← Указатели

Указатели · id 23671

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

محمود سالم محمد

Полный текст (576 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لا غرو أن رقص الفؤاد لذكرهم ... قد ترقص الأطيار وهي ذبائح «١» فالشاعر أراد التشبيه، فعبر عنه تعبيرا مباشرا، قبل أن يختمر في ذهنه، فماذا كانت النتيجة في التعبير؟ ركاكة وضعفا، لأنه ينقل كل فكرة أو كل جزء من فكرة نقلا عن غيره، قبل أن تصبح الأفكار والعبارات من ثقافته الشخصية، لذلك يستعين على أداء مشاعره بهذه الطريقة العرجاء، وهذا ما فعله في المدح النبوي في قصيدة أخرى، حيث قال: خصّك الله باختصار البلاغا ... ت فأدّيتها بلفظ وجيز وتميّزت فانتصبت لمولا ... ك بعزم نصبا على التّمييز عفت دنيا تبرّجت لك حسنا ... كزليخا تبرّجت للعزيز «٢» فهذا الأسلوب انحرف به صاحبه عن السليقة، وعن النظم العربي للكلام، وطريقتهم في التعبير الواضح المستقيم، الذي لا يتكئ على أشياء خارجية لإيصال المعنى إلى المتلقي. وسار ابن مليك في تصنعه من القضاء والحرب إلى الكتابة والخط، وهو في ذلك كله يتحدث عن الغزل والمدح، ويظهر أن مسألة الخط والكتابة قد استهوته، فذكر مصطلحاتها في مدحة نبوية، وقال: أكاتب خطّ الوصل حرّر لي الضّبطا ... عسى مالكي في الحبّ أن يثبت الخطّا فنسخة خدّي اليوم بالسّقم قوبلت ... ألم تر فيها الدّمع قد أوضح الكشطا هو العاقب الماحي محا الكفر سيفه ... كذا قلم الشّرك انبرى وبه انقطّا

стр. 387

كذاك حروف الخطّ قد نقطت له ... وقد كان لا يدري الهجاء ولا الخطّا «١» وربما كان الشاعر كاتبا رسميا، يحرر (الضبوط) كما يفعل رجال الشرطة الآن، ويتثبت من صحة الخط والتواقيع، ليظهر إذا كان في الكتاب كشط أو تغيير، فنقل مصطلحات الكتابة إلى الغزل والمدح النبوي، فقلبت الأمور عنده وعند غيره من شعراء هذا المذهب، فبعد أن كان التعبير الطبيعي هو الأساس، والصنعة زيادة طفيفة لتجميل التعبير وتحسينه، أضحت الصنعة هي الأساس، والتعبير الطبيعي لوصل قطع الصنعة، وربطها ببعضها. ولذلك مالت الصنعة بكثير من الشعراء إلى الركاكة والضعف والخطأ، وخاصة حين يستخدمها من لا باع له بالشعر ولا ممارسة، مثل ابن زقاعة الذي تعانى الخياطة ثم طلب العلم، وأضحى أحد المتصوفة، وترك ديوانا صغيرا كله مواجد صوفية ومدح نبوي إلا أن شعره ضعيف ركيك، أثقلته الصنعة، ومن ذلك قوله: غصن بان بطيبة ... في حشا الصّبّ راسخ من صباي هويته ... وأنا الآن شائخ عجبا كيف لم يكن ... كاتبا وهو ناسخ أحمد سيّد الورى ... وبه شاد شالخ عقد إكسير ودّه ... ليس له عنه فاسخ «٢» فماذا في هذا النظم من الشعر، الأسلوب ضعيف، والألفاظ ليست فصيحة أو صحيحة، والتعبير مهلهل يقرب من العامية، ومع ذلك يصرّ هذا الشاعر على استخدام

стр. 388

فنون البديع في شعره، فكانت النتيجة قصيدته تلك وقصائده الآخرى، ومنها قصيدة يتلاعب فيها بالحروف على طريقة المتصوفة، فيقول: أقسم بالطّاء قبل هاء ... والسّين والميم بعد طاء والألف الأوّل المبتدا ... على حروف من الهجاء أوّل فتحي بفاتحات ... من آل حاميم في ابتداء والباب منها إنّا فتحنا ... وحارس الباب حرف فاء «١» فهذا هو الأسلوب الرمزي المعمّى الذي لحقه الضعف والركاكة، ونخرته الصنعة البديعية التي لم تستخدم استخداما حاذقا، فأضحى التعبير بعيدا عن الفهم، قريبا من العامية، فيه من الركاكة ما يجعل تسميته شعرا موضع تساؤل، بل يجعلنا نتساءل إذا كان ناظم هذا الشعر في وعيه الكامل حين نظمه، ولا بأس أن نسيء الظن بالذين احتفلوا به. إلا أن مثل هذا الأسلوب الركيك ليس شائعا في المدح النبوي، واقتصر على بعض المتصوفة الذين جاؤوا من بيئات شعبية، وتوجّهوا بشعرهم إلى هذه البيئات؛ وأن أنهم لم يكن يدور بخلدهم أن يكتب هذا الشعر ويحفظ ليصل إلينا في دواوين شعرية، احتفل بها بعض الباحثين، وأشاعوها لمضمونها السامي، أو لغرض في أنفسهم، أما باقي شعر المديح النبوي، فإنه صحيح فصيح، تندر فيه الركاكة والضعف، وتقتصر على نظم بعض العلماء الذين لم يؤتوا من موهبة الشعر حظا وافرا، مثل ابن حجر في مدحته التي يقول فيها: وأزال بالتّوحيد ما عبدوه من ... صنم برأي ثابت وصليب لم يحتموا من ميم طعنات ولا ... ألفات ضربات بلام حروب «٢» .

стр. 389

وما كان أغنى ابن حجر عن مثل هذا الشعر، ولكنها الرغبة في المشاركة في المديح النبوي بأي شكل من الأشكال. فصياغة المدائح النبوية تفاوتت تفاوتا كبيرا، ما بين القوة والجزالة، والسلامة والانسجام، وبين النظم والتصنع البديعي، والتكلف والضعف لأن شعراء المدائح النبوية عكسوا في شعرهم المذاهب الأدبية في عصرهم، وتوجّه كل منهم. الألفاظ: يختلف الشعراء في طريقة تعبيرهم، وفي الألفاظ التي يميلون إلى استخدامها في شعرهم، بحسب الموضوع الذي يتناوله الشاعر، وبحسب البيئة التي عاش فيها، وبحسب المتلقي لهذا الشعر. فشعراء البادية يميلون إلى جزالة اللفظ والإغراب فيه، وخاصة الرجّاز منهم، وهناك مواضيع لا يلائمها إلا التعبير الفخم، والألفاظ الطنانة، ومواضيع أخرى يميل التعبير عنها إلى السهولة والوضوح. وترتبط لغة الشاعر بمقدرته اللغوية، وثقافته العامة، والمصادر التي استقى منها لغته، وبذلك يتفاوت شعراء المديح النبوي تفاوتا عظيما، لأن بعضهم أخذ اللغة عن شيوخ ثقات، فأتقنها وأتقن استخدامها وبعضهم كان في عزلة أو شبه عزلة عن المؤثرات التي تضعف ملكته اللغوية، وبعضهم لم يؤت من الثقافة اللغوية إلا شيئا يسيرا، وبعضهم تنازعت لغته مؤثرات متناقضة، مثل مجالس العلم والحياة العامة، هناك يستقي اللغة الفصحى ويستخدمها، وهنا يتحدث إلى الناس باللهجة العامية، فيظهر أثر هذا وذاك في شعره. ولسنا نأخذ على بعض الشعراء ميلهم إلى السهولة والرقة في مدح رسول الله ﷺ ، لأنهم لم يكونوا يمدحون مدحا تقليديا، بل كانوا يعبرون عن مواجدهم وأرق

стр. 390

مشاعرهم الدينية، فتجاوزوا في المديح النبوي التقسيمات السابقة التي كانت تخص المدح بالجزالة والفخامة، فرسول الله ﷺ ليس سيدا أو بطلا فحسب، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك هاد وحبيب ومنقذ، تهفو إليه النفوس بخشوع وقداسة، فحقّ لمادحيه أن يفخّموا وأن يرققوا، وأن يجزلوا وأن يسهلوا. ويظهر أن شعراء المدح النبوي في معظمهم كانوا في بداية أمرهم يميلون إلى التفخيم والإغراب في ألفاظهم، وهذا ما لاحظه الوتري، الذي قال في ذلك: «ورأيتهم أيضا قد مزجوها بألفاظ لغوية، لم يفهمها كثير من السامعين، ولا تطرب لها قلوب المشتاقين، فرققتها جهدي، وبذلت لها ما عندي، وأعرضت عن تلك الكلمات ما أمكنني، ويسر الله تعالى علي عوض ما أعوزني» «١» . وقد عبّر الصفي الحلي الذي مدح رسول الله ﷺ بقصائد عدة عن ذلك، فإن بعض الأدباء انتقدوا شعره بخلوه من الألفاظ الغربية، وكأنهم يعدون غرابة اللفظ من دلائل فحولة الشاعر، وسعة ثقافته، فهم لا يرضون إلا عن الشعر الذي يجهد الشاعر فيه فكره باستجلاب غريب اللفظ والصنعة المعقدة، وغير ذلك من الأشكال التي تدل على إطالة التفكير، وعسر المواءمة، ولذلك ردّ الصفي الحلي على هذا النقد بأبيات قال فيها: إنّما الحيزبون والدّردبيس ... والطّخا والنّقاخ والعلطبيس لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئزّ النّفوس وقبيح أن يسلك النّافر ال ... وحشيّ منها ويترك المأنوس إنّ خير الألفاظ ما طرب السّا ... مع منه وطاب فيه الجليس إنّما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس «٢»

