← Указатели

Указатели · id 23671

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

محمود سالم محمد

Полный текст (576 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشربت بعدهم بماء غروب «١» وقد ابتعد الغزل في مقدمة المدائح النبوية عن التعيين، فلم يعد يتبين قارئه إن كان غزلا حقيقيا أم أنه رمز لأشياء أخرى كما هو الأمر عند المتصوفة، الذين عبّروا عن حبهم الإلهي ووجدهم بطريقة الغزل المعروفة، ومن ذلك قول الصرصري في مقدمة نبوية: شواهد قلب الصّبّ لا تقبل الرّشا ... فكيف قبول النّصح من كاشح وشى أيأمر خلو بالتّصبّر مغرما ... وآنس ربع الحبّ أصبح موحشا أما في الهوى العذري عذر لشيّق ... إذا لاح برق من تهامة أجهشا «٢» ومثل هذا الغزل في مقدمة المدحة النبوية، لا يمكن أن يكون في أحبّة من النساء اللواتي يستملن قلوب العشاق، والغزل كله وجد على طريقة المتصوفة. فشعراء المديح النبوي لم يكن غزلهم بفتاة معينة، ولم يكن هدفه إظهار المشاعر نحو النساء، وإنما كان غزلا تقليديا، لاستكمال الشكل الشعري للمدحة النبوية، وكان غزلا رمزيا، يراد منه إشاعة مشاعر الوجد والحب للرسول الأمين وصحابته والأماكن المقدسة، والتمهيد للمديح النبوي. الرحلة: ومثلما ذكر شعراء المديح القدامى رحلتهم إلى الممدوح، ووصفوا طريق الرحلة، ووصفوا راحلاتهم، ليظهروا ما تجشموه من مشاق للوصول إلى الممدوح، فيجزل لهم العطاء، كذلك فعل شعراء المديح النبوي، ونقلوا هذا التقليد إلى المدائح النبوية، وهم صادقون في حديثهم عن الرحلة، لأنهم كانوا يقومون بها للحج أو لزيارة رسول الله

стр. 317

صلّى الله عليه وسلّم، وذكر الرحلة والراحلة تقديم معروف للقصيدة المدحية، أفاد منه شعراء المديح النبوي، لأنه في وصف المصاعب التي اعترضتهم في رحلتهم، يظهرون فيه مدى محبتهم وشوقهم للرسول الكريم، وهو مناسبة لإضفاء هذه المشاعر على راحلاتهم، فتكون أعمق وأبلغ وأشد تأثيرا في النفس، فإذا كانت هذه البهائم تشعر بالشوق إلى الأماكن المقدسة، وتتجاوز الصعاب للوصول إليها، فكيف يكون حال من يركبها؟ هذا ما ظهر في تقديم الشهاب محمود في ذكر الرحلة إلى الحجاز، فوصف النوق وصفا خارجيا ونفسيا، وأضفى عليها المشاعر الإنسانية في قوله: أرحها فقد ملّ الظّلام سراها ... وأنحلها بعد المدى وبراها وغادرها جلدا وعظاما حنينها ... إلى منزل فيه اللّقاء قراها ألست تراها كلّما ذكر الحمى ... تمدّ له أعناقها وخطاها سرى وحنين واشتياق ثلاثة ... برت لحمها بري السّهام مداها «١» فهو لا يتحدث عن الراحلات وإنما عن نفوس راكبيها، وإن مزج بين معاناة هذه النياق وبين مشاعر الركب الذين يتلهفون للوصول إلى المدينة المنورة، ورؤية الروضة الشريفة. وصف الطبيعة: وجارى شعراء المديح النبوي في مقدماتهم شعراء المديح التقليدي في وصف الطبيعة، ولكنهم لم يصفوا الصحراء القاحلة إلّا لماما، وأثناء الحديث عن رحلتهم، وإنما وصفوا الطبيعة الزاهية التي تعكس فرح نفوسهم بزيارة رسول الله ﷺ ، والتي

стр. 318

تظهر قدرة الباري- على إحياء الميت من الأرض، وآياته في تنويع الخلق، وهذا ما أوضحه الصرصري في تقديمه لإحدى نبوياته، حين قال: خطّ الرّبيع بأقلام التّباشير ... رسالة كتبت بالنّور والنّور حيّا البقاع الحيا فاهتزّ هامدها ... لمّا أتتها يد البشرى بمنشور والورق تهتف في الأوراق شاكرة ... إحسان مبتدئ بالفضل مشكور وقد فهمنا لهذا الفضل ترجمة ... إنّ المهيمن يحيي كلّ مقبور «١» أما الصفي الحلي، فإنه اقتصر في تقديمه لمدائحه النبوية على وصف الطبيعة فقط، فأظهر براعة في وصف مظاهر الطبيعة المشرقة التي تجذب اهتمام السامع، وتجعله يتابع الشاعر باهتمام، ويتفكّر في خلق الله، وتنتشي نفسه بالمظاهر التي تبعث على السرور والنشاط، فإذا وصل الشاعر إلى المديح النبوي، وجد سامعيه على استعداد لمتابعته بنشاط وتحفّز، فقال: فيروزج الصّبح أم ياقوتة الشّفق ... بدت فهيّجت الورقاء في الورق وفاح من أرج الأزهار منتشرا ... نشر تعطّر منه كلّ منتشق كأنّ ذكر رسول الله مرّ بها ... فأكسبت أرجا من نشره العبق «٢» وقد نحا ابن فضل الله العمري «٣» هذا المنحى في التقديم لمدحته النبوية، مضيفا إلى وصف الطبيعة شيئا من المشاعر الإنسانية، فقال:

стр. 319

والشّمس قد همّت لتذهب رهبة ... لكنّها بقيت لنا لم تذهب وعلى الأصائل رقّة. فكأنّما ... لبست نحول العاشق المتلّهب ومبشّر النّوار جاء مخلّفا ... لا شكّ قد خطرت نوافح يثرب «١» وهذا يظهر لنا أن مدّاح النبي الكريم الذين اختاروا الطبيعة مقدمة لقصائدهم، كانوا يريدون إظهار بهجة نفوسهم لمدح رسول الله ﷺ ، ونقل هذه البهجة إلى نفوس سامعيهم، إضافة إلى رغبتهم بإظهار مقدرتهم الفنية، ومعرفتهم لضروب الصنعة البديعية، التي كان لها شأن كبير في ذلك الوقت. الوعظ: إلا أن شعراء المديح النبوي لم يقفوا عند هذه الألوان من مقدمات قصائد المديح، بل اتسعوا في مقدماتهم ونوّعوها تنويعا كبيرا، ومن ذلك تقديمهم للمدائح النبوية بالحكم والمواعظ، وضرب الأمثال، وهذه الألوان وردت في مقدمات قصائد المديح العربي، وهي تلائم المدحة النبوية، لأن المقام مقام ديني، ولأن الحكم والمواعظ تسترعي الانتباه، وتوحي بموضوع القصيدة، وتدفع إلى الخشية والورع، وهذا ما يقصد إليه شعراء المدائح النبوية، ليعتبر الناس من سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وأفعاله. وغالبا ما تكون المواعظ في ذكر الذنوب وطلب التوبة والمغفرة، وهو ما يتطلع إليه الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ من وراء مدحهم، وهذا ما لا حظه النبهاني، ودعا إليه حين قال: «ويستحسن أيضا تقديم المواعظ والحكم في ابتداء مدائحه ﷺ ، لأنها من الأمور النافعة المستحسنة طبعا وشرعا» «٢» .

стр. 320

فالشاعر يشرع في ذكر حاله وذنوبه، ويتحسر على مضي العمر في الغواية، فلا يجد مهربا من ذنوبه إلا استغفار الله تعالى والتشفع برسوله الكريم، مثلما قال البوصيري في افتتاح إحدى مدائحه النبوية. وافاك بالذّنب العظيم المذنب ... خجلا يعنّف نفسه ويؤنّب لم لا يشوب دموعه بدمائه ... ذو شيبة عوراتها ما تخضب يستغفر الله الذّنوب وقلبه ... شرها على أمثالها يتوثّب ضاقت مذاهبه عليه فما له ... إلّا إلى حرم بطيبة مهرب «١» ويفتتح الصرصري إحدى مدائحه النبوية بالتحسر على عمره الذي أمضاه في المعاصي، ويتذكر يوم الحساب فلا يجد من يتشفع به غير رسول الله ﷺ ، ويدعو إلى التوبة قبل الممات، وبالتفكر في خلق الله، فيقول: قم فبادر من قبل رفع النّعوش ... حلبة السّبق ذا إزار كميش وتدبّر خلق السّماء ففيها ... عبر جمّة لذي التّفتيش وتفكّر في خلقة الأرض تنظر ... عجبا في مهادها المفروش «٢» ويكثر الشعراء في مقدماتهم الوعظية للمدائح النبوية من ذكر الموت الذي يبعث في النفوس الخشية والرهبة، ويحثها على ترك المعاصي، والمبادرة إلى التوبة واستغفار الله تعالى، فيخرجون ذكرهم للموت مخرج الحكم والمواعظ.

