذين أولعوا بهذا الفن اشترطوا في الغزل الذي تصدّر به المدحة النبوية شروطا، تبتعد به عمّا يخدش الحشمة، وعمّا لا يليق في الحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال ابن حجة في ذلك: «إن الغزل الذي يصدّر به المديح النبوي، يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب، ويتضاءل ويتشبب، مطربا بذكر سلع ورامة، وسفح العقيق والعذيب، والغوير ولعلع، وأكناف حاجر، ويطرح ذكر محاسن المرد، والتغزل في ثقل الأرداف، ورقة الخصر، وبياض الساق، وحمرة الخد، وخضرة العذار، وما أشبه ذلك» «١» .
وبعد أن ردّدت عائشة الباعونية ما قاله ابن حجة، أضافت: «فإن سلوك هذا الطريق في المدح النبوي مشعر بقلة الأدب، وحسب العاقل قول الله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ «٢» .
стр. 313
وقد أورد ابن حجة في خزانته أمثلة على الغزل المحتشم والغزل الذي لا يليق بالمدحة النبوية، ويظهر أن هذه المسألة كانت موضع أخذ ورد، يناصر بعض الشعراء والأدباء توجّه ابن حجة، ويعارضه آخرون اقتداء بالشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ في حياته، فعبّر النبهاني عن هذا الاختلاف بالرأي في قوله: «أما قصيدة بانت سعاد التي اتخذها دليلا بعض من سلك هذا المسلك، واستحسنه، وهو في نفسه غير حسن، فهي لا تصلح دليلا لذلك، لأن ناظمها كعب بن زهير- ﵁ كان قبل إسلامه شاعرا جاهليا، فنظمها على طريقتهم قبل أن يجتمع بالنبي ﷺ ويسلم على يديه، ويعرف آداب بالإسلام.. ولم يحصل مثل هذا التشبيب بعد إسلامه، ولا من أحد من شعراء النبي ﷺ » «١» .
ولا يخطّئ النبهاني الشعراء الذين تغزلوا في مقدمات مدحاتهم النبوية تغزلا ماديا، بل يلتمس لهم المعذرة والمسامحة، فيقول: «ولئن أساؤوا من تلك الجهة بعض الإساءة، فقد أحسنوا من جهة مديحهم للنبي ﷺ كل الإحسان، وقال ﷺ : «اتبع السيئة الحسنة تمحها» «٢» .
والأرجح أن الغزل في مقدمة المدحة النبوية، ليس مقصودا لذاته، ولا يعبّر عن مشاعر محرّمة عند المادح، ولا يقصد به إثارة غرائز السامعين، وهو لا يعدو مقدمة فنية لإثبات المقدرة الشعرية، وجريا على عادة متأصلة في نفوس الشعراء، وإنما يكون الغزل المحتشم أكثر ملاءمة للموضوع، وجو القصيدة، وجلالة الممدوح، ويبدو أن مقدرة الشاعر الفنية، وتأصّل الاتجاه الشعري عنده، هو الذي يفرض عليه لون الغزل الذي يقدم به للمدحة النبوية، ولا يعقل أن يورد شاعر يمدح رسول الله ﷺ في قصيدته ما يسيء إليها عامدا متعمّدا، لذلك لم يردّ رسول الله ﷺ على غزل كعب، ولم يكره ذلك منه،
стр. 314
لأن رسول الله ﷺ كان يدرك الظروف التي ينظم فيها الشعراء شعرهم، ففي ذلك الوقت كان الغزل يقتضي وصف محاسن المحبوبة، وهذا ما فعله كعب حين قدّم لقصيدته بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البيّن إذ رحلوا ... إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكى قصر منها ولا طول «١»