стр. 391

وليت الحلي لم يمثل لرأيه في الألفاظ، فقد كان مبدعا في إظهار وجهة نظره، لكنه صدمنا بأمثاله، فكيف تكون القلوب حديدا والألفاظ مغناطيسا؟ إنها الرغبة في الطرافة والإدهاش بأي ثمن. لقد كشف الحلي عن حال أهل عصره مع ألفاظ الشعر، فهم يستقونها من هنا وهناك، ومن مواضع ليس لها علاقة بالشعر من قريب أو بعيد، وهذا ما نلاحظه بكثرة في المديح النبوي، فكثير من الألفاظ التي تستخدم في قصائد المديح النبوي مستعارة من علوم ليس لها علاقة بالشعر، وإنما استخدمها الشعراء لإظهار معرفتهم ومقدرتهم، وللتفرد والإبداع كما يظنون، وقد مرّت أمثلة كثيرة على هذه الألفاظ التي استعاروها من الحرب وعلوم الدين والهندسة وعلوم اللغة، وكأن اللغة العربية وغناها الكبير بالألفاظ التي تعبر عن أدق المشاعر والأفكار قد أضحت عاجزة عن تلبية احتياجات هؤلاء الشعراء التعبيرية، فالتفتوا إلى العلوم المختلفة، يأخذون منها ما يحتاجون إليه، ويعوّضون بها ما لم تسعفهم به ثقافتهم اللغوية. ويبدو أن الأمر كان كالعدوى، فإذا ما استخدم شاعر بعض مصطلحات العلوم في التعبير عن أفكاره ومشاعره، وبدت طريفة مقبولة، يلهج بها الناس، أسرع الشعراء إلى مجاراته بمناسبة ودون مناسبة، ليحوزوا ما حاز، ويتميزوا كما تميز، وكان هذا اللون من التعبير يعد من فنون البديع آنذاك، وأطلق عليه البديعيون اسم (التوجيه) ، الذي عرّفه ابن حجة بقوله: «هو أن يوجه المتكلم بعض كلامه أو جملته إلى أسماء متلائمة اصطلاحا من أسماء الأعلام أو قواعد العلوم أو غير ذلك مما يتشعب له من فنون، توجيها مطابقا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقي بخلاف التوراة» «١» . وظهرت المتابعة في هذا الضرب من التعبير حين نظم ابن جابر قصيدة ضمنها أسماء سور القرآن الكريم، واستخدمها لتكوين معاني في مدح رسول الله ﷺ ، وعدت هذه القصيدة من محاسنه وغرر قصائده، فهو يحاول التجديد في الشكل والصياغة، والتفنن فيها، ويحاول أن يغرب ويدهش، وفيها يقول:

стр. 392

في كلّ فاتحة للقول معتبره ... حقّ الثناء على المبعوث بالبقرة في آل عمران قدما شاع مبعثه ... رجالهم والنّساء استوضحوا خبره من مدّ للنّاس من نعماه مائدة ... عمّت فليس على الأنعام مقتصره أعراف نعماه ما حلّ الرّجاء بها ... إلا وأنفال ذاك الجود مبتدره «١» فالشاعر هنا يحاول قدر المستطاع الإفادة من معنى أسماء سور القرآن الكريم، لينسج مدحه لرسول الله ﷺ ، ولا يخفى في هذا الضرب من التعبير الشعري التكلف وتلفيق الألفاظ لتؤدي غرضه. وتابعه عدد من الشعراء في هذه الطريقة، فمدحوا رسول الله ﷺ باستخدام أسماء سور القرآن الكريم، ولا ندري ما الذي جعل الشعراء يحرصون على مثل هذا الضرب من التعبير، أو ليس في اللغة ألفاظ تفي بحاجاتهم التعبيرية؟ فلماذا هذا الإصرار على استخدام أسماء سور القرآن الكريم في مدح رسول الله ﷺ ؟ نحن لا نجد إلا المسوغات السابقة التي تتلخص في الرغبة بالتفرد والإطراف، ومجاراة بعضهم بعضا، وربما كان للإيحاء الديني لأسماء السور القرآنية دافع للشعراء إلى استخدام الألفاظ الدينية أو التي تتعلق بالدين في موضوع ديني، هو المدح النبوي. إلا أن القلقشندي استطاع أن يحرك هذه الطريقة في النظم قليلا، وأن يحسن استخدام الألفاظ القرآنية في تعبيره الشعري عند مدحه لرسول الله ﷺ ، لأنه لم يغال في الاعتماد على أسماء السور في قوله: عوّذت حبّي بربّ النّاس والفلق ... المصطفى المجتبى الممدوح بالخلق إخلاص وجدي له والعذر يقلقني ... تبّت يدا عاذل قد جاء بالملق

стр. 393

وزلزلت من غرامي كل جارحة ... وكلّ بيّنة تحكي لكم علقي يا عالي القدر رفقا مسّني ضرر ... فالله قد خلق الإنسان من علق «١» ولم تسلم لهؤلاء الشعراء صحة استخدام أسماء السور القرآنية في المديح النبوي دائما، وخاصة عند ما تستخدم للدلالة على نوع بديعي والتمثيل له، لذلك عقّب صاحب كتاب (إقامة الحجة على ابن حجة) على بيته التالي، بقوله: إبداع أخلاقه إيداع خالقه ... في زخرف الشعرا فاسمع بها وهم «معنى هذا البيت مختل اختلالا ظاهرا، لأنه أراد بقوله (زخرف الشعرا) السورتين الكريمتين، فليس لإضافة الزخرف إلى الشعراء معنى بوجه من الوجوه، ولا مجاورة بينهما في الترتيب التوفيقي» «٢» . لقد أخطأ هؤلاء الشعراء طريقهم في الإفادة من ألفاظ القرآن الكريم، فأقصى ما يمكن أن يتحلّى به منطق بشر هو الاقتباس من القرآن الكريم، والإفادة من ألفاظه المشرقة، ولكن هؤلاء الشعراء تجاوزوا هذه النعمة إلى أسماء السور طلبا للطرافة والإدهاش، بيد أن بعض شعراء المدح النبوي، أفادوا من التعبير القرآني، فرصعوا به مدائحهم النبوية، مثل قول الصرصري في مقدمة مدحة نبوية، مسبحا الله تعالى وذاكرا آلاءه: وبأمره البحران يلتقيان لا ... يبغى على عذب مرور أجاج والفلك سخّرها لمنفعة الورى ... فجرين فوق المزبد العجّاج والله أحيا الأرض بعد مماتها ... بجدوبها بالوابل الثّجاج «٣»

стр. 394

ومن يتمعّن في هذا الشعر يدرك الفرق بين الشعر السابق الذي يعتمد على أسماء سور القرآن الكريم، وبين هذا الذي يقتبس من لفظه. فألفاظ القرآن الكريم هي أفضل ما استخدمه شعراء المديح النبوي في شعرهم، والقرآن الكريم أفصح المصادر التي أخذوا منها بعض ألفاظهم، إلى جانب ما أخذوه من الحديث الشريف والذي ظهر عند نظمهم للأحاديث الشريفة، وأخذهم للعبارات الشريفة، وقد مرّ معنا كثير من هذه الألفاظ عند ما مثلنا لموضوعات المديح النبوي ومعانيه. وإلى جانب مصطلحات العلوم والألفاظ التي أخذها شعراء المديح النبوي من القرآن الكريم والحديث الشريف، أخذوا ألفاظا وعبارات من التراث العربي، والشعر منه خاصة، وهذا ما ظهر لنا في مواضع سابقة، وخاصة عند ما يعارض الشاعر قصيدة قديمة، فيأخذ إلى جانب معانيها العبارات والألفاظ، ولكنه لا يستطيع الوصول إلى فصاحة ألفاظ الشاعر القديم، لأنه يجمع بينها وبين صنعة عصره، وطريقته في استخدام المصطلحات البعيدة عن الشعر، فإذا ما قارنا مقارنة بسيطة بين قصيدة كعب بن زهير (البردة) وبين بعض قصائد معارضيها، لوجدنا الفرق واضحا بين ألفاظ القصيدة الأولى، وألفاظ قصائد المعارضة: فابن نباتة يفتتح قصيدته التي عارض بها قصيدة كعب بقوله: ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل «١» أخذ عن مقدمة كعب (الطرف مكحول) في قوله: وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول «٢»

