الصادق الأمين.. إلى أن ألهمه الله تعالى أن يكتب ما يفتح عليه من العلم المبرهن، الدال على النصيحة والتذكرة» «١» .
ولذلك قام المؤلف بتأليف كتب أخرى في التنبيه على الأزمات، وطرح حلول لها، منها (لوامع الأنوار ومطالع الأسرار في النصيحة التامة لمصالح الخاصة والعامة) و (النصيحة الكلية في كل ما يتعلق بمصالح الرعية) و (الإرشادات العليّة فيما يوجب الخلل والفساد والصلاح في أحوال الرعية) «٢» .
ومن هذه النصائح التي كان يوجهها المصلحون لأصحاب الأمر، ما أورده السبكي في كتابه (معيد النعم ومبيد النقم) ، وجعل من واجب أولياء الأمور «سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ ، أو من يسبّه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل) «٣» .
ومن واجبهم أيضا «دفع أهل البدع والأهواء، وكفّ شرهم عن المسلمين، ولا يسعهم الصبر على من يسبّ الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ ويقذف أم المؤمنين عائشة ﵂» «٤» .
النصح والإرشاد:
هذه النصائح نجدها في المدائح النبوية، مثلما نجد الوعظ والحكم للناس جميعا، الذين تأخذهم بهجة الدنيا، فينسون الآخرة، وينسون الطريق السليم في الحياة، فيذنبون ويسيؤون إلى غيرهم، وقد ينبّه الشاعر غيره بالحديث عن نفسه، مثل قول البوصيري:
стр. 422
إلى متى أنت باللّذات مشغول ... وأنت عن كلّ ما قدّمت مسؤول
في كلّ يوم ترجّي أن تتوب غدا ... وعقد عزمك بالتّسويف محلول
فجرّد العزم إنّ الموت صارمه ... مجرّد بيد الآمال مسلول
أنفقت عمرك في مال تحصّله ... وما على غير إثم منك تحصيل
وصن مشيبك عن فعل تشان به ... فكلّ ذي صبوة بالشّيب معذول «١»
فالمدائح النبوية تحفل بالوعظ والإرشاد، وهي تذكر الناس باليوم الآخر، وبعدالة السماء، ليكفّ الظالم عن ظلمه، والمسيء عن إساءته، وتحثه على إقامة شعائر الدين والاقتداء بسنّة رسول الله، لتنتفي مظاهر الخلل في المجتمع، وتتحقق العدالة في الدنيا، قبل أن تقتص منه عدالة الله تعالى في الآخرة.
ولا شك أن التنبيه على السلوك الخاطئ والدعوة إلى تصحيحه، التي تطالع الناس صباح مساء في قصائد المدح النبوي، قد كان لها أثر في نفوس الناس وسلوكهم، وخاصة حين قرنت هذه الدعوة بذكر رسول الله ﷺ ، وإظهار ما كان عليه حاله.
الاعتقاد بالمدائح النبوية:
وقد شاع في ذلك العصر التوسل برسول الله ﷺ ، والاستنجاد به من الكروب التي عمّت الناس، وشاعت رؤيا النبي الكريم في المنام، وانشغل الفقهاء بهذه الرؤيا، وخاصة في أخذ الرائي بما يؤمر به في المنام.
وكان الناس على اعتقاد جازم بكرامة رؤيا رسول الله ﷺ ، فأحدهم رأى النبي
стр. 423
الكريم في نومه، وشكا له ما به من شلل وكسح، فأمره النبي بالنهوض، فأصبح معافى «١» .
وآخر يصاب بالعمى، فيرى النبي في المنام، ويمسح عينيه، فيبصر بعد أن أقام مدة أعمى، وبعد أن فقئت عيناه، وسالتا، وورم دماغه ونتن «٢» .
وثالث يرى رسول الله ﷺ في نومه، فيشق صدره، ويخرج منه علقة، يظنها الغش «٣» .
إن الاعتقاد برؤيا رسول الله ﷺ في المنام، وفي كل ما يتعلق برسول الله ﷺ كان قويا في العصر المملوكي وكان الناس يتجهون إلى رسول الله ﷺ بالتوسل عند كل ملمّة تكربهم، والمدائح النبوية حافلة بمثل هذا التوسل وهذا يعني تأثر الناس بالمدائح النبوية وبما تحويه، فعند «وقوع الطاعون كثر الزعم برؤية النبي ﷺ » «٤» . وكثر تشفعهم به ليرفع الله تعالى عنهم الوباء.
وقد مرت معنا أمثلة كثيرة على توسل مادحي النبي به، ليرتفع عنهم وباء الطاعون، وليرتد الغزاة الذين يريدون محو العروبة والإسلام.
لذلك نجد المدائح النبوية حافلة بالاستغاثة، معبرة عن اعتقاد أهل ذلك العصر في جدوى التوسل والاستغاثة، وقد عبر شاعر يدعى (أحمد بن عبد الرحمن الدهلوي) عن هذا الاعتقاد في قوله:
إذا ما أتتني أزمة مدلهمّة ... تحيط بنفسي من جميع جوانبي
стр. 424
تطلّبت هل من ناصر أو مساعد ... ألوذ به من خوف سوء العواقب
فلست أرى إلّا الحبيب محمّدا ... رسول إله الخلق جمّ المناقب
ملاذ عباد الله ملجأ خوفهم ... إذا جاء يوم فيه شيب الذّوائب «١»
ومن اعتقادهم بجدوى التوسل والتشفع جاء اعتقادهم بالمدائح النبوية كلها، وبتأثيرها على ناظمها وسامعها، فبالإضافة إلى كونها أدبا، غدت عندهم نوعا من أنواع النصوص الدينية التي تجلب تلاوتها المنافع، وغدا إنشادها ضربا من التعبد، فوصفت الباعونية المدح النبوي بقولها: «المدح النبوي شعار أهل الصلاح، وسيما أهل الفلاح، وهو ممّا يتنافس فيه المتنافسون، ويدأب فيه المخلصون، إذ هو من أعظم وسائل النجاح، وسبب لمضاعفة الأرباح» «٢» .
فالباعونية تعد المدح النبوي دليل صلاح المشتغلين به، وهو وسيلة للنجاح والمغفرة في الدنيا والآخرة، كما يوضح المثال الذي جاءت به، وهو بردة البوصيري، فقالت عنها: «المشهورة في مجال التسمية بالبردة، لا بل هي الترياق المجرب لكشف الشدة، التي حكم لها بالسبق، والحق الحق أنها لا تلحق» «٢» .
فهي تشير إلى اعتقاد الناس ببردة البوصيري، التي تشفي من الأمراض، وتفرّج الكروب، وهي تذهب إلى أن تأثير البردة ثابت ومجرب، وهذا عائد إلى قصة نظم.
البردة التي رواها البوصيري، فقد أخبر أن المرض أقعده، ولم يفلح معه دواء، فمدح رسول الله ﷺ بقصيدته المشهورة، فرآه في المنام، وخلع عليه بردته، فنهض في الصباح، وقد عوفي من مرضه «٣» .
стр. 425
ولذلك انتشرت هذه القصيدة انتشارا عظيما، وزاد اعتقاد الناس بمنافعها، فعندما علم الوزير بهاء الدين ابن حنا، وهو معاصر للبوصيري، بقصة البردة، «أخذها، وحلف ألّا يسمعها إلا قائما حافيا، مكشوف الرأس ... ثم بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي «١» الموقّع رمد، أشرف منه على العمى، فرأى في المنام قائلا يقول له: اذهب إلى الصاحب، وخذ البردة، واجعلها على عينيك، فتتعافى بإذن الله ، فأتى إلى الصاحب، وذكر منامه ... فأخذها سعد الدين، ووضعها على عينيه، فعوفي» «٢» .
ومع تقدم الزمن أخذ الاعتقاد بالبردة يشتد ويقوى، واحتفل بها المتصوفة أيما احتفال، «ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطا لم يوضع مثلها لقراءة القرآن، منها التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، وأن يكون القارئ عالما بمعانيها» «٣» .
«ووضعوا لها من المناقب والفضائل، ما لا يقع تحت حصر، فهي تشفي من عدة أمراض، وتفرّج الشدائد، وتسهّل كل أمر عسير» «٤» .
لذلك شاعت وقرئت في جميع المناسبات، واتّخذت منها تمائم وتعاويذ، وعورضت كثيرا، ونسجت قصص أخرى مشابهة لقصة نظمها، فتعزز الاعتقاد بالمدح النبوي وأثره.
ومن القصص المشابهة لقصة نظم البردة، قصة نظم الحلي لبديعيته، إذ أراد- كما روى- أن يؤلّف «كتابا يحيط بجلّ أنواع البديع، فعرته علّة طالت مدّتها، واشتدت
стр. 426
شدتها، فاتفق أنه رأى في منامه رسالة من النبي ﷺ ، يتقاضاه المدح، ويعده البرء من سقمه، فعدل عن تأليف ذلك الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع، وتتطرز بمدح محتده الرفيع» «١» .