إن الغزل الذي قدّم به الشعراء لمدائحهم النبوية، وتابعوا فيه كعب بن زهير- ﵁ هو تقليد شعري محض، مثل تقليد ابن هتيمل «٢» الذي نظم مدحة نبوية نهج في أسلوبها ومعانيها منهج القدماء، وهذا كان أسلوبه في شعره كله، فلا غرابة حين نجده في مقدمة مدحته النبوية يذكر الأطلال ويتغزل، ويصف محبوبته بالأوصاف نفسها التي ذكرها القدماء، وكأن الأمر لا يعدو صورة شعرية تتكرر، وليست تجارب عاطفية، أو أوصافا لمحبوبة يعرفها، ويعرف مواطن الجمال فيها، ويطلع على مفاتنها، لذلك نجد مقدمته لمدحته النبوية تسير كالتالي:
لولا محبّة أهل الدّار والدّار ... ما غاض صبري وجفني ماؤه الجاري
ولا عكفت وأصحابي تعنّفني ... على العكوف على نؤي وأحجار
أستودع الله أرواحا رحلن بها ... عنّا المهابين أحداج وأكوار
стр. 315
تحت المازر من أكفالها كثب ... ترتجّ من تحت قضبان وأقمار
وفي البراقع من ألحاظها فتن ... يطلعن ما بين أطواق وأزرار «١»
وأحيانا لا يتعدى وصف محاسن المحبوبة ما يمكّن الشاعر من إظهار براعته البديعية وولعه بفنون الصنعة الشعرية، والغزل والوصف يتسعان لمثل هذه الضروب البديعية، وعند ما نقرأ غزل الشاعر في مقدمة مدحته، ندرك على الفور أنه لا يتحدث عن تجربة شعورية، وإنما يستعرض مقدرة بديعية، وهذا ما نلمسه في المقدمة الغزلية لمدحة القلقشندي «٢» النبوية:
سيف العيون على العشّاق مسلول ... وصارم اللّحظ مسنون ومصقول
والخدّ كالجمر أو كالورد في شبه ... والخال في خدّه بالنار مشعول «٣»
وهكذا أخذ الغزل في مقدمات المديح النبوي يبتعد عن الأوصاف الحسية للمحبوبة وعن التغزل بمحبوبة معروفة، وأضحى غزلا صناعيا صرفا، موجّها إلى محبوبة غير متعينة، يظهر خلاله الشاعر عواطفه ومشاعر الحنين والوجد التي يتسم بها الشعر الديني، ومنه المدائح النبوية، وهذا ما نشعر به في غزل ابن خالدون الذي قدّم به لمدحته النبوية، فقال:
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
لله عهد الظّاعنين وقد غدا ... قلبي رهين صبابة ووجيب
стр. 316
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشربت بعدهم بماء غروب «١»
وقد ابتعد الغزل في مقدمة المدائح النبوية عن التعيين، فلم يعد يتبين قارئه إن كان غزلا حقيقيا أم أنه رمز لأشياء أخرى كما هو الأمر عند المتصوفة، الذين عبّروا عن حبهم الإلهي ووجدهم بطريقة الغزل المعروفة، ومن ذلك قول الصرصري في مقدمة نبوية:
شواهد قلب الصّبّ لا تقبل الرّشا ... فكيف قبول النّصح من كاشح وشى
أيأمر خلو بالتّصبّر مغرما ... وآنس ربع الحبّ أصبح موحشا
أما في الهوى العذري عذر لشيّق ... إذا لاح برق من تهامة أجهشا «٢»
ومثل هذا الغزل في مقدمة المدحة النبوية، لا يمكن أن يكون في أحبّة من النساء اللواتي يستملن قلوب العشاق، والغزل كله وجد على طريقة المتصوفة.
فشعراء المديح النبوي لم يكن غزلهم بفتاة معينة، ولم يكن هدفه إظهار المشاعر نحو النساء، وإنما كان غزلا تقليديا، لاستكمال الشكل الشعري للمدحة النبوية، وكان غزلا رمزيا، يراد منه إشاعة مشاعر الوجد والحب للرسول الأمين وصحابته والأماكن المقدسة، والتمهيد للمديح النبوي.