стр. 395

فنقل ابن نباتة معنى كعب من وصف الحسناء إلى وصف نفسه، فحبيبة كعب طرفها مكحول، في حين أن طرف ابن نباتة لم يكتحل بالنوم، وهنا تبدو صنعة ابن نباتة، والتي أتمها بلفظ (ميل) الذي ورّى به عن المسافة والبعد، وأداة الكحل، فلم تبق ألفاظ كعب على فصاحتها عند ابن نباتة الذي أخذ عبارات كاملة من قصيدة كعب، مثل قوله في مدح رسول الله ﷺ : حتى أتى عربيّ يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول «١» أخذه عن قول كعب: إن الرّسول لسيف يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول «٢» فنحن نرى أن تغيير ابن نباتة البسيط، قلّل من فصاحة الألفاظ واتساق المعنى على الرغم من محاولته الإضافة إليه. وجاء ابن مليك الحموي، فعارض قصيدة ابن نباتة، أي عارض المعارضة، ولم يعارض الأصل، ويظهر ذلك في الأمثلة التي عرضناها من قصيدة ابن نباتة، فابن مليك يقول في مقدمة قصيدته: لا تحسبوا طرفه بالنّوم مكتحلا ... ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول «٣» فابتعد أكثر عن الموضع الذي استخدمت فيه ألفاظ كعب استخداما صحيحا وأصيلا، وحتى عند ما نقل العبارة كاملة، فإنه ابتعد بها عن سياقها الأصلي، فقال: ماضي العزائم والأبطال في قلق ... مهنّد من سيوف الله مسلول «٤»

стр. 396

فالفرق واضح بين قصيدة كعب والقصائد التي عارضتها، ولم تستطع أية قصيدة أن تقاربها في رصانتها ومتانة تراكيبها، ودقة عباراتها وفصاحة ألفاظها، فالشعراء لم يأخذوا اللفظ وطريقة استخدامه، بل أخذوا اللفظ، وراحوا يتلاعبون به ويستخدمونه استخداما جديدا، دون أن يتنبهوا على موضع استخدامه، والطريقة التي يدرج بها في الكلام. وإذا كان بعض شعراء المدح النبوي قد نشدوا اللفظ الفصيح من خلال المعارضة، فإن بعضهم قد حاولوا مجاراة القدماء في إيراد الألفاظ واستخدامها، واعتمدوا في ذلك على ثقافتهم اللغوية، وتمثّلهم للتراث العربي الأصيل، ومن ذلك أراجيز الشرف الأنصاري التي مدح بها رسول الله ﷺ ، والتي أغرب فيها إغراب شعراء الرجز، فقال في إحداها: ومورد أحظى به التقاطي فكنت من فرط الفرّاط وذئبه متّصل العياط من جوعه منقطع النّياط أقعى لديّ مقعد المعاطي «١» فهذا الإغراب في اللفظ، يماثل إغراب القدماء، وطريقة استخدامه تقارب طريقة استخدامهم، دعا إلى ذلك هذا اللون من الشعر العربي، والشاعر هنا يثبت أنه قادر على الذهاب في اللغة كل مذهب، وأنه ليس بحاجة إلى استعارة مصطلحات من علوم أخرى، ليعبّر عن معانيه.

стр. 397

ويأتي في هذا السياق الإغراب في اللغة الذي قصد إليه الشعراء قصدا، أو دفعوا إلى ذلك نتيجة استخدامهم قافية قاسية، مثل قول الصرصري في خائية له: لمن المطايا في رباها تنفخ ... كالفلك تعلوا في السّراب وترسخ حملت على الأكوار كلّ مشمّر ... للمجد عن طلب العلا لا يربخ بلغت به أسباب همّته إلى ... ما دونه يقف الأعزّ الأبلخ «١» إن جزالة هذه الألفاظ وغرابتها، تبدو مقصودة ومتعمدة، وليست من طبع الشاعر وعفو خاطره، دعت إليها أسباب مختلفة. ولكن كثيرا من شعراء المدائح النبوية أظهروا مقدرتهم اللغوية، وفصاحة ألفاظهم دون أن يظهر ذلك ظهورا مقصودا ودون أن تفسد الصنعة أسلوبهم، وتقلل من فصاحة ألفاظهم، مثل قول الشهاب محمود في إحدى مدائحه النبوية، برشاقة وفصاحة: طاب المسير لنا فسيروا ... نعم المصير غدا نصير لو لم يكن قرب الحمى ... ما طبّق الآفاق نور ولما سرى نحو القلو ... ب على الوجى هذا السّرور دنت الدّيار وفي غد ... يأتي لنا فيها البشير «٢» وهذا الضرب من الشعر يظهر فيه الشعراء مقدرة لغوية فائقة، لا تتوفر عند كثير من الشعراء الذين يتحكم الوزن والقافية في اختيارهم لألفاظهم، وليس ما تنطوي عليه من معان، وما توحيه من مشاعر، مثل قول الشهاب المنصوري في مدحة نبوية:

стр. 398

وجبالا أعرضت عنها وكانت ... من سبيك اللّجين والإبريز شرّفت حلّة الرّسالة لمّا ... زنتها من حلاك بالتّطريز «١» فهذا الشعر وأمثاله، يظهر أن الألفاظ وضعت إلى جانب بعضها، ليتم الوزن وتستقيم القافية، قبل أن تخبر وتؤثر. فالألفاظ في المدح النبوي تتفاوت في صحتها وفصاحتها من شاعر إلى شاعر، فالشاعر المتمكن تأتي ألفاظه فصيحة صحيحة، والشاعر الذي يعاني ضعفا في ملكته الشعرية وثقافته اللغوية، يعوّض ما ينقصه بأخذ الألفاظ من هنا وهناك، ولا يجيد استخدامها، فتترك آثارا سلبية على شعره، وتبدو فيه الركاكة والضعف والثقل، ويبتعد فيما ينظمه عن اللغة الشعرية التي تتأتى من تالف الألفاظ وارتباطها بالمعنى، وتعبيرها عن تجربة الشاعر ومشاعره. القسم الثالث- الصنعة الفنية: منذ القديم بحث الشعراء العرب عن وسائل تزيد التعبير عمقا، وتزيد الأسلوب جمالا، لكنهم لم يتحدثوا عن هذه المسائل، ولم يجهدوا أنفسهم في البحث واصطناعها في شعرهم، فظلت تأتي عندهم عفو الخاطر، وتندرج في أقوالهم دون تعمّل وتكلف، إلى أن تنبّه الشعراء عليها فيما بعد، فأخذوا يكثرون من هذه الوسائل التعبيرية ليزيد أسلوبهم جمالا، حتى جاء ابن المعتز، فوضع فيها كتابا، فتح به للمؤلفين بابا جديدا من أبواب التأليف، يكررون فيه ما نصّ عليه ابن المعتز، ويزيدون ويشرحون. أما الشعراء فمع تقدم الزمن أولعوا بفنون البديع الجديدة، وقصدوها قصدا، وتصنعوا إدراجها في شعرهم إلى أن أضحت زينة ينوء بها الشعر، وتثقل بها الكتابة، فأضحت من مميزات الأدب في العصر المملوكي.

стр. 399

وكانت فنون البديع التي أشار إليها ابن المعتز قليلة بسيطة، لكن الكتّاب الذين جاؤوا بعده، ظلوا يزيدون فيها حتى أضحت على درجة كبيرة من التعقيد، لا يتقنها أو يعرفها إلا المشتغل فيها المتمرس بها، وغلبت على ذوق المتأدبين من أهل العصر، فلا يجدون الجمال الأدبي إلا بها، ولا يعترفون بشاعر إن لم يكن متصنعا لها مكثرا منها، فصارت موضع فخر الشعراء وتفاضلهم، ومقياسا لشاعريتهم. ولذلك حرص الشعراء على حشد أكبر قدر من فنون البديع في شعرهم، إلى أن أضحت بعض القصائد نظما لهذه الفنون، يتكلف الشاعر إدراجها في شعره، متجنّيا على المعنى وسلامة التعبير من أجلها، وانقلبت الوسيلة إلى غاية، وأضحى الشاعر ينظم القصيدة ليعرض فنون البديع فيها، ولا يأتي بفنون البديع لزيادة المعنى إيضاحا وعمقا، والأسلوب جمالا ورونقا، حتى جعلت مواهب هواة هذه الفنون موضع شك وتساؤل، وأفسدت الظن في مقدرتهم الشعرية، فكأنهم يعانون من فقر في الموهبة والثقافة، ويحتالون على جدبهم في الأصالة بهذه الزخارف البديعية، وهم على العكس من ذلك، فيهم أصحاب الملكات الشعرية الأصيلة، وأصحاب الثقافة الواسعة، الذين رزقوا مقدرة شعرية كبيرة، ولكنه ذوق العصر، ومجاراة السائد فيه. ونحن لا نستطيع أن نطبق على شعر العصر المملوكي مقاييسنا الجمالية، وإن كنّا لا نستسيغ هذه المبالغة البديعية، فهذه الفنون كانت تعد منتهى البلاغة عندهم، وكانت غاية كل شاعر أن يتفرد باستخدام مميز لها. وقد مال شعراء هذا العصر إلى المبالغة في اصطناع فنون البديع، ليس في الكثرة فقط، بل والدرجة أيضا، فلم يعد يؤثر فيهم التشبيه العادي أو الجناس البسيط أو الاستعارة البسيطة، فلا يهتزون إلا إذا كانت هذه الفنون على درجة كبيرة من التعقيد، وليس العمق، لأن الاستخدام الجيد لهذه الفنون، والذي يزيد المعنى عمقا، ويحسّن التعبير، لم يسلم إلا للفحول منهم، ولذلك عبّروا عن درجات التشبيه مثلا بالمرقص