стр. 321

الدعاء: وإلى جانب الحكم والمواعظ والتذكير بالموت وطلب التوبة، افتتح شعراء المديح النبوي بعض المدائح النبوية بالدعاء إلى الله تعالى، وطلب مغفرته، وكشف الكرب والغم، والتشفع برسول الله ﷺ ، تمهيدا لمدحه، ومن ذلك مدحة نبوية للشهاب محمود، بدأها قائلا: يا من إليه بعزّه أتشفّع ... وبذلّتي أعنو إليه وأخضع يا كاشف الكرب التي إن أعجزت ... ضرّاؤها فإليه فيها يرجع أدعوك دعوة مستجير ماله ... إلّا إليك مدى الزّمان تطلع مستشفعا بالمصطفى الهادي الذي ... هو في القيامة في العصاة مشفّع «١» وإذا كان الشهاب محمود قد دعا الله تعالى وتضرّع إليه، ليغفر له ذنوبه، ويذهب كروبه، فإن الصرصري بدأ قصيدته في مدح رسول الله ﷺ بتسبيح الله وذكر آلائه ومظاهر قدرته في الكون، ليعتبر الغافل، وقد جعل من آلائه وفضائله على عباده بعث رسول الله ﷺ إلى الناس، فقال: سبّح لربّك في الظّلام الدّاجي ... واذكره ذكر مواظب لهّاج سبحان من رفع السّماوات العلا ... سبعا وزان السّقف بالأبراج فتبارك الله المهيمن مخرج ال ... أموات منها أحسن الإخراج واختار آدم من تراب بارئا ... أولاده من نطفة أمشاج واختار منهم أجمعين محمدا ... لظهور دين واضح المنهاج «٢»

стр. 322

المباشرة بالمدح: لكن بعض شعراء المدائح افتتحوا قصائدهم بما يقرب من المدح، ويشير إلى موضوع قصائدهم، فالواعظ البغدادي بدأ إحدى نبوياته بطلب شكر الله على بعثه رسول الله ﷺ من الأمة العربية، فقال: عليكم بشكر الله يا خير أمّة ... نبيّكم أعلى نبيّ وأرفع «١» وبدأ الأبشيهي «٢» مدحته النبوية بالدعوة إلى زيارة النبي الكريم، فقال: حثّ الرّكاب إلى الجناب الأفضل ... ودع التّعلّل بالخلائق وارحل «٣» فهنا بدأ بعض الشعراء يتخففون من المقدمات التقليدية وغيرها للمدحة، وأخذوا يفتتحون قصائدهم بذكر رسول الله مباشرة، أو يجعلون الحديث عن المديح النبوي مدخلا لقصائدهم. وصرنا نجد بين المدائح النبوية مدائح تخلو من المقدمات، فضّل شعراؤها الدخول في مديح رسول الله مباشرة، كأنهم شعروا أن ذكر النبي الكريم لا يحتاج إلى تمهيد وتقديم، فذكره مقدم على كل حديث، وهذا ما فعله البوصيري في همزيته حين افتتحها قائلا: كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء «٤» وللصرصري مدائح عدّة أضرب فيها عن ذكر المقدمات، ودخل في مديح النبي مباشرة، مثل قصيدته التي مطلعها:

стр. 323

قفا بحمى سلع فساكنه الذي ... من الحادث المرهوب أصبح منقذي «١» وتأتي المدائح النبوية التي تنظم للإنشاد في الاحتفالات الدينية وحلقات الذكر في الغالب دون مقدمات فالشاعر يبدأ المدحة النبوية بالمدح مباشرة، مثل البرعي الذي نظم أكثر من قصيدة من هذا اللون، فبدأ إحداها بقوله: بمحمّد خطر المحامد يعظم ... وعقود تيجان القبول تنظّم وله الشّفاعة والمقام الأعظم ... يوم القلوب لدى الحناجر كظّم «٢» وهكذا نرى أن التقديم في قصائد المديح النبوي متباين، فمنه التقديم التقليدي الذي جمع الوقوف على الأطلال والغزل ووصف الرحلة. وقد قدم مادحو النبي الكريم بعض أجزاء هذا التقديم وأخّروها، ليحركوا رتابته، وحذفوا أجزاء منه، واستعاضوا عن ذكر الأطلال بذكر الأماكن المقدسة، إلى أن وصلوا في تلوين مقدماتهم إلى وصف الطبيعة أو الحديث عن التوبة والمغفرة والوعظ، وقسم منهم ترك المقدمات وشرع في المدح مباشرة.

стр. 324

الانتقال: المدحة النبوية مثل غيرها من المدائح لا تقتصر في مضمونها على موضوع واحد، بل تتعدد فيها الأغراض والمواضيع، فينتقل الشاعر أثناءها من موضوع إلى آخر انتقالا حادا حينا، يشعر المتتبع بالافتعال والتصنع، وانتقالا رفيقا حينا آخر، يدل على مهارة الشاعر ومقدرته على ربط المواضيع، بعضها ببعض، وخاصة عند ما ينتقل الشاعر من مقدماته إلى غرضه الأساس (المديح) ، ويسمى هذا الانتقال عند البلاغيين المخلص أو حسن المخلص، إذ يجب على الشاعر أن يحترز من انقطاع الكلام، أو الحشو الذي لا طائل من ورائه، أو من اضطراب الكلام عند ذلك، فيشعر قارئ القصيدة أو سامعها بارتباك الشاعر عند انتقاله. والأمثلة على ذلك كثيرة، فجميع قصائد المديح النبوي تحوي على مثل هذا التخلص، يجيده الشاعر حينا، ويستعجل حبكه حينا آخر. ومن ذلك انتقال البوصيري إلى المديح بعد أن تحدث عن المعاصي فجعل ذلك مخلصا إلى مدح رسول الله ﷺ فقال: ظلمت سنّة من أحيا الظّلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضّرّ من ورم «١» والصرصري تحدث في مقدمة إحدى مدائحه عن الأماكن المقدسة، ودعا لها بالسّقيا، منتقلا بذلك إلى مدح النبي الكريم، فقال: سحّت غمائم أنوار المزيد على ... قبابه البيض سحّا دونه السّحب فهي الشّفاء لأسقامي وساكنها ... هو الحبيب الذي أبغي وأطّلب «٢» وعند ما يقدم الشاعر لمديحه النبوي بالغزل، فإن مهمة التخلص إلى المديح تصبح

стр. 325

أصعب، وتتطلب مهارة وحنكة، فابن حجر قدّم لإحدى مدائحه النبوية بأبيات هي خليط من الغزل وعتاب النفس، أظهر فيها وجده وهيامه، وعذابه في الحب، فجعل خلاصه من آلام الحب وعذابه في مدح رسول الله ﷺ ، وقال: بيني وبينك في المحبّة نسبة ... فاحفظ عهود تغزّل ونسيب والله مالي من هواك تخلّص ... إلّا بمدح المصطفى المحبوب «١» وأظهر الشرف الأنصاري مقدرة ومهارة حين انتهى إلى وصف محاسن محبوبته في مقدمة مدحة نبوية، فجعل التعجب منها مخلصا إلى المدح النبوي، فقال: غصن نقا حلّ عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد فمن رأى ذلك الوشاح الص ... صائم صلّى على محمّد «٢» فالصلاة على النبي تقال عادة عند رؤية شيء يحوز الإعجاب، فيدعو مشاهده لحفظه وصونه، ويصلّي على النبي. التقط الشاعر هذه العادة، وجعلها مخلصا له من وصف محاسن محبوبته إلى مدح رسول الله ﷺ . فمظاهر القصيدة المدحية في الشعر العربي جميعها توفرت في شكل قصائد المدح النبوي، وهذا أمر طبيعي، لأن المدائح النبوية ليست من صنع شاعر واحد، وليست من إبداع قطر واحد، وليست من إنتاج زمن واحد، بل هي مما أبدعته قرائح شعراء لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ومن الأقطار الإسلامية المختلفة، ومن عهد رسول الله ﷺ إلى نهاية العصر المملوكي الذي ندرس المدائح النبوية فيه، واستمرت بعد ذلك إلى يومنا هذا، ولذلك كان لا بد من أن يتنوع شكل القصيدة المدحية، وأن تتمثل فيه جميع المظاهر والتطورات التي ألّمت بقصيدة المدح العربية.