ولهذا نجد أبا بكر بن القنائي «٢» ، يغبط شعراء المدح النبوي بقوله:
هنيئا لمدّاح النّبيّ محمّد ... وإن قصّروا عن واجب المدح والشّكر
لقد سعدوا دنيا وأخرى بمدحه ... وفازوا وقد حازوا به أعظم الأجر «٣»
فمادحوا النبي الكريم حازوا سعادة الدنيا والآخرة، أملوا سعادة الآخرة، لأنهم اعتقدوا اعتقادا جازما بأن مدح رسول الله ﷺ سيجلب لهم شفاعته، وهي جائزتهم على المدح، ومغفرة الله تعالى لهم، لأنهم أثنوا على حبيبه، وأحسوا بسعادة الدنيا، لأنهم مقتنعون بمنافع المدح النبوي، وبأثره في كشف الكرب وإزالة الهم، ولأنهم يشعرون بحلاوة الإيمان ونشوة التقوى، وراحة الطاعة، ولهذا وصف ابن عربشاه «٤» المدح النبوي بقوله:
ولقد شكوت إلى طبيبي علّتي ... ممّا اقترفت من الذّنوب الجانية
وصف الطّبيب شراب مدح المصطفى ... فهو الشّفا فاشرب هنيئا وعافية «٥»
لقد أضحى المدح النبوي دواء للخلاص من الذنوب، وإن كان التشبيه يشي بما كان
стр. 427
سائدا، وهو الاعتقاد بقدرة المدائح النبوية على الشفاء من الأمراض، ويدل على ذلك قول أحمد بن عبد المعطي (من أهل القرن الثامن) :
أعظم بأمداح نبيّ الهدى ... حبل اعتلاق وشفاء اعتلال «١»
فالمدح النبوي عندهم حبل اتصال مع رسول الله ﷺ ، أو وسيلة اتصال معه، وهو أيضا شفاء لعلل الجسم والنفس، وطريق إلى المغفرة، أو كما قال السيواسي «٢» :
إذا ما كنت تهوى خفض عيش ... وأن ترقى مدارج للكمال
فدع ذكر الحميّا والمحيّا ... وآثار التّواصل والمطال
وكن حبسا على مدح المفدّى ... رسول الله عين ذوي الكمال
فإنّ لديه ما يرجى ويهوى ... جميل الذّكر مع جزل النّوال «٣»
فالشاعر يرى أن المدح النبوي يميل بصاحبه إلى العيش الرغيد الهني، والرقي نحو الكمال، ويجعل ذكر صاحبه جميلا بين الناس، إضافة إلى النوال الجزيل الذي يناله من الله تعالى وهو المغفرة، ومن رسول الله ﷺ ، وهو الشفاعة.
وقد رويت قصص كثيرة حول المغفرة لأصحاب المدائح النبوية، منها أنه بعد وفاة لسان الدين بن الخطيب «حكى غير واحد أنه رئي- ﵀ بعد موته، فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بسبب بيتين، وهما:
يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق
стр. 428
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما ... أثنى على أخلاقك الخلّاق» «١»
هذه المنامات أضفت على المدح النبوي قداسة عند الناس، وجعلتهم يعتقدون بكراماته، ويتعلقون بنظمه وسماعه وإنشاده وتدارسه، ويوقنون بالمغفرة جزاء ذلك.
فالنواجي قال في إحدى مدائحه النبوية:
وطوّقتني بالجود منك وبالنّدى ... فطائر سعدي فيك بالمدح ساجع
وأرجو بفضل الله ربح بضاعتي ... إذا كسدت يوم الحساب البضائع «٢»
ولهذا حرص المقري على إدراج أكبر قدر من المدائح النبوية في كتابه (نفح الطيب) ، وقال في ذلك: «فهذه عدة قصائد في مدحه ﷺ ، أرجو من الله- سبحانه- أن تكون مكفّارة لما ارتكبته على وجه الفخر والشهرة من الهزل واللغو» «٣» .
وقال أيضا: «ولا بأس أن نعززها بمقطوعات تكون للتكفير زيادة، وحق لمن توسل بسيد الوجود ﷺ ألاتضيع وسائله» «٤» .
فالمقري يرى في إدراج المدائح النبوية في كتابه مكفّرا لزلاته، فكيف بمن ينظم هذه المدائح؟
ويعد البوصيري أكثر الشعراء تعبيرا عن هذا المفهوم لأثر المدائح النبوية، فلم تخل قصيدة من قصائده النبوية من الإشادة بالمدح النبوي وأثره، وبيان ما يحوزه ناظمه وسامعه من نعيم الدنيا والآخرة، فقد افتتح إحدى مدائحه النبوية بقوله:
بمدح المصطفى تحيا القلوب ... وتغتفر الخطايا والذّنوب
стр. 429
وأرجو أن أعيش به سعيدا ... وألقاه وليس عليّ حوب
يفرّج ذكره الكربات عنّا ... إذا نزلت بساحتنا الكروب
مدائحه تزيد القلب شوقا ... إليه كأنّها حليّ وطيب «١»
فما أجمل هذا المطلع، وما أحلى هذه الثقة المطلقة بالمدح النبوي، الذي يحيي القلوب الغافلة، التي أماتها حب الدنيا وبهرجها. لقد ارتاح البوصيري إلى المدح النبوي، الذي جعل حياته سعيدة، وأزاح كروبه، وجعله متيقنا من مغفرة الله لذنوبه، فهل يطمح الإنسان إلى أكثر من هذا؟
لقد وصل تأثير المدح النبوي عند الناس، والاعتقاد به، إلى جعل المدائح النبوية وسيلة لرؤيا رسول الله ﷺ في المنام، فقد قال السخاوي عن شاعر يدعى ابن العليف:
«بلغني أن له قصيدة نبوية، أودعها في ديوان له، مشتمل على قصائد غالبها صوفية، أولها:
هذا النّبي الذي في طيبة وقبا ... له النّبوّة تاج والقرآن قبا
وقال: أنه ما قرأها أحد ليلة الجمعة عشر مرات إلا رأى النبي ﷺ في منامه» «٢» .
وروى الوتري قصة رؤياه لرسول الله ﷺ ، بعد إتمام ديوانه (معدن الإضافات) ، فقال: «لقد كنت رأيت رسول الله ﷺ ليلة فراغي من تبييضها، وهي في يده ﷺ ، ومعه جماعة من أصحابه.. فكان يقول: انظروا بأي شيء مدحت، وما قيل فيّ، فعلمت أنها وقعت منه ﷺ بموقع، فاستيقظت مسرورا بما أعطاني الله تعالى ... وبعد ما يقارب ثلاث سنين، كنت أردد نظري فيها، وأزيدها ترقيقا وتنقيحا.. ثم رقدت باقي الليل فرأيت النبي ﷺ في المنام وهو يقول لي: إنّ الله قد شفّعني في أهلك وزوجك وخادمك
стр. 430
وفي جميع أصحابك مشيرا إليّ بمسبحته، فاستيقظت وبي من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى» «١» .
فنظم المدح النبوي جعل الوتري يرى رسول الله ﷺ في المنام ثلاث مرات، بعد فراغه من ديوانه، وبعد كل تنقيح أو زيادة يجريها عليه، أفلا تجعل هذه الروايات الناس يعتقدون بقصائد المدح النبوي، وبأثرها في المشتغلين بها، فيحرصون على المشاركة في فن المدح النبوي، ولو كانت هذه المشاركة سماعا، أو تشجيعا للقادرين على النظم والإنشاد؟
ومن هذه الروايات ما قيل عن ابن زقاعة بعد نظمه لمدحة نبوية: «وليلة فراغها قال في سره: يا سيدي يا رسول الله، قد مدحتك بقصيدة، وقد تمّت، وأريد منك خلعة، فلما كان في صبيحة تلك الليلة، أتاه رجل وأخبره أنه رآه في النوم في حضرة رسول الله ﷺ وهو ينشدها، وخلع عند فراغه منها، عليه، فخلع الشيخ ﵀ جبة كانت عليه، وألبسها للرجل المبشر» «٢» .
ومن آثار المدائح النبوية على الناس في ذلك الوقت، أنفعالهم بها في مجالس الإنشاد على طريقة المتصوفة، فإنهم يستغرقون في ذكر رسول الله ﷺ ، ويتواجدون لسماع مدائحه تأثرا بالمعاني التي ترد فيها، وبطريقة إنشادها مثلما حصل لابن سيد الكل «٣» ، الذي «حضر درس ابن بنت الأعز، فأنشد شخص قصيدة نبوية، فصرخ هو على العادة، وأنكر القاضي ذلك عليه، فقال: هذا شيء ما تذوقه أنت، وقام وترك الفقاهة والمدرسة» «٤» .