стр. 400

والمطرب، فالمرقص عندهم هو التشبية الجديد الغريب الذي يبلغ تأثيره في قارئه أو سامعه إلى درجة يدعوه معها إلى الرقص، والمطرب هو التشبيه الذي يبعث في النفس نشوة الطرب، ولا يصل إلى درجة الأول، وإلى الرقص، أما التشبيه الذي لا يصل في تعقيده وغرابته إلى درجة هذين النوعين، فإنه لا يتعدى في نظرهم المسموع أو المتروك «١» . وعلى الرغم من أن فنون البديع أكثر ما تستخدم في الغزل والوصف، إلا أن شعراء المدح النبوي في هذا العصر أكثروا من هذه الفنون في مدائحهم، وفي وهمهم أنهم يرصعونها بأفضل ما عندهم من محاسن تعبيرية تليق بفن المدائح النبوية، وليتمكنوا من نيل إعجاب الناس، ورضاهم عن هذه المدائح، ولا يستجلب ذلك إلا بفنون البديع. وزيادة على ذلك فالصنعة البديعية أضحت من أدوات الشاعر في ذلك الوقت، فلا يستطيع نظم قصيدة في أي موضوع، دون أن يدرج فنون البديع في ثناياها، ولذلك حفلت قصائد المديح النبوي بفنون البديع، وثقلت بعضها بتعقيدها، إلى أن ربط المديح النبوي بالبديع، فظهرت البديعيات التي تجمع بين المدح النبوي وبين فنون البديع جميعها مع ذكر أسمائها والتمثيل لها. ولهذا يعسر على الدارس أن يستقصي فنون البديع في المدائح النبوية كلها، ولا فائدة كبيرة ترجى من بيان المواضع التي استخدمت فيها جميع الأنواع البديعية التي عرفت في ذلك العصر، والتي عرفها البديعيون ومثّلوا لها، لأنها لم تكن منتشرة، وكان تداولها مقتصرا على أصحاب البديعيات أو البديعين الذين اخترعوا أمثلة لفنون بديعية مخترعة، هداهم إليها طول تفكيرهم بمذاهب الكلام وطرقه التعبيرية، وهي لا تزيد في بلاغة اللغة، بل تعقّدها، وتفقد المعبر بها البداهة والاسترسال وأصالة التعبير الذاتي.

стр. 401

الصنعة الخيالية: ولو أتينا إلى الخيال في المدح النبوي، لوجدناه متّسعا، حلّق فيه شعراء المدائح النبوية إلى آفاق رحبة، وسبحوا في عالم الملكوت، وخاصة أصحاب الميول الصوفية منهم، الذين رحلوا بأرواحهم إلى عالم الغيب والشهادة، فجسدوه برموزهم وإشاراتهم التي تستغلق على من لم يسر في طريقتهم، وتذوق مواجدهم، ومثال ذلك قول العفيف التلمساني في حديثه عن دعوة رسول الله ﷺ للناس إلى الهدى: نادى قريشا خصوصا والأنام به ... يعني عموما فصمّوا في مناديه ما أقبح الشّكل في مرآة أعينكم ... إذ كلّكم شخصه فيها يلاقيه تا لله لو صدقت منكم عزائمكم ... عن كلّ قصد صحيحات دواعيه إذا لشاهدتم بي حقائقكم ... ما يدرك الميّت المعنى فيحييه فصار ما كان قبحا في نواظركم ... حسنا يدين بدين العشق واليه «١» وكذلك الأمر في الحديث عن اليوم الآخر، إذ اعتمد الشعراء على ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف من وصف ليوم القيامة، ولما سيجري به، إضافة إلى الروايات الغيبية التي حملت بعض شعراء المدح النبوي إلى التحليق بخيالهم إلى مشاهد ذلك اليوم العظيم وتخيّله، مثل قول البرعي: وللمرء يوم ينقضي فيه عمره ... وموت وقبر ضيّق فيه يولج ويلقى نكيرا في السّؤال ومنكرا ... يسومان بالتّنكيل من يتلجلج ولا بدّ من طول الحساب وعرضه ... وهول مقام حرّه يتوهّج

стр. 402

وديّان يوم الدّين يبرز عرشه ... ويحكم بين الخلق والحقّ أبلج فطائفة في جنّة الخلد خلّدت ... وطائفة في النّار تصلى فتنضج «١» هذه المشاهد، والتي هي من مضمون المدحة النبوية، أطلقت لشعراء المدائح النبوية الخيال، فاتسعوا في فنون التشبيه والاستعارة، واستحضروا مشاهد رسول الله ﷺ ومواقعه، وبعثوا الحياة فيها، مثل قول الشهاب محمود في مدحة نبوية: وكأنّي بين هاتيك الرّبا ... أنظر الأملاك والصّحب الكراما وأرى في المسجد الهادي ومن ... خلفه أصحابه الغرّ قياما «٢» فالشاعر عندما وصل إلى المعاهد النبوية المشرّفة، حلّق بخياله إلى الزمن الذي كانت تشهد فيه حركة الصحابة الكرام والملائكة الأبرار، وكان فيه مسجد رسول الله ﷺ عامرا بنوره، يحيط به أصحابه. وأفاض شعراء المديح النبوي في التشبيه والتخيل في قصائدهم، يوضحون من خلاله معانيهم، ويزيدونها عمقا وتأثيرا، ومنهم البوصيري الذي بدا مغرما بالتشبيه والتمثيل في مدائحه النبوية، ومن ذلك قوله: واقطع حبال الأماني التي اتّصلت ... فإنّما حبلها بالزّور موصول فإنّ أرواحنا مثل النّجوم لها ... من المنيّة تسيير وترحيل فلو ترى كلّ عضو من كماتهم ... مفصّلا وهو مكفوف ومشكول كأحرف أشكلت خطا فأكثرها ... بالطّعن والضّرب منقوط ومشكول

стр. 403

وكلّ بيت حكى بيت العروض له ... بالبيض والسّمر تقطيع وتفصيل وداخلت بالرّدى أجزاءه علل ... غدا المرفّل منها وهو مجزول كأنّهم في محاريب ملائكة ... وفي حروب أعاديهم رآبيل «١» فهنا نرى مدى احتفال البوصيري بالتشبيه، في البيت الأول شبّه تواصل الأماني بحبل، والحبل مربوط بالزور، ليدل على استمرار هذه الأماني وتتابعها دون انقطاع، وهذه الأماني هي التي تجعل الإنسان في غفلة عن الطاعة، لذلك يطلب الشاعر من الغافل أن يقطع حبل الأماني، وأن يتوقف عن تعلقه بزخارف الدنيا. وهذا التشبيه أعطى المعنى وضوحا وقوة، وقرّبه إلى ذهن السامع، حين شبه المعقول بالمحسوس. وفي البيت الثاني شبه الأرواح بالنجوم، ليعرف المتلقي من حركة النجوم وغيابها كيف تتحرك الأرواح وترحل وزاد في طرافة الصورة وجمالها أن النجوم تلمع وتخفق في فضاء رحب، وتكتنفها الأسرار في سيرها وظهورها واختفائها، لا يعلم حركتها غير مدبر الكون وخالق الأرواح، والتي هي من أمر الله تعالى. وفي الأبيات الثلاثة التالية، وصف البوصيري معارك المسلمين، وما حل بالمشركين بعدها، فقد قطعت أوصالهم وتبعثرت، وتخرمت بيوتهم المنون، فشبه ذلك كله بالكتابة الغامضة المحتاجة إلى إعجام، فرفع غموضها بالتنقيط والشكل، وهنا نقلنا إلى مصطلحات الكتابة، مستعينا بها على تكوين صورة فنية، يوضع خلالها الحال التي كانت عليها جثث المشركين في أرض المعركة، ولكن كيف يفهم الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة هذه الصورة، وكيف يتخيلها؟ البوصيري يريد مجاراة أهل عصره، وإظهار مقدرته على إطرافهم، ولذلك حين يتابع ليظهر أثر هذه المعارك على بيوتات قريش، يربط بين البيت وهو العائلة هنا وبين

стр. 404

بيت الشعر، فيصف ما حل بعائلات المشركين عن طريق ما يحل ببيت الشعر عند تقطيعه وإظهار تفاعيله، وعند ما تلحقه العلل العروضية، مستعينا على ذلك بمصطلحات العروض التي تظل معرفتها حكرا على طائفة من الناس، وبذلك يحرم البوصيري وغيره من الشعراء كثيرا من الناس من فهم صورهم وإدراكها وتخيّلها، لأنها قيدت بعلم من العلوم لا يعرفه جميع الناس. حتى إذا وصل البوصيري إلى البيت الأخير من هذه القطعة، الذي يصف فيه المسلمين، عاد إلى التشبيه العادي والمقابلة، فالمسلمون في المساجد أتقياء ورعون لطفاء، لينو الجانب، مثل الملائكة التي تتصف بالشفافية والروحانية، ولكنهم في ساحة المعركة يتحولون إلى أسود تفتك بأعدائها، وللسامع أن يتخيل هذه الصورة التي تنقسم إلى مشهدين، مشهد يصف المسلمين في سلمهم، ومشهد يصفهم في حربهم، ولا شك أن الصور التي بناها البوصيري في هذه القصيدة زادت المعنى وعمقته، وأضفت عليه ظلالا عاطفية تثير مشاعر المتلقي وتؤثر فيه، لكنه قلّل هذا التأثير حين بنى صوره على مصطلحات العلوم التي لا يدرك مغزاها إلا قلة. وهذه سنة البوصيري في صوره جميعها، يعتمد التشبيه ويفصّل فيه، ويمثّل لمعانيه، مثل قوله في بردته: والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على ... حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم كالزّهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدّهر في همم كأنّما اللّؤلؤ المكنون في صدف ... من معدني منطق منه ومبتسم دعني ووصفي آيات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم «١»