стр. 326

وليست قصائد المدح النبوي جميعها ذات أجزاء متباينة، وذات مقدمات وخاتمات، ففيها قصائد تحمل وحدة موضوعية، يمزج فيها الشاعر أجزاء القصيدة دون أن يترك شيئا، ودون أن يشعر المتابع بتوالي أجزاء القصيدة، ومثال ذلك قصيدة للشهاب محمود يقول فيها: نعم آن أن يسري الرّفاق إلى الحمى ... فقم أو فمت إن ركب هامة أتهما ألا حبّذا مسرى الرّكاب وقد رأت ... لها معلما عند الثّنيّة معلما وقد أشرقت تلك القباب وأشرقت ... وعاين أنوار الهدى من توسّما وشاهد في تلك المشاهد والرّبا ... معارج جبريل الأمين إلى السّما يرى منبر الهادي وموضع قبره ... ومزدحم الأملاك والوحي فيهما عليه سلام الله ما هبّت الصّبا ... وسارت نجوم اللّيل تتبع أنجما «١» فالشاعر لم يحتج إلى ما يربط به أجزاء القصيدة، لأنه مزج بين هذه الأجزاء، ولم يفصل جزآ عن آخر، وربطها جميعا بمشاعره التي ظلت ظاهرة متأججة منذ بداية القصيدة وحتى نهايتها. الرجز: ولم ينس شعراء المديح النبوي أن ينظموا بعض مدائح النبي الكريم على الشكل الشعري القديم، الذي تميّز عن باقي قصائد الشعر العربي بوزنه وبطريقة صياغته، وهو الرجز، فنجد بعض الأراجيز في المدح النبوي، منها أرجوزة للصرصري، مطلعها: جادت شابيب المطر ... بمستجيش منهمر

стр. 327

يملأ أكناف الغدر ... ويودع الأرض الزّهر ربعا به كلّ الوطر ... أبيض محروس القطر ربع المصفّى من مضر ... أحمد أفضل الفطر «١» وللشرف الأنصاري ثلاث أراجيز في المديح النبوي، قال في الأولى: حرف كنون الكاتب الخطّاط ... تغني بأدنى الزّجر عن سياط حتّى تيّممت على احتياط ... قبر النّبيّ الهاشميّ السّاطي على ذوي الإلحاد والأقساط ... ومنذر السّاعة بالأشراط والحاشد الماحي ذنوب الخاطي «٢» المقطوعات: ومثلما استوفى شعراء المديح النبوي شكل القصيدة العربية التقليدية بكل مكوناتها المعروفة آنذاك، فإنهم وضعوا مشاعرهم اتجاه رسول الله ﷺ في مقطوعات شعرية قصيرة، بعيدا عن الشكل الرسمي للقصيدة المدحية فعبروا من خلالها بحرية عن معنى من معاني المديح النبوي، مثل قول الصرصري صاحب القصائد الطويلة في المدح النبوي من مقطوعة نبوية: نفسي الفداء لبدرتمّ بازغ ... سام على غصن الجمال النّابغ لا يعتري نقص المحاق كماله ... كلّا وليس قوامه بالزّائغ

стр. 328

أهدى له الرّحمن أحسن صيغة ... فتبارك الرّحمن أحسن صائغ بلغت عنايته به ما لم يكن ... أحد إليه من الأنام ببالغ يا من تجمعّت المناقب كلّها ... فيه فلم يدركه وصف مبالغ ومن اكتسى ثوب البهاء محبّة ... تبّا لقلب من ودادك فارغ «١» فالصرصري يتسع في إيضاح مشاعره أكثر من حشد المعاني الدينية في مدح رسول الله ﷺ ، وكأن المقطوعات تصاغ لتجسيد التجارب الشعورية نحو رسول الله ﷺ في حين أن القصائد الرسمية الكاملة في شكلها، تجمع المشاعر الدينية إلى جانب المعاني المختلفة للمديح النبوي. وهذا يبدو واضحا في مقطوعة الشرف الأنصاري التالية: مالي إلى غيرك التفات ... حيث ترامت بي الجهات أنت دواء لكلّ داء ... تعجز عن طبّه الأساة حوشيت أن تنام عنّي ... مثلك لا تأخذ السّنات وإن عدتني الوفاة فاعذر ... عيشي من بعدك اقتيات «٢» فالمقطوعة مناسبة لإظهار المشاعر بإيجاز وافتتان، ولطرق معان محددة، يريد الشاعر تأكيدها دون توسع. ومثلما انتشر في هذا العصر نظم البيت والبيتين لنكتة بديعية، أو للمحة معنوية، يظهر الشاعر فيه ذكاؤه، نظم مادحو الرسول الأمين هذا الضرب من الشعر، فأودعوا معنى من معاني المديح النبوي في بيتين أو ثلاثة.

стр. 329

فعند ما وصل الزنوري «١» إلى المدينة المنورة، قال: ببابكم حطّ الفقير رحاله ... وما خاب عبد أمّكم متوسّلا لقد جاء يبغي من نداكم قراءه ... وللعفو والإحسان أمّ مؤمّلا «٢» وإذا تمنى شاعر زيارة الروضة النبوية الشريفة، وضع تمنيه في بيتين من الشعر، كما فعل ابن الجمال «٣» البصري في قوله: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بروضة خير المرسلين محمّد نبيّ له الله اصطفى من عباده ... وأرشدنا منه إلى كلّ مقصد «٤» ضروب النظم: ولم تكن القصيدة التقليدية بتلوناتها المختلفة والأرجوزة والمقطوعة الشعرية، هي الأشكال التي وضعت فيها المدائح النبوية في العصر المملوكي، فإلى جانبها أشكال عدة، عرفت في ذاك العصر وقبيله، جاءت عن طريق الاشتغال بالقصائد المعروفة والإضافة إليها، كأن يأخذ الشاعر قصيدة قديمة، فيأتي إلى كل بيت من أبياتها، يطرح منه أحد شطريه، ويبقي الآخر، ويتمه، فيصرف معناه من المعنى الأصلي الذي وضع له إلى معنى جديد، هو المديح النبوي، أو ما يماثله، كقول الشهاب محمود في إحدى مدائحه:

стр. 330

دع الصّبّ يدمي الدّمع منه الماقيا ... قد ظن كلّ الظّنّ ألاتلاقيا «١» وقد حظي امرؤ القيس بعناية شعراء المدائح النبوية، فكانوا يعارضون قصائده، ليكتسبوا المران على نظم الشعر الأصيل، واتكأ بعضهم علي قصائده، فشطروها، صارفين معناها إلى المديح النبوي، ومن ذلك قصيدة حازم القرطاجني التي شطّر فيها معلقة امرئ القيس- كما مرّ معنا- باذلا جهدا كبيرا في صرف معناها إلى المديح النبوي، على بعد ما بين موضوعها وبين المديح النبوي، وكأنه يريد الإفادة من شهرة القصيدة ومن وزنها وقافيتها، أو أنه يريد أن يبرهن على مقدرته الشعرية، وعلى اتقانه لصنعة كانت مدار التفاضل والتفاخر بين الشعراء، ولذلك شطّر قصيدة أخرى لامرئ القيس، بدأها بقوله: أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال فأنزل دارا للرّسول نزيلها ... قليل هموم ما يبيت بأوجال جوار رسول الله مجد موثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي «٢» وإلى جانب تشطير القصائد القديمة، وصرف معناها إلى المديح النبوي، نجد ما يقارب هذا في مدائح رسول الله ﷺ المشهورة، ونجد كذلك التخميس والتسديس والتسبيع والتعشير، وغير ذلك مما فعله بعض مدّاح النبي الكريم في قصائد المدح النبوي، وأكثر القصائد التي نالت من هذه التغييرات الشعرية، هي بردة البوصيري، إذ

стр. 331

جذبت شهرتها جهود هواة هذا النوع من التشكيل الشعري في مختلف الأقطار العربية الإسلامية، فأشبعوها تغييرا وإضافات، إلى أن أضحت القاسم المشترك لمثل هذا النشاط الشعري. فالتخميس هو نوع من المعارضة والتضمين في الوقت نفسه، هو معارضة لأن التخميس يأخذ الوزن والقافية، وتضمين لأن المخمس يضمّن القصيدة المعارضة كلها في قصيدته، فخمسا قصيدته من القصيدة المعارضة، وهكذا تكون الأشكال الآخرى مثل التسديس والتسبيع والتعشير. وممّن خمّسوا بردة البوصيري شاعر اسمه (عبد الله الطويلي) ، أتمّ ثلاثة تخاميس لها في سنة (٨٥٥ هـ) ووضع التخاميس الثلاثة متساوقة في مخطوط واحد، إذ يضع بيت البوصيري، ويضع إلى جانبه تخاميسه، وقد بدأ التخميس الأول قائلا: الله يعلم ما في القلب من ألم ومن غرام بأحشاء ومن سقم على فراق فريق حلّ في الحرم أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «١» وتحدث في هذا التخميس عن تخاميسه، فقال: الله يسّره أولى وثانية معا وثالثة وزنا وقافية والله أسأله عفوا وعافية