стр. 431
وإلى جانب الراحة التي يلاقيها المشتغلون بالمدائح النبوية، فإنهم يعتقدون جازمين بأثرها في حياتهم في الدنيا، وبفضلها على تجاوزهم لأزماتهم، وهي كذلك تبعدهم عن الحاجة إلى الناس وسؤالهم في المدح، إضافة إلى الثواب والأجر والمغفرة في الآخرة، وهذا ما عبر عنه النواجي في قوله:
وصنت عن الخليقة حرّ وجه ... بهم ما زال في تعب وعتب
ليصفو بامتداح علاك عيشي ... ومن جدوى يديك يطيب كسبي
وأنقل في الثّرى من ضيق لحد ... لقصر في ذرا الجنّات رحب
فنيت فليس فيّ سوى لسان ... بذكرك يا جميل الذّكر رطب «١»
وإذا كان هذا الشاعر قد وجد في المدح النبوي ما يقيه من ذل السؤال، ويوسع في رزقه، إضافة إلى الثواب والمغفرة، ولهذا تعلّق بالمدح النبوي، وأوقف عليه حياته، فإن شاعرا آخر، هو ابن أبي اليسر «٢» وجد من بركة المدح النبوي ما دفع عنه ثقل دينه، فقال: «كان قد ركبني دين فوق عشرة آلاف درهم، وبقيت منه في قلق، فرأيت في النوم والدي، فشكوت إليه ثقل الدين، فقال: امدح النبي.. فقلت: قدري يعجز عن مدحه ﷺ ، فقال: امدحه يوفي الله عنك دينك، فعملت وأنا نائم، فقلت:
أجد المقال وجدّ في طول المدى ... فعساك تظفر أو تنال المقصدا
هي حلبة للمدح ليس يجوزها ... بالسّبق إلّا من أعين وأسعدا
قال: فانتبهت، فأتممت القصيدة، فوفّى الله عني ديني في تلك السنة» «٣» .
فالاعتقاد بقدرة المدائح النبوية على تخليص الناس من كربهم كان قويا، يدل عليه هذا الانتشار الكبير لهذا الفن الشعري، فليس غريبا أن يعتقد مادح للنبي ﷺ بأن سداد دينه جاء ببركة مدحه للنبي الكريم، فالشعور بالرضا هو ما يلازم مادحي رسول الله ﷺ ،
стр. 432
وتشمل مشاعر الارتياح والسرور المشتغلين بها، فابن حجر يرى مدحه لرسول الله ﷺ مذهبا للحزن، ومجدّدا للأمل والرجاء، فيقول:
فإن أحزن فمدحك لي سروري ... وإن أقنط فحمدك لي رجائي «١»
من كل ذلك يتبين لنا كيف اعتقد الناس بتأثير المدائح النبوية في حياتهم، وأنها تخلصهم من كربهم، وتتيح لهم راحة نفسية كبيرة، وتوسع أملهم بالمغفرة والثواب.
الجدل العقائدي:
بيد أن المدائح النبوية أثارت نقاشا حادا بين المسلمين حول مضمونها، وجواز التوسل بالنبي الكريم وطلب شفاعته فيها، ففريق من المسلمين ممّن يرون رأي ابن تيمية كانوا ينكرون الاستغاثة برسول الله ﷺ ، ولا يجيزون التشفع والتوسّل إلا بالله تعالى، وباقي جمهور المسلمين كانوا يجيزون التشفع والاستغاثة بالنبي الكريم، وكل فريق له حججه وبراهينه، التي يدعم بها رأيه.
ويظهر أن المدائح النبوية مثلما كانت موضع مدارسة واستظهار وإنشاد في مجالس، كانت موضع جدال ونقاش في مجالس أخرى، وكان النقاش ينصب على الاستغاثة والتوسل فيها، وعلى بعض الروايات الغيبية التي تتحدث عن مكانة رسول الله ﷺ السامية، مثل الحقيقة المحمدية وعلاقة رسول الله ﷺ بالأنبياء، التي وردت في المدائح النبوية.
فقد روى أحدهم أنه وقع بينه وبين شخص من الجامع الأزهر «مجادلة في قول صاحب البردة رحمه الله تعالى: فرأيت النبي.. جالسا عند منبر الجامع الأزهر..» «٢» .
فهذا يدل على أن مضمون المدائح النبوية كان موضع أخذ ورد بين علماء المسلمين،
стр. 433
ففي سنة (٧٨٤ هـ) ، عمل علي بن إيبك الصفدي قصيدة لامية على وزن بانت سعاد، وعرضها على العلماء، فقرّ ظوه، وانتقده أحدهم، فاختلف العلماء في ذلك، إلى أن وصلت إلى السلطان، فكتب مرسوما طويلا، منه:
«بلغنا أن علي بن إيبك «١» مدح النبي ﷺ بقصيدة، وأن علي بن العز «٢» اعترض عليه، وأنكر أمورا منها التوسل بالنبي ﷺ ، والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية، خصوصا أهل مذهبه من الحنفية، أنكروا ذلك، فيتقدم بطلبه وطلب القضاة والعلماء من أهل المذهب، ويعمل ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره» «٣» .
لقد وصل الجدل حول المدائح النبوية إلى السلطان الذي كتب فيه مرسوما للبتّ في هذه المسألة، ووصل الأمر إلى سجن بعض من أنكروا ما جاء في المدائح النبوية، فقد «أحضر ابن العز لمجلس القضاة، فوجد من خطه قوله: حسبي إليه، هذا لا يقال إلا لله، وقوله: اشفع لي، قال: لا تطلب منه الشفاعة، ومنها توسلت بك، فقال: لا يتوسل به، وقوله: المعصوم من الزلل، قال: إلا من زلّة العتاب، وقوله: يا خير خلق الله، الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك، فسئل فاعترف، ثم قال: رجعت عن ذلك، وأنا أعتقد غير ما قلت أولا» «٤» .
فهذا العالم أبدى رأيه في هذه المسألة، لكنه خاف، وعاد عن رأيه، ولا ندري إن كان قد اقتنع بالرأي الآخر، أم أنه تراجع خشية البطش به. ويظهر أن القضاة لم يقتنعوا برجوع ابن العز عن رأيه في التوسل برسول الله ﷺ ، «فعقدت له عدة مجالس غيره،
стр. 434
قال في أحدها، جوابا على سؤال حول ما أراد بما كتب: ما أردت إلا تعظيم جانب النبي ﷺ وامتثال أمره، أنه لا يعطى فوق حقه، فسجن وعزل من وظائفه» «١» .
وقد وجد أصحاب المذاهب الإسلامية في المدائح النبوية مناسبة لعرض آرائهم والجدل حولها، مثل رد ابن الزملكاني على من ينكر على شعراء المدح النبوي التوسل برسول الله ﷺ ، والاستغاثة به، في قوله:
يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما ردّ جاهك إلّا كلّ أفّاك
أنت الوجيه على رغم العدا أبدا ... أنت الشّفيع لفتّاك ونسّاك
يا فرقة الزّيغ لا لقيت صالحة ... ولا سقى الله يوما قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى أبدا ... ومن أعانك في الدّنيا ووالاك «٢»
وأكثر الصرصري من الإشارة إلى البدع التي كانت تحصل في أيامه، في مدائحه النبوية، فلا توجد مناسبة أفضل لعرض الآراء الدينية، والرد على ما يخالف رأي الشاعر من قصائد المدح النبوي، فهو يقول في إحدى نبوياته:
أشكو إلى الله العظيم فتنة ... ظلماء كاللّيل إذا اللّيل سجا
أبرأ من كلّ هوى وفتنة ... إليك يا من بهداه يقتدى
وأحمد الله إليك أنّني ... أومن بالله الذي شاد العلا «٣»
لكن الشاعر لم يصرح بحقيقة هذه الفتنة التي يتبرأ منها ومن كل هوى، ويحمد الله على إيمانه، بيد أنه أشار إلى بعض ظواهر الخروج على الشريعة في قوله:
стр. 435
لم أكن أرتجي لأكثر أهل الوق ... ت خيرا لجهلهم والتّعامي
فرّطوا في الصّلاة حتّى أضاعوا ... وقتها والزّكاة في كلّ عام
وفشا فيهم الفسوق وشرب ال ... خمر بعد الزّنا وكسب الحرام «١»
لقد آلم الصرصري ما يراه حوله من انحرافات في العقيدة، فاغتنم فرصة مدحه لسيد الخلق لكي يفند هذه الانحرافات، ويظهر شطط أصحابها، ويدعو إلى القضاء عليها، ويعرض عقيدته وما يراه الحق والصحيح في العقيدة الإسلامية، فقال في مدحة نبوية:
وعقيدتي الإيمان قول طيّب ... مع صالح الأعمال في الآناء
بك استقرّ الفضل يا خير الورى ... للأمّة المرحومة الضّعفاء
فضلت على كلّ القرون وخيرها ... من كان من أصحابك النّجباء
ولأهل بيتك رتبة لا ترتقى ... في الفضل إذ طهروا من الأقذاء
والأولياء الأربعون ونذّر ال ... أبدال من أتباعك الشّهداء
ولهم كرامات بها كالمعجز الن ... نبويّ، إيماني بغير مراء «٢»
فلولا شيوع المدائح النبوية وانتشارها لما أودعها بعض الشّعراء آراءهم الدينية، ليقنعوا الناس بها، وليردوا عن أنفسهم انتقاد غيرهم، ويدعوا لمذهبهم، فهم يعرفون أثر المدائح النبوية في الناس، وانفعالهم بها، وتصديقهم لما يرد فيها من آراء، جنبا إلى جنب مع ما يقال في رسول الله ﷺ .
فأضاف هذا الأمر إلى آثار المدح النبوي أثرا جديدا، هو تعريف الناس بالمذاهب
стр. 436
الدينية المختلفة في عصرهم، وأصول هذه المذاهب بالطريقة التي يمدح بها كل شاعر رسول الله ﷺ وبما يضمّن مدائحه النبوية من آراء فرقته.