стр. 405

لقد أجاد البوصيري في وصفه للنفس التي تطلب المزيد من الملذات إذا تركها المرء على هواها، لكنه إن راض نفسه، وكفّها عن شهواتها، عادت إلى القناعة، لا تأخذ من الملذات إلا ما حلّله الله، ولكي يوصل البوصيري هذا المعنى إلى الناس، شبه النفس بالطفل الذي يعتاد الرضاع، فإذا لم يفطم استمر على هذه العادة، وكل الناس يعرفون هذه الحقيقة ويعايشونها، ولذلك يسهل عليهم إدراك الصورة، وفهم المعنى الذي أراده البوصيري، وتخيل حقيقة النفس الإنسانية، فجاء التشبيه هنا ليغني عن الشرح والتفصيل، وينجي من الإسهاب والتطويل الذي لا يليق بالشعر. لكن البوصيري عند ما انتقل إلى مدح رسول الله ﷺ ووصفه وذكر معجزاته، أخذ يرصف التشابيه رصفا، قارنا بين المادي والمعنوي، ليجسد المعاني التي يريدها بالمحسوسات التي يراها الناس ويعرفونها، وهي تشابيه معروفة في شعرنا العربي، حتى وإن عكس التشبيه للمبالغة، حين عزا اللؤلؤ المكنون إلى منطق رسول الله ﷺ وثغره، بيد أنه أجاد حين مثّل لوصف آيات رسول الله ﷺ بقوله: إن آيات رسول الله ﷺ ظاهرة واضحة لا تحتاج إلى وصف وبيان، ولكنه ينظمها في شعره لتزداد حسنا في أذن السامع، وإن كان سماعها في غير النظم لا يقلّل من قدرها، مثل الدر الذي يزداد حسنا حين ينظم في عقد، لكن بقاءه منثورا لا يقلل من قيمته. وصور البوصيري ليست صورا بسيطة مبتذلة، وليست في غاية التعقيد، فهو يبذل جهدا في بنائها، لتؤدي ما بنفسه من أفكار ومشاعر، ولا يتكلف رسمها إلا نادرا حين يجعل أحد أركان صورته من مصطلحات العلوم ليجاري بذلك ذوق أهل عصره من المتأدبين والشعراء، مثل وصفه للطلل بقوله: نسخت آياته أيدي البلى ... فأرت عينيّ منه الصّاد شيئا «١»

стр. 406

إنه يريد أن يقول: إن الطلل كان بيتا معمورا مثل شكل حرف الصاد الذي يتمثّل به للبيت المعمور، لكن أيدي البلى حولته إلى خراب، فأضحى شكله مثل شكل حرف الشين، الذي يتمثل به للييت الخرب، فكم من الناس يعلم هذه الحقيقة؟ وهل ضاقت الدنيا عن مثل يمثّل به لشكل الطلل، فلا يجد غير الكتابة وشكل الحروف؟ أظن أنه أراد تقليب تشبيه القدماء لآثار الديار بالكتابة التي انمحت معالمها، لكنه تقليب متكلف لم يرق إلى إبداع القدماء وفق ظروفهم. إلا أن للبوصيري صورا رائعة إلى جانب ما تقدم، منها تشبيهه لحال رسول الله ﷺ مع باقي الأنبياء، وأنه أصل نبوّتهم، وهذا تجسيد لفكرة الحقيقة المحمدية، في قوله: إنّما مثّلوا صفاتك للنّا ... س كما مثّل النّجوم الماء «١» ووصفه لبني هاشم، أهل رسول الله ﷺ ، فيه إبداع، حين جعلهم دوحة أنبتت أغصانها علما ودينا، وأفنان الدوحة عادة تنبت الثمار والأزهار، فخلط في صورته بين المادي والمعنوي بتنسيق موفق حين قال: واصطفى محتده من دوحة ... أنبتت أفنانها علما ودينا «٢» وأبدع في وصف شجاعة المسلمين وغضبهم لدين الله، حين جعل الموت يغضب لغضبهم، فقال: يغضب الموت إذا ما غضبوا ... وإذا ما غضبوا هم يغفرونا «٣» فالبوصيري معتدل في صوره، لا يجنح إلى التعقيد، ولا يشتط في بنائها على

стр. 407

مصطلحات العلوم، لكنه يجيد التشبيه، ويحلق فيه، مقتنصا العلاقات بين المعنويات والمحسوسات بدقة وذكاء، فحرّك بذلك أسلوبه، ومنحه شحنة عاطفية إضافية. ومن صور أهل العصر المعبرة التي تحمل آثار الصنعة، تشبيه للشهاب محمود، يصف فيه المسلمين في جهادهم، فيقول: وكساهم حلل النّصر التي ... نبذت تلك الأعادي بالعرا «١» فللنصر حلل كساها الله المسلمين، فظل المشركون في العراء، عاطلين من هذه الحلل، وفي كلمة عراء تورية، فهي نقيض الكسوة التي تحلّى بها المسلمون، وهو الفضاء الذي تركت فيه جثث المشركين المهزومين، فما أحلى حلل النصر التي كساها الله المسلمين، وما أرفع عزّ رسول الله ﷺ وأعلى مجده في صورة الشرف الأنصاري التي رسمها في قوله: هناك العزّ مرفوع السّواري ... وثمّ المجد منصوب الأواخي «٢» فالعز بيت مرتفع والمجد خيمة منصوبة، وهذه الصورة تقليب لتشبيه القدماء وكناياتهم، فقد كانوا يكنون عن السيادة والعز بارتفاع بيت الممدوح، لكن الشرف الأنصاري جسّد العز، وجعل المجد مرئيا، فتقدم في هذا التشبيه خطوة إلى الأمام. وإذا أردنا استعراض التشبيه في المدائح النبوية، لعزّ علينا ذلك، ولملأنا صفحات كثيرة، وخاصة من التشابيه العادية التي تميل إلى الصنعة، والتي تظهر آثار ذوق أهل العصر، مثل وصف ابن حجر لمحاسن محبوبته المزعومة في مقدمة إحدى مدائحه النبوية بقوله:

стр. 408

وأهيّف خطرت كالغصن قامته ... فكلّ قلب إليه من هواه هفا كالسّهم مقلته والقوس حاجبه ... ومهجتي لهما قد أصبحت هدفا «١» ولنا أن نتخيل المحبوبة التي ترمي مهجة محبّها بالسهام من عينيها، فقد نقلنا ابن حجر من الغزل ورقته إلى الحرب وقسوتها. وحاول بعض الشعراء الإغراب في تشابيههم، بتصور أمور لا وجود لها، ربط فيها المادي بالمعنوي، وأقيمت علاقة بعيدة بينهما، مثل قول الباعوني «٢» في مقدمة مدحة نبوية، مفسرا سبب سهده: نومي بماء قراح السّهد مغسول ... فكيف يحصل لي من طيفكم سول «٣» فالشاعر جعل النوم شيئا يغسل، وبماذا يغسل؟ يغسل بماء قراح السهد، فهذا الماء يسبب قراح السهد والسهد لا يقرح، وإنما العين هي التي تتقرح، وكأنه شبّه العين بالسهد، أو أنه أراد بالسهد العين التي يصيبها السهد، فخلط بين الأشياء، طلبا للإغراب والإدهاش، ولتحصيل المرقص والمطرب من التشابيه. ومن التشابيه التي وردت في المدائح النبوية وحملت الطابع المملوكي الخالص، تشبيه الزمردي «٤» للحديث عن رسول الله بقول: كأنّه سكّر يحلو مكررّه ... وكم حديث إذا كرّرت مملول «٥»

стр. 409

فالسكر المكرر من موجودات البيئة المملوكية، والأشياء التي أكثر الشعراء المماليك ذكرها والتشبيه بها في شعرهم. إلا أن اللون البديعي الذي ساد في شعر هذا العصر هو التوراة، والذي يكاد يكون جديدا في الشعر العربي، فقد أكثر منها الشعراء كثرة مفرطة، وعدوها دليل الفطنة والذكاء، واقتنصوها مما يخطر على البال أو لا يخطر، طلبا للإغراب والإطراف، وصارت التوراة غرضا بذاتها، يكدّ فيها الشعراء أذهانهم، ويفتنّون في عرضها، وجعلها بعضهم مذهبا فنيا لهم. والتوراة حين تستخدم استخداما موفقا، وتوضع في صياغة جميلة، فإنها تكون بديعة ومؤثرة، تدل على ذكاء وتفكير عميقين، وخاصة إذا رزق صانعها موهبة شعرية أصيلة، ووضعها في ألفاظ مواتية، فحينئذ تندرج في الشعر اندراجا خفيا لطيفا، لا يرى فيها تصنع مفتعل، ولا تصدم الذوق بتكلفها، أما إذا جاءت على غير هذا النسق، فإنها تصبح عالة ينوء بها الشعر. وهي تمثّل الاتجاه الرمزي في الشعر العربي، أو الصنعة الفنية فيه، مثلما هو الأمر في شعر المتصوفة وألفاظهم. ومن أمثلة التوراة في شعر المديح النبوي قول محي الدين بن عبد الظاهر، مشيرا إلى هدفه من معارضة لامية كعب بن زهير: لقد قال كعب في النّبيّ قصيدة ... وقلنا عسى في مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك «١» فالتورية هنا في قوله (كعب مبارك) ، وهو وصف لما يتفاءل به، فكلمة كعب في