стр. 332

فالحمد لله حمدا صاب سارية ... ولم يزل حمده مستوكف الدّيم ذيّلتها بقواف زدتهنّ لها وبالزّيادة قلب المستهام لها أكرم بها بردة ما جاء أجملها بها تغنّى الأبوصيري وفصّلها ... في مدح خير الورى المبعوث للأمم مخمّسوها كثير ما لهم عدد كلّ بفرد من التّخميس منفرد إلّا أنا لي ثلاث حفّني مدد من ذي العلا فهو ربّ دايم صمد ... سبحانه من قديم مالك القدم «١» فالشاعر هنا تحدث عن تخاميسه التي تفرّد بها عن غيره، وزاد فيها قوافي البردة، وأشار إلى أن مخمّسي البردة ليس لهم عدد، وهذه من الحقائق الثابتة، فلا يعلم على وجه اليقين عدد من زاد البردة تخميسا أو غيره إلا الله تعالى. ودعا الله تعالى في التخميس الثالث أن يغفر له ولمنشديها وكاتبيها ومغنيها، وهذه إشارات واضحة إلى ما كانت تلقاه المدائح النبوية من إقبال الناس وانشغالهم بها، فهناك منشدون لها، وهناك مغنون وكاتبون، وبالتأكيد سامعون كثر، وأشار هذا التخميس إلى أنه أنشأ تخاميسه بناء على طلب من رجل يدعى البياضي، فكان ذوو الشأن يطلبون من الشعراء نظم المدائح النبوية أو تخميسها، قال في دعائه: يا ربّ واغفر لمنشيها ومنشدها

стр. 333

مجموعة مع أخرى أو بمفردها وكاتبها ومغنّيها ومسعدها وقد أرى مطلب الإحسان في يدها ... والمسلمين فمن عرب ومن عجم «١» والغريب أن نجد شاعرا ينظم معشرات نبوية، ثم يعود فيخمسها جميعها، والمعشرات قصائد مرتبة على حروف الهجاء حسب القافية، وكل قصيدة مؤلفة من عشرة أبيات، فابن الجيّاب الأندلسي «٢» له معشرات في مدح رسول الله ﷺ ، وبعد أن أتم نظمها، عاد وخمسها، ومن تخاميسه التخميس الذي وضعه على قصيدة حرف الذال، وقال في مطلعه: أقول عسى سهم النّصيحة ينفذ ... وليس لنصح في فؤادك مأخذ فؤاد بأمراس الهوى عنك يجبذ ... ذروا عاجلا يفنى وفي آجل خذوا فقد غصّ من بالمنقضى يتلذّذ «٣» وفعل الشاعر هذا الفعل في جميع معشراته، وكأنه شعر بجمود معشراته وتقصيرها عن الإحاطة بمعاني المديح النبوي التي يريدها، فلجأ إلى التخميس ليضيف ما يريد من معان، وليحرك الشكل الشعري ويخلّصه من القيود التي فرضها عليه. ولم تكن التخاميس كلها موضوعة على قصائد سابقة، بل إن شعراء المديح النبوي نظموا مدائحهم على شكل التخميس بدا دون أن تكون تخاميسهم صدى لقصائد أخرى، فهي تخاميس أصيلة، أعجبت الشعراء لذيوعها، وللإمكانات الإيقاعية التي

стр. 334

تمنحها للشعر، وتجعلها ملائمة للإنشاد، ومن هذه التخاميس تخميس للبرعي، كأنه رباعيات فصلت عن بعضها بلازمة ثابتة، افتتحه بقوله: بمحمّد خطر المحامد يعظم ... وعقود تيجان القبول تنظّم وله الشّفاعة والمقام الأعظ ... يوم القلوب لدى الحناجر كظمّ فبحقّه صلّوا عليه وسلّموا «١» ومن التخاميس الحافلة بالإيقاع الملائم للإنشاد، وذات الأسلوب الخفيف الجميل، تخميس لبعض الوّعاظ المشارقة كما وصفه صاحب نفح الطيب، يقول فيه: جلّ الذي بعث الرّسول رحيما ليردّ عنّا في المعاد جحيما وبه نرجّي جنّة ونعيما أضحى على الباري الكريم كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما «٢» ويظهر أن هذه اللازمة (صلوا عليه وسلموا تسليما) ، التي يكثر تردادها في الموالد النبوية قد انتقلت إلى التخاميس، والتي توضع على هذا الشكل لتنشد في مثل هذه المناسبات، ولذلك نجد عددا من التخاميس تنتهي بهذه اللازمة، وكأن الشاعر في التخميس يخاطب جمعا أمامه، أو أنه يستحضر جمع السامعين في ذهنه عند نظمه لتخميسه. فالتخميس انتشر في الأقطار العربية الإسلامية، لطاقاته الإيقاعية العالية وتنوع القوافي فيها، ولملاءمته للإنشاد في مجالس الذكر والاحتفالات الدينية.

стр. 335

لكن المشارقة لم يهتموا بالتخميس اهتمام المغاربة به، الذين برعوا في إنشائه براعتهم في إنشاء الموشحات يبدعون في إيقاعه وفي صياغته، وينظمون به الأحاديث والروايات ويخضعونها لإيقاع التخميس. أما التسديس، فهو لون من ألوان التصرف بالقصيدة، يعمد فيه الناظم إلى وضع بيتين، كل شطر منهما ينتهي بالقافية نفسها، ثم يتبعهما ببيت، كل شطر فيه ينتهي بقافية مغايرة، وتظل هذه القافية ثابتة في التسديس كله، في حين تتغير القافية الأولى، فقوام التسديس وحدات، تتألف كل منها من ثلاثة أبيات أو ستة أشطر، أربعة منها على قافية، واثنان على قافية أخرى، مثل تسديس ابن العطار الذي يقول فيه: نور النّبيّ المصطفى المختار ... أربت محاسنه على الأنوار مرآه يخجل بهجة الأقمار ... نور ينجّي من عذاب النّار قد زان ذاك النّور اسماعيلا ... صلّوا عليه بكرة وأصيلا «١» ولا يغادر الشاعر اللازمة، وهي الشطر الثاني من البيت الثالث في أجزاء التسديس، وكأن هذه الأشكال الشعرية وضعت للإنشاد فقط، أو كما قال الطويلي في تخميسه للإنشاد والغناء في مجالس الذكر والاحتفالات الدينية. ويلاحظ أيضا في شكل التخميس والتسديس أنها قريبة من الرباعيات أو الدوبيت، فإذا نزعنا الشطر الخامس ذا القافية المختلفة في التخميس، والبيت الثالث ذا القافية المختلفة في التسديس، لكانت هذه الأشكال رباعيات أو غير ذلك من التسميات. إلا أننا نجد مثالا على ذلك دون أن يكون مخمسا أو تسديسا، بل وضع بدا على

стр. 336

شكل قريب من التربيع أو الدوبيت، فللبرعي مدحة نبوية جاءت على النحو التالي: قف بذات السّفح من إضم ... وانشد السّارين في الظّلم هل رووا علما عن العلم ... أم رأوا سلمى بذي سلم ليت شعري بعد ما رحلوا ... أي أكناف الحمى نزلوا أبذات البان أم عدلوا ... ينشدون القلب في الخيم «١» وعلى هذا النمط تأتي الأشكال الشعرية الآخرى من تسبيع وتعشير وغير ذلك من النظم الذي تتغير فيه القافية في كل مقطع من مقاطع القصيدة، فتريح الناظم من ناحية، وتشيع في القصيدة إيقاعا خاصا حسب عدد الأشطر المتفقة في القافية الواحدة من ناحية ثانية، وهذا ما يجعل القصيدة ملائمة للإنشاد، وربما الغناء بمصاحبة الآلات الموسيقية أو الإيقاعية. فمن التسبيع على البردة، قول البيضاوي «٢» : الله يعلم ما بالقلب من ضرم ... ومن غرام بأحشاء ومن سقم على فراق فريق حلّ في حرم ... فقلت لمّا همى دمعي بمنسجم على العقيق عقيقا غير منسجم ... أمن تذكّر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «٣» ومن التعشير ما أجراه ناظم يدعى محمد بن عبد العزيز على البردة، وقال فيه:

стр. 337

أمن تذكّر جيران بذي سلم ... أم من تباريح ما أخفيت من ألم أم من هوى من سمت أوصاف حسنهم ... أم من تفانيك في إفراط حبّهم هجرت طيف الكرى ليلا فلم تنم ... أم حين أطربك الحادي بوصفهم أم بالمغاني ونجد ثم سلعهم ... أم همت شوقا ووجدا نحو أرضهم أو من وقوفك في أطلال ربعهم ... مزجت دمعا جرى من نحو مقلة بدم «١» ولا ننسى في حديثنا عن هذه الأشكال الشعرية والتغييرات التي أجراها الشعراء على قصائد المديح المشهورة، الإشارة إلى التشطير، الذي يأخذ فيه الشاعر شطر كل بيت من القصيدة، ويتمه من نظمه، مثل تشطير شاعر اسمه (محمد بن عبد القادر المقاطعي) لبردة البوصيري، ومنه قوله: أمن تذكّر جيران بذي سلم ... لبست بردا من الأحزان والسّقم أم من فراق ربوع كنت تعهدها ... مزجت دمعا من مقلة بدم «٢» ولم يتوقف الشكل الشعري للمدحة النبوية عند المظاهر السابقة، والتي تعني الرصانة والجزالة، وهو ما يليق بالمدح النبوي، إلا أن انتشار المدح النبوي انتشارا عظيما، جعله يملأ مجالس الشعراء والأدباء الرصينة، ويفيض إلى مجالس الذكر والمجالس الشعبية، ليضحي فنا شعبيا يلائم كل ذوق، ويتفق مع كل درجات الثقافة، فالنبي الكريم هو نبي المسلمين جميعا، وحبيب المؤمنين كلهم، ولهم جميعا أن يشاركوا في مديحه، كل على طريقته ووفق مقدرته وثقافته، ومن هنا نشأت المذاهب المختلفة في مدح النبي، ومن هنا جاءت الأشكال الشعرية المتباينة في مدحه.

стр. 338

وقد شهد العصر المملوكي اتساع دائرة النظم، فلم تعد مقتصرة على الشكل الشعري الذي عرف إلى ذلك الحين، وإنما شملت فنونا جديدة، معظمها ملحون. ويلاحظ أن فنون النظم الملحونة قد تساوت عندهم مع فنون النظم المعربة، وهذا يدل على شيوع النظم بلهجتهم الدارجة، وعلى انفعال الناس به، واقترابه من أذواقهم وأفهامهم، وإن كان ذلك مما أفسد أذواق الناس، وقعد بهم عن التطلع إلى الفصحى والتمتع بجمالها، ولا بد أنهم نظموا في هذه الألوان الملحونة المواضيع الدينية، ومنها المديح النبوي، ولكننا سنضرب صفحا عنها وعن أمثلتها، لأن العامية لم تكن لغة لها آدابها التي تزاحم الفصحى وآدابها، ولن تكون مزاحمة لها، ولن نسمح أن تكون كذلك بإذن الله تعالى. ومن الفنون المعربة التي شاعت آنذاك، وكانت معروفة من قبل الموشح، ذلك التلوين الجميل للشعر العربي بإيقاعاته التي تلائم الموسيقا والغناء، والذي لامس العامية في خرجته، والذي عرف بأنه فن الغزل والخمر والزهر، إلا أنه استخدم للتعبير عن الموضوعات الشعرية المعروفة في الأدب العربي، أو كما قال ابن سناء الملك: «الموشحات يعمل فيها ما يعمل في أنواع الشعر من الغزل والمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد، وما كان منها في الزهد، يقال له المكفّر، والرسم في المكفّر خاصة أن لا يعمل إلا على وزن موشح معروف وقوافي أقفاله، ويختتم بخرجة ذلك الموشح، ليدل على أنه مكفّره ومستقيل ربه عن شاعره ومستغفره» «١» . والموشح ملائم للإنشاد والغناء في مجالس الذكر، وفي الاحتفالات، فلماذا لا يفيد منه شعراء المديح النبوي، ويضعون بعض مدائحهم في قالبه؟ هذا ما فعله مدّاح النبي ﷺ ، وخاصة في الأندلس والمغرب العربي، فوضعوا

стр. 339

موشحات كثيرة في مدح رسول الله ﷺ ومن هؤلاء الششتري «١» ، الذي جاء من الأندلس، وطاف أقطار المشرق، داعيا إلى طريقته الصوفية عن طريق نظم الموشحات والأزجال العامية التي انتشرت بين الناس، مما دعا الفقهاء إلى محاربة شعره الذي يميل في معظمه إلى الترخص في اللغة، ويقترب من العامية، وقلّما يسلم له موشح من اللحن، لأن العامية غلبت عليه، ومن موشحاته قوله: لا تعشق يا قلبي ... سوى المصطفى نور الله الممجّد ... وبحر الوفا من حاز الحسن طرا ... وحاز الوفا أنت البدر المكمّل ... وسرّك عجيب آه جدّد عليّ ... وصال الحبيب آه يا سيد الرسل ... مالي سواك آه يا نور عيني ... قتلني هواك آه اعطف عليّ ... وجد برضاك أنت البدر المكمل ... وسرك عجيب آه جدد علي ... وصال الحبيب «٢» وهذا أقرب موشحاته إلى الصورة التي نعرفها للموشح، وهو يخلط دائما بين

стр. 340

الموشح والزجل الملحون الذي يشكّل معظم ديوانه، وقد نظم به عددا من المدائح النبوية، ونجد أيضا زجلا في المدح النبوي عند ابن زقاعة في ديوانه، لا يختلف في مضمونه عمّا يرد في المدائح النبوية التي نعرفها «١» . وبذلك يكون المدح النبوي قد أضحى أحد موضوعات الفنون الشعرية الشعبية المستحدثة في ذلك العصر. ومن الموشحات التي مدح فيها رسول الله ﷺ ، وتقرب من المكفّرات، موشح لابن الملحمي الواعظ «٢» ، بدأه بوصف الطبيعة، وإظهار مشاعره، ثم انتقل إلى الوعظ والدعوة لترك الغواية وحياة اللهو والتكفير عنها، واختتمه بالمديح النبوي، فقال: أرتجي ربّي ويكفيني الرّجا ... فهو الغفّار والنّبيّ المصطفى بدر الدّجا ... أحمد المختار من على سنّته سار نجا ... من لهيب النّار مرشد الخلق إلى سبل النّجاح ... طاهر الأعراق ذا النّدى بحر العطايا والسماح ... طيّب الأخلاق «٣» والملاحظ في الموشحات أن ناظميها أطالوا في الوعظ والتذكير، وهذا مناسب للإنشاد والغناء في المجالس والاحتفالات. ولم يتطرق شعراء المديح النبوي في الموشحات إلى نظم السيرة والمعجزات

стр. 341

والروايات الغيبية، لأن شاعرية الموشح وإيقاعه لا تسمح للناظم أن ينقاد إلى النظم المجرد. وبذلك يظهر لنا أن المديح النبوي في العصر المملوكي قد أودع في الأشكال الشعرية جميعها، التي كانت تعرف آنذاك، لأن هذا الفن الشعري لا يحوز على اهتمام فئة دون فئة، بل يحوز على اهتمام المسلمين جميعا. وقد حفلت المدائح النبوية بتنوع كبير في الشكل الشعري، يفوق ما عرفه أي فن شعري آخر، فبالإضافة إلى كل ما سبق نجد ألوانا أخرى من الشكل الشعري، دعت إليها طبيعة المضمون، فلم تتابع شكل القصيدة العربية التقليدي في أجزائه وتركيبه. الأشكال المتميزة: ومن هذه الألوان مقصورة لابن جابر، مدح فيها النّبي الكريم، وتحدث عن مواضيع أخرى، لكنه أطالها إطالة كبيرة، وقسّمها إلى أجزاء، ليس بينها ما هو مقدمة أو ما هو غرض، بل قدم موضوعاته في القصيدة وفق ما يوصله إليه نظمه، وما يتبادر إلى ذهنه، والأجزاء في معظمها معشرات، يتألف كل جزء من عشرة أبيات مرتبة ترتيبا أبجديا، إذ استوفي في القافية حروف الهجاء جميعها قبل حرف الألف، فلا يجمع القصيدة إلا انتهاء القافية بحرف الألف، ووجود مدح النبي منثورا في أجزائها، بدأها بقوله: بادر قلبي للهوى وما ارتأى ... لمّا رأى من حسنها ما قد رأى فقرّب الوجد لقلبي حبّها ... وكان قلبي قبل هذا قد نأى ثم تغزل فقال: يا ربّ ليل قد تعاطينا به ... حديث أنس مثل أزهار الرّبى