وكذلك الأمر مع جدال أهل الكتاب، فالشعراء وجدوا في المدح النبوي فرصة لمقارعة الغزاة من أهل الكتاب، ورد حججهم، وتسفيه آرائهم، والدفاع عن الإسلام ونبيه الكريم، فهم يعرفون أن ردّهم هذا سيصل إلى الناس في مدائحهم النبوية التي انتشرت انتشارا عظيما، وسينفعل الناس بذلك، ويعرفون كذب افتراآت أعدائهم، وما بذله شعراء المدائح من جهد في الذب عن الإسلام والمسلمين، ومن ذلك قول البوصيري
ما بال من غضب الإله عليهم ... حادوا عن الحقّ المبين ونكّبوا
عبدوا وموسى فيهم العجل الذي ... ذبحوا به ذبح العجول وعذّبوا
وصبوا إلى الأوثان بعد وفاته ... والرّسل من أسف عليهم تندب «١»
وقد أفلح شعراء المدائح النبوية في ردّهم على من انتقص الإسلام من أهل الكتاب، وقدّموا للناس ما يستطيعون أن يردوا به على هؤلاء، وبصّروهم بحقيقة ادعاآتهم، وأطلعوهم على معتقداتهم، وبثوا في الناس الحماسة للجهاد والتضحية، وخاصة حين عرضوا في مدائحهم النبوية لوحات رائعة لبطولة رسول الله ﷺ وشجاعته وصبره على قتال أعداء الله، واستماتته في إعلاء كلمة الحق، مع صحابة باعوا أنفسهم لله فنصروا النبي ﷺ بكل سبل النصرة، وتهافتوا على الاستشهاد في سبيل الله، فلماذا لا يقوم العرب المسلمون بمثل ما قام به أجدادهم، فيدفعون عن أنفسهم وبلادهم عدوان الطغاة من الفرنجة والمغول؟
فالشهاب محمود عرض في مدحة نبوية صورة رائعة لبطولة المسلمين وتضحياتهم وانتصاراتهم، وأثر رسول الله ﷺ في ذلك كله، فقال:
стр. 437
ولولاه ما بيعت وخالقها اشترى ... نفوس حماة الدّين بين المعارك
ولا عفّرت في طاعة الله في الوغى ... وجوه كرام تحت وقع السّنابك
ولا أشرقت والنّصر تجلى نصاله ... حوالي العوالي في الخطوب الحوالك «١»
ولا شك أن قصائد المدح النبوي كانت ذات أثر كبير في تحريض الناس، وحفز هممهم للجهاد، مثلما كانت ذات أثر في الجدل الديني بين المسلمين، وبينهم وبين أهل الكتاب، وكانت كذلك دعوة جادة إلى الإصلاح الاجتماعي في عرضها للمعاني الإسلامية السامية، ولصور من حياة رسول الله ﷺ وسيرته، وتأكيدها مفهوم المساواة والعدالة في الإسلام، وقد أكّد الشهاب محمود هذه المعاني حين وصف المسلمين أثناء حجهم، فقال في إحدى مدائحه النبوية:
كأنّهم في البعث لا فرق فيهم ... يرى بين مملوك هناك ومالك
ولا بين باد جاء يسعى وعاكف ... ولا بين أرباب الغنى والصّعالك
تساووا به في قصدهم وتفاضلوا ... بإخلاصهم لا بالغنى والممالك. «٢»
هذه المساواة وهذه العدالة التي أقرّها الإسلام بين البشر، تذكّر أهل العصر بما يجب أن يكون في ظل حكم المماليك، ولذلك عرّض الشرف الأنصاري بملوك عصره، حين مدح رسول الله ﷺ بقوله:
زحزحت عن طرق المظالم عادلا ... فينا، ومن للعدل إن لم تعدل
وقرنت بالشّرس اللّيان فأتربت ... كفّ المحقّ وخاب سعي المبطل
تلك النّبوّة لا سيادة مالك ... أمر الأنام بمشرب أو مأكل «٣»
стр. 438
إظهار النزعة العربية:
لقد وضعت المدائح النبوية أمام الناس أمثلة عظيمة من العدل الاجتماعي، وحرّكت في نفوسهم التوق إلى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وتطبيق مبادئ الدين الحنيف جميعها، فتضافرت مع أسباب أخرى، ليظهر التململ الاجتماعي الذي تحدثنا عنه سابقا، وكانت مناسبة عظيمة ينفّس العرب فيها عن كربهم وكبتهم، فهم يمدحون رسول الله ﷺ ، وهو عربي الأرومة واللسان، ولا يستطيع أحد أن يعترض على ذلك، ويمدحون العرب بذكر الصحابة، ولا يجرؤا أحد على الاعتراض والمساءلة، وبذلك يشاد بالعرب في دولة لم يكونوا السادة فيها، وهذا يظهر أنهم لم يخلدوا لسبات عميق، وظلوا في حركة وتململ، وظلوا معتزين بأنفسهم، فهم حملة الرسالة السماوية ومنهم سيد الخلق الرسول العربي الكريم.
وعلى الرغم مما وصل إليه الأتراك من نفوذ، فهم لم يستطيعوا أن يصبغوا البلاد العربية بصبغتهم، ولم يستطيعوا الابتعاد كثيرا عن الثقافة العربية، لأن اللغة العربية ظلت لغة الدولة والعلم والتأليف، وظلوا يحتفظون في أنفسهم بشيء من الاحترام للخلافة العربية الإسلامية، ويحرصون على استمداد شرعية ملكهم منها.
ولم يكن الاعتزاز بالعروبة قاصرا على الذين يحتفظون بسلسلة نسبهم العربي الخالص، وإنما اعتز بالعروبة كل من انتمى إليها حضاريا، فاختلاط العرب بغيرهم من الشعوب، جعل من العسير على معظم الناس الاحتفاظ بأنسابهم، وإثبات أصالتها العربية، لكن ذلك لم يقلل من انتمائهم للعروبة، وخاصة أن الإسلام ربط بين عناصر الدولة، وخفّف من حدة التنافر بينها، فجميعها تلتقي على الإسلام ورسوله الكريم، وتتوحد حوله، ولذلك وجدنا من يرى في علاقة العرب بالترك علاقة تكامل، لا علاقة تطاحن، مثل قول ابن سناء الملك مشيدا بانتصارات الأتراك في الحروب الصليبية قبيل دولة المماليك:
стр. 439
بدولة التّرك عزّت ملّة العرب ... وبابن أيّوب ذلّت شيعة الصّلب
وفي زمان ابن أيّوب غدت حلب ... من أرض مصر وعادت مصر من حلب «١»
بيد أن المماليك الأتراك لم يفسحوا لغيرهم مكانا واسعا في سلطة دولتهم، وانفردوا باتخاذ القرارات المصيرية، وهذا ما حزّ في نفوس العرب الذين ثاروا عدة مرات على المماليك، لكن ثوراتهم لم تنجح، فانكفؤوا على أنفسهم، يظهرون شخصيتهم وآمالهم في الثقافة والأدب، ويعزّون أنفسهم في العبادة والزهد.
وقد لمس بعض العرب انتقاص غيرهم لهم، فقال مؤلف كتاب (مبلغ الأدب في فضائل العرب) : «إن كثيرين من الفرق الأعجمية والطوائف العنادية، جبلوا على بغض العرب» «٢» .
وصرّح في كتابه أنه اختصر كتابا في هذا الباب لابن الحسين العراقي «٣» المتوفى سنة (٨٠٥ هـ) ، وجعل من كتابه إثباتا لفضل العرب، فعرض الأحاديث والروايات التي تؤيد ذلك «٤» .
من مثل (حب العرب إيمان وبغضهم كفر.. وحب العرب من محبة النبي.. وغير ذلك) «٥» .
وافتتح خطبة الكتاب بقوله: «الحمد لله الذي اختص العرب بين سائر الأمم بمزايا لا
стр. 440
تحصى، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي شرّف الله به العرب على سائر من سواهم، بفضائل لا تستقصى» «١» .
فالعرب في الدولة المملوكية تحسسوا وجودهم وكيانهم، وعبروا عن ذلك في الثقافة والأدب، متابعين تبرم العرب بالتسلط الأعجمي قبل قيام الدولة المملوكية، فالشريف الرضي كان يجسد في شعره طموح العربي إلى الحرية، ونزعته إلى أن يكون حرّا سيّدا كريما في أرضه، ولذلك جعل الحجاز رمزا لتوقه وخلاصه، وتعبيرا عن نزعته العربية، فقال في إحدى قصائده:
ومن شيم الفتى العربيّ فينا ... وصال البيض والخيل العراب
سقى الله المدينة من محلّ ... لباب الماء والنطف العذاب «٢»
ويظهر أن التشيّع لآل رسول الله ﷺ ، والإشادة بهم، كانت متنفسا للإشادة بالعرب والعروبة، وكذلك الأمر في الحنين إلى الحجاز وبقاع الجزيرة العربية، فهو حنين إلى بقاع عربية، وإلى زمن عربي بوجه من الوجوه، أو هو تعبير مستتر عن النزعة العربية التي هيّجها شعر الحنين إلى الحجاز ومدح رسول الله ﷺ ، فالتلعفري قال في تشوقه وغزله:
عربيّ لفظ نون حاجبه لها ... من خال وجنة خدّه إعجام «٣»
لقد ذكر دون أن يعي ذلك عناصر عربية في شعره، من الأماكن المقدسة إلى اللفظ العربي إلى الإعجام، وإن كانت الصنعة قد ألزمته بذلك، فإن اللاوعي قد أحضر هذه العناصر إلى ذهنه وأجراها على لسانه، وسواء أكان قاصدا إلى هذا أو لم يكن، فإن
стр. 441
ورود ما يذكّر بالعرب والعروبة في الشعر له أثره في الناس الذين يحنون إلى عصور الإسلام الزاهية التي سادها العرب.