стр. 410

هذين البيتين لها معنيان، معنى قريب هو اسم كعب بن زهير مادح الرسول ﷺ وصاحب قصيدة (البردة) وهو الذي يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، ومعنى بعيد هو المقصود بالعبارة المشهورة (كعب مبارك) ، وهو ما سعى الشاعر إلى إيصاله في توريته. ومن ذلك أيضا قول القيراطي في مدحة نبوية: واكتبا في صحف الدّيار سطورا ... من حروف ليست حروف هجاء كم علونا المعلّى بهن حروفا ... حبّذا هن أحرف استعلاء صاح طف للإله سبعا ببيت ... رمي الفيل فيه بالدّهياء واكحل العين عند مسعاك بالمي ... ل ففيه شفاء داء العماء «١» والتوراة في البيت الثاني تكمن في كلمة (أحرف استعلاء) ، فقد كان يتحدث عن الرحلة والديار، وشبهها بالكتابة، فعند ما ذكر حروف الاستعلاء، ظن أنها من حروف الهجاء، وهو المعنى القريب، والمعنى البعيد الذي يقصده الشاعر هو الرواحل التي تسمى حروفا أيضا. وفي البيت الثالث، ورّى الشاعر بكلمة دهياء، فالذي يخطر للمتلقي أنه اسم مكان أو صفة له، وهو يريد الداهية، وكذلك الأمر في البيت الذي يليه، فالميل اسم مكان أو وحدة قياس وهو الأداة التي تكحل بها العين، فتوجه معنى البيت وألفاظه توحي بأنه يقصد أداة الكحل، ولكن المعنى الذي يريده من الكلمة هو اسم المكان. ومن التوراة في المديح النبوي قول النواجي في التشوق للمقدسات: وسرت نسمة الغوير فقل ما ... شئت في فضل ليلة الإسراء «٢» فالتورية في قوله (ليلة الإسراء) ، لأن المشهور من هذا التعبير هو الدلالة على الليلة التي أسري فيها برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا هو المعنى القريب، وهو يقصد الليلة التي سرى فيها نسيم الغوير، وهو المعنى البعيد الذي يريده.

стр. 411

الصنعة اللفظية: والتوراة كثيرة في شعر المديح النبوي، مثلما هي كثيرة في شعر العصر، وخاصة في شعر عصبة من الشعراء عرفوا باتباعهم مذهب التوراة والانسجام، وهم كبار شعراء العصر، وإلى جانبهم شعراء آخرون فتنوا بالبديع من جناس وطباق وتضمين ومراعاة النظير وبراعة الاستهلال واستخدام الأمثال، وغير ذلك من فنون البديع التي بلغت عدتها الشيء الكثير، وهي لا تزيد في بلاغة اللغة، بل تقيد حرية التعبير، وتثقل الصياغة، وهي أقرب إلى الرياضة الذهنية منها إلى البلاغة التعبيرية، ولو استعرضنا بعض نصوص المدائح النبوية، لوجدنا من هذا الضرب الكثير، فعائشة الباعونية تحدثت في مقدمة مدحة نبوية عن شيوخها من المتصوفة، فقالت: هم عين عيني وهم سرّي وهم علني ... هم سرّ كوني وهم بدئي ومختتم الموت فيهم حياة والفناء بقا ... والذّل عزّ فيا طوبى لصبّهم «١» فطابقت بين السر والعلن والبدء والمختتم، والحياة والفناء، والذل والعز. وجانس الصرصري في قصيدة نبوية في جميع أبياتها، وهذا يظهر أن الجناس لم يأت عنده عفو الخاطر، وإنما أجهد نفسه لتتم له هذه المجانسة، فقال: وخوص نواج ضمّر جابت الفلا ... فما صدّها عمّا تروم وجاها بأكوارها شعث النّواصي من الس ... سرى تحاول عزّا لا يبيد وجاها تودّ من التّعظيم لو بذلت له ... ليرضى فداء أمّها وأباها نبيّ أطاعته الكنوز فلم يكن ... لها قابلا بل ردّها وأباها «٢»

стр. 412

وحاول ابن جابر أن يجانس بين قوافيه، فجاء بالجناس الملفّق حين قال: إذا بلغ العبد أرض الحجاز ... فقد نال أفضل ما أمّ له فإن زار قبر نبيّ الهدى ... فقد أكمل الله ما أمّله «١» ويظهر أن أدباء ذلك العصر قد اشتطوا في اصطناع الجناس، حتى ضجّ بعضهم من ذلك، ومنهم ابن حجة المعروف بولعه بالبديع، فقال في خزانته: «أما الجناس، فإنه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب. وكذلك كثرة اشتقاق الألفاظ، فإن كلا منهما يؤدي إلى العقادة والتقييد عن إطلاق عنان البلاغة في مضمار المعاني المبتكرة» «٢» . وليت شعراء ذلك العصر سمعوا هذه النصيحة، لكان لشعرهم طعم آخر، ونكهة غير التي عرفت عنه، فإنهم سدوا آذانهم أمام هذا التوجيه، ولم يسمعوا له ولغيره، ومضوا يجمعون في شعرهم ما قدروا عليه من فنون البديع، يتصنعون لذلك ويتكلفون، وهذا ما جعل شعرهم يشبه المتون العلمية أو السلاسل البديعية، فلو أخذنا نصا للقيراطي، مثلا من مقدمة مدحة نبوية، لوجدنا أنه قد نظم ليكون أمثلة تعطى في درس البديع، فهو يقول: ذكر الملتقى على الصّفراء ... فبكاه بدمعة حمراء ما لعين سوداء منّي نصيب ... بعد حبّي لعينها الزّرقاء كلّ أبيات من بغى أقعدوها ... عند ركض الخيول بالإيطاء «٣» فالشاعر ينتقل من جناس إلى طباق، ومن تورية إلى تضمين، ومن استخدام مصطلحات اللغة والنحو إلى مصطلحات العروض، وكأنه وضع هذه الفنون البديعية في البداية، ثم جمع بينها بواسطة الوزن والقافية، فلا يستطيع أحد أن يدعي أن الشاعر

стр. 413

كان ينظم الشعر على سجيته، وأنه صاغ قصيدته على الشكل الذي تبادر إلى ذهنه عند ما تداعت إليه المعاني، فلو وصلتنا الصورة الأولى للقصيدة لكانت تختلف اختلافا كبيرا عمّا هي عليه في صورتها التي أذاعها للناس، فهو يريد إرضاء ذوق أهل عصره وإدهاشهم، وإثبات مقدرته البديعية من ناحية، ويريد مدح رسول الله ﷺ ، ونيل غفران ربه من ناحية ثانية، فجمع بينهما لينال الحسنيين. وهذا ما كان يدور في أذهان الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ ، وأثقلوا مدحه بزخرف القول، من أمثال الشهاب المنصوري الذي قال في إحدى مدائحه للنبي الكريم: برز الصّباح براية بيضاء ... زحفا فولّى عسكر الظّلماء ضحكت على نجم السّما نجم الثّرى ... فبكت أسى بمدامع الأنواء ووشى بسرّ الرّوض نمّام الصّبا ... وغدا يطوف به على الأحياء والرّيح في فرش الرياض عليلة ... ترجوا الشّفاء برقية الورقاء والماء فيه تملّق وتدفّق ... يلقى النّسيم برقّة وصفاء «١» فمنذ مطلع القصيدة أخذ يحشد المحسنات البديعية حشدا، فجعل تعاقب الليل والنهار حربا بين جيشين، ولتتم المفارقة له، طابق بين زحف وولى، وبين البيضاء والظلماء، وحين أراد تعليل سبب المطر في البيت الثاني، جعل النبات يضحك من نجوم السماء، فبكت النجوم بالأمطار، وهو يظن أنه أجاد حسن التعليل، وهو أحد فنون البديع. واستغرق في صنعته، فخلق عالما عاقلا شاعرا من عناصر الطبيعة، وأضفى عليها الوعي الإنساني، فالليل والنهار جيشان يتقاتلان، والنبات يضحك، والنجوم تبكي،

стр. 414

أما نسيم الصبا فهو واش نمّام، يذيع سر الروض عند ما يحمل رائحته، والماء متملق في لقائه مع النسيم، فعناصر الطبيعة كلها تشعر وتعقل، وكلها لها علاقات إنسانية فيما بينها، والصنعة البديعية تلون ذلك كله بألوان فاقعة، هي غير ألوان الطبيعة الحقيقة. صحيح أن إضفاء المشاعر البشرية على عناصر الطبيعة و (أنسنتها) من أرقى طرق التعبير الأدبي، وهذا ما يحمد للشاعر، ولكن طريقة أداء ذلك أفسدته فنون البديع أو كادت. فالصنعة لا تفارقه حين ينظم شعره، وهذا ديدنه وديدن كثير من شعراء عصره، يرون الصنعة البديعية الفن الذي ما بعده فن، وهذا ما يظهر عند ابن الموصلي في مدحة نبوية، يبدي فيها ولعه بالجناس وبأنواعه المختلفة، فهو يقول: يمناه ما صفحت لسائل منحا ... وكم عن المذنب الخطّاء قد صفحت فكم فدت وودت وأوجلت وجلت ... وأوكست وكست وأثبتت ومحت ودارسا عمّرت وعامرا درّست ... ويابسا رحمت وفارسا رمحت وكم شفت عللا وكم روت غللا ... وكم هدت سبلا لولاه ما فتحت «١» فتكلف الجناس ظاهر لا يحتاج إلى بيان، فهو لم يترك بيتا لم يجانس فيه بطريقة أو بأخرى، وأتبع الجناس الطباق، فأكثر منه، وقد حاف على المعنى في سبيل جناسه وطباقه، وجانب الدقة في إيراد الألفاظ ليقيم جناسه، مثلما فعل ابن مليك الحموي حين استخدم الأسماء في التعبير عن مشاعره بتكلف وتصنع ثقيلين في قوله: سفحت عقيق الدّمع من سفح مقلتي ... وبتّ لدى الجرعاء أجرع عبرتي