стр. 342

في روضة تعانقت أغصانها ... إذا وصلت ما بينها ريح الصّبا ثم مدح فقال: تالله لا أعبا بعيش قد مضى ... ولا زمان قد تعدّى وعتا مذ علقت كفّى بالهادي الذي ... ساد الورى طفلا وكهلا وفتى ثم تحدث عن الأخلاق فقال: لا أسأل النّذل ولو أنّي به ... أملك ما حاز النّهار والدّجا لكن إذا اضطرّ زمان جائر ... أمّلت من ليس يردّ من رجا «١» وهكذا ينتقل في مقصورته من موضوع إلى موضوع، ويدرج في أثنائها المديح النبوي، وكأنه جمع عدة قصائد في قصيدة واحدة، فجاءت متفردة في بابها، موضوعا وشكلا، على الرغم من التزامه بقيود فرضها على نفسه سلفا. ومن القصائد التي تميزت في شكلها الشعري بفضل مضمونها، القصائد التي نظمها أصحابها وسيلة يتوسلون بها رسول الله تعالى، أو القصائد التي نظمت كلها صلاة على النبي، فهذه القصائد لا تحتاج إلى مقدمة أو خاتمة، أو غير ذلك مما هو معروف في شكل القصيدة المدحية العربية، مثل قصيدة البوصيري، التي مرت معنا وسماها (القصيدة المضرية في الصلاة على خير البرية) . فالوسيلة لون من ألوان المديح النبوي أو من الأوراد والأدعية التي ينظمها المتصوفة لينشدوها في مجالسهم ومحافلهم. ومثل ذلك القصيدة المحمدية للبوصيري، وهي مدح لرسول الله ﷺ ، بدأ كل شطر من أشطرها بكلمة (محمد) ، فلا يتبين لها أجزاء ولا

стр. 343

يتبين لها مقدمة من خاتمة، وكأنها نشيد من أناشيد مجالس الذكر، أو هي كذلك، فهي تبدأ بقوله: محمّد أشرف الأعراب والعجم ... محمد خير من يمشي على قدم محمد باسط المعروف جامعه ... محمد صاحب الإحسان والكرم محمد ذكره روح لأنفسنا ... محمد شكره فرض على الأمم «١» وقد اشتهر البرعي بمثل هذه التوسلات والصلوات، فكان يضمّنها مدائحه النبوية، ويكثر منها، ويخصص لها قصائد خاصة، منها هذه الوسيلة التي يقول فيها: يا صاحب القبر المنير بيثرب ... يا منتهى أملي وغاية مطلبي يا من به في النّائبات توسّلي ... وإليه من كلّ الحوادث مهربي يا غوث من في الخافقين وغيثهم ... وربيعهم في كلّ عام مجدب «٢» وله كذلك قصيدة جيدة في الصلاة على النبي، أبدع في معانيها، وأحسن صياغتها، فحازت على إعجاب المنشدين على مر العصور، إذ لحنت في عصرنا الحاضر، ولا نزال نسمعها بين الحين والآخر، وهي: يا ربّ صلّ على النّبيّ المجتبى ... ما غرّدت في الأيك ساجعة الرّبا يا ربّ صلّ على النبي وآله ... ما أمّت الزوار نحوك يثربا يا ربّ صلّ على النّبيّ وآله ... ما كوكب في الجوّ قابل كوكبا صلوا على المختار فهو شفيعكم ... في يوم يبعث كلّ طفل أشيبا «٣»

стр. 344

ففي هذه الصلوات والتوسلات التي ينظمها الشاعر وهو في غاية الانفعال والوجد، لا يستطيع أن يقف عند الشكل، ويقلّد سابقيه، أو يحدد خطواته، فموضوعها لا يسمح بأن يكون لها مقدمة وخاتمة، وانتقال بين المواضيع التي تحويها القصيدة، لأن الوسيلة لا تحوي إلا موضوعا واحدا، لذلك جاءت موحدة الشكل متميزة عن باقي المدائح النبوية. القيود الشكلية: ومن المسائل الهامة في الشكل الشعري عند شعراء المدائح النبوية، مسألة القيود التي يقيد بها الشاعر نفسه قبل نظم قصيدته، كأن يتقيد بعدد الأبيات سلفا، وينظم عددا من القصائد، يرتبها حسب تسلسل حروف الهجاء، ويبدأ كل بيت من القصيدة بحرف القافية، فيضيق على نفسه، ويحملها عسرا، فتفتقد إلى الرواء والرونق والنضارة والشاعرية، وتصبح شكلا هندسيا متقنا، يحسبه الشاعر بدقة، ويحرص على ألا يعتوره أي خلل. ويتضح ذلك من تقديم الوتري لديوانه (معدن الإفاضات) ، إذ قال: «مدحوه ﷺ بقصائد على حروف الهجاء، وعزوها إلى المعشرات والعشرينيات، ولم يتعرضوا فيها للوتر، والله وتر يحب الوتر، فعملت هذه القصائد على واحد وعشرين بيتا» «١» . فالوتري يوضح أن بعض شعراء المديح النبوي قد أولعوا بمثل هذه الأشكال الشعرية، وأنهم صنعوا قصائد على عدد حروف الهجاء، كل قصيدة تتألف من عشرة أبيات، وهي المعشرات، أو تتألف من عشرين بيتا، وهي العشرينيات، وأنه يريد أن يشارك في مثل هذا اللون من قصائد المديح النبوي، لكنه يريد زيادة بيت على القصائد

стр. 345

العشرينيات وهو الوتر، ففعل ذلك ونظم قصائد بعدد حروف الهجاء، ورتبها الترتيب الأبجدي، وزاد على ذلك فبدأ كل بيت من قصائده بحرف القافية، فحصر نفسه بقيود شكلية لا تسمن ولا تغني، ولا تضيف شيئا بديعا إلى الشكل أو المعنى، وكل همّه وهمّ أمثاله من الشعراء، هو إثبات المقدرة على تكوين مثل هذه القصائد، التي جاءت عند الوتري على النحو التالي: أصلّي صلاة تملأ الأرض والسّما ... على من له أعلى العلا متبوّأ أقيم مقاما لم يقم فيه مرسل ... وأضحت له حجب الجلال توطّأ «١» وقال على حرف الباء: بنور رسول الله أشرقت الدّنا ... ففي نوره كلّ يجيء ويذهب براه جلال الحق للخلق رحمة ... فكلّ الورى في برّه يتقلّب «٢» ويظل الشاعر ينتقل من قصيدة إلى قصيدة، يضع معانيه في قوالب دقيقة، رسمها في ذهنه مسبقا، لا يحيد عنها حتى ينهي حروف الهجاء نظما وترتيبا. ومن الطريف في هذا الباب مدحة نبوية للكندي الدشناوي «٣» ، بدأ كل بيت من أبياتها بحرف من حروف الهجاء مرتبة ترتيبا أبجديا، فقال: أبيت سوى مدح خير الورى ... فأصبح نظمي وثيق العرا بروحي صفات تحلّي القريض ... وتسكبه ذهبا أحمرا

стр. 346

تعين القريحة أنّى ونت ... وتبرز ألفاظها جوهرا «١» ويظل على هذا النهج في نظمه لقصيدته حتى يستنفذ حروف الهجاء، وكأنه بذلك حاز قصب السبق في الإبداع الشعري. وهذه الطريقة في النظم شاعت في المديح النبوي، وهي أحد ألوان الشكل الشعري للمدائح النبوية، ومن مظاهر الصنعة في الشكل الشعري، التي كانت تعد آنذاك ممّا يدل على مهارة الشاعر ومقدرته، وهي لم تضف جديدا إلى شكل القصيدة العربية، بل جمدته بهذه القيود التي لا مسوّغ لها في المعنى أو في الصنعة الشعرية. النظم: ومن المظاهر البارزة في شكل المدحة النبوية الشعري، أو التي أثّرت في الشكل، النظم، فبعض شعراء المديح النبوي أرادوا في قصائدهم أن يجمعوا كل ما قيل في مدح رسول الله ﷺ ، فجاءت قصائدهم تاريخا أو سيرة أو ما شابه ذلك، فابتعدت عن الشاعرية، واقتربت من المنظومات التعليمية، لذلك اختل فيها الشكل الشعري الذي عهدناه في قصائد المدح العربية وفي معظم المدائح النبوية. والمدائح النبوية التي نحا فيها أصحابها منحى النظم كثيرة، وقلما يخلو ديوان شاعر مكثر في المديح النبوي من قصيدة استبد بها النظم، مثل القصيدة الشقراطيسية التي سبق الحديث عنها ومثل همزية البوصيري التي بدأها بقوله: كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء «٢» فهو يظهر من المقدمة سعيه في قصيدته إلى إثبات فضل رسول الله ﷺ وتفرّده في

