بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحرّ المواعيدا «١»
وأشهر قصيدة للبوصيري (البردة) ، تبدو للمتمعن أن صاحبها استأنس عند نظمها بميمية ابن الفارض في التشوق للمقدسات والوجد الصوفي، فأخذ بعض معانيها وعباراتها، ووزنها وقافيتها، وفيها يقول ابن الفارض:
هل نار ليلي بدت ليلا بذي سلم ... أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم
يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا ... طيّ السّجلّ بذات الشّيح من إضم
ناشدتك الله إن جزت العقيق ضحى ... فاقر السّلام عليهم غير محتشم «٢»
وقبل أن نعرض للمدائح النبوية التي عارض أصحابها بها مدائح نبوية سابقة، فأفادوا من شكلها ومعانيها، لا بد من الإشارة إلى معارضة شعراء المدائح النبوية لقصائد قديمة، وصرف المعارضة إلى المديح النبوي، مثلما فعل بعض مدّاح النبي حين شطروا قصائد قديمة، وصرفوا معانيها إلى المديح النبوي- كما مر معنا-.
وأكثر قصيدة من قصائد المدح النبوي عورضت، هي قصيدة كعب بن زهير في مدح رسول الله ﷺ ، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها أنها قيلت في رسول الله ﷺ أثناء حياته، وأعجب بها، وأثاب عليها، فمعارضتها تقرّب الشاعر من أن تكون قصيدته مقبولة عند ممدوحه ﷺ كما قال محي الدين بن عبد الظاهر «٣» :
لقد قال كعب في النّبيّ قصيدة ... وقلنا عسى في مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك «٤»
стр. 352
ولأنها قصيدة أصيلة قديمة، احتفل لها كعب بن زهير أيّما احتفال، فمعارضتها تعطي الشاعر معرفة بالشعر العربي الأصيل، ويفيد منها شكلا ووزنا وقافية، وطريقة التعبير الرصين، ولذلك قلّما نجد شاعرا من شعراء المديح النبوي لم يعارض هذه القيدة، فللبوصيري قصيدة في معارضتها، سمّاها (ذخر المعاد في وزن بانت سعاد) ، عرضنا لأمثلة منها.
ولابن نباتة قصيدة في معارضتها، بدأها بقوله:
ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل
ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم ... إلّا كما يمسك الماء الغرابيل
وبعد أن يتغزل على طريقة كعب، يضيف إلى مقدمته الوعظ وذكر الأماكن المقدسة، وينتقل إلى المدح مثل انتقال كعب، فيقول:
إن لم أنل عملا أرجو النّجاة فلي ... من الرّسول بإذن الله تنويل
ويسهب في مدحه مضيفا المعجزات، والصنعة التي عرفت في عصره، حتى إذا وصل إلى الخاتمة، صرّح بمعارضته لكعب، فقال:
إن كان كعب بما قد قال ضيفك في ... دار النّعيم فلي في الباب تطفيل
وأين كابن زهير لي شذا كلم ... ربيعها بغمام القرب مطلول «١»
ألا تعني هذه المعارضة أن الشكل الشعري لقصيدة ابن نباتة مأخوذ عن الشكل الشعري لقصيدة كعب، وهو بذلك شكل تقليدي، ليس للشاعر المعارض فيه غير بعض إضافات، لا تحجب الشكل الأساس للقصيدة الأصلية؟
стр. 353
وتتفاوت معارضات قصيدة كعب بتفاوت حظ الشعراء من الشاعرية، فبعضهم يتكئ عليها اتكاء تاما، فيتابعها بيتا بيتا، وبعضهم يأخذ الشكل العام، لكنه يظهر ذاتيته في الصياغة والمضمون، وبعضهم يزيد عليها أو ينقص منها، وكلهم يحافظون على الشكل وتسلسل الأجزاء.
وإذا أردنا استيفاء معارضات البردة، لصعب علينا ذلك، ولقينا من أمرنا شططا، وإنما نريد إيضاح فكرة المعارضة وأثرها على الشكل، فشعراء المديح النبوي لم يجدوا قصيدة مشهورة إلا عارضوها. وقد عورضت قصيدة كعب في المراحل السابقة للعصر المملوكي، عارضها الأبيوردي، وعارضها الزمخشري وغيرهما، واستمرت معارضتها إلى ما بعد العصر المملوكي، فأضحى شكلها شائعا في شعر المديح النبوي عبر العصور.
ولاحظ المقري حين أورد قصيدة ابن لبّ «١» ، أنها معارضة لقصيدة أخرى، فبعد أن أورد القصيدة التي مطلعها:
إذا القلب ثار أثار ادّكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا
قال: «وقصد- ﵀ بهذه القصيدة، معارضة قصيدة للشهاب محمود، التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة المشرفة، على ساكنها الصلاة والسلام، وهي طويلة، ومطلعها:
وصلنا السرّى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا
وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي، ومنه القصيدة المشهورة:
أقول وآنست بالحيّ نارا «٢»
فالمعارضة طريقة من طرق الحفاظ على الشكل الشعري التقليدي، لكنه قدّم فيه
стр. 354
وأخّر، وأنقص وزاد، واستبدل شيئا بشيء، وهناك من اكتفى بنظم المقطوعات الصغيرة في المدح، دون أن يأخذ مدحه النبوي شكل القصيدة الرسمي، ومنهم من مال إلى التشطير والتخميس والتسديس، وغير ذلك من الأشكال الشعرية التي تقوم على تلوين شكل القصيدة المعروف، وهناك من استخدم الموشحات في المدح النبوي، ومنهم من فتن بقيود الشكل المتصوّرة سلفا، ووصل المدح النبوي إلى أشكال التعبير الشعبي، والنظم الملحون، بالإضافة إلى تفرّد بعض المدائح النبوية بفضل مضمونها، أو بسبب النظم والمعارضة، وكل ذلك التنوع ناتج عن سيرورة المديح النبوي وانتشاره، وانفعال الناس جميعا به، وحرصهم على المشاركة في نظمه، كل حسب مقدرته واستعداداته وميوله النفسية.
الوزن والقافية:
إن المدائح النبوية تنوعت في وزنها تنوع أوزان الشعر العربي وأشكال نظمه، فبحور الشعر العربي المعروفة استخدمها شعراء المدائح النبوية بأشكالها وتنوعاتها، إضافة إلى الموشح والفنون الشعرية المحدثة بأوزانها الجديدة، لكن تعبيرها الملحون جعلنا نبعدها عن بحثنا هذا.
وقد أشار النقاد العرب إلى هناك ارتباطا بين وزن القصيدة وموضوعها، فقصائد المدح تحتاج إلى وزن طويل كثير التفاعيل، يسمح بالإسهاب والإطناب، والذهاب في القول كل مذهب، غير أن هذا الأمر لم يكن مطردا في المدح النبوي، فمادحو النبي الكريم استخدموا الأوزان الرشيقة الخفيفة مثل استخدامهم للأوزان الطويلة.
والوزن أو الموسيقا أو الإيقاع، هو أهم مميزات الشعر، ومعيار تفرده عن غيره من فنون القول، واللغة في الأساس أصوات موسيقية، تخرج بنغمات مختلفة، وحين تتجمع الكلمات في العبارة تكتسب جرسا موسيقيا زيادة على ما كانت عليه الكلمة من
стр. 355
اجتماع أصواتها أو حروفها، وخاصة عند تشابه الكلمات في الوزن والإيقاع أو تجانس فقرتين في عدد الكلمات ووزنها، أو في تجانس الكلمتين الأخيرتين من كل فقرة.
فمبعث الجمال في موسيقا الشعر، يرجع إلى الانسجام الذي يدرك بالسمع، وهذا يؤثر في السامع، فيجتمع تأثير المعنى والصورة مع تأثير الإيقاع الموسيقي في الشعر، فيكون للشعر الوقع المميز في النفس، وهذا يكون على أشده إذا كان الموضوع تهفو إليه النفس، ويحرك مكامن الارتياح فيها، مثل الموضوع الديني ومدح رسول الله ﷺ ، الذي تهفو إليه الأفئدة، وترتاح لذكره القلوب، لذلك كان إنشاد هذا الشعر في مجالس الذكر موقّعا، مشحونا بطاقة موسيقية كبيرة، وربما صاحبته الآلات الموسيقية حين يفتقر إلى الإيقاع الظاهر، ولهذا كان لا بد للشعراء الذين ينظمون هذا الفن الشعري من أن يوجهوا عنايتهم إلى الإيقاع في شعرهم، فكانت أشهر قصائد المدح النبوي هي التي تملك إلى جانب التصرف الجيد في المعاني، طاقات إيقاعية ظاهرة، لا تتأتى من الوزن الشعري الخارجي فقط، وإنما من الإيقاع الداخلي المعتمد على حسن اختيار الألفاظ وترتيبها، وانسجام عناصر القصيدة جميعها، مثل بردة البوصيري وبعض قصائده الآخرى.
وقد حازت الموسيقا في شعر هذا العصر على اهتمام الشعراء، فنوّعوا في طريقة أداء القصائد، وأكثروا من التقطيع والجناس، ليزيدوا من الإيقاع، وعمدوا إلى التخميس والتسبيع وغير ذلك، ليمنحوا قصائدهم طاقة موسيقية زائدة، تلائم الإنشاد والغناء في مجالس ذكرهم، ومحافل أعيادهم.