الرحلة:
ومثلما ذكر شعراء المديح القدامى رحلتهم إلى الممدوح، ووصفوا طريق الرحلة، ووصفوا راحلاتهم، ليظهروا ما تجشموه من مشاق للوصول إلى الممدوح، فيجزل لهم العطاء، كذلك فعل شعراء المديح النبوي، ونقلوا هذا التقليد إلى المدائح النبوية، وهم صادقون في حديثهم عن الرحلة، لأنهم كانوا يقومون بها للحج أو لزيارة رسول الله
стр. 317
صلّى الله عليه وسلّم، وذكر الرحلة والراحلة تقديم معروف للقصيدة المدحية، أفاد منه شعراء المديح النبوي، لأنه في وصف المصاعب التي اعترضتهم في رحلتهم، يظهرون فيه مدى محبتهم وشوقهم للرسول الكريم، وهو مناسبة لإضفاء هذه المشاعر على راحلاتهم، فتكون أعمق وأبلغ وأشد تأثيرا في النفس، فإذا كانت هذه البهائم تشعر بالشوق إلى الأماكن المقدسة، وتتجاوز الصعاب للوصول إليها، فكيف يكون حال من يركبها؟
هذا ما ظهر في تقديم الشهاب محمود في ذكر الرحلة إلى الحجاز، فوصف النوق وصفا خارجيا ونفسيا، وأضفى عليها المشاعر الإنسانية في قوله:
أرحها فقد ملّ الظّلام سراها ... وأنحلها بعد المدى وبراها
وغادرها جلدا وعظاما حنينها ... إلى منزل فيه اللّقاء قراها
ألست تراها كلّما ذكر الحمى ... تمدّ له أعناقها وخطاها
سرى وحنين واشتياق ثلاثة ... برت لحمها بري السّهام مداها «١»
فهو لا يتحدث عن الراحلات وإنما عن نفوس راكبيها، وإن مزج بين معاناة هذه النياق وبين مشاعر الركب الذين يتلهفون للوصول إلى المدينة المنورة، ورؤية الروضة الشريفة.
وصف الطبيعة:
وجارى شعراء المديح النبوي في مقدماتهم شعراء المديح التقليدي في وصف الطبيعة، ولكنهم لم يصفوا الصحراء القاحلة إلّا لماما، وأثناء الحديث عن رحلتهم، وإنما وصفوا الطبيعة الزاهية التي تعكس فرح نفوسهم بزيارة رسول الله ﷺ ، والتي
стр. 318
تظهر قدرة الباري- على إحياء الميت من الأرض، وآياته في تنويع الخلق، وهذا ما أوضحه الصرصري في تقديمه لإحدى نبوياته، حين قال:
خطّ الرّبيع بأقلام التّباشير ... رسالة كتبت بالنّور والنّور
حيّا البقاع الحيا فاهتزّ هامدها ... لمّا أتتها يد البشرى بمنشور
والورق تهتف في الأوراق شاكرة ... إحسان مبتدئ بالفضل مشكور
وقد فهمنا لهذا الفضل ترجمة ... إنّ المهيمن يحيي كلّ مقبور «١»
أما الصفي الحلي، فإنه اقتصر في تقديمه لمدائحه النبوية على وصف الطبيعة فقط، فأظهر براعة في وصف مظاهر الطبيعة المشرقة التي تجذب اهتمام السامع، وتجعله يتابع الشاعر باهتمام، ويتفكّر في خلق الله، وتنتشي نفسه بالمظاهر التي تبعث على السرور والنشاط، فإذا وصل الشاعر إلى المديح النبوي، وجد سامعيه على استعداد لمتابعته بنشاط وتحفّز، فقال:
فيروزج الصّبح أم ياقوتة الشّفق ... بدت فهيّجت الورقاء في الورق
وفاح من أرج الأزهار منتشرا ... نشر تعطّر منه كلّ منتشق
كأنّ ذكر رسول الله مرّ بها ... فأكسبت أرجا من نشره العبق «٢»
وقد نحا ابن فضل الله العمري «٣» هذا المنحى في التقديم لمدحته النبوية، مضيفا إلى وصف الطبيعة شيئا من المشاعر الإنسانية، فقال:
стр. 319
والشّمس قد همّت لتذهب رهبة ... لكنّها بقيت لنا لم تذهب
وعلى الأصائل رقّة. فكأنّما ... لبست نحول العاشق المتلّهب
ومبشّر النّوار جاء مخلّفا ... لا شكّ قد خطرت نوافح يثرب «١»
وهذا يظهر لنا أن مدّاح النبي الكريم الذين اختاروا الطبيعة مقدمة لقصائدهم، كانوا يريدون إظهار بهجة نفوسهم لمدح رسول الله ﷺ ، ونقل هذه البهجة إلى نفوس سامعيهم، إضافة إلى رغبتهم بإظهار مقدرتهم الفنية، ومعرفتهم لضروب الصنعة البديعية، التي كان لها شأن كبير في ذلك الوقت.