стр. 347

معجزاته، فأخذ ينظم أحاديثها، والروايات الغيبية الكثيرة حولها، متعرّضا للسيرة، ناظما أبرز أحداثها، في أكثر من أربع مئة بيت، لا نتبين خلالها أي انتقال، أو أي جزء من أجزاء القصيدة، فلا مقدمات ولا انتقال، بل نظم حتى ينتهي إلى الخاتمة، التي يطلب فيها الشفاعة. وبذلك لا يتضح لنا الشكل الشعري للمدحة النبوية، ولا نجد فيها موضوعات مستقلة، بل هي منظومة تقرب من المنظومات التعليمية، التي لا يهتم فيها ناظمها بالشكل الشعري، وكل همّه أن يضع مادته في القالب الشعري لغرض في نفسه، وهو إثبات المقدرة والبراعة، أو تقرير علم من العلوم ليتمكّن الطلبة من استظهاره وحفظه. وهذا ما أبداه الصرصري أيضا في بعض مدائحه النبوية، وهو الذي عرف مثل البوصيري بشاعريته الفياضة وبمقدرته على تقليب معاني المديح النبوي، وغزارة شعره في هذا الباب. ويبدو أنه أراد ألّا يخلو ديوان مدحه النبوي من مثل هذا اللون من المدح النبوي، الذي صنعه بعض الشعراء ونالوا به شهرة واستحسانا حسب ذوق أدباء ذلك الزمان، فنظم قصيدة أربت على ثماني مئة وخمسين بيتا، وهو عدد لم نعهده في القصائد العربية من قبل. وقد حاول في هذه القصيدة أن يجمع كل ما قيل في مدح رسول الله ﷺ ، وأن يوضح مذهبه الديني، وبعض العقائد التي تباين موقف المسلمين منها، فأرّخ في هذه القصيدة وروى، وجادل ومدح، وسبّح وتوسل، دون أن يعير الشكل الشعري والتعبير الشعري الاهتمام الكافي إلا في مواضع قليلة، وكان يبدو عليه الحرص على أن ينظم الأحاديث والروايات في أوزان شعرية، ولو بدت نافرة مستعصية على الاندراج في السياق الشعري والخضوع للتعبير الشعري، فبدأها بقوله: أصبحت أنظم مدح أكرم مرسل ... لهجا به في رايق الأوزان حبّرت فيه قصيدة أودعتها ... من مسند الأخبار حسن معاني

стр. 348

في وصفه من بدء تشريفاته ... حتى الختام بحسن نظم معاني «١» فالصرصري أوضح في بداية قصيدته بعد التسبيح والحمد، أنه نظم مدحا في رسول الله ﷺ ، وأنه اتخذ هذا المدح معونة له لينال ما يريده، وأنه أودع في قصيدته أخبارا مسندة تبدأ منذ وجود النبي وحتى وفاته، أي أنه نظم سيرة رسول الله ﷺ التي تبدأ في نظره منذ بداية الخلق. ومضى الصرصري في سرد وقائع السيرة منذ بدء الخليقة وفق نظرية الحقيقة المحمدية، وبيّن كيف تنقل نور النبي في جباه آبائه، وكيف كان سر معجزات الأنبياء، ليصل إلى إرهاصات النبوة والمولد والنشأة والبعثة ووقائع الدعوة حتى الوفاة، معرّجا خلال ذلك على دلائل النبوة والمعجزات، متوقفا عند الدقائق والجزئيات، معتمدا على الأحاديث والروايات، وكأنه ينظم قصة أو سيرة نظما مجرّدا، لا نجد فيها ملامح الشعر إلا في مواطن قليلة، ولمحات بسيطة، وهو دائما يذكر الأحاديث والروايات بنصها بعد تقطيعها عروضيا، من مثل قوله: ولقد أتى عنه حديث مسند ... سأسوق معناه لذي نشدان «٢» ولم يكتف الصرصري بذلك، بل عرّج على بعض قضايا المديح النبوي، مثل موقف رسول الله من الشعر، فقال: واستنشد الأشعار مستمعا لها ... مستحسنا من غير ما نكران «٣» وأبى الصرصري إلّا أن يدرج في قصيدته بعض القضايا الخلافية، ويدلي بدلوه في النقاش حولها، مثل زيارة قبر رسول الله ﷺ ، والسلام عليه، فقال:

стр. 349

من زاره وكأنّما قد زاره ... حيّا زيارة صحة وعيان وبقبره الملك الكريم موكّل ... ليبلّغ التّسليم للبعدان لكن إذا ما المرء قام تجاهه ... ردّ السّلام على القريب الدّاني وهو الطري بقبره ما للبلى ... والحادثات عليه من سلطان «١» فهذه القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها نظم للأحاديث والروايات، استقصى فيها الصرصري السيرة النبوية، والقضايا المتعلقة بالحديث النبوي، وبعض القضايا الدينية التي أثير الجدال حولها في أيامه، فلم يحتفل كعادته لمقدمتها أو خاتمتها، ولم يظهر لها أجزاء متباينة كما هو الحال في القصيدة المدحية المعروفة ولذلك بهت الشكل الشعري للقصيدة، لأن اهتمامه لم يكن منصبا على الشكل والأسلوب الشعري، وإنما على استقصاء كل ما قيل عن سيرة رسول الله ﷺ وعن مدحه، فظهر أثر النظم الذي جار على الشاعرية في القصيدة. ومثل ذلك لامية ابن جابر التي نظم فيها أسماء رسول الله ﷺ ومعجزاته، وإن قدّم لها ببيتين واختتمها ببضعة أبيات، فالمنظومات التعليمية تبدأ عادة بحمد الله تعالى وتختتم بالصلاة على نبيه، فجاءت على النحو التالي: نبيّ هدى مولى شفيع مشفّع ... رؤوف رحيم سله ما شئت يبذل سما لمقام ليس يسمو إليه من ... سواه فقيل اقبل عطاي وأقبل وقال له جبريل هذه نهايتي ... تقدّم فإني لا أجاوز منزلي «٢» فهذه أمثلة لشعراء كبراء من شعراء المديح النبوي، تظهر تأثير النظم على الشكل

стр. 350

الشعري عندهم، ولم نعرض أمثلة لشعراء آخرين، أو لعلماء نظموا صفات رسول الله ﷺ ومواهبه ومعجزاته وسيرته، وسنعرض لأمثلة من هذا النظم عند الحديث عن الأسلوب والصياغة، فالنظم يجعل ملامح الشكل الشعري في المدحة النبوية غامضا، يفتقر إلى الوضوح، ويبتعد عمّا هو معروف في قصائد المديح العربي وقصائد المديح النبوي. المعارضة: ومن مظاهر الشكل الشعري في المدائح النبوية، أثر المعارضة الذي لا يمكن أن ينكر، والذي ظهر إلى أبعد الحدود في شعر المديح النبوي، فكثير من قصائد المديح النبوي كانت معارضة لقصائد سابقة في المدح النبوي وسواه، والمعارضة تتعدى في تأثيرها النظر إلى قصيدة معينة عند نظم الشاعر لقصيدته، بل إن الشاعر يضع القصيدة المعارضة أمامه، ويأخذ في تتبعها بيتا بيتا، منذ بدايتها وحتى نهايتها، فيأخذ شكل القصيدة ووزنها وقافيتها، وقد يأخذ بعض معانيها وعباراتها. واقتفاء الشعراء أثر بعضهم ليس عيبا، وليس غريبا في شعرنا العربي، وتأثر الشعراء بعضهم ببعضهم ليس بدعة، فقصيدة كعب بن زهير التي لاقت من المعارضة ما لم تلقه قصيدة أخرى، أرجع معظم معانيها وكثير من عباراتها إلى قصائد جاهلية سابقة كما مر معنا-، وحتى مقدمتها، كانت شائعة في ذلك الوقت، وهي: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول فقيل: «القصائد التي أولها (بانت سعاد) تزيد على خمس مئة قصيدة، منها قول ربيعة بن مقروم «١» :

стр. 351

بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحرّ المواعيدا «١» وأشهر قصيدة للبوصيري (البردة) ، تبدو للمتمعن أن صاحبها استأنس عند نظمها بميمية ابن الفارض في التشوق للمقدسات والوجد الصوفي، فأخذ بعض معانيها وعباراتها، ووزنها وقافيتها، وفيها يقول ابن الفارض: هل نار ليلي بدت ليلا بذي سلم ... أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا ... طيّ السّجلّ بذات الشّيح من إضم ناشدتك الله إن جزت العقيق ضحى ... فاقر السّلام عليهم غير محتشم «٢» وقبل أن نعرض للمدائح النبوية التي عارض أصحابها بها مدائح نبوية سابقة، فأفادوا من شكلها ومعانيها، لا بد من الإشارة إلى معارضة شعراء المدائح النبوية لقصائد قديمة، وصرف المعارضة إلى المديح النبوي، مثلما فعل بعض مدّاح النبي حين شطروا قصائد قديمة، وصرفوا معانيها إلى المديح النبوي- كما مر معنا-. وأكثر قصيدة من قصائد المدح النبوي عورضت، هي قصيدة كعب بن زهير في مدح رسول الله ﷺ ، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها أنها قيلت في رسول الله ﷺ أثناء حياته، وأعجب بها، وأثاب عليها، فمعارضتها تقرّب الشاعر من أن تكون قصيدته مقبولة عند ممدوحه ﷺ كما قال محي الدين بن عبد الظاهر «٣» : لقد قال كعب في النّبيّ قصيدة ... وقلنا عسى في مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك «٤»