وأظهر شعراء المدائح النبوية هذا الاهتمام، وأبدوا معرفتهم بالوزن الشعري والعروض، فاستخدموا مصطلحات العروض في تعبيرهم- كما مرّ معنا- ومثل قول النواجي:
واها لتقطيع قلب ظلّ يسبح في ... عروض بحر جفاء ما له سبب «١»
стр. 356
وقوله:
كأنّه بيت شعر في عروض جفا ... مقطّع عملت فيه التّفاعيل «١»
وقول ابن ظهيرة القرشي «٢» :
بسيط حبّي فيهم وافر وكذا ... سريع دمعي على الخدّين مطلول
وكامل الوجد لا ينفكّ في رمل ... طويله لمديد القطع مشكول «٣»
والأمثلة على ذلك كثيرة، تبيّن استظهار شعراء المدائح النبوية لعلم العروض، ودراستهم له، ومعرفتهم بأسراره ومصطلحاته، فلم يعد الشعر يقال على السليقة، وإنما تدرس العلوم التي تحكم مكوّناته، من لغة ونحو وعروض وبلاغة، ولذلك نظم العلماء الشعر، ومن لم يؤت موهبة شعرية، لأنه درس العروض، واستطاع إقامة أوزانه، ولهذا قيل آنذاك في هؤلاء الذين يكتفون في نظمهم بعنصر الوزن فقط:
إن كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنت وزّان وما أنت شاعر «٤»
إن استخدام شعراء المدح النبوي للأوزان الشعرية المعروفة لم يخرج عمّا تواضع عليه شعراء العرب، إلا أنهم كانوا يتفاوتون في إظهار إيقاع الأوزان الشعرية وطاقاتها الموسيقية، بسبب أسلوب كل شاعر ومقدرته الفنية، فبعض الشعراء كانوا ينظمون الأحاديث والروايات، فلا يكاد الوزن يستبين، لولا التشطير والقافية، مثل بعض مقاطع البوصيري التي ينظم فيها السيرة، أو يجادل في مسألة دينية، ومنها قوله في همزيته:
يا لأمر أتاه بعد هشام ... زمعة إنّه الفتى الأتّاء
стр. 357
وزهير والمطعم بن عديّ ... وأبو البختريّ من حيث شاؤوا
نقضوا مبرم الصّحيفة إذ شد ... دت عليهم من العدا الأنداء
أذكرتنا بأكلها أكل منا ... ة سليمان الأرضة الخرساء «١»
وقد يأتي البطء في الأسلوب، وضعف الإيقاع الشعري من طول اشتغال الشاعر بالنثر والعلوم الآخرى، مثل الشهاب محمود الكاتب المشهور، والذي نظم ديوانا في المدح النبوي، فظل أثر اشتغاله بالكتابة ظاهرا في شعره، وخاصة حين يميل إلى النظم، ومن ذلك قوله في مقدمة مدحة نبوية:
كلّ يوم تنوي الرّحيل مرارا ... ثم تغدو تلفّق الأعذارا
وتديم الأسى وأنت الذي فر ... رطت حتى صار اللّقاء ادكارا
وتوالي البكاء والدّمع لا يد ... ني إذا ما قعدت منك المزارا
ثم لا ضعف إذا حثّك الشّو ... ق إلى القرب شامك الأقطارا
ودخول في السّنّ كدّر في عي ... نك إدراكه الأمور الكبارا «٢»
فالنثرية تخيم على هذا الشعر، وتقلل من حدة إيقاعه.
ويزيد هذا الميل إلى النثرية في قصيدة لشاعر من القرن التاسع يدعى (الحكيم الرشيدي الأسلمي) قيل إنها من بحر (السلسلة) ، يكاد الوزن فيها لا يستبين، ومنها قوله:
يا سعد لك السّعد إن مررت على البان ... عرّج فضيا البدر في المنازل قد بان
стр. 358
قل صبّ من الصّبّ مدمع وإذا ما ... أقبلت على الحيّ حيّ دارا وسكّان
دار جمع الله شملها بنبيّ ... من خير نزار ومن معدّ وعدنان «١»
وبحر السلسلة من «بحور الشعر المولّدة التي استحدثت في العصر العباسي، حينما أحكمت أواصر الصلة بين العرب والفرس، واطلعوا على آدابهم وشعرهم، ولبحر السلسلة وزنان:
الأول: تن مستفعلن مستفعلن
والثاني: فعلن فعلاتن مستفعلن فعلاتن» «٢» .
فهذا البحر الذي يندر استخدامه، والذي يلائم الحديث والروايات على ضعف في إيقاعه الموسيقي، اختاره الشاعر ليأخذ حريته في بسط القول في مدح رسول الله ﷺ ، وهو يعد جديدا نوعا ما، مثلما عدّ الأدباء قول ابن الوردي المضمّن شطرا من قصيدة للبهاء زهير:
يا ألطف مرسل كريم ... (ما ألطف هذه الشّمائل)
من يسمع لفظها تراه ... كالغصن مع النّسيم مائل
من بحر جديد اخترعه البهاء زهير، وزنه (فعلن متفاعلن فعولن) ، إلا أن الصفدي أرجعه إلى البحر الوافر، وقال: «دخل فيه العقص، وهو اجتماع الخرم والنقص، فيخلفه مفعول بتحريك اللام، فيصبح وزنه (مفعول مفاعلن فعولن) » «٣» .
فشعراء المدح النبوي الذين حرصوا على ذكر الروايات والمعجزات، والمحافظة
стр. 359
على ألفاظها، جاءت قصائدهم خافتة الجرس، بطيئة الإيقاع، باهتتة الموسيقا، وكذلك قصائد الشعراء العلماء الذين لم يعانوا النظم طويلا، ولم يمتلكوا موهبة شعرية كبيرة، وطال اشتغالهم في علومهم، فقصائدهم تميل إلى النثرية وأدى قصرهم للروايات على الدخول ضمن الشكل الشعري إلى الإخلال بائتلاف المعنى مع الوزن، الذي يقتضي أن «تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها» «١» .
لكن شعراء المدح النبوي لم يكونوا جميعا على مثل هذه الحال، فكان كثير منهم أصحاب مواهب كبيرة أصيلة، وكانوا يذهبون في شعرهم مذاهب الشعراء الذين سبقوهم، فنظموا الأراجيز، والقصائد ذات البحور القصيرة الرشيقة، مثل قول الصرصري من مشطور الرجز:
الحمد لله على الجسيم
من فضله المختصّ والعميم
أرشدنا للمنهج القويم
بعبده ذي المنظر الوسيم
محمّد ذي الخلق العظيم
عليه منه أفضل التّسليم «٢»
فالإيقاع واضح، والوزن ظاهر، والموسيقا بارزة، تشد السامع وتجعله يترنّم بالقصيدة.
стр. 360
ومثل هذا قصيدة أخرى للصرصري، تسيل عذوبة، وتطفح بالموسيقا الشعرية التي تتأتى من الوزن وعلاقة الألفاظ واختيارها، بدأها بقوله:
أغراه بنجد لوّمه ... فبدا ما كان يكتمه
لو لاقى منه معنّفه ... ما لاقى أصبح يرحمه
أنّى يلحق صبّ قلق ... مشغوف القلب متيّمه
إنّ المغرى بهوى طلل ... لقتيل مطلول دمه «١»
والقصيدة كلها على هذا النحو من رشاقة اللفظ وخفة الوزن وعذوبة القافية الملائمة للإنشاد، تزيد السامع نشوة على نشوة المعنى، يجتمع فيها الفن الشعري الأخّاذ والمعاني القريبة من النفس، والتي تثير شجونها ومكامن الانفعال فيها.
وللصرصري مدائح أخرى مماثلة، تجمع خفة الوزن وعذوبة اللفظ ورشاقته، ويظهر أن الصرصري وجد في الأوزان الخفيفة ما يلبي حاجة الإيقاع الداخلي في نفسه، وما يلائم مجالس الإنشاد، مثلما وجد في البحور الطويلة ما يعبّر عن أفكاره، ويتسع للمعلومات الكثيرة التي أودعها مدائحه النبوي، ومن المرجح أن الإنشاد ومجالسه قد جعل شعراء المدح النبوي يجنحون في قصائدهم نحو أشكال تلبي حاجة المنشدين، وتفي بما تتطلبه هذه المجالس، لذلك أخذوا ينظمون قصائدهم على الأوزان الخفيفة، ويقطّعون أبياتها تقطيعات إيقاعية، يسهل معها إنشادها بمصاحبة الآلات الإيقاعية.
ومن هذه القصائد قصيدة للبوصيري، يقول فيها:
الصّبح بدا من طلعته ... واللّيل دجا من وفرته
فاق الرّسلا فضلا وعلا ... أهدى السّبلا لدلالته
стр. 361
كنز الكرم مولى النّعم ... هادي الأمم لشريعته
نال الشّرفا والله عفا ... عمّا سلفا من أمّته «١»
فلم يكتف البوصيري بالوزن فقط، وإنما زاد على ذلك، فقطع كل شطر إلى جزئين، وجعل للبيت قافية داخلية بالإضافة إلى القافية العامة التي تنظم الأبيات، فجعلها مموسقة موقعة، وكأنه وضع في ذهنه كيف ستنشد، أو أنه وضعها لتلبي حاجة مجالس الإنشاد.
وقد اقتربت قصيدة البوصيري من التشريع الذي عرف في ذلك العصر، وهو أن «يا بني الشاعر بيته على وزنين من أوزان القريض وقافيتين، فإذا أسقط من أجزاء البيت جزآ أو جزأين، صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول» .