وقد صرح ملك النحاة بالنزعة العربية في قصيدة افتخر فيها بالعرب على الأعاجم، ومنها قوله:
للعرب الفخر القديم في الورى ... فأعرضي عن نبأ الأعاجم
هم الذين سبقوا إلى النّدى ... فهو لديهم قائم المواسم
أعطاهم الله العلا لأنّهم ... قوم النّبيّ المصطفى من هاشم
فخرهم باق على الدّهر به ... إن كان فخر دارس المعالم «١»
وحين تخلص ابن عبية «٢» من الغزل إلى المدح النبوي، قال:
ما مخلصي في الحبّ من شرك الهوى ... إلا بمدح المصطفى المأمون
زين الأعارب في القراع وفي القرى ... ليث الكتائب لم يخف لمنون «٣»
فأول ما بدأ به في مدح رسول الله ﷺ ، هو أنه زين الأعارب، فرسول الله عربي وفي الإشادة به إشادة بالعرب، ولذلك يظهر الشمس الدمشقي «٤» خطيب السابتية حبه للعرب وتعلقه بهم في غزله الذي يقدم به لمدح النبي ﷺ فيقول:
стр. 442
عرب لي أرب في حبّهم ... إنّني أقضي وأقضي الأربا
سادة سيّدهم لا غرو أن ... جمع السّؤدد فهو المجتبى «١»
فرسول الله ﷺ سيد العرب وفخرهم ومشرّفهم، رفع الله شأنهم ببعثه منهم، فهم يستحقون أن يكونوا سادة في بلادهم، بعد أن حملوا رسالة الإسلام إلى العالم، وهذا مدح للعرب لا يستطيع أحد ردّه، فتميّز العرب عن غيرهم كان برسول الله ﷺ ، أو كما قال ابن شهاب الحضرمي معقّبا على بيت ابن حجة:
ومذهبي في كلامي أن بعثته ... لو لم تكن ما تميّزنا على الأمم
«وأما إقامة الحجة على أن تميزنا على الأمم هو بوجود بعثته ﵇، فذاك صحيح لا شك فيه، لأننا لم نتميز بغيرها، ولا خصم في ذلك، ولا منكر، فكل من يميّز يعلم ذلك ولا حاجة لتأكيده» «٢» .
إن مدخل الإشادة بالعرب في المدائح النبوية، هو الافتخار بكون رسول الله ﷺ من العرب، والافتخار به ما بعده افتخار.
وفي ثنايا مدح سيد الوجود، نثر الشعراء إشارات مختلفة تشيد بالعرب في عصر سيادة الأعاجم، ومن ذلك قول البرعي من مدائح مختلفة:
يا سيّد العرب العرباء معذرة ... لنادم القلب لا يغني تندّمه «٣»
فرسول الله هو سيد العرب، وهذا تنويه بقدرهم، وإلى جانب ذلك فخر الشاعر بمدح رسول الله ﷺ باللغة العربية الفصيحة، وهذا رفع لقدر اللغة العربية وقدر أصحابها، وقد أكدّ هذا المعنى في قصيدة أخرى فقال:
стр. 443
يليق الخطاب اليعربيّ بأهله ... فيهدي الوفا للنّقص والحسن للقبح
ومن شرف الأعراب أنّ محمّدا ... أتى عربيّ الأصل من عرب فصح «١»
فالمعنى واضح في ذهن الشاعر، وواضح في شعره، أنه يشيد بالعرب، ويرفع قدرهم، لأن رسول الله ﷺ منهم، والقرآن أنزل بلسانهم، ولذلك لهم ميزة على من سواهم، أو لأمته ميزة على غيرها من الأمم، كما يقول:
فها هو خير الخلق من خير أمّة ... يدلّ على نهج لإرشاد قاصد
ونحن به نعلو على الأمم التي ... مضت وكتاب الله أعدل شاهد «٢»
ولا يخفى على المطلع أن مثل هذه الإشارات لم تأت عفو الخاطر، وأن المدح النبوي بذاته يحمل إشادة بالعرب أثناء الإشادة برسول الله ﷺ ، دون أن يقصد الشاعر إلى ذلك قصدا، وقد تنبه ابن خالدون في مقدمته على علاقة السيادة العربية برسول الله ﷺ وارتباط ملكهم ببعثته حين قال: «العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة، قلّما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية، كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم.. وحصل لهم التغلّب والملك» «٣» .
فابن خالدون يذهب إلى أنه لولا النبوة لما قام للعرب ملك، وظلوا على تفرقهم في بواديهم المترامية، ولذلك قال عن حالهم بعد سيطرة الأعاجم عليهم: «ثم إنهم بعد ذلك، انقطعت منهم عن الدولة أجيال، نبذوا الدين فنسوا السياسة، ورجعوا إلى
стр. 444
قفرهم، وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة، ببعدهم عن الانقياد.. ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء.. ولما ذهب أمر الخلافة، انقطع الأمر جملة من أيديهم، وغلب عليهم العجم» «١» .
من هنا كان للعرب الحق بالافتخار لارتباطهم برسول الله ﷺ ، فهم حملة رسالة السماء السامية، وهم الذين أقاموا دولة الإسلام، ومن الواجب أن يكون لهم شأن في بلادهم، ولذلك حفلت المدائح النبوية بالإشادة بالعرب، والتنويه بقدرهم في دولة المماليك. ووجود الإشادة بالعرب في المدائح النبوية يمنع الاعتراض عليهم، ويعصم الشعراء من البطش، فالمماليك الذين حكموا الناس باسم الدين، وحرصوا على إظهار تدينهم، لا يمكنهم أن يأخذوا شاعرا يمدح رسول الله ﷺ بالثناء على قومه.
وقد أظهر شعراء المدح النبوي تعلّقهم بالعرب والعروبة في مناحي شتى، ومواضع متفرقة في مدائحهم، مثل الغزل بالعربيات وذكر ديار العرب، فالصرصري يغتنم فرصة ذكر تشوقه للمقدسات وتغزله، ليشيد بالعرب ويقول:
عن أيمن السّفح بالحمى عرب ... بين فؤادي وبينهم نسب
أعزّة سادة لهم همم ... تقصّر عنها الرّماح والقضب
زيّنت سماء العلا بهم فهم ... شموسها والبدور والشّهب
إنّ حار ركب فهم أدلّته ... أو جار جدب فرفدهم سحب «٢»
وكان ابن هبة الله الجهني «٣» قاضي حماة أكثر صراحة في مدحه للعرب، حين قال في مدحة نبوية بعد ذكر الأماكن المقدسة:
стр. 445
ومن دونه عرب يرون نفوس من ... يلوذ بمغناهم حلالا لهم طلقا
بأيديهم بيض بها الموت أحمر ... وسمر لدى الهيجاء تحمل الزرقا
أيا سيّد العرب الكرام ومن ... غدت سيادتهم للنّاس كلّهم حقّا «١»
بدأ الشاعر مدح العرب بالشجاعة والمنعة، وعند ما وصل إلى مدح رسول الله ﷺ ، وصفه بسيد العرب الكرام، الذين تحقّ سيادتهم على الناس جميعا، فهل يوجد تعبير أفصح من هذا، يوضح ما كان يعتمل في نفوس العرب آنذاك، ويجسّد تطلعاتهم إلى السيادة في بلادهم، وتململهم من تسلط المماليك عليهم؟
ولكن إدراجه هذا المعنى في المدح النبوي يمنع مؤاخذته عليه، ويتيح له الانتشار بين الناس، وترديده كلما ردّدت قصيدته أو أنشدت في مجالس الذكر والإنشاد، أو في الاحتفالات الدينية.
ويقرب من توجه الجهني هذا توجه الشاب الظريف في مدحة نبوية له، تحدث فيها عن العرب، وأظهر تعلّقه بالعروبة في عصر كانت الإشادة فيه مقصورة على الأتراك الحاكمين، فأطلقها صرخة عربية قائلا:
قوم هم العرب المحميّ جارهم ... فلا رعى الله إلّا أوجه العرب
أعزّ عندي من سمعي ومن بصري ... ومن فؤادي ومن أهلي نشبي
إن كان أحسن ما في الشّعر أكذبه ... فحسن شعري فيهم غير ذي كذب «٢»
فالعرب هم أصحاب المروءة والشهامة، الذين يحفظون من يستجير بهم، وهذا يظهر إيمان الشاب الظريف بالعروبة، وصدقه في الإشادة بالعرب، وفي دعائه لهم تأكيد
стр. 446
على أفضليتهم، وكأنه يعبر عن سخط العرب على واقعهم، ويظهر شعورهم بالغبن، إلى جانب اعتزازهم بعروبتهم، ولذلك أخذ شعراء المدح النبوي ينشرون فضائل العرب ويذيعونها بين الناس، لينتصف العرب من الأعاجم في بلادهم، وليعرفوا هم وغيرهم قدر أنفسهم ومكانتهم في الدولة الإسلامية.