الوعظ:
إلا أن شعراء المديح النبوي لم يقفوا عند هذه الألوان من مقدمات قصائد المديح، بل اتسعوا في مقدماتهم ونوّعوها تنويعا كبيرا، ومن ذلك تقديمهم للمدائح النبوية بالحكم والمواعظ، وضرب الأمثال، وهذه الألوان وردت في مقدمات قصائد المديح العربي، وهي تلائم المدحة النبوية، لأن المقام مقام ديني، ولأن الحكم والمواعظ تسترعي الانتباه، وتوحي بموضوع القصيدة، وتدفع إلى الخشية والورع، وهذا ما يقصد إليه شعراء المدائح النبوية، ليعتبر الناس من سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وأفعاله.
وغالبا ما تكون المواعظ في ذكر الذنوب وطلب التوبة والمغفرة، وهو ما يتطلع إليه الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ من وراء مدحهم، وهذا ما لا حظه النبهاني، ودعا إليه حين قال: «ويستحسن أيضا تقديم المواعظ والحكم في ابتداء مدائحه ﷺ ، لأنها من الأمور النافعة المستحسنة طبعا وشرعا» «٢» .
стр. 320
فالشاعر يشرع في ذكر حاله وذنوبه، ويتحسر على مضي العمر في الغواية، فلا يجد مهربا من ذنوبه إلا استغفار الله تعالى والتشفع برسوله الكريم، مثلما قال البوصيري في افتتاح إحدى مدائحه النبوية.
وافاك بالذّنب العظيم المذنب ... خجلا يعنّف نفسه ويؤنّب
لم لا يشوب دموعه بدمائه ... ذو شيبة عوراتها ما تخضب
يستغفر الله الذّنوب وقلبه ... شرها على أمثالها يتوثّب
ضاقت مذاهبه عليه فما له ... إلّا إلى حرم بطيبة مهرب «١»
ويفتتح الصرصري إحدى مدائحه النبوية بالتحسر على عمره الذي أمضاه في المعاصي، ويتذكر يوم الحساب فلا يجد من يتشفع به غير رسول الله ﷺ ، ويدعو إلى التوبة قبل الممات، وبالتفكر في خلق الله، فيقول:
قم فبادر من قبل رفع النّعوش ... حلبة السّبق ذا إزار كميش
وتدبّر خلق السّماء ففيها ... عبر جمّة لذي التّفتيش
وتفكّر في خلقة الأرض تنظر ... عجبا في مهادها المفروش «٢»
ويكثر الشعراء في مقدماتهم الوعظية للمدائح النبوية من ذكر الموت الذي يبعث في النفوس الخشية والرهبة، ويحثها على ترك المعاصي، والمبادرة إلى التوبة واستغفار الله تعالى، فيخرجون ذكرهم للموت مخرج الحكم والمواعظ.