ومثّل ابن حجة لهذا الضرب من الشعر من بديعيته وبديعيات غيره، فقال مثل قولي في البديعية:
طاب اللّقا لذّ تشريع الشّعور لنا ... على النّقا فنعمنا في ظلالهم
فأخذ منه:
طاب اللقا على النقا ... وهو من منهوك الرجز «٢»
فالتشريع يحتاج إلى جهد ذهني كبير، وإلى موازنة وملاءمة، وتصنّع شديد ليستقيم للشاعر الوزن الذي يمكن استخراج وزن آخر منه، وبقافية جديدة، وهذا ما لم يفعله الشعراء واكتفوا بالتقطيع الداخلي مثلما فعل البوصيري، وفعل ابن الموصلي في مدحته النبوية التي يقول فيها:
стр. 362
لولاه ما طلعت شمس ولا غربت ... كلّا ولا دحيت أرض ولا سطحت
ولا السّماء سحّت ولا الجبال رست ... ولا البحار طمت ولا الصّبا نفحت
ولا الحياة حلت ولا الغيوث همت ... ولا الجنان زهت ولا لظى لفحت «١»
وإذا لم يتسن للشاعر نظم قصيدة لها خصائص القصائد السابقة، جاء إلى قصيدة قديمة فزاد عليها، وهذه الزيادة تقوي جرسها الموسيقي، وتهيئها لمجالس الذكر ومنشدي المدائح، وتتأتى هذه الزيادة بالتخميس أو التسبيع أو غير ذلك من التغييرات التي أجراها الشعراء على القصائد النبوية المشهورة وعندما وجدوا ما تحدثه هذه الإضافات من إقبال على مثل هذه القصائد، نظموا قصائدهم على هذه الأشكال، ومن التخاميس، تخميس على قصيدة للفزاري، جاء فيه:
هو المصطفى المحبوب طبعا وقربة ... تقدّس ذاتا ثم قبرا وتربة
أقول وأعنيه هوى ومحبّة ... أحبّ رسول الله شوقا وحسبة
لعلّي غدا عن حوضه لا أحّلأ «٢»
ومن التسديس قول ابن العطار:
صلّوا بأجمعكم على شمس الهدى ... صلّوا على بدر يزين المشهدا
صلّوا عليه فمن رآه تشهّدا ... صلّوا عليه به الرّشاد تمهّدا
أرضى النّزيل وبيّن التنزيلا ... صلّوا بكرة وأصيلا «٣»
стр. 363
ويستطيع القارئ أن يلحظ بسهولة أن هذه الأشكال الشعرية، وإن كانت كل قصيدة منها على وزن واحد فإنها تحمل طاقة موسيقية أكثر من القصيدة العادية، وهذا ناتج عن التقطيعات الداخلية، وعن تنوع القوافي داخل القصيدة الواحدة بتكرار منسجم، يشعر السامع بترتيب إيقاعي معين، يدخل البهجة إلى نفسه.
ومن التنويع في وزن المدائح النبوية، الموشح الذي وجد ليلحن وينشد بمصاحبة الآلات الموسيقية، وهو يلائم مجالس الإنشاد والاحتفالات الدينية، التي أصبح من لوازمها قيام المنشدين بالترنم بقصائد دينية ومدائح نبوية، لذلك كان لا بد للوشاحين من أن يجعلوا المدح النبوي أحد موضوعات موشحاتهم، لأن المدح النبوي انتشر انتشارا عظيما، وشارك به كل من آنس في نفسه مقدرة على النظم، وفق ميوله وإمكاناته.
ومن موشحات المديح النبوي موشح لابن الملحمي الواعظ، قال فيه:
وترى الأعين تجري بانفساح ... دمعها الدّفّاق
زائدات فوق أمواه البطاح ... تبلغ الأعناق
أرتجي ربّي ويكفين الرّجا ... فهو الغفّار
والنّبيّ المصطفى بدر الدّجا ... أحمد المختار
مرشد الخلق إلى سبل النّجاح ... طاهر الأعراق
ذا النّدى بحر العطايا والسّماح ... طيّب الأخلاق «١»
فالميل إلى الإنشاد والموسيقا، جعل شعراء ذلك العصر يفتشون عن تنويع في الأوزان، يناسب احتياجاتهم ولذلك نشأت لديهم فنون شعرية ملحونة، مثل الزجل والمواليا، ولكل منها وزن معروف خاص به، أو عدة أوزان ولها قواف متعددة، «فمنها
стр. 364
ما يكون له وزن واحد وقافية واحدة، وهو الكان وكان، ومنها ما يكون له وزن واحد وأربع قواف، وهو المواليا، ومنها ما يكون له وزنان وثلاث قواف، وهو القوما، ومنها ما يكون له عدة أوزان وعدة قواف، وهو الزجل» «١» .
ومن يقرأ هذه الفنون في أيامنا هذه لا يستطيع أن يقيم وزنها، ولا يستطيع قراءتها على الوجه الذي وضعت فيه، فإن هذه الفنون وضعت لتلحن، أو وضعت على مقياس ألحان معروفة، فلولا الموسيقا لما فهمت، ولما عرف المقصود منها، ولما ظهرت لها أية مسحة من جمال، ولا ستغربنا كيف أغرم أهل ذلك العصر بمثل هذه الفنون.
وقد استخدم أهل العصر المملوكي هذه الفنون أو بعضها في المديح النبوي، مثل الششتري الذي اقتصر ديوانه على الأزجال العامية والموشحات التي تميل إلى العامية، وكلها في التصوف ومدح رسول الله ﷺ ، وكذلك لابن زقاعة زجل ملحون في مدح رسول الله ﷺ ، جعل مضمونه مثل مضمون المدحة النبوية، ووفق تسلسل المواضيع فيها «٢» .
وكانوا يسمون ما تضمّن مدحا نبويا من هذه الفنون مكفرا، لأنهم كانوا يعارضون به ما قيل في الغزل أو الخمر، يكفرون به ما أثموا بغزلهم وذكرهم للخمر.
فالمديح النبوي نظم وفق جميع الأشكال الشعرية التي كانت معروفة في العصر المملوكي، ولم تقتصر على شكل معين، ولم تقتصر على وزن واحد، فأوزان الشعر العربي المعروفة نظمت بها المدائح النبوية، وكذلك الموشح والفنون الملحونة، وحاول شعراء المدائح النبوية الإفادة من كل عناصر الإيقاع والموسيقا في اللغة وأوزانها، ليفوا بحاجة المنشدين ومجالس الذكر.
стр. 365
ولم يكن التنويع الذي حاول شعراء المدائح النبوية إجراءه على قصائد المديح النبوي في الوزن فقط، بل بالقافية أيضا، التي تمنح الشعر العربي جرسا موسيقيا إضافيا، ولذلك وجدنا قسما من الحركة الإيقاعية الذي تولد في المخمسات وغيرها، يرجع إلى تنوع القوافي وترتيبها على نحو معين، وألزم بعض شعراء المدائح النبوية أنفسهم بنظم قصائد رتبوا قوافيها ترتيبا هجائيا كما مر معنا، ونظموا قصائد بعدد حروف الهجاء جعلوا كل قصيدة على حرف منها، وتكلّفوا لذلك، وكدّوا أذهانهم في تحصيل القوافي وملاءمتها لمقاصدهم، فألزموا أنفسهم بما لا يلزم، وهو لزوم يختلف عن اللزوم المعروف في قوافي الشعر العربي، والذي لم تخل منه قصائد المدح النبوي، مثل قول الشرف الأنصاري في مدحة نبوية، مظهرا فيها لونا من اللزوم:
قف بنجد وهضابه ... وابغ رضوان غضابه
وانشدن لي فيه قلبا ... غال صبري بانقضابه
حلّه جمر الغضا مذ ... حلّ جيران الغضابه «١»
فالالتزام نوع من أنواع تلوين القوافي، يظهر فيها الشاعر مقدرته، وسعة معرفته باللغة، وهو من فنون الصنعة والتصنع التي يدلّ بها الشاعر على أقرانه، ويتكلف لإتمام قوافيه، كما نلاحظ في مقطوعة الشرف الأنصاري التي جاءت القافية فيها غامضة في البيت الأول وملفقة في البيت الثالث، ولا يوجد ما يلزمه بأن يفعل ذلك.
ومن لزوم ما لا يلزم قول الصفي الحلي:
بكم يهتدي يا نبيّ الهدى ... ولي إلى حبّكم ينتسب
به يكسب الأجر في بعثه ... ويخلص من هول ما يكتسب
стр. 366
وقد أمّ نحوك مستشفعا ... إلى الله ممّا إليه نسب
سل الله يجعل له مخرجا ... ويرزقه من حيث لا يحتسب «١»
واللزوم لا يجمّل القافية، إن لم يكن يسيء إليها، فجمال القافية في أن تكون عفوية معبرة، متمّمة للمعنى متمكّنة، وقد رأينا في الأمثلة الكثيرة التي مرّت معنا عددا من القصائد، يعود جمال تعبيرها إلى قوافيها، ورأينا القصائد المتكلفة، تأتي بعض قوافيها لإقامة الوزن، واتساق قوافي القصيدة، ليس أكثر، فلا تتم معنى ولا تحسن وقع الصياغة في النفس، وخاصة عندما يختار الشاعر قافية صعبة، يعسر عليه الإطالة فيها، لذلك يستعين بالمعجم ليأتي بألفاظ قلّ استخدامها، فبدت غريبة، عسيرة الفهم، مثل قول الصرصري:
لمن المطايا في رباها تنفخ ... كالفلك تعلو في السّراب وترسخ
حملت على الأكوار كلّ مشمّر ... للمجد عن طلب العلا لا يربخ
يا سيّد البشر الكريم نجاره ... يا من بنسبته سما متشولخ «٢»
ومثل هذه القوافي كثيرة في المدح النبوي، لأن بعض الشعراء نظموا مدائح نبوية على حروف الهجاء جميعها كما أسلفنا، ولذلك اضطروا إلى البحث المضني عن القوافي التي تفي بحاجتهم، وتكلفوا إثباتها.