وهذا ما نجده عند ابن الجيّاب الأندلسي الذي اغتنم حديثه عن نسب رسول الله ﷺ ، فمدح العرب جميعا، وفصّل في مدحهم وأسهب، في عصر لم يعودوا فيه سادة الأمر، وأفل نجمهم أو كاد، فقال:
فخير الورى العرب الذين هم هم ... عطاء نوال أو لقاء قنابل
أكفّهم تزجي المنايا أو المنى ... وتهمى ببأس لا يردّ ونائل
وألسنتهم جاءت وفاق أكفّهم ... كعضب يمان أو كعذب سلاسل
فقد سارت الرّكبان تنشر فخرهم ... كنشر الصّبا عرف الرّبا والشّمائل «١»
فما دواعي هذا المدح المستفيض للعرب في هذه المدحة النبوية؟ وما هي مسوغات التفصيل في فضائل العرب وميزاتهم؟
إن مناسبة هذا المدح، وهي مدح رسول الله ﷺ ، لا تتيح للشاعر أن يسهب في مدح العرب هذا الإسهاب.
لقد قصد إلى ذلك قصدا وأراده، لأنه تعبير عمّا يعتلج في نفسه ونفوس العرب من تطلع إلى إثبات الوجود، والانتصاف من المتسلطين على بلادهم، والذين لا يوازون العرب في أمجادهم وفضائلهم، ولكن ما أوصلهم إلى حالهم هذه هو تقاعسهم وتفرقهم، وجهلهم قدر أنفسهم، ولذلك يأتي هذا الشعر ليثير في أنفسهم الحميّة
стр. 447
العربية، وليذكرهم أن رسول الله ﷺ منهم، وأنهم حملة الإسلام، وأحق الناس بسيادة دولته، ولهذا يقول لسان الدين بن الخطيب في مدحة نبوية، مادحا العرب:
جيران بيت الله والعرب الألى ... أضحوا على قنن النّجوم قعودا
تخذوا السّيوف تمائما لوليدهم ... والحرب ظئرا والسّروج مهودا «١»
فلماذا يسود الأعاجم العرب؟ ولماذا يفخرون عليهم، وهم جيران بيت الله وأهل رسول الله ﷺ وأصحاب الأمجاد الباذخة والشجاعة النادرة؟ إنه الزمان الذي لا يبقي أحدا على حاله، والأمور دول، من سره زمن ساءته أزمان، أو لا يعيد التاريخ نفسه؟
إن ابتعاد العرب عن السلطة هذا الزمن الطويل، وبقاءهم في الظل، لم يمنع ابن مليك الحموي أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، من أن يشيد بالعرب في مدحة نبوية، فيقول:
بهم ضاء وجه الدّهر وافترّ ثغره ... فأيّامهم في الدّهر عيد وموسم «٢»
ولا شك أن المدائح النبوية أثارت بما تضمنته من مدح للعرب، في نفوسهم الرغبة بالانتصاف وتحقيق العدالة في الدولة المملوكية، وأحيت الأمل باسترجاع مكانتهم السامية في الدولة الإسلامية، وذكّرت الناس بحق العرب، ووجوب مراعاة جانبهم، لفضلهم السابق، ولشرفهم ببعث رسول الله ﷺ من بينهم.
فلم تكن المدائح النبوية ثناء خالصا على رسول الله ﷺ ، وإشادة بخصاله وشمائله الكريمة، وتذكيرا بأثره الخالد في حياة البشرية فقط، بل كان شاعر المدح النبوي إلى جانب ذلك يغتنم فرصة مدحه للنبي الكريم، ليبث في أثنائه إشادته بالعرب والعروبة،
стр. 448
وينبّه الناس على مفاهيم العدالة والمساواة، ليرفضوا واقعهم السيء الذي تختل فيه الموازنة بين الفئات التي يتكون منه المجتمع العربي الإسلامي.
القسم الثاني- الأثر التعليمي للمدائح النبوية:
إن انشار المدائح النبوية الكبير بين الناس قد ترك أثرا في نفوسهم، وقبولا، ولولا ذلك ما أصبحت شغل المجالس المختلفة، ومادة الإنشاد في الاحتفالات والأعياد.
والمدائح النبوية حافلة بالمعلومات التاريخية والدينية، ومملوءة بصور العظمة والبطولة، والمواقف الأخلاقية الفذة، وفيها القدوة الحسنة، والدروس المفيدة، والموعظة المقنعة، ولذلك لا بد أن يفيد الناس من المدائح النبوية تاريخا وخلقا ومعرفة بسيرة رسول الله ﷺ ومعجزاته، وأن يحاولوا الاقتداء بسنّته، والابتعاد عمّا يخالف هديه.
ولا شك أن معظم مادحي النبي كانوا يريدون نشر الفضيلة عند ما رصعوا مدائحهم بفضائل رسول الله ﷺ وشمائله الكريمة، ويهدفون إلى استخلاص العبر من مواقفه السامية وسيرته المباركة، ويدعون الناس إلى الاقتداء بهديه وسلوك صحابته الغرّ الميامين، ولم يكونوا يقررون شيئا ثابتا معروفا.
إنهم نقلوا المقاصد الدينية إلى الشعر، وتابعوا الدين في تناوله للأخلاق بالصقل والتهذيب، وتوجيه الناس نحو الآداب العامة، ونحو إرساء الروح الجماعية للأمة الإسلامية، وجعل المسلمين قوة واحدة ومجتمعا فاضلا.
وكانت المدائح النبوية في طليعة أشكال الكتابة الأدبية التي كانت تظهر في العصر المملوكي، هادفة إلى الإصلاح الخلقي، مثل الرسائل والكتب التي تناولت الاقتصاد والاجتماع والعقيدة بالدرس والانتقاد، وبيّنت طرق الإصلاح لها، ومنها (إغاثة الأمة) للمقريزي، و (معيد النعم) للسبكي، و (التيسير والاعتبار) للأسدي.
стр. 449
القدوة والمثل:
وأول ما قدمته المدائح النبوية في هذا الباب تجسيد القدوة المثلى برسول الله ﷺ ، فقد كان المثل الأعلى في مناحي الحياة كلها، والذي لا يمكن اللحاق به، ولكن الاقتداء به يجعل المرء مستقيما في حياته، سعيدا متعاونا مع أقرانه، راضيا لثقته بأنه يتبع سنة خير الخلق التي تضمن له رضا الله تعالى ومغفرته. وإذا اقتدى أفراد المجتمع برسول الله ﷺ ، فإن المجتمع سيكون مجتمعا خيّرا قويا متماسكا، يسوده العدل والرحمة والمحبة.
ففي مجتمع كان فيه المستأثرون بالثروة قلّة، وبقية الناس تعاني العوز والمرض، لا بد من تذكير الأغنياء بأن رسول الله أعظم إنسان خلقه الله، كان متواضعا رحيما ناكرا لذاته، بعيدا عن التفكير في الثراء وجمع المال، ولو أراد ذلك لحصل على ثروات الأرض وكنوزها، وقد ردّد شعراء المدح النبوي هذه الصفة عند رسول الله ﷺ ، وتحدثوا عن زهده في الدنيا وبهرجها، ليتعظ المتهالكون على المال، والذين يظلمون من أجل الحصول عليه وكنزه. ودأب المصلحون في ذلك العصر على تنبيه الناس على تلك المسألة، فقال الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين) عن المال: «ولو كانت فيه فضيلة لخصّ الله به من اصطفاه لرسالته، واجتباه لنبوته، وقد كان أنبياء الله تعالى مع ما خصّهم من كرامته، وفضلهم على سائر خلقه فقراء.. حتى صاروا في الفقر مثلا، قال البحتري:
فقر كفقر الأنبياء وغربة ... وصبابة ليس البلاء بواحد «١»
لقد كانت سيرة رسول الله ﷺ ممّا يضرب به المثل في مناحي الحياة كلها، ومما تقارن به أعمال الناس، وكان الشعراء قبل العصر المملوكي، يتمثلون بمواقف النبي الكريم
стр. 450
وأقواله، فعند ما أراد شاعر مدح إنسان بالتواضع والانصياع للحق مع مكانته العالية، فإنه لم يجد مثلا لذلك أفضل من رسول الله ﷺ ، فقال:
له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرّسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرّسول «١»
فكان الشعراء يذكّرون الناس بسنّة رسول الله ﷺ وسيرته، ليتعظوا ويعودوا عما يخالفها، وهذا ما فعله الصفي الحلي حين حث السلطان على إقامة الحد على لصوص سرقوا ماله واحتموا بأحد نوابه، في قوله:
وكذاك خير المرسلين محمّد ... وهو الذي في حكمه لا يظلم
لمّا أتوه بعصبة سرقوا له ... إبلا من الصّدقات وهو مصمّم
لم يعف بل قطع الأكفّ وأرجلا ... من بعد ما سمل النّواظر منهم
ورماهم من بعد ذاك بحرّة ... نار الهواجر فوقها تتضرّم
ورجا أناس أن يرقّ عليهم ... فأبى وقال كذا يجازى المجرم
وكذا فتى الخطّاب قاد بلطمة ... ملكا لغسّان، أبوه الأيهم «٢»
إن الشاعر يذكر السلطان بسنّة رسول الله ﷺ ، الذي جعل الحق فوق كل العلاقات، ولم يراع في الله قرابة ومكانة، وغير ذلك ممّا يعز على النفس.
وتجاوز في أخذ القدوة لإقامة الأحكام الشرعية إلى الخليفة الفاروق، فالاقتداء برسول الله ﷺ وبصحابته أيضا.
стр. 451
ومن العادات الاجتماعية التي أخذ بها الناس، والتي هبطت إليهم من الجاهلية، كرههم للبنات، والتشاؤم بولادتهم، وإهانتهن، ولذلك نبّه المصلحون الناس على خطل هذه العادة التي أنكرها الله تعالى في كتابه الكريم، فقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ «١» وأنكرها رسول الله، فالإسلام أنزل المرأة المنزلة الكريمة التي تليق بها.
ولتذكير الناس بهذا، ضرب الشعراء لهم مثلا برسول الله ﷺ ، فقال أحدهم:
فخير النّاس كلّهم جميعا ... رسول الله كان أبا البنات
وهنّ الؤنسات وهنّ أيضا ... بعيد الموت أحرق باكيات «٢»
فسيّد الخلق كان أبا البنات، ولم يخدش ذلك قدره الرفيع، وإلى جانب ذلك فالبنات صاحبات مشاعر رقيقة وحنان كبير، وهن المؤنسات لأهلهن، وهن الباكيات بحرقة صادقة على موت آبائهن.
وهكذا مضى الشعراء يضربون المثل برسول الله ﷺ ، مظهرين حسن الاقتداء بسيرته الكريمة، والتأسي بأسوته الحسنة في إصلاح الظواهر الاجتماعية الخاطئة، وتعديل القيم المنحرفة عن جادة الصواب.
إن مسألة الاقتداء والتّمثل بسيرة رسول الله العطرة، لم تكن مقصورة على المدائح النبوية فقط، بل إن الشعراء إذا أرادوا تقديم حجة على كلامهم، لا يجدون حجة أصدق من موقف لرسول الله ﷺ ، أو صورة من صور حياته الكريمة، أو كل ما يتصل به من قريب أو بعيد، فتمثلوا بالصحابة الكرام، وتفانيهم في خدمة دينهم ونبيهم وأكثروا من مدحهم مظهرين تضحياتهم وإخلاصهم، ضاربين مثلا رائعا تتملاه الأجيال اللاحقة، وتفيد منه.
стр. 452
وأكثر ما تمثّل به الشعراء من سيرة رسول الله ﷺ ، هو صبره وتجلده عند فقد عزيز عليه، وتذكير المسلمين بمصابهم برسول الله ﷺ عند رفعه إلى الرفيق الأعلى، ولذلك قال السيوطي في إحدى مقاماته:
«وأعظم ما يسلّي الوالد عن صفيه، مصيبته بسيده وهاديه ونبيه، قال ﷺ مرشدا بالقول الصائب: من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب» «١» .
وقد اتسع ابن العريف الأندلسي في هذا المعنى، فجعل العبرة في مصيبة المسلمين برسول الله ﷺ عامة، يجد المسلم كل المصائب تهون أمام مصيبته بفقد نبيّه، فقال:
إذا نزلت بساحتك الرّزايا ... فلا تجزع لها جزع الصّبي
فإنّ لكل نازلة عزاء ... بما قد كان من فقد النّبي «٢»
واستخدم الشعراء هذا المعنى في الرّثاء، فعند ما رثى شاعر اسمه (أحمد بن محمد بن علي الحجازي) ابن حجر، قال فيه:
يا ربّ فارحمه واسق ضريحه ... بسحائب من فيض فضلك عامره
يا نفس صبرا فالتّأسي لائق ... بوفاة أعظم شافع في الآخره «٣»
أدى انتشار هذا المعنى وكلف الشعراء به إلى تأليف كتاب يظهر العبرة من وفاة رسول الله ﷺ ومواطن الاقتداء بها، سمّاه صاحبه (سلوة الكئيب بوفاة الحبيب) ، أنشد فيه لابن حجر قوله:
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
стр. 453
وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد «١»
فالشعراء استقوا من سيرة رسول الله ﷺ معاني مختلفة، ضربوا بها المثل لأهل عصرهم، ليتعظوا بها، وليصلحوا من شأنهم، فالنبي الكريم هو المثل الأعلى للمسلمين، وهو القدوة لهم في كل حركاته وسكناته، فحين يعرض مدّاحه زهده وورعه وعدله، يذكّرون حكامهم بما كان عليه سيد الوجوه، وبما هم عليه الآن من غنى وظلم، وحين يتطرقون إلى جهاده وشجاعته وصبره ومصابرته، فإنهم يقدّمون للمتقاعسين عن الجهاد صور البطولة الفذّة التي تحفزهم إلى بذل كل ما يستطيعون للحفاظ على دينهم وأوطانهم.
وغير ذلك كثير يقرعون به أسماع اللاهين الغافلين، ليثوبوا إلى رشدهم، وليقتدوا بسنّة هاديهم.
وإلى جانب إظهار القدوة من سيرة رسول الله ﷺ حرص شعراء المدح النبوي على ذكر أخلاق النبي الكريم وصحابته الأطهار بالتفصيل، ومقارنتها بأخلاق أهل عصرهم، على أمل أن يتركوا من أخلاقهم ما يبتعد بهم عن أخلاقه ﷺ وأخلاق أصحابه، وأن يتخلّقوا بخلق من بعث ليتمم مكارم الأخلاق «٢» .
وإذا كانت المدائح في الشعر العربي- في أكثرها- تلبس الممدوح أخلاقا لا تصحّ له، وترفعه إلى مرتبة سامية، فإن الشعراء، وإن كانوا ينافقون ويزيفون الواقع، فقد رسموا صورة مثالية لما يجب أن يكون عليه الرجل العربي، وأشاعوا الفضائل بين الناس ليأخذوا بها، فالمجتمع يفيد بذلك من قصيدة المدح، لأنها تحيي فيه أخلاقا لا قوام له بغيرها، وقد عبّر أبو تمام عن هذا المعنى بقوله:
стр. 454
ولولا خلال، سنّها الشّعر ما درى ... بغاة النّدى من أين تؤتى المكارم «١»
وحين يذكر شعراء المدح النبوي أخلاق رسول الله ﷺ وأخلاق صحابته، وتنتشر قصائدهم بين الناس وينشغلون بها، فإنّ هذه الأخلاق الجميلة الجليلة، سترسخ في نفوسهم، ويتخلّقون بها، ويبتعدون عمّا يخالفها.
وقد نقلت كتب التاريخ والأدب أمثلة وافية للانحراف عن الخلق السوي في ذلك العصر، فكان لا بد للمصلحين، ومنهم شعراء المدح النبوي من محاربة هذا الانحراف، وتذكير أصحابه بأخلاق رسول الله ﷺ وأخلاق أصحابه، ولذلك ألّفت الكتب الكثيرة في مناقب رسول الله ﷺ وصفاته وأخلاقه، منها كتاب (عجالة الراكب في ذكر أشرف المناقب) ، قال مؤلفه: «كتبت في سفري هذا ضراعة، هي عجالة راكب، أودعتها لطائف من أشرف المناقب، استخرجت معظمها من كلام العلماء، وأدت إلى بعضها قريحتي.. لكن الأولى التأدب بأدبه، والاقتداء بهداه» «٢» .
ومن هذه الكتب أيضا كتاب (أدب الدنيا والدين) الذي عزا مؤلفه بعض ما أورده فيه إلى منام رأى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: «رأيت رسول الله ﷺ في المنام ذات ليلة، فقلت: يا رسول الله، أوصني، فقال: استح من الله حقّ الحياء، ثم قال: تغير الناس، قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: كنت أنظر إلى الصبي، فأرى من وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه. ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات، تصورتها، وأذهلني السرور عن حفظها، ووددت لو أني حفظتها» «٣» .
ولهذا أكثر شعراء المدح النبوي من الحديث عن الأخلاق في مدائحهم، ومن ذلك قول البوصيري:
стр. 455
لم يعده الحسن في خلق وفي خلق ... ولم يزل حبّه شغلا لكلّ خلي
وقف على سنن المرضيّ من سنن ... فإنّ فيها شفاء الخبل والخبل «١»
وقد نظم ابن جابر مقصورة طويلة جعلها على أقسام، كل قسم على حرف من حروف الهجاء يسبق الألف المقصورة، وقد أورد فيها نبذة من أخلاق رسول الله ﷺ ، وتحدث عن أخلاق أهل عصره، ودعا إلى الاقتداء بخلق رسول الله ﷺ ، ومنها قوله:
إنّ الذي لا ينثني عن جوده ... إن بخل الدّهر لنا وإن سخا
زيّنه تواضع على علا ... فما ازدهى بعزّة ولا نخا
أحسن أخلاقا من الرّوض إذا ... ما اختال في برد الصّبا أو ارتدى
وأضاف قائلا في مدحه:
أدّبنا بسنّة أفلح من ... نمى إليها النّفس يوما أو عزا «٢»
وبعد أن اقتطف من أخلاق النبوة الطاهرة باقة بديعة، وعرضها أمام الناس، أخذ يقارن بين هذه الأخلاق وبين أهل عصره، فابتدأ بالحديث عن نفسه، وترفّعه عن سؤال النذل، الذي ضنّ بماله على المحتاجين فقال:
لا أسأل النّذل ولو أنّي به ... أملك ما حاز النّهار والدّجا
لكن إذا اضطر زمان جائر ... أمّلت من ليس يردّ من رجا «٣»
ثم أخذ يسرد بعض الأخلاق الفاضلة المأخوذة عن رسول الله ﷺ ، ووضعها في قالب الحكم، فقال:
стр. 456
هل هي إلا سنّة الحقّ التي ... أرشد من لاذبها أو احتذى
كفّ اللّسان وانبساط الكفّ بال ... خير وطيب الذّكر همّ قد شذا
ومن تكن دنياه أقصى همّه ... لم يرو من ثدي الحجى ولا اغتذى «١»
لقد ذكر الشاعر هذه الأخلاق الفاضلة في مقصورته النبوية، وكأنه يغمز من أخلاق معاصريه، فهذه الحكم جاء بها ليجابه ما انتشر بين الناس في زمانه من عادات فاسدة وأخلاق مذمومة، لذلك عاد إلى إدراج طائفة أخرى من الأخلاق على شكل حكم، فقال:
والعلم في حال الغنى والفقر لا ... يزال يرقى بك كلّ مرتقى
ولا ألوم المال فالمال حمى ... من جاهل يلقاك شرّ ملتقى
قد جبل النّاس على حبّ الغنى ... فربّه فيهم مهاب متّقى
وما لذي فقر لديهم رتبة ... ولو أفاد وأجاد واتّقى
إنّ الغنى طبّ لعلّات الفتى ... والفقر داء لا تداويه الرّقى «٢»
فالشاعر يعرض في مدحته النبوية عددا من الفضائل الخلقية التي يجدر بالناس أن يتحلوا بها، وينتقد بلطف بعض أخلاق أهل عصره، وخاصة البخل وحب المال وكنزه ومراعاة الغنى واحترامه على علّاته، وازدراء الفقير على علمه وأدبه.
وقد مرّ كثير من الأمثلة التي أظهر فيها الشعراء اهتمامهم بالأخلاق الفاضلة، حين مدحوا رسول الله ﷺ بخلقه وشمائله وخصاله الكريمة، وحين أشادوا بصحابته الكرام، وتخلّقهم بأخلاق حبيبهم المصطفى.
стр. 457
وإلى جانب ذلك حاول شعراء المدح النبوي توجيه الناس إلى الأخلاق الحسنة بالحكم والمواعظ التي نثروها في ثنايا مدائحهم النبوية، مثل قول الشهاب محمود في مقدمة نبوية له:
ليس موت الفتى إذا صح منه ال ... قصد دون الذي يحاول عارا
ليس شيء يكفي فإن تقنع النّف ... س تجد قلّ ما ترى إكثارا «١»
لقد أراد شعراء المدح النبوي أن يعلّموا أبناء عصرهم الأخلاق الحميدة، فعرضوا أخلاق رسول الله ﷺ الحميدة وأخلاق صحابته الكرام في قصائدهم، ليعرفها الناس ويستذكروها ويتخلقوا بها، وانتقدوا بعض أخلاق عصرهم السيئة، ليتركها أصحابها، وأظهروا فوائد الخلق الجميل، ليتحول إليه الناس، ولا شك أن انشغال الناس الكبير بالمدائح النبوية، جعلهم يتأثرون بهذا الجانب منها، ويتخلّقون بالأخلاق التي أوردها شعراء المدح النبوي وحبّبوها ودعوا إليها بوعي أو دون وعي.
كذلك عرض شعراء المدح النبوي عقائدهم، حتى تنتشر بين الناس، وأوضحوا مذاهبهم ليتعلمها الناس ويأخذوا بها، وكل واحد منهم يريد لمذهبه الانتشار والانتصار.
فالصرصري الحنبلي، يؤكد في مدائحه النبوية تمسكه بسنّة رسول الله ﷺ ، ورفضه للآراء المخالفة، وخاصة تلك التي تجتهد في الذات الإلهية، فيقول:
على أنّني إن شاء ربّي آخذ ... بسنّتك الحسنى ولست مبدّلا
ولست بسبّاب ولا بمشبّه ... ولا ربّ تأويل ولست معطّلا «٢»
إنّ الشاعر يتبرأ من السبّابين الذين يسبون بعض الصحابة، ومن الذين يتأوّلون
стр. 458
كلام الله تعالى ويصرفونه إلى غير مقاصده، والمعطّلين الذين يعطّلون المشيئة الإلهية، ويعلن التزامه بالسنّة، ويطلب من الناس الالتزام بها، لأنها تعصم من الانحراف والزّيغ عن الإسلام الصحيح، والدّين القويم.
وهو يدعو الناس إلى ذلك صراحة، وإلى اتباع السنّة الشريفة، والحرص على الجماعة، لأن الخروج عن السنة والجماعة، خروج عن الدين القويم، فيقول:
وإن شئت أن تحيا سعيدا مهذّبا ... بالسّنّة الزّهراء ذات الهدى خذ
عليك بها فاشدد يديك بحبلها ... ومن يطّرحها نابذا فله انبذ «١»
في حين نجد الصفي الحلي، الذي عرف بتشيعه، دائم الإشارة إلى ذلك والدعوة إليه، إنه يفضّل آل النبي الكرام على غيرهم، وفي ذلك يقول:
لهم إخاء ورحمى غير منكرة ... والذّكر أنزل في تعريض سبقهم
هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... فضل الإخاء ونصّ الذّكر والرّحم «٢»
فالمدح النبوي حوى عرضا للعقائد وجدلا حولها، كل شاعر يحسّن مذهبه ويدعو له، فيردّ عليه شاعر آخر أو عالم لا يرى رأيه.
стр. 459
المعرفة:
وبذلك يتضح لنا كيف عرض شعراء المدح النبوي عقائدهم، وكيف دعوا إليها، وأوضحوها للناس، فإذا لم يتأثر من يرى رأيا بالرأي المخالف له، فإنه على الأقل عرفه، وعرف أصوله، والمعرفة أحد أهداف المدح النبوي، وغاية من غاياته، كما يظهر في شرح العقائد والمذاهب، وكما يتضح من ذكر مناسك الحج أو الطريق إليه.
فقد استفاض الصرصري في إحدى مدائحه النبوية في إيضاح معالم طريق الحج من العراق، كما أوضح شروط الحج وبيّن مشاعره، وهو لا شك يريد بذلك أن يطّلع الذين يجهلون الطريق أو يجهلون شروط الحج ومشاعره، على منازل الطريق، وعلى أصول أداء هذه الفريضة.
فقال في مدحة نبوية:
ورماها المسير بحصن بشير ... ساميات الأعناق مستبشرات
وطوت بالمسير بابل طيّا ... ورمت خلف ظهرها بالفرات
وقضت باقي المارب بالكو ... فة واستقبلت عراص الفلاة
ثمّ مرّت بالقادسيّة واجتا ... زت بخفّان ترتمي سائرات
وارتمت بالغوير بعد زرود ... وأحاطت بالأجفر المترعات «١»
وبعد أن يصل إلى الحجاز، ويعرّف أهل العراق طريقهم إليه، يذكر لهم شروط الحج ومشاعره ليعرفها من يجهلها، فيقول:
стр. 460
حرّموا الطّيب والنّساء وقتل الص ... صيد إذ أحرموا من الميقات
نزعوا عنهم المخيط فهم بي ... ن يديه كهيئة الأموات
ثم ساروا بنشوة وابتهاج ... يطلبون الأعلام من عرفات
جمعوا الفضل حين حلّوا بجمع ... وأعدّوا الحصى بمزدلفات
جمعوا بين رمي وتحليق الن ... نواصي والنّحر للبدنات
وطواف القدوم والسّعي والتّك ... بير بعد الفرائض الرّاتبات «١»
إنّ نظم شروط الحج في القصائد النبوية يختلف عن شرحها في كتاب، لأنها أسهل للحفظ من ناحية، ولأن الشاعر يضيف إليها أحاسيس الحاج ومشاعره، فيثير الشوق في النفوس لتأدية هذه الفريضة من ناحية ثانية، فهذه المعلومات التي ضمّنها مادحو النبي لقصائدهم، توسع معارف الناس، وتطلعهم على جوانب من علوم قد لا يمكّنهم مستواهم الثقافي من الاطلاع عليها، وكذلك تمكّنهم من حفظها، فهي وإن أضرّت نوعا ما بشاعرية قصائد المدح النبوي، إلا أنها أفادت المطلعين عليها، وأدّت مهمة تثقيفية، رآها شعراء المدح النبوي ضرورية، ولذلك أكثروا من مثل هذه المعلومات، والتي هي في الغالب قريبة من موضوع المدح النبوي، أو الثقافة الدينية، ويندر أن تخرج إلى ميادين العلوم الآخرى، مثلما فعل البرعي في مطلع إحدى مدائحه النبوية حين أشاد بعلم النحو، وأظهر فوائده، فقال:
كلام بلا نحو طعام بلا ملح ... ونحو بلا شعر ظلام بلا صبح
إذا شرحوا فضل العلوم فإنّني ... غنيّ بفضل النّحو عن ذلك الشّرح