стр. 352

ولأنها قصيدة أصيلة قديمة، احتفل لها كعب بن زهير أيّما احتفال، فمعارضتها تعطي الشاعر معرفة بالشعر العربي الأصيل، ويفيد منها شكلا ووزنا وقافية، وطريقة التعبير الرصين، ولذلك قلّما نجد شاعرا من شعراء المديح النبوي لم يعارض هذه القيدة، فللبوصيري قصيدة في معارضتها، سمّاها (ذخر المعاد في وزن بانت سعاد) ، عرضنا لأمثلة منها. ولابن نباتة قصيدة في معارضتها، بدأها بقوله: ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم ... إلّا كما يمسك الماء الغرابيل وبعد أن يتغزل على طريقة كعب، يضيف إلى مقدمته الوعظ وذكر الأماكن المقدسة، وينتقل إلى المدح مثل انتقال كعب، فيقول: إن لم أنل عملا أرجو النّجاة فلي ... من الرّسول بإذن الله تنويل ويسهب في مدحه مضيفا المعجزات، والصنعة التي عرفت في عصره، حتى إذا وصل إلى الخاتمة، صرّح بمعارضته لكعب، فقال: إن كان كعب بما قد قال ضيفك في ... دار النّعيم فلي في الباب تطفيل وأين كابن زهير لي شذا كلم ... ربيعها بغمام القرب مطلول «١» ألا تعني هذه المعارضة أن الشكل الشعري لقصيدة ابن نباتة مأخوذ عن الشكل الشعري لقصيدة كعب، وهو بذلك شكل تقليدي، ليس للشاعر المعارض فيه غير بعض إضافات، لا تحجب الشكل الأساس للقصيدة الأصلية؟

стр. 353

وتتفاوت معارضات قصيدة كعب بتفاوت حظ الشعراء من الشاعرية، فبعضهم يتكئ عليها اتكاء تاما، فيتابعها بيتا بيتا، وبعضهم يأخذ الشكل العام، لكنه يظهر ذاتيته في الصياغة والمضمون، وبعضهم يزيد عليها أو ينقص منها، وكلهم يحافظون على الشكل وتسلسل الأجزاء. وإذا أردنا استيفاء معارضات البردة، لصعب علينا ذلك، ولقينا من أمرنا شططا، وإنما نريد إيضاح فكرة المعارضة وأثرها على الشكل، فشعراء المديح النبوي لم يجدوا قصيدة مشهورة إلا عارضوها. وقد عورضت قصيدة كعب في المراحل السابقة للعصر المملوكي، عارضها الأبيوردي، وعارضها الزمخشري وغيرهما، واستمرت معارضتها إلى ما بعد العصر المملوكي، فأضحى شكلها شائعا في شعر المديح النبوي عبر العصور. ولاحظ المقري حين أورد قصيدة ابن لبّ «١» ، أنها معارضة لقصيدة أخرى، فبعد أن أورد القصيدة التي مطلعها: إذا القلب ثار أثار ادّكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا قال: «وقصد- ﵀ بهذه القصيدة، معارضة قصيدة للشهاب محمود، التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة المشرفة، على ساكنها الصلاة والسلام، وهي طويلة، ومطلعها: وصلنا السرّى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي، ومنه القصيدة المشهورة: أقول وآنست بالحيّ نارا «٢» فالمعارضة طريقة من طرق الحفاظ على الشكل الشعري التقليدي، لكنه قدّم فيه

стр. 354

وأخّر، وأنقص وزاد، واستبدل شيئا بشيء، وهناك من اكتفى بنظم المقطوعات الصغيرة في المدح، دون أن يأخذ مدحه النبوي شكل القصيدة الرسمي، ومنهم من مال إلى التشطير والتخميس والتسديس، وغير ذلك من الأشكال الشعرية التي تقوم على تلوين شكل القصيدة المعروف، وهناك من استخدم الموشحات في المدح النبوي، ومنهم من فتن بقيود الشكل المتصوّرة سلفا، ووصل المدح النبوي إلى أشكال التعبير الشعبي، والنظم الملحون، بالإضافة إلى تفرّد بعض المدائح النبوية بفضل مضمونها، أو بسبب النظم والمعارضة، وكل ذلك التنوع ناتج عن سيرورة المديح النبوي وانتشاره، وانفعال الناس جميعا به، وحرصهم على المشاركة في نظمه، كل حسب مقدرته واستعداداته وميوله النفسية. الوزن والقافية: إن المدائح النبوية تنوعت في وزنها تنوع أوزان الشعر العربي وأشكال نظمه، فبحور الشعر العربي المعروفة استخدمها شعراء المدائح النبوية بأشكالها وتنوعاتها، إضافة إلى الموشح والفنون الشعرية المحدثة بأوزانها الجديدة، لكن تعبيرها الملحون جعلنا نبعدها عن بحثنا هذا. وقد أشار النقاد العرب إلى هناك ارتباطا بين وزن القصيدة وموضوعها، فقصائد المدح تحتاج إلى وزن طويل كثير التفاعيل، يسمح بالإسهاب والإطناب، والذهاب في القول كل مذهب، غير أن هذا الأمر لم يكن مطردا في المدح النبوي، فمادحو النبي الكريم استخدموا الأوزان الرشيقة الخفيفة مثل استخدامهم للأوزان الطويلة. والوزن أو الموسيقا أو الإيقاع، هو أهم مميزات الشعر، ومعيار تفرده عن غيره من فنون القول، واللغة في الأساس أصوات موسيقية، تخرج بنغمات مختلفة، وحين تتجمع الكلمات في العبارة تكتسب جرسا موسيقيا زيادة على ما كانت عليه الكلمة من

стр. 355

اجتماع أصواتها أو حروفها، وخاصة عند تشابه الكلمات في الوزن والإيقاع أو تجانس فقرتين في عدد الكلمات ووزنها، أو في تجانس الكلمتين الأخيرتين من كل فقرة. فمبعث الجمال في موسيقا الشعر، يرجع إلى الانسجام الذي يدرك بالسمع، وهذا يؤثر في السامع، فيجتمع تأثير المعنى والصورة مع تأثير الإيقاع الموسيقي في الشعر، فيكون للشعر الوقع المميز في النفس، وهذا يكون على أشده إذا كان الموضوع تهفو إليه النفس، ويحرك مكامن الارتياح فيها، مثل الموضوع الديني ومدح رسول الله ﷺ ، الذي تهفو إليه الأفئدة، وترتاح لذكره القلوب، لذلك كان إنشاد هذا الشعر في مجالس الذكر موقّعا، مشحونا بطاقة موسيقية كبيرة، وربما صاحبته الآلات الموسيقية حين يفتقر إلى الإيقاع الظاهر، ولهذا كان لا بد للشعراء الذين ينظمون هذا الفن الشعري من أن يوجهوا عنايتهم إلى الإيقاع في شعرهم، فكانت أشهر قصائد المدح النبوي هي التي تملك إلى جانب التصرف الجيد في المعاني، طاقات إيقاعية ظاهرة، لا تتأتى من الوزن الشعري الخارجي فقط، وإنما من الإيقاع الداخلي المعتمد على حسن اختيار الألفاظ وترتيبها، وانسجام عناصر القصيدة جميعها، مثل بردة البوصيري وبعض قصائده الآخرى. وقد حازت الموسيقا في شعر هذا العصر على اهتمام الشعراء، فنوّعوا في طريقة أداء القصائد، وأكثروا من التقطيع والجناس، ليزيدوا من الإيقاع، وعمدوا إلى التخميس والتسبيع وغير ذلك، ليمنحوا قصائدهم طاقة موسيقية زائدة، تلائم الإنشاد والغناء في مجالس ذكرهم، ومحافل أعيادهم. وأظهر شعراء المدائح النبوية هذا الاهتمام، وأبدوا معرفتهم بالوزن الشعري والعروض، فاستخدموا مصطلحات العروض في تعبيرهم- كما مرّ معنا- ومثل قول النواجي: واها لتقطيع قلب ظلّ يسبح في ... عروض بحر جفاء ما له سبب «١»
следующие страницы →