ومن هؤلاء ابن دريهم الثعلبي «٣» ، الذي نظم قصيدة في مدح رسول الله ﷺ ، مؤلفة من ثلاثين بيتا، تقرأ على حروف المعجم كلها، وهو يظن أنه بذلك قد صنع ثلاثين
стр. 367
قصيدة في قصيدة واحدة، وليتمّ له ذلك، وليتغلب على مشكلة الوزن والقافية، حاول الاحتيال لذلك، والاجتهاد في إخراج كلمات القافية على ما جوّزه علماء العروض، فأتت القصيدة في غاية التكلف والتصنع، بدأها بقوله:
إذا لم أزر قبر النّبيّ محمّد ... وأسعى على رأسي فإني مرجأ- معنّاه- أعتب- معنّت
نبيّ له فضل على كلّ مرسل ... وآياته في الكون تتلى وتنشأ- وبشراه- تطرب- تنعت
رقى في السّماوات والعلا فتشرّفت ... به ودنا من قاب قوسين ينبّأ- قرباه- اقترب- يثبت «١»
ويمضي هكذا في قصيدته حتى ينهي أبياته الثلاثين، وبعد نهاية كل بيت يثبت ثلاثين قافية بديلة، وكأن القافية هي تحصيل حاصل، يمكن أن يأتي الشاعر بأية كلمة لها وزن مناسب وتنتهي بحرف القافية، ويثبتها، أما ارتباط القافية بمجمل كلمات البيت، وبالمعنى والصياغة والتعبير الشعري، فإنه أمر لا يعتد به.
وهذه نتيجة الاتجاه نحو الصنعة المتكلفة، والشكلية الطاغية التي طبعت شعر بعض من شاركوا في نظم المدح النبوي.
إلا أن هذه الشكلية في قوافي قصائد المدح النبوي، على الرغم من وجودها الظاهر، لم تطغ على المدح النبوي كله، فظل القسم الأكبر من المدائح النبوية طبيعيا في قوافيه، وبعضها وصل إلى حدّ الروعة في الخفة والطلاوة، والانسجام مع عناصر القصيدة كلها، مثل قصيدة البوصيري التي مطلعها:
الصّبح بدا من طلعته ... واللّيل دجا من وفرته «٢»
ومثل قول الشهاب محمود:
стр. 368
وكيف تخاف النّفس من دونها الرّدى ... وذاك النّبيّ الهاشميّ خفيرها
محمّد المبعوث للخلق رحمة ... نبيّ الهدى هادي الورى ونذيرها
وشافعها في الحشر عند إلهها ... ومنقذها من ناره ومجيرها «١»
ولا تفوتنا الإشارة إلى أن شعراء المدح النبوي تابع بعضهم بعضا في قوافي قصائد المديح النبوي التي عورضت كثيرا، فقوافي قصيدة كعب بن زهير ترددت طويلا في قصائد المدح النبوي، وكذلك قوافي بردة البوصيري، وقوافي يائية ابن الفارض، فالمعارضة جعلت الشعراء يرددون قوافي بعينها، لا يحيدون عنها، وهذا ما أوقع بعضهم في الجمود، وخاصة بعد أن نشأت البديعيات التي التزم ناظموها قافية الميم المكسورة وهي القافية التي بنى عليها البوصيري قصيدته، وكذلك التزموا بوزن قصيدته، وهو البحر البسيط، حتى أضحى هذا الوزن وهذه القافية من ثوابت البديعيات التي لا يغادرها ناظموها، فارتبطت بالمدح النبوي عامة.
فالمدائح النبوية ارتبطت بأوزان الشعر العربي المعروفة، والتي انطلقت بعد ذلك إلى تشكيلات وزنية مختلفة، وإلى الأوزان التي عرفها أهل العصر، لم تتحجّر أوزانها إلا في البديعيات.
أما قوافيها، فإن الشكلية فيها كانت أكبر، تمثلت في لزوم ما لا يلزم، وفي نحت القوافي وتكلفها عند نظم القصائد على حروف الهجاء، وفي البديعيات أيضا.
وبعيدا عن هذه الشكلية، حلّق بعض شعراء المديح النبوي في أوزان قصائدهم وإيقاعاتها وموسيقاها وقوافيها، فتكامل شكلها الفني، واتحد مع موضوعها السامي، لتكون من غرر قصائد هذا العصر، ومن غرر قصائد الشعر العربي، التي استمر الناس في إنشادها واستذكارها، والانفعال بها.
стр. 369
القسم الثاني- الصياغة والأسلوب:
إن الطريقة التي يؤدي بها الشاعر أفكاره، أو التي ينظم فيها كلامه، هي التي تظهر مقدرته التعبيرية وتبيّن موهبته البلاغية، فلكل أديب أسلوب مميز في الكتابة قلما يتكرر.
وقد بنيت شهرة كثير من الأدباء على صياغتهم للكلام، وسبكهم للجمل.
وإلى جانب ذلك، فإن لكل عصر ميزات عامة، تجمع خصائص الأسلوب عند أدبائه، وتميزهم عن غيرهم من الأدباء الذين سبقوهم، والأدباء الذين أتوا بعدهم.
ففي أدبنا العربي تدرج الأسلوب أو طريقة الأداء من البساطة في الجاهلية وصدر الإسلام، إلى الاهتمام به والجزالة والقوة في عهد بني أمية وصدر عهد بني العباس، ومن التنميق والعناية بتحسينه في عهد بني العباس إلى الصناعة في أواخر عهدهم، والتصنع فيما بعد، حتى إذا وصل الباحثون في تتبعهم للأسلوب إلى العصر المملوكي، حكموا عليه بالتكلف والضعف والركالة، وتسرب الألفاظ العامية إلى شعر الشعراء ونثر الكتاب، فهل هذا الحكم صحيح؟
إن التعميم في المسائل الأدبية لا يسلم، ويظلم، ولا يصيب كبد الحقيقة، فالأدباء في العصر المملوكي، تباينت طرقهم في التعبير، واختلفت أساليبهم في أداء مقاصدهم، يتساوى في ذلك الكتاب والشعراء، فليست كل كتاباتهم متصنعة، وليس كل شعرهم متكلفا، ففي الأدباء من راق أسلوبه وسلس، وفي الشعراء من جزل أسلوبه ورشق، وإذا كان في الأدب المملوكي ضعف وتكلف، فهو ظاهرة عامة موجودة في كل زمان ومكان، وليست مقصورة على العصر المملوكي وحده، إلى جانب أن ما نراه تصنعا وتكلفا لم يكن أهل العصر يرونه كذلك. ولهذا أسبابه ومسوغاته، منها عجمة الحكام الذين لا يتذوقون بلاغة الأدب، ولا يشجعون الأدباء على العناية بأدبهم، ومنها سيادة ذوق الزخرفة في مظاهر الحياة كلها، من اللباس والآنية، إلى السلاح والمبنى، ومنها انشغال الأديب عن أدبه بما يقيم أوده.
стр. 370
وربما عاد الإخلال اليسير بفصاحة اللغة عند بعض الشعراء إلى تقصيرهم في امتلاك اللغة امتلاكا قويا، وهذا لا يعود إلى عجز الشاعر عن تمثل اللغة، وإنما إلى الازدواج اللغوي الذي يعاني منه في حياته، فالناس من حوله لا يتحدثون باللغة العربية الفصحى، وهو يتعامل معهم بلهجتهم العامية، ولا يتحدث باللغة الفصحى إلا في مجالس محدودة أو إلى نفسه عندما يريد أن يعبر عما فيها شعرا، وهذا يقلل من تمكن اللغة من نفسه، ويضعف من قدرته على تصريفها في أغراضه، والتعبير بها عن مراميه، ويوقعه في الركاكة والخطأ، وربما قصد إلى ذلك ليمتّن الصلة بينه وبين الناس، فيحاول أن يقترب في تعبيره من أفهامهم، واللغة التي اعتادوا عليها.
وإذا لم تكن اللغة التي ينظم بها الشاعر شعره لغة حياة، فإن ارتباطها بمشاعره وخياله يكون ضعيفا، فلا يأتي شعره كما يريد، ويصبح عاجزا عن أداء أفكاره ومشاعره أداء كاملا دقيقا، ويخرج أسلوبه مرتبكا، فيه آثار العامية التي تتعايش في نفسه مع الفصحى.
ولذلك عاد الشعراء إلى الشعر العربي القديم، يحاكونه ويعارضون قصائده، ويضمّنون أبياته، ويستعينون به في التعبير عن أغراضهم، فجاءت بعض قصائدهم خليطا غريبا من الشعر القديم ومن صنعة عصرهم، فهم يريدون إظهار معرفتهم بالتراث الشعري، وبراعتهم في استخدامه، ليعطيهم ذلك نوعا من الأصالة، ويريدون إثبات مقدرتهم على اصطناع فنون البديع التي فتن بها أهل عصرهم.