стр. 415

ومذ بصفا قلبي سعى طائف الهوى ... رمى بفؤادي جمرة بعد جمرة على غاربي ألقيتم حبل هجركم ... وخيل اصطباري في الأعنّة عنّت فلا تنكروا بالحزن أن صرت حائرا ... أشقّ جيوب الصّبر من عظم حسرتي «١» فأراد ذكر السفح والعقيق والجرعاء، فسفح عقيق دمعه على سفح مقلته، وجرع لدى الجرعاء عبرته، وأراد ذكر الصفا والطواف ورمي الجمار، فجعل الهوى يطوف بصفا قلبه، وجعل فؤاده يرمي الجمرة إثر الجمرة، وهو يظن أنه جاء بشيء جديد عظيم، لم يأت به أحد قبله، وزاد على ذلك حين نظم المثل (ألقى الحبل على الغارب) ، وأضاف إليه خيل اصطباره التي عنّت في أعنتها، فالحبل استدعى إلى ذهنه الأعنة، فذهب بمعنى المثل، وبجزالة ألفاظه وبساطته في سبيل صنعته التي ألبسته ثياب الصبر ذات الجيوب، فعمل بها تمزيقا وشقا. فالصنعة جعلته يكرر الألفاظ، ويقدم ويؤخر، فأفسدت المعنى والأسلوب معا، ووصل في بعض قصائده إلى الركاكة، بسبب هذه الصنعة البديعية الثقيلة، والتي يكررها في قصائده، ويكرر صورا منها دون أدنى تغيير مثل قوله: مغرم لم يزل أسير هواكم ... راح يبكي الأسى بدمع طليق يسفح الدّمع في الخدود عقيقا ... حبّذا السّفح مؤذنا بالعقيق يا نزولا بالمنحنى من ضلوعي ... هل إلى الصّبر عنكم من طريق كيف أسلو وحبّكم في فؤادي ... ساكن في مفاصلي وعروقي وأجوز الصّراط كي لمناها ... تبلغ النّفس بالمجاز الحقيقي ومع المتّقين أسكن دارا ... زخرفت في جوار خير رفيق «٢»

стр. 416

فشاعرنا أسير الهوى، يبكي بدمع طليق، ماذا زاد في هذا المعنى؟ أما سفح الدموع والعقيق والمنحنى من ضلوعه، فهي صناعة مكررة حرفيا تقريبا، ولا ندري كيف يسكن الحب مفاصله وعروقه؟ وتأبى عليه صنعته إلا أن يذكر المجاز الحقيقي، حين يذكر جوازه على الصراط، وإلا أن تزخرف الدار التي يسكنها في الجنة، فلم يسلم له المعنى، ولم يسلم له جمال الأسلوب. وهذا ما نجده عند المغرمين بالصنعة البديعية، والذين لا يجيدون استخدامها في شعرهم، فأوقعهم همّ المجاراة في الركاكة والتكلف، مثل ابن حجر، العالم المتبحر، الذي أبى إلا أن يجاري الشعراء فيما هم مشتغلون به من صنعة وزخرف، فكانت النتيجة مثل قوله: إن أبرموني بالملام فإنّ لي ... صبرا سينقض كلّ ما قد أبرموا والدّمع في أثر الأحبّة سائل ... يا ويحه من سائل لا يرحم يا هاجري وحياة حبّك متّ من ... شوقي إليك تعيش أنت وتسلم «١» لقد أدخل علمه في شعره، وجارى الشعراء في صنعتهم، واستخدم الأمثال والعبارات الشعبية، فطغت هذه الأشياء على قصيدته، فذهب الشعر وبقيت. والمؤسف أن شعراء ذلك العصر كانوا يتابعون بعضهم بعضا في اصطناع ألوان البديع التي لم يسلم استخدامها من ثقل وتكلف، مثل متابعة الشعراء لبعضهم بعضا في إثبات الطي والنشر في شعرهم، وذكره باللفظ، فابن الدماميني «٢» قال في مدحة نبوية:

стр. 417

وأطوي بأذيال النّسيم رسائلي ... فأنشق عند الطّيّ من طيبها نشرا «١» وقال النواجي: لي الله أحبابا طووا شقّة الفلا ... فأنشق عند الطّيّ من طيبها نشرا «٢» فالصعنة البديعية في المدائح النبوية قلما جاءت خفيفة مقبولة، طوعها الشعراء للشعر، وأخضعوها للمعنى، وظلت حلية للشعر تحرك أسلوبه وتزينه، لكنها في الغالب كانت ثقيلة متكلفة، تمردت على الشعر، وأبت الاندراج في عالمه، فظلت ظاهرة نابية، طافية على السطح، جارت على المعنى والأسلوب معا، وأضحت ثقلا تنوء به القصيدة، بل أخذت المكان الأول في القصيدة، وكل العناصر الآخرى وجدت لخدمتها، بدلا من أن تخدم هي المعنى والأسلوب، حتى تطور الأمر أخيرا في هذا الاتجاه، فنتج عنه البديعيات التي ربطت رسميا بين البديع والمدح النبوي. وقد أسهب أصحاب البديعيات وكتب البديع في التنقيب عن فنون بديعية جديدة، وضربوا الأمثلة لها، وتوسعوا بها توسعا كبيرا، فلم يتركوا مذهبا من مذاهب القول إلا عدّوه من ضروب البديع، وتكلّفوا له تحديدا وأمثلة، فإذا لم يسعفهم التراث العربي على اتساعه، أو ما قاله أهل عصرهم، تكلفوا لها أمثلة من صنعهم. ولم أشأ أن أتبع فنونهم البديعية، وأمثّل لها من المديح النبوي، لأن شعراء المديح النبوي في معظمهم لم يلتفتوا إليها كلها، من ناحية، ولأن في متابعتها شططا وظلما للمديح النبوي من ناحية ثانية، ولأن الحديث عن هذه الفنون مرتبط بالبديعيات التي سيأتي ذكرها من ناحية ثالثة.

стр. 418

الباب الرابع أثر المدائح النبوية

стр. 419

الفصل الأول أثر المدائح النبوية في المجتمع القسم الأول- الأثر الاجتماعي: إن الأسباب التي دفعت إلى التوسع في فن المدح النبوي، وساعدت على انتشاره، تشير إلى ما رآه شعراء المدح النبوي من آثار لقصائدهم في نفوس الناس، فالأسباب السياسية تظهر أن قصائد المدح النبوي التي تحمل إشارات سياسية مثل الإشادة بالعرب وتفضيلهم، كانت تلقى تجاوبا عند العرب، وتحثهم على إبراز شخصيتهم في مناحي الحياة كلها، والأسباب الاجتماعية تنمّ عن أن مهاجمة شعراء المدح النبوي للظلم والمساوئ الاجتماعية كانت تنبّه الناس على ضرورة التخلص من هذه المساوئ، والأسباب الدينية تظهر أن شعراء المدح النبوي كانوا يؤثّرون في الجدل الديني الدائر بين المسلمين، فينتصر كل شاعر بالمدح النبوي للمذهب الذي يميل إليه. والذي ينظر في شعر العصر كله، يلاحظ أنه انعكست عليه ملامح الحياة، وأصداء أحداثها السياسية والاجتماعية، وتياراته الفكرية والدينية. والمديح النبوي جزء من شعر العصر، حمل ملامحه المعنوية والشكلية، ولم يكن فنا شعريا يقرب من العبادة فقط، لأن الأدب ثمرة لتفاعل الأديب مع بيئته والظروف المحيطة بها، والمؤثرة فيها، ولذا كانت موضوعات الشعر في عصر ما صدى لمظاهر البيئة فيه. وقد شهد العصر المملوكي على امتداده مصاعب لا حصر لها، وأزمات متلاحقة، وعرف فيه الظلم الاجتماعي، وظل الصراع السياسي والعسكري على أشده، بسبب الغزو الأوروبي والغزو المغولي، فبقي الناس في قلق وضيق وترقب.