ويظهر هذا جليا في قول ابن نباتة، الذي عبّر فيه عن رغبته في إنشاء قصائد المدح النبوي:
فهل لي إلى أبيات طيبة مطلع ... به مخلص لي من إسار شقائي
أصوغ على الدّرّ اليتيم مدائحا ... أعدّ بها من صاغة الشّعراء
стр. 371
بيت زهير حيث كعب مبارك ... وحسّان مدحي ثابت ورجائي «١»
فهو يداخل ما بين الإشارات التراثية والصنعة السائدة في عصره، ليكون من صاغة الشعراء، ولم يكن جميع شعراء العصر صاغة- كما يقول-، بل فيهم من نحا منحى الجزالة والتعبير القوي، وسار على طريقة الشعراء القدامى، بعد أن تمكّن من لغته وثقافته الأدبية، ومن هؤلاء ابن هتيمل، الشاعر الذي عاش في الجزيرة العربية، واستقر في مكة، وكان من أرومة عربية أصيلة، فإن شعره يسير على النهج العربي الأصيل في صياغته وشكله وطرق تعبيره، ويظهر أن عزلته النسبية في الجزيرة العربية قد صانت شعره من ظواهر الصنعة أو الركاكة والضعف، وله مدحة نبوية يقول فيها:
لولا محبّة أهل الدّار والدّار ... ما غاض صبري وجفني ماؤه جاري
ولا عكفت وأصحابي تعنّفني ... على العكوف على نؤي وأحجار
وإنّما لي أوطار رزيت بها ... رعيا لها من لبانات وأوطار «٢»
وليس جميع الشعراء كابن هتيمل في توجهه الشعري الأصيل، إلّا أن بعضهم قد أبدى في شعره استعدادات مختلفة للذهاب في شعرهم مذاهب مختلفة، فهم قادرون على مضارعة الشعراء القدامى في أسلوبهم، وعلى استخدام صنعة عصرهم، وعلى النظم وفق طريقة العلماء، وهذا يثير العجب للوهلة الأولى إلّا أنهم أرادوا أن يعطوا لكل مقام مقالا، وأن يرضوا الأذواق المختلفة في عصرهم، وأن يثبتوا أنهم قادرون على المشاركة في طرق التعبير الشعري المعروفة في عهدهم كلها، ومن هؤلاء أشهر شعراء المدح النبوي البوصيري، الذي نجده يرقى في أسلوبه إلى أسلوب الشعراء العرب القدامى الأصيل، ونجده يشارك أهل عصره في كلفهم بالصنعة، ولا ينسى أن يشارك العلماء في نظمهم.
стр. 372
ومن شعره الجزل الذي يضارع به الشعر العربي القديم، قوله من قصيدة (تقديس الحرم من تدنيس الضرم) :
دعوا معشر الضّلال عنّا حديثكم ... فلا خطأ منه يجاب ولا عمد
وما ليّنت نار الحجاز قلوبكم ... وقد ذاب من حرّ بها الحجر الصّلد
تدمّر ما تأتي عليه كعاصف ... من الرّيح ما إن يستطاع له ردّ «١»
وتسلم الجزالة والقوة للبوصيري في أسلوبه، حين يتحدث عن السيرة والمعجزات، وهذا مقام النظم عند الشعراء، عند ما يريدون قسر الأحاديث والروايات على الانصياع للتعبير الشعري فتأبي، أما البوصيري، فإنه أحيانا يجيد ذلك، مثل قوله:
وا غيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبي معمور ومأهول
وجلّل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبّذا نسج وتجليل «٢»
ويضارع الصرصري البوصيري في تنوع أسلوبه وصياغته، فيذهب بها كل مذهب عرف في عصره، ومن أسلوبه الجزل الذي شابه فيه القدماء، قوله في مدحة نبوية، يصف فيها الراحل إلى الحجاز على طريقة القدماء، وكأنه يصف سبعا من سباع البر:
ومنخرق السّربال يخترق الفلا ... ويقدم إقدام الشّجاع الدّلاهث
حسام طويل السّاعدين شرنبث ... له بطش دلهاث حصور شرابث
يخوض أهاويل الدّجى بجلاعد ... أمون السّرى بادي النّشاط حثاحث «٣»
стр. 373
هذا الأسلوب العربي الأصيل الذي يبدو غريبا عن العصر المملوكي، يجيده الصرصري، فيعود إليه بين المدحة والآخرى، لأنه أرقى أسلوب في نظرهم، وأرقى أسلوب هو الملائم لمدح رسول الله ﷺ ، لذلك نجده يحافظ على أسلوبه الجزل الأصيل في مدحة أخرى، لا يختلف بين جزء وآخر من أجزاء القصيدة، مع طلاوة وعذوبة، قلما نجدها عند شاعر غيره، فيقول:
وسترت حتى نمّ دمعي بالهوى ... وأبرّ دمع العاشقين نمومه
فاعطف على قلب ملكت زمامه ... أنت الشّقاء له وأنت نعيمه
وله قديم لا دواء لدائه ... وأرى الهوى يعيي الرّجال قديمه «١»
وحتى الشعراء الذين تأخّر بهم الزمن، حاولوا أن يجاروا الأسلوب التقليدي، وأن ينظموا شعرهم على نهج سابقيهم، لتحقيق شيء من الأصالة والقوة في التعبير، مبتعدين عن الصنعة التي ملكت عليهم ألبابهم ومن هؤلاء النواجي الذي قال في إحدى مدائحه النبوية:
محمّد أحمد المختار أشرف من ... دعا إلى طاعة الرّحن داعيه
ومن هدانا إلى الإسلام متّبعا ... رضا الإله بتنزيل وتنزيه
ومن أتانا بدين واضح فجلا ... غياهب الشّرك وانجابت دياجيه «٢»
فكأن شعراء المديح النبوي الذي أجزلوا صياغتهم، أرادوا أن يجعلوا قصائدهم رصينة مناسبة لعظمة مقام النبي الكريم وهيبته، فحاولوا مجاراة القصائد التي سمعها رسول الله ﷺ من أصحابه ومعاصريه.
стр. 374
إلا أن بعض شعراء المديح النبوي لم تصل متابعتهم للقدماء إلى شكل صياغتهم، ولم تصل بهم الصنعة إلى التعقيد، فحافظوا على طريقة وسط في التعبير، تأخذ من القديم بلاغته وصحته، وتأخذ من الجديد وضوحه وطرافته، إنه أسلوبهم الخاص الذي لم ينظروا عند صياغته إلى ما حولهم، ومن ذلك قول الشهاب محمود في جلاء مشاعر الراحلين إلى الروضة الشريفة قبل وصولهم وعنده:
متى قال حادينا رويدا فبينكم ... وبين الحمى مقدار يومين أو أدنى
وهبنا له شطر الحياة فإن أبى ... ولم يرض ما قد وهبنا له زدنا
فلم يبق من آمالنا بعد فوزنا ... بذلك ما نأسى عليه إذا متنا «١»
فهذا الأسلوب في التعبير الشعري هو ما أطلق عليه أدباء ذلك العصر (الرقة والانسجام) ، المتأتي من رقة الألفاظ ودقتها، وجمال التركيب والعبارات وائتلافها، وتموج الأبيات بالإيقاع والموسيقا.
ونجد الجزالة وأصالة التعبير التي قلما انحرفت في المديح النبوي عند ما دحي النبي من المغاربة، الذين لم تفتنهم الصنعة، ولم تتسرب إلى شعرهم إلا تسربا خفيفا، وخاصة أولئك الذين لم يزوروا المشرق، ولم يقيموا فيه، فإنهم ظلوا ينظمون شعرهم على غرار الشعر القديم الذي وصلهم، وكأنهم كانوا بمعزل- نوعا ما- عن مركز تيارات الصنعة الأدبية في مشرق الوطن العربي.
وقد امتازت مدائح المغاربة غالبا بالأصالة والقوة والجزالة، ومن ذلك قول ابن الجياب الأندلسي:
ألا عدّ عن وصف الدّيار المواثل ... ودهر مضى لم تحظ فيه بطائل
стр. 375
ودع عنك تذكار الشّباب فإنّه ... زمان تقضى في ضلال وباطل
فبادر إلى محو الذنوب بتوبة ... تعفّي علي آثار تلك الرّذائل
فهل لك في إعداد زاد مبلّغ ... لنيل نعيم عند ربّك كامل
بمدح رسول رفع الله ذكره ... وأوجده من خير خير القبائل «١»
وهذا ما نجده في جل مدائح المغاربة النبوية، فإنها في معظمها مؤدّاة بأسلوب جزل ممتع، لم تنهكه الصنعة، ولم تتسلل إليه الركاكة، لا نشعر عند قراءته بالمعاناة والتعمّل، وإنما تجري نفس الشاعر على سجيتها لا يقلد ولا ينظر إلى أسلوب غيره، بل يعبّر بالطريقة التي سمحت بها ثقافته واستعداده وتمثّله لأساليب الشعراء القدامى.
النظم:
من الواضح تماما في المدائح النبوية، وجود بعض القصائد التي اقتربت في أسلوبها وصياغتها من المنظومات التعليمية، كلها أو أجزاء منها، فالشاعر يريد ذكر بعض المعاني في المديح النبوي، وهذه المعاني قد وردت في أحاديث وأخبار وروايات، فلا يقدر على إخراجها إخراجا شعريا، ولا يجرّدها من الألفاظ التي وردت بها، والسياق الذي جاءت به، فينزل الخبر على حاله مع تقديم وتأخير بما يلائم الوزن الشعري فقط، ويظل على هذا النهج، ينتقل من خبر إلى خبر، إلى أن تصبح القصيدة نظما لأخبار وروايات، ليس لها من الشعر إلا الشكل الخارجي والوزن والقافية، فالمهم عند الشاعر أن يدرج هذه الأخبار في قصيدته بأي شكل من الأشكال، وهو يظن أنه صنع شعرا استوفى فيه معاني المديح النبوي، أو أدرج فيه ما لم يذكره غيره، وخاصة عندما يكون الشاعر من علماء الدين، ويريد إظهار علمه، أو يلحّ عليه علمه للظهور في شعره، فالعلماء في ذلك
стр. 376
العصر كانت لهم مشاركة واسعة في الأدب وكثير منهم كان لهم ذوق كبير فيه، إلا أن بعضهم كانت تنقصه الموهبة الشعرية، ومع ذلك لا يريد أن يترك هذا اللون من النشاط الثقافي أسوة بغيره، أو إظهارا لمقدرته، أو لأنه يرى العلماء يثبتون علومهم على شكل قصائد شعرية، ليسهل حفظها، وربما فعل هو ذلك، فسهل عليه النظم الذي لا يتعدى إقامة الوزن واستجلاب القافية، وهؤلاء لا يحسنون الشعر، ولا يحسنون إقامة عموده، لطول اشتغالهم بالمسائل العلمية واختلاف ذوقهم عن ذوق الأدباء، إلا أنهم يريدون أن يفوزوا برضا الله تعالى ورضا رسوله الكريم، فمدحوا النبي ﷺ وأظهروا معجزاته، ورووا سيرته في مدائحهم، فظهر أسلوبهم على شيء من المعاظلة والركاكة والضعف، بسبب قسرهم لطريقتم في الكتابة على أن تكون شعرا، وافتقارهم للأدوات الشعرية، مثل قول القلقشندي في مدحة نبوية:
عوّذت حبّي بربّ النّاس والفلق ... المصطفى المجتبى الممدوح بالخلق
إخلاص وجدي له والعذر يقلقني ... تبّت يدا عاذل قد جاء بالملق
يا عالي القدر رفقا مسّني ضرر ... فالله قد خلق الإنسان من علق
كم طارق منك بالإحسان يطرقني ... مثل البروج التي في أحسن الطرق
والقلقشندي محبّ قال سيرته ... في مدح خير الورى الممدوح بالخلق «١»
أيستقيم هذا الشعر مع مكانة القلقشندي العلمية، وخبرته في أساليب الكتابة العربية؟
وما كان أغناه وأغنى أمثاله عن مثل هذا الشعر وقد وصلت عدوى النظم إلى الشعراء الكبار الذي عرفوا بشاعريتهم الفياضة، وإجادتهم للمديح النبوي من أمثال
стр. 377
البوصيري والصرصري وغيرهما، وكأن الشعراء أرادوا إثبات مقدرتهم على النظم ومنافسة العلماء في هذا اللون من الشعر، وأنهم قادرون على إيراد أكبر قدر من المعلومات حول رسول الله ﷺ .
فلننظر كيف نظم البوصيري في همزيته خبر المستهزئين برسول الله ﷺ من كفار قريش:
خمسة كلّهم أصيبوا بداء ... والردّى من جنوده الأدواء
فدهى الأسود بن مطّلب أيّ ... عمى ميّت به الأحياء
ودهى الأسود بن عبد يغوث ... أن سقاه كأس الرّدى استسقاء
وأصاب الوليد خدشة سهم ... قصّرت عنها الحيّة الرّقطاء
وقضت شوكة على مهجة العا ... صي فلله النّقعة الشّوكاء
وعلا الحارث القيوح وقدسا ... ل بها رأسه وساء الوعاء
فديت خمسة الصّحيفة بالخم ... سة إن كان بالكرام فداء «١»
ويمضي البوصيري في الحديث عن الخمسة الذين نقضوا صحيفة قريش الداعية إلى مقاطعة بني هاشم، والقصيدة في معظمها سرد للسيرة والمعجزات، بأسلوب يبتعد عن طريقة الشعر في التعبير على الرغم من محاولات البوصيري لتحريك السرد في شعره بالتعقيب على الخبر الذي يرويه، يظهر التعجب أو يظهر المقصود من الحديث أو يضرب المثل، إلا أن كل ذلك لم يقرّب ما ينظمه من جو الشعر وطبيعة التعبير فيه التي تختلف عن طريقة التعبير في النثر عن الحقائق العلمية أو القصص التاريخية.
стр. 378
والصرصري الذي أظهر شاعرية فياضة ومقدرة كبيرة في المدح النبوي، والذهاب به كل مذهب، لم يشأ أن يترك النظم، وكأنه عدوى تصيب كل شعراء المديح النبوي، أو أنها كانت مدار تفاخر وتبار وإظهار المقدرة والتميز، ولذلك نجده ينظم عقيدته في إحدى القصائد على طريقة العلماء في تقرير علومهم، وينظم السيرة والمعجزات، فيبرد أسلوبه، وتثقل صياغته، مثل قوله:
تنكّست الأصنام عند ولاده ... كما نكّستها منه في الفتح إصبع
لقد شرحت منه الملائك صدره ... وكان له من أبرك العمر أربع
وكان ابن خمس والغمام تظلّه ... وفي العشر نور الشّرح في الصّدر يلمع
وفي الخمس والعشرين سافر تاجرا ... بمال رزان للمفاوز يقطع
إلى أن أرته الأربعون أشدّه ... فأضحى بسربال الهدى يتدرّع «١»
ويستمر الصرصري في نظم السيرة، ويعدد المعجزات دون أن يشعر أنه ينظم شعرا، وربما إلفته للشعر جعلته ينسى ذلك، فهو يعبر بالشعر عن حاجاته، فلماذا لا يجعله نظما للسيرة النبوية؟
فالمضمون السامي يغفر للأسلوب ركاكته وثقله، وافتقاره لروح الشعر وروائه. أو هكذا كانوا يظنون، وإلا فما معنى أن ينظم شاعر كبير مثل الصرصري هذا الحديث على طريقة المحدثين، فيقول:
ألا يا رسول المليك الذي ... هدانا به الله من كلّ تيه
سمعت حديثا من المسندا ... ت يسرّ فؤاد الفقيه النّبيه
رواه ابن إدريس شيخي الذي اس ... تقام على منهج يرتضيه
стр. 379
بإسناده عن شيوخ ثقا ... ت نفوا عن حديثك زور السّفيه
ومعناه أنّك قلت اطلبوا ال ... حوائج عند حسان الوجوه
ولم أر أحسن من وجهك ال ... كريم فجد لي بما أرتضيه «١»
لقد انتشر النظم عند شعراء المديح النبوي، وكأنهم شعروا أنهم لا ينظمون شعرهم الذي اعتادوا عليه، وإنما ينظمون شعرا آخر، وفق قواعد نظمهم المعروفة، وربما ظنوه فنا جديدا، فنا قصيصا شعريا، لكنهم لم يتلمسوا معالم هذا الفن، ولم يحتذوا فيه مثالا معروفا، يقتدون به، ولم يطلعوا على آداب الأمم الآخرى ولو حصل ذلك، أو لو وجد من يستمر في هذا النوع من النظم ويطوره، لكان لنا فن جديد، يضارع ما لدى الأمم الآخرى من القص الشعري الملحمي، لكن الأمور لم تسر في طريق التطور الصحيح، ولم تكن واضحة في الأذهان، وطغى عليها نظم العلوم وتقريرها شعرا، والذي منه في المديح النبوي ما نظمه بعض العلماء في بيان دعاء أو تقرير حال، أو تعداد ما يخص رسول الله ﷺ ، وقد نظم شاعر يدعى صالح بن الحسين خبر توسل آدم بالمصطفى في قوله:
فقال إلهي امنن عليّ بتوبة ... تكون على غسل الخطيئة مسعدا
بحرمة هذا الاسم والزّلفة التي ... خصصت بها دون الخليقة أحمدا
فتاب عليه ربّه، وحماه من ... جناية ما أخطاه لا متعمّدا «٢»
فماذا في هذا النظم من الشعر والشاعرية؟ الأسلوب ركيك ضعيف، يكاد يكون نثرا ثقيلا، ننأى بالعلماء عن مثل هذا التعبير، ونربأ بهم عن مثل قول أحد القضاة «٣»
стр. 380
الحنابلة، وهو يظن أنه فاز بإبداع ليس بعده إبداع:
نبىّ أحمد وكذا إمامي ... وشيخي أحمد كالبحر طامي
واسمي أحمد أرجو بهذا ... شفاعة سيّد الرّسل الكرام «١»
ولابن سيد الناس مقطوعات، هي من النظم العلمي الخالص، ولا يمكن أن تكون من المديح النبوي على وجه من الوجوه، وإن كان بعض أصحاب الكتب القدماء قد أدرجوها ضمن شعر المدح النبوي، منها ما قاله في سلاح النبي ﷺ :
من قضيب ورسوب ... راسب في الضّربات
وانتضى البتار فيهم ... فلّ حدّ الباترات
خلت لمع البرق يبدو ... من سنا ذي الفقرات
ولنار المخذّم الما ... ضي لهيب الجمرات «٢»
ومنها ما قاله في أسماء دوابه:
من لزاز ولحيف ... ومن السّكب المواتي
ومن المرتجز السّا ... بق سبق الذّاريات
ومن الورد ومن سب ... حة قيد العاديات «٣»
فالنظم أثقل كثيرا من المدائح النبوية، فبدا أسلوبها باردا، ليس له من حرارة الشعر نصيب، وكثير منه ركيك ضعيف، ابتعد ببعض القصائد عن الشاعرية فلم يبق لها من
стр. 381
الشعر إلا هيكله الخارجي من وزن وقافية. ولم يكن للنظم محاسن تذكر، تضاف إلى صياغة الشعر العربي وأسلوبه، بل كان مضرا أكثر منه مفيدا، ولو عزلت القصائد التي غلب عليها النظم عن بقية المدائح النبوية، وضمّت إلى فن المنظومات العلمية، لكان ذلك أقرب إلى الصحة.
التصنع:
والأسلوب الثالث الذي برز في المدائح النبوية، هو الأسلوب المتصنع، الذي ساد في العصر المملوكي، فالأديب يجهد عقله في تنميق صياغته وزخرفتها، وحشد أكبر قدر ممكن من المحسنات البديعية التي فتنتهم. الكاتب المولع بالصنعة، غدت كتابته جمعا لضروب البديع لا أكثر، والشاعر الذي ملكت عليه الصنعة نفسه، أضحى شعره إقامة الوزن للمحسنات البديعية، ولذلك كان لا بد من أن يظهر هذا الأسلوب في المدح النبوي، طالما أنه يعد من مفاخر الشعراء، ومما يتباهون به، إظهارا لمقدرتهم، وإثباتا لإبداعهم.
ولم تكن هذه المحسنات البديعية مما أتى به أهل هذا العصر، بل هي معروفة موجودة منذ العصر الجاهلي لكنها كانت تأتي عفو الخاطر، ولم يتنبه عليها إلا الشعراء العباسيون الذين أخذوا يقصدون إليها قصدا، يجملون بها صياغتهم، ولم يكثروا منها، فبقيت مبعث جمال لشعرهم، لكنها أخذت تزداد في الشعر شيئا فشيئا حتى أثقلته.
وقد شارك هواة البديع في المديح النبوي، فجاءت قصائدهم مثقلة بفنونه، يجورون على المعنى والأسلوب معا، طلبا لهذه الزينة، فلا يأتون بشيء، بل إنهم يسيؤون من حيث يظنون أنهم يحسنون، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد الربط بين المديح النبوي وفنون البديع، فخرجوا بقصائد نبوية، هي البديعيات، تجمع ما بين مدح النبي، وذكر ضروب البديع والتمثيل لها.
стр. 382
وظن هؤلاء أنهم يمدحون رسول الله ﷺ بأفضل ما عندهم، فزادوا في اصطناع بديعهم، حتى اقتربوا من نظم هذه الفنون في مدائحهم النبوية، وقد بدأ اصطناع البديع في المديح النبوي مع رسوخ هذا الفن واستقلاله، وزاد بتقدم الزمن إلى أن أصبح في نهاية العصر المملوكي مقترنا به، وكأن مدح النبي ﷺ لا يتم إلّا بفنون بديعهم الذي أهدروا فيه طاقاتهم الذهنية، وظلموا في سبيله ملكاتهم الشعرية.
ولا شك أن شعراء المديح النبوي تفاوتوا في احتفالهم للبديع حسب مذهب كل منهم في الشعر، وحسب ترتيبهم الزمني، فنجد شعراء قد أضربوا عن استخدام البديع في شعرهم، فلا نعثر عليه عندهم إلا لماما، وخاصة أولئك الذين كانوا بمعزل عن مركز الحركة الأدبية في الجزيرة العربية أو المغرب العربي، ونجد شعراء آخرين يدرجون بعض فنون البديع في شعرهم دون إكثار أو افتعال، فهم يستخدمونها حين تكون الفرصة مواتية وحين لا تسيء إلى الصياغة أو المعنى، ونجد شعراء غيرهم، كل همّهم حشد البديع حشدا في قصائدهم، دون أن يعيروا صياغتهم أو معانيهم أي اهتمام.
ومن أمثلة الأسلوب الموشى بفنون البديع في المديح النبوي، دون أن يفقد رونقه وانسجامه، قول ابن أبي الفرج الجوزي «١» :
يكفيه أنّ الله ﷻ ... آوى، فقال: (ألم يجدك يتيما)
درّ يتيم في الفخار، وإنّما ... خير اللآلي أن يكون يتيما «٢»
стр. 383
وإذا نظرنا إلى مشاركة الشعراء الكبار في العصر المملوكي، والذي عرفوا بولعهم بفنون البديع، وجدنا شعرهم حافلا بضروب الصنعة التي تثقل أحيانا، لكنهم ظلوا محافظين على وضوح المعنى بشكل عام، وظل ظلّ الصنعة قاصرا على أبيات بعينها، ولم يغط القصيدة كلها.
ومن أمثلة هذا الأسلوب المتصنع قول ابن نباتة في مدحة نبوية:
ولي سعاد شجون ما يغبّ لها ... إما خيال وإلا فهو تخييل
أبكي اشتياقا إليها وهي قاتلني ... يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول
مسكيّة الخال أمّا ورد وجنتها ... فبالجنى من عيون النّاس مبلول
مصحّح النّقل عن شهد وعن برد ... لأنه منهل بالرّاح معلول «١»
فالصنعة هنا هي هاجس الشاعر، وهو يفكر في مدح سيد الخلق، أو أنه استحضر هذه الصنعة عند مدح رسول الله ﷺ ظانا أنه يحسن عملا، فيصطنع ألفاظ البديع، ويضمّن شعر القدماء، ويستخدم مصطلحات العلوم وغير ذلك من الأمور التي رآها ورآها معاصروه فنا عظيما، وإثباتا لمقدرة الشاعر البلاغية أو البديعية.
ولننظر كيف يتلاعب بالألفاظ في مدحة نبوية ثانية، فيقول:
شجون نحوها العشّاق فاؤوا ... وصب ماله في الصّبر رآء
وعين دمعها في الحبّ طهر ... كأنّ دموع عيني بيرحاء
ولاح ماله هاء وميم ... له من صبوتي ميم وهاء
كأنّ الحبّ دائرة بقلبي ... فحيث الانتهاء الابتداء
стр. 384
لنا سند من الرّجوى لديه ... غداة غد يعنعنه الوفاء «١»
فما هي الإضافة في الصب الذي ليس له في الصبر راء؟ وما هو الجديد في كلمة (همّ) لتصبح حينا هاء وميما وحينا ميما وهاء؟ ولو وصف مهندس الحب، فهل يشبهه بالدائرة في افتقار شكلها إلى بداية محددة أو نهاية معروفة؟ وما هو موطن الجمال في العنعنة التي تملأ أسانيد الحديث الشريف، لينقلها ابن نباتة إلى الشعر؟ إنه الأسلوب المتصنع الذي أعجب أهل ذلك العصر، فتفاخروا في تعقيده.
وكلما تقدم بالمدائح النبوية الزمن، زادت الصنعة فيها ثقلا، حتى أخفت المعاني والمشاعر، فلم يبق من الشعر إلا الوزن والقافية، وهذه الصنعة التي يعجب المرء كيف كانت تستهوي أهل ذلك العصر، فالنواجي مثلا لا يترك مدحة نبوية له دون أن يغلّفها بضروب الصنعة البديعية، مثل قوله في قصيدة:
لعروض جفاك بحور هوى ... بدوائر هجرك تضطرب
وبهالة وجهك دائرة ... لمعاني حسنك تجتلب
وبجسم الصّبّ جرت علل ... وزحاف ليس له سبب «٢»
ولا ندري إن كان الشاعر يتغزل أو يتحدث عن العروض ودوائره وعلله وزحافاته وأسبابه وأوتاده، ولا ندري كيف كان الناس يستحسنون هذا الغزل، وكيف يتخيلون المحبوب من خلال هذه المصطلحات العروضية التي لا تجانس الشعر ولا تلتقي معه؟
وقد أفرغ جعبته من مصطلحات الحديث والفقه في مقدمة مدحة أخرى، طلبا للإدهاش وإظهار المقدرة، حين قال:
стр. 385
ما زال مسعر قلبي من طريق أبي الز ... زناد عن واقد الخدّين يرويه
وسلسل الدّمع أخبار الغرام فقل ... ما شئت في ابن معين أو أماليه
صب تفقّه في شرع الهوى فغدا ... إمام مذهب أهل الحبّ مفتيه
في كلّ يوم له درس يطالعه ... في صفحة الهجر بالذّكرى ويلقيه «١»
ولا يخفى على المطلع ما في هذا الأسلوب من تصنع وتكلف، وانحراف عن النهج السليم في التعبير عن المشاعر الرقيقة التي ضاعت بين مصطلحات الحديث وأسماء رواته، وبين الفقه ومذاهبه، والدراسة والمطالعة والإلقاء، وغير ذلك من مصطلحات العلوم، والتي أظن أن الشاعر كان يحرص على إيرادها ليثبت معرفته الواسعة بهذه العلوم، وطول باعه فيها.
لقد أضاع العواطف والأفكار بين الأسماء التي أراد إثبات مهارته في استخدامها للتعبير عن فكرته، وبين مصطلحات العلوم، فلم يعد التعبير العربي الأصيل موجودا عنده، ولم يعد مذهب العرب في كلامهم كافيا ليؤدي ما بنفسه، لقد ضاقت عليه مذاهب القول كلها، ولم يعد أمامه إلا أسلوب المتصنع الملتوي الذي لا يلقيق بالنثر فكيف بالشعر.
وهذا كان دأب شعراء الصنعة الذين أحالوا صياغة الشعر إلى تكلف وتعقيد ثقيل، فلم يكن النواجي وحيد دهره في هذا الأسلوب، بل شاركه فيه غير واحد، تنافسوا على الفوز بمصطلح علمي، يعبّر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره، ويزهو بعد ذلك بتجديده. ومن هؤلاء الشهاب المنصوري الذي قدّم لإحدى مدائحه النبوية بقوله:
فأضالعي قفص وكلّ بلابلي ... ممّا لقيت عليّ فيه نوائح
стр. 386
لا غرو أن رقص الفؤاد لذكرهم ... قد ترقص الأطيار وهي ذبائح «١»
فالشاعر أراد التشبيه، فعبر عنه تعبيرا مباشرا، قبل أن يختمر في ذهنه، فماذا كانت النتيجة في التعبير؟ ركاكة وضعفا، لأنه ينقل كل فكرة أو كل جزء من فكرة نقلا عن غيره، قبل أن تصبح الأفكار والعبارات من ثقافته الشخصية، لذلك يستعين على أداء مشاعره بهذه الطريقة العرجاء، وهذا ما فعله في المدح النبوي في قصيدة أخرى، حيث قال:
خصّك الله باختصار البلاغا ... ت فأدّيتها بلفظ وجيز
وتميّزت فانتصبت لمولا ... ك بعزم نصبا على التّمييز
عفت دنيا تبرّجت لك حسنا ... كزليخا تبرّجت للعزيز «٢»
فهذا الأسلوب انحرف به صاحبه عن السليقة، وعن النظم العربي للكلام، وطريقتهم في التعبير الواضح المستقيم، الذي لا يتكئ على أشياء خارجية لإيصال المعنى إلى المتلقي.
وسار ابن مليك في تصنعه من القضاء والحرب إلى الكتابة والخط، وهو في ذلك كله يتحدث عن الغزل والمدح، ويظهر أن مسألة الخط والكتابة قد استهوته، فذكر مصطلحاتها في مدحة نبوية، وقال:
أكاتب خطّ الوصل حرّر لي الضّبطا ... عسى مالكي في الحبّ أن يثبت الخطّا
فنسخة خدّي اليوم بالسّقم قوبلت ... ألم تر فيها الدّمع قد أوضح الكشطا
هو العاقب الماحي محا الكفر سيفه ... كذا قلم الشّرك انبرى وبه انقطّا
стр. 387
كذاك حروف الخطّ قد نقطت له ... وقد كان لا يدري الهجاء ولا الخطّا «١»
وربما كان الشاعر كاتبا رسميا، يحرر (الضبوط) كما يفعل رجال الشرطة الآن، ويتثبت من صحة الخط والتواقيع، ليظهر إذا كان في الكتاب كشط أو تغيير، فنقل مصطلحات الكتابة إلى الغزل والمدح النبوي، فقلبت الأمور عنده وعند غيره من شعراء هذا المذهب، فبعد أن كان التعبير الطبيعي هو الأساس، والصنعة زيادة طفيفة لتجميل التعبير وتحسينه، أضحت الصنعة هي الأساس، والتعبير الطبيعي لوصل قطع الصنعة، وربطها ببعضها.
ولذلك مالت الصنعة بكثير من الشعراء إلى الركاكة والضعف والخطأ، وخاصة حين يستخدمها من لا باع له بالشعر ولا ممارسة، مثل ابن زقاعة الذي تعانى الخياطة ثم طلب العلم، وأضحى أحد المتصوفة، وترك ديوانا صغيرا كله مواجد صوفية ومدح نبوي إلا أن شعره ضعيف ركيك، أثقلته الصنعة، ومن ذلك قوله:
غصن بان بطيبة ... في حشا الصّبّ راسخ
من صباي هويته ... وأنا الآن شائخ
عجبا كيف لم يكن ... كاتبا وهو ناسخ
أحمد سيّد الورى ... وبه شاد شالخ
عقد إكسير ودّه ... ليس له عنه فاسخ «٢»
فماذا في هذا النظم من الشعر، الأسلوب ضعيف، والألفاظ ليست فصيحة أو صحيحة، والتعبير مهلهل يقرب من العامية، ومع ذلك يصرّ هذا الشاعر على استخدام
стр. 388
فنون البديع في شعره، فكانت النتيجة قصيدته تلك وقصائده الآخرى، ومنها قصيدة يتلاعب فيها بالحروف على طريقة المتصوفة، فيقول:
أقسم بالطّاء قبل هاء ... والسّين والميم بعد طاء
والألف الأوّل المبتدا ... على حروف من الهجاء
أوّل فتحي بفاتحات ... من آل حاميم في ابتداء
والباب منها إنّا فتحنا ... وحارس الباب حرف فاء «١»
فهذا هو الأسلوب الرمزي المعمّى الذي لحقه الضعف والركاكة، ونخرته الصنعة البديعية التي لم تستخدم استخداما حاذقا، فأضحى التعبير بعيدا عن الفهم، قريبا من العامية، فيه من الركاكة ما يجعل تسميته شعرا موضع تساؤل، بل يجعلنا نتساءل إذا كان ناظم هذا الشعر في وعيه الكامل حين نظمه، ولا بأس أن نسيء الظن بالذين احتفلوا به.
إلا أن مثل هذا الأسلوب الركيك ليس شائعا في المدح النبوي، واقتصر على بعض المتصوفة الذين جاؤوا من بيئات شعبية، وتوجّهوا بشعرهم إلى هذه البيئات؛ وأن أنهم لم يكن يدور بخلدهم أن يكتب هذا الشعر ويحفظ ليصل إلينا في دواوين شعرية، احتفل بها بعض الباحثين، وأشاعوها لمضمونها السامي، أو لغرض في أنفسهم، أما باقي شعر المديح النبوي، فإنه صحيح فصيح، تندر فيه الركاكة والضعف، وتقتصر على نظم بعض العلماء الذين لم يؤتوا من موهبة الشعر حظا وافرا، مثل ابن حجر في مدحته التي يقول فيها:
وأزال بالتّوحيد ما عبدوه من ... صنم برأي ثابت وصليب
لم يحتموا من ميم طعنات ولا ... ألفات ضربات بلام حروب «٢» .
стр. 389
وما كان أغنى ابن حجر عن مثل هذا الشعر، ولكنها الرغبة في المشاركة في المديح النبوي بأي شكل من الأشكال.
فصياغة المدائح النبوية تفاوتت تفاوتا كبيرا، ما بين القوة والجزالة، والسلامة والانسجام، وبين النظم والتصنع البديعي، والتكلف والضعف لأن شعراء المدائح النبوية عكسوا في شعرهم المذاهب الأدبية في عصرهم، وتوجّه كل منهم.
الألفاظ:
يختلف الشعراء في طريقة تعبيرهم، وفي الألفاظ التي يميلون إلى استخدامها في شعرهم، بحسب الموضوع الذي يتناوله الشاعر، وبحسب البيئة التي عاش فيها، وبحسب المتلقي لهذا الشعر.
فشعراء البادية يميلون إلى جزالة اللفظ والإغراب فيه، وخاصة الرجّاز منهم، وهناك مواضيع لا يلائمها إلا التعبير الفخم، والألفاظ الطنانة، ومواضيع أخرى يميل التعبير عنها إلى السهولة والوضوح.
وترتبط لغة الشاعر بمقدرته اللغوية، وثقافته العامة، والمصادر التي استقى منها لغته، وبذلك يتفاوت شعراء المديح النبوي تفاوتا عظيما، لأن بعضهم أخذ اللغة عن شيوخ ثقات، فأتقنها وأتقن استخدامها وبعضهم كان في عزلة أو شبه عزلة عن المؤثرات التي تضعف ملكته اللغوية، وبعضهم لم يؤت من الثقافة اللغوية إلا شيئا يسيرا، وبعضهم تنازعت لغته مؤثرات متناقضة، مثل مجالس العلم والحياة العامة، هناك يستقي اللغة الفصحى ويستخدمها، وهنا يتحدث إلى الناس باللهجة العامية، فيظهر أثر هذا وذاك في شعره.
ولسنا نأخذ على بعض الشعراء ميلهم إلى السهولة والرقة في مدح رسول الله ﷺ ، لأنهم لم يكونوا يمدحون مدحا تقليديا، بل كانوا يعبرون عن مواجدهم وأرق
стр. 390
مشاعرهم الدينية، فتجاوزوا في المديح النبوي التقسيمات السابقة التي كانت تخص المدح بالجزالة والفخامة، فرسول الله ﷺ ليس سيدا أو بطلا فحسب، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك هاد وحبيب ومنقذ، تهفو إليه النفوس بخشوع وقداسة، فحقّ لمادحيه أن يفخّموا وأن يرققوا، وأن يجزلوا وأن يسهلوا.
ويظهر أن شعراء المدح النبوي في معظمهم كانوا في بداية أمرهم يميلون إلى التفخيم والإغراب في ألفاظهم، وهذا ما لاحظه الوتري، الذي قال في ذلك: «ورأيتهم أيضا قد مزجوها بألفاظ لغوية، لم يفهمها كثير من السامعين، ولا تطرب لها قلوب المشتاقين، فرققتها جهدي، وبذلت لها ما عندي، وأعرضت عن تلك الكلمات ما أمكنني، ويسر الله تعالى علي عوض ما أعوزني» «١» .
وقد عبّر الصفي الحلي الذي مدح رسول الله ﷺ بقصائد عدة عن ذلك، فإن بعض الأدباء انتقدوا شعره بخلوه من الألفاظ الغربية، وكأنهم يعدون غرابة اللفظ من دلائل فحولة الشاعر، وسعة ثقافته، فهم لا يرضون إلا عن الشعر الذي يجهد الشاعر فيه فكره باستجلاب غريب اللفظ والصنعة المعقدة، وغير ذلك من الأشكال التي تدل على إطالة التفكير، وعسر المواءمة، ولذلك ردّ الصفي الحلي على هذا النقد بأبيات قال فيها:
إنّما الحيزبون والدّردبيس ... والطّخا والنّقاخ والعلطبيس
لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئزّ النّفوس
وقبيح أن يسلك النّافر ال ... وحشيّ منها ويترك المأنوس
إنّ خير الألفاظ ما طرب السّا ... مع منه وطاب فيه الجليس
إنّما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس «٢»