стр. 420

وفي مثل هذه الأحوال تكثر الدعوات للإصلاح والتخفيف عن الناس، بطرق شتى، منها الشعر الذي ينتشر بين الناس، ويصل إلى الحكام، والذي يظهر مواطن الخطأ في المجتمع، ويشير إلى طرق تجاوزه باقتضاب، وبإشارات مبطنه، فيلهج به الناس، ويرددونه، ليدفعوا من بيده المقدرة على الإصلاح إلى فعل ذلك. وعرف الأدباء العرب آنذاك أثر الشعر في النفس الإنسانية، فقال حازم القرطاجني عن الشعر: «من شأنه أن يحبّب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكرّه إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمّن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها، أو متصوّرة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه، أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك» «١» . ولذلك شبّه الأدباء آنذاك أثر الشعر بأثر السحر، وأطلقوا على بعض الشعر (السحر الحلال) «الذي يلعب بالعقول، ويدع الإعجاب بحسنه يقوم ويقول» «٢» . «ولأنه يخيّل للإنسان ما لم يكن، للطافته، ولأنه قادر على التأثير والإقناع في الحال ونقيضه من غير مسوّغ واضح» «٣» . وإلى جانب الشعر نجد الوعظ والخطب على المنابر، والرسائل والكتب التي تحدد المشاكل وتضع لها الحلول، وقد وصلنا من هذا العصر عدد من الرسائل والكتب في هذا الباب، والتي عزا بعض مؤلفيها قيامهم بتأليفها إلى توجيهات رسول الله ﷺ لهم في المنام، فصاحب كتاب (التيسير والاعتبار) قال عن سبب تأليفه لكتابه: «ولمّا رأى العبد الأصغر الفقير في المنام سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قلّده أمرا، يفهم من تأويله النصيحة للإسلام والمسلمين.. فأقام العبد منتظرا ما رآه في المنام من وعد

стр. 421

الصادق الأمين.. إلى أن ألهمه الله تعالى أن يكتب ما يفتح عليه من العلم المبرهن، الدال على النصيحة والتذكرة» «١» . ولذلك قام المؤلف بتأليف كتب أخرى في التنبيه على الأزمات، وطرح حلول لها، منها (لوامع الأنوار ومطالع الأسرار في النصيحة التامة لمصالح الخاصة والعامة) و (النصيحة الكلية في كل ما يتعلق بمصالح الرعية) و (الإرشادات العليّة فيما يوجب الخلل والفساد والصلاح في أحوال الرعية) «٢» . ومن هذه النصائح التي كان يوجهها المصلحون لأصحاب الأمر، ما أورده السبكي في كتابه (معيد النعم ومبيد النقم) ، وجعل من واجب أولياء الأمور «سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ ، أو من يسبّه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل) «٣» . ومن واجبهم أيضا «دفع أهل البدع والأهواء، وكفّ شرهم عن المسلمين، ولا يسعهم الصبر على من يسبّ الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ ويقذف أم المؤمنين عائشة ﵂» «٤» . النصح والإرشاد: هذه النصائح نجدها في المدائح النبوية، مثلما نجد الوعظ والحكم للناس جميعا، الذين تأخذهم بهجة الدنيا، فينسون الآخرة، وينسون الطريق السليم في الحياة، فيذنبون ويسيؤون إلى غيرهم، وقد ينبّه الشاعر غيره بالحديث عن نفسه، مثل قول البوصيري:

стр. 422

إلى متى أنت باللّذات مشغول ... وأنت عن كلّ ما قدّمت مسؤول في كلّ يوم ترجّي أن تتوب غدا ... وعقد عزمك بالتّسويف محلول فجرّد العزم إنّ الموت صارمه ... مجرّد بيد الآمال مسلول أنفقت عمرك في مال تحصّله ... وما على غير إثم منك تحصيل وصن مشيبك عن فعل تشان به ... فكلّ ذي صبوة بالشّيب معذول «١» فالمدائح النبوية تحفل بالوعظ والإرشاد، وهي تذكر الناس باليوم الآخر، وبعدالة السماء، ليكفّ الظالم عن ظلمه، والمسيء عن إساءته، وتحثه على إقامة شعائر الدين والاقتداء بسنّة رسول الله، لتنتفي مظاهر الخلل في المجتمع، وتتحقق العدالة في الدنيا، قبل أن تقتص منه عدالة الله تعالى في الآخرة. ولا شك أن التنبيه على السلوك الخاطئ والدعوة إلى تصحيحه، التي تطالع الناس صباح مساء في قصائد المدح النبوي، قد كان لها أثر في نفوس الناس وسلوكهم، وخاصة حين قرنت هذه الدعوة بذكر رسول الله ﷺ ، وإظهار ما كان عليه حاله. الاعتقاد بالمدائح النبوية: وقد شاع في ذلك العصر التوسل برسول الله ﷺ ، والاستنجاد به من الكروب التي عمّت الناس، وشاعت رؤيا النبي الكريم في المنام، وانشغل الفقهاء بهذه الرؤيا، وخاصة في أخذ الرائي بما يؤمر به في المنام. وكان الناس على اعتقاد جازم بكرامة رؤيا رسول الله ﷺ ، فأحدهم رأى النبي

стр. 423

الكريم في نومه، وشكا له ما به من شلل وكسح، فأمره النبي بالنهوض، فأصبح معافى «١» . وآخر يصاب بالعمى، فيرى النبي في المنام، ويمسح عينيه، فيبصر بعد أن أقام مدة أعمى، وبعد أن فقئت عيناه، وسالتا، وورم دماغه ونتن «٢» . وثالث يرى رسول الله ﷺ في نومه، فيشق صدره، ويخرج منه علقة، يظنها الغش «٣» . إن الاعتقاد برؤيا رسول الله ﷺ في المنام، وفي كل ما يتعلق برسول الله ﷺ كان قويا في العصر المملوكي وكان الناس يتجهون إلى رسول الله ﷺ بالتوسل عند كل ملمّة تكربهم، والمدائح النبوية حافلة بمثل هذا التوسل وهذا يعني تأثر الناس بالمدائح النبوية وبما تحويه، فعند «وقوع الطاعون كثر الزعم برؤية النبي ﷺ » «٤» . وكثر تشفعهم به ليرفع الله تعالى عنهم الوباء. وقد مرت معنا أمثلة كثيرة على توسل مادحي النبي به، ليرتفع عنهم وباء الطاعون، وليرتد الغزاة الذين يريدون محو العروبة والإسلام. لذلك نجد المدائح النبوية حافلة بالاستغاثة، معبرة عن اعتقاد أهل ذلك العصر في جدوى التوسل والاستغاثة، وقد عبر شاعر يدعى (أحمد بن عبد الرحمن الدهلوي) عن هذا الاعتقاد في قوله: إذا ما أتتني أزمة مدلهمّة ... تحيط بنفسي من جميع جوانبي

стр. 424

تطلّبت هل من ناصر أو مساعد ... ألوذ به من خوف سوء العواقب فلست أرى إلّا الحبيب محمّدا ... رسول إله الخلق جمّ المناقب ملاذ عباد الله ملجأ خوفهم ... إذا جاء يوم فيه شيب الذّوائب «١» ومن اعتقادهم بجدوى التوسل والتشفع جاء اعتقادهم بالمدائح النبوية كلها، وبتأثيرها على ناظمها وسامعها، فبالإضافة إلى كونها أدبا، غدت عندهم نوعا من أنواع النصوص الدينية التي تجلب تلاوتها المنافع، وغدا إنشادها ضربا من التعبد، فوصفت الباعونية المدح النبوي بقولها: «المدح النبوي شعار أهل الصلاح، وسيما أهل الفلاح، وهو ممّا يتنافس فيه المتنافسون، ويدأب فيه المخلصون، إذ هو من أعظم وسائل النجاح، وسبب لمضاعفة الأرباح» «٢» . فالباعونية تعد المدح النبوي دليل صلاح المشتغلين به، وهو وسيلة للنجاح والمغفرة في الدنيا والآخرة، كما يوضح المثال الذي جاءت به، وهو بردة البوصيري، فقالت عنها: «المشهورة في مجال التسمية بالبردة، لا بل هي الترياق المجرب لكشف الشدة، التي حكم لها بالسبق، والحق الحق أنها لا تلحق» «٢» . فهي تشير إلى اعتقاد الناس ببردة البوصيري، التي تشفي من الأمراض، وتفرّج الكروب، وهي تذهب إلى أن تأثير البردة ثابت ومجرب، وهذا عائد إلى قصة نظم. البردة التي رواها البوصيري، فقد أخبر أن المرض أقعده، ولم يفلح معه دواء، فمدح رسول الله ﷺ بقصيدته المشهورة، فرآه في المنام، وخلع عليه بردته، فنهض في الصباح، وقد عوفي من مرضه «٣» .

стр. 425

ولذلك انتشرت هذه القصيدة انتشارا عظيما، وزاد اعتقاد الناس بمنافعها، فعندما علم الوزير بهاء الدين ابن حنا، وهو معاصر للبوصيري، بقصة البردة، «أخذها، وحلف ألّا يسمعها إلا قائما حافيا، مكشوف الرأس ... ثم بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي «١» الموقّع رمد، أشرف منه على العمى، فرأى في المنام قائلا يقول له: اذهب إلى الصاحب، وخذ البردة، واجعلها على عينيك، فتتعافى بإذن الله ، فأتى إلى الصاحب، وذكر منامه ... فأخذها سعد الدين، ووضعها على عينيه، فعوفي» «٢» . ومع تقدم الزمن أخذ الاعتقاد بالبردة يشتد ويقوى، واحتفل بها المتصوفة أيما احتفال، «ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطا لم يوضع مثلها لقراءة القرآن، منها التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، وأن يكون القارئ عالما بمعانيها» «٣» . «ووضعوا لها من المناقب والفضائل، ما لا يقع تحت حصر، فهي تشفي من عدة أمراض، وتفرّج الشدائد، وتسهّل كل أمر عسير» «٤» . لذلك شاعت وقرئت في جميع المناسبات، واتّخذت منها تمائم وتعاويذ، وعورضت كثيرا، ونسجت قصص أخرى مشابهة لقصة نظمها، فتعزز الاعتقاد بالمدح النبوي وأثره. ومن القصص المشابهة لقصة نظم البردة، قصة نظم الحلي لبديعيته، إذ أراد- كما روى- أن يؤلّف «كتابا يحيط بجلّ أنواع البديع، فعرته علّة طالت مدّتها، واشتدت
следующие